النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة البقرة والاستفهامٍ فى قوله تعالى: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ للإِنكار والتوبيخ والفتح يطلق على القضاء ومنه قوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ أى: افض بيننا وبين قومنا بالحق. قال ابن جرير: ((أصل الفتح فى كلام العرب القضاء والحكم والمعنى أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن حكمه - تعالى - وقضائه فيهم أخذه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد ـّ فقد بشرت به التوراة))(١). وقوله تعالى: ﴿ليحاجوكم به عند ربكم﴾ متعلق بالتحديث ومرادهم تأكيد النكير على إخوانهم الذين أظهروا إيمانهم نفاقًا، فكأنهم يقولون لهم : أتحدثون المؤمنين بما يفضحكم يوم القيامة أمام الخالق - عز وجل - وفی حکمه وقضائه، لأنهم سيقولون لكم. ألم تحدثونا فى الدنيا بما فى كتابكم من حقيقة ديننا وصدق نبينا؟ فيكون ذلك زائدًا فى ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رءوس الخلائق يوم الموقف العظيم، لأنه ليس من اعترف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإِنكار. : وجملة ﴿أفلا تعقلون﴾ من بقية مقولهم لمن نافق منهم. وقد أتوا بها لزيادة توبيخهم لهم حتى لا يعودوا إلى التحدث مع المؤمنين. والمعنى : أليست لكم عقول تحجزكم عن أن تحدثوا المؤمنين بما يقيم لهم الحجة عليكم يوم القيامة ؟ ثم وبخهم الله على جهلهم بحقيقة علمه فقال تعالى: ﴿أو لا يعلمون أن الله يعلم ·· ما يسرون وما يعلنون﴾ أى: أيقول الذين لم ينافقوا من اليهود لإِخوانهم الذين نافقوا ما قالوا، ويكتمون من صفات النبى وَ ل ما كتموا، ويحرفون من كتاب الله ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم. ما يخفون من كفر وحقد، وما يظهرون من إيمان وود؟ فالآية الكريمة فيها توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا المنافقين منهم على تحديث المؤمنين بما فى توراتهم مما يؤيد صدق النبى ول ﴿ لأنهم لو كانوا مؤمنين إيمانًا صادقًا بإحاطة علمه بسرهم وعلانيتهم، لمانهوا إخوانهم عن تحديث المؤمنين بما فيها فإن ما فيها من صفات للنبى وَلّ من الحقائق التى أمرهم الله ببيانها ونهاهم عن كتمانها. ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك حال عوام اليهود ومقلديهم، بعد أن بين حال علمائهم .... (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٨٠. ١٨٢ المجلد الأول ومنافقيهم فقال تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون﴾(١) أى: ومن اليهود قوم أميون لا يحسنون الكتابة، ولا يعلمون من كتابهم التوراة سوى أكاذيب اختلقها لهم علماؤهم أو أمنيات باطلة يقدرونها فى أنفسهم بدون حق، أو قراءات عارية عن التدبر والفهم، وقصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة اليقين المبنى على البرهان القاطع والدليل الساطع. فالآية الكريمة فيها زيادة تيئيس للمؤمنين من إيمان كافة اليهود بفرقهم المختلفة. فإنهم قد وصلوا إلى حال من الشناعة لا مطمع معها فى هداية، فعلما ؤهم محرفون لكتاب الله علی حسب أهوائهم وشهواتهم، وعوامهم لا يعرفون من كتابهم إلا الأكاذيب والأوهام التى وضعها لهم أحبارهم، وأمة هذا شأن علمائها وعوامها لا ينتظر منها أن تستجيب للحق أو أن تقبل على الصراط المستقيم. و (الأمانى) - بالتشديد - جمع أمنية، مأخوذة من تمنى الشىء أى : أحب أن يحصل عليه، أو من تمنى إذا كذب، أو من تمنى الكتاب أى قرأه. فإن فسرنا الأمانى بالأول كان قوله تعالى: ﴿إلا أمانى﴾ معناه: إلا ماهم عليه من أمانيهم فى أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آياءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات . وإن فسرناها بالكذب، كان قوله تعالى: ﴿إلا أمانى﴾ معناه: إلا أكاذيب مختلقة، سمعوها من أحبارهم فقبلوها على التقليد. وإن فسرنا الأمنية بالقراءة كان قوله تعالى: ﴿إِلا أمانى﴾ معناه: إلا ما يقرءونه من قراءات خالية من التدبر، وعارية عن الفهم. من قوله تمنى كتاب الله أول ليله ... أى قرأ. هذا، وقد رجح ابن جرير تفسير (الأمانى) بالأكاذيب فقال : ما ملخصه «وأولى ما روينا فى تأويل قوله تعالى: ﴿إلا أمانى﴾ بالصواب، أن هؤلاء الأميين لا يفقهون من الكتاب الذى أنزله الله على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتقولون الأباطيل كذبًا وزورًا، والتمنى فى هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى بعد ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنًا منهم لا يقينًا))(٢). والذى نراه أن المعانى الثلاثة للأمانى تنطبق على اليهود، وكلها حصلت منهم؛ وما دام (١) الأميون جمع أمى، وهو الذى لا يحسن الكتابة والقراءة. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٧٥ . ١٨٣ سورة البقرة يصدق عليهم المعانى الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية، ولا معنى لأن نشتغل بترجيح بعضها على بعض كما فعل ابن جرير وغيره. وعلى أى تفسير من هذه التفاسير للأمانى، فالاستثناء منقطع، لأن أى واحد من هذه المعانى ليس من علم الكتاب الحقيقى فى شىء. وفى قوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ زيادة تجهيل لهم، لأن أمنياتهم هذه من باب الأوهام التى لا تستند إلى دليل أو شبه دليل، أو من باب الظن الذى هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر دون أن تبلغ فى ذلك مرتبة القطع واليقين. وهذا النوع من العلم لا يكفى فى معرفة أصول الدين التى يقوم عليها الإِيمان العميق، فهم ليسوا على علم يقينى من أمور دينهم، وإنما هم يظنونها ظنًا بدون استيقان، والظن لا يغنى من الحق شيئًا. وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود، توعد الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسوء المصير فقال تعالى: ﴿فويل(١) للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ : والمعنى : فهلاك وفضيحة وخزى لأولئك الأحبار من اليهود الذين يكتبون الكتابات المحرفة والتأويلات الفاسدة بأيديهم، بدلا مما اشتملت عليه الكتب من حقائق، ثم يقولون لجهالهم ومقلديهم كذبًا وبهتانًا هذا من عند الله، ومن نصوص التوراة التى أنزلها الله على موسى، ليأخذوا فى نظير ذلك عرضًا يسيرًا من حطام الدنيا، فعقوبة عظيمة لهم بسبب ما قاموا به من تحريف وتبديل لكلام الله، وخزى كبير لهم من أجل ما اكتسبوه من أموال بغير حق. فالآية الكريمة فيها تهديد شديد لأحبار اليهود الذين تجرءوا على كتاب الله بالتحريف والتبديل، وباعوا دينهم بدنياهم، وزعموا أن ما كتبوه هو من عند الله. وصرح - سبحانه - بأن الكتابة ﴿بأيديهم﴾ ليؤكد أنهم قد باشروها عن تعمد وقصد، وليدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، ولتصور حالتهم فى النفوس كما وقعت، حتى ليكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدًا لهيئتهم. وقوله تعالى: ﴿ثم يقولون هذا من عند الله﴾ كشف عن كذبهم وفجورهم، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ثم يزعمون أنه من عند الله ليتقبله أتباعهم بقوة واطمئنان. ثم بين - سبحانه - العلة التى حملتهم على التحريف والكذب فقال تعالى : ﴿ليشتروا به (١) الويل لفظ دال على الشر أو الهلاك، وهو مصدر لا فعل له من لفظه وقد يستعمل بدون حرف نداء كما هنا، وقد يستعمل مع حرف النداء كما فى قوله تعالى ((يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)). ١٨٤ المجلد الأول ثمنًا قليلا﴾ أى كتبوا الكتابة بأيديهم، ونسبوها إلى الله زورًا وبهتانًا؛ ليحصلوا على عرض قليل من أعراض الدنيا، كاجتلاب الأموال الحرام، وانتحال العلم لأنفسهم والطمع فى الرئاسة والجاه، وإرضاء العامة بما يوافق أهواءهم. وعبر - سبحانه - عن الثمن بأنه قليل، لأنه مهما كثر فهو قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب، وحرموه من الثواب المقيم. وقوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ تهديد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرف، وعلى أكلهم أموال الناس بالباطل، فهو وعيد لهم على الوسيلة - وهى الكتابة - وعلى الغاية - وهى أخذ المال بغير حق -. قال الشيخ القاسمى: قال الراغب: فإن قيل: لم ذكر ﴿يكسبون﴾ بلفظ المستقبل، و﴿كتبت﴾ بلفظ الماضى؟ قيل: تنبيهًا على ما قاله النبى وَطير، ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) فنبه بالآية إلى أن ما أثبتوه من التأويلات الفاسدة التى يعتمدها الجهلة هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا، وعبر بالكتابة دون القول لأنها متضمنة له وزيادة، فهى كذب باللسان واليد. وكلام اليد يبقى رسمه، أما القول فقد يضمحل أثره))(١). وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود برذيلة التحريف لكلام الله عن تعمد وإصرار ووصفتهم بالنفاق والخداع، ووبختهم على بلادة أذهانهم وسوء تصورهم لعلم الله - تعالى - وتوعدتهم بسوء المصير جزاء كذبهم على الله. ثم حكى القرآن بعد ذلك لونًا من ألوان دعاواهم الباطلة، وأقاويلهم الفاسدة، ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويقطع حجتهم، فقال تعالى : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْ تُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ و أَمْ نَقُولُونَ بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ (١) تفسير القاسمى جـ ١ ص ١٧٤ ١٨٥ سورة البقرة وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ٨٢ ٨١ فِيهَاخَلِدُونَ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات آثارًا، منها ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ((إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يومًا فى النار، وإنما هى سبعة أيام معدودة))، فأنزل الله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار .. ﴾ الآيات(١). وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: ((حدثنى أبى أن الرسول وَّر قال لليهود أنشدكم بالله وبالتوراة التى أنزلها الله على موسى يوم طور سيناء، من أهل النار الذين أنزلهم الله فى التوراة؟ قالوا : إن ربنا غضب علينا غضبة، فنمكث فى النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها، فقال رسول الله وير كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبدًا، فنزل القرآن تصديقًا لقول النبى وَله وتكذيبًا لهم - نزل قوله تعالى - ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة .. ) إلى قوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾(٢). وأخرج ابن جرير - أيضًا - عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم. الأيام التى أصبنا فيها العجل أربعين يومًا، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم(٣). هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول الآيات الكريمة، والمعنى : وقالت اليهود - يا محمد - إن النار لن تصيبنا، ولن نذوق حرها، إلا أيامًا قلائل - قل لهم - يا محمد - ردًّا على دعواهم الكاذبة هل اتخذتم من الله عهدًا بذلك حتى يكون الوفاء به متحققًا؟ أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم فقال. ليس الأمر كما تدعون، بل الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ومات عليها دون أن يتوب إلى (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٨ (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٨٣ طبعة الحلبى. (٣) لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى ص ١١ ١٨٦ المجلد الأول الله - تعالى - منها ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾. وقوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ بيان لضرب من ضروب غرورهم وكذبهم، معطوف على رذائلهم السابقة التى حكاها القرآن الكريم، إذ الضمير فى قوله تعالى (وقالوا) يعود على اليهود الذين مر الحديث عنهم ولما ينته بعد. والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .. والمراد من النار: نار الآخرة. والمراد من المعدودة : المحصورة القليلة، يقال : شىء معدود أى قليل. وشىء غير معدود أى كثير فهم يدعون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام، وقد تكون أربعين يومًا، وبعدها يخرجون إلى الجنة لأن كل معدود منقض. ثم أمر الله - تعالى - رسوله و ﴿ أن يرد عليهم فيما زعموه فقال تعالى: ﴿قل أتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون﴾ أى: قل لهم - يا محمد - إن مثل هذا الإِخبار الجازم بأن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة، لا يكون إلا ممن اتخذ عهدًا من الله بذلك، فهل تقدم لكم من الله عهد بأن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة، فكان الوفاء متحققًّا، لأن الله - تعالى - لا يخلف وعده، أم تقولون على الله شيئًا لا علم لكم به. فالاستفهام للإنكار، وهو متوجه إلى زعمهم أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، فكأنه - سبحانه - يقول لهم. إن قولكم هذا يحتمل أمرين لا ثالث لهما : إما اتخاذ عهد عند الله به، وإما القول عليه - سبحانه - بدون علم، وما دام قد ثبت أن انخاذ العهد لم يحصل، إذا أنتم - يا معشر اليهود - كاذبون فيما تدعون من أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة. قال الإِمام الرازى: قوله تعالى: ﴿أتخذتم﴾ ليس باستفهام بل هو إنكار؛ لأنه لا يجوز أن يجعل الله - تعالى - حجة رسوله فى إبطال قولهم أن يستفهمهم بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال، وهى أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع، فلما لم يوجد الدليل السمعى وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير(١). وإنما ساق القرآن الكريم الرد عليهم فى صورة الاستفهام، لما فيه من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله مالا يعلمون، إذ هم لا يستطيعون أن يثبتوا أن الله وعدهم بما ادعوه من أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، ولا يوجد عندهم نص صحيح من كتابهم يؤيد مدعاهم. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٣ ص ١٤٣ طبعة عبد الرحمن محمد. . ١٨٧ سورة البقرة وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت مدعاهم إبطالا يحمل طابع الإِنكار والتوبيخ. ثم ساق - سبحانه - آية أبطلت مدعاهم عن طريق إثبات ما نفوه فقال تعالى : ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. بلى حرف جواب يجىء لإثبات فعل ورد قبلها منفيًّا، والفعل المنفى هنا هو قول اليهود ((لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة)) فجاءت ((بلى)) لإثبات أن النار تمسهم أكثر مما زعموا فهم فيها خالدون جزاء كفرهم وكذبهم. ومعنى الآية الكريمة: ليس الأمر كما تدعون أيها اليهود، من أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة، بل الحق أنكم ستخلدون فيها. فكل من كسب شركًا مثلكم، واستولت عليه خطاياه، وأحاطت به كما يحيط السرادق بمن فى داخله، ومات على ذلك دون أن يدخل الإِيمان قلبه ويتوب إلى ربه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فالآية الكريمة فيها إبطال لمدعاهم، وإثبات لما نفوه، على وجه يشملهم ويشمل جميع من يقول قولهم، ويكفر كفرهم. هذا والمراد بالسيئة هنا الشرك بالله كما قال جمهور المفسرين لورود الآثار عن السلف بذلك، وفائدة الإِنيان بقوله تعالى ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ بعد ذلك، الإشعار بأن الخطيئة إذا أحاطت بصاحبها أخذت بمجامع قلبه فحرمته الإِيمان، وأخذت بلسانه فمنعته عن أن ينطق به. وقوله تعالى ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ بيان لما أعد لهم من عقوبات جزاء كفرهم وكذبهم على الله، فهم يوم القيامة سيكونون أصحابًا للنار ملازمين لها على التأييد لإِيثارهم فى الحياة الدنيا ما يوردهم سعيرها، وهو الكفر وسوء الأفعال على ما يدخلهم الجنة وهو الإِيمان وصالح الأعمال. وبعد أن ذكر - سبحانه - ما أعد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من الكافرين الذين يفترون على الله الكذب، عقب ذلك ببيان ما أعده - سبحانه - لأهل الإِيمان والتقوى فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ أى: والذين آمنوا بالله ورسوله، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه، فأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون خلودًا أبديًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت على اليهود أبلغ رد. حيث كذبتهم فى دعواهم أن النار لن تمسّهم إلا أيامًا معدودة، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة، وأخبرتهم بخلودهم وخلود كل كافر فى النار، وأما الجنة فهى لمن آمن وعمل صالحًا واتبع سبيل المرسلين فهؤلاء أصحابها وهم فيها خالدون. ١٨٨ المجلد الأول ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة من أبرز الرذائل التى طبع عليها بنو إسرائيل، وهى رذيلة نقضهم للعهود والمواثيق فقال تعالى : وَإِذْ أَخَذْ نَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّاءِيلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لَِّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَ (٨٣) تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُعْرِضُونَ ومعنى الآية إجمالا : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتستجيبوا للحق - وليذكر معكم كل من ينتفع بالذكرى - وقت أن أخذنا عليكم العهد، وأمرناكم بالعمل به على لسان رسلنا - عليهم السلام - وأمرناكم فيه بألا تعبدوا سوى الله، وأمرناكم فيه كذلك، بأن تحسنوا إلى آبائكم وتقوموا بأداء ما أوجبه الله لهما من حقوق، وأن تصلوا أقرباءكم وتعطفوا على اليتامى الذين فقدوا آباءهم، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يكفيهم فى حياتهم، وأمرناكم فيه - أيضًا - بأن تقولوا للناس قولا حسنا فيه صلاحهم ونفعهم، وأن تحافظوا على فريضة الصلاة، وتؤدوا بإخلاص ما أوجبه الله عليكم من زكاة، ولكنكم نقضتم أنتم وأسلافكم الميثاق، وأعرضتم عنه، إلا قليلا منكم استمروا على رعايته والعمل بموجبه. والمراد ببنى إسرائيل فى الآية الكريمة، سلفهم وخلفهم، لأن هذه الأوامر والنواهى التى تناولتها الآية الكريمة، والتى هى مضمون العهد المأخوذ عليهم، قد أخذت عليهم جميعًا على لسان أنبيائهم ورسلهم. والدليل على أن المقصود ببنى إسرائيل ما يتناول الخلف المعاصرين منهم للعهد النبوى، قوله تعالى فى ختام هذه الآية ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ فإنه قد أسند إليهم فيه أنهم تولوا عن الميثاق معرضين، والاعراض عنه لا يكون إلا بعد أخذه عليهم كما سيأتى. وقوله تعالى ﴿لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ... ﴾ إلى قوله تعالى ﴿ثم توليتم ... ﴾ بيان للميثاق وتفصيل له. وجاء التعبير بقوله تعالى ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ فى صورة الخبر المنفى والمراد منه النهى عن عبادة غير الله، لإفادة المبالغة والتأكيد، فكأن الأمر والنهى قد امتثلا فيخبر ١٨٩ سورة البقرة بوقوعهما، أو أنهما لأهميتهما يخبر عنهما بأنهما سيتلقيان بحسن الطاعة حتما، فينزل ما يجب وقوعه منزلة الواقع، ويخبر عن المأمور بأنه فاعل لما أمر به ومجتنب لما نهى عنه فى الحال، وفى ذلك ما فيه من إفادة المبالغة فى وجوب امتثال الأمر والنهى. وقد تضمنت الآية الكريمة لونًا فريدًا من التوجيه المحكم الذى لو اتبعوه لحسنت صلتهم مع الخالق والمخلوق، لأنها ابتدأت بأمرهم بأعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله - تعالى - عليهم، بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم ثنت ببيان حقوق الناس فبدأت بأحقهم بالإِحسان وهما الوالدان لما لهما من فضل الولادة والعطف والتربية، ثم الأقارب الذين تجمع الناس بهم صلة قرابة من جهة الأب والأم، ورعايتهم تكون بالقيام بما يحتاجون إليه على قدر الاستطاعة، ثم باليتامى لأنهم فى حاجة إلى العون بعد أن فقدوا الأب الحانى، ثم بالمساكين لعجزهم عن كسب ما يكفيهم، ثم بالإِحسان إلى سائر الناس عن طريق الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، لأن الناس إن لم يكونوا فى حاجة إلى المال، فهم فى حاجة إلى حسن المقال، ثم أرشدتهم إلى العبادات التى تعينهم على إحسان صلتهم بالخالق والمخلوق فأمرتهم بالمداومة على الصلاة بخشوع وإخلاص، وبالمحافظة على أداء الزكاة بسخاء وطيب خاطر، ولعظم شأن هاتين العبادتين البدنية والمالية ذكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله، تفخيًا لشأنهما وتوكيدًا لأمرهما، وكان من الواجب على بنى إسرائيل أن ينتفعوا بهذه الأوامر الحكيمة، لكنهم عموا وصموا عنها فوبخهم القرآن الكريم بقوله : ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾. أى: ثم توليتم - أيها اليهود - عن جميع ما أخذ عليكم من مواثيق فأشركتم بالله وعققتم الوالدين، وأسأتم إلى الأقارب واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش الأقوال، وتركنم الصلاة، ومنعتم الزكاة، وقطعتم ما أمر الله به أن يوصل. وقوله تعالى: ﴿إلا قليلا منكم﴾ إنصاف لمن حافظ على العهد منهم، حيث إنه لا تخلو أمة من المخلصين الذين يرعون العهود، ويتبعون الحق، وإرشاد للناس إلى أن وجود عدد قليل من المخلصين فى الأمة، لا يمنع نزول العقاب بها متى فشا المنكر فى الأكثرين منها. وقوله تعالى: ﴿وأنتم معرضون﴾ جملة حالية تفيد أن الأعراض عن الطاعة، وعدم التقيد بالمواثيق التى أقروا بها، عادة متأصلة فيهم ووصف ثابت لهم، وسجية معروفة منهم. قال صاحب المنار: ((قد يتولى الإِنسان منصرفًا عن شىء وهو عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه، فليس كل متول عن شىء معرضًا عنه ومهملا له على طول الدوام، لذلك كان ذكر هذا القید «وأنتم معرضون لازما لا بد منه، ولیس تكرارًا کما یتوهم، ثم قال : وقد كان سبب ذلك التولى مع الإِعراض أن الله أمرهم ألا يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله، يحلون برأيهم ويحرمون، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون ويزيدون فى الشرائع ١٩٠ المجلد الأول والأحكام ويضعون ما شاءوا من الشعائر فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فإن الله هو الذى يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه، وما شرع على ألسنة رسله ... ))(١) وخلاصة الفرق بين التفسير الذى بدأنا به وبين تفسير صاحب المنار، لقوله تعالى: ﴿وأنتم معرضون﴾ أن هذه الجملة على التفسير الأول تبين عادة فى القوم تأصلت فيهم حتى كأنها سجية، والمعنى: ((ثم توليتم، أى أعرضتم وأنتم قوم عادتكم الإعراض. وعلى تفسير صاحب المنار تكون هذه الجملة مبينة. لنوع التولى ومتممة لمعناه: والتفسير الأول - الذى سقناه - أدخل فى باب الذم، وأوفى ببيان ما عليه حال اليهود. ٨٤ ثم قال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَكَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِرِىٌ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَّاتٍ وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلاَ يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ ٨٦ بُنُصَرُونَ (١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٧٠. ٫٨٫٥ : ١٩١ سورة البقرة بعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الله - تعالى - قد أخذ على بنى إسرائيل عهدًا بأن بعبدوه ويؤدوا فرائض الله، إلا أنهم نقضوا هذا العهد وتولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين فى هذه الآيات الكريمة أنه - سبحانه - أخذ عليهم عهدًا آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم. , وملخص هذا العهد الذى ذكرته الآيات الكريمة، أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضًا، وألا يخرج بعضهم بعضًا من داره، وأنهم إذا وجدوا أسيرًا منهم فى يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفدائه من الأسر، وتخليصه من أيدى أعدائهم، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتى الأوس والخزرج، انضمت قبيلة بنى قريظة إلى الأوس، وانضمت قبيلة بنى قينقاع وبنى النضير إلى الخزرج، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود تقاتل بجانب أبناء ملتهم المنضمين إلى حلفائهم الآخرين فإذا وضعت الحرب أوزارها، بذل جميع اليهود أموالهم لتخلیص الأسری من أعدائھم کما أمرهم - تعالى - وبهذا یکونون قد آمنوا ببعض الكتاب وهو بذل الفداء لتخليص الأسرى، وكفروا ببعضه وهو تحريم سفك دماء إخوانهم وإخراجهم من ديارهم، ويحكى التاريخ أن العرب كانوا يعيرونهم فيقولون لهم : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم ؟ فكان اليهود يقولون : قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحى أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفتدى أسرانا. وقدٍ توعدهم - سبحانه - بالخزى فى الدنيا والآخرة، جزاء نقضهم لعهوده، وتفريقهم بين أحكامه . والمعنى الإِجمالى للآيات الكريمة : واذكروا - أيضًا - يا بنى إسرائيل وقت أن أخذنا علیکم العهد، وأوصيناكم فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، وبألا يخرج بعضكم بعضًا من مساكنهم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا العهد، والالتزام بما جاء فيه، ثم أنتم هؤلاء - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق، وبعد شهادتکم المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه، خرجتم على تعاليم التوراة، فنقضتم عهودكم، وأراق بعضكم دماء بعض، وأخرجتم إخوانكم فى الملة والدم من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم فى الأسر فاديتموهم، فلم لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟ وكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى فى أيدى عدوهم؟ إن هذا التفريق بين أحكام الله جزاء فاعله الهوان فى الدنيا. والعذاب الدائم فى الأخرى، وما الله بغافل عما تعملون. ولا شك أن أولئك اليهود الذين ١٩٢ المجلد الأول نقضوا عهودهم، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، قد باعوا دينهم بدنياهم، فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون. وقوله تعالى : ﴿وإذ أخذنا میثاقکم لا تسفکون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دیارکم﴾ معناه : اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يا بنى إسرائيل ألا يسفك أحد منكم دم غيره، وألا يخرجه من دياره. على حد قوله: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾(١) أى فليسلم بعضكم على بعض. وفائدة هذا التعبير، التنبيه إلى أن الأمة المتواصلة بالدين، يجب أن يكون شعورها بالوحدة قويًّا وعميقًا، بحيث يكون قتل الرجل لغيره قتلا لنفسه، وإخراجه له من داره إخراجًا لها. قال صاحب المنار: (وقد أورد - سبحانه - النهى عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم، بعبارة تؤكد وحدة الأمة، وتحدث فى النفس أثرًا شريفًا، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر فقال تعالى: ﴿لا تسفکون دماءكم﴾ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة کأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده، وقال تعالى: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ على هذا النسق، وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم)) (٢). وقوله تعالى : ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ تسجيل عليهم بأنهم قد قبلوا العمل بالميثاق والتزموا به، إذ المعنى. ثم اعترفتم بهذا الميثاق - أيها اليهود - ولم تنكروه، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به، فماذا كان موقفهم بعد هذا الاقرار والإِشهاد؟. لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك أنهم نقضوا عهودهم، وارتكبوا ما نهوا عن ارتكابه، فقال تعالى: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم .. ﴾ أى: ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد اعترافكم بالميثاق، والتزامكم به، نقضتم عهودکم، وارتكبتم فى حق إخوانكم ما نهيتم عنه، من القتل والإخراج، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء، ومن يحترم المواثيق. ولما كان قتل بعضهم لبعض، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة وغلبة، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ومجاوزة الحدود، فقال تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان﴾ تظاهرون: من التظاهر وهو التعاون، وأصله من الظهر، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر. والمعنى: تتعاونون على قتل إخوانكم (١) سورة النور الآية ٦١. (٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٧٢. ١٩٣ سورة البقرة وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم، وأنتم مرتكبون ذلك الإِثم والعدوان . وقوله تعالى : ﴿وإن يأتوكم أُسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم﴾ بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى. وأُسارى: جمع أسير بمعنى مأسور، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد بالإِسار وهو القد - بكسر القاف -، والقد : سير يقد من جلد غير مدبوغ. وتفادوهم: تنقذوهم من الأسر بالفداء، يقال: فاداه وفداه: أعطى فداءه فأنقذه. أى: أنتم - يا معشر اليهود - إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون فى فكاكهم، وتبذلون عرضًا لإِطلاقهم، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى فى أيدى أعدائكم، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم ؟ وصدرت الجملة الكريمة ((وهو محرم عليكم إخراجهم)) بضمير الشأن للاهتمام بها. والعناية بشأنها، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم، وليس خافيًّا عليهم. وقوله تعالى : ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بین أحكام الله. والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم فى فداء الأسرى، ولا تتبعونها فى نهيكم عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإِيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر. وبعض الكتاب الذى آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى فى أيدى عدوهم، وبعضه الذى كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإِخراج من الديار، فالإنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإيمان. قال فضيلة المرحوم للشيخ محمد الخضر حسين: ((وإنما سمى - سبحانه - عصيانهم بالقتل والإِخراج من الديار كفرًا؛ لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملي معتقدًا أن الحكمة والصلاح فيما فعله، بحيث يتعاطاه دون أن يكون فى قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب. فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين، وفى الآية الكريمة دليل واضح على أن الذی یؤمن ببعض ما تقرر فی الدین بالدليل القاطع ویکفر ببعضه، يدخل فى زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ))(١). (١) مجلة لواء الإسلام العدد ١١ السنة الثانية. ١٩٤ المجلد الأول ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوى والأخروى الذى استحقه أولئك المفرقون لأحكامه فقال تعالى : ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون﴾ اسم الإشارة (ذلك) مشار به إلى القتل والإِخراج من الديار، اللذين نقضوا بهماعهد الله بغيًّا وكفرًا والخزى فى الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره : ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى قينقاع والنضير عن ديارهم، وقتل بنى قريظة وفتح خيبر، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار، وتلك سنة الله فى كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها. ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم فى الدنيا قد يكون سبًا فى تخفيف العذاب عنهم فى الأخرى، نفى - سبحانه - هذا التوهم، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد منه. لأن الله - تعالى - ليس ساهيًا عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها. فالمراد من نفى الغفلة نفى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرورهم. وفى ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم، بعقوبات فى الدنيا، وفى الآخرة، جزاء طغيانهم، وإصرارهم على السيئات. ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾. والمعنى : أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله، وباعوا دينهم بدنياهم، وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بلون آخر من ألوان جناياتهم، فقال تعالى : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَهِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِّ أَفَكُلَّمَاجَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ ١٩٥ سورة البقرة أُسْتَكْبَرْ تُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ () وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَل لَّعَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨ ففى هاتين الآيتين تذكير لبنى إسرائيل بضرب من النعم التى أمدهم الله بها ثم قابلوها بالكفر والإِجرام. والمراد بالكتاب الذى أعطاه الله لموسى التوراة، فقد أنزلها عليه لهدايتهم ولكنهم حرفوها وبدلوها وخالفوا أوامره وأولوها تأويلا سقيما. ومعنى ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أردفنا وأرسلنا من بعد موسى رسلا كثيرين متتابعين، الإِرشاد بنى إسرائيل، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. يقالى : قفا أثره يقفوه قفوًا وقفوًا، إذا تبعه. وقفى على أثره بفلان إذا أتبعه إياه. وقفيته زيدًا وبه: أتبعته إياه. واشتقاقه من: قفوته إذا أتبعت قفاه، والقفا مؤخر العنق، ثم أطلق على كل تابع ولو بعد الزمن بينه وبين متبوعه. والرسل . جمع رسول بمعنى مرسل، وقد أرسل الله - تعالى - رسلا بعد موسى - عليه " السلام -: منهم: داود، وسليمان، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى - عليهم الصلاة والسلام - . فمن مظاهر نعم الله على بنى إسرائيل، أنه لم يكتف بإنزال الكتب لهدايتهم، وإنما أرسل فیهم بجانب ذلك رسلا متعددین، لکی یبشروهم وینذروهم، ولکن بنى إسرائيل قابلوا نعم الله بالجحود والكفران، فقد حرفوا كتب الله، وقتلوا بعض أنبيائه. والمراد بالبينات فى قوله : ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾ الحجج والبراهين والآيات الدالة على صدقه وصحة نبوته، فتشمل كل معجزة أعطاها الله لعیسی کإبراء الأکمہ والأبرص، وإحياء الموتى، والإِخبار ببعض المغيبات، وغير ذلك من المعجزات التى أيد الله بها عيسى - عليه السلام - . وخص القرآن عيسى بالذكر لكونه صاحب كتاب هو الإنجيل، ولأن شرعه نسخ أحكاما من شريعة موسى - عليه السلام - . وفى إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أبًّا من البشر. وقوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ أى: قويناه مأخوذ من الأَيْدِ وهو القوة. ١ ١٩٦ المجلد الأول وروح القدس هو جبريل - عليه السلام -، قال - تعالى - : ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾، والإِضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أى: الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته. وسمى روحًا لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منهما مادة لحياة البشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب. والروح تحيا به الأجسام. أى: أننا أعطينا عيسى بن مريم الحجج الدالة على صدقه فى نبوته وقويناه على ذلك كله بوحينا الذى أوحيناه إليه عن طريق جبريل - عليه - السلام -. ثم وبخ الله اليهود على أفعالهم القبيحة فقال: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾. أى: أفكلها جاءكم يابنى إسرائيل رسول بما لا تحبه أنفسكم الشريرة استكبرتم عن اتباعه والإِيمان به وأقبلتم على هؤلاء الرسل ففريقًا منهم كذبتم، وفريقًا آخر منهم تقتلونه غير مكتفين بالتكذيب : وتهوى: من هوى إذا أحب ((والهوى يكون فى الحق ويكون فى الباطل كما فى هذه الآية. واستكبرتم : تكبرتم، والتكبر ينشأ عن الاعجاب بالنفس الذى هو أثر الجهل بها. وهو من الصفات التى متى تمكنت فى النفس أوردتها المهالك، وساقتها إلى سوء المصير. وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم، لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر. وعبر فى جانب القتل بالفعل المضارع فقال: ﴿تقتلون﴾ ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع كما هو المألوف فى أساليب البلاغة. يستعمل فى الأفعال الماضية التى بلغت من الفظاعة مبلغًا عظيما. ووجهه أن المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل الأنبياء، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذى يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع فى الحال. فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم. ثم حكى القرآن بعض الدعاوى الباطلة التى كان يدعيها اليهود فى العصر النبوى ورد عليها بما يدحضها فقال : ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ أى: قال اليهود الذين كانوا فى العهد النبوى: قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسية مانعة من نفوذ ما جئت به فيها. ومقصدهم من ذلك، إقناطه ◌َّر من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد. ١٩٧ سورة البقرة والغلف: جمع أغلف، وهو الذى جعل له غلاف، ومنه قيل للقلب الذى لا يعى ولا يفهم، قلب أغلف، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف. قال ابن كثير: وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف. أى: قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك. وقد رد الله - تعالى - على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال : ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ أى: أن قلوبهم ليست غلفًا بحيث لا تصل إليها دعوة الحق بل هى متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى. والفاء فى قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها و﴿ما﴾ فى قوله ﴿فقليلاً ما﴾ لتأكيد معنى الفلة. والمعنى أن الله لعنهم وكان هذا اللعن سببًا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا، وقلة الإِيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإِيمان به. وقد وصفهم الله - تعالى - فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل اليهود، ويتجلى هذا النوع فى جحودهم الحق عن معرفة وعناد، وكراهتهم الخير لغيرهم يدافع الأنانية والحسد، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة تساق لغير أبناء ملتهم. استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّاجَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ . فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ [٨٩ بِئْسَمَا أَشْتَّرَوْاْبِهِ: أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْبِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِّ فَبَآءُ وبِعَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِيرٌ ! ٩٠ ١٩٨ المجلد الأول. روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين آثارا متعددة، من ذلك ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله وهداه، أنا كنا نسمع من رجال يهود حين كنا أهل شرك وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فكنا إذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : قد تقارب زمان نبى يبعث الآن، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله محمدًا وَله رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل قوله - تعالى - ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ ... إلخ الآية))(١). ومعنى الآيتين الكريمتين: ولما جاء إلى اليهود محمد ◌َله ومعه القرآن الكريم وهو الكتاب الذى أوحاه الله إليه، مصدقًا لما معهم من التوراة فيما يختص ببعثة النبى وَ﴿ ونعته، وكانوا قبل ذلك يستنصرون به على أعدائهم، لما جاءهم النبى المرتقب ومعه القرآن الكريم جحدوا نبوته، وكذبوا كتابه ﴿فلعنة الله على الكافرين). بئس الشىء الذى باعوا به أنفسهم. الكفر بما أنزل الله على نبيه محمد وَر، وكفرهم هذا كان من أجل البغى الذى استولى على نفوسهم، والحسد الذى خالط قلوبهم، وكراهية لأن ينزل الله وحيه على محمد العربى وَ ﴿ فباءوا بسبب هذا الخلق الذميم، بغضب متزادف متكاثر من الله(٢) - تعالى - ﴿وللكافرين عذاب مهين﴾ جزاء كفرهم وحسدهم . والمراد بالكتاب فى قوله تعالى ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ القرآن الكريم، وفى تنكيره زيادة تعظيم وتشريف له، وفى الأخبار عنه بأنه من عند الله، إشارة إلى أن ما يوحى به - سبحانه - جدير بأن يتلقى بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير، والذى مع اليهود هو التوراة، ومعنى كون القرآن مصدقًا لها، أنه يؤيدها ويوافقها فى أصول الدين، وفيما يختص ببعثة النبي صل﴿ وصفته. وفى وصف القرآن الكريم بأنه مصدق لما معهم، زيادة تسجيل عليهم بالمذمة لأنهم لم يكفروا بشىء يخالف أصول كتابهم وإنما كفروا بالكتاب الذى يصدق كتابهم. وقوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾. بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية، فإن اليهود كانوا عندما يحصل بينهم وبين أعدائهم نزاع، (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢٣. (٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ ٣ ص ٢٨٢ للإِمام ابن تيمية وقد ساق - رحمه الله - أكثر من عشرة آثار فى هذا المعنى عند حديثه عن هذه الآية. ١٩٩ سورة البقرة يستنصرون عليهم بالنبى ◌ّ قبل بعثته فيقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبى الذى نجد نعته فى التوراة، والاستفتاح معناه: طلب الفتح وهو الفصل فى الشىء والحكم فيه، كما فى قوله تعالى : ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾. ويستعمل بمعنى النصر لأن فيه فصلا بين الناس قال تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ أى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، فالمراد به فى الآية الاستنصار. ثم بين - سبحانه - حقيقة حالهم بعد أن جاءهم الكتاب والرسول فقال تعالى : ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ أى: فلما جاءهم ما كانوا يستفتحون به على أعدائهم ویرتقبونه جحدوه وكفروا به. وقال - سبحانه - ﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ ولم يقل فلما جاءهم الكتاب أو الرسول، ليكون اللفظ أشمل، فيتناول الكتاب والرسول الذى جاء به لأنه لا يجىء الكتاب إلا عن طريق رسول. ومعرفتهم بصدق الرسول ﴿ وما أنزل عليه حاصلة بانطباق العلامات والصفات الواردة فى التوراة عن النبى ﴿ فكان من الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة بالإِيمان به، ولكن خوفهم على زوال رياستهم وأموالهم، وفوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون النبى المبعوث منهم لا من العرب، ملأ قلوبهم غيظًا وحسدًا، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى غلبها، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر نافع لهم لعدم اقترانها بالقبول والتصديق. ولقد حاول رئيسهم (عبد الله بن سلام) - رضى الله عنه - أن يصرفهم عن العناد وأقسم لهم بأن ما جاء به النبى والتر هو الحق المصدق لما معهم أن يتبعوه ولكنهم عموا وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته كما قال تعالى: ﴿فلعنة الله على الكافرين﴾. وقال - سبحانه - ﴿على الكافرين) ولم يقل عليهم، للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم كان بسبب كفرهم. ثم ذكر - سبحانه - أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس. فقال تعالى: ((بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله)) أى: بئس الشىء الذى باع به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيًّا وحسدًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وجمهور المفسرين على أن ﴿اشتروا﴾ هنا بمعنى باعوا، لأن أولئك اليهود، لما كانوا متمكنين من الإِيمان الذى يفضى بهم إلى السعادة الأبدية بعد أن جاءهم ما عرفوا من الحق فتركوه، ٢٠٠ المجلد الأول واستمروا على كفرهم بغيًّا وحسدًا وحبًا فى الرياسة وتعصبًا لجنسيتهم لما كانوا كذلك، صار اختيارهم للكفر على الإِيمان، بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته، فكأنهم بذلوا أنفسهم التى كان باستطاعتهم الانتفاع بإيمانها، وقبضوا الكفر عوضًا عنها فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم بمنزلة ثمنها المقبوض، فبئس هذا الثمن الذى أوردهم العذاب الأليم. وعبر - سبحانه - عن كفرهم بصيغة المضارع ﴿أن يكفروا﴾ وعن بيعهم لأنفسهم بالماضى، ﴿اشتروا﴾ للدلالة على أنهم صرحوا بكفرهم بالقرآن الكريم من قبل نزول الآية، وإن بيعهم أنفسهم بالكفر طبيعة فيهم مستقرة منذ وقت بعيد، وأنهم ما زالوا مستمرين على تلك الطبيعة المنحرفة. وقوله تعالى: ﴿بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾، تعليل لكفرهم وبيان للباعث عليه، أى كفروا بما أنزل الله على عبده ورسوله محمد ول# بدافع من البغى والحقد، وكراهة أن ينزل الله الوحى من فضله على من يشاء من عباده، فالبغى هنا مصدر بغى يبغى إذا ظلم. والمراد به ظلم خاص هو الحسد، وإنما عد الحسد ظلما، لأن الظلم معناه المعاملة التى تبعد عن الحق وتجافيه، والحسد معناه تمنى زوال النعمة عن الغير والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما صنع، والحاسد لن يناله نفع من زوال نعمة المحسود، كما أنه لن يناله ضر من بقائها، وما دام الأمر كذلك فالحاسد ظالم للمحسود بتمنى زوال النعمة وصدق الشاعر فى قوله. وأظلم خلق الله من بات حاسدًا - لمن بات فى نعمائه يتقلب -. فاليهود قد كفروا بما أنزل الله، من أجل حسدهم للنبى وَلي على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من العرب، وكراهية لأن ينزل الله الوحى على من يصطفيه للرسالة من غيرهم، فعدم إيمانهم بما عرفوه وارتقبوه سببه أنانيتهم البغيضة، وأثرتهم الذميمة التى حملتهم على أن يحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة عليهم، فليس لله - تعالى - فى زعمهم - أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها فى ذرية إسماعيل عليهما السلام -. ولم يصرح - سبحانه - بأن المحسود هو النبى # لعلم ذلك من سياق الآيات الكريمة وللتنبيه على أن الحسد فى ذاته مذموم كيفما كان حال المحسود. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما آل إليه أمرهم من خسران مبين فقال تعالى : ﴿فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾: باء بإثمه يبوء أى: رجع أى: فرجعوا من أجل كفرهم وحدهم للنبى وَالر بغضب مضموم إلى غضب آخر كانوا قد استحقوه بسبب كفرهم بعيسى - عليه السلام - وبسبب تحريفهم للكلم عن مواضعه،