النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة البقرة والمعنى: لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولى عليه بغير حق، متذرعًا بالأسباب الباطلة، والحيل الزائفة، وما إلى ذلك من وجوه التعدى والظلم. وفى قوله - تعالى -: ﴿أموالكم﴾ - مع أن أكل المال يتناول مال الإِنسان ومال غيره - فى هذا القول إشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وتنبيه إلى أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لما لك أنت، ففى هذه الإِضافة البليغة تعليل للنهى، وبيان لحكمة الحكم، إذ استحلال الإِنسان لمال غيره يجرىء هذا الغير على استحلال مال ذلك الإِنسان المتعدى، وإذا فشا هذا السلوك فى أمة من الأمم أدى بها إلى الضعف والتعادى والتباغض. فما أحكم هذا التعبير، وما أجمل هذا التصوير. وقوله : ﴿وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإِثم وأنتم تعلمون﴾ بيان لصورة أخرى قبيحة من صور أكل أموال الناس بالباطل وقوله : ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ معطوف على ﴿ لا تأكلوا﴾. والإِدلاء فى الأصل : إرسال الدلو فى البئر للاستقاء. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه أدلى فلان بحجته، أى: أرسلها ليصل إلى مراده. والمراد بالإِدلاء هنا: الدفع والإلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الوصول إلى أمر معين. والحكام : جمع حاكم، وهو الذى يتصدى للفصل بين الناس فى خصوماتهم وقضاياهم. والفريق : القطعة المعزولة من جملة الشىء، ومنه قيل للقطعة من الغنم تشذ عن معظمها فریق . والإِثم: الفعل الذى يستحق صاحبه الذم والعقاب. وجمعه آثام. والمعنى : لا يأخذ بعضكم أموال بعض - أيها المسلمون - ولا يستولى عليها بغير حق، ولا تدلوا بها إلى الحكام، أى ولا تلقوا أمرها والتحاكم فيها إلى القضاة لا من أجل الوصول إلى الحق، وإنما من أجل أن تأخذوا عن طريق التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإِثم الذى يؤدى إلى عقابكم، حال كونكم تعلمون أنكم على باطل، ولا شك أن إتيان الباطل مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به. فعلى هذا الوجه يكون المراد بالإِدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم ليقضوا فيها، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالبة . وهناك وجه آخر تحتمله الآية احتمالا قريبًا، وبه قال كثير من العلماء وهو أن المراد بالإدلاء ٤٠٢ المجلد الأول بالأموال إلى الحكام، إلقاؤها إليهم على سبيل الرشوة ليصلوا من وراء ذلك إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل، وعليه يكون المعنى. لا يأخذ بعضكم أموال بعض أيها المسلمون، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة، لتتوصلوا بأحكامهم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق. ولا غرابة فى أن يعنى القرآن فى سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة؛ فإنها المعول الذى يهدم صرح العدل من أساسه وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها وكرامتها، وتصير تلك المجالس موطنا للظلم لاً للعدل. وخص القرآن الكريم هذه الصورة بالنهى - وهى صورة الإدلاء بالأموال إلى الحكام - مع أنه قد ذكر ما يشملها بقوله : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ لأنها على وجهى تفسيرها شديدة الشناعة، جامعة لمنكرات كثيرة، كالظلم، والتباغض والرشوة، والغصب وغير ذلك. والحق، أن هذه الآية الكريمة أصل من الأصول التى يقوم عليها إصلاح المعاملات، وقد أخذ العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة إرشاء الحكام ليقضوا للراشى بمال غيره، وقد لعن النبى ◌ّله الجميع فى الحديث الذى أخرجه الترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله الهول قال: ((لعن الله الراشى والمرتشى والراءش)) وهو الواسطة الذى يمشى بينهما. كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يحل فى الواقع حرامًا، ولا يحرم حلالاً، والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان عن أم سلمة - رضى الله عنها - عن رسول الله والقر أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر. وإنه ليأتينى الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه قد صدق، فأقضى له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها)). قال الإِمام ابن كثير: فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشىء فى نفس الأمر، فلا يحل فى نفس الأمر حراما ولا يحرم حلالا، وإنما هو ملزم فى الظاهر، فإن طابق فى نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره. ولهذا قال - تعالى - فى آخر الآية ﴿وأنتم تعلمون﴾. أى تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه فى كلامكم))(١). وبذلك تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾. ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأهلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال فى الأشهر الحرم - وبمواقيت الحج فقال - تعالى - : (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٢٥. ٤٠٣ سورة البقرة يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ أَلْبِرُ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنِ اتَّقَرُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا أَوَ اتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ ١٨٩ تُفْلِحُونَ ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى العالية قال : ((بلغنا أن بعض الناس قالوا: يارسول الله، لم خلقت الأهلة فنزلت)). والأهلة : جمع الهلال، وهو الكوكب الذى يبزغ فى أول كل شهر، ويسمى هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليال من ظهوره، ثم يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن يعود من الشهر الثانى. قال بعضهم : وهو مشتق من استهل الصبى إذا بكى وصاح حين يولد، ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمى بذلك لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير، ولهذا يقال أهل الهلال واستهل(١). والمواقيت : جمع ميقات بمعنى الوقت، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال وقيل: الميقات منتهى الوقت. والمعنى: يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة، قل لهم - يا محمد - إن الله - تعالى - قد خلقها لتكون معالم یوقت ويحدد بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعدة نسائهم، ومدد حملهن، ومدة الرضاع، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم. قال - تعالى -: ﴿هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾. وخص الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى كالصوم والزكاة للتنبيه على أن الحج مقصور وقت أدائه على الزمن الذى عينه الله - تعالى - وأنه لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل، إذ كانوا ينقلون ماشاؤوا من الأشهر الحرم الأربعة التى من جملتها : (١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٧١ .. ٤٠٤ المجلد الأول ذو الحجة إلى شهر آخر غير حرام، وهو السىء المشار إليه بقوله - تعالى -: ﴿إنما النسيء زيادة فى الكفر﴾. وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها، لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة أو العامة أينما كانوا، بخلاف الأشهر الشمسية. فإن معرفتها تنبنى على النظر فى حركات الفلك وهى لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك. هذا، ومن الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو نعيم وابن عساكر عن .. ابن عباس قال: نزلت فى معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا : يارسول الله. ما بال الهلال یبدو - أو یطلع - دقیقًا مثل الخیط ثم یزید حتی یعظم ویستدیر، ثم لا یزال ینقص ويدق حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد؟ فنزلت. وعلى هذه الرواية يكون الجواب بقوله - تعالى -: ﴿قل هى مواقيت للناس والحج﴾ من قبيل أسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بغير ما يتطلبه سؤاله، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها له على أن ذلك الغير هو الأولى بالسؤال لأنه هو المهم بالنسبة له. فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان، فأجيبوا - ببيان الحكمة من خلقها، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق بحالكم وهو ما أجبتكم عليه، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها فى أول الشهر وتناقصها فى آخره، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة، وأنتم لستم فى حاجة إلى معرفة ذلك فى هذا الوقت. ولعلماء البلاغة كلام جيد فى مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم، فقد قال السكاكى ما ملخصه: ((ولهذا النوع - أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر -أساليب متفتنة، ولكل من تلك الأساليب عرق فى البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب، أو السائل بغير ما يتطلب، كما قال - تعالى - : ﴿يسألونك عن الأهلة) الآية. قالوا فى السؤال. ما بال الهلال يبدو دقيقًا .. ألخ فأجيبوا بما ترى. وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه فى معرض المسحور، وهل ألان شكيمة ((الحجاج الثقفى)) لذلك الرجل الخارجى، وسل سخيمته، حتى آثر أن يحسن على أن يسىء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد فى قوله ((لأحملنك على الأدهم)) فقال الخارجى متغابيا: مثل الأمير بحمل على الأدهم الأشهب. مبرزًا وعیده فى معرض الوعد، متوصلا أن یریه بألطف وجه : أن رجلا مثله جدیر ٤٠٥ سورة البقرة بأن يعد لا أن يوعد)». وقوله - تعالى -: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾ هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة كانوا يفعلونها فى الجاهلية، وهى أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه فى ظهور بيوتهم. أخرج البخارى عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء - رضى الله عنه - يقول : نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت: ﴿وليس البر﴾ إلخ. والمعنى : وليس من البر ما كنتم تفعلونه فى الجاهلية من دخولكم البيوت من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم، ولكن البر الحق الجامع لخصال الخير يكون فى تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، وإذا ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم من حجكم. وفى الأمر بأتیان البيوت من أبوابها إشعار بأن إتيانها من ظهورها باسم الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له فى الدين من شاهد فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وفى الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبى وَلّ عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة، ولا تتوقف معرفته على الوحى، فهذا السائل فى سؤاله مثله كمثل من يدخل البيت من ظهره لا من بابه . قال بعضهم: وذلك لأن العلم على ضربين: علم دنيوى يتعلق بأمر المعاش - كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات النجوم ومعرفة المعادن والنبات، وقد جعل الله لنا سبيلا إلى معرفة ذلك على غير لسان نبيه وَله . وعلم شرعى يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه إلا من الصادق المصدوق وله . فلما جاءوا يسألون النبى وَلجر عما أمكنهم معرفته من غير جهته أجابهم. ثم بين لهم أن البر فى التقوى وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين))(١). قال صاحب الكشاف : فإن قلت. ما وجه اتصال قوله - تعالى - : ﴿وليس البر﴾ إلخ بما : (١) تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٤٧٣ بتصرف. ٤٠٦ المجلد الأول قبله؟ قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة فى نقصانها وتمامها : إن كل ما يفعله الله - تعالى - لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر فى شىء وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم فى الحج. ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم فى سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى : ليس البر وما ينبغى أن تكونوا عليه بأن تعكسوا فى مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ أى: باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب))(١). وقوله - تعالى -: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون) أمر بالتقوى التى تتضمن القيام بجميع الواجبات واجتناب البدع والمنكرات. أى: افعلوا ما أمركم الله به، واجتنبوا مانهاكم عنه، لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة فى الدنيا والنعيم الخالد فى الآخرة. وبذلك تكون الآية الكريمة قد رددت عقول الناس إلى النظر والتأمل فى سنن الله وفى خلفه على النحو الذى ينشىء التقوى فى النفوس، ويوجه إلى العمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -. وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بطاعته وتقواه، وحضهم على الجهاد فى سبيله إذ هو من أجل مظاهرها، وبصرهم بحكمته وآدابه فقال - تعالى - : وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُ وْأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ١٩٠ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِْنَةُ أَشَدُّمِنَ الْقَتْلِّ وَلَانُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِّلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَّاءُ الْكَفِرِينَ (١٦) فَإِ أَنَهَوَأْ (١) وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٤٣. ٤٠٧ سورة البقرة الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ آَنَّهَوْ فَلاَ عُدْوَنَ إِلََّ عَلَى الظَّالِينَ () الشَّهُ الْخَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿٨)، وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَبْدِ يَكُمْإِلَى النَّلَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّالَّهَ يُحِبُّاَ لْمُحْسِنِينَ ١٩٥ قال ابن كثير: قال أبو جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العاليه فى قوله - تعالى - قال : هذه أول آية نزلت فى القتال بالمدينة فلما نزلت ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ كان رسول الله وَلؤ يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة(١). ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت فى الأذن بالقتال للمحرمين فى الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيًّا وعدوانًا. فهى متصلة بما قبلها أتم الاتصال، لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس فى عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفى الحج خاصة وهو فى أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرمًا فى الجاهلية. فقد أخرج الواحدى عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت فى صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله وَلير صده المشركون عن البيت الحرام - ثم صالحوه فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ألا تفى لهم قريش، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم فى الحرم والشهر الحرام فأنزل الله - تعالى الآيات(٢). والقتال والمقاتلة : محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر. قال أبو حيان : وقوله: ﴿فى سبيل الله﴾ السبيل هو الطريق. واستعير لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية والدنيوية، فشبه بالطريق الموصل الإِنسان إلى ما يقصده، وهذا من استعارة الأجرام للمعانى ويتعلق ﴿فى سبيل الله﴾ بقوله: ﴿وقاتلوا) وهو (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٢٦ . (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٠٨. ٤٠٨ المجلد الأول ظرف مجازى،، لأنه لما وقع القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه، وهو على حذف مضاف والتقدير فى نصرة دين الله(١). والمراد بالقتال فى سبيل الله : الجهاد من أجل إعلاء كلمته حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيًا، وأحرارًا فى الدعوة إليه وإقامة شرائعه العادلة فى ظل سلطان مهيب. أى : قاتلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه أعداءكم الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ومناجزتكم وتحققتم منهم سوء النية، وفساد الطوية. فالآية الكريمة تهيج للمؤمنين وإغراء لهم على قتال أعدائهم بدون تردد أو تهيب، وإرشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق، لا من أجل المطامع أو الشهوات. فقد روى الشيخان وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى موسى - رضى الله عنه - أن أعرابيًّا أتى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه - أى: ليتحدث الناس بشجاعته وليظهر بينهم - أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال رسول الله - وَله: من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله)). والأحاديث فى الدعوة إلى أن يكون الجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء كلمته كثيرة متعددة . وقوله ﴿ولا تعتدوا﴾ نهى عن الاعتداء بشتى صوره ويدخل فيه دخولا أوليا الاعتداء فى القتال. والاعتداء : مجاوزة الحد فيما أمر الله به أو نهى عنه. أى : قاتلوا فى سبيل الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزوا فى قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم، كنسائهم، وصبيانهم ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين فى السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد والأعمى والمجنون. وقد وردت فى النهى عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتالهم إلا من قامت الشواهد على أن له أثرًا من رأى أو عمل فى الحرب، يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين. قال ابن كثير: ولهذا جاء فى صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله و لو كان يقول: ((أغزوا فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع وفى الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدَتْ امرأة فى بعض المغازى مقتولة فأنكر رسول الله وَ﴿ قتل النساء والصبيان))(٢). (١) تفسير البحر المحيط جـ ٢ ص ٦٥ لأبي حيان. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٢٦. ٤٠٩ سورة البقرة وقوله : ﴿إن الله لا يحب المعتدين) كالتعليل لما قبله فى النهى عن مجاوزة ما حده الله - تعالى - فى قتال المخالفين. ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته - تعالى - من أثرها الرعاية والإِنعام. وإذا نفى الله - تعالى - محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم لعقوبته. وقوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ الضمير المنصوب فيه يعود على قوله: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ فى الآية السابقة. و﴿ثقفتموهم﴾: أدركتموهم وظفرتم بهم. يقال: ثقف الشىء إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه. قال الشاعر : فإما تثقفونى فاقتلونى فمن أثقف فليس إلى خلود ويقال - أيضًا - رجل ثقف: إذا كأن محكمًا لما يتناوله من الأمور. والمعنى : عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين اذنا لكم بقتالهم حيث وجدتموهم وظفرتم بهم، فأنهم قد بادءوكم بالعدوان، وتمنوا لكم كل شر وسوء. وقوله: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ معطوف على ما قبله. وحيث ظرف مكان. والمكان الذى أخرجوهم منه هو مكة، فإن المشرکین من قریش قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ما جعلهم يتركون مكة ويهاجرون إلى بلاد الحبشة أولا. ثم إلى المدينة المنورة ثانيا. أى: اقتلوا هؤلاء الذين قاتلوكم فى أى مكان لقيتموهم فيه، وأخرجوهم من المكان الذى أخرجوكم منه وهو مكة. وفى هذا تهديد للمشركين، وإغراء للمسلمين بهم، ووعد بفتح مكة وقد أنجز الله - تعالى - وعده ففتح المسلمون مكة فى السنة الثامنة من الهجرة. وقوله - تعالى -: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾. دفع لما قد يقع من بعض المسلمين من استعظام قتل المشركين فى مكة. والفتنة فى الأصل : مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزائف منهم ثم استعملت فى الابتلاء والامتحان والصرف عن الشىء، وأكثر استعمالها فى التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر. ويبدو أن المراد منها هنا ما كان يفعله المشركون مع المسلمين من التعذيب والصد عن الدين، والإِخراج من الوطن، وغير ذلك من صنوف الأذى. ٤١٠ المجلد الأول والمعنى: لا تقصروا فى قتل المشركين الذين يقاتلونكم، والذين أخرجوكم من دياركم، فإن فتنتهم لكم بالإِيذاء والتعذيب والصد عن الدين، أشد ضررا من قتلكم لهم فى أى مكان وجدوا به. وبعضهم فسر الفتنة هنا بالشرك، أو بالرجوع إلى الكفر، أو بعذاب الآخرة، وقد بين ذلك صاحب الكشاف بقوله. وقوله: ((والفتنة أشد من القتل)) أى: المحنة والبلاء الذى ينزل بالإِنسان يتعذب به أشد عليه من القتل وقيل لبعض الحكماء : ما أشد من الموت : قال : الذى يتمنى فيه الموت، جعل الإِخراج من الوطن من الفتن والمحن التى يتمنى عندها الموت، ومنه قول القاتل : القتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من قتل بحد فراق وقيل: ﴿الفتنة﴾ عذاب الآخرة قال - تعالى - ﴿ذوقوا فتنتكم) وقيل: الشرك أعظم من القتل فى الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل فى الحرم ويعيبون به المسلمين. فقيل : والشرك الذى هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه ويجوز أن يراد : وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم فى الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم))(١). وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين فى قتل الذين يناجزونهم القتال دفعًا لشرهم أينما وجدوا. ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها المؤمنين عن قتال المشركين عند المسجد الحرام مراعاة لحرمته. ما دام المشركون لم يفاتحوهم بالقتال عنده، أما إذا فاتحوهم بالقتال فيه، فقد أصبح من حق المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يقاتلوا أعداءهم. وهذه الجملة هى قوله - تعالى -: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾. أى: لا تقاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد الحرام احترامًا له حتى يبدأ المشركون قتالكم عنده فإن بدءوكم بالقتال فيه فلا حرج عليكم فى قتلهم عنده، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما هو البادىء بالقتال فيه وهم المشركون، ولستم أنتم أيها المؤمنون لأن موقفكم إنما هو موقف المدافع عن نفسه. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت للمسجد الحرام حرمته وهيبته ومكانته الساميةة لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، إلا أنها أذنت للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٣٦. ٠ ۔ ٤١١ سورة البقرة ما هاجمهم المشركون عنده أو فيه. قال ابن كثير ما ملخصه : وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين فى الحرم إذا بدأوا بالقتال فيه دفعا لصولتهم، كما بايع النبى ◌َله أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم علیھم﴾(١). وقال رير لخالد بن الوليد ومن معه يوم الفتح : إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدًا حتى توافونى على الصفا .. فما عرض لهم أحد إلا أناموه وأصيب من المشركين نحو اثنى عشر رجلً))(٢). ولم يقل - سبحانه - فإن قاتلوكم فقاتلوهم، وإنما قال ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ تبشيرًا للمؤمنين بالغلبة عليهم، وإشعارًا بأن هؤلاء المشركين من الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها بقتلهم لا بقتالهم فهم لضعفهم لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل. وقوله: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ تذييل لما قبله. واسم الإشارة ذلك يعود إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. والجزاء: ما يقع فى مقابلة الإِحسان أو الإساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به المسىء. والمراد به فى الآية العقاب. أى: مثل هذا الجزاء العادل من القتل والردع يجازى الله الكافرين الذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم. ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ . الانتهاء : أصله مطاوع نهى. يقال: نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن الشىء، لأن النهى هو طلب ترك الشىء. أى: فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه. ونظير هذه الآية قوله - تعالى -: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾(٣) وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين، (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٢٧ . (٢) تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٤٧٦. (٣) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٧٦. ٤١٢ المجلد الأول فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله على القتال فحسب. وقوله - تعالى -: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ معطوف على جملة ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ والضمير ((هم)) يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم. والمراد من ﴿الفتنة﴾ الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم وتعذيبهم. قال الألوسى : ويؤيده أن مشركى العرب ليس فى حقهم إلا الإِسلام أو السيف. لقوله - سبحانه - : ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾. وفى الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله وَلّ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا : منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله)). والدين فى اللغة : العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى - سواء أكان ما تعبد به صحيحًا أم باطلاً. والمراد هنا: الدين الصحيح الذى شرعه الله لعباده على لسان نبيهم محمد بَّاه ليتوصلوا به إلى الصلاح فى الحال والفلاح فى المآل. والمعنى: قاتلوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق، وحتى يكون الدين الظاهر فى الأرض هو الدين الذى شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه محمد وصلة. وقد تحقق ذلك بالقتال الذى دار بين المسلمين والمشركين فى أكثر من عشرين غزوة قادها النبى 8* بنفسه، وفى أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل. وقبل أن يلتحق النبى ◌ّ# بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر فى جزيرة العرب هو دين الإِسلام الذى جاء به الرسول واله . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ والعدوان فى أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذى هو من الأفعال المحرمة والمراد به فى الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين. والفاء فى قوله ﴿فان انتهوا﴾ للتعقيب. وقوله: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين) قائم مقام جواب الشرط، لأنه علة الجواب المحذوف. والمعنى : فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه، وأذعنوا لتعاليم الإِسلام، فكفوا عن ٤١٣ سورة البقرة قتالهم، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم. ففى الجملة الكريمة إيجاز بالحذف، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه. قال الإِمام الرازى: أما قوله - تعالى -: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين) ففيه وجهان : الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أى: فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى -: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. فإن قيل : لم سمى ذلك القتل عدوانا مع أنه فى نفسه صواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله - تعالى -: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. الثانى : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم(١). وقوله - تعالى -: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام) بيان للحكمة فى إباحة القتال فى الأشهر الحرم، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر الحرام إنما هى واجبة فى حق من يصون حرمته، أما من هتكها فقد صار بسبب انتهاكه لحرمة الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة فى الشهر وفى غيره. وسمى الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل فى غيره من القتال ونحوه، والتعريف فيه - على الراجح - للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها وهى أربعة : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. قال - تعالى - : ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم؛ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين﴾(٢). قال القرطبى: نزلت فى عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله ويلاقي خرج معتمرًا حتى بلغ الحديبية فى ذى القعدة سنة ست، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده - سبحانه - أنه سيدخله فدخله فى ذى القعدة سنة سبع وقضى نسكه ونزلت هذه الآية(٣) والمعنى: هذا الشهر الحرام الذى تؤدون فيه عمرة القضاء، بذلك الشهر الحرام الذى صدكم المشركون فيه عن دخول المسجد الحرام، فإذا بدءوا بانتهاك حرمته بقتالکم فیه، فلا (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٤٦. (٢) سورة التوبة الآية ٣٦. (٣) تفسير القرطبی جـ ٢ ص ٣٥٥. ٤١٤ المجلد الأول تبالوا أن تقاتلوهم فيه دفاعًا عن أنفسكم، إذ هم البادئون بهتك حرمته. وقوله: ﴿والحرمات قصاص﴾ متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق والحرمات: جمع حرمة، وهى ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. والقصاص: المساواة. أى، وكل حرمة يجرى فيها القصاص. فمن هتك أية حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة. والمراد: أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم - أيها المؤمنون - فى الحرم أو فى الشهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضًا على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل، حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بكم. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى علیکم﴾. أى: فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثل ما اعتدى عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذى أباحه الله لكم. وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة. قال الألوسى : واستدل الشافعى بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق. حتى لو ألقاه فى ماء عذب لم يلق فى ماء ملح. واستدل بها أيضًا على أن من غصب شيئًا وأتلفه لزمه رد مثله، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة - كما فى ذوات الأمثال - وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له (١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بالتقوى والخشية منه فقال: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾. أى: اتقوا الله وراقبوه فى الانتصار لأنفسكم، وترك الاعتداء فيما لم يرخص لكم فيه، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر والرعاية والتأييد. ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته، ونصرة دينه، فقال : ﴿وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). قال الإِمام الرازى : الإِنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا يقال فى المضيع : إنه منفق. فإذا قيد الإِنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به طريق الدين، لأن السبيل هو الطريق، (١) تفسير الآلوسى جـ ١ ص ٧٧. ٤١٥ سورة البقرة وسبيل الله هو دينه، فكل ما أمر الله به فى دينه من الإنفاق فهو داخل فى الآية سواء أكان إنفاقًا فى حج أو فى صلة رحم أو غير ذلك، إلا أن الأقرب فى هذه الآية - وقد تقدم ذكر الجهاد - أنه يراد به الإنفاق فى الجهاد، وقوله ﴿فى سبيل الله﴾ كالتنبيه على العلة فى وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب انفاقه فى سبيله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال(١). و﴿تلقوا﴾ من الإلقاء وهو طرح الشىء من اليد. قال الجمل: والباء فى قوله: ﴿بأيديكم﴾ تحتمل وجهين: أحدهما : أنها زائدة فى المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه، قال - تعالى -: ﴿فألقى عصاهه . والثانى : أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون المفعول به فى الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة كقوله : أفضيت بجنبى إلى الأرض أى: طرحته على الأرض))(٢). والمراد بالأيدى: الأنفس، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، لأن أكثر ظهور أفعال النفس تکون عن طريق الید. والتهلكة : الهلاك والموت. أو کل شیء تصیر عاقبته إليه. مصدر هلك يهلك هلگًا وهلاكًا وتهلكة . والجملة الكريمة معطوفة على جملة ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم .. ﴾ ألخ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان أوفر منهم عدة وعددًا، كلفهم بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله لأن هذا الإِنفاق من أقوى الوسائل التى توصل إلى النصر. والمعنى : عليكم، أيها المؤمنون - أن تقاتلوا فى سبيل الله من قاتلكم، وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالکم، ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه هلاککم فی دین أو دنیا، بسبب ترککم الجهاد وبخلكم عن الإنفاق فيه مع القدرة على ذلك. ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذى وغيره عن أبى عمران قال: كنا بمدينة الروم القسطنطينية - فأخرجوا إلينا صفا عظيمًا من الروم. فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٤٨ بتصرف وتلخيص. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٥٥ . ٤١٦ المجلد الأول رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة !! فقام أبو أيوب الأنصارى فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًّا - دون رسول الله وَّه إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإِسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا فى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - تعالى - على نبيه يرد علينا ما قلناه ﴿وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. قال الراوى: فمازال أبو أيوب شاخصًا فى سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن ببذلوا أموالهم فى الجهاد فى سبيل الله بصفة خاصة، وفى كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة، لأن عدم البذل فى سبيل الخير يؤدى إلى ضعف الأمة واضملالها. ثم ختم - سبحانه - الآية بالترغيب فى الإِحسان فقال : ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) أى: أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها، لأنه - سبحانه - يحب المحسنين فى كل شئونهم، ويثيبهم علی ذلك بما یسعدهم فی دینهم ودنياهم. هذا، وتأمل معى - أيها القارئ الكريم - فى هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم منهاج وأعدله فى شأن الحرب والسلم. إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدأوهم بالقتال، وأن يقتلوهم حيث وجدوهم. ويخرجوهم من حيث أخرجوهم، كما تأمرهم أن يبذلوا أموالهم فى سبيل الله بدون إمساك أو بخل، وهذا من أقوى أنواع الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. ولكنها فى الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء، وتنهاهم عن القتال فى الأشهر الحرم وفى الأماكن المقدسة إلا إذا قاتلهم المشركون فيها، كما تنهاهم عن قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعى السلم متى كف المعتدون عن العدوان، وأحترموا كلمة الإسلام. وبذلك نرى أن القتال فى الإسلام ليس من أجل الغنائم، أو الاستغلال أو الاستعباد، أو التباهى .. كلا ليس لأجل شىء من هذا، وإنما هو من أجل الدفاع عن الحق وأهله، حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الباطل هى السفلى، وبهذا تسعد الإنسانية، وتنال ما تصبو إليه من عزة وفلاح. ٤١٧ سورة البقرة وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال فى سبيل الله، وبيان أحكامه بالنسبة للأشهر الحرم وللبيت الحرام، ساق القرآن فى بضع آيات جملة من الأحكام والآداب التى تتعلق بفريضة الحج، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإسلامية من الخارج، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم فى مكان واحد ليشهدوا منافع لهم، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان. استمع إلى سورة البقرة وهى تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول : وَأَنِّقُواْ الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُخْصِرْ تُمْ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُ وسَكُم ◌َّ ◌َلُغَ الْهَدْىُ مِلَّةٌ، فَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْبِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْ نُسُلَكٍّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِّ فَ لَّْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِأَيَّامٍ فِي الْحَجْ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى (١٩٦) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التى وردت فى القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه، وسنحاول - بعون الله - أن نبين ما اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى الإيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا بالقدر الذى يقتضيه المقام. والحج فى اللغة: القصد يقال حج فلان الشىء: إذا قصده مرة بعد أخرى. وفى الشرع : القصد لزيارة بيت الله الحرام فى وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة الإِسلامية. والعمرة فى اللغة : الزيارة، مأخوذة من العمارة التى هى ضد الخراب ثم أطلقت على الزيارة التى يقصد بها عمارة المكان. ٤١٨ المجلد الأول وفى الشرع: زيارة بيت الله الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبى وَير أركانها وشروطها و کیفیتها . وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإِسلام، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، فجاءت شريعة الإِسلام فوضعت لهما أفضل الأحكام، وأسمى الآداب، وأمر النبى ◌َّه المسلمين أن يسيروا فى أدائهما على الطريقة التى سار عليها فقال: (خذوا عنى مناسككم)). قال ابن كثير: ((وقد ثبت أن رسول الله وَ ﴿ اعتمر أربع عمر كلها فى ذى القعدة عمرة الحديبية فى ذى القعدة سنة ست، وعمرة القضاء فى ذى القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة فى ذى القعدة سنة ثمان، وعمرته التى مع حجته أحرم بهما معًا فى ذى القعدة سنة عشر. وما اعتمر فى غير ذلك بعد هجرته))(١). وقد اختلف العلماء فى المقصود من الإِتمام فى قوله - تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما: إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى: أقيموا الحج والعمرة لله: أى أدوهما وائتوا بهما. فالأمر فى ((أتموا)) منصب على الإِنشاء والأداء. فهو كقوله - تعالى -: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل) وأصحاب هذا الرأى يرون أن العمرة واجبه كالحج، لأن الله - تعالى - أمر بهما معًا، ولأن الرسول وَلو قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة .. )). وإلى هذا الرأى أتجه سعيد بن جبير، وعطاء، وسفيان الثورى، والشافعية. ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية - أن المراد بإتمامهما : الإِتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله - تعالى - وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو فى أحدهما أن يتمه ويأتى به كاملا، كما فعل النبي ◌َ ل﴿ وأصحابه فى عمرة القضاء. فيكون المعنى: ائتوا بالحج والعمرة كاملى الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله - تعالى -. فالأمر على هذا الرأى منصب على الإِتمام لا على أصل الأداء. وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس فى الآية ما يفيد الوجوب، بل فيها ما يفيد وجوب الإِتمام إن شرع فيهما أو فى أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى -: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). وأيضًا، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل فى ثنايا أفعال الحج وأركانه، ولذلك ورد فى الحديث - (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٣٠. ٧٠٠ ٤١٩ سورة البقرة الصحيح أن رسول الله وهي قال: ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)) إلى غير ذلك من الأدلة التى ساقها كل فريق لتدعيم رأيه. ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف، انتصر كثير من العلماء فيه للرأى القائل بأنها ليست فرضًا كالحج، بل هى سنة. وقد كانت فرضية الحج فى السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا فى السنة التاسعة عندما أرسل النبى ﴿ أبا بكر أميرًا على الحج، وكان ذلك تمهيدًا لحجه وَله سنة عشر. وقد أمر - سبحانه - بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الحوائج، وحضور الأسواق، دون أن يكون لله - تعالى - فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد، فأمر - سبحانه - المسلمين أن ينزهوا عباداتهم - وخصوصًا الحج - عن الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإِخلاص والطاعة له - سبحانه - . وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرة له، أردف ذلك ببيان ما يجب . عليهم عمله فيما لوحال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ والإِحصار والحصر فى اللغة: بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - فى شأن قتال المشركين : ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم﴾(١) أى: ضيقوا عليهم المنافذ. ويقال للذى لا يبوح بسره: حصر؛ لأنه حبس نفسه عن البوح بسره. ويرى بعض علماء اللغة أن الإِحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص، بل بسبب أمر خارجى كالعدو ونحوه. ﴿والهدى) : - بتخفيف الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول، أى: المهدى والمراد به .. ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقرة والشاة ليذبح تقربًا إلى الله - تعالى -. و﴿استيسر﴾ هنا بمعنى يسر وتيسر أى: ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب. والمعنى : أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك، فإن ﴿أحصرتم﴾ (١) سورة التوبة الآية ٥. ٤٢٠ المجلد الأول أى، منعتم بعد الإحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإِحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى. وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإِحصار فى الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين فى صلح الحديبية، أما إذا كان الإِحصار بسبب مرض، فإن الحاج . أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى ييرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه، ولا يتحلل بالذبح، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا فى حالة الإِحصار بسبب العدو. أما الأحناف فيرون أن الإِحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع، وعلى من أحصر أن يقضى الحج أو العمرة فيما بعد. وفى هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التى جاءت بها شريعة الإِسلام تلك المبادئ التى تتوخى فى كل شئونها التيسير لا التعسير، والرفق لا التشديد قال - تعالى - : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾(١) وقال - تعالى -: ﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾(٢). ثم قال - تعالى -: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾. حلق الرأس أوتقصيرها علامة على الانتهاء من الإِحرام، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة، أوعلامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك. والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلفر قال: ((اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يارسول الله وللمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يارسول الله وللمقصرين. قال: وللمقصرين))(١). أما بالنسبة للنساء فيكفى التقصير. والمحل : اسم لزمان الحلول أو مكانه. يقال: بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه، كما يقال: بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذى ينزل به. قال الألوسى: وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر فى الآية. والمعنى: أتموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذى يجب أن يراق فيه دمه، وهو الحرم. (١) سورة البقرة الآية ١٨٥. (٢) سورة الحج الآية ٧٨. (١) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٢ ص ٢٠٨.