النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة البقرة الاستشكال. وقد روى العلماء فى سبب نزولها عدة روايات منها : ما رواه البخارى عن عروة بن الزبير قال: سألت عائشة - رضى الله عنها - قلت لها: أرأيت قوله - تعالى -: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ... ﴾ فوالله؛ ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ قالت بئس ما قلت يا ابن أختى !! إن هذه الآية لو كانت كما أولتها لكانت : لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكن الآية أنزلت فى الأنصار. كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل. فكان من أهل يتحرج أن يتطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله وَله عن ذلك؟ فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن تطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قالت عائشة: وقد سن رسول الله وَ ل# الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف . بينهما(١). وهناك رواية لمسلم عن عروة عن عائشه تشبه ما جاء فى رواية البخارى، وهناك رواية للنسائى عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا والمروة صتمان من نحاس يقال لهما ((إساف ونائلة)) كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما. وهناك رواية للطبرانى وابن أبى حاتم بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعى بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله هذه الآية (٢). فيؤخذ من هذه الروايات أن بعض المسلمين كانوا يتحرجون من السعى بين الصفا والمروة لأسباب من أهمها أن هذا السعى كان من شعائرهم فى الجاهلية فقد كانوا يهلون - أى يحرمون - لمناة، ثم يسعون بينهما ليتمسحوا بصنمين عليهما، وهم لا يريدون أن يعملوا فى الإِسلام شيئا مما كان من أمر الجاهلية لأن دين الإِسلام الذى خالط أعماق قلوبهم هز أرواحهم هزًّا قويًّا وجعلهم ينظرون بجفوة وازدراء واحتراس إلى كل ما كانوا عليه فى الجاهلية من أعمال تتنافى مع تعاليم دينهم الجديد، فنزلت هذه الآية الكريمة لتزيل التحرج الذى كان يتردد فى صدورهم من السعى بين الصفا والمروة. وهذا يدل على قوة إيمانهم، وصفاء يقينهم، وتحرزهم من كل قول أو عمل يشم منه رائحة التعارض مع العقيدة التى جعلتهم يخلصون عبادتهم لله الواحد القهار. وقوله ﴿ومن تطوع خیرًا فإن الله شاکر علیم﴾ تذییل قصد منه الإِتیان بحكم کلی فی أفعال الخيرات كلها، وقيل إنه تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعى بين الصفا والمروة. (١) أخرجه البخارى فى كتاب الحج جـ ٢ ص ١٩٣, (٢) راجع تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٣٤٤. ٣٢٢ المجلد الأول و ﴿تطوع﴾ من التطوع وهو فعل الطاعة فريضة كانت أو نافلة، وقيل هو التطوع بالنفل خاصة . . ﴿وشاكر﴾ من الشكر، والشاكر فى اللغة هو المظهر للإِنعام عليه، وذلك محال فى حق الله - تعالى -، إذ هو المنعم على خلقه، فوجب حمل شكر الله لعباده على معنى مجازاتهم على ما يعملون من خيرات، وإثابتهم على ذلك بالثواب الجزيل. قال الإِمام الرازى: وإنما سمى - سبحانه - المجازاة على الطاعة شكرًا لوجوه : الأول: أن اللفظ خرج مخرج التلطف مع العباد مبالغة فى الإِحسان إليهم، كما فى قوله - تعالى -: ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ وهو - سبحانه - لا يستقرض من عوز، ولكنه تلطف فى الاستدعاء كأنه قيل: من ذا الذى يعمل عمل المقرض. بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم. الثانى: أن الشكر لما كان مقابلا للإِنعام أو الجزاء عليه، سمى كل ما كان جزاء شكرًا على سبيل التشبيه . الثالث: كأنه يقول: أنا وإن كنت غنيًّا عن طاعتك، إلا أنى أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل. وبالجملة فالمقصود أن طاعة العبد مقبولة عند الله، وواقعة موقع القبول فى أقصى الدرجات(١) . و﴿من﴾ شرطية. و﴿تطوع﴾ فعل الشرط، و﴿خيرًا﴾ منصوب على نزع الخافض، وأصله بخير؛ لأن تطوع یتعدی بالباء ولا یتعدی بنفسه ثم حذفت الباء فی نظم الكلام نحو: تمرون الدیار فلم تعوجوا. أو هو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى: تطوعًا خيرًا، وجملة ﴿فإن الله شاکر علیم﴾ دليل على جواب الشرط، إذ التقدير، ومن تطوع خيرًا جوزى فإن الله شاكر علیم. والمعنى : ومن تطوع بالخيرات وأنواع الطاعات، أو من أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، أو من أتى بهما مرة بعد مرة زيادة على المقروض أو الواجب عليه، فاز بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم؛ لأن من صفاته - سبحانه - مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده، ولن يضيع أجر من أحسن عملا. هذا، وقد اختلفت أقوال الفقهاء فى حكم السعى بين الصفا والمروة. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ١٨٢ طبعة عبد الرحمن محمد. ٣٢٣ سورة البقرة فمنهم من يرى أنه من أركان الحج كالإِحرام والطواف والوقوف بعرفة. وإلى هذا الرأى ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل ومالك فى أشهر الروايتين عنه ومن حججهم أنه من أفعال الحج، وأن النبى بَّير قد اهتم به وبادر إليه، فقد روى الشيخان عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتى امرأته؟ فقال : : قدم النبى ◌َ﴿ فطاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة. وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)). ومنهم من يرى أنه واجب يجبر بالدم، وإلى هذا الرأى ذهب الحنفية ومن حججهم أنه لم يثبت بدليل قطعى فلا يكون ركنًا. ومنهم من يرى غير ذلك كما هو موضح فى كتب الفقه. ثم حض - سبحانه - على إظهار الحق وبيانه، وتوعد بالعقاب الشديد من يعمل على إخفائه وكتمانه. فقال - تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّتَهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَبِّ أُوْ لَتْبِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَُّهُمُ الَّعِنُونَ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ ١٥٩) عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦) إِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَا تُواْوَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَغَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَلِ ينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْيُظَرُونَ (١٦١ ١٦٢٣ قال الألوسى : أخرج جماعة عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجه بن زيد نفرًا من أحبار يهود عما فى التوراة من صفات النبى و ﴿ ومن بعض الأحكام فكتموا، فأنزل الله - تعالى - فيهم هذه الآية ﴿إن الذين يكتمون﴾ ... إلخ(١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٢٦. ٣٢٤ المجلد الأول والكتم والكتمان : إخفاء الشىء قصدًا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعى إلى إظهاره . وكتم ما أنزل الله يتناول إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره للناس وإزالته عن موضعه ووضع شىء آخر موضعه، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جريًا مع الأهواء، وقد فعل أهل الكتاب ولاسيما اليهود - كل ذلك. فقد كانوا يعرفون مما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد وَللحق، ولكنهم كتموا هذه المعرفة حسدًا له على ما آتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا . كلام الله وأولوه تأويلا فاسدًا تبعًا لأهوائهم. والمراد ((بما أنزلنا)) ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن من صفات النبى وَل﴿ ومن هداية وأحكام. والمراد بالكتاب جنس الكتب، فيصح حمله على جميع الكتب التى أنزلت على الرسل - عليهم السلام -. وقيل: المراد به التوراة. و﴿البينات﴾ جمع بينة، والمراد بها الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح، وهى ما نزل على الأنبياء من طريق الوحى. والمراد ((بالهدى)) ما يهدى إلى الرشد مطلقًا فهو أعم من البينات، إذ يشمل المعانى المستمدة من الآيات البينات عن طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة. و ((اللعن)) الطرد والإبعاد من الرحمة. يقال: لعنه، أى: طرده وأبعده ساخطًا عليه، فهو لعين وملعون. والمعنى : إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية ما أنزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق، ومن علم نافع يهدى إلى الرشد، من بعد ما شرحناه وأظهرناه للناس فى كتاب يتلى، أولئك الذين فعلوا ذلك ﴿يلعنهم الله﴾ بأن يبعدهم عن رحمته ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ أى ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة - كالملائكة والمؤمنين - بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره. وجملة ﴿إن الذين يكتمون ... ﴾ إلخ، مستأنفة لبيان سوء عاقبة الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأكدت ((بإن)) للاهتمام بهذا الخبر الذى ألقى على مسامع الناس. وعبر فى ﴿يكتمون﴾ بالفعل المضارع، للدلالة على أنهم فى الحال كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع بلفظ الماضى لتوهم السامع أن المقصود به قوم مضوا، مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين. وقوله: ﴿من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب﴾ متعلق بيكتمون، وقد دلت هذه الجملة % ٣٢٥ سورة البقرة الكريمة على أن معصيتهم بالكتمان فى أحط الدركات وأقبحها؛ لأنهم عمدوا إلى ما أنزل الله من هدى، وجعله بينا للناس فى كتاب يقرأ، فكتموه قصدًا مع تحقق المقتضى لإظهاره، وإنما يفعل ذلك من بلغ الغاية فى سفاهة الرأى، وخبث الطوية. واللام فى قوله : ﴿للناس﴾ للتعليل، أى: بيناه فى الكتاب لأجل أن ينتفع به الناس، وفى هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من كتمان، لأن فعلهم هذا مع أنه كتمان للحق، فهو فى الوقت نفسه اعتداء على مستحقه الذى هو فى أشد الحاجة إليه. وقوله : ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ يفيد نهاية الغضب عليهم، حتى لكأنهم. تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر، ويتوجه إليها من كل من يستطيع اللعن ويؤديه . والآية الكريمة وإن كانت نزلت فى أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق، إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علمًا نافعًا، أو غير ذلك من الأمور التى يقضى الدين بإظهارها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومن شواهد هذا العموم ما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال : إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان فى كتاب الله ما حدثت حديثًا ثم تلا قوله - تعالى -: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾ إلى قوله: ﴿الرحيم﴾(١). قال ابن كثير: وقد ورد فى الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضًا عن أبى هريرة وغيره، أن رسول الله وسلم قال: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيام بلجام من نار))(٢). هذا، وينبغى أن يعلم أن الإسلام وإن كان ينهى نهيًا قاطعًا عن كتم العلم الذى فيه منفعة للناس، إلا أنه يوجب على أتباعه - وخصوصًا العلماء - أن يحسنوا ما ينشرونه على الناس من علم، ففى الحديث الشريف : حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله. كما أنه يوجب عليهم أن يضعوا العلم فى موضعه المناسب لمقتضى حال المخاطبين، فليس كل ما يعلم يقال، بل أحيانًا يكون إخفاء بعض الأحكام مناسبًا لأن إظهاره قد يستعمله الطغاة والسفهاء فيما يؤذى الناس، وفى صحيح البخارى أن الحجاج قال لأنس بن مالك حدثنى بأشد عقوبة عاقبها النبى وَ﴿ فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الرعاة واستاقوا الإِبل، حيث قطع النبى وَّر أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم فى الحرة حتى ماتوا. فلما بلغ الحسن (١) أخرجه البخارى فى كتاب العلم. باب حفظ العلم جـ ١ ص ٤٠. ن۔۔ (٢) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٢٠. ٣٢٦ المجلد الأول البصرى ذلك قال : وددت أنه لم يحدثه؟؟ انهم يتلقفون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه ذريعة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم. ومما يشهد بفقه بعض العلماء وحسن إدراكهم، ووضعهم العلم فى موضعه المناسب : ما جاء فى بعض الكتب أن سلطان قرطبة سأل يحی بن یحیی الليثى عن حکم یوم أفطره فى رمضان عامدًا لأن شهوته غلبته على وطء بعض جواريه، فأفتاه بأن من الواجب عليه أن يصوم ستين يومًا، وكان بعض الفقهاء جالسًا فلم يجترىء على مخالفة يحيى. فلما انفض المجلس قيل له : لم خصصت الحكم بأحد المخيرات وكتمت العتق والإِطعام؟ فقال - رحمه الله - لو فتحنا هذا الباب لوطىء كل يوم وأعتق أو أطعم، فحملته على الأصعب لئلا يعود. فالإِمام يحيى عند ما كتم عن السلطان الكفارتين الأخريين - وهما الأعتاق والإِطعام - لا يعتبر مسيئًا؛ لأنه قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حرمة فريضة الصوم(١). وهكذا نرى أن إظهار العلم عند تحقق المقتضى لإظهاره، ووضعه فى موضعه اللائق به بدون خشية أو تحريف يدل على قوة الإِيمان، وحسن الصلة بالله - تعالى -: ﴿وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، أورد القرآن فى أعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الأمل، وتبين لهم أنهم إذا تابوا وأنابوا قبل الله توبتهم ورحمهم، فقال - تعالى - : ﴿إلا الذين تابوا﴾ أى: رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه، وندموا على ما صدر عنهم ﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوه بالكتمان بكل وسيلة ممكنة ﴿وبينوا﴾ للناس حقيقة ما كتموه ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أى: أقبل توبتهم، وأفيض عليهم من رحمتی ومغفرتى، ﴿وأنا التواب الرحيم﴾ أى: المبالغ فى قبول التوبة ونشر الرحمة. فالآية الكريمة قد فتحت للكاتمين لما يجب إظهاره باب التوبة وأمرتهم بولوجه، وأفهمتهم - أنهم إذا فعلوا ما ينبغى وتركوا ما لا ينبغى وأخلصوا لله نياتهم، فإنه - سبحانه - يقبل توبتهم، ويغسل حويتهم، أما إذا استمروا فى ضلالهم وكفرهم، ومضوا فى هذا الطريق المظلم حتى النهاية بدون أن يحدثوا توبة، فقد بين القرآن مصيرهم بعد ذلك فقال: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ أى: إن الذين كفروا وكتموا ما من شأنه أن يظهر، كإخفائهم النصوص المشتملة على البشارة بالنبى ﴿ واستمروا على هذا الكفر والإخفاء حتى ماتوا. ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ أى: أولئك الذين وصفوا بما ذكر عليهم (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور جـ ٢ ص ١٦. ٣٢٧ سورة البقرة اللعنة المستمرة من الله والطرد من رحمته، وعليهم كذلك اللعنة الدائمة من الملائكة والناس أجمعين عن طريق الدعاء عليهم بالإِبعاد من رحمة الله. وعبر عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا، ليحضرهم فى الأذهان بأشنع وصف وهو · الكفر، وليتناول الوعيد الذى اشتملت عليه الآية الكريمة كل كافر ولو بغير معصية الكتمان. وجملة ﴿وماتوا وهم كفار﴾ حالية، و﴿أجمعين﴾ تأكيد بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط. والمراد بالناس جميعهم مؤمنهم وكافرهم، إذ الكفار يلعن بعضهم بعضًا يوم القيامة كما جاء فى قوله - تعالى -: ﴿ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا﴾. وقيل المراد بهم المؤمنون خاصة لأنهم هم الذين يعتد بلعنهم. وقوله : ﴿خالدين فيها﴾ الخلود البقاء إلى غير نهاية، ويستعمل بمعنى البقاء مدة طويلة. وإذا وصف به عذاب الكافر أريد به المعنى الأول، أى: البقاء إلى غير نهاية والظاهر أن الضمير فى قوله ﴿فيها﴾ يعود إلى اللعنة لأنها هى المذكورة فى الجملة. وقيل إنه يعود إلى النار لأن اللعن إبعاد من الرحمة وإيجاب للعقاب والعقاب يكون فى النار. وقوله ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ أى: أن المقدار الذى استحقوه من العذاب لا يتفاوت بحسب الأوقات شدة وضعفًا، وإنما هم فى عذاب سرمدى أليم، كما قال - تعالى -: ﴿إِن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون. لا يفترَ عنهم وهم فيه مبلسون﴾ والزيادة فى قوله - تعالى - : ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ حملها بعض العلماء على معنى استمرار العذاب، فهى إشارة إلى الخلود فيه لا إلى الزيادة فى شدته. وقوله : ﴿خالدين فيها﴾ إشارة إلى دوام العذاب وعدم انقطاعه. وقوله: ﴿لا يخفف عنهم) إشارة إلى کیفیته وشدته. وقوله: ﴿ولا هم ينظرون﴾ أى: لا يمهلون ولا يؤخرون من العذاب كما كانوا يمهلون فى الدنيا. من الإِنظار بمعنى التأخير والإِمهال. أو من النظر بمعنى الانتظار يقال : نظرته وانتظرته، أى: أخرته وأمهلته ومنه قوله - تعالى -: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. أو من النظر بمعنى الرؤية، أى: لا ينظر الله إليهم نظر رحمة ورضا ولطف كما ينظر إلى عباده الصالحين، لأنهم بكتمانهم للحق، وكفرهم بالله، استحقوا ما استحقوا من العذاب المهين. ﴿وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حذرت الناس بأسلوب تأديبى حكيم من كتمان الحق، ومن الكفر بالله، وفتحت أمامهم باب التوبة ليدخلوه بصادق النية، وصالح العمل، وتوعدت من يستمر فى ضلاله وطغيانه بأقسى أنواع العذاب، وأغلظ ألوانه. ٣٢٨ المجلد الأول وبعد أن حذر - سبحانه - من كتمان الحق، عقب ذلك ببيان ما يدل على وحدانيته، وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع فقال - تعالى - : . وَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِلٌ لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ ١٦٣١ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ١٦٤ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ معطوف على قوله: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا﴾ عطف القصة على القصة، والجامع - كما قال الآلوسي - أن الأولى - وهى قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ مسوقة لإثبات نبوة النبى وص له وجملة ﴿وإلهكم إله واحد﴾ لإثبات وحدانية الله - تعالى - . والإِله فى كلام العرب هو المعبود مطلقًا ولذلك تعددت الآلهة عندهم. والمراد به فى الآية الكريمة المعبود بحق بدليل الإِخبار عنه بأنه واحد. والمعنى : وإلهكم الذى يستحق العبادة والخضوع إله واحد فرد صمد، فمن عبد شيئًا دونه، أو عبد شيئًا معه، فعبادته باطلة فاسدة، لأن العبادة الصحيحة هى ما يتجه بها العابد إلى المعبود بحق الذى قامت البراهين الساطعة على وحدانيته وهو الله رب العالمين. قال بعضهم: ((والإِخبار عن إلهكم بإله تكرير ليجرى عليه الوصف بواحد، والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط إله بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى الألوهية فى المخبر عنه، كما تقول : عالم المدينة عالم فائق، وليجىء ما كان أصله خيرًا مجىء النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتًا، إذ أصل النعت أن يكون وصفًا ثابتًا، وأصل الخبر أن يكون وصفًا حادثًا، وهذا استعمال متبع فى فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى عليه ٣٢٩ سورة البقرة وصف أو متعلق كقوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾(١). وجملة ﴿لا إله إلا هو﴾ مقررة لما تضمنته الجملة السابقة من أن الله واحد لا شريك له، ونافية عن الله - تعالى - الشريك صراحه، ومثبتة له مع ذلك الإلهية الحقة، ومزيحة لما عسى أن يتوهم من أن فى الوجود إلهًا سوى الله - تعالى - لكنه لا يستحق العبادة. ومعناها : إن الله إله، وليس شىء مما سواه بإله. وهذه الجملة الكريمة خبر ثان للمبتدأ وهو (إلهكم) أو صفة أخرى للخبر وهو (إله) وخبر (لا) محذوف أى لا إله موجود إلا هو، والضمير (هو) فى موضع رفع بدل من موضع لامع اسمها . وقوله : (الرحمن الرحيم) خبر مبتدأ محذوف، وقيل غير ذلك من وجوه الإِعراب. والمعنى: وإلهكم الذى يستحق العبادة إله واحد، لا إله مستحق لها إلا هو، هو الرحمن الرحیم . أى: المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو مصدر الرحمة، ودائم الإِحسان. ١ وأتى - سبحانه - بهذين اللفظين فى ختام الآية، لأن ذكر الإلهية والوحدانية يحضر فى ذهن السامع معنى القهر والغلبة وسعة المقدرة وعزة السلطان، وذلك مما يجعل القلب فى هيبة وخشية، فناسب أن يورد عقب ذلك ما يدل على أنه مع هذه العظمة والسلطان، مصدر الإِحسان ومولى النعم، فقال: (الرحمن الرحيم)، وهذه طريقة القرآن فى الترويح على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية، حتى لا يعتريها اليأس أو القنوط. وبعد أن أخبر - سبحانه - بأنه هو الإِله الذى لا يستحق العبادة أحد سواه، عقب ذلك بإيراد ثمانية أدلة تشهد بوحدانيته وقدرته، وتشتمل على آيات ساطعات، وبينات واضحات، تهدى أصحاب العقول السليمة إلى عبادة الله وحده، وإلى بطلان ما يفعله كثير من الناس من عبادة مخلوقاته. ويشتمل الدليل الأول والثانى على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة فى قوله - تعالى - : ﴿إن فى خلق السموات والأرض﴾. الخلق : هو الإِحداث للشىء على غير مثال سابق. وهو هنا بمعنى المخلوق. إذ الآيات التى تشاهد إنما هى فى المخلوق الذى هو السموات والأرض. (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد بن عاشور جـ ٢ ص ٧٠. ٣٣٠ المجلد الأول والسموات : جمع سماء، وهى كل ما علا كالسقف وغيره، إلا أنها إذا أطلقت لم يفهم منها سوى الأجرام المقابلة للأرض، وهى سبع كما ورد ذلك صريحًا فى بعض الآيات التى منها قوله - تعالى -: ﴿الله الذى خلق سبع سموات﴾. وجمعت السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية، كما يدل عليه قوله - تعالى -: ﴿فسواهن سبع سموات﴾ ولأن إفرادها قد يوهم بأنها واحدة مع أن القرآن صريح. فی کونها سبعًا. وجاءت الأرض مفردة - وهى لم تجىء فى القرآن إلا كذلك - لأن المشاهدة لا تقع إلا على أرض واحدة، ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذى يتبادر من ظاهر قوله - تعالى - : ﴿الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) على معنى أنها طبقات لا ينفصل بعضها. عن بعض. ومن الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته فى خلق السموات ارتفاعها بغير عمد كما يرى ذلك بالمشاهدة، وتزيينها بالمصابيح التى جعلها الله زينة للسماء ورجومًا للشياطين، ووجودها بتلك الصورة العجيبة الباهرة التى لا ترى فيها أى تفاوت أو اضطراب ومن الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته فى خلق الأرض، فرشها بتلك الطريقة الرائعة التى يتيسر معها للإنسان أن يتقلب فى أرجائها، ويمشى فى مناكبها، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما كان، وتفجيرها بالأنهار، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها ويتفاضل أكلها. وفى القرآن الكريم عشرات الآيات التى تتحدث عن نعم الله على عباده فى خلق السموات والأرض، وعن مظاهر قدرته ووحدانيته فى إيجادهما على تلك الصورة، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذى جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا . لکم﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿الله الذى رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى، يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا . والله أنبتكم من الأرض نباتًا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا. والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾. ٣٣١ سورة البقرة إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الدالة على وجود الله وقدرته ووحدانيته. ويتمثل الدليل الثالث على قدرته - سبحانه - ووحدانيته فى قوله تعالى : ﴿واختلاف الليل والنهار﴾، والاختلاف: افتعال من الخلف، وهو أن يجىء شىء عوضًا عن شىء آخر يخلفه على وجه التعاقب. والمراد أن كلا من الليل والنهار يأتى خلفا من الآخر وفى أعقابه، ويجوز أن يكون المراد باختلافهما، فى أنفسهما بالطول والقصر، واختلافهما فى جنسهما بالسواد والبياض. و﴿الليل): هو الظلام المعاقب للنهار، واحدته ليلة كتمر وتمرة. و﴿النهار): هو الضياء المتسع، وأصله الاتساع، ومنه قول الشاعر: ملكت بها كفى : فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها أى: أوسعتُ فتقها. وقد جعل الله الليل للسكون والراحة والعبادة لمن وفقه الله لقضاء جانب منه فى مناجاته - سبحانه -، وجعل النهار للعمل وابتغاء الرزق. قال - تعالى - : ﴿وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا﴾. وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار، لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد سوى فوائد الآخر، بحيث لودام أحدهما لانقلب النفع ضرًا. قال - تعالى -: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾. ومن العظات التى تؤخذ من هذا الاختلاف أن مدد الليل والنهار تختلف فلكل منهما مدة يستوفيها من السنة بمقتضى نظام دقيق مطرد. قال - تعالى -: ﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل فى فلك يسبحون﴾. وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم دليل على أن الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم لا يدخل أفعاله تفاوت ولا اختلال. وإذا كان لهذا الاطراد أسباب تحدث عنها العلماء، فإن الذى خلق الأسباب وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازمًا إنما هو الإِله الواحد القهار. أما المظهر الرابع من المظاهر الدالة فى هذا الكون على قدرته - سبحانه - ووحدانيته ٣٣٢ المجلد الأول وألوهيته، فقد تحدثت عنه الآية فى قوله - تعالى -: ﴿والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس﴾ . (الفلك): ما عظم من السفن، ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع. والظاهر أن المراد به هنا الجمع بدليل قوله - تعالى -: ﴿التى تجرى فى البحر﴾ ولو كان هذا اللفظ للمفرد لقال: الذى يجرى، كما جاء فى قوله - تعالى -: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون﴾ والجملة الكريمة معطوفة على خلق السموات والأرض. قال صاحب المنار: وكان الظاهر أن تأتى هذه الجملة فى آخر الآية ليكون ما للإِنسان فيه - صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة. والنكتة فى ذكرها عقيب آية الليل والنهار، هى أن المسافرين فى البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذى ينتفع به، والمسافرون فى البحر أحوج إلى معرفة الأوقات وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات ربانى السفن معرفة علم النجوم، وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم. قال - تعالى -: ﴿وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر﴾ فهذا وجه العلاقة بين ذكر الفلك . وما قبله﴾(١). و((ما)) فى قوله: ﴿بما ينفع الناس﴾ مصدرية، والباء للسببية أى: تجرى بسبب نفع الناس ولأجله فى التجارة وغيرها. أو موصولة والباء للحال، أى تجرى مصحوبة بالأعيان التى تنفع الناس. وخَص - سبحانه - النفع بالذكر وإن كانت السفن تحمل ما ينفع وما يضر؛ لأن المراد هنا عد النعم، ولأن الذى يحمل فيها ما يضر غيره هو فى الوقت نفسه يقصد منفعة نفسه. ومن وجوه الاستدلال بالفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس على وجود الله وقدرته، أن هذه الفلك وإن كانت من صنع الناس إلا أن الله - تعالى - هو الذى خلق الآلات والأجزاء التى صارت بها سفنًا، وهو الذى سخر لبحر لتجرى فيه مقبلة ومدبرة مع شدة أهواله إذا هاج، وهو الذى جعلها تشق أمواجه شقًا حتى تصل إلى بر الأمان، وهو الذى رعاها برعايته وهى كنقطة صغيرة فى ذلك الماء الواسع، ووسط تلك الأمواج المتلاطمة حتى وصلت إلى ساحل السلامة وهى حاملة الكثير مما ينفع الناس من الأطعمة والأشربة والأمتعة المختلفة، فسبحانه من إله قادر حكيم. الدليل الخامس والسادس على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة يتمثل فى قوله - تعالى - (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٥٩. ٣٣٣ سورة البقرة فى هذه الآية: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة﴾ . والمراد بالسماء: جهة العلو، أى: وما أنزل من جهة السماء من ماء، و((من)) فى قوله: ﴿من السماء﴾ ابتدائية، وفى قوله: ﴿من ماء﴾ بيانية، وهما ومجرورهما متعلقان بأنزل. والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات وزهور وثمار وغير ذلك. والمراد بموتها : خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة والقحط عليها. قال - تعالى -: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كلٍ زوج بهیج﴾. (والبث): التفريق والنشر لما كان خافيا، ومنه بث الشكوى أى: نشرها وإظهارها، وكل شىء بثثته فقد فرقته ونشرته، والضمير فى قوله: ((فيها)) يعود إلى الأرض. (والدابة) : اسم من الدبيب والمشى ببطء، كل ما يمشى فوق الأرض فهو بحسب الوضع اللغوى يطلق عليه دابة. والظاهر أن المراد بالدابة هنا هذا المعنى العام، لا ما يجرى به العرف الخاص باستعماله فى نوع خاص من الحيوان كذوات الأربع. وجملة ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء ... ) معطوفة على ما قبلها، وجملة ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ معطوفة على قوله: ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾. والمعنى: وإن فيما أنزله الله من جهة السماء من ماء مبارك، عمرت به الأرض بعد خرابها، وانتشرت فيها أنواع الدواب كلها، لدلييل ساطع على قدرة الله ووحدانيته. ذلك لأنه هو وحده الذى أنزل المطر من السماء ولو شاء لأمسكه مع أن الماء من طبعه الانحدار، وهو وحده الذى جعل الأرض التى نعيش عليها تنبت من كل زوج بهيج بسبب ما أنزل عليها من ماء، وهو وحده الذى نشر على هذه الأرض أنواعًا من الدواب مختلفة فى طبيعتها وأحجامها، وأشكالها وألوانها، وأصواتها، ومآكلها، وحملها، وتناسلها، ووجوه: الانتفاع بها، وغير ذلك من وجوه الاختلاف الكثيرة، مما يشهد بأن خالق هذه الكائنات إله واحد قادر حكيم. أما الدليل السابع والثامن فى هذه الآية على قدرته - سبحانه - ووحدانيته واستحقاقه للعبادة فهما قوله - تعالى -: ﴿وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾. الرياح جمع ريح وهى نسيم الهواء. ٣٣٤ المجلد الأول وتصريفها : تقليبها فى الجهات المختلفة، ونقلها من حال إلى حال، وتوجيهها على حسب إرادته - سبحانه - ووفق حكمته. فتهب تارة صبًا، أى من مطلع الشمس، وتارة دبورًا، أى : من جهة الغرب، وأحيانًا من جهة الشمال أو الجنوب وقد يرسلها - سبحانه - عاصفة ولينة، حارة أو باردة، لواقح بالرحمة حينًا وبالعذاب آخر. و﴿تصريف﴾ مصدر صوف مضاف للمفعول والفاعل هو الله، أى: وتصريف الله الرياح. أو مضاف للفاعل والمفعول السحاب، أى: وتصريف الرياح السحاب. وجاءت هذه الجملة الكريمة بعد إحياء الأرض بالمطر وبث الدواب فيها للتناسب بينهما، وتذكيرًا بالسبب إذ بالرياح تكون حياة النبات والحيوان وكل دابة على الأرض، ولو أمسك - سبحانه - الرياح عن التصريف لما عاش كائن على ظهر الأرض. ﴿والسحاب﴾: عطف على ما قبله، وهو اسم جنس واحده سحابة، سمى بذلك لانسحابه فى الجو أو لجر الرياح له. و ﴿المسخر﴾: من التسخير وهو التذليل والتيسير، ومعنى تسخيره - كما قال الآلوسي - أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضى صعوده إن كان لطيفًا وهبوطه إن كان كثيفا - و ﴿المسخر﴾ صفة للسحاب باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما فى قوله : ﴿سحابًا ثقالا﴾. والظرف ((بين)) يجوز أن يكون منصوبًا بقوله المسخر فيكون ظرفًا للتسخير، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر فى اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أى: كائنًا بين السماء والأرض. وجاء ذكر السحاب بعد تصريف الرياح لأنها هى التى تثيره وتجمعه، وهى التى تسوقه إلى ... حيث ينزل مطرًا فى الأماكن التى يريد الله إحياءها. قال - تعالى -: ﴿الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله﴾. ولا شك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهى مع ذلك فى غاية القوة بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار، وهذا التسخير للسحاب بحيث يبقى معلقًا بين السماء والأرض مع حمله للمياه العظيمة التى تسيل بها الأودية المتسعة ... لا شك أن كل ذلك من أعظم الأدلة على أن لهذا الكون مدبرًا قادرًا حكيما هو الله رب العالمين. ٤٠ وقوله: ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾ اسم ﴿إن﴾ لقوله - تعالى - فى أول الآية: ﴿إن فى خلق السموات والأرض﴾ ودخلت اللام على الاسم وهو ﴿لآيات﴾ لتأخره عن الخبر والتنكير للتعظيم والتفخيم كما وكيفًا. ٣٣٥ سورة البقرة أى: إن فيما ذكره الله من مخلوقاته العجيبة، وكائناته الباهرة، لدلائل ساطعة، وآيات واضحة ترشد من يعقلون ويتدبرون فيها، إلى أن لهذا الكون إلهًا واحدًا قادرًا حكيمًا مستحقا للعبادة والخضوع والطاعة. وموقع هذه الآية الكريمة من سابقتها كموقع الحجة من الدعوى، ذلك أن الله - تعالى - أخبر فى الآية السابقة أن الإِله واحد لا إله غيره وهى قضية قد تلفاها كثير من الناس بالإِنكار، فناسب أن يأتى فى هذه الآية الكريمة بالحجج والبراهين التى لا يسع الناظر فيها بتدبر وتفكير إلا التسليم عن اقتناع بوحدانية الله - تعالى - وقدرته. قال الإِمام الرازى: واعلم أن النعم على قسمين : نعم دنيوية ونعم دينية وهذه الأمور الثمانية، التى عدها الله - تعالى - نعم دنيوية فى الظاهر، فإذا تفكر العاقل فيها، واستدل بها على معرفة الصانع، صارت نعما دينية، لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينيه لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن، فلذلك قال: ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾(١). وقال الألوسى : أخرج ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة - رضى الله عنها - أن النبى و ◌َ لجر لما قرأ هذه الآية قال: ((ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)). ثم قال الآلوسي : ومن تأمل فى تلك المخلوقات التى وردت فى هذه الآية وجد كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده - تعالى - ووحدانيته وسائر صفاته الموجبة لتخصيص العبادة له، ومجمل القول فى ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه، مستنبعا لآثار معينه، وأحكام مخصوصة ... وفى الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية، وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله، وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة))(٢). والحق أن هذه الآية الكريمة قد اتجهت فى تثبيت عقيدة وحدانية الله وقدرته وألوهيته إلى تنبيه الحواس والمدارك والمشاعر إلى ما فى هذا الكون المشاهد المنظور من آيات ودلائل على حقية الخالق - عز وجل - بالعبادة. وهذه الطريقة من تنبيه الحواس والمدارك جديرة بأن تفتح الأبصار والبصائر على عجائب هذا الكون، تلك العجائب التى أصبحت عند كثير من الناس شيئًا مألوفًا بسبب عدم تدبرهم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٢٢٩. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٣٣. ٣٣٦ المجلد الأول لما فيها من عظات وعبر وصدق الله إذ يقول ﴿وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾. ورحم الله القائل: ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلا وهو القرآن . . وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك بما أوتينا من العقل. فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون. وبعد أن ذكر - سبحانه - جانبًا من الآيات الدالة على ألوهيته ووحدانيته أردف ذلك ببيان حال المشركين، وما يكون منهم يوم القيامة من تدابر وتقاطع وتحسر على ما فرط منهم فقال - تعالى - : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ وَلَوْيَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ١٦٥ إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْأَنَّ ١٦٦ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ لَنَاكَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُ واْمِّتَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ١٦٧) ﴿الأنداد﴾: جمع ند، وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير يند ندًا وندادًا وندودًا، أى: نفر وذهب على وجهه شاردًا. ويرى بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التى اتخذها المشركون آلهة للتقرب بها إلى الله، وقيل : المراد بها الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم. والأولى أن يكون المراد بهذه الأنداد كل مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله - تعالى - من نحو التحليل، والتحريم وإيصال النفع وغير ذلك من الأمور التى انفرد بها الخالق - عز وجل -. والمعنى : أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات التى دلت على وحدانية الله وقدرته، وبلغت ٣٣٧ سورة البقرة بهم الجهالة أنهم يخضعون لبعض المخلوقات خضوعهم لله بزعم أنها مشابهة ومماثلة ومناظرة له - سبحانه - فى النفع والضر، ويحبون تعظيم تلك المخلوقات وطاعتها والتقرب إليها والإنقياد لها حبا يشابه الحب اللازم عليهم نحو الله - تعالى - أو يشابه حب المؤمنين لله، و﴿من﴾ فى قوله: ﴿ومن الناس﴾ للتبعيض، والجار والمجرور خبر مقدم و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من يتخذ﴾ فى محل رفع مبتدأ مؤخر، و((من دون الله، حال من ضمير يتخذ و ﴿أندادًا﴾ مفعول به ليتخذ. ٠ قال الجمل: وجملة ﴿يحبونهم كحب الله﴾ فيها ثلاثة أوجه: ٠ أحدها : أن تكون فى محل رفع صفة لمن فى أحد وجهيها، والضمير المرفوع يعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ فى يتخذ. والثانى: أن تكون فى محل نصب صفة لأندادًا والضمير المنصوب يعود عليهم والمراد بهم الأصنام، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم معاملة العقلاء. أو أن يكون المراد بهم من عبد من دون الله عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم. الثالث : أن تكون فى محل نصب على الحال من الضمير فى يتخذ، والضمير المرفوع عائد على ما عاد عليه الضمير فى يتخذ وجمع حملا على المعنى))(١). ثم مدح - سبحانه - عباده المؤمنين فقال: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله ﴾ أى: والذين آمنوا وأخلصوا لله العبادة أشد حبًّا له - سبحانه - من كل ماسواه، ومن حب . المشركين للأنداد، ذلك لأن حب المؤمنين لله متولد عن أدلة يقينية، وعن علم تام، ببديع حكمته - سبحانه - وبالغ حجته، وسعة رحمته، وعدالة أحكامه، وعزة سلطانه، وتفرده بالكمال المطلق، والحب المتولد عن هذا الطريق يكون أشد من حب المشركين لمعبوداتهم لأن حب المشركين لمعبوداتهم متولد عن طريق الظنون والأوهام والتقاليد الباطلة. والتصريح بالأشدية فى قوله: ﴿أشد حبا لله﴾ أبلغ من أن يقال أحب الله؟ إذ ليس المراد الزيادة فى أصل الفعل - كما يقول الألوسى - بل المراد الرسوخ والثبات. وقيل: عدل عن أحب إلى أشد حبًّا، لأن ((أحب)) شاع فى الأشد محبوبية فعدل عنه احترازا عن اللبس. ولقد ضرب المؤمنون الصادقون أروع الأمثال فى حبهم لله - تعالى - لأنهم ضحوا فى سبيله بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم وأغلى شىء لديهم، ولأنهم لم يعرفوا عملا يرضيه إلا فعلوه، ولم يعرفوا عملا يغضبه إلا اجتنبوه. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٣٢ . . ٣٣٨ المجلد الأول ثم أخبر - سبحانه - عما ينتظر الظالمين من سوء المصير فقال: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب﴾ ((لو)) شرطية، وجوابها محذوف لقصد التهويل ولتذهب النفس فى تصويره كل مذهب ((والقوة)) القدرة والسلطان. والمعنى : ولو يرى أولئك المشركون حين يشاهدون العذاب المعدلهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده، وأن عذابه الذى يصيب به المتخبطين فى ظلمات الشرك شديد، لو يعلمون ذلك، لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة، ولوقعوا فيما لا يكاد يوصف من الحسرة والندامة. وكان الظاهر بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال: ولو يرون إذ يرون. ولكن وضع الموصول وصلته موضع الضمير، ليحضر فى ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم الأنداد من الظالمين، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم العظيم. وعبر بالماضى فى قوله: ((إذ يرون العذاب)) لتحقق الوقوع، وکل ما كان كذلك فإنه یجری مجرى ما وقع وحصل. وجملة ﴿أن القوة الله جميعًا﴾ سدت مسد مفعولی یری، وانتصب لفظ ﴿جميعًا﴾ على التوكيد للقوة. أى. جميع جنس القوة ثابت الله، وهو مبالغة فى عدم الاعتداد بقوة غيره، فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق فى قوله: ﴿الحمد لله﴾. وجملة ﴿وأن الله شديد العذاب﴾ معطوفة على ما قبلها، وفائدتها المبالغة فى تفظيع الخطب، وتهويل الأمر، فإن اختصاص القوة به - تعالى - لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوًا مع القدرة عليه. هذا، وقد قرأ نافع وابن عمر ((ولو ترى)) بالتاء على الخطاب للنبى وَ ه أو لكل من يتأتى له الخطاب . أى: لو ترى ذلك أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب لرأيت أمرًا عظيمًا فى الفظاعة والهول. وقوله - تعالى -: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا .... ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذ يرون العذاب﴾. أو مفعولا به بتقدير اذكر. و﴿تبرأ﴾ من التبرؤ وهو التخلص والتنصل والتباعد، ومنه برئت من الدين أى : تخلصت منه، وبرأ المريض من مرضه، أى: تخلص من مرضه. والمراد بالذين اتبعوا : أئمة الكفر الذين يحلون ويحرمون ما لم يأذن به الله. ٣٣٩ سورة البقرة والمراد بالذين اتبعوا : أتباعهم وأشياعهم الذين يتلقون جميع أقوالهم بالطاعة والخضوع بدون تدبر أو تعقل. وجملة ﴿ورأوا العذابٍ﴾ حال من الأتباع والمتبوعين، والضمير يعود على الفريقين. أى: تبرؤا جميعًا من بعض فى حال رؤيتهم للعذاب. وجملة ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ معطوفة على تبرأ، أورأوا. والباء فى ﴿بهم﴾ للسببية أى: وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التى كانوا يرجون من ورائها النجاة، وقيل للملابسة أى: تقطعت الأسباب ملتبسة بهم فخابت آمالهم وسقطوا صرعى . و ﴿الأسباب﴾ جمع سبب، وهو فى الأصل الحبل الذى يرتقى به الشجر ونحوه، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره، عينًا كان أو معنى. فيقال للطريق سبب، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذى تربده، ويقال للمودة سبب لأنك تتواصل بها إلى غيرك، والمراد بالأسباب هنا : الوشائج والصلات التى كانت بين الأتباع والمتبوعين فى الدنيا، من القرابات والمودات والأحلاف والاتفاق فى الدين ... إلخ. والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة، ذلك اليوم الهائل الشديد الذى يتنصل فيه الرؤساء من مرءوسيُّهم، والاتباع من متبوعيهم حال رؤيتهم جميعًا للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام، وقد ترتب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون بها فى الدنيا، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرؤ منه . قال بعض العلماء : وفى قوله: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ استعارة تمثيلية إذ شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذى تعبوا لأجله مدة حياتهم وقد جاء إبانه فى ظنهم فوجدوا عوضه العذاب، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذى كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب - أى الحبل - عند ارتقائه فسقط هالكا، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعًا حينئذ أن لانجاة لهم، فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة. وهى تمثيلية بديعة تشتمل على سبعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التى تشتمل عليها الهيئة المشبهة بها وهى : تشبيه المشرك فى عبادته الأصنام بالمرتقى بجامع السعى، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة فى أعلى النخلة لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر، وتشبيه العمر بالنخلة فى الطول، وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم ٠٣٠١ ٣٤٠ المجلد الأول بتقطع الحبل، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة، وتشبيه الوقوع فى العذاب بالسقوط المهلك .. ))(١). ثم بين - سبحانه - ما قاله الأتباع على سبيل الحسرة والندم فقال : ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾. الكرة: الرجعة والعودة. يقال: كريكر كرًا: أى: رجع. و(لو) للتمنى. وقوله ﴿فنتبرأ منهم﴾ منصوب بعد الفاء بأن مضمرة فى جواب التمنى الذى أشربته لو، والكاف فى قوله ﴿كما تبرءوا منا﴾ فى محل نصب نعت لمصدر محذوف أى تبرأ مثل تبرئهم. والمعنى : وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم فى الباطل بدون تعقل أو تدبر ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرءوا منا فى هذا اليوم العصيب، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم. وقوله - تعالى -: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾ تذبيل لتأكيد الوعيد، وبيان لحال المشركين فى الآخرة. قال الألوسى: وقوله: ﴿كذلك﴾ فى موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار إليه الإِراء المفهوم من قوله: ﴿إِذ يرون﴾ أى: كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبرى وتقطع الأسباب وتمنى الرجعة، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم. وجوز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإِشارة من الضخامة. أى: مثل ذلك الإِراء الفظيع يريهم على حد ما قيل فى قوله - تعالى -: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾(٢). والمراد بأعمالهم: المعاصى التى ارتكبوها وفى مقدمتها اتباعهم لمن أضلوهم. و﴿حسرات﴾ جمع حسرة، وهى أشد درجات الندم والغم على ما فات. يقال: حسر يحسر حسرًا فهو حسير، إذ اشتدت ندامته على أمر فاته. قال الرازى : وأصل الحسر الكشف. يقال حسر ذراعيه أى : كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة. والحسور الإِعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر. قال - تعالى - : ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾(٣). والمعنى : كما أرى الله - تعالى - المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع الأسباب (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢ ص ٩٣ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٣٦. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٢٣٨.