النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة البقرة ٠٠. جواب، بل أنزل الله - تعالى - آيات كريمة لدحضها وإزالتها من الصدور، ليزداد المؤمنون إيمانا، وهذه الآيات هى قوله تعالى : . مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا تَأْتِ مِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّاللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ﴿٢٠) أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهُلَُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَإٍِّ وَلَّا نَصِيرٍ ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْتَلُواْرَسُولَكُمْ كَمَا سُيِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَبِالْإِبِمِنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ١٠٨ والنسخ فى اللغة الإِبطال والإِزالة، يقال. نسخت الشمس الظل تنسخه، إذا أذهبته وأبطلته . وفى عرف الشرع : بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب لاستمر الحكم على مشروعيته، بمقتضى النص الذى تقرر به أولا . وننسها من أنسى الشىء جعله منسيًا. فمعنى نسخ الآية فى قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ رفع حكمها مع بقائها. ومعنى إنسائها فى قوله - تعالى -: ﴿ننسها﴾ رفع الآية من نظم القرآن جملة. وسمى رفع الآية من نظم القرآن جملة إنساء، لأن من شأن مالا يبقى فى النظم أن ينساه الناس لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به. ويصح إبقاء الإِنساء على حقيقته، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها من الحافظة، بعد أن يقضى الله بنسخها. وإنما قلنا بعد أن يقضى الله بنسخها، لأن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة لشىء من القرآن، والله يقول ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون﴾(١). (١) سورة الحجر الآية رقم ٩. ٢٤٢ المجلد الأول ومما يدل على نسخ الآية المنساة، أى : انتهاء مدة التكليف بها قوله تعالى : ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ أى نأت بخير من المنسية المنسوخة أو مثلها، فيكون قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ معبرًا عن حالة تعرض فى بعض ما سيرفع من القرآن وهى أن ينساه الناس لذهابه من قلوبهم، بعد أن يقضى الله بنسخه - كما ذكرنا -. ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص، أن ما ينسى لعدم حضوره فى الذهن لا تعرف الآيات. التى تقوم مقامه، فربما يقع فى الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغنى غناءه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ننسأها﴾ بالهمزة، من النساء وهو التأخير وعلى هذه القراءة يحمل النسخ فى قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ على النوعين السابقين وهما: نسخ الآية حكما فقط، ونسخها حكمًا وتلاوة. ومعنى ﴿ننسأها﴾ تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها، وننزل ما يقوم مفامها فى القيام بالمصلحة . والخيرية والمماثلة فى قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ترجع إلى ثواب العمل بها. فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها، وقد يكون مماثلا له، وإن كانت كل واحدة من الآيتين الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها، أقوم على المصلحة من الأخرى. وبعد أن أثبت - سبحانه - أن النسخ جائز وواقع بقوله : ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ساق جملة كريمة فى صورة الاستفهام التقريرى، مخاطبًا بها الأمة الإِسلامية فى شخص نبيها ◌َ لتكون دليلا على هذا الثبوت، وهذه الجملة هى قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير﴾ والمعنى أن الله - تعالى - متمكن من أن يفعل ما يشاء على الوجه الذى تقتضيه حكمته وإرادته، ومن كان هذا شأنه فله أن يأمر فى وقت بأمر، ثم ينسخه أو يستبدل به آخر لمقتضيات الظروف والأحوال. ثم أقام - سبحانه - الدليل على كمال قدرته وشمولها لكل شىء فقال : ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض، ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير﴾. والمعنى : أنه - سبحانه - مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية، وأنه هو المتصرف كما يشاء فى ذواتها وأحوالها، وأنه يتصرف فى أمورهم ويجريها على حسب ما يصلحهم، وهو أعلم بما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ وليس للناس من أحد يتولى أمورهم، ويعينهم على أعدائهم سواه، ومن كان الله وليه ونصيره علم يقينا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فى دنياه وأخراه. ٢٤٣ سورة البقرة وإذن فأنتم - أيها اليهود - ما قدرتم الله حق قدره، لزعمكم أن النسخ محال على الله لأن المالك لكل شىء، من حقه أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يريد على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته . فالآية واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من إحاطة قدرته - سبحانه - بكل شىء. ثم حذر القرآن الكريم المؤمنين من الاستماع إلى وساوس اليهود، تثبيتًا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، فقال تعالى : ﴿أم تریدون أن تسألوا رسولکم کما سئل موسی من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضل سواء السبيل﴾ والمعنى: لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تقترحوا على رسولكم محمد بيّلة مقترحات تتنافى مع الإِيمان الحق كأن تسألوه أسئلة لاخير من ورائها لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبنى إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالبينات - مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم فقالوا له: ﴿أرنا الله جهرة﴾(١) وقالوا له: ﴿أجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾(٢) ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإِيمان، ولخرجتم عن الصراط المستقيم الذى يدعوكم إليه نبيكم ◌َلچر. والاستفهام فى الآية الكريمة للإِنكار، وفى أسلوبها مبالغة فى التحذير من الوقوع فيما وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم، إذ جعل محط الإِنكار إرادتهم للسؤال، وفى النهى عن إرادة الشىء، نهى عن فعله بأبلغ عبارة. ثم نبه الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما يضمره لهم اليهود من أحقاد وشرور فقال - تعالى - : وَدَّكَثِيرٌمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيَرُدُونَكُمْ مِّنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارَا حَسَدًا مِّنْ عِندٍ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْيٍ مِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ١٠٩ (١) سورة البقرة الآية ٥٦. (٢) سورة الأعراف الآية ١٣٨. ٢٤٤ المجلد الأول ومعنى الآية الكريمة : أحب وتمنى عدد كثير من اليهود الذين هم أهل كتاب، أن ينقلوكم أيها المؤمنون من الإِيمان إلى الكفر، حسدًا لكم وبغضًا لدينكم، من بعد ما ظهر لهم أنكم على الحق باتباعكم محمدا ربي فلا تهتموا بهم، بل قابلوا أحقادهم وشرورهم بترك عقابهم، والإعراض عن أذاهم، حتى يأذن الله لكم فيهم بما فيه خيركم ونصركم، فإنه - سبحانه - على كل شىء قدير)). وقوله تعالى : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا﴾ بيان للون من ألوان الشرور التى يضمرها أهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق، إلى الكفر الذى أنقذهم الله - تعالى - منه. وإنما أسند - سبحانه - هذا التمنى الذميم إلى الكثرة منهم، انصافًاً للقلة المؤمنة التى لم ترتض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله إلى الإسلام. وقوله تعالى: ﴿من بعد إيمانكم﴾ مبالغة فى ذمهم بسبب ماتمنوه وأحبوه إذ ودوا - وهم أهل كتاب - أن يحل الكفر محل الإِيمان، وفيه إشعار بأن ما تمنوه بعيد الحصول؛ لأن الإِيمان متى خالطت بشاشته القلوب، منع صاحبه من الانتقال إلى الكفر. ثم بين - سبحانه - أن الذى حملهم على هذا التمنى الذميم هو الحقد والحسد، فقال تعالى: ﴿حسدًا من عند أنفسهم من بعد ماتبين لهم الحق﴾ أى: أن هذا التمنى لم یکن له من سبب أوعلة سوى الحسد الذى استولى على نفوسهم، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان ويتمنون التحول عنه إلى الكفر، فالجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة من محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر. قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين: ((والحسد: قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمنى زوال تلك النعمة عن الغير وتمنى زوال النعم مذموم بكل لسان، إلانعمة أصابها فاجر أوجائر يستعين بها على الشر والفساد، فإن تمنى زوالها كراهية للجور والفساد لا يدخل فى قبيل الحسد المذموم فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك مثلها فهی الغبطة والمنافسة، وهی محمودة لأنها قد تنتھی بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة لظل فى غفلة عنها، والحسد قد يهجم على الإِنسان ولا يكون فى وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود، وإنما يؤاخذ الإِنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من القدح فى المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه))(١). (١) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد ٥ ص ٦. ،سبي ٢٤٥ سورة البقرة وقوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾ إعلام للمؤمنين، بأن هؤلاء اليهود لم يؤمروا بذلك فى كتابهم، بل إن كتابهم لينهاهم عن هذا الخلق الذميم ولكنهم لخبث نفوسهم وسوء طباعهم، رسخ الحسد فى قلوبهم لدرجة يعسر معها صرفه عنهم، أو صرفهم عنه. والجملة الكريمة ﴿حسدًا من عند أنفسهم﴾ تدل على أن أولئك اليهود يعتقدون صحة دین الإِسلام، إذ الإِنسان لا يحسد غيره على دين إلا إذا عرف فى نفسه صحته، وأنه طريق الفوز والفلاح. وقوله تعالى: ﴿من بعد ماتبين لهم الحق) يدل على أن محبة اليهود لتحويل المؤمنين من الكفر إلى الإِيمان وقعت، بعد أن ظهر لهم صدق النبى وَل﴿ وبعد أن تبين لهم أن الصفات التى وردت فى التوراة بشأن المبشر به، لا تنطبق إلا عليه، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما كان عن عناد وجمود على الباطل، وذلك هو شأن أحبارهم الذين كانوا على علم بالتوراة، وبتبشيرها بالنبى ◌َ #. ثم أمر الله تعالى المؤمنين فى ختام الآية أن يقابلوا شرور اليهود بالعفو والصفح، وأن یوادعوهم إلی حین فقال تعالى : ﴿فاعفوا واصفحوا حتی یأتی الله بأمره إن الله علی کل شىء . قدير﴾. العفو: ترك العقاب على الذنب. والصفح: ترك المؤاخذة عليه، فكل صفح عفو ولا عکس. والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تتركوا معاقبة أولئك اليهود الحاسدين وأن تعرضوا عن رفع السيف فى وجوههم حتى يأذن الله لكم فى أن تشفوا صدوركم منهم، ويبيح قتالهم الذى يترتب عليه نصركم، إذ أن كل شىء داخل تحت سلطان قدرته - تعالى -. فالمراد بالأمر فى قوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره) الإِذن للمسلمين بقتالهم فى الوقت الذى يختاره الله - تعالى - لهم، عند ما تكون لهم القوة التى يتمكنون بها من جهاد أعدائهم. قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإمام: ((وفى أمره تعالى لهم بالعفو والصفحَ إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم، فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوى العادل، للضعيف الجاهل وفى إنزال المؤمنين على قلتهم منزلة الأقوياء، ووضع أهل الكتابَ على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ماثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق ٢٤٦ المجلد الأول والباطل فإن الحق هو الذى يصرع الباطل كما قلنا غير مرة، وإنما بقاء الباطل فى غفلة الحق عنه))(١). وقد أكد الله - تعالى - وعده بقوله : ﴿إن الله علی کل شىء قدير﴾ أی أن کلی شیء داخل تحت قدرته النافذة التى لا يعجزها شىء. وقد أنجز الله - تعالى - وعده، فأذن للمؤمنين فى الوقت المناسب بقتال اليهود وتأديبهم، وقد ترتب على ذلك النصر للمؤمنين، والطرد والقتل لليهود الحاقدين. وبعد أن أمر القرآن المؤمنين فى الآية السابقة بالعفو والصفح عن أعدائهم لأن الحكمة تجعل العفو والصفح خيرًا من العقوبة والتأنيب، انتقل بعد ذلك إلى أمرهم بالمحافظة على الشعائر التى تطهر قلوبهم، وتزكى نفوسهم فقال - تعالى - : وَأَقِيمُواْالضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ وَمَا نُقَدِّمُو ◌ْلِأَنْفُسِكُمـ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١١٠ فقد أمرهم - سبحانه - فى هذه الآية بالمواظبة على عمودى الإِسلام وهما العبادة البدنية التى تؤكد حسن صلة العبد يخالقه وهى الصلاة والعبادة المالية التى تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين وهى الزكاة. وجاءت جملة ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ بعد ذلك، لترغبهم فى فعل الخير على وجه عام، ولتحثهم على التزود من الأعمال الصالحة سواء أكانت فرضًا أم نفلا. وقال ﴿لأنفسكم﴾ للإشعار بأن ما يقدمه المؤمن من خیر إنما يعود نفعه إليه، وأنه سيجد عند، الله نظير ذلك الثواب الجزيل، والأجر العظيم، وفى قوله، عند الله، إشارة إلى ضخامة الثواب، لأنه صادر من الغنى الحميد. وجاءت جملة ((إن الله بما تعلمون بصير)) لتأكيد ذلك الوعد، فقد دلت على أن الله - تعالى - لا يخفى عليه عمل عامل قليلا كان أو كثيرًا. وإذا كان عالما محيطًا بكل عمل يصدر من الإِنسان، كانت الأعمال محفوظة عنده - تعالى -، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاءه يوم الدين. (١) تفسير المنار جـ ١ ص ٤٢١. ٢٤٧ سورة البقرة وفى إعادة ذكر اسم الجلالة فى هذه الجملة مع تقدم ذكره فى قوله : ﴿تجدوه عند الله﴾ إشعار باستقلال هذه الجملة، وبشدة الاهتمام بالمعنى الذى تضمنته. كذلك من فوائد إظهار اسم الجلالة فى مقام يجوز فيه الإضمار، أن تكون الجملة كحكمة . تقال عند كل مناسبة، بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر بالضمير فإن إلقاءه عند المناسبة يستدعى أن تذكر الجملة السابقة معها حتى يعرف المراد من الضمير. ثم حكى القرآن لونًا من ألوان المزاعم الباطلة التى درج عليها أهل الكتاب، ورد عليها بما يبطلها فقال : وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلََّ مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْبُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ ◌ْ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ صَدِقِين فَلَهُ: أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ١١٢١ الضمير فى ((قالوا)) يعود على أهل الكتاب من الفريقين. " والهود: جمع هائد أى متبع اليهودية وقدمهم القرآن الكريم على النصارى لتقدمهم فى الزمان . والمعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصرانيًا، إلا أن الآية الكريمة سلكت فى طريق الإِخبار عما زعموه مسلك الإنجاز، فحكت القولين فى جملة واحدة، وعطفت أحد الفريقين على الآخر بحرف ((أو)) ثقة بفهم السامع، وأمنا من اللبس، لما عرف من التعادى بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾ أى: قالت اليهود : كونوا هودا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. ولذا قال الإِمام ابن جرير: ((فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى فى هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها فى ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذى ذهبت إليه، وإنما عنى به وقالت اليهود : لن يدخل الجنة ٢٤٨ المجلد الأول إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى، ولكن معنى الكلام لما كان مفهومًا عند المخاطبين به جمع الفريقان فى الخبر عنهما فقيل: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾(١). وقوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾ جملة معترضة قصد بها بيان أن ما يدعونه من أن الجنة خاصة بهم، ما هو إلا أمانى منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا برهان. سولتها لهم أنفسهم التى استحوذ عليها الشيطان فخدعها بالأباطيل والأكاذيب. واسم الإشارة ((تلك)) مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ وهو يتضمن أمانى كثيرة: منها، أن اليهود أمنيتهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم، والنصارى كذلك أمنيتهم أنهم هم وحدهم أصحاب الجنة، وكلا الفريقين يعتقد أن المسلمين ليسوا أهلالها، ولهذا جاء خبر اسم الإِشارة جمعًا فقال تعالى ﴿تلك أمانيهم﴾. ويرى صاحب الكشاف أن المشار إليه أمور قد تعددت لفظًا وحكاها القرآن عنهم فى قوله ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ وفى قوله : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لويردونكم من بعد إيمانكم كفارًا، حسدًا من عند أنفسهم﴾ وفى قوله: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾، وعبارته : فإن قلت : لم قيل ﴿تلك أمانيهم﴾ وقولهم لن يدخل الجنة أمنية واحدة؟ قلت : أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهو إمنيتهم أن لاينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارًا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم. أى تلك الأمانى الباطلة أمانيهم(٣). ويرى صاحب الانتصاف: أن المشار إليه واحد وهو قولهم ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان؛ هودا أو نصارى﴾ وجمع لإفادة أن تلك الأمنية قد تمكنت من نفوسهم وأشربتها قلوبهم. فقال: والجواب القريب أنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية، ومعاودتهم لها، وتأكدها فى نفوسهم جمعت ليفيد جمعها أنها متأكدة فى قلوبهم بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه واحدًا ونظيره قولهم : معى جياع، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، تأكيدًا لثبوتها وتمكنها، وهذا المعنى أحد ما روى فى قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾(٣) فإنه : جمع ((قليلا)) وقد كان الأصل إفراده فيقال ((لشرذمة قليلة)) كقوله تعالى ﴿كم من فئة قليلة﴾ لولا ما قصد إليه من تأكيد القلة بجمعها، ووجه إفادة الجمع فى مثل هذا التأكيد، أن الجمع (١) تفسير ابن جرير جـ ( ص ٤٩١. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٣٠. (٣) سورة الشعراء الآية ٥٤. ٢٤٩ سورة البقرة يفيد بوضعه الزيادة فى الآحاد فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبانته زيادة على نظرائه، نقلا مجازيًا بديعًا فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان والله المرفق))(١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله ويغفر أن يطالبهم بالدليل على صحة ما يدعون، فقال تعالى ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)). أى قل - يا محمد - لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس، هاتوا حجتكم علی خلوص الجنة لکم، إن كنتم صادقین فی دعواكم، لأنه لما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحى من الله وليس لمجرد التمنى، أمر الله - تعالى - نبيه وَل# أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها. قال الإِمام ابن جرير: ((وهذا الكلام وإن كان ظاهره دعاء القائلين ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ إلى إحضار حجة على دعواهم، فإنه بمعنى التكذيب من الله لهم فى دعواهم وقيلهم، لأنهم ليسوا بقادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدًا))(٢). هذا، ويؤخذ من الآية الكريمة بطلان التقليد فى أمور الدين، وهو قبول قول الغير مجردًا من الدلیل، فلا ینبغی للإنسان أن یقرر رأیًا فی الدین إلا أن یسنده إلی دلیل، كما أنه لا يقبل من غيره قولا إلا أن يكون مؤيدًا بدليل. أما عدم صحة التقليد فى أصول الدين: أى فيما يرجع إلى حقيقة الإِيمان فالأمر فيه جلى، لأنه يكتفى فى إيمان الشخص بأى دليل ينشرح به صدره للإسلام، وتحصل له به الطمأنينة، كأن يستمد إيمانه بالله من التنبيه لحكمة الله فى إتقان المخلوقات، أو فى رعاية اللطف والرفق بالإِنسان، ويستمد إيمانه بصدق الرسول * من الاستماع إلى القران الكريم، أو من سيرته التى لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول، والقصد أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه فى بيئة إسلامية أو ولد من أب وأم مسلمين. وأما التقليد فى الفروع أى فى الأحكام العملية، فالناس بالنظر إلى القدرة على تمييز الخطأ من الصواب درجات، فمن له قدرة على فهم الأدلة ومعرفة الراجح من الأحكام، لا يجوز أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقرونًا بدليل، وإن كان قاصرًا عن هذه الدرجة أخذ بما يفتيه به العالم (١) هامش تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣٠. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٦٤٩. ٢٥٠ المجلد الأول المشهود له بالرسوخ فى علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع))(١). ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إيراد قاعدة كلية رتبت دخول الجنة على الإِيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو الجنس أو لطائفة فقال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. ﴿بلى﴾ حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق، وقد صدرت الآية التى معنا بحرف ((بلى)) لإثبات ما نفوه وهو دخول غيرهم الجنة ممن لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى، مادام قد أسلم وجهه لله وهو محسن. وقوله تعالى: ﴿أسلم وجهه لله﴾ المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره، وأخلص له العبادة، وأصل معناه الاستسلام والخضوع. وخص الله - تعالى - الوجه دون سائر الجوارح بذلك، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعًا. وقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾ من الإحسان، وهو أداء العمل على وجه حسن أى: مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف. والمعنى : ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة، كما قال تعالى: ﴿فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتى : ( أ) إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة. (ب) بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة، إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيبًا لهم فى الإِسلام، وبيانًا لمفارقة خالهم لحال من يدخل الجنة، لكى يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة. (جـ) بيان أن العمل المقبول عند الله - تعالى - يجب أن يتوفر فيه أمران : أولهما : أن يكون خالصًا لله وحده. ثانيهما : أن يكون مطابقًا للشريعة التى ارتضاها الله تعالى وهى شريعة الإِسلام. (١) تفسير الآية الكريمة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الخامس ص ٧. ٢٥١ سورة البقرة قال الإِمام ابن كثير: ((فمتى كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله ◌َل﴿ ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول وم لر المبعوث فيهم وإلى الناس كافة، وفى أمثالهم قال الله - تعالى- ﴿وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة فى الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾(١). : وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبطلتا دعوى اليهود أن الجنة لهم دون غيرهم، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هى إلا من قبيل الأمانى والأوهام وكذبتهم فى أن يكون عندهم أى برهان أو دليل على ما يدعون ثم أصدرتا حكما عاما وهو أن الجنة ليست خاصة لطائفة دون أخرى، وإنما هى لكل من أسلم وجهه لله وهو محسن. ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل بعضهم البعض، وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال : وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبُّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمَّ قَالَهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ ١١٣ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ فالآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ .. إلخ، لزيادة بيان طبيعة أهل الكتاب، المعوجة، وأن رمى المخالف لهم بأنه ضال شنشنة فيهم. والشىء: يطلق على الموجود، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وقد ينفى مبالغة فى عدم الاعتداد به واليهود كفرت عيسى - عليه السلام - ومازالوا يزعمون أن المسيح المبشر به فى التوراة لم يأت، وسيأتى بعد، فهم يعتقدون أن النصارى باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقى من (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٥٤. 3 ٢٥٢ المجلد الأول التدين، والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذى جاء لإِتمام شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق منهم يطعن فى دين الآخر، وينفى عنه أن يكون له أصل من الحق. وجملة ﴿وهم يتلون الكتاب﴾ حالية، والكتاب للجنس. أى: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، إذ اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإِنجيل، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله وآمن به ألا يكفر بالباقى، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثانى، شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعًا متواردة على تصديق بعضها البعض . وقوله : ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ معناه: كما أن أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شىء من الدين الحق. فكذلك قال الذين لا يعلمون، وهم مشركو العرب، فى شأن المسلمين : إنهم ليسوا على شىء من الدين الحق، فتشابهت قلوب هؤلاء وقلوب أولئك فى الزيغ والضلال. والهدف الذى ترمى إليه هذه الجملة، هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة محمد والات لا ينبغى أن يثير شبهة على عدم صحتها، حيث يسبق إلى أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها. فكأن القرآن يقول : إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغى أن تكون شبهه. ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شىء حقيقى من التدين، فسبيلهم فى إنكار دين الإِسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه عن جهالة به. وفى هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم - مع علمهم - فى سلك من لا يعلم. وقوله: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾. صدر بالفاء، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال، متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد. والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث، وما كانوا فيه يختلفون يعم ما ذكر وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى. -- والاختلاف: تقابل رأيين فيما ينبغى انفراد الرأى فيه. ٢٥٣ سورة البقرة ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم، لأنه من المعلوم أن من مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق، وعقاب من كان على باطل. وبذلك تكون الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب، حيث بينت كيف أن كل فريق منهم قد رمى صاحبه بالضلال، وفى هذا تثبيت للمؤمنين ونهى لهم عن أن ينهجوا نهجهم. ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى فى خراب بيوت الله، فقال : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْ خُلُوهَا إِلَّ خَيِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَّهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤ ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت فى شأن الرومانيين الذين غزوا بيت المقدس وخربوه. ويرى آخرون أنها نزلت فى كفار قريش حين منعوا رسول الله مسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وكيفما كان سبب النزول، فالآية تشمل بذمها ووعيدها، كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها. ومن أسم استفهام يراد منه النفى، أى: لا أظلم. والمساجد : جمع مسجد، وهو المكان الخاص للعبادة، مأخوذ من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض خضوعًا لله وتعظيما. والظلم : الاعتداء على حق الغير، بالتصرف فيه بمالا يرضى به، ويطلق على وضع الشىء فى غير ما يستحق أن يوضع فيه، والمعنيان واضحان هنا. وذكر اسم الله كناية عما يؤدى فيها من العبادات، إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه - تعالى - : والسعى فى الأصل: المشى بسرعة فى معنى الطلب والعمل. والخراب: ضد التعمير، ويستعمل لمعنى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له. قال القرطبى: ((وخراب المساجد قد يكون حقيقيًا، كتخريب بختنصر والرومان لبيت ٢٥٤ المجلد الأول المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه. ويكون مجازًا كمنع المشركين حين صدوا رسول الله وَلّر عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها))(١). والمعنى : لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله، وعمل فى خرابها بالهدم كما فعل الرومان وغيرهم ببيت المقدس. أو بتعطيلها عن العبادة كما فعل كفار قريش، فهو مفرط فى الظلم بالغ فيه أقصى غاية. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت : فكيف قيل مساجد الله، وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن يجىء الحكم عامًا، وإن كان السبب خاصًا، كما تقول لمن آذى صالحًا واحدًا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين، كما قال - عز وجل -: ﴿ويل لكل همزة﴾ والمنزول فيه هو الأخنس بن شريق))(٢). وقوله - تعالى -: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ معناه: ما ينبغى لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون فى خرابها أن يدخلوها إلا خائفين من الله - تعالى - لمكانها من الشرف والكرامة بإضافتها إليه - تعالى - أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا عن أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. قال ابن كثير: «وفى هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ویذل لهم المشركين حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفًا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد فمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، وذلك أنه بعد أن تم فتح مكة للمسلمين أمر النبى صل﴿ من العام القابل مناديًا ينادى برحاب منى ((ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته)). وعندما حج النبى وَالزعام حجة الوداع لم يجترئ. أحد من المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزى فى الدنيا لهم، المشار إليه بقوله - تعالى -: ﴿لهم فى الدنيا خزى﴾ لأن الجزاء من جنس العمل(٣). ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبة هؤلاء الساعين فى خراب مساجد الله فقال - تعالى - : ﴿لهم فى الدنيا خزى، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾. أى: لهم فى الدنيا هوان وذلة بسبب ظلمهم وبغيهم، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم بخلدون معه فى النار. وليس هناك أشقى ممن (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٧٧. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ١٧٩. (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠٨. ٢٥٥ سورة البقرة يعيش دنياه فى هوان وذلة، ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب الأليم الذى لا يموت فيه ولا يحيا. ثم أخذ القرآن فى تسلية المسلمين الذين أخرجوا من مكة وفارقوا المسجد الحرام، مبينًا لهم أن الجهات كلها لله - تعالى - فقال : وَلِلَِّ الْمُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ المشرق والمغرب: مكان شروق الشمس وغروبها، والمراد بهما هنا جميع جهات الأرض. واللام فى قوله: ((ولله)) تفيد معنى الملك. (١١٥ والتولية : التوجه من جهة إلى أخرى. و(ثم) اسم إشارة للمكان .. والوجه : الجهة، فوجه الله الجهة التى ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهى القبلة. والمعنى : أن جميع الأرض ملك الله وحده، ففى أى مكان من المشرق والمغرب توليتم شطر القبلة التى أمركم الله بها ورضيها لكم، فهناك جهته - سبحانه - التى أمرتم بها، والتى تبرأ ذممكم باستقبالها. ومعنى هذا : الإذن بإقامة الصلاة فى أى مكان من الأرض دون أن تختص بها المساجد، ففى الحديث الشريف: ((جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا)). وكأن الآية تومى، إلى أن سعى أولئك الظالمين فى منع المساجد من ذكره - تعالى - وتخريبها، لا يمنع من أداء العبادة لله - تعالى -: لأن له المشرق والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإِنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها. وذيلت الآية بقوله ﴿إن الله واسع عليم﴾ لإفادة سعة ملكه أو سعة تيسيره على عباده فى أمر الدين. أى: إن الله يسع خلقه جميعًا برحمته وتيسيره وجوده وهو عليم بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أينما كان وكيفما كان. ثم حكى القرآن بعض الأقاويل الباطلة التى افتراها أصحاب القلوب المريضة فقال - - تعالى - : وَقَالُواْاتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ بَلِ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِّ ١١٦ وَاْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَائِنُونَ﴾ وَإِذَا قَضَّ أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٢٥٦ المجلد الأول قوله - تعالى -: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك وقالت اليهود ليست النصارى على شىء إلخ)). واتخذ: من الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل. والولد: يطلق على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولدا هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: ﴿عزير ابن الله﴾ وحكى عن النصارى أنهم قالوا: ﴿المسيح ابن الله﴾ وحكى عن المشركين أنهم قالوا ((الملائكة بنات الله)) فيصح أن يكون الضمير فى قالوا عائدًا على الفرق الثلاث أو على بعضهم. فمن المعروف أن القرآن يجرى على الأسلوب المعروف فى المخاطبات حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم فحين قال: ﴿وقالت اليهود عزير بن الله﴾ أصبح من السائغ فى صحة المعنى أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم : وقوله : ﴿سبحانه﴾ تنزيه له عما هو نقص فى حقه ومحال عليه من اتخاذ الولد، لاقتضاء الوالدية : النوعية والجنسية والتناسل والافتقار، والتشبيه والحدوث وفى الصحيحين عن رسول الله وَل أنه قال : ((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم)). وسبحان : مصدر لسبح بمعنى نزه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريح به معه، والأصل : أسبحه سبحانه، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه. وقوله: ﴿بل له ما فى السموات والأرض﴾ إضراب عن مقالاتهم التى نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وشروع فى الاستدلال على بطلانها. واللام فى قوله : ﴿له﴾ للاختصاص الكامل وهو الملك الحقیقی، و (ما) اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل وما لا يعقل ومن جملة هذه الكائنات من ادعوا أنه ولد لله. والمقصود إثبات أن قولهم ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ زعم باطل، فإن جميع ما احتوت عليه السموات والأرض مملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة إلى اتخاذ الولد، إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه ليعتزبه أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة. والله - تعالى - منزه عن أمثال هذه الأغراض التى لا تليق إلا بمن خلق ضعيفًا كالإِنسان ثم إن الحكمة من التوالد بقاء النوع محفوظًا بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما الخالق - تعالى - فهو الواحد فى ذاته وصفاته، الباقى على الدوام، كما قال تعالى : ٢٥٧ سورة البقرة ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام). وقوله - تعالى -: ﴿كل له قانتون﴾ . معناه : كل له مطيعون طاعة تسخير وانقياد، خاضعون لا يستعصى منهم شىء على مشيئته وإرادته : شاهدون بلسان الحال والمقال على وحدانيته من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، وإنما جاء ﴿قانتون﴾ بجمع المذكر المختص بالعقلاء، مع أن الخضوع لله يكون من العقلاء وغيرهم تغليبًا للعقلاء على غيرهم، لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة، ولأن ظهوره فيهم أكمل من ظهوره فى غيرهم. وفصلت جملة ﴿كل له قانتون﴾ عن سابقتها، لقصد استقلالها بالاستدلال على نفى أن يكون الله ولد، حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له قوله - تعالى -: ﴿له ما فى السموات والأرض﴾. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال: ﴿بديع السموات والأرض﴾ أى: مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء. وبلا آلة ولا مادة، وبديع صفة مشبهة من أبدع، والذى ابتدعهما من غیر أصل ولا مثال هو الله - تعالى -. وخص السموات والأرض بالإِبداع، لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات. قال القرطبى: ((قوله - تعالى -: ﴿بديع السموات والأرض) فعيل للمبالغة. وارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر. أبدعت الشىء لا عن مثال، فالله - تعالى- بديع السموات والأرض، أى منشئهما وموجدهما، ومخترعهما، على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع؛ وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أومقال إمام ... ))(١). وقوله : ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ معناه: وإذا أراد - سبحانه - إحداث أمر من الأمور حدث فورًا. ((وکن فیکون، فعلان من الکون بمعنی الحدوث. ویری كثير من . أهل السنة أن الجملة واردة على وجه التمثيل، لحدوث ما تتعلق به إرادته - سبحانه - بلا مهلة وبلا توقف. وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون، ففى الكلام استعارة تمثيلية . ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته، وأنه - تعالى - أجری سنته فی تکوین الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا . وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا بعض الشبهات الباطلة التى أوردها الضالون (١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٨٦. ٢٥٨ المجلد الأول حول وحدانية الله وردت عليها بما يدحضها ويثبت كذبها. ثم أورد القرآن بعد ذلك الشبهات التى أثاروها حول نبوة محمد واله وأجاب عنهابما يبطلها فقال تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَّةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ مُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُ قَدْ بَيَّنَّا الْأَيَتِ لِقَوْمِ يُوقِنُونَ ١١٨ عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة اليهودى لرسول الله وَلتر يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله هذه الآية (١). فالآية الكريمة معطوفة على قوله: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا .. ﴾. ومعنى الآية الكريمة. ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ علمًا نافعًا أمثال هؤلاء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة - يا محمد - ﴿لولا يكلمنا الله﴾ إما مشافهة، أو بواسطة الوحى إلينا لا إليك، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك، قالوا هذا على وجه العناد والجحود أن تكون الآيات التى أقامها الله على صدق رسالته آيات حقًّا. وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ أى: مثل هذا القول المتعنت، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفى هذه الجملة تسلية للرسول وَل# بأن ما لاقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله. ﴿تشابهت قلوبهم﴾ أى تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك فى العناد والضلال. ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ أى: جعلناها بينة واضحة فى ذاتها لمن شأنهم الإِخلاص فى طلب الحق أينما كان، فيتجهون إليه عن طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٦١. ٢٥٩ سورة البقرة قال الإِمام الرازى: وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد تحصيل شىء، اختار أقرب الطرق إليه، وبما أن الله قد كلمَ موسى وكلمك يا محمد فلم لا يكلمنا مشافهة، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك، وهذا منهم طعن فى أن القرآن معجزة، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال أن يقولوا ما قالوه. فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ وحاصل هذا الجواب : أنا قد أيدنا قول محمد بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت. وعليه فلن تجاب مطالبكم لوجوه منها : ١ - لو كان فى معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجًا. ٢ - أن حصول الدلالة الواحدة تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فإذا لم يكتف بها، كان طلبه من باب المعاندة. ٣ - ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح فى كونها معجزة لأن الخوارق/متى توالت كان انخراق العادة عادة. فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح فى النبوة(١). هذا، وبعض المفسرين يرى أن المراد ((بالذين لا يعلمون)) اليهود، وبعضهم يرى أن المراد يهم مشركو العرب وبعضهم يرى أن المراد يهم النصارى، ونحن نرى أن اللفظ صالح لأن يندرج تحته جميع هذه الطوائف قضاء لحق الموصول المفيد للتعميم، ولكنا نختار أن اليهود هم المقصودون قصدًا أوليًا من هذه الآية للأسباب الآتية : .....**** ١ - الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لها، وكلها تتحدث عن بنى إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم. ٢ - جملة ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ قرينة على أن المقصود بالذين لا يعلمون هم اليهود المعاصرون للعهد النبوى، حيث كان أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب، لقد قالوا له: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ وقالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ وطلبوا منه كثيرا من المطالب المتعنتة. ٣ - الآية مدنية ومن سورة البقرة التى هى من أوائل ما نزل على الرسول و 98 بالمدينة، ومن المعروف أن حديث القرآن المدنى عن أهل الكتاب بصفة عامة، وعن البيهود بصفة خاصة، أكثر من حديثه عن مشركى العرب، لأن البيئة المدنية صلتها بأهل الكتاب أشد وألصق. (١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٤١٦. ٢٦٠ المجلد الأول ٤ - سبب نزول الآية الذى ذكرناه يؤيد أن اليهود مقصودون قصدًا أوليًا فى هذه الآية. ٥ - القائلون بأن المراد بالذين لا يعلمون مشركو العرب، دعموا قولهم بأن آيات القرآن التى تحكى عنهم أمثال هذه المقترحات مستفيضة. وكأنهم يستبعدون أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن اليهود. وردنا عليهم أن القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه الأسئلة بدليل قوله تعالى : ﴿یسألك أهل الكتاب أن تنزل علیھم کتابًا من السماء فقد سألوا موسی أکبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾(١). ٦ - الإِمام ابن جرير رجح أن المراد ﴿بالذين لا يعلمون﴾ النصارى، مستدلا بأن ذلك فی سياق خبر الله عنهم، فالآية السابقة على هذه الآية تقول. ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه، بل له ما فى السموات والأرض كل له قانتون﴾ والنصارى هم الذين قالوا ذلك. وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتى : (أ) لأن الآية ليست فى سياق خبر الله عن النصارى، وإنما هى فى سياق خبر الله عن اليهود، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم وحجاجهم وأخلاقهم فى أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة. (ب) ليس النصارى وحدهم هم الذين قالوا اتخذ الله ولدًا وإنما اليهود أيضًا قالوا ذلك، قال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾(١). (جـ) لم يأت الإِمام ابن جرير بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن المراد بالذين لا يعلمون اليهود، ولم يتعرض للنص الذى أورده ابن عباس فى سبب نزول الآية بالتضعيف أو الإِعلال، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن المراد بهم مشركو العرب (بأنه قول لا برهان على حقيقته فى ظاهر الكتاب). هذا وبعد تلك الأدلة على ما ذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى : إننا لا نمانع فى أن يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة ولكنا نرجح أن اليهودهم المقصودون قصدًا أوليًا مهما دخل غيرهم معهم فى السياق، وإن الآية قد نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحاتهم التى لا خير من ورائها، ومحاولاتهم الطعن فى نبوة النبى ﴾. (١) سورة النساء الآية ١٣٥. (١) سورة التوبة الآية ٣٠.