النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة البقرة
وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودَّا أَوْنَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ ◌َمِاللَّهُ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهِدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَاكَسَبَتْ
١٤٠٢
بِغَفِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤١
وَلَكُمْ مَّاكَسَبْتُمٌّ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ((قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله وله
ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا - يا محمد - تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله
- عز وجل - ﴿وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين﴾(١).
ومعنى الآية الكريمة: وقالت اليهود للنبى وَله وللمسلمين اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا
وتصيبوا طريق الحق. وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم - يا محمد - ليس الهدى فى اتباع
ملتكم، بل الحق فى أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، فانبعوا أنتم - يا معشر
أهل الكتاب - ما اتبعناه لتكونوا حقًّا سالكين ملة إبراهيم الذى لا تنازعون فى هداه.
وقوله تعالى : ﴿وقالوا کونوا هودًا أو نصارى تهتدوا﴾ حکایة لما زعمه کل من فریقی الیهود
والنصارى من أن الهدى فى اتباع ملتهم.
و (أو) للتنويع، أى قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يتقبل الله سواها، فاتبعوها
تهتدوا. وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا، إلا أن القرآن الكريم ساق هذا المعنى
بقوله : ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾ لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر،
ويعد ديانته باطلة، كما حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى
على شىء، وقالت النصارى ليست اليهود على شىء﴾.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه وَ﴿ الرد الملزم لهم، فقال تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفًا
وما كان من المشركين﴾.
الملة : الدين، والحنيف فى الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ووصف به
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٢٩.

٢٨٢
المجلد الأول
إبراهيم - عليه السلام - لميله عن الأديان الباطلة التى كانت موجودة فى عهده إلى الدين الحق
الذى أوحى الله به إليه.
وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفًا من الحنف وهو الاستقامة.
قال الإِمام الرازى: ((لأهل اللغة فى الحنيف قولان :
الأول : أن الحنيف هو المستقيم، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ
سلیم وللمهلکة مفازة، قالوا فکل من أسلم لله ولم ينحرف عنه فی شیء فهو حنيف، وهو مروی
عن محمد بن كعب القرظى.
الثانى: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذى يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى
بأصابعها. وتحنف إذا مال، فالمعنى: إن إبراهيم - عليه السلام - حنف إلى دين الله، أى مال
إليه، فقوله: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا﴾ أى: مخالفًا لليهود والنصارى.
والمعنى : قل يا محمد لليهود ليس الهدى فى أن نتبع ملتكم، بل الهدى فى أن نتبع ملة
إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، والذى ماكان من المشركين بأى صورة من
صور الشرك))(١).
وقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ أى: بل نتبع ملة إبراهيم
حنيفًا. وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاه كل من اليهود والنصارى، لأن حرف (بل) يؤتى
به فى صدر الكلام لينفى ما تضمنته الجملة السابقة، والجملة السابقة هنا هى قول أهل الكتاب
﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾ فجاءت بل بعد ذلك لتنفى هذا القول، ولتثبت أن
الهداية إنما هی فی اتباع ما کان علیه إبراهيم - عليه السلام - وفی اتباع من سار على نهجه وهو
محمد على.
وفى هاتين الجملتين وهما قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا﴾. ﴿وما كان من المشركين)
دعوة لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها، ولبعدها عن الشرك، وفى ذلك تعريض بأن
ملتهم ليست مستقيمة، بل هى معوجة، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة؛
لأنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به.
قال الإِمام الرازى - ما ملخصه : فى الآية الكريمة جواب إلزامى لهم وهو قوله تعالى ﴿بل
ملة إبراهيم حنيفًا﴾ وتقرير هذا الجواب: أنه إن كان طريق الدين التقليد، فالأولى فى ذلك
اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه،
أولى من الأخذ بالمختلف فيه.
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٥١٨.

٢٨٣
سورة البقرة
وإن كان طريقه الاستدلال والنظر. فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما جاء به محمد واله
هو الموافق لما جاء به إبراهيم - عليه السلام - فى أصول الدين(١).
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى جواب جامع وكلمة سواء تفيد نبذ التعصب جانبًا
وتدعو إلى اتباع الوحى الإلهى الذى أرسل الله به الرسل مبشرين ومنذرين بدون تفرقة بين أحد
منهم، وهو يتضمن دعوة أهل الكتاب إلى الطريق الحق فقال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل
الينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما
أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون﴾
أى: قولوا أيها المؤمنون لأولئك اليهود الذين يزعمون أن الهداية فى اتباع ملتهم، قولوا.
لهم : ليست الهداية فى اتباع ملتكم فقد دخلها الشرك والتحريف، وإنما الهداية فى أن نصدق
بالله، وبالقرآن الكريم الذى أنزله الله إلينا ﴿وبما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
ويعقوب والأسباط﴾، وبالتوراة التى أنزلها الله على موسى وبالانجيل الذى أنزله الله على
عيسى، ونحن فى تصديقنا بالأنبياء لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعضهم ونكفر بالبعض الآخر
كما فعلتم أنتم يا معشر اليهود وإنما نؤمن بهم جميعًا بدون تفرقة بينهم، ونحن لربنا مسلمون
خاضعون بالطاعة. مذعنون له بالعبودية.
قال الإِمام الرازى: ((فإن قيل: كيف يجوز الإِيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن
شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقًّا فى زمانه، فلا
يلزم منا المناقضة، أما اليهود فإنهم لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز على يديه، وأنكروا
نبوة محمد وَّر مع قيام المعجز على يديه، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق(٢).
وقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ خطاب للمؤمنين.
والأسباط : جمع سبط ، وهو الحفيد، وهم أبناء يعقوب - عليه السلام - سموا بذلك
لكونهم حفدة إبراهيم وإسحق - عليهما السلام - وكانوا اثنى عشر سبطًا كما قال تعالى:
﴿وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطًا أمما﴾، والمراد: الإِيمان بما أنزل الله من الوحى على الأنبياء
منهم .
قال الإِمام القرطبى : والأسباط: ولد يعقوب، وهم اثنا عشر ولدًا، ولكل واحد منهم أمة
من الناس، واحدهم سبط، والسبط فى بنى إسرائيل بمنزلة القبيلة فى ولد إسماعيل، وسموا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٣ ص ٩١.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤١٧.

٢٨٤
المجلد الأول
الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط ((بالتحريك))
وهو الشجر، أى هم فى الكثرة بمنزلة الشجر: الواحد سبطة، ويبين لك هذا ما روى عن ابن
عباس، قال: كل الأنبياء من إسرائيل إلا عشرة : نوحا وشعيبا، وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم
· وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدًا - صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا))(١).
وقوله تعالى: ﴿وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم﴾ معناه: وآمنا - أيضًا -
بالتوراة التى أعطاها الله - تعالى - لموسى، وبالإِنجيل الذى أعطاه لعيسى، وبكل ما آتاه الله
الأنبيائه تصديقًا لهم فى نبوتهم.
وعطف - سبحانه - عيسى على موسى بدون إعادة الفعل لأن عيسى جاء مصدقًا للتوراة،
وما نسخ منها إلا أحكامًا يسيرة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم فى قوله حكاية عنه ﴿ومصدقًا
لما بين يدى من التوراة، ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم﴾.
وقدم - سبحانه - الإِيمان بالله على غيره لأن الإِيمان بالأنبياء. وما أنزل إليهم متوقف على
الإِيمان بالله.
وقدم الإِيمان بما أنزل إلينا - نحن معشر المسلمين - وهو القرآن الكريم لأن الإِيمان به يجب
أن يكون على وجهى الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل،
فيكفى الإِيمان به على وجه الإجمال.
وقوله تعالى : ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ معناه: لا نفرق بين جماعة النبيين، فنؤمن ببعض
ونكفر ببعض كما فعلتم یا معشر اليهود، إذ کفرتم بعیسی ومحمد ێ وفعلكم هذا فى حقيقته
كفر بالأنبياء جميعا لأن من كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل، ولذلك فنحن معشر المسلمين نؤمن.
بجميع الأنبياء بدون تفرقة أو استثناء.
أ ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب إن آمنوا بما دعوتموهم إليه معشر المسلمين، فقد أصابوا
الهدى، وإن نأوا وأعرضوا فهم معاندون مستكبرون فقال تعالى :
﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو
السميع العليم﴾.
والفاء التى صدرت بها الآية الكريمة لترتيب ما بعدها على ما قبلها. لأن قول المؤمنين ((آمنا
بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلخ.
من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة، ويستميل النفوس الشاردة، لبعده عن التعصب
,٠
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ١٤١ بتلخيص.

٢٨٥
سورة البقرة
والعناد، لأنه الحق الذى تؤيده العقول السليمة، وإذا لم يؤمنوا به فمرد ذلك إلى شدة عنادهم
والتواء أفكارهم.
وقوله تعالى : ﴿فقد اهتدوا﴾ ترغيب لهم فى اتباع الحق الذی اتبعه المؤمنون، أى: فإن آمنوا
مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا.
وكلمة: (مثل) فى الآية الكريمة معناها، نفس الشىء وحقيقته. المراد فإن آمنوا بنفس
ما آمنتم به فقد اهتدوا، ومنه قول العرب: ((مثلك لا يبخل)) والمراد أنت لاتبخل. ويرى بعض
المفسرين أن كلمة ((مثل)» هنا على حقيقتها وهى الشبية والنظير، وأن المماثلة وقعت بين
. الإِيمانيين، وأنها لا تقتضى تعدد ما أمرنا الله أن نؤمن به.
قال الإِمام القرطبى: ((المعنى: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدقوا مثل تصديقكم فقد
اهتدوا))(١).
وقال ابن جرير: فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من كتب الله وأنبيائه،
فقد اهتدوا فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والاقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء،
کقول القائل : (مر عمرو بأخيك مثل ما مررت به) یعنی ذلك (مر عمرو بأخيك مثل مروری
به) والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم، فكذلك قوله: ﴿فإن
آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن به))(٢).
وقوله تعالى: ﴿وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) بيان
لحالهم عند إعراضهم عن دعوة الحق، ووعد من الله - تعالى - للنبى # والمؤمنين بالنصر
عليهم، والعصمة من شرورهم.
والشقاق: المنازعة والمخالفة والتعادى وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من
الفريقين فى شق غير شق صاحبه.
وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص
على ما يشق على صاحبه.
والمعنى : وإن أعرض هؤلاء الذين زعموا أن الهداية ميلهم عن الإِيمان الذى تدعوهم إليه
- يا محمد - فاعلم أن إعرضهم سببه المخالفة والمعاندة والمعاداة إذ لا حجة أوضح من
حجتك، وما داموا هم كذلك فسيقيك الله شرهم، وينصرك عليهم، فهو سميع لما يقولونه
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ١٤٣.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٣١.
٤٠٠

٢٨٦
المجلد الأول
فيك، عليم بما يبيتونه لك ولأتباعك من مكر وكيد، وهو الكفيل بكف بأسهم، وقطع دابرهم.
وعبر - سبحانه - عن شدة مخالفتهم بقوله: ((فإنما هم فى شقاق)) مبالغة فى وصفهم
بالشقاق حيث جعله مستوليا عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه.
ورتب قوله: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ على قوله ﴿فإنما هم فى شقاق﴾ تثبيتًا للنبى وَل والمؤمنين
لأن إعلامهم أن أهل الكتاب فى مخالفة ومعاداة لهم قد يحملهم على الخوف منهم بسبب كثرتهم
وقوتهم، فبشر الله - تعالى - نبيه وير بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا أن يصلوا إليك
بأذى. وأنه - سبحانه - سیکفیك شرهم.
وقد أوفى الله - تعالى - بوعده، فنصر نبيه سير عليهم وعصمه من كيدهم بإلقاء العداوة
بينهم وطرد من يستحق الطرد منهم، وقتل من لا بد من قتله بسبب خيانته وغدره. فالآية
· الكريمة قد تضمنت وعدًا للمؤمنين بالنصر، ووعيدًا لليهود ومن على شاكلتهم بالهزيمة والخيبة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - أن دين الله وهو الإِسلام أولى بالاتباع فقال تعالى :
﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾.
الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهى فى أصل اللغة. الحالة التى يقع عليها
الصبغ وهو تلوين الأشياء - كالثياب وغيرها - بألوان معينة واستعملت الصيغة فى الآية بمعنى
الإِيمان بما فصلته الآية الكريمة وهى قوله تعالى قبل ذلك ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل
إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى﴾. الخ الآية. وإنما
أطلقت الصبغة على الإِيمان بما ذكرته الآية مفصلا، لأن الإِيمان يمتزج بالقلوب امتزاج الصبغ
بالمصبوغ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما تبدو آثار الصبغ على المصبوع. ويقال : تصبغ فلان فى
الدين إذا أحسن دينه وتقيد بتعاليمه تقيدًا تامًّا.
وقوله : ﴿صبغة الله﴾ هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر المؤكد لقولهم (آمنا) فإنه فى
معنى صبغنا الله بالإِيمان، وكأنهم قالوا صبغنا الله بالإِيمان صبغته. وإيراد المصدر تأكيدا لفعل
يوافقه فى المعنى ويخالفه فى اللفظ معهود فى الكلام البليغ.
قال القاضى: قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ متعلق بقوله: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ إلى قوله :
﴿ونحن له مسلمون﴾ فوصف هذا الإِيمان منهم بأنه صيغة الله، ليبين أن المباينة بين هذا الدين
الذى اختاره الله وبين الدين الذى اختاره المبطلون ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان
والأصباغ لذى الحس السليم))(١).
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٥٢٢.

٢٨٧
سورة البقرة
والاستفهام فى قوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ للإنكار والنفى والمعنى: لا أحد
أحسن من الله صبغة لأنه هو الذى يصبغ عباده بالإِيمان ويطهرهم من أدران الكفر والضلال،
فهى صبغة ثابتة لا تزول لأن الإِيمان متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد سخطة له.
بخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو من الصيغة
البشرية، التى تجعل من الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب متنافرة.
وهذا التركيب ((ومن أحسن من الله صبغة)) يدل بحسب أصل الوضع اللغوى على نفى أن
يكون دينا أفضل من دين الله، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه فى الحسن، وهذا الاحتمال
لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوبًا يفهم منه يمعونة مقام
المدح نفی مساواة دین لدين الله فی الحسن، کما یفهم منه نفی أن یکون هناك دین أحسن منه.
وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق الكريمة، والآداب السمحة
والعادات الصحيحة، والسياسة الرشيدة والمعاملات القائمة على رعاية المصالح.
وقوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾ عطف على آمنا بالله فى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾
والمعنى : قل لهم يا محمد إننا نحن معاشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هى صبغتنا ولا نعبد
غيره فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابًا یزیدون فى ديننا وينقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من
النفوس صبغة التوحيد، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر.
١
ثم أمر الله - تعالى - نبيه # # ## أن يزيد فى تذكيرهم ودحض حجتهم فقال تعالى: ﴿قل
أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون. أم تقولون إن
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل. أأنتم أعلم أم
الله؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وما الله بغافل عما تعملون. تلك أمة قد خلت
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين قالوا لك ولأصحابك ﴿كونوا هودا أو
نصارى تهتدوا﴾ وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله دون دينك، قل لهم: أتجادلوننا فى دين
الله وهو ملة الإِسلام التى بعثنى بها للعالمين هدى ورحمة، وتزعمون أن الهداية فيما أنتم عليه من
اليهودية والنصرانية، وتستبعدون عليه - تعالى - أن ينزل وحيه على من ليس منكم، بدعوى
أنكم أقربٍ إلى الله منا، وأنكم أبناء الله وأحياؤه، والحال أنه - سبحانه - هو ﴿ربنا وربكم﴾
أى خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم ومحاسبنا ومحاسبكتم على ما يصدر منا ومنكم من أعمال.
وقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ معناه: لكل منا ومنكم أعمال يترتب عليها
الثواب والعقابِ، فكما أننا نتساوى معكم فى أن الله ربنا وربكم فكذلك نتساوى معكم فى

٢٨٨
المجلد الأول
استحقاق الجزاء على الأعمال التى نعملها، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم تجدوا أعمالنا خيرًا
من أعمالكم، لأننا نزيد عليكم الإِخلاص لله فى تلك الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل
إخلاصه بإكرامهم بالنبوة.
فقوله تعالى: ﴿وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ حجتان مبطلتان لدعوى
أهل الكتاب أنهم أحق لأن تكون النبوة فيهم لأن نسبة العباد إلى الله - تعالى - واحدة هو ربهم
وهم عباده، والتفاضل فى المنازل لديه إنما يكون بالأعمال الصالحة والإِخلاص لله فيها، وهو
أعلم حيث يجعل رسالته، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك، وقد شاء - سبحانه - أن ينزل
وحيه على محمد وَّر النبى الأمى العربى، بدين عام خالد فيه الهداية والنور والفلاح فى الدنيا
والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ونحن له مخلصون﴾ بيان لسبب أحقية المسلمين بالهداية والكرامة، والمعنى،
ونحن - يا معشر المسلمين - لربنا موحدون، نخلص لله العبادة والعمل، ولا نشرك معه آلهة
أخرى، أما أنتم فقد أشركتم وضللتم فقال بعضكم: ((عزير ابن الله)) وقال بعضكم ﴿المسيح
ابن الله﴾ فنحن أهدى منكم سبيلا، وأقوم قيلا.
ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن، ولا أعمال المخاطبين بالسوء تجنبًا لنفور المخاطبين من
سماع خطابهم، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ كما أنهم لم يقولوا :
ونحن مخلصون وأنتم مخطئون، بل اقتصروا على نسبة الإِخلاص لأنفسهم، وفى ذلك تعريض
لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله، فإن إخبار الإِنسان باشتراكه مع جماعة فى أمر أو أمور،
وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر، يومىء إلى أن هذا الأمر الذى أثبته لنفسه خاصة معدوم فى أولئك
الجماعة .
فمعنى الجملة : ونحن مخلصون فى أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشىء من الشرك كما فعل
غيرنا .
، وبعد أن أبطل القرآن الكريم محاجة أهل الكتاب فى دين الله بغير حق وأنكر عليهم ذلك،
عقبه بإبطال دعواهم أن أسلافهم من الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى فقال تعالى: ﴿أم تقولون
إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم
الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون﴾.
، وقوله تعالى: ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ حرف ((أم))
فيه معادل للهمزة فى قوله تعالى فى الآية السابقة ﴿اتحاجوننا فى الله﴾ على أحد الوجوه بمعنى أى
الأمرين تأتون؟ المحاجة فى حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين فى

٢٨٩
سورة البقرة
هذه الآية والمراد من الاستفهام عنهما إنكارهما معًا، إنكار حجاجهم فى دين الله، وإنكار قولهم
إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى.
فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه وَ ﴿ قل لهم: لا تجادلوننا فى دين الله بغير حق، ولا تقولوا إن
الأنبياء كانوا على دينكم، فإن مجادلتكم وأقوالكم من قبيل المزاعم الباطلة التى لاسند لها من
عقل أو نقل.
، وقوله تعالى: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ معناه قل لهم يا محمد إن زعموا أن الأنبياء المذكورين
فى الآية كانوا هودا أو نصارى: إن ما زعمتوه من أن إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب
كانوا هودا أو نصارى هو على خلاف ما يعلمه الله، لأنه - سبحانه - قد أخبرنا بأنهم كانوا
مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية، وأن يعقوب - عليه السلام - عندما حضرته الوفاة
أوصى بنيه بأن يموتوا على الإِسلام، وأن التوراة والانجيل ما أنزلا إلا من بعد أولئك الأنبياء
جميعا، هكذا أخبرنا الله (١) فهل أنتم أعلم بديانتهم أم الله ولا شك أنهم لن يستطيعوا أن
يقولوا نحن أعلم، وإنما سيقولون الله اعلم، فإذا لزمهم هذا القول: قلنا لهم إذا فدعواكم
لا أساس لها من الصحة وبذلك تكون الجملة الكريمة قد قطعت حجتهم بأجمع بیان وأحكمه.
وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾ معناه لا أحد أشد ظلمًا ممن يكتم
شهادة ثبتت عنده عن الله، تخبر بأن هؤلاء الأنبياء كانوا على الإِسلام ولم يكونوا هودًا أو
نصارى :
قال فضيلة أستاذنا السيد محمد الخضر حسين - رحمه الله - ما ملخصه : ولما أنزل قوله
تعالى : ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه : مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيل
يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .. ﴾ إلى آخر
الآية الكريمة، كان من أهل الكتاب من آمن به وأخبر بما فى كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته،
وكان منهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر فى الكتابين. ولكنه يكابر ويقول : المقصود نبى لم يأت
بعد وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابى التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم فى
القديم والحديث، وبينوا وجه انطباقها على حال النبى وَله بحيث لا تأخذ الناظر الطالب للحق
ريبة فى أنه الرسول الذى بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته، ومن هذه البشائر ماجاء فى سفر
(١) والآيات تشهد بذلك منها قوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين
فلا تموتون إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت﴾. إلى قوله تعالى: ﴿ونحن له
:
مسلمون﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
أفلا تعقلون﴾ .

٢٩٠
المجلد الأول
التثنية من التوراة (أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل
ما أوصيه به).
والنبى المماثل لموسى - عليه السلام - فى الرسالة والشريعة المستأنفة هو النبى محمد الطاهر
وإخوة بنى إسرائيل هم العرب، لأنهما يجتمعان فى إبراهيم - عليه السلام - وقوله: ((وأجعل
كلامى فى فمه، يوافق حال النبى بَّر من الأمية وعدم تعاطى الكتابة))(١).
ثم ختمت الآية بالوعيد الشديد لهم على مزاعمهم الباطلة، فقال تعالى ﴿وما الله بغافل عما
تعملون﴾ .
الغفلة : السهو والنسيان، والمراد أنه - سبحانه - محيط بأعمال هؤلاء الذين كتموا الحق،
لا تخفى عليه منها خافية وسيحاسبهم عليها حسابا عسيرًا، ويعاقبهم على مزاعمهم الباطلة
عقابًا أليمًا، فالجملة الكريمة تهديد ووعيد لأهل الكتاب.
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب - فى ختام الآيات - من التمادى فى الكفر والمعصية،
انكالا على انتسابهم الآباء كانوا من الأنبياء أو من الصالحين، فقال تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
﴿تلك﴾ إشارة إلى أمة إبراهيم وإسماعيلل وإسحاق ويعقوب والأسباط و(الأمة) المراد بها
هنا الجماعة من الناس الذين يجمعهم أمر واحد وهو هنا الدين (قد خلت) أى مضت
وانقرضت.
ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين زعموا أن الهداية فى ملتهم وأن
إبراهيم وآله كانوا هودًا أو نصارى، قل لهم: إن إبراهيم وآله يمثلون أمة مضت لسبيلها لها عند
الله ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ولا ينفعها غير صالح أعمالها، ولا يضرها
سوى سيئها، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين تفتخرون بهم، فمن الأولى أن يكون
الأمر كذلك بالنسبة لكم فعليكم أن تسلكوا طريق الايمان والعمل الصالح وأن تتركوا الاتكال
على فضائل الآباء والأجداد فإن كل نفس يوم القيامة ستسأل عن أعمالها دون أعمال غيرها،
كما بين ذلك قوله تعالى ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾.
فالمقصد الأول الذى ترمى إليه الآية الكريمة، هو تحذير المخاطبين من تركهم الإِيمان والطاعة
اعتمادًا منهم على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين، فإن هذا الاعتماد إنما هو نوع من
الأمانى الكاذبة والأفكار الفاسدة وقد جاء فى الحديث الشريف (من أبطأ به عمله لم يسرع به
نسبه).
(١) مجلة لواء الإسلام العدد ١٢ السنة الثالثة ص ٨٢٧.

٢٩١
سورة البقرة
وكأن الآية تقول لأهل الكتاب فى تأكيد : إن أمامكم دينًا دعيتم إلی اتباعه، واقترنت دعوته
بالحجة فانظروا فى دلائل صحته، وسمو حكمته، ولا تردوه بمجرد أن الأنبياء كانوا على ما أنتم
عليه الآن، فإن دعواكم هذه لا تنفعكم ولو فى حال تسليمها لكم، إذ لا يمنع اختلاف الشرائع
باختلاف المصالح، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد دحضت ما ادعاه اليهود من أن الهدى فى إتباع ملتهم،
وأقامت الحجج والشواهد على كذبهم وافترائهم وأرشدتهم إلى الدين الحق، ودعتهم إلى
الدخول فيه، ووبختهم على المحاجة فى دين الله بغير علم، وحذرتهم من الانحراف عن
الصراط المستقيم اعتمادًا منهم على آباء لهم كانوا أنبياء أو صالحين، فإنه لن تجزى نفس عن
نفس شيئًا يوم الدين.
ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد
: الحرام، وأورد الشبهات التى أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه
المسألة، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها.
ونظرًا لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالى :
أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون فى صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثانيًا : ما الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟
ثالثًا : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل؟
رابعًا : تفسير الآيات الكريمة التى نزلت بشأن القبلة؟
خامسًا: لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور الفرعية.
وإليك الإِجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
مے
أولاً: فرضت الصلاة على النبى * فى مكة ليلة الإسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن
النبى 8* كان يستقبل فى صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل
كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليمانى.
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل فى صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأى هو الذى
نرجحه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه وَّر عربى، وظهر بين قومه العرب،
ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأى مسجد آخر، إذن فالمصلحة
والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون فى صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة.

٢٩٢
المجلد الأول
ومهما يكن من خلاف بين العلماء فى الجهة التى كان النبى ◌َله يستقبلها فى صلاته وهو بمكة،
فإن الأمر الذى لا خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل فى صلاته سوى بيت
المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة فى ذلك، منها ما أخرجه البخارى فى
صحيحه عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - أن رسول الله وَيقول صلى إلى بيت المقدس
ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله وَ لقر تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت،
وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل
مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبى وَّ جهة مكة فداروا كما هم قبل
البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلى قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت
أنكروا ذلك(١).
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال : (بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح،
إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله و * قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة
فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)(٢).
وبذلك نرى أن النبى # كان يتوجه فى صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره
الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام.
ثانيًا : الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحول المسلمين فى صلاتهم إلى المسجد الحرام.
قلنا إن الرسول وَ﴿ بعد هجرته إلى المدينة استقبل فى صلاته بيت المقدس بأمر من الله -
تعالى - تأليفًا لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة
الرسول وَ ﴿ والمسلمين إليه، وكان أمل النبى أن يلبوا دعوته وأن يسارعوا إلى الدخول فى
الإِسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبى ◌ّ قد اتبع قبلتهم وعما
قريب سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين فى صلاتهم إلى بيت المقدس نوعًا من اقتباس
الهدى منهم، فتأثر الرسول ◌َ ﴿ من موقفهم الجحودى، وانبثقت فى نفسه أمنية التحول إلى
الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كى يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم.
وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه ﴿ فولاه القبلة التى يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن فى
توجههم إلى البيت الحرام، تأليفًا لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى
أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة الله ولرسوله وَله
(١) البخارى باب ((الصلاة من الإيمان)) من كتاب الإيمان جـ ١ ص ١٧.
(٢) البخارى باب ((ما جاء فى القبلة)) من كتاب الصلاة جـ ١ ص ١٠٦.
+

٢٩٣
سورة البقرة
أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن فى قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة
الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين فى عقيدتهم.
ومما قاله المشركون فى ذلك: إن محمدًا وَ له قد تحير فى دينه، وبوشك أن يرجع إلى ديننا
كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون: ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها؟.
ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك فى صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة
الأولى - وهى بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على
باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد وَله نبيًّا حقًّا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى
غيرها وما فعل اليوم شيئًا وخالفه غدًا.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن فى شريعة الإِسلام، وفى نبوة النبى
(عليه الصلاة والسلام).
ثالثًا: ولكن القرآن الكريم أفسد عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى -
نبيه * بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعًا قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن
النفوس ويثبت الإِيمان فى القلوب ويهىء الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله فى الآيات
السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شىء،
المالك السموات والأرض تصرفًا وتدبيرًا، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففى أى مكان توجه المصلى فثم وجه
الله، ثم نبه - رسوله وي ليه بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم. إشارة إلى أن
المصلحة فى التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم
تصبغ بهداية الله وتوفيقه.
ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى -
قد جعله مثابة ومرجعًا للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من
جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضًا - حرمًا آمنًا لهم. بينما
يتخطف الناس من حولهم.
وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد فى بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل
- عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وقد كانت الآيات الواردة فى شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء
صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتًا له هذه القداسة جدير بأن يكون قبلة للناس فی صلاتهم،

٢٩٤
المجلد الأول
ولكن اليهود ومن فى قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة فى نفوسهم ينقصها
الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن
نطقوا كفرًا، ولاكت ألسنتهم قبحًا وسفها.
إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم يجد آذانًا صاغية من المؤمنين، لأن الله
- تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا - بما يطمئن النفوس ولقن نبيه وال الجواب على شبهاتهم
قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا فى الأمثال: (قبل الرمى يراش
السهم).
رابعًا: تفسير الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام.
لقد أنزل الله - تعالى - آيات كريمة من سورة البقرة فى شأن صرف القبلة إلى البيت
الحرام(١)، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة
الإِسلامية، وبشرها بإجابة رجاء نبيها وَ ﴿ إذا ولاه القبلة التى يرضاها، وأراحه من التطلع إلى
اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن
شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل
أو برهان.
وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات فى ثلاث آيات، وعلق بكل
أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكرارًا فى الخطاب ليرسخ فى النفوس،
ويستقر فى المشاعر والقلوب.
هذا، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد، نحب أن
نتعرض لتفسيرها بالتفصيل، فنقول قال الله تعالى:
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّتُهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَِّ كَانُواْ
عَلَيْهَأَ قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ أُوَمَا
(١) هذه الآيات من ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤.

٢٩٥
سورة البقرة
جَعَلْنَا اُلْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَشَِّعُ الرَّسُولَ
مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيّْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيَرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ
هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ
لَرَّءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ
فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ
اٌلْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ سَطْرَةٌ، وَ إِنَّ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِشَفِلٍ
عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٤٤
تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبى وَ له والمؤمنين أن فريقًا من الناس الذين خفت
أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ما يضرهم، سيقولون على سبيل الإِنكار عند
تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ما صرفهم عن القبلة التى كانوا عليها، وهى بيت المقدس.
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت، أى فائدة فى الإِخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت : فائدته
أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من
توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه))(١).
والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركى
العرب.
وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبى وَثار.
مع علمهم بصدقه فى رسالته.
وقد صرح البخارى - رحمه الله - بأن المراد بالسفهاءهم اليهود، فقد روى عن البراء بن
عازب قال :
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٧ .

٢٩٦
المجلد الأول
كان رسول الله وَالر يجب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله - تعالى - ﴿قد نرى تقلب وجهك
فى السماء﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم
التى كانوا عليها.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه وير الجواب الذى يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم،
فقال تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم).
أى قل لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل: إن الأمكنة كلها لله ملكًا وتصرفًا وهى
بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة فى
الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة
قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم، لا ترجيحًا لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذى يهدى
من يشاء هدايته، إلى السبيل الحق، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك،
ثم إلى الكعبة، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به.
- ثم وصف الله - تعالى - الأمة الإِسلامية، بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم والعمل فقال
تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم
شهيدا﴾ .
والمعنى : ومثل ما جعلنا قبلتكم - أيها المسلمون - وسطًا لأنها البيت الحرام الذى هو المثابة
للناس، والأمن لهم، جعلناكم - أيضًا - ﴿أمة وسطا﴾ أى: خيارًا عدولا بين الأمم ليتحقق
التناسب بينكم وبين القبلة التى تنوجهون إليها فى صلواتكم، تشهدون على الأمم السابقة بأن
أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة، ونصحوهم بما ينفعهم، ولكى يشهد الرسول ◌َّر عليكم بأنكم
صدقتموه وآمنتم به.
أخرج البخارى عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله وَلّر يدعى
نوح يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يارب، فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول
نعم، فيقال لأمته هل بلغكم. فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقال له : من يشهد لك. فيقول :
محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله - جل ذكره - ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾(١).
ثم بين الله - تعالى - الحكمة فى تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى :
﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾.
(١) صحيح البخارى، باب: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا)) من كتاب التفسير، جـ ٦ ص ٢٦.

٠ ٢٩٧
سورة البقرة
أى وما شرعنا التوجه إلى القبلة التى كنت عليها قبل وقتك هذا وهى بيت المقدس،
إلا لنعامل الناس معاملة الممتحن المختبر، فنعلم من يتبع الرسول ويأتمر بأوامره فى كل حال ممن
لم يدخل الدين فى قرارة نفسه، وإنما دخل فيه على حرف، بحيث يرتد عنه لأقل شبهة، وأدنى
ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف الإِيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة والله - تعالى - عالم
بكل شىء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبى مشاهدًا فى العيان، إذ تعلق الشىء واقعًا فى
العيان، هو الذى تقوم عليه الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب.
ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال لنعلم ولم يزل عالمًا بذلك؟ قلت ؛ معناه
. لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلا، ونحوه ﴿ولما يعلم الله الذين
جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى
ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده، وقيل معناه. ليميز التابع من الناكص كما قال -
تعالى -: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم يقع التمييز
به))(١).
ثم بين الله - تعالى - آثار تحويل القبلة فى نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى: ﴿وإن كانت
لكبيرة إلا على الذين هدى الله .
أى: إنما شرعنا لك - يا محمد - القبلة أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكمية
ليظهر حال من يتبعك ويطيعك فى كل حالة ممن لا يطيعك، وإن كانت هذه الفعلة - وهى
تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة - لكبيرة وشاقة، إلا على الذين خلق الله الهداية فى
قلوبهم فتلقوا أوامرِنا بالخضوع والإِذعان، وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا.
وقوله - تعالى -: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم
بشارة عظيمة للمؤمنين، وجواب لما جاشت به الصدور، وتكذيب لما ادعاه اليهود من أن
عبادة المؤمنين فى الفترة التى سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ضائعة وباطلة.
فقد أخرج البخارى من حديث البراء بن عازب - رضى الله عنه - أنه مات على القبلة قبل
أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما تقول فيهم، فأنزل الله - تعالى - ﴿وما كان الله ليضيع
إیمانکم﴾ .
وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب رسول الله وَ له قد ماتوا على القبلة الأولى،
منهم : أسعد بن زرارة، وأبو أمامة ... وأناس آخرون فجاءت عشائرهم فقالوا : يا رسول
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٨.

٢٩٨
المجلد الأول
الله : مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف
بإخواننا، فأنزل الله - تعالى - ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾.
وروى أن حيى بن أخطب وجماعة من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى
بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله
بهامدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون إنما الهدى فيما أمر الله - تعالى -
والضلالة فيما نهى الله عنه فقالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ - وكان قد
مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة - فانطلق عشائرهم إلى النبى ويتمالتر فقالوا : يا رسول
الله : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان
الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾.
والمعنى - وما كان الله - تعالى - ليذهب صلاتكم وأعمالكم الصالحة التى قمتم بها خلال
توجهكم إلى بيت المقدس، لأنه - سبحانه - بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر من أحسن
عملا .
ثم خاطب الله - تعالى - نبيه * ووعده بأن القبلة التى سيؤمر بالتوجه إليها هى التى
يحرص عليها ويرغب فيها.
قال الإِمام ابن كثير: قال على بن أبى طلحة قال ابن عباس: كان أول ما نسخ فى القرآن
القبلة، وذلك أن رسول الله وَ ليل لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله تعالى أن
يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبله رسول الله وَ لل بضعة عشر شهرًا، وكان يجب قبلة
أبيه إبراهيم، فكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله - تعالى - ﴿قد نرى تقلب وجهك
فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهم
شطره﴾(١).
والمعنى: قد شاهدنا - يا محمد - وعلمنا تردد وجهك، وتسريح نظرك إلى السماء تطلعا إلى:
نزول الوحى عليك، وتوقعًا لما ألقى فى روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة سعيًّا منك وراء
استمالة العرب إلى الدخول فى أحضان الإِسلام، ومخالفة اليهود الذين كانوا يقولون : إنه
يخالفنا فى ديننا ويتبع قبلتنا، وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت، ووجهناك
إلى قبلة تحبها وتميل إليها ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
أى: فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٢.

٢٩٩
سورة البقرة
ثم عمم القرآن الكريم هذا التشريع على الأمة الإِسلامية جميعها. فقال تعالى :
﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾.
أى: وحيثما كنتم وأينما وجدتم فى بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه.
وقد جاءت هذه الجملة موجهة إلى الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب فى الأول خاصًا
بالنبى وَّر ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد
وأبلغ.
فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له، فيتوجه بصدره إلى ناحيتها
وجهتها حال تأديته الصلاةٍ لربه، سواء أكان المصلى بالمدينة أم بمكة أو بغيرهما.
وفى ذكر المسجد الحرام دون الكعبة، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك لم يقع خلاف بين
العلماء فى أن الكعبة قبلة كل أفق. وأن من عاينها فرض عليه استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن
يستقبل جهتها. فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع.
وقد سقنا فى مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التى صرحت بأن الصحابة
عندما بلغهم أن النبى وَّ قد أمر بالتحويل إلى الكعبة استداروا إليها وهم فى صلاتهم فجعلوها
قبلتهم .
ومما يشهد بقوة إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء عن نويلة بنت مسلم أنها قالت.
((صلينا الظهر - أو العصر - فى مسجد بنى حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء - أى بيت
المقدس - فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله وَير قد استقبل البيت الحرام
فتحول النساء مكان الرجال. والرجال مكان النساء. فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن
مستقبلون البيت الحرام. فحدثنى رجل من بنى حارثة أن النبى ◌َير قال: ((أولئك رجال يؤمنون
بالغيب))(١).
ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو الحق الذى
لا ريب فيه فقال تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل
عما يعملون﴾.
أى: وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، ليعلمون
أن استقبالكم الكعبة حق؛ لأن الذى أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول
من عند الله، أو أنه يصلى إلى القبلتين، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم،
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٣.

٣٠٠
المجلد الأول
وما الله بغافل عن أعمالهم بل هو محيط بها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة حسابًا عسيرًا)).
- ثم أخبر الله - تعالى - عن كفر اليهود وعنادهم، وأنهم لن يتبعوا الحق ولو جاءهم
الرسول وَ﴿ بكل آية. فقال تعالى:
وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ بِكُلِّ
ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِلَتَكْ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم
◌ِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضِ وَلَبِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدِ
مَاجَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
(١٤٥)
الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ وَإِنَّ
فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ () الْحَقُّ مِن
﴾ وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَمُوَلِّهَاً
رَّبِكِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًاً
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ
١٤٨
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكْ وَمَا
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ
١٤٩
اللَّهُ بِغَفِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
١٥٠
تَهْتَدُونَ