النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة البقرة
ضرارًا﴾ أى اتخذوا المسجد ضررًا ليضاروا المؤمنين، ومعناه يرجع إلى إثارة العداوة، وإزالة
الألفة، وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة)).
والمعنى: وإذا طلقتم - أيها المؤمنون - نساءكم طلاقًا رجعيًّا، ﴿فبلغن أجهلن﴾ أى
فشارفت عدتهن على الانتهاء، وقاربت الانقضاء، فعليكم أن تتدبروا مليا فى أمركم، فإن
رأيتم الأصلح فى بقائهن معكم فنفذوا ذلك وأمسكوهن بمعروف. أى بما هو المعروف من شرع
الله الحكيم، وبما تقره الأخلاق الحسنة والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لا رغبة لكم فى البقاء
معهن فسرحوهن بمعروف أى فأمضوا الطلاق، وتفارقوا بالطريقة التى يرضاها الحق
- سبحانه - بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولا تذكروهن بسوء بعد انفصالكم عنهن، فهذا شأن .
الأتقياء الصالحين فقد سئل بعضهم، لم طلقت امرأتك؟ فقال : إن العاقل لا يذكر مابينه وبين ،
أهله .
قال القرطبى : معنى ﴿بلغن﴾ قاربن بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه
بعد بلوغ الأجل لا خيار له فى الإمساك، وهو فى الآية التى بعدها بمعنى الانتهاء، لأن المعنى
يقتضى ذلك، فهو حقيقة فى الثانية، مجاز فى الأولى - أى التى معنا -)) ..
ثم نهى - سبحانه - عن الإمساك الذى يكون معه الضرر فقال. ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا
لتعتدوا﴾ أى لا تراجعوهن إرادة الضرر بهن والإِيذاء لهن لتعتدوا عليهن، والجملة الكريمة
تأكيد للأمر بالإِمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كان يفعله بعضهم من
مراجعته لامرأته قبل انتهاء عدتها لا لقصد الإبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة الزوجة،
أو لقصد أن تفتدى نفسها منه بالمال: وإضرارًا﴾ منصوب على الحال فى تمسكوهن أو على أنه
مفعول لأجله. واللام فى قوله : ﴿لتعتدوا﴾ هى لام العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء ..
وحذف متعلق ((لتعتدوا)) ليتناول الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله - تعالى -.
وقوله : ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ وعيد شديد لمن يقدم على مانهى الله عنه. أی :
ومن يراجع مطلقته بقصد الإِضرار بها والاعتداء عليها فقد ظلم نفسه ظلمًا مؤكدًا، لأنه
سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس.
وجعل ظلمهم لنسائهم ظلمًا لأنفسهم، لأن عملهم هذا سيؤدى إلى اختلال المعاشرة
الزوجية واضطرابها، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين وبين أهلهما. ثم كرر - سبحانه -
تحذير المخالفين لشريعته، وذكرهم بألوان نعمه عليهم ليستجيبوا لأمره فقال: ﴿ولا تتخذوا
آيات الله هزوًّا، واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾.
آيات الله: أحكامه التى شرعها فى شأن الطلاق وغيره.

٥٢٢٠
المجلد الأول
والهزء - بضمتين - مصدر هزأ به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول أى :
مهزوءًا بها. وقوله ﴿هزوا﴾ مفعول ثان لتتخذوا.
والمراد بالحكمة هنا. السنة النبوية المطهرة.
والموعظة والعظة : النصح والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب، ويحذر النفوس مما نهى الله
عنه .
أى: ولا تتخذوا - أيها الناس - آيات الله التي شرعها لكم فى شأن الطلاق وغيره مهزوءًا
بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا فى المحافظة عليها، والتمسك بتعاليمها، ومن مظاهر ذلك أن
بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق متوهما أن ذلك لا يضر، أو كان يتخذ المراجعة
وسيلة لإِيذاء المرأة.
قال القرطبى: وفى موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: ((إنى طلقت امرأتى مائة
مرة فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس : طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات
الله هزوا))(١).
والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر بضده، أى جدوا فى العمل بأوامر الله وآياته، وارعوها
حق رعايتها .
وقوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾. إلخ أى تذكروها فى هدايتكم إلى الإِسلام، وفى
مشروعية الزوجية وفى غير ذلك مما لا يحصى من النعم وتدبروا نعم الله عليكم فقابلوها
بالشكر، واستعملوها فيما خلقت له، وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم
محمد رَّي من الكتاب وهو القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم، ومن الحكمة وهى السنة النبوية
المطهرة، بما جاء فيهما من توجيهات سامية، وآداب عالية.
و ((ما)) فى قوله: ﴿وما أنزل عليكم) موصولة والعائد محذوف أى ما أنزله و((من)) فى
قوله: ﴿من الكتاب﴾ بيانية، وجملة ﴿يعظكم به﴾ حال من فاعل أنزل أو من مفعوله،
والضمير فى ﴿به﴾ يعود على الكتاب والحكمة بعد تأويلهما بالمذكور. وجعل ضميرهما واحدًا
لأنهما فى مؤداهما وغايتهما شىء واحد، فالسنة ليست نابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت قوتها
وسلطانها .
وقوله - سبحانه -: فى ختام الآية ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم) تذكير لهم
بتقوى الله وخشيته ومراقبته، وتحذير لهم من مخالفة أمره.
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١٥٦.

٥٢٣
سورة البقرة
أى: صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى - فيما يتعلق بأمور الزوجية وفى غيرها
مما شرعه لكم، واعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل شىء، عليم بما تسرونه وما تعلنونه،
وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله﴾.
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ظلم أو جور
فقال - تعالى -: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا
تراضوا بينهم بالمعروف﴾.
قال القرطبى : تعضلوهن معناه تحبسوهن، ودجاجة معضل أى: قد احتبس بيضها،
وقيل: العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. يقال: أعضل الأمر: إذا ضاقت
عليك فيه الحيل. قال الأزهرى: وأصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم
يسهل خروجه. ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أى شديد عسر البرء أعيا
الأطباء ... ))(١).
والمعنى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى: انقضت عدتهن وخلت الموانع من
زواجهن، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به، متى حصل التراضى بين الأزواج
والزوجات على ما يحسن فى الدين، وتقره العقول السليمة، ويجرى به العرف الحسن.
والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة، بخلاف البلوغ فى الآية التى قبل هذه، فإن
المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من قبل لأن المعنى يحتم ذلك، والخطاب هنا للأزواج
وللأولياء ولكل من له تأثير على المرأة المطلقة، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء
عدتها قد يكون من جانب الزوج السابق، لاسيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة، فإنه
يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج.
وقد يكون المنع من جانب الأولياء، وقد أورد المفسرون آثارًا تشهد لذلك منها - كما يقول
الألوسى - ما أخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو داود من طرق شتى عن
معقل بن يسار قال : كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم
طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت
له : أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئتِ تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدًا، وكان رجلا
لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله - تعالى - حاجته إليها وحاجتها إلى
بعلها فأنزل هذه الآية. ففى نزلت فكفرت عن يمينى وأنكحتها إياه .. ))(٢).
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١٥٩.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١ ص ١٤٤.

٥٢٤
المجلد الأول
وعبر - سبحانه - عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال
﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ مع أن الزواج لم يتحقق بعد، للإشارة إلى الحقيقة
المقررة الثابتة، وهى أن من يقع اختيارها عليه، ولم يكن اقترانها به فيه ما يشينها أويشين
أسرتها، فمن الواجب ألا يمانع أحد فى إتمام هذا الزواج، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه،
لأن شريعة الله والفطرة الإِنسانية يقضيان بذلك.
وقوله : ﴿أن ينكحن﴾ تقديره: من أن ينكحن فهو فى محل جر عند الخليل والكسائى وفى
محل نصب عند غيرهما، وقوله: ﴿إذا تراضوا﴾ ظرف لأن ينكحن أو لقوله:
﴿فلا تعضلوهن﴾، وقوله: ﴿بالمعروف) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أو هو
نعت لمصدر محذوف أى تراضيًا كائنًا بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا. أى تراضوا بما يحسن فى
الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من
العضل المنهى عنه.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر،
ذلكم أزكى لكم وأطهر، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.
أى : ذلك القول الحكيم، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام وأسماها يوعظ به،
ويستجيب له من كان منكم عميق الإِيمان بالله - تعالى - وبثوابه وبعقابه يوم القيامة. ذلكم
الذى شرعه الله لكم - أيها المؤمنون - من ترك عضل النساء والإِضرار بهن وغير ذلك من
الأحكام ﴿أزكى لكم وأطهر﴾ أى أعظم بركة ونفعًا، وأكثر تطهيرًا من دنس الآثام، فإن المرأة
إذا عوملت معاملة كريمة، ولم تظلم فى رغباتها المشروعة، التزمت فى سلوكها العفاف والخلق
الشريف، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى ارتكاب مانهى الله
عنه. والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم
به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا وتسعدوا.
والإِشارة بقوله: ﴿ذلك) إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال والخطاب لكل من
يصلح للخطاب من المكلفين.
وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به، وترق معه قلوبهم وتخشع له
نفوسهم .
وأتى - سبحانه - بضمير الجمع ﴿ذلكم﴾ بعد أن قال فى صدر الجملة ﴿ذلك﴾ للإشارة إلى
أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها فى اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين، وأن
فائدة ذلك ستعود عليهم جميعًا ما دام هذا الاختيار فى حدود الآداب التى جاء بها الإِسلام.

٥٢٥
سورة البقرة
وقوله : ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله، أو
متهاون فى ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التى يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون
فيها، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية، والنتائج المرضية، لأنه شرع من يعلم
كل شىء ولا يجهل شيئًا، ويعلم ما هو الأنفع والأصلح للناس فى كل زمان ومكان، ولم يشرع
لهم - سبحانه - إلا ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، وما دام علم الله - تعالى - هو الكامل،
وعلم الإِنسان علم قاصر، فعلينا أن نتبع شرع الله فى كل شئوننا، ولنقل لأولئك المعترضين أو
المتهاونين: سيروا معنا فى طريق الحق فذلكم ﴿أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم
لا تعلمون﴾.
وبعد : فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التى تتعلق بالطلاق، وإذا كان
الإِسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التى تحتمها مصلحة الزوجين، فإنه فى الوقت نفسه قد
وضع كثيرًا من التعاليم التى يؤدى اتباعها إلى الإبقاء على الحياة الزوجية، وعلى قيامها على المودة
والرحمة، ومن ذلك :
١ - أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج، بأن جعل أساس الاختيار الدين
والتقوى والخلق القويم، لأنه متى كان كل من الزوجين متحليًا بالإِيمان والتقوى، استقرت
الحياة الزوجية بينهما، وقامت على المودة والرحمة وحسن المعاشرة.
٢ - أنه أمر كلا الزوجين بأن یبذل كل واحد منهما قصارى جهده فى أداء حق صاحبه،
وإدخال السرور على نفسه، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل، وأن
يجعلا الأناة والصبر رائدهما، فإن الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من
اختلاف بين الزوجين.
٣ - دعا الإِسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير فى غير طريق المودة،
فقال - تعالى -: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا.
بينهما صلحًا والصلح خير ... ) كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإصلاح بين الزوجين عند
نشوب الشقاق بينهما أو عند خوفه فقال - تعالى -: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من
أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليًا خبيرًا﴾.
٤ - نهى الإِسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة فى حال حيضها، أو فى حال طهر باشرها
فيه، لأن المرأة فى هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل مشوقًا إليها ...
وأباح له أن يوقع الطلاق فى طهر لم يجامعها فيه، لأن إيقاعه فى هذه الحالة يكون دليلا على
استحكام النفرة بينهما.

٥٢٦
المجلد الأول
٥ - نهى الإِسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها، وأمر الزوج بأن يجعل
طلاقه رجعيًا، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها نفسه، فإن وجد الخير
فى مراجعة زوجته راجعها بقصد الإصلاح واستمرار الحياة الزوجية، وإن وجد الخير فى غير
ذلك تركها حتى تنقضى عدتها وفارقها بالمعروف عملا بقوله - تعالى - : ﴿فإمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان﴾.
٦ - جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل، لأنه هو الذى وقعت عليه معظم أعباء الزواج، وهو
الذى سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من تكاليف، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف
وبمقتضى حرصه على استقرار حياته، سيتأنى ويتروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطرًا إلى
ذلك.
كما أن الإِسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها، أو ترفع أمرها للقاضى ليفرق بينها
وبينه إذا تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما لأى سبب من الأسباب. وفى هذه
الحال فللقاضى أن يفرق بينهما إذا رأى أن المصلحة تقتضى ذلك.
٧ - أباح الإِسلام للرجل الذى طلق امرأته ثلاثًا أن يعود إليها من جديد، وذلك بعد
طلاقها من رجل آخر یکون قد تزوجها زواجًا شرعيًا وانقضت عدتها منه، وفى ذلك ما فيه من
التأديب لهما، والتهذيب لسلوكهما.
٨ - وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد المرأة التى
تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب الشديد، ومن ذلك ما رواه أبو داود
والترمذى عن ثوبان أن رسول الله وسلم قال: ((أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس
- أى من غير عذر شرعى أو سبب قوى - فحرام عليها رائحة الجنة)). وروى أبو داود وغيره
(( عن ابن عمر عن النبى (وَ ﴿ قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق))(١).
هذه بعض التشريعات التى وضعها الإِسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع والانهيار،
ومنها نرى أن الإسلام وإن كان قد شرع الطلاق، إلا أنه لا يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة
الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه.
وبعد أن بین - سبحانه - حقوق الزوجین فی حالتی اجتماعهما واقترافهما، أردف ذلك ببيان
حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج. فقال تعالى :
(١) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٣ ص ٨٣.

٥٢٧
سورة البقرة
وَاُلْوَلِدَاتٌ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثُمَّ الرَّضَاعَةُ وَ عَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُّ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ
وَلِدَةٌ بِوَ لَدِهَا وَلَا مَوْلُودُلَهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ
فَإِنْ أَرَادَا فِصَالََّ عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍفَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَأْ وَإِنْ
أَرَكُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْأَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ
ءَانَيْتُم بِالْغُرُوفِ وَأَنَّقُواْاللَّهَوَأَعْلَمُوْ أَنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
والمراد بالوالدات الأمهات سواء أكن فى عصمة أزواجهن أم مطلقات لأن اللفظ عام فى
الكل ولا يوجد ما يقتضى تخصيصه بنوع من الأمهات. ويرى بعض المفسرين أن المراد
بالوالدات هنا خصوص المطلقات لأن سياق الآيات قبل ذلك فى أحكام الطلاق، ولأن المطلقة
عرضة لإِهمال العناية بالولد وترك إرضاعه.
وحولين أى عامين. وأصل الحول - كما يقول الراغب - تغير الشىء وانفصاله عن غيره.
والحول: السنة اعتبارًا بانقلابها ودوران الشمس فى مطالعها ومغاربها. قال - تعالى - :
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾. ومنه حالت السنة تحول وحالت الدار تغيرت،
وأحال فلان بمكان كذا أى أقام به حولا))(١).
وعبر عن الأمهات بالوالدات، للإشارة إلى أنهن اللائى ولدن أولادهن، وأنهن الوعاء الذى
خرجوا منه إلى الحياة، ومنهن يكون الغذاء الطبيعى المناسب لهذا المولود الذى جاء عن
طریقهن.
وقوله : ﴿يرضعن أولادهن﴾ جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى، إذ التقدير ليرضعن. أى:
عليهن إرضاع أولادهن.
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٣٧ .

١
بصو
٥٢٨
المجلد الأول
وعبر عن الطلب بصيغة الخبر، للإشعار بأن إرضاع الأم لطفلها عمل توجبه الفطرة،
وتنادى به طبيعة الأمومة.
قال الجمل : وهذا الأمر للندب وللوجوب، فهو يكون للندب عند استجماع شروط ثلاثة،
قدرة الأب على استئجار المرضع، ووجود من يرضعه غير الأم، وقبول الولد للبن الغير. ويكون
للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط))(١).
وليس التحديد بالحولين للوجوب، لأنه يجوز الفطام قبل ذلك، بدليل قوله: ﴿لمن أراد أن
يتم الرضاعة﴾ وإنما المقصود بهذا التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا فى مدة الرضاع،
فإذا اتفق الأب والأم على أن يفطما ولدهما قبل تمام الحولين كان لهما ذلك إذا لم يتضرر الولد بهذا
الفطام، وإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم أوالعكس لم يكن لأحدهما ذلك.
قال القرطبى ما ملخصه : وقد انتزع مالك - رحمه الله - ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه
الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هى ما كان فى الحولين، لأنه بانقضاء
الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة .. لقوله - تعالى -: ﴿والوالدات
يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين.
وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله (( لا رضاع إلا ما كان
فى الحولين)) وهذا الخبر مع الآية ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. وقد روى عن عائشة
القول به، وروى عن أبى موسى الأشعرى أنه كان يرى رضاع الكبير. وروى عنه الرجوع عنه.
وسيأتى تحقيق هذه المسألة فى سورة النساء))(٢).
وفى وصف الحولين بكاملين، تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثانى، لأن
إطلاق التثنية والجمع فى الأزمان والأسنان على بعض المدلول إطلاق شائع عند العرب.
فيقولون : هو ابن سنتين، ويريدون سنة وبعض الثانية.
وفى هذه الجملة الكريمة ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ بيان لمظهر من
مظاهر رعاية الله - تعالى - للإِنسان منذ ولادته، بل منذ تكوينه فى بطن أمه جنينًا، فقد أمر
- سبحانه - الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن فى تلك المدة، لأن لبن الأم هو أفضل غذاء
لطفلها فى هذه الفترة، وأسلم وسيلة لضمان صحته ونموه، ولصيانته من الأمراض النفسية
والعقلية، فقد أثبت الأطباء الثقاة أن الطفل كثيرًا ما يصاب بأمراض جسمية ونفسية وعقلية
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٨٨.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١٦٢.

٥٢٩
سورة البقرة
نتيجة رضاعته من غير أمه، كما أثبتوا أن عناية الأم بطفلها فى هذه الفترة عن طريق إرضاعه
ورعايته، تؤدى إلى تحسن أحواله ...
وقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ بيان لمن توجه إليه الحكم. أى هذا الحكم لمن أراد
إتمام الرضاع، فإذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك. فالجملة
الكريمة خير لمبتدأ محذوف أى هذا الحكم لمن أراد أن يتم مدة الرضاعة.
وقوله : ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ بيان لما يجب على الآباء.
- أى: وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهن من نفقة وكسوة بالمعروف أى بالطريقة
التى تعارف عليها العقلاء بدون إسراف أو تقتير.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت لم قيل ﴿المولود له﴾ دون الوالد؟ قلت: ليعلم أن
الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الامهات، كما قال
المأمون بن الرشيد :
مستودعات وللآباء أبناء
فإنما أمهات الناس أوعية
فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار ألا ترى أنه ذكره باسم
الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله - تعالى -: ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا
لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا ... ﴾(١).
وقوله: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف. أو تفسير للمعروف
ولهذا فصلت هذه الجملة عن سابقتها، وقوله ﴿وسعها﴾ منصوب على أنه مفعول ثان لتكلف،
والاستثناء قبله مفرغ أى أن أبا الولد لا يكلف فى الإِنفاق عليه وعلى أمه إلا بالقدر الذى تتسع
له مقدرته بدون إرهاق أو مشقة.
وتلك هى سنة الإِسلام فى جميع تكاليفه، فالله - تعالى - ما كلف عباده إلا بما يستطيعونه
ويطيقونه بدون عسر أوعنت قال - تعالى -: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ وقال -
تعالى - : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.
وقوله : ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ تعليل للأحكام السابقة الموزعة بين
الأب والأم، والتى أساسها رعاية حق هذا الوليد الذى أتى عن طريقهما.
والمضارة مفاعلة من الضرر، والمعنى : لا ينبغى أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها، بأن
يستغل الأب حنوها على وليدها فيمنعها شيئًا من نفقتها، أو يأخذ منها طفلها وهى تريد
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧٩.

٥٣٠
المجلد الأول
إرضاعه، أو يكلفها بما ليس فى مقدورها أو ما يخالف وظيفتها، ولا ينبغى كذلك أن يقع ضرر
على الأب بسبب ولده، بأن تكلفه الأم بما لا تتسع له قدرته مستغلة محبته لولده وعنايته بتنشئته
تنشئة حسنة.
قال الجمل: و﴿لا﴾ فى قوله: ﴿لا تضار﴾ يحتمل أن تكون نافية فيكون الفعل مرفوعًا،
ويحتمل أن تكون ناهية فيكون الفعل مجزومًا، وقد قرى بهما فى السبع، وعلى كل يحتمل أن
يكون الفعل مبنيًّا للفاعل والمفعول))(١).
والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه أو يُضر من
صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه.
وأضاف الولد إلى كل منهما فى الموضعين للاستعطاف، وللتنبيه على أن هذا الولد الذى
رزقهما الله إياه جدير بأن يتفقا على رعايته وحمايته من كل ما يؤذيه، ولا يجوز مطلقًا أن يكون
مصدر قلق لأى واحد منهما.
وقدمت الأم فى الجملة الكريمة، لأن الشأن فيها أن يكون حنوها أشد، وعاطفتها أرق،
ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب.
فالجملة الكريمة توجبه سديد، وإرشاد حكيم، للآباء والأمهات إلى أن يقوم كل فريق منهم
بواجبه نحو صاحبه ونحو الأولاد الذين هم ثمار لهم.
وقوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ معطوف على قوله ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾. الخ
وما بينهما تعليل أو تفسير معترض.
أى: وعلى وارث الأب أو وارث الصبى - أى من سيرته بعد موته - عليه مثل ما على الأب
من النفقة وترك الإِضرار. فهذه الجملة الكريمة سيقت لبيان من تجب عليه نفقة الصبى إذا فقد
أباه، أو كان أبوه موجودا ولكنه عاجز عن الإِنفاق عليه.
قال الألوسى ما ملخصه: والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على
الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال. وهو التفسير المأثور عن عمر وابن
عباس وقتاده .. وخلق كثير. وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٨٩.

٥٣١
سورة البقرة
الصیی ... وقال الشافعی المراد وارث الأب - يجب عليه عند موت الأب کل ما کان واجبًا
على الأب - وقيل المراد بالوارث الباقى من الأبوين، وقد جاء الوارث بمعنى الباقى كما فى قوله
(* اللهم متعنى بسمعى وبصرى واجعلهما الوارث منى))(١) وعلى أية حال فالجملة الكريمة
تغرس معانى الإِخاء والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة، فالقادر ينفق على العاجز،
والغنى يمد الفقير بحاجته، وبذلك تسعد الأسرة، وتسودها روح المحبة والمودة.
وقوله : ﴿فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ معطوف على قوله
﴿يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ لأنه متفرع عنه. والضمير فى قوله ﴿فإن أرادا﴾ يعود على
الوالدين.
قال القرطبى : والفصال والفصل. الفطام وأصله التفريق، فهو تفريق بين الصبى والثدى.
ومنه سمى الفصيل - لولد الضأن - لأنه مفصول عن أمه. والتشاور: استخراج الرأى - بما
فيه المصلحة - وكذلك المشاورة. من الشور وهو اجتناء العسل. يقال شرت العسل - إذا
استخرجته من مواضعه - والشوار: متاع البيت لأنه يظهر للناظر. والشارة هيئة الرجل.
والإِشارة: إخراج ما فى نفسك وإظهاره))(٢).
والمعنى: فإن أراد الأبوان فطامًا لولدهما قبل الحولين، وكانت هذه الإِرادة عن تراض منهما
وتشاور فى شأن الصبى وتفحص لأحواله، ورأيا أن هذا الفطام قبل بلوغه الحولين لن يضره
فلا إثم عليهما فى ذلك.
وقال بعضهم: وأيضًا لا إثم عليهما إذا فطماه بعد الحولين متى رأيا المصلحة فى ذلك، وقد
قيد - سبحانه - هذا الفطام للصبى بكونه عن تراض من الأبوين وتشاور منهما، رعاية لمصلحة
هذا الصبى، لأن رضا أحدهما فقط قد يضره، بأن تمل الأم الإِرضاع أو يبخل الأب بالإِنفاق.
ولأن إقدام أحدهما على الفطام بدون التشاور مع صاحبه قد يؤثر فى صحة الصبى تأثيرا سيئًا.
لذا أوجب - سبحانه - التراضى والتشاور فيما بينهما من أجل مصلحة صبيهما.
ثم قال - تعالى - : ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم
ما آتيتم بالمعروف﴾.
أى: وإن أردتم - أيها الآباء - أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، ورضى الأمهات بذلك،
فلا إثم عليكم فيما تفعلون ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم، وعليكم أن تسلموا هؤلاء
=
(١) تفسير الألوسى جـ٢ ص ١٤٧
(٢) تفسير القرطبى جـ٣ ص١٧٢

٥٣٢
المجلد الأول
المراضع أجرهن بالطريقة التى يقرها الشرع، وتستحسنها العقول السليمة، والأخلاق القويمة.
واسترضع - كما يقول الزمخشرى - منقول من أرضع. يقال: أرضعت المرأة الصبى،
واسترضعتها الصبى فهى متعدية إلى مفعولين، والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم.
فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه.
وقوله ﴿ما آتيتم﴾ حذف مفعولاه أى آتيتموهن إياه. و﴿بالمعروف﴾ متعلق بسلمتم أى
بالقول الجميل، وبالوجه المتعارف المستحسن شرعًا. ويجوز أن يتعلق بآتيتم. وأن يكون حالا
من فاعل سلمتم أو آتيتم والعامل فيه محذوف أى متلبسين بالمعروف.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾.
أى: اتقوا الله فى كل شئونكم والتزموا ما بينه لكم من أحكام، واعلموا أن الله - تعالى -
لا تخفى عليه أعمالكم، فهو محصيها عليكم، وسيجزى المحسن إحسانًا والمسىء سوءاً.
ثم بين - سبحانه - عدة المرأة إذا توفى عنها زوجها، وما يجب عليها من آداب فقال
- تعالى -.
وَاَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ
فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
(٢٣٤)٠
وقوله : ﴿يتوفون﴾ - بالبناء للمجهول - أى تقبض أرواحهم فإن التوفى هو القبض.
يقال: توفيت مالى من فلان واستوفيته منه أى قبضته وأخذته. قال - تعالى -: ﴿الله يتوفى
الأنفس حين موتها﴾ أى يقبض الأنفس ويأخذها إليه بالموت حين انتهاء آجالها.
والمعنى : والذين يتوفاهم الله - تعالى - منكم - أيها المسلمون - ويتركون من خلفهم
أزواجًا. فعلى هؤلاء الأزواج اللائى ارتبطن برجالهم ارتباطًا قويًّا متينًا ثم فرق الموت بينهم
وبينهن، عليهن أن ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ أى: عليهن أن ينتظرن انقضاء
عدتهن فيحبسن أنفسهن عن الزواج وعن التزين وعن التعرض للخطاب مدة أربعة أشهر
وعشر ليال، وفاء لحق الزوج المتوفى، واستبراء للرحم.

٥٣٣
سورة البقرة
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: هذا أمر من الله - تعالى - للنساء اللاتي يتوفى عنهن
أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال. وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير
المدخول بالإجماع، ومستند هذا الإجماع فى غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث
الذى رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذى أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج
امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها فقال: أقول فيها برأيى فإن يك صوابًا فمن الله،
وإن يك خطأ فمنى ومن الشيطان. والله - تعالى - ورسوله بريئان منه : لها الصداق كاملا.
وفى لفظ : لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث. فقام معقل بن يسار
فقال: سمعت رسول الله بِّ قضى به فى بَرَوَعَ بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحًا
شديدًا. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهى حامل فإن عدتها بوضع الحمل لعموم
قوله - تعالى -: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وكان ابن عباس يرى أن عليها
أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع أو أربعة أشهر وعشرة أيام للجمع بين الآيتين))(١).
وقوله: ﴿والذين﴾ اسم موصول مبتدأ. و﴿يتوفون) صلته، و﴿منكم) فى موضع
النصب على الحال من الواو فى ﴿يتوفون﴾ و﴿يتربصن﴾ وما بعده خبر عن الذين والرابط
محذوف والتقدير: يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا.
والتعبير بقوله : ﴿يتربصن بأنفسهن) تعبير دقيق حكيم أى: عليهن أن يمنعن أنفسهن عن
النكاح وعن التزين وعن الخروج من منزل الزوجية - إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا
الخروج - مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك لأن المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها
لزوجها المتوفى عنها، أن تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته، فإن هذا أمر
مستهجن فى شرع الله وفى عرف العقلاء من الناس. إذ هذه المدة التى جاءت فى الآية التى
حددها الله - تعالى - لمعرفة براءة الرحم من الحمل، وهى التى تخف فيها مرارة الفراق بين
زوجين ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة.
ولقد ألغى الإِسلام بهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة للمرأة فقد كانت المرأة فى الجاهلية إذا
توفى عنها زوجها تغلق على نفسها مكانًا ضيقًا فى بيتها وتقضى فيه عامًا كاملا حدادًا على زوجها
فأبطل الإِسلام ذلك، ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما ثبت فى الصحيحين عن أم
حبيبة وزينب بنت جحش - رضى الله عنهما - أن رسول الله وَ الر قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن
بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا)).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٨٤.

٥٣٤
المجلد الأول
والإِحداد هو ترك الزينة، وعدم التعرض للخطاب، وعدم الخروج من منزل الزوجية إلا
لضرورة. وفى الصحيحين أيضًا عن أم سلمة أن امرأة قالت يارسول الله إن ابنتى توفى عنها
زوجها وقد اشتكت عينها أفتكتحل؟ فقال: لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قال: إنما هى أربعة
أشهر وعشر وقد كانت إحداكن فى الجاهلية تمكث سنة)).
قال ابن كثير بعد أن ساق هذين الحديثين : قالت زينب بنت أم سلمة : كانت المرأة إذا توفى
عنها زوجها دخلت حَفشًا - أى مكانا ضيقًا من البيت - ولبست شر ثيابها ولم تمس طبيًّا
ولا شيئًا حتى تمر سنة))(١).
وقال بعض العلماء : وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هى فى جملتها أكثر من عدة
المطلقات، لأن تلك ثلاثة قروء تجىء عادة فى نحو ثلاثة أشهر. وهنا يرد سؤالان :
أولهما: لماذا كانت العدة فى المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض فلم تجعل أربع
حيضات بدل ثلاث؟ ولماذا كانت الزيادة؟ ولم نجد أحدًا تصدى لبيان الحكمة فى جعلها
بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التى تدركها عقولنا - وإن كانت الحكمة السامية قد تعلو على
مدار كنا - : هى أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها والصغيرة والكبيرة،
والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذى انتهى بوفاة أحد ركنيه، فلزم أن يكون بأمر
يشترك فيه الجميع مادام السبب واحدًا فى الجميع. وفوق ذلك أن العدة فى الوفاة لو قدرت
بالحيض وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة فى الزواج إلى الكذب فتدعيه
وهو لم يقع، وفى المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها أما فى حال الوفاة
فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خالصًا. فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى
لا يكون مساغا للكذب وإدعاء ما لم يحصل، لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب
وليست أمرًا يعرف من جهتها فقط.
أما الجواب عن الأمر الثانى وهو لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر فى الجملة من العدة الناشئة عن
الطلاق؟ فيبدو بادى الرأى من الفرق بين حال الطلاق وحال الوفاة أن الطلاق نتيجة شقاق.
فالحداد على الزوج الذى ينشئه ليس قويًّا، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة
يكون أوضح فى معنى العدة، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر. أما حال الموت فمرارة الفراق
فيها أوضح وأشد، ومعنى الحداد فيها يغلب معنى براءة الرحم، ولذا تجب على المدخول بها
وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٨٥.

٥٣٥
سورة البقرة
وقد يرد سؤال ثالث وهو: لماذا حددت العدة بأربعة أشهر وعشر؟ وإن تقدير الأعداد كما
يقرر الفقهاء أمر توقيفى خالص لا يجرى فيه القياس ولكن ليس معنى ذلك أنه لا حكمة فيه،
وأن الحكمة يقررها العلماء فى أمرين :
أولهما : أن الأشهر الأربعة هى التى يظهر فيها الحمل ويستبين، وقد جعلت العشر بعدها
للاحتياط.
وثانيهما : أن مدة أربعة الأشهر هى المدة التى قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من
الرجال. ولذلك جعل الإِيلاء مدته أربعة أشهر .. فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن
تجعل مدة الإِحداد على الزواج فى حدود هذه المدة ومقاربة لها فى الجملة))(١).
وقوله : ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف﴾ بيان لما يترتب
على انتهاء المدة التى حددها الشرع للمرأة التى مات عنها زوجها. أى: فإذا انتهت المدة التى
حددها الشرع للمرأة التى مات عنها زوجها لتتجنب فيها التزين والتعرض للنكاح. فلا حرج
عليكم بعد ذلك أيها المسلمون أو أيها الأولياء - فى ترك هؤلاء الزوجات الأرامل يفعلن فى
أنفسهن ما تفعله المرأة الراغبة فى الزواج من التزين والتجمل ولكن بالطريقة التى يقرها
الشرع، وترضاها العقول السليمة، والأخلاق المستقيمه.
وقوله : ﴿بالمعروف﴾ متعلق بفعلن، أو حال من النون أى حالة كونهن متلبسات بالمعروف.
ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعًا بأن تبرجن وأظهرن ما أمر الله بستره فإنه فى هذه
الحالة يجب على أوليائهن أن يمنعوهن من ذلك.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أى أنه محيط بدقائق أعمالكم
لا يخفی علیه منها شىء فإذا وقفتم أنتم ونساؤكم عند حدوده أسعدكم فى الدنيا وأجزل مثوبتكم
فى الآخرة، وإن تجاورتم حدوده عاقبكم بما تستحقون ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى
الله بقلب سليم﴾.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت للناس أفضل وسائل الحياة الشريفة، فأرشدت المرأة
التى مات عنها زوجها إلى ما يحفظ لها كرامتها، ويدفع عنها ما يتنافى مع العفة والشرف والوفاء.
ثم بين - سبحانه - حكم الخطية للنساء المعتدات بيانًا يقوم على أدب النفس، وأدب
الاجتماع، ورعاية المشاعر والعواطف مع رعاية المصالح والضرورات فقال - تعالى - :
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد الثامن السنة
. السادسة سنة ١٩٥٢.

٥٣٦
المجلد الأول
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَزَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِ
أَوْأَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ
وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ ◌ِرَّا إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَةً.
وَأَعْلَمُوَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوَاْ
٢٣٥
أَنَّ اللَّهَ غَفُورُحَلِيمٌ
وقوله - تعالى - : ﴿فيما عرضتم به﴾ أى: لو حتم وأشرتم به. من التعريض الذى هو ضد
التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده، ويصلح للدلالة على غير
مقصوده، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشىء - بضم العين -
أى جانبه ومن أمثلته أن يقول الفقير المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك .. وهو يقصد
عطاءه .
و﴿خطبة النساء﴾ مخاطبة المرأة أو أوليائها فى أمر زواجها. والخطبة - بكسر الخاء
كالجلسة - مأخوذة من الخطب أى الشأن لأنها شأن من الشئون وقيل من الخطاب لأنها نوع -
مخاطبة تجرى بين جانب الرجل وجانب المرأة. والمراد خطبة النساء اللائى فارقهن أزواجهن.
و﴿أكننتم فى أنفسكم﴾ أخفيتم وأسررتم من الإكنان وهو الإضمار من غير إعلان.
والمعنى : ولا حرج ولا إثم عليكم أيها الرجال المبتغون للزواج فى التعريض بخطبة المرأة
أثناء عدتها لتتزوجوهن بعد انقضائها، كما أنه لا إثم علیکم کذلك فى الرغبة فى الزواج بهن،
مع إخفاء ذلك وستره من غير كشف وإعلان لأن التصريح بالخطبة أثناء العدة عمل يتنافى مع
آداب الإِسلام، ومع تعاليم شريعته، ومع الأخلاق الكريمة، والعقول السليمة، والنفوس
الشريفة .
قال القرطبى : قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص فى
تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو
تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك. ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة

٥٣٧
سورة البقرة
طلاقًا رجعيًا إجماعًا لأنها كالزوجة. وأما من كانت فى عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض
لخطبتها))(١).
والتعريض فى خطبة النساء أساليبه مختلفة، ومما ذكره العلماء فى هذا الشأن أن يقول الرجل
للمرأة: إنى راغب فى الزواج أو أن يقول لوليها: لا تسبقنى بها إلى غيرى.
ومن أساليب التعريض ما فعله النبى - جزر - مع السيدة أم سلمة، فقد دخل عليها وهى
متأمة من زوجها أبى سلمة فقال لها: ((لقد علمت أنى رسول الله وخيرته وموضعى فى قومى))
فكان كلامه خطبة لها بأسلوب التعريض.
ومنها ما ذكره صاحب الكشاف عن عبد الله بن سليمان عن خالته - سكينة بنت حنظلة -
قالت : دخل على أبو جعفر محمد بن على وأنا فى عدت فقال : قد علمت قرابتى من رسول
الله - رَ - وقرابتى من جدى على بن أبى طالب، وموضعى فى العرب، وقدمى فى الإِسلام.
قالت: فقلت : غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبنى فى عدق وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد
فعلت إنما أخبرتك بقرابتى من رسول الله (وَلّ وموضعى))(٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم﴾. إلخ معطوف على ما قبله فى الآية
السابقة لأن الكلام فى الآيتين فى الأحكام المتعلقة بعدة النساء.
و﴿ما﴾ فى قوله: ﴿فيما عرضتم﴾ موصولة. و﴿من خطبة النساء﴾ بيان لما، و﴿أل﴾ فى النساء
للعهد والمعهودات هن الزوجات اللائى سبق الحديث عنهن فى الآيات التى قبل هذه.
و﴿أو﴾ فى قوله: ﴿أو أكننتم﴾ للإِباحة أو التخيير، ومفعول أكن محذوف يعود إلى ما
الموصولة فى قوله: ﴿فيما عرضتم﴾ والتقدير: أو أكننتموه. و﴿فى أنفسكم﴾ متعلق بأكننتم.
وقوله - تعالى -: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرًّا إلا أن تقولوا قولا
معروفًا﴾ كالتعليل لما قبله وهو قوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم﴾ إلخ. ونهى عما يردى
ويفسد، وإباحة لما لا ضرر فيه.
أى : علم الله أنكم يا معشر الرجال ستذكرون هؤلاء النسوة المعتدات بمالهن من جمال ومن
حسن عشرة ومن غير ذلك من شئونهن وأن تفكروا فيهن وتهفَوا إليهن نفوسكم، والله
:- تعالى - فضلا منه وكرمًا قد أباح لكم أن تذكروهن ولكنه ينهاكم عن أن تواعدوهن وعدًا
سريًّا بأن تقولوا لهم فى السر ما تستحيون من قوله فى العلن لقبحه ومنافاته للشرع.
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ١٨٨.
(٢) تفسير الكشاف جـ١ صفحة ٢٨٢.

٥٣٨
المجلد الأول
وقوله : ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفًا﴾ استثناء مما يدل عليه النهى لا تواعدوهن مواعدة ما إلا
مواعدة معروفة غير منكرة شرعًا، وهى ما تكون بطريق التلويح والتعريض.
وفى قوله سبحانه: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ بيان لما جبلت عليه النفس البشرية من
ميل فطرى بين الرجال والنساء، والإِسلام لا ينكر هذا الميل وإنما يهذبه ويقومه ويصقله بآدابه
الحميدة، وتعاليمه السامية.
وقوله : ﴿ولكن لا تواعدوهن سرًّا﴾ استدراك على محذوف دل عليه ﴿ستذكرونهن﴾ أى:
فاذكروهن ﴿ولكن لا تواعدوهن سرًّا﴾ .
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء فى المراد بالسر فى قوله - تعالى -: ﴿ولكن
لا تواعدوهن سرًّا﴾ فقيل معناه نكاحًا، أى لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجينى بل يعرض إن
أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره فى استسرار وخفية. هذا قول جمهور أهل العلم.
و((سرًّا)) على هذا التأويل نصب على الحال أى مسرين - وسمى النكاح سرًّا لأن مسببه الذى
هو الوطء مما يسر - وقيل السر الزنا، أى لا يكونن منكم مواعدة على الزنا فى العدة ثم التزوج
بعدها. أى لا تواعدوهن زنا. واختاره الطبرى. ومنه قول الأعشى:
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدًا
أى: ((فتزوجها أو ابتعد عنها. وقيل السر الجماع)»(١).
والذى تطمئن إليه النفس أن كلمة (سرا) صفة لموصوف محذوف أى لا تواعدهن وعدا
سريًّا، وأن النهى هنا منصب على كل مواعدة سرية، يقال فيها كل ما ينهى عنه أو يستحيا منه
فى العلن، لقبحه أو لأن أوانه لم يحن بعد، إذ السرية أو الخلوة بين الرجل والمرأة لا تؤمن
مزالقها. وفى الحديث الشريف أن رسول الله وَّله قال: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا كان
الشيطان ثالثهما))(٢) وأن المراد بقوله: ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفًا﴾ هو التعريض بالخطبة،
وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم.
قال صاحب الكشاف فى قوله : ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفا﴾ وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا.
فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت : بلا تواعدوهن. أى لا تواعدوهن مواعدة قط إلا
مواعدة معروفة غير منكرة: أى لا تواعدوهن إلا بالتعريض(٣).
ثم قال - تعالى -: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾.
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١٩٠.
(٢) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٢ ص ٣٨.
(٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٨٤ .

٥٣٩
سورة البقرة
العزم : القطع والتصميم، يقال عزم على الشىء إذا صمم وعقد القلب على فعله، وهو
يتعدى بعلى وبنفسه فيقال: عزم الشىء وعزم عليه.
٦
وعقدة النكاح : الارتباط الموثق به. وأصل العقد الشد، والعهود والأنكحة تسمى عقودا
لأنها تعقد وتوثق كما يوثق بالحبل.
والمراد بالكتاب هنا الأمر المكتوب المفروض وهو العدة التى حدد الله لها وقتًا معينًا.
والأجل : هو نهاية المدة التى قررها الشرع للعدة.
· والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر الرجال الراغبين فى الزواج من النساء اللائى فارقهن
أزواجهن أن تعقدوا العزم نهائيًا فى أثناء العدة على أن تتموا الزواج بعدها، بأن تحول الخطبة
من التعريض إلى التصريح، أو تبتوا فى أمر الزواج بتًّا قاطعًا بمواعدة أو نحوها، إذ العاقل
لا يستعجل أمرا قبل حلول وقته، وإنما الذى يسوغ لكم أن تتموا عقد الزواج بعد انتهاء العدة
وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وجفت حدته.
والنهى عن العزم على عقد النكاح نهى بالأولى عن إبرامه وتنفيذه، لأن العزم على الفعل
يتقدمه، فإذا نهى عنه كان الفعل أنهى، فهو كالنهى عن الاقتراب من حدود الله فى قوله :
﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أباحت شيئين، ونهت عن شيئين : أباحت التعريض
بالخطبة للمرأة أثناء عدتها، كما أباحت إخفاء هذه الرغبة فى الأنفس وحديثها بها. ويشهد
لذلك قوله - تعالى -: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم فى
أنفسكم﴾ ونهت عن المواعدة سرًا إلا أن يقولوا قولا معروفًا عن طريق التعريض، أو أن يسار
الرجل المرأة بالقول المعروف الذى أباحه الشرع وارتضته العقول السليمة، والأخلاق
الفاضلة، بأن يعدها فى السر بالإِحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر
هذه الأشياء الجميلة مؤكدًا لذلك التعريض. أما الشىء الثانى الذى نهت عنه فهو العزم على
عقدة النكاح قبل انقضاء العدة. ويشهد لهذا قوله - تعالى -: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن
ولكن لا تواعدوهن سرًّا إلا أن تقولوا قولا معروفًا، ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب
أجله﴾ .
وبعد هذه الأوامر والنواهى ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما فى
أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم﴾.

٥٤٠
المجلد الأول
أى: اعلموا أيها الناس أن الله - تعالى - يعلم ما يجول فى نفوسكم من خير أو شر،
وما تهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات، فاحذروا أن تقصدوا ما هو شر، أو
تفعلوا ما هو منكر، واعلموا أنه - تعالى - غفور لمن تاب وعمل صالحًا، حليم لا يعاجل
الناس بالعقوبة، ولا يؤاخذهم إلا بما كسبوا.
فالجملة الكريمة تحذير وتبشير، وترغيب وترهيب، لكى لا يتجاسر الناس على ارتكاب
ما نهى الله عنه، ولا ييأسوا من رحمته متى تابوا وأنابوا.
هذا، وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح المرأة فى عدتها، وإذا حدث مثل هذا النكاح ودخل
بها فرق بينهما وفسخ النكاح.
ويرى جمهور العلماء أنها تصير محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا، ولا يحل له نكاحها ركلك لأنه
استحل ما لا يحل فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه من ميراث المقتول. وقيل : يفسخ
النكاح ويفرق بينهما فإذا انتهت العدة حلت له ولم يتأبد التحريم. ولكل فريق أدلته المبسوطة فى
كتب الفقه.
وبلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع، ويرتضيه الخلق الكريم،
ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإِسلام بأسلوب حكيم جمع بين الشدة واللين، والخوف والرجاء،
حتى يثوب المخطئون إلى رشدهم ويقلعوا عن خطئهم.
ثم بين - سبحانه - فى آيتين كريمتين بعض الأحكام التى تتعلق بالمطلقة قبل الدخول بها،
سواء أذكر لها المهر أم لم يذكر، فقال - تعالى - :
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
مَالَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْتَفْرِ ضُوْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْمُسِع
قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُفْتِ قَدَرُهُ، مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
لَمُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْيَعْفُواْ
الَّذِى بِيَدِهِ ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُواْأَقْرَبُ لِلتَّقْوَى؟
وَلَا تَنسَوْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ
٢٣٧١٠