النص المفهرس
صفحات 201-220
٠ ٢٠١ سورة البقرة وتضييعهم لأحكام التوراة. فهم بسبب كفرهم المستمر الذى تعددت أسبابه، يصيبهم غضب كثير متعاقب من الله - تعالى -. ويصح أن يكون معنى قوله : ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ أنهم رجعوا بغضب شديد مؤكد، لصدوره من الله - تعالى -. والمراد بالكافرين، اليهود الذين تحدث عنهم فيما سبق، فهم الذين عرفوا صدق محمد واله فى نبوته بما نطقت به التوراة، ومع ذلك كفروا به فاستحبوا العمى على الهدى. وعبر عنهم بهذا العنوان للننبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل لهم كان بسبب كفرهم، ويصح أن يراد بالكافرين : كل كافروهم يدخلون فيه دخولا أوليا؛ وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغى والحسد والتكبر والأنانية، قوبلوا بالإهانة والصغار. وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود الذميمة وهو إعراضهم عن الإِيمان بمحمد ير الذى كانوا يستنصرون به على أعدائهم قبل بعثته، وبيعهم الإِيمان الذى كان فى مكنتهم الظفر به بالكفر بما أنزل الله من دين قويم، وكتاب كريم إرضاء لغريزة الحقد الذى استحوذ على قلوبهم، وتمشيًا مع أثرتهم التى أبت عليهم أن يؤمنوا بنبی لیس من نسل إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين، فحق عليهم قول الله - تعالى -: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾. ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التی کان الیهود یعتذرون بها عندما يدعون إلى الدخول فى الإِسلام، فقد كانوا يقولون إننا مكلفون ألا نؤمن إلا بكتابنا التوراة، فنحن نكتفى بالإِيمان به دون غيره. استمع إلى القرآن - وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بالحق فيدمغها - حيث يقول : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ قُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ٩١ مُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ 4 ٩٢ ٢٠٢ المجلد الأول وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَفَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ ١٩٣ بِتْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ومعنى الآيات الكريمة. أن اليهود المعاصرين للعهد النبوى كانوا إذا عرض عليهم الإِيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد وير أجابوا بقولهم: نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على موسى، ويجحدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها فى الأمر باتباع محمد وَله ثم أمر الله - تعالى - رسوله ويقول أن يكذبهم فى دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم فقال: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ بالتوراة فإنها تنهاكم عن قتلهم ثم كذبهم القرآن الكريم مرة أخرى فقال: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾ أى: بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، ولكنكم ﴿اتخذتم العجل من بعده﴾ أى: من بعد ذهابه لميقات ربه ﴿وأنتم ظالمون) لعبادتكم غير الله تعالى. ثم كذبهم القرآن الكريم - فى دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم - بصورة أخرى سوى ما سبقها فقال تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾ وقلنا لكم: ﴿خذوا مَا آتيناكم - من التوراة - بقوة﴾ أى بجدو حزم ﴿واسمعوا﴾ ما أمرتم به فيها سماع تدبر وطاعة. ولكن أسلافكم الذين أنتم على شاكلتهم قالوا لنبيهم: ((سمعنا)) قولك ((وعصينا)) أمرك. وخالط حب العجل قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن، وكل هذه الأفاعيل منكم لأ تناسب دعواكم الإِيمان بما أنزل إليكم، وإذا فبئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون، فالواقع أن التوراة بريئة من أعمالكم، وأنتم بعيدون عن الإِيمان بها. وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود، وإخبار عن إعراضهم عن الحق بدعوى أنهم مكلفون بعدم الإِيمان إلا بما أنزله الله على موسى وهو التوراة. والمقصود ﴿بما أنزل الله﴾ القرآن الكريم. ولم يذكر المنزل عليه وهو محمد رَّر للعلم به أو للتنبيه على أن وجوب الإِيمان بالكتاب، يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله - تعالى - ومتى ٢٠٣ سورة البقرة استقر فى النفس أن القرآن الكريم من عند الله، استتبع ذلك استحضار أنه أنزل على محمد وقولهم : ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ معناه: نؤمن بالتوراة التى أنزلها الله على نبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله عليك - يا محمد -، وجوابهم هذا يدل على غبائهم وعنادهم. لأن الداعى لهم إلى الإِيمان، يطلب منهم أن يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية، ولكنهم قيدوا أنفسهم بالإِيمان ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم، فلم يكن إيمانهم مطابقًا لما أمر الله به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية، ولا شك أن من آمنُّ ببعض الكتب السماوية وكفر ببعضها يكون كافرًا بجميعها. وقوله تعالى : ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ قصد به بيان التصريح بكفرهم بالقرآن الكريم بعد أن لمحوا بذلك فى قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾. والضمير فى ﴿وراءه﴾ يعود على ﴿ما أنزل علينا﴾ المكنى به عن التوراة، أى: قالوا نؤمن بما أنزل علينا والحال أنهم يكفرون بما سوى التوراة أو بما بعدها وهو القرآن الكريم. . قال ابن جرير - رحمه الله -: ((وتأويل وراء فى هذا الموضع: سوى، كما يقال للرجل المتكلم بالحسن، ما وراء هذا الكلام الحسن شىء. يراد به : ليس من عند المتكلم به شىء سوى ذلك الكلام، فكذلك معنى قوله تعالى: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ أى بما سوى التوراة، وبما بعده من كتب الله التى أنزلها على رسله))(١). والضمير ((هو)) فى قوله تعالى: ﴿وهو الحق مصدقًا لما معهم﴾ يعود إلى القرآن الكريم المكنى عنه بقوله ((بما وراءه)). والحق: الحكم المطابق للواقع. ووصف به القرآن الكريم لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع. ومعنى كون القرآن مصدقًا لما مع اليهود وهو التوراة، أنه يدل على نبوة النبى وَّه. وبهذا كان مؤيدًا للتوراة التى بشرت بالنبى وَّله وذكرت له نعوتًا لا تنطبق إلا عليه، وبذلك يكون اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم كاذبين فى دعواهم، لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ◌َّ الذى بشرت به توراتهم وأمرتهم بالأيمان به وأيدها القرآن الكريم فى ذلك. قال صاحب الكشاف: وفى قوله تعالى: ﴿وهو الحق مصدقًا لما معهم﴾ رد لمقالتهم ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ لأنهم إذ كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها))(٢). (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤١٨. (٢) تفسير الكشاف بتصرف جـ ١ ص ٢٢٤ . ٢٠٤ المجلد الأول ثم أمر الله - تعالى - رسوله وير أن يوبخهم ويبطل دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم بدليل إلزامى فقال تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين إذا دعوتهم إلى الإِيمان بك قالوا. ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ قل لهم: إن كنتم حقًّا مؤمنين بما أنزل عليكم وهو التوراة، فلأى شىء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم عليكم قتلهم، بل هى تأمركم باتباعهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم لهدايتكم وسعادتكم. إن قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليكم ولا بغيره وأنكم كاذبون فى مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحى يحرم قتل الأنبياء، ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم. ويرجع معنى الآية إلى نفى فعل الشرط وهو كونهم مؤمنين، إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة، وهذا كما تريد أن تنفى عن رجل العقل لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل، فتقول له: إن كنت عاقلا فلم فعلت كذا؟ أى أنت لست بعاقل. والفاء فى قوله تعالى: ﴿فلم تقتلون﴾ واقعة فى جواب محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله - تعالى - والإِتيان بالمضارع فى قوله - تعالى -: ﴿تقتلون﴾ مع أن القتل للأنبياء وقع من أسلافهم بقرينة قوله تعالى: ﴿من قبل﴾ لقصد استحضار تلك الجناية الشنيعة، وللتنبيه على أن ارتكابهم لنلك الجريمة البشعة يتجدد ويقع منهم المرة تلو الأخرى، وللإشعار بأن الخلف يمشون على عماية السلف، فى التعدى والعصيان، فلقد حاول اليهود المعاصرون للعهد النبوى قتل الرسول 1 ولكن الله - تعالى - عصمه منهم، ونجاه من مكرهم. وأضاف سبحانه - الأنبياء إليه فقال: ﴿أنبياء الله﴾ للتنبيه على شرفهم العظيم، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود واجتراحهم المنكر، إذ قابلوا بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوهم بالتصديق والتوقير والطاعة. ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم يؤمنوا بما أنزل عليهم كما يدعون. ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل، فقال تعالى: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون﴾. البينات : جمع بينة وهى الآيات والمعجزات الدالة على صدقه وحقية نبوته، كانقلاب العصا ثعبانًا، وفلق البحر، وانفجار العيون من الحجر ... إلخ. وإنما سماها الله بينات، لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتى بها بشر إلا بتسخير الله ذلك له ٢٠٥ سورة البقرة دلت على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته ورسالته. والمعنى : ولقد جاءكم - يا بنى إسرائيل - نبينا موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، وحقية نبوته، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه وتطيعوه ولكنكم لم تفعلوا فقد اتخذتم العجل إلهًا من بعد مفارقة نبيكم موسى لكم لمناجاة ربه، ومن بعد مشاهدتكم لتلك المعجزات، التى استبان بها صدقه فيما يبلغكم عن ربه فأنتم ظالمون بذلك، لأنكم تركتم عبادة من يستحق العبادة وهو الله - تعالى - وعبدتم العجل الذى لا يملك ضرًا ولا نفعًا ... فالآية الكريمة فيها أبطال لدعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقًّا بنبيهم الذى جاءهم بالبينات، لما تركوا ما أمرهم به وهو عبادة الله، وفعلوا ما نهاهم عنه وهو عبادة العجل . ثم ذكر القرآن الكريم جناية أخرى تكذبهم فى دعواهم : أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم - وهى إباؤهم التوراة عنادًا واستكبارًا فقال تعالى : ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا، قالوا سمعنا وعصينا، وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم، قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ . ومعنى الآية الكريمة : واذكروا - يا بنى إسرائيل - وقت أن أخذنا الميثاق عليكم بأن تعملوا بما فى التوراة، وتتلقوا أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعنا فوقكم الطور لنريكم آية من آياتنا العظمى التى تقوى قلوبكم، وتجعلكم تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة، وقلنا لكم خذوا ما آتیناکم بجد وحزم، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر وطاعة، ولکنکم - يا بنى إسرائيل - يا من تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم - أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة وقلتم لنبيكم سمعنا قولك وعصينا أمرك، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم كما يخالط الماء أعماق البدن ولم تأبهوا بما جاءكم فى التوراة من الهدى والنور وبما صحب عرضها عليكم من الآية البينة وهى رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم أنه وافع بكم فكفرتم بذلك كله ولازالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل ولقد سرتم على منهج أسلافكم فى العناد والجحود والإِعراض عما ينزله الله من الحق، وإذا كان هذا شأنكم فكيف تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم؟ ثم أمر الله نبيه پڑ أن یوبخھم علی تخرصاتهم فقال تعالى: ﴿قل بئسما یأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾. وقوله تعالى : ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ معناه: أننا حركناه ونقلناه معلقًا فوقكم فى الهواء، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها تحملكم على الإِيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل. ٢٠٦ المجلد الأول ومعنى قوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾ : قلنا لكم خذوا ما أمرناكم به فى التوراة بجد واجتهاد فى تأديته، واسمعوا ما تؤمرون به سماع طاعة وتفهم. فقوله تعالى ﴿واسمعوا﴾ ليس المراد به مجرد السماع للقول فقط، بل المقصود منه السماع الذى يصحبه التدبر والاستجابة للأمر: فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾. ثم حكى - سبحانه - جوابهم الذى يدل على عنادهم فقال: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا: وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة(١). وقد اختلف المفسرون هل صدر متهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقًا أو أنهم فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازًّا؟ قال الفخر الرازى: الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول حقيقة. وقال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول ولم يقولوه، كقوله تعالى ﴿فقال لها والأرض اثتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾. قال: والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز(٢). وقوله تعالى: ﴿وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم﴾ عطف على قولهم سمعنا وعصينا والإِشراب ؛ السقى وجعل الشىء شاربًا، واستعمل على وجه التجوز فى خلط لون بأخر كأن أحد اللونين سقى الآخر، يقال : بياض مشرب بحمرة أى مختلط، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط حبه قلبه. قال الإِمام الرازى: قوله تعالى: ﴿وأشربوا فى قلوبهم العجل﴾ فى وجه هذه الاستعارة. وجهان : الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله فى قلوبهم بيان لمكان الإِشراب كقوله: ﴿إِنما يأكلون فى بطونهم نارًا﴾، الثانى: كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال(٣). وفى الجملة الكريمة ﴿وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم﴾ مضاف محذوف وهو لفظ (حب) لدلالة المعنى عليه. والمعنى : إن هؤلاء اليهود الذين مردوا على العصيان قد خالط حب العجل نفوسهم حتى - (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٥. (٢) الفخر الرازى جـ ١ ص ٤٣٢. (٣) تفسير الرازى جـ ١ ص ٤٣٢. ٢٠٧ سورة البقرة استقر فى قلوبهم كما يخالط الماء أعماق الجسد. وحذف لفظ الحب من الجملة الكريمة، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى لكأنهم أشربوا ذاته. والتعبير بقوله : ﴿أشربوا﴾ يشير إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذى لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه. وقوله تعالى: ﴿بكفرهم﴾ دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر سابق، وجحود " . متأصل فكفرهم الذى ترتب على عبادتهم للعجل، قد سبقه كفر آخر، فهو كفر على كفر. ثم أمر الله - تعالى - نبيه فى ختام الآية الكريمة بتوبيخهم فقال تعالى : ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ أى: قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم - قل لهم - بئس الشىء الذى يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين - كما زعمتم - بالتوراة، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشىء من ذلك فما أنتم بمؤمنين بها ولا بغيرها من كتب الله، لأنها لا تأمر بالفحشاء. فالجملة الكريمة خلاصة لإبطال قولهم ((نؤمن بما أنزل علينا)) بعد أن أبطله الله - تعالى - فيما سبق بشواهد متعددة، لأنهم لما زعموا ذلك، وكانوا مع هذا يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإِيمان بأى كتاب سماوى، أمر الله - تعالى - رسوله وسلو أن يذمهم على هذه الأفعال التى تناقض الإِيمان بما أنزل عليهم لكى يعلم الناس جميعًا أن دعواهم لا أساس لها من الصحة. وأضاف - سبحانه - الإِيمان إليهم فقال ﴿إِيمانكم﴾ ولم يقل الإِيمان، لأنه ليس إيمانًا صحيحًا وإنما هو إيمان مزعوم، فإضافة الإِيمان إليهم من باب التهكم بهم والاستهزاء بعقولهم. وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ تشكيك فى إيمانهم بالتوراة، وقدح فى صحة دعواهم فإن الإِيمان الحق إنما يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن عبادة سواه وعن ارتكاب السوء والفحشاء. فالجملة الكريمة فى معنى النفى لادعائهم الإِيمان بالتوراة لأنها ما أمرت بشىء يبغضه الله تعالى. قال الإِمام ابن جرير: وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أى إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم. وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة تنهى عن ذلك كله، وتأمر بخلافه، فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان يأمرهم بذلك، فبئسُ الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفى من الله - تعالى - عن التوراة أن تكون تأمر بشىء مما يكرهه الله من أفعالهم وأن يكون التصديق بها يدل على شىء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه - جل ثناؤه - أن الذى يأمرهم بذلك أهواؤهم، ٢٠٨ المجلد الأول والذى يحملهم عليه البغي والعدوان)»(١) . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة، والبراهين القاطعة على كذب اليهود فى دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم، ووبختهم على مزاعمهم الباطلة، وأقوالهم الفاسدة. هذا، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند حديثه عن هذه .الآيات، فقد قال - رحمه الله - : يقول الله تعالى فى ذكر خجاج اليهود: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقا لما معهم، قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ... ﴾. هذا قطعة من فصل من قصة بنى إسرائيل، والعناصر الأصلية التى تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلى : ١ - مقالة ينصح بها الناصح لليهود: إذ يدعوهم إلى الإِيمان بالقرآن. ٢ - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين. ٣ - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه. وأقسم لو أن محاميًّا بليغًا وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن فى هذه القضية، ثم هدى إلى استنباط هذه المعانى التى تحتلج فى نفس الداعى والمدعو لما وسعه فى أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات، ولعله بعد ذلك لا يفى بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق. قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة، ألستم قد أمنتم بالتوراة التى جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؟ فالقرآن الذى جاء به محمد وعلي أنزله الله، فآمنوا به كما آمنتم بها. فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير فى هذا اللفظ الوجيز ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾. وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته. فجعل دعاءهم إلى الإِيمان به دعاء إلى الشىء بحجته، وبذلك أخرج الدليل والدعوى فى لفظ واحد. ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل: آمنوا بما أنزل الله (على محمد)، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. أتدرى لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان فى نظر الحكمة البيانية زائدًا، وفى نظر الحكمة الإِرشادية مفسدًا. (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٢٤. ٢٠٩ سورة البقرة أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها فى الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذى هو عمود الدليل. وأما الثانى فلأن إلقاء هذا الإسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعى من التأليف والإصلاح ... كان جواب اليهود أن قالوا: إن الذى دعانا للإِيمان بالتوراة ليس هو كونها أنزلها الله فحسب، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا. والقرآن لم ينزله علينا، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شرعة ومنهاج. هذا هو المعنى الذى أوجزه القرآن فى قوله: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ وهذا هو المقصد الأول، وقد زاد إيجاز هذه العبارة أن حذف منها فاعل الإنزال وهو لفظ الجلالة، لأنه تقدم ذكره فى نظيرتها . . ومن البين أن اقتصارهم على الإِيمان بما أنزل عليهم يومىء إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم، وهذا هو المقصد الثانى، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه، أنظر كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهبًا له، ولم يدخل مضمون قولهم فى جملة ما نقله من كلامهم، بل أخرجه فى معرض الشرح والتعليق على مقالتهم فقالَ : ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ أليس ذلك هو غاية الأمانة فى النقل؟ .. ثم جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه. فتراه لا يبدأ بمحاورتهم فى دعوى إيمانهم بكتابهم، بل يتركها مؤقتًا كأنها مسلمة ليس عليهم وجوب الإِيمان بغيره من الكتب فيقول: كيف يكون الإِيمان بكتابهم باعثًا على الكفر بما هو حق مثله؟ لا بل هو الحق كله، وهل يعارض الحق الحق حتى يكون الإِيمان بأحدهما موجبا للكفر بالآخر؟ ثم يترقى فيقول : وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السالفة علیه کالأمر بين كل حق وحق، فقد يكون الشىء حقًّا وغيره حقًّا فلا يتكاذبان، ولكنهما فى شأنين مختلفين، فلا يشهد بعضها لبعض، أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهدًا ومصدقًا لما بين يديه من الكتب، فکیف یکذب به من يؤمن بها. فانظر إلى الإِحكام فى صنعة البيان : إنما هى كلمة رفعت وأخرى وضعت فى مكانها عند الحاجة إليها، فكانت هذه الكلمة حسما لكل عذر، وسدًا لكل باب من أبواب الهرب، بل ٢١٠ المجلد الأول كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت خطوة واحدة، وفى غير ما جلبة ولا طنطنة . ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوى الذى ساقه مساق الاعتراض والاستطراد، استوى إلى الرد على المقصد الأصلى الذى تبجحوا بإعلانه والافتخار به، وهو دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم، فأوسعهم إكذابًا وتفنيدًا. وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم، قد أشربوه فى قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضًا مزمنًا وأن الذى أتوه اليوم من الكفر بما أنزل على محمد ما هو إلا حلقة متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عليهم، وساق على ذلك الشواهد التاريخية المفظعة التى لا سبيل لإِنكارها فى جهلهم بالله، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه، وتمردهم على أوامره ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾. تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له فى آخر المرحلة السابقة، إذ يفهم السامع من تكذبيهم لما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين لكتابهم نفسه، وهل الذی یكذب من يصدقك يبقى مصدقًا لك؟؟ ... ثم انظر بعد أن سجل القرآن على بنى إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذى هو مثل فى البلادة موضع المعبود الأقدس، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم فى تأبيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة. بعد كل ذلك تراه لا يزيد على أن يقول فى أول الأمر: إن هذا ((ظلم))، وفى الثانية (بئسما) صنعتم، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا على وجههما، ولكن أين حدة الألم وحرارة الاندفاع فى الانتقام ؟ بل أين الإقذاع والتشنيع؟ وأين الإِسراف والفجور الذى تراه فى كلام الناس، إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم. تالله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا الجناب، وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين، وتالله إن هذا الكلام لا يصدر عن نفس بشر))(١). ثم أمر الله - تعالى - نبيه ((وَّر)) أن يرد على اليهود فى دعواهم أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على ملتهم فقال - تعالى - : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ٩٤ (١) عن كتاب ﴿النبأ العظيم) من ص ١١٤: ص ١٢٢ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز. ٢١١ سورة البقرة وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَأْبِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ وَلَنَجِدَ نَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ ٩٥ أَشْرَكُواْ يَوَدُأَ حَدُهُمْ لَوْ يُعَخَّرُ أَلْفَ سَنَةٍوَمَاهُوَبِمُزَحْرِِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرُّ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( ٩٦ ومعنى الآيات الكريمة إجمالا : قل - يا محمد - لأولئك اليهود الذين ادعوا أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا : إن كانت الجنة مختصة بكم، وسالمة لكم دون غيركم، وليس لأحد سواكم فيها حق. فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فى دعواكم، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق اليها وأحب الوصول إليها . ثم أخبر الله أن هذا التمنى لن يحصل منهم فقال: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾ أى الموت ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أى بسبب ما ارتكبوه من كفر ومعصية ﴿والله عليم بالظالمين﴾ الذين وضعوا الأمور فى غير موضعها، فادعوا ما ليس لهم، ونفوه عمنَ هو لهم. ثم أخبر القرآن بأن حرصهم على الحياة لا نظير له ولا مثيل فقال : ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ متطاولة ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أى: وأحرص عليها - أيضًا - من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا الحياه الدنيا ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ أى يتمنى الواحد من هؤلاء اليهود أن يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود المعقولة لعمر الإِنسان والحال أنه ما أحد منهم بمزحزحه ومنجيه تعميره من العذاب ﴿والله بصير بما يعملون﴾ أى: لا يخفى عليه أعمالهم، فهو محاسبهم عليها، ومجازيهم بما يستحقونه من عقاب. وقوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ رد على زعمهم الباطل أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودًا، والمراد بالدار الآخرة : الجنة ونعيمها، ومعنى ((خالصة)) سامة لکم مختصة بکم، لا یشارککم فيها أحد من الناس. قَال الإِمام ابن جرير: ((يقال: خلص لى فلان بمعنى صار لى وحدى وصفا لى، ويقال منه خلص هذا الشىء، فهو يخلص خلوصًا وخالصة، والخالصة مصدر مثل العافية .. ))(١). (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٢٩. ٢١٢ المجلد الأول وقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾ التمنى هو ارتياح النفس ورغبتها القوية فى الشىء. بحيث توده وتحب المصير إليه، وهو يستعمل فى المعنى القائم بالقلب كما بينا، ويستعمل فى اللفظ الدال على هذا المعنى، كأن يقول الإِنسان بلسانه، ليتنى أحصل على كذا. والاستعمال الثانى هو المراد بقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾ أى اذكروا بألسنتكم لفظًا يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه. وإنما قلنا إن ذلك هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا يعرفه أحد سوى الله - تعالى - والتحدى لا يقع بتحصيل المعانى القائمة بالضمائر والقلوب. ومعنى الآية الكريمة. قل يا محمد لليهود : إن كانت الجنة خاصة بكم، ولا منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون، فتمنوا الموت بألسنتكم لكى تظفروا بنعيمها الدائم، إن كنتم صادقين فى دعواكم أنها خالصة لكم، وإلا فإنكم لا تكونون صادقين فى دعواكم، إذ لا يعقل أن يرغب الإِنسان عن السعادة المحضة الدائمة المضمونة له فى الآخرة، إلى سعادة ممزوجة بالشقاء فى ·الدنیا. قال الإِمام الرازى: (وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة. ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد وصار ومنازعته معهم، بالجدال والقتال، ومن كان فى النعم القليلة المنغصة. ثم تيقن أنه بعد الموت لابد أن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة، فإنه لابد أن يكون راغبًا فى الموت، لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وحيث كان الموت يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون هذا الإِنسان راضيًا بالموت متمنيًا له، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت خالصة لهم، لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله - تعالى - أخبر أنهم ما تمنوا الموت، بل لن يتمنوه أبدًا، وحينئذ يلزم قطعًا بطلان ادعائها فى قولهم: ((إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس))(١). وتحديهم بتمنى الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت، أو يقولوا ما فى معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وهذا رأى جمهور المفسرين. وروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن ذلك يكون عن طريق المباهلة، بأن يحضروا مع المؤمنين فى صعيد واحد، ثم يدعو الفريقان بالموت على الكاذب منهما. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ الذى نطقت به الآية وأقرب أيضًا إلى معناها. إذ ليس فى الآية إشارة ما إلى طلب المباهلة، والقرآن حينما دعا إليها نصارى (١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٤٣٣. ٢١٣ سورة البقرة نجران، جاء اللفظ بها صريحًا فى قوله تعالى: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾(١). ثم أخبر - سبحانه - بأن هؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت أبدًا بسبب ما فعلوا من شرور فقال تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾. أى: لا يتمنى اليهود الموت أبدًا بسبب ما قدمت أيديهم من آثام، والله - عز وجل - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم بل هو سيسجلها عليهم، ويجازيهم عليها الجزاء الذى يستحقونه، والآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود بأنهم يكرهون الموت، ويمتنعون عن الإِجابة إلى ما دعوا إليه من تمنيه، لعلمهم بأنهم إن فعلوا فالموت نازل بهم، وذلك لأن رسول الله وَه لم يخبرهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخبر فهم يحذرون أن يتمنوا الموت، خوفًا من أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذتوب. وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال: ((لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه)). وقال ابن جرير فى تفسيره: ((وبلغنا أن النبى وَلّ قال: ((لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا؛ ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله وَله لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا)) قال حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدى، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن ابن عباس عن رسول الله وَالي(٢). وقال الإِمام ابن كثير: ورواه الإِمام أحمد عن اسماعيل بن يزيد الرقى حدثنا فرات عن عبد الكريم به))(٣). وقال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به، كقوله تعالى: ﴿ولن تفعلوا﴾ فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت: قلت لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما نقلت سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن فى الإِسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل عنه ذلك))(٤). ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبى وَية بذلك، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل فى طريق دعوته، ويصرون على جحود نبوته؛ فلا يقدح فى هذه المعجزة أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى بتمنى الموت وهو حريص على الحياة، "لأن المعنيين بالتحدى هم اليهود المعاصرون للعهد النبوى. (١) آل عمران الآية ٦١. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٢٧. (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٢٧. (٤) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٥. ٢١٤ المجلد الأول وقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين) وارد مورد التهديد والوعيد لهم وكان اليهود ظالمين بسبب ما قدمت أيديهم وبسبب كونهم قد كذبوا على الله فى دعواهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان منهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة خالصة لهم فى غاية الحرص على الحياة فقال تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون﴾. ومعنى الآية الكريمة : ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود - الذين يزعمون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس - لتجدنهم أحب الناس للحياة، وأحرصهم عليها، وأشدهم كراهية للموت ((وليس ذلك عندما يكونون متمتعين بالطمأنينة والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها كل معانى الراحة والطمأنينة، فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين لا یؤمنون بالبعث، والذین یعتبرون نعیمهم الأکبر هو ما يتمتعون به من اللذائذ فى هذه الدنيا، وهم فى حرصهم على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم دهورًا طويلة، لا يصل إليها خيال أحد ممن يحرصون عليها كما قال تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾. وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم فى دعواهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس لأن الأمر لو كان كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها، ولكنهم لا يحبون الموت ولا يكاد يخطر ببالهم، ويحرصون كل الحرص على البقاء حتى مع سوء الحالة ورذالة العيش، كما يشعر بذلك التنكير فى قوله تعالى ﴿على حياة﴾. والمراد بالناس جميعهم، وأفعل التفضيل فى ((أحرص)) على بابه، لأن الحرص على الحياة غريزة فى البشر إلا أنهم متفاوتون فيه قوة وكيفية وأسبابًا، كما قال الشاعر : حريصًا عليها مستهامًا بها صبا أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه وحب الشجاع النفس أورده الحربا فحب الجبان النفس أورده التقى فالناس جميعًا وإن كانوا يشتركون مع اليهود فى الحرص على الحياة، إلا أن اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم، وأنهم من أجل حرصهم عليها يضحون بدينهم وبكرامتهم وبكل شىء. ونكر - سبحانه - الحياة التى يحرصون عليها، زيادة فى تحقيرهم، فكأنه - سبحانه - يقول : إنهم شديدو الحرص على الحياة، ولو كانت حياة بؤس وشقاء، وللإِشعار بأن ما يهمهم ٢١٥ سورة البقرة هو مطلق حياة كيفما كانت، بصرف النظر عن العزة والكرامة، فمن أمثال اليهود المشهورة ((الحياة وكفى)). ولا شك أن شدة التهالك على الحياة، تؤدى إلى الجبن، واحتمال الضيم، وتجعل الأمة التى تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة والحياة الذليلة. وقوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ عطف على الناس، لأنه لما كان قوله تعالى: ﴿أحرص الناس﴾ فى معنى: أحرص من جميع الناس صح أن يراعى المعنى، فيكون قوله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ معطوف عليه، فيكون المعنى: أحرص من جميع الناس، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. والذين أشركوا، هم الذين جعلوا لله شركاء وإنما أقردوا بالذكر مع أنهم من الناس، مبالغة فى توبيخ اليهود وذمهم، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة - وهم أهل كتاب - على المشركين الذين لا كتاب لهم ولا يدينون ببعث أو نشور كان ذلك دليلا على هوان نفوسهم، وابتذال كرامتهم وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم التى تنهاهم عن الحرص على الحياة الذليلة. قال صاحب الكشاف: ((وفيه توبيخ عظيم، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليها فى الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء، كان حقيقًا بأعظم التوبيخ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك))(١) . ... ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال تعالى : ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ أى يتمنى الواحد منهم أن يعيش دهورًا كثيرة، ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها، لأنها تؤدى بهم إلى أرذل العمر، وعدم طيب العيش. فالجملة الكريمة مستأنفة لإظهار مغالاتهم فى التهالك على الدنيا ولتحقيق عموم النوعية فى الحياة المنكرة، ولدفع ما يظنه بعض الناس من أن حرصهم على الحياة مهما اشتد فلن يصل بهم إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ألف عام، أو أكثر، فجىء بهذه الجملة الكريمة. لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا يشمل حتى هذه السن المتطاولة، التى لا هناء فيها ولا راحة، والتى استعاذ من بلوغها المؤمنون . ثم بين - سبحانه - أن تعميرهم الطويل لن ينجيهم من العقوبة، لأن الموت لا يتركهم مهما (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٣٥. ٢١٦ المجلد الأول طال عمرهم، فقال تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ أى: وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له، ولا بمنجيه منه. والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم، وقطع لحبال مطامعهم، لأن الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم. وفى التعبير ﴿بمزحزحه﴾ أشارة إلى أن طول عمرهم، ليس له أى أثر فى تخفيف العذاب " عنهم، وقوله: ﴿والله بصير بما يعملون﴾ تهديد ووعيد لهم لأنه - سبحانه - عليم بأعمالهم، محيطٍ بما يخفون وما يعلنون، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون. ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود فى دعواهم أن الجنة خالصة لهم، ردًّا يبطل حجتهم، ويفضح مزاعمهم، ويكبت نفوسهم، ويخرس ألسنتهم، ويعلن أن الجنة إنما هى لمن أسلم وجهه لله وهو محسن، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت، لأنهم يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من سيئات، واقترفوا من أكاذيب. ثم ساق القرآن بعد ذلك لونًا عجيبًا من ألوان رذائل اليهود وهو مجاهرتهم بالعداوة لأمين الوحى جبريل - عليه السلام - فقال - تعالى - : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اُللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَتْبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ ٩٧ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِلْكَفِرِينَ ١٨ فهاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقًّا من رذائل اليهود وهى عداوتهم لملك من ملائكة الله، لا يأكل مما يأكلون، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو من الملائكة المقربين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإذا فليس هناك مقتض لعداوته، فلماذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته؟ لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحى من عند الله على محمد رفيق وهم ٢١٧ سورة البقرة يحسدونه على النبوة، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عدائهم لجبريل - أيضًا - وهذه حماقة وجهالة منهم، لأن جبريل - عليه السلام - نزل بالخير لهم فى دينهم وفى دنياهم. ولكن . الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلاها لا تفرق بين الخير والشر. ومعنى الآيتين الكريمتين، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك بأمر الله ليكون مؤيدًا لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة، وقل لهم كذلك من كان معاديًا لله أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله، فقد كفر وباء بغضب من الله، ومن غضب الله عليه، فجزاؤه الخزى وسوء المصير. قال الإِمام ابن جرير: (أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا، على أن هذه نزلت جوابًا ليهود من بنى إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولى لهم)(١). وروى البخارى فى صحيحه - عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبى بِّه وهو فى أرض يخترف - أى يجنى ثمارها - فأتى النبي وَّر فقال له : إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى، فيم أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرنى بهن جبريل آنفًا. قال : جبريل؟ قال : نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة - فقرأ النبى ◌ّ ر هذه الآية: ﴿قل من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك ... ) الآية ثم قال: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله: إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم يبهتونى، فجاءت اليهود فقال النبى ◌ّ: أى رجل فيكم عبد الله؟ قالوا : خبرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا: قال ((أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله فقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله))، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذى كنت أخاف يا رسول الله(٢). وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس: ((أن اليهود بعد أن سألوا النبى وَلّ أسئلة أجابهم عنها، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال : ولیی جبريل، لم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليه، قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٣١. (٢) صحيح البخارى كتاب التفسير باب قوله تعالى: ((قل من كان عدو لجبريل)) جـ ٦ ص ٢٣ . ٢١٨ المجلد الأول الملائكة لتابعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله - تعالى - قوله: ﴿قل من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ... ﴾ الآيات. وفى حديث للإِمام أحمد والترمذى والنسائى ((قال اليهود للنبى وَّر بعد أن سألوه عن أشياء أجابهم عنها إنما بقيت واحدة وهى التى نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبى إلا وله ملك يأتيه بالخير، فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل - عليه السلام - قالوا : جبريل ذلك الذى ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لوقلت ميكائيل الذى ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان. فأنزل الله - تعالى -: ﴿قل من كان عدوًّا لجبريل) الآية(١). فيؤخذ من هذه الأحاديث وما فى معناها أن اليهود فى عهد النبى وم18 كانوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل - عليه السلام - وأن هذه المجاهرة بالعداوة، قد تكررت منهم فى مواقف متعددة بينهم وبين النبى ◌ّ﴾ وأن الذى حملهم على ذلك هو حسدهم له، وغيظهم من جبريل، لأنه ينزل بالوحى عليه. قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ((ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله، ومع ذلك يبغضونه، وهذا أحط درجات الانحطاط فى العقل والعقيدة، ولاشك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبىء عن تضافر آرائهم على الخطأ والأوهام))(٢). وفى أمر اللرسول وَ* بلفظ (قل) كى يرد على اليهود، تثبيت له، وتطمين لنفسه وتوبيخ لهم على معاداتهم لأمين الوحى، وهو جبريل - عليه السلام -. وقوله تعالى: ﴿من كان عدوًّا لجبريل﴾، شرط عام قصد الإِتيان به ليعلموا أن الله - تعالى - لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادى جبريل، إن وجد معاد آخر له سواهم. وقوله تعالى: ﴿على قلبك﴾ زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحى، وإشارة إلى أن السبب فى تمكنه وَلّر من تلاوة القرآن الكريم، وإبلاغه للناس، ثباته فى قلبه. وقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ معناه: فلا موجب لعداوته. لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله وأمره. وإذًا فعداوته عداوة الله فى الحقيقة والواقع، ومن هنا يتبين أن هذه الجملة تعليل لجواب الشرط وقائمة مقامه. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢٩. : (٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ١ ص ٢٢٦. ٢١٩ سورة البقرة قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف استقام قوله تعالى : ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ جزاء للشرط ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما : إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته، حيث نزل كتابًا مصدقًا للكتب التى بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه فى إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. والثانى : إن عاداه أحد فالسبب فى عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقًا لكتابهم، وموافقًا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك يحرفونه ويجحدون موافقته له. كقولك : ((إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه))(١). وقوله - تعالى - : ﴿بإذن الله﴾ أى بأمره، وهو توبيخ لهم على عداوتهم لجبريل، الذى أنزل بالقرآن بإذن الله، لا من تلقاء نفسه، وهذه حجة أولى عليهم. وقوله تعالى: ﴿مصدقًا﴾ حال من الضمير العائد على القرآن الكريم، فى قوله ﴿نزله﴾ أى أنزله حالة كونه مؤيدًا للكتب السماوية التى قبله ومن بينها التوراة، وهذه حجة ثانية عليهم. ثم عززهما بثالثة ورابعة - فقال تعالى: ﴿وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ أى هذا القرآن الذى نزل مصدقًا لكتبكم، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح، والعاقل لا يرفض الهداية التى تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة فى مجيئها عدوًّا له، وهو - أيضًاٍ - مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى - عنهم فى الدنيا والآخرة، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق الإِيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججًا متعددة على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين. وتكون الآية الكريمة قد مدحت القرآن بخمس صفات. أولها : أنه منزل من عند الله وبإذنه. وثانيها : أنه منزل على قلب النبى وَل ـ وثالثها : أنه مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية. ورابعها: أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه. وخامسها : أنه بشارة سارة للمؤمنين. ثم بين - تعالى - حقيقة الأمر فيمن يعادى جبريل وأن عداوته عداوة لله - تعالى - فإنه أمين وجيه إلى رسله ليس له فى ذلك شىء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال تعالى: ﴿من كان عدوًّا لله (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٦. ٢٢٠ المجلد الأول وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾. والمعنى: أن عداوة جبريل عداوة لله، وأن عداوة محمد ﴿ عداوة لله - أيضًا - فالإِيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع. ومعنى عداوة العبد لله: كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته لملائكته : إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافى عصمتهم ورفعة منزلتهم. ومعنى عداوته لرسله : تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده : غضبه سبحانه - عليه، ومجازاته له على كفره. وصدر - سبحانه - الكلام باسمه الجليل تفخيًا لشأن ملائكته ورسله وإشعارًا بأن عداوتهم إنما هى عداوة له - تعالى -. وأفرد - سبحانه - جبريل وميكال بالذكر، مع اندراجهما تحت عموم ملائكته، لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل، فأفردهما بالذكر للتنبيه على أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع، وأن الكفر بأحدهما كفر بالآخر. قال ابن جرير: ((فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل بلى، فَإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما فى الآية فى جملة أسماء الملائكة؟ قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت جبريل عدونا وميكائيل ولينا، وزعمت أنها كفرت بمحمد مخل* من أجل أن جبريل صاحبه، أعلمهم الله - تعالى - أن من كان لجبريل عدوًّا فإن الله عدو له وأنه من الكافرين، فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه، لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله : من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله، ولسنا لله ولا لملائكته ولا لرسله أعداء، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصًّا، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه، وكذلك قوله ورسله فلست يا محمد داخلا فيهم، فنص الله - تعالى - على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقلع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم، ويحسم تموبهم أمورهم على ضعاف الإِيمان))(١). وقال - سبحانه - فى ختام الآية الكريمة ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم، ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود، وليكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام من باب إثبات الحكم بالدليل، وللإشعار بأن عداوة الله - تعالى - لهم سببها كفرهم فإن الله لن يعادى قومًا لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو. قال صاحب المنار: ((فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التى جاءوا بها، فهم لم يدعوا عداوة هؤلاء كلهم، لكنهم كذلك فى نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم فى (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٤٩.