النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة البقرة
الواقع، وهى أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل
كالتصريح بعداوة ميكائيل الذى يزعمون أنهم يحبونه. وأنهم كانوا يؤمنون بالنبى و # لو كان هو
الذى ينزل بالوحى عليه، ومعاداة القرآن الكريم كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن المقصود من
الجميع واحد فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر،. وهذا من ضروب إيجاز
القرآن الكريم التى انفرد بها))(١).
وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر والجهالة، لمعاداتهم لجبريل وتكذيبهم
لمحمد ◌َ﴿ وبينتا ما عليه أمرهم من خزى وهوان بسبب هذه العداوة التى لا باعث عليها
إلا الحسد، وكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.
ثم أخذ القرآن فى تثبيت فؤاد النبى وَله وتسليته عما يفعله معه اليهود فقال تعالى:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ
إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُبِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
٩٩
أَوَكُلَّمَا عَهَدُ واْعَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَُهُمْ
١٠٠
لَا يُؤْمِنُونَ
أى: لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله،
وبينا لك فيها علوم اليهود، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم من
كتبهم، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى :
﴿إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون﴾.
وإن هذه الآيات التى أنزلها الله إليك يا محمد، ما يكفر بها، ويجحد صدقها إلا المتمردون من
الكفرة، الخارجون على حدود الله المنتهكون لحرماته.
والهمزة فى قوله ﴿أوكلما﴾ للإنكار، والواو للعطف على محذوف يقتضية المقام: أى أكفروا
بالآيات البينات، وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم، أى: طرحوه ونقضوه من النبذ وهو
إلقاء الشىء وطرحه لقلة الاعتداد به ومنه سمى النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا فى الماء وهو
حقيقة فى الأجرام وإسناده إلى العهد مجاز.
(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٩٤.
٢٢٢
المجلد الأول
والضمير فى قوله: ﴿منهم﴾ يعود لليهود الذين اشتهروا بنقض العهود وقوله: ﴿بل أكثرهم
لا يؤمنون﴾ يفيد الترقى إلى الأغلظ فالأغلظ، أى أن فريقًا منهم عرف بنقضه للعهد، وأكثرهم
عرف بكفره وجحده للحق.
قال صاحب الكشاف، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم
ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون
: عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون﴾. (١)
وقال الرازى: ((والمقصود من هذا الاستفهام الإِنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك
إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ فى التوبيخ والتبكيت. ودل بقوله: ﴿أوكلما عاهدوا﴾ على عهد
بعد عهد نبذوه ونقضوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة منهم، فكأنه - تعالى - أراد تسلية التبى
وَ ل عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن بين له أن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو
سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم ... )) (٢)
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن نبذ اليهود لكتاب الله، واتباعهم للسحر والأوهام، فقال -
تعالى - :
وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ
مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَأَتَّبَعُواْ مَاتَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ واْيُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
ـشـ
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٧.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤١٧.
٢٢٣
سورة البقرة
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِوَزَوْجِهِ؟
وَمَاهُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَمُونَ
مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَنُهُ
مَا لَهُ، فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِتْسَ مَاشَرَ وْاْ بِهِ:
أَنفُسَهُمَّ لَوْكَانُوايَعْلَمُونَ ﴿٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
(١٠٣
والمعنى: وحين جاء اليهود وأحبارهم رسول من عند الله، وهو محمد ◌َّ ر الذى يجدونه
مكتوبًا عندهم فى التوراة، طرح فريق كبير منهم تعاليم التوراة التى تشهد بصدقه، وراء
ظهورهم، حتى لكأنهم يجهلون أنها من عند الله، واتبعوا ما قصته واختلقته الشياطين من
السحر والأوهام والمفتريات على عهد سليمان - عليه السلام - ومن هذه المفتريات والأكاذيب
زعمهم أن سليمان - عليه السلام - كان ساحرًا، وما تم له ملكه العريض، ولا ظهرت على
يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا.
وقد أكذبهم الله - تعالى - فى هذا الزعم بقوله: ﴿وما كفر سليمان﴾ أى: بتعلم السحر
والعمل به، كما يزعم هؤلاء ((ولكن الشياطين)) هم الذين ((كفروا)) بتعلم السحر وتعليمه.
للناس، وتعليمهم - أيضًا - ضربًا آخر منه وهو ﴿ما أنزل على الملكين ببابل هاروت
وماروت﴾ من وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال به، ولقد كان الملكان لا يعلمان أحدا
من الناس السحر حتى ينصحاه بقولهما : إن السحر الذى نعلمك إياه .. القصد منه التمییز بین
المطيع والعاصى، وبين السحر والمعجزة، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه فتكون من .
الكافرين، بخلاف الشياطين فإنهم تعلموه وعلموه لغيرهم لاستعماله فى الشرور والآثام،
ولإحداث التفرقة بين الزوجين، ولكن هذا السحر الذى يتعاطاه الشياطين وأتباعهم لن يضر
أحدًا بذاته، وإنما ضرره يتأتى إذا أراد الله تعالى - ذلك وشاءه، ولقد علم أولئك النابذون
لكتاب الله المؤثرون عليه اتباع السحر، أن من استبدل السحر بكتاب الله، فليس له نصيب
من نعيم الجنة، ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ علمًا نافعًا. ﴿ولو أنهم آمنوا)
٢٢٤
المجلد الأولَ
بالله ورسوله محمد يقول كما أرشدتهم إليه التوراة، ﴿واتقوا﴾ المعاصى والاثام لأثيبوا مثوبة من
عند الله هى خير لهم مما آثروه واختاروه على كتاب الله ﴿لوكانوا يعلمون﴾.
وقوله تعالى : ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا
الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾ .. إلخ الآية .
بيان لما صدر عن اليهود من تكذيب للرسول وير وطرح لتعاليم كتابهم التى أمرتهم باتباعه .
أخرج ابن جرير عن السدى قال فى قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق
لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب : كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا
ماتتلو الشياطين على ملك سليمان﴾. أى لما جاءهم محمد الهر عارضوه بالتوراة فخاصموه بها.
فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت، فذلك
قول الله ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ أى كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود، فنقضوا
عهد الله، لا يعلمون ما فى التوراة من الأمر باتباع محمد وَير وتصديقه(١).
وفى وصف الرسول بأنه آت من عند الله تعظيم له، ومبالغة فى انكار عدم إيمانهم به،
وإغراء للناس جميعًا بالدخول فى دعوته، لأنه ليس رسولا من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول من
عند الله - تعالى -:
والمراد ((بما معهم)) التوراة. وتصديق الرسول ويَلير لها، معناه أن ما جاء به من تعاليم موافق
لها فى أصول الدين، وأن ما جاءت به من صفات للرسول المنتظر بعد عيسى - عليه السلام -
لا تنطبق إلا عليه واله .
وعبر - سبحانه - عن تركهم العمل بالكتاب الذى نزل لهدايتهم بالنبذ، مبالغة فى عدم
اعتدادهم، وتناسيهم إياه، لأن أصل النبذ طرح وإلقاء ما لا يعتد به.
وفى إسناد النبذ إلى فريقٍ من الذين أوتوا الكتاب، سخرية بهم، واستجهال لهم، لأن الذين
أوتوه هم الذين نبذوه، ولو كان النابذون من المشركين لكان لهم بعض العذر لجهلهم، ولكن
أن يكون التاركون للنور هم الذين أوتوه وأكرموا به، فذلك هو الضلال المبين.
والمراد من ﴿كتاب الله﴾ الذى نبذوه لما جاءهم رسول الله - صل - التوراة، لأنهم لو كانوا
مؤمنين بها حقًّا، لاتبعوا الرسول وَل ◌ّ الذى ذكرت صفاته فيها، والذى وجب عليهم بمقتضى
كتابهم التوراة الإِيمان به، فهم بجحودهم لنبوته، يكونون جاحدين لتوراتهم التى شهدت له
بالصدق.
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٤٣ بتصرف وتلخيص.
٢٢٥
سورة البقرة
وقيل المراد بكتاب الله الذى نبذوه القرآن، لأنهم لم يؤمنوا به، بل تركوه بعد سماعه،
وتناسوا ما اشتمل عليه من هداية وإرشاد، مع أنه كان من المتحتم عليهم أن يتلقوه بالقبول.
والذى نراه أن الرأى الأول أرجح، لأن النبذ يقتضى سابقة الأخذ، فى الجملة. وهو متحقق
بالنسبة للتوراة، بخلاف القرآن الكريم فإنهم لم يسبق لهم أن تمسكوا به، ولأن مذمتهم تكون
أشد وجحودهم أكثر، إذا كان المراد بالكتاب الذى نبذوه، هو عين الكتاب الذى نزل لهدايتهم
وآمنوا به وهو التوراة.
وقوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم) كناية عن إعراضهم الشديد عنه، وتوليهم عن تعاليمه.
تقول العرب : جعل هذا الأمر وراء ظهره، أى تولى عنه معرضًا، لأن ما يجعل وراء الظهر
لا ينظر إليه، ففى هذه الجملة الكريمة تصوير صادق لإِعراضهم عن كتاب الله - تعالى - حيث
شبه - سبحانه - تركهم لكتابه، بحالة شىء يرمى به وراء الظهر استهانة به. وفى إضافة الوراء
إلى الظهر، تأكيد لنبذ ما ترك بحيث لا يؤخذ بعد ذلك.
قال الأستاذ الإمام : ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا
التصديق به فى جملته وتفصيله. وإنما المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبى وَلي ويبين
صفاته ويأمرهم بالإِيمان به وأتباعه. فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره، بمن يلقى الشىء وراء
ظهره حتى لا يراه فيتذكره، وترك الجزء منه كتركه كله، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحى
من النفس، ويجرىء على ترك الباقى(١) ...
وقوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ جملة حالية، أى طرحوه وراء ظهورهم مشبهين بحال من
لا يعلم منه شيئًا، ومن لا يعرف أنه كتاب الله.
وشبههم بمن لا يعلمون مع أنهم فى الواقع يعلمون أنه من عند الله - حق العلم - لأنهم
نبذوه مكابرة وعنادًا، ولأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم ومن كان هذا شأنه فهو والجاهل سواء،
فى جحود الحق والانغماس فى الآثام.
وقال - سبحانه - : ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ بنفى الحال والاستقبال للإشعار بأنهم قوم لا أمل
فى توبتهم وإنابتهم، بل هم تمر بهم الأيام، وتتوالى عليهم العظات، ومع ذلك لا يتوبون
ولا يرجعون إلى الحق، فهم مستمرون على طرح كتاب الله فى كل وقت وآن، ومصممون على
ذلك.
ثم حكى - سبحانه - لونًا آخر من زيغهم وضلالهم واتباعهم للأباطيل بعد أن وبخهم على
(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٤٦.
٢٢٦
المجلد الأول
. نبذهم لكتابه فقال تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾.
اتبعوا: من الاتباع وهو الأقتداء، والضمير فيه يعود على اليهود المعاصرين للنبى والإ9.
وتتلو: من التلاوة بمعنى الاتباع أو القراءة، وقال الراغب: تلا عليه كذب عليه.
والشياطين : جمع شيطان، وهو كائن حى خلق من النار، ويطلق على الممتلىء شرًّا من
الأنس.
والمعنى : إن هؤلاء اليهود نبذوا كتاب الله، واتبعوا الذى كانت تتلوه وتقصه الشياطين على
عهد ملك سليمان، وفى زمانه، من الأكاذيب والكفر ومن ذلك زعمهم أن ملكه قام على
أساس السحر، وأنه ارتد فى أواخر حياته، وعبد الأصنام إرضاء لنسائه الوثنيات إلى غير ذلك
من الأكاذيب التى ألصقوها به - عليه السلام - وهو برىء منها.
قال صاحب الکشاف : وقوله تعالى : ﴿على ملك سليمان﴾ أى على عهد ملكه وفى زمانه،
وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها
إلى الكهنة، وقد دونوها فى كتب يقرءونها ويعلمونها للناس، وفشا ذلك فى زمان سليمان - عليه
السلام - حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون : ماتم لسليمان ملكه إلا بهذا
العلم وبه يسخر الإِنس والجن والريح التى تجرى بأمره(١).
وقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ معناه: وما كفر سليمان ولكن
الشياطين هم الذين كفروا إذ تعلموا السحر وعلموه لغيرهم بقصد إضلالهم، وصرفهم عن
عبادة - الله - تعالى - إلى عبادة غيره من المخلوقات.
ففى الجملة الكريمة تنزيه لسليمان - عليه السلام - عن الردة والشرك وتبرئة له من عمل.
السحر الذى كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه زورا وبهتاناً، ودلالة على أن ذلك
السحر الذى نسبوه إليه وباشرته الشياطين نوع من الكفر.
وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان، وأنه ارتد فى آخر عمره، وعبد الأصنام وبنى لها
المعابد، وكانوا عندما يذكر النبى وَ لقر سليمان بين الأنبياء يقولون: انظروا إلى محمد يخلط الحق
بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرًا يركب الريح.
فإن قال قائل: ما الحكمة فى نفى الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا يفيد أن أحدًا
نسب إليه ذلك.
٠٤
فالجواب : أن اليهود الذين نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تلته الشياطين من السحر أضافوا
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٢ .
٢٢٧
سورة البقرة
هذا السحر إلى سليمان، وقالوا إنه كان يسخر به الجن والإِنس والريح، فأكذبهم الله -
تعالى - بقوله: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ كما بينا.
والضمير فى قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ يعود على الشياطين الذين افتروا
الأكاذيب على سليمان - عليه السلام -.
ويجوز أن يعود على اليهود الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تلته الشياطين على سليمان.
قال الأستاذ الإِمام: فى قوله تعالى ﴿ يعلمون الناس السحر﴾: وجهان :
أحدهما : أنه متصل بقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ أى: أن الشياطين هم الذين
يعلمون الناس السحر.
والثانى : وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وأن الكلام فى الشياطين قد انتهى عند
قوله تعالى ﴿كفروا﴾ وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا فى زمن التنزيل ولا يزالون
ينتحلون ذلك إلى اليوم، أى أن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلوا الشياطين على
ملك سليمان وههنا يقول القائل : بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان فى
رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التى كانت تحت كرسيه؟ فأجاب على طريق
الاستئناف البيانى ﴿يعلمون الناس السحر﴾.
ونفى الكفر عن سليمان والصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض، فعلم -
أيضًا - أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية، وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعلم السحر،
لأنه من السيئات التى كانوا متلبسين بها، ويضرون بها الناس خداعًا وتمويها وتلبسًا(١).
وإنما أضاف الله - تعالى - إلى اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان خاصة
مع أنه كان معروفًا قبل سليمان - عليه السلام - كما أخبر به القرآن عن سحرة فرعون، وإنما
أضاف ذلك إليهم، لأن هذا كان هو الواقع منهم، ولأن سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على
عهد سليمان، كان مدونًا فى صحف اليهود من قديم، وتوارثه خلفهم عن سلفهم إلى أن وصل
إلى من عاصر النبى وَّ منهم ولأن سليمان - عليه السلام - أعطاه الله تعالى ملكًا واسعًا،
وسخر له الإِنس والجن والريح، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر.
و﴿ما﴾ فى قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ موصولة، وهى
معطوفة على السحر فى قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ أى يعلمون الناس السحر،
:
ويعلمونهم الذى أنزل على الملكين.
(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٤٠١.
٠٠
٢٢٨
المجلد الأول
والذى أنزل عليهما هو وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال به. ليعرفاه الناس فيجتنبوه،
على حد قول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه ،
فالشياطين عرفوه فعملوا به، وعلموه للناس ليستعملوه فى الشرور والمآثم بينما المؤمنون
عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه(١).
هذا، واختصت بابل(٢) بالإِنزال، لأنها كانت أکثر البلاد عملا بالسحر، وکان سحرتها قد
اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم فى أبدانهم وعقولهم وأموالهم، ثم جروهم إلى عبادة
الأصنام والكواكب فحدث فساد عظيم، وعمت الأباطيل فألهم الله - تعالى - هاروت وماروت
أن يكشفا للناس حقيقة السحر ودقائقه، حتى يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة الله
إلى عبادة الكواكب وغيرها قد خدعوهم وأضلوهم، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم.
واللام فى ﴿الملكين﴾ مفتوحة فى القراءات العشر المتواترة، وقرىء شاذًا ﴿الملكين) بكسر
اللام .
قال بعض المفسرين : المراد بالملكين - بفتح اللام - رجلان صالحان اطلعا على أسرار
السحر التى كانت تفعلها السحرة، فعلماها للناس ليحذراهم من الانقياد لتلبيسات الشياطين،
وسميا ملكين مع أنهما من البشر لصلاحهما وتقواهما، ويؤيد هذا الرأى قراءة الملكين - بكسر
اللام - وإن كانت شاذة :
وقال جمهور المفسرين : إنهما ملكان على الحقيقة أنزلهما الله - تعالى - ليعلما الناس السحر
ابتلاء لهم، ليفضحا مزاعم السحرة الذين كانوا يدعون النبوة كذبا، ويسخرون العامة لهم
ويخرجونهم إلى عبادة غير الله، (وهاروت وماروت) اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر،
وهما بدل أو عطف بيان للملكين.
.
(١) ويجوز أن تكون (ما) معطوفة على قوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين) والمعنى على هذا الرأى. واتبع اليهود
بعد أن نبذوا كتاب الله السحر الذى تلته الشياطين على عهد سليمان واتبعوا كذلك السحر الذى أنزل على
: الملكين ببابل هاروت وماروت وعلى هذا الرأى يكون قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس
السحر جملة معترضة بين المتعاطفين قصد بها تبرئة سليمان من السحر وإضافته إلى الشياطين، وبيان أنهم هم
الذين تعلموه وعلموه الناس بقصد إضلالهم. هذا وفى إعراب (ما) فى قوله تعالى: (وما أنزل على الملكين) آراء
أخرى إكتفينا عنها بما ذكرناه لوفاته بالغرض.
(٢) بابل : مدينة بالعراق ينسب اليها السحر والخمر.
٠
٢٢٩
سورة البقرة
وقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ بيان لما كان ينصح
به الملكان من يريد تعلم السحر منهما. والجملة حالية من هاروت وماروت.
، والفتنة، المراد بها هنا الابتلاء والاختبار، تقول: فتنت الذهب فى النار، أى: اختبرته .
لتعرف جودته ورداءته .
والمعنى : أن الملكين لا يعلمان أحدًا من الناس السحر إلا وينصحانه بقولهما إن ما نعلمك .
إياه من فنون السحر الغرض منه الايتلاء والاختبار لتمييز المطيع من العاصى. قمن عمل به
ضل وفوى، ومن تركه فهو على هدى ونور من الله، ولإظهار الفرق بين المعجزة والسحر.
فحذار أن تستعمل ما تعلمته فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين. كما كفر السحرة بنسبتهم
التأثيرات إلى الكواكب وغيرها من المخلوقات.
فالمقصود من تعليم الملكين للناس السحر، فضح أمر السحرة الذين كثروا فى تلك الأيام،
وادعوا مالم يأذن به الله، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر حتى يعلم الناس أن هؤلاء السحرة
الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ليسوا كذلك، وإنما هم أفاكون، وأخبروا على
أنفسهم بطريق القصر بأنهم فتنة للمبالغة فى الاقرار بأنهما لا يملكان نفعا ولا ضراً لأحد، وإنما
هما فتنة محضة، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصى.
ثم بين - سبحانه - لونًا من السحر البغيض الذى استعمله أولئك السحرة فى الأذى فقال
تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ أى فيتعلم بعض الناس من الملكين
ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه.
فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله تعالى قبل ذلك : ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا
إنما نحن فتنة﴾ لأنه يقتضى أن التعليم حاصل، وأن بعض المتعلمين قد استعملوه فى التفريق
بين الزوجين.
وخصص سبحانه هذا اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده. وعلى شناعة
ذنب من يقوم به. لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة
والرحمة.
والضمير فى قوله تعالى: ﴿فيتعلمون﴾ راجع لأحد، وصح عود ضمير الجمع عليه مع أنه
مفرد، لوقوعه فى سياق النفى، والنكرة إذا وردت بعد نفى كانت فى معنى أفراد كثيرة، فصح
أن يعود ضمير الجمع إليه كذلك.
ثم نفى - سبحانه - أن يكون السحر مؤثرًا بذاته فقال تعالى: ﴿وما هم بضارين به من
٢٣٠
المجلد الأول
أحد إلا بإذن الله﴾ أى: أن أولئك السحرة لن يضروا أو ينفعوا أحدًا بسحرهم إلا بإذن الله
وقدرته، فالسحر سبب عادى لما ينشأ عنه من الأضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله
بذلك.
والجملة الكريمة معترضة لدفع توهم أن يكون السحر مضرًا بذاته، بحيث لا يتخلف عنه
الضرر متى تعاطاه الساحر.
والمراد ﴿بإذن الله﴾ هنا. تخليته - سبحانه - بين المسحور وضرر السحر، أى: إن شاء
حصل الضرر بسبب السحر، وإن شاء منعه فلا يصيب المسحور منه شىء من الأذى.
وعبر - سبحانه - عن هذا المعنى بطريق القصر، مبالغة فى نفى أى تأثير للسحر بذاته،
وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوى غيبية سوى الأسباب التى ربط الله بها
المسببات، وإرشادًا لهم إلى حسن الاعتقاد، وسلامة اليقين.
ثم بين - سبحانه - أن أولئك المتعلمين السحر للأذى وللتفرقة بين المتحابين يتعلمون
ما يضرهم ولا ينفعهم، فقال تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ أى: أن أولئك
الذين تعلموا السحر ليضروا به غيرهم، ولم يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل، أو ليدفعوا به
الشر عن أنفسهم، قد سلكوا بهذا التعليم الطريق الذى يضرهم ولا ينفعهم، وأصبحوا. بذلك
عاصين لما نصحهم به الملكان عند تعليم السحر.
وفى هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر للأذى ومبالغة فى
تجهيل المصدقين لهم، لأن الساحر - مهما بلغت براعته - فلن يستطيع أن يمنع شيئًا أراده اللهَ،
ولا أن يأتى بشىء منعه الله ما دام الأمر كذلك فالمشتغل به، والمصدق له كلاهما وقع فى ضلال
مبین.
وقد أفادت الجملة الكريمة يجمعها بين إثبات الضر ونفى النفع مفاد الحصر فكأنه -
سبحانه - يقول: ويتعلمون ما ليس إلا ضررًا بحتًا.
ثم بين - سبحانه - مآل أولئك اليهود التاركين للحق، والمتبعين للباطل فقال تعالى :
﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق﴾ أى: ولقد علم أولئك اليهود الذين نبذوا
تعاليم كتابهم واتبعوا السحر، أن من استبدل السحر بكتاب الله ليس له من حظ فى الجنة، لأنه
قد اختار الضلال وترك الهدى، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد حرمت عليهم تعلم السحر
أو تعليمه للأذى والضرر، وشددت العقوبة على مرتكبه، وعلى متبع الجن والشياطين والكهان.
فالضمير فى ﴿علموا﴾ يعود إلى أولئك اليهود الذى تركوا كتاب الله واستبدلوا به السحر.
٢٣١
سورة البقرة
والاشتراء هو اكتساب شىء ببذل غيره، والمراد أنهم اكتسبوا السحر الذى تتلوه الشياطين
بعد أن بذلوا فى سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة، وغدوا مفلسين من حظوظ الآخرة،
الإِقبالهم على التمويه والكذب، واستبدالهم الذى هو أدنى بالذى هو خير.
وأكد - سبحانه - علمهم بضرر السحر بقوله ﴿ولقد علموا﴾ للإشارة إلى أن اختيارهم
للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره، وإنما هم الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته
السيئة .
ثم قال تعالى: ﴿ولبئس ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾.
شروا: بمعنى باعوا، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة. ونعيمها.
والمعنى : ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من السحر والعمل
به، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك.
وأثبت لهم العلم فى قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ ثم نفاه عنهم فى قوله تعالى:
﴿لو كانوا يعلمون﴾ جريًا على الأسلوب المعروف فى فنون البلاغة من أن العالم بالشىء إذا لم
يعمل بموجب علمه نزل منزلة الجاهل ونفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين.
وإلى هذا المعنى الذى قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله.
فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا فى قوله : ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ على سبيل التوكيد
القسمى، ثم نفاه عنهم فى قوله: ﴿لوكانوا يعلمون﴾؟
قلت : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم. جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسخلون عنه(١).
ثم بين - سبحانه - المنافع التى تعود عليهم لو اتبعوا الحق، بعد أن بين الأضرار التى ترتبت
على اتباعهم للباطل فقال تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا
يعلمون﴾ أى: لو أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل، آمنوا
بمحمد ﴿﴿ أو بالتوراة إيمانًا حقًّا، واتقوا الله، فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر والتمويه، لكانت
لهم مثوبة(٢) من عند الله، هى خير لهم من السحر وغيره، ولو كانوا من أولى العلم النافع
لفهموا ذلك، واستبدلوا بالسحر الإِيمان والتقوى، ولكنهم قوم لا يعقلون.
فقوله تعالى : ﴿المثوبة من عند الله خير﴾ جواب للو الشرطية، وأصل التركيب، لأثيبوا مئوية
(١) تفسیر الکشاف جـ ١ ص ٢٢٨ .
(٢) المثوبة: اسم مصدر أثاب أعطى الثواب، والثواب الجزاء الذى يعطى للغير.
٢٣٢
المجلد الأول
من عند الله خيرًا مما شروا به أنفسهم، فحذف الفعل، وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم،
للدلالة على ثبوت المثوبة لهم والجزم بخيريتها.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف(١) بقوله : (فإن قلت : كيف أو ثرت الجملة الاسمية
على الفعلية فى جواب لو؟ قلت : لما فى ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها، كما عدل
عن النصب إلى الرفع فى سلام عليكم لذلك.
وقال الإِمام الآلوسى : (المثوبة : اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب، والثواب الجزاء الذى
يعطى للغير. ولم يقل - سبحانه - لمثوبة الله مع أنه أخصر، ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن
شيئًا قليلا من ثواب الله - تعالى - فى الآخرة الدائمة، خير من متاع كثير فى الدنيا الفانية،
فكيف وثواب الله - تعالى - كثير دائم، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام
ما لا يخفى (٢).
وقوله تعالى : ﴿لو كانوا يعلمون﴾ شرط آخر محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، وحذف
مفعول ﴿يعلمون﴾ لدلالة المثوبة من عند الله خير﴾ عليه. أى: لو كانوا يعلمون مثوبة الله لما
اشتروا السحر بالإِيمان.
وبذلك تكون الآيات الكريمة التى سقناها فى هذا المبحث قد دمغت بنى إسرائيل بجحود
الحق، ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب والأباطيل، وسيرهم فى طريق الشر عن
تعمد وإصرار، وعدم عملهم بما يعلمون لانحراف طباعهم، وحماقة تفكيرهم وسوء تدبيرهم.
واستحواذ الشيطان عليهم .. ﴿فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب أليم).
هذا، ويحسن بنا قبل أن نختم هذا البحث، أن نذكر كلمة موجزة عن السحر فنقول :
السحر: فى أصل اللغة معناه: الصرف، ومنه قوله تعالى ﴿فأنى تسحرون﴾ أى: فكيف
تصرفون عن الحق إلى الباطل.
وقد ذكر السحر فى القرآن والسنة، واتفق علماء المسلمين على أن هناك شيئا يسمى سحرًا،
إلا أنهم اختلفوا فى تصويره.
فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن للسحر آثارا حقيقية، وأن الساحر قد يأتى بأشياء غير
عادية، إلا أن الفاعل الحقيقى فى كل ذلك هو الله - تعالى - واستدلوا على ذلك بأدلة منها.
(١) تفسیر الکشاف جـ١ ص٢٢٨.
(٢) تفسير الآلوسى جـ١ ص ٣٨٤.
٢٣٣
سورة البقرة
أولا: أن الله - تعالى - قد أمر نبيه وَ له، أن يستعيذ به ﴿من شر النفاثات فى العقد﴾ وهم
السحرة - على أرجح الأقوال.
قال الإِمام ابن كثير: قوله تعالى ﴿ومن شر النفاثات فى العقد﴾ قال مجاهد وعكرمة والحسن
وقتادة والضحاك، يعنى السواحر قال مجاهد ((إذا رقين ونفثن فى العقد))(١).
فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثارا حقيقية، وإلا لما أمر الله - تعالى - نبيه وَ ل # أن
يستعيذ من شرور السحرة.
ثانيًا: قال الإِمام البخارى : - فى باب هل يستخرج السحر - : حدثنى عبد الله بن محمد،
قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : أول من حدثنا به ابن جريج يقول : حدثنى آل عروة عن
عروة، فسألت هشامًا عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله پے سحر حتى
كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان
كذلك. فقال: ((يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه؟ أتانى رجلان فقعد
أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى للآخر، ما بال الرجل : مطبوب،
قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم - رجل من بنى زريق حليف اليهود كان منافقًا - قال.
وفيم : قال: فى مشط ومشاطه، قال: وأين؟ قال فى جف طلعة ذكر تحت راعوفة فى بئر
ذروان. قالت: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: ((هذه البئر التى أريتها وكأن نخلها رءوس
الشياطين)) قال فاستخرج - أى السحر - قالت: فقلت أفلا - أى - تنشرت؟ فقال: ((إن الله
قد شفانى وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا))(٢).
فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر فى جسم الرسول وي ليه بنوع من المرض أو
الثقل، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير فى عقله.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٥٧٣.
(٢) فتح البارى: لابن حجر جـ ١٢ ص ٢٤٥ طبعة الحلبى.
وهذا تفسير موجز لمفردات الحديث: ((هشام)) هو ابن عروة بن الزبير ومعنى: ((أفتانى فيما استفيته فيه)): أجابنى
فيما دعوته من أن يطلعنى على حقيقة ما (مطبوب)) أى مسحور يقال: طب الرجل - بالضم - إذا سحر.
((المشط)): الآلة التى يسرح بها شعر الرأس واللحية ((والمشاطة)): ما يخرج من الشعر إذا مشط ((وجف طلع
نخلة ذكر)) هو الغشاء الذى يكون على الطلع ويطلق على الذكر والأنثى فلهذا قيده بالذكر. ((والراعوفة)) حجر
يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقى وقد يكون فى أسفلها ((وبئر ذروان)): اسم لموضع البئر)) كأن ماءها
نقاعة الحناء)): يعنى أحمر اللون. ((أفلا أى تنشرت)): النشرة - بالضم - ضرب من العلاج يعالج به من يظن
أن به سحرا أومسا من الجن قيل لها ذلك: لأنه يكشف بها عما خالطه من الداء.
٢٣٤
المجلد الأول
قال الإِمام ابن القيم: هذا هو الحديث الذى رواه البخارى، وهو ثابت عند أهل العلم
بالحديث لا يختلفون فى صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه
أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ
والفقه، وهؤلاء أعلم بأحوال الرسول وَلٍ وأيامه(١).
وقال الإِمام القرطبى ((الأدلة متوفرة على أن للسحر حقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله -
تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع
ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق، ولقد شاع السحر وذاع فى سابق
الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله(٢).
وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى. قال المازري: ((مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة
على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة. خلافا لمن أنكر ذلك ونفى
حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها. وقد ذكره الله - تعالى - فى كتابه
وذكر أنه مما يتعلم. وذكر فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به. وأنه يفرق بين المرء وزوجه. وهذا كله
لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضًا مصرح بإثباته. وأنه أشياء دفنت وأخرجت
ولا يستنكر فى العقل أن الله - سبحانه - يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب
أجسام، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. قال : وقد أنكر بعض المبتدعة هذا
الحديث لسبب آخر. فزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة
بالشرع وهذا الذى ادعاه بعض المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه
وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك. قال القاضى عياض : وقد جاءت
روايات مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على قوله وقلبه واعتقاده،
ويكون معنى قوله فى الحديث: ((حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأنيهن)) أن يظهر من نشاطه
ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك
كما يعترى المسحور(٣).
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تخييل وتمويه كما قال تعالى فى
سحرة فرعون ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ فأخبر - سبحانه -
(١) التفسير القيم لابن القيم - تفسير سورة الفلق.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٦٤.
(٣) صحيح مسلم ((كتاب السلام)) باب السحر جـ ٤ ص ١٧١٩ شرح وتحقيق الأستاذ محمد فؤاد
عبد الباقى .
٢٣٥
سورة البقرة
أن ماظنوه سعيًا منها لم يكن سعيًا على الحقيقة إنما كان تخييلا وتمويهًا. وقال تعالى فى سحرة
فرعون أيضًا ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾ أى فلما ألقوا
عصيهم موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، وأرهبوهم بما فعلوه، وجاءوا
بسحر عظيم فى فنه.
والذى نراه أن السحر على أضرب منها :
أولا : ضرب يترتب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإنسان حيوانًا وعكسه، وهذا قد
منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكنه ذلك لا لتلبس فعله هذا بمعجزات الأنبياء. وأهل
السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا. ويفرقون بينه وبين المعجزة إن وقع، بأن المعجزة
خارق يظهر على يد من يدعى النبوة على سبيل التحدى والمعارضة، والسحر ليس فيه دعوى
نبوة ولا معارضة.
هذا، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه، ولا يظهر إلا على يد شرير بخلاف
المعجزة .
قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : وهذا النوع لم يقع لنا دليل فى الشريعة على
وقوعه، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر فرقًا واضحًا تقتضى عدم وقوعه،
فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعبانًا، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أن
يجعل الماء ينبع بين الأصابع فتروى منه العطاش، أعنى أنه لا يجرى على يده من خوارق .
العادات، مثل ما يجرى على أيدى الأنبياء للإعجاز(١) ..
ثانيًا : أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عليها الضرر بدون مماسة
ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر، وهذا الضرب قد جوز وقوعه أهل السنة ومنعه المعتزلة، ومن
أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء وزوجه والظاهر فى هذا الضرب قول أهل السنة لأن
القرآن الكريم قد حكى عن السحرة انهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه،
وقد صح الحديث أن لبيد بن الأعصم اليهودى سحر رسول الله و ليس وأنه حينما استخرج السحر
خف جسمه ول كأنما نشط من عقال.
ثالثًا : مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهريه لا حقيقية وهذا الضرب واقع باتفاق بين أهل
السنه والمعتزلة، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة فرعون فى قوله تعالى: ﴿فلما ألقوا سحروا
(١) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الثالث ص ٨.
٢٣٦
المجلد الأول
أعين الناس واسترهبوهم﴾ وفى قوله تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها
تسعى﴾.
هذا، وقد حذر الإِسلام من تعاطى السحر للاذى، وجاءت تعاليمه بذمه وتحريمه، وتوعدت
مرتكبه بالعقوبات الأليمة، ففى الحديث الشريف ((حد الساحر ضربه بالسيف)».
وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق، وبعضهم أفتى بأن الساحر إذا كان قد
أحدث فى المسحور جنایة توجب القصاص اقنص منه، وإن کان قد أحدث به ما لا قصاص
فيه، حكم عليه بدية مناسبة.
وبعد : فهذه کلمة ذکرناها عن السحر، لم نقصد بها الخوض فى تفصيلاته. وإنما قصدنا بها
إعطاء القارئُ فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثنا عن رذائل اليهود التى منها نبذهم لكتاب الله
واتباعهم للاوهام والأباطيل والأكاذيب.
ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبى هو بألفاظ معينة حتى لا يتخذها
اليهود ذريعة للإساءة إلى النبى # فقال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ
أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(١٠٤
﴿راعنا﴾ من المراعاة، وهى المبالغة فى الرعى بمعنى حفظ الغير، وإمهاله، وتدبير أموره،
وتدارك مصالحه، وكان المؤمنون يقولون لرسول الله ﴿ إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول
الله، أى: راقبنا وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، فتلقف اليهود هذه الكلمة لموافقتها كلمة
سيئة عندهم، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم، ويقولون ((راعنا)) يا أبا القاسم، يظهرون أنهم
يريدون طلب المراعاة والإنتظار، وهم يريدون فى الحقيقة الإساءة إليه - * إذ أن هذه الكلمة
عبرية كانوا يتسابون بها يقصدون جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة التى هى الحمق والخفة،
فنهى الله - تعالى - المسلمين عن استعمال هذه الكلمة حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إيذاء النبى
* والتنقيص من شأنه.
قال قتادة: ((كانت اليهود تقول للنبى في راعنا سمعك، يستهزئون بذلك وكانت - هذه الكلمة -
فی اليهود قبيحة)».
وقال الإِمام ابن كثير: ((نهى الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم،
٢٣٧
سورة البقرة
وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا :
اسمع لنا، يقولوا راعنا يورون بالرعونة كما قال تعالى :
﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع
وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا فى الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا
لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. وكذلك جاءت الأحاديث
بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا، إنما يقولون السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن
نرد عليهم بقولنا وعليكم، وأنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله
تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا))(١).
وقال الإِمام ابن تيميه: ((كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك، يعنون
المراعاة، وكانت هذه اللفظة سبًا قبيحًا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها وقالوا فيما
بينهم : كنا نسب محمدًا سرًّا فأعلنوا له الآن بالشتم، وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد
ويضحكون فيما بينهم، فسمعها ((سعد بن معاذ)) ففطنَ لهم، - وكان يعرف لغتهم - فقال
لليهود: عليكم لعنة الله، والذى نفسى بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها
لرسول الله وَل﴿ لأضر بن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها، فأنزل الله - تعالى - ﴿يأيها الذين
آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ لكى لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم الرسول وم الي(٢).
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال تعالى: ﴿وقولوا
انظرنا﴾ أى: لا تقولوا تلك الكلمة - وهى ﴿راعنا﴾ أيها المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة
لسب نبيكم# وقولوا مكانها ((انظرنا)) أى: انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم عنك، من نظر بمعنى
انتظر تقول نظرت الرجال انظره إذا انتظرته وارتقبته، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى ﴿انظرونا
نقتبس من نوركم﴾ أى: انتظرونا نقتبس من نوركم.
فالآية الكريمة تنبيه وإرشاد إلى الأدب الجميل، وهو أن يتجنب الإِنسان فى مخاطباته الألفاظ
التى توهم جفاء أو تنقيصًا فى مقام يقتضى إظهار مودة أو تعظيم.
تم بين - سبحانه - مصير اليهود المؤلم جزاء تعديهم على رسول الله و # فقال: ﴿وللكافرين
عذاب أليم﴾، أى: لهؤلاء اليهود الذين اتخذوا كلمة ﴿راعنا﴾ وسيلة إلى سب الرسول الفول
عذاب أليم جزاء كفرهم وتطاولهم وسفاهتهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤٨ .
(٢) كتاب ((الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص ١٤١ للإِمام ابن تيمية.
٢٣٨
المجلد الأول
هذا، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود كانوا يحيون رسول الله رَيتر بكلام
محرف لا یفطن له أكثر الناس يقصدون به الدعاء عليه بالموت، فكان الرسول پير يرد عليهم بما
يكبتهم ويخزيهم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك قال :
١ - مر يهودى برسول الله 8) فقال السام عليك، فقال رسول الله وَليل (وعليك)، ثم قال
رسول الله وَ﴿ لأصحابه - أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال يقول (السام عليك) قالوا
يا رسول الله ألا نقتله. قال: (لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم)(١).
٢ - وأخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت :
دخل رهط من اليهود على رسول الله 8* فقالوا :
السام عليك قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت : فقال رسول
الله {لَ له ((مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق فى الأمر كله)) فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟
قال ((لقد قلت وعليكم))(٢).
٣ - وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ((سلم ناس من اليهود على رسول الله وَلآه
فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال: ((وعليكم)) فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع .
ما قالوا: قال بلى قد سمعت فرددت عليهم، وإنما نجاب ولا يجابون علينا))(٣).
وإذن فالآية الكريمة وهى قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ إلخ، وهذه
الأحاديث الشريفة تثبت أن اليهود كانوا يستعملون من بين مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة
الإِسلامية القول الملتوى القبيح، والخطاب المحرف السىء، ولكن الله - تعالى - أحبط
خطتهم، ونهى المؤمنين عن استعمال الألفاظ التى كان يتخذها اليهود ذريعة لبلوغ مآربهم،
وكان الرسول وَله يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم، وبذلك ذهبت مكايد اليهود أدراج الرياح
وأيد الله - تعالى - رسوله والمؤمنين بقوته ونصره.
ثم نبه القرآن المؤمنين إلى ما يضمره لهم المشركون وأهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود - من ،
شرور وأحقاد فقال - تعالى :
-
(١) صحيح البخارى، باب ((إذا عرض الذمى وغيره بسبب النبى. من كتاب ((أستتابة المتدين)) جـ ٩
ص ٢٠.
(٢) أخرجه البخارى - واللفظ له - فى باب (كيف يرد على أهل الذمة السلام، جـ ٨ ص ٧٠ وأخرجه
مسلم فى كتاب السلام، جـ ٤ ص ١٨٠٦ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى.
(٣) صحيح مسلم: باب ((النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم من ((كتاب السلام)»
جـ ٤ ص ١٢٠٧.
٢٣٩
سورة البقرة
مَا يَوَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرِ مِن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْنَصُ
بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
١٠٥
﴿ما يود﴾ أى: ما يجب، إذ الود محبة الشىء مع تمنيه، يقال: ود فلان كذا يوده ودًا ومودة
بمعنى أحبه وتمناه.
قال صاحب الكشاف: ((ومن الأولى فى الآية للبيان، لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان،
أهل الكتاب والمشركون، والثانية مزيدة لاستغراق الخير والثالثة لابتداء الغاية))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ما يود﴾ .. إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون - خصوصًا اليهود -
للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم، والثقة بهم.
وفى التعبير بقوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ دون ما يود أهل الكتاب
تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتبهم، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها لصدقوا محمدًا وَ ر الذى أمرتهم
كتبهم بتصديقه واتباعه.
وعطف عليهم المشركين ليدل على أن عبدة الأصنام - أيضًا - يضاهون كفرة أهل الكتاب، *
فى كراهة نزول أى خير على المؤمنين، وأن الجميع يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله عن
طريق نبيه ويقلل من دين قويم، وقرآن كريم، وهداية عظمى، وأخوة شاملة، وأمن بعد خوف،
وقوة بعد ضعف.
والخير: النعمة والفضل، والمراد به فى الآية الكريمة النبوة وما تبعها من الوحى الصادق،
والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة والحجة البالغة والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع ..
وأهل الكتاب قد کرهوا ذلك للمؤمنين لعنادهم وحسدهم، وکراهتهم أن تکون النبوة فى
رجل عربى ليس منهم.
والمشركون كرهوا ذلك - أيضًا - لأن فى انتشار الإِسلام، وفى تنزيل الوحى على النبى وَلـ
ما يخيب آمالهم فى إبطال الدعوة الإسلامية، وإضعاف شوكتها والنصر على أتباعها.
وقوله تعالى: ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾.
٠٠
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٧٤.
=
٢٤٠
المجلد الأول
رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين، لأن الحاسد لغباوته يسخط على .
قدر الله، ويعترض عليه لإِنعامه - سبحانه - على المحسود والله - تعالى - هو صاحب
التصرف المطلق فى الإعطاء والمنع فكان من الواجب على هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أى
خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من هذا العناء، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء، لأن
الله - تعالى - يهب خيره لمن يشاء.
والاختصاص بالشىء: الإنفراد به، تقول: اختص فلان بكذا أى انفرد به، ويستعمل
متعديًا إلى المفعول به، فتقول: اخصصت فلانا بكذا أى أفردته به وجعلته مقصورًا عليه.
وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص فى الآية الكريمة.
وقيد - سبحانه - اختصاص رحمته بمن يشاء ليعلم الناس جميعًا، أن إفراد بعض عباده
بالرحمة منوط بمشيئته وحدها، وليس لأحد كائنًا من كان أى تأثير فى ذلك.
ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه. أى : يختص
برحمته من يشاء اختصاصه بها، وهى تتناول النبوة. والقرآن، والنصر، وكل ذلك مما لا يود
الكافرون إنزاله على المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿والله ذو الفضل العظيم) تذييل لما سبق أى كل خير يناله العباد فى دينهم أو
دنياهم إنما هو من عنده - تعالى - يتفضل به عليهم، وفى ذلك إشعار للحاسدين بأن يقلعوا.
عن حسدهم، وتعريض باليهود وغيرهم ممن حسدوا محمدًاً وَّ ر على أن آتاه الله النبوة، فكأنه.
- سبحانه - يقول لهم : إنى أصطفى للنبوة من أشاء من عبادى وهى لا تدرك بالأمانى، ولكنى
أهبها لمن هو أهل لها.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون من حقد وبغضاء
وبشرتهم بأن ما يبيتونه لن يضرهم ما داموا معتصمين بكتاب ربهم، وسنة نبيهم.
ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن موضوع النسخ الذى أثار اليهود حوله الشبهات، وجادلوا
فيه النبى وَلهر.
لقد استنكر اليهود أن يبدل الله آية بآية، أو حكمًا بحكم، وقالوا: ألا ترون إلى محمد أپڼ
يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدًا، ما هذا من
: شأن الأنبياء وما هذا القرآن إلا من كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه
بعضًا.
٠٠
ولم يترك القرآن الكريم تلك الشبهات التى أثارها اليهود حول شريعة الإِسلام بدون