النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة البقرة حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب (باب البلد) سجدًا أى شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال)(١) وقوله تعالى: ﴿فكلوا منها حيث شئتم رغدًا﴾ فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها. حيث أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أى مكان شاءوا. وقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة﴾ إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم. بأيسر الطرق وأسهل السبل، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم، ويمحو سيئاتهم. وقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ بيان للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم، وإغراء لهم على الامتثال والشكر، - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب. قال الإِمام ابن جرير: يعنى بقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. وأصل الغفر: التغطية والستر، فكل ساتر شيئًا فهو غافر .. والخطايا: جمع خطية - بغير همز - كالمطايا جمع مطية .. (٢). وقوله تعالى: ﴿وسنزيد المحسنين﴾ وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلم لله وهو محسن، أى: من كان منكم محسنًا زيد فى إحسانه ومن كان مخطئًا نغفر له خطيئاته. وقد أمرهم - سبحانه - أن يدخلوا باب المدينة التى فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا منه · مغفرة خطاياهم، لأن تغلبهم على أعدائهم، ودخولهم الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم، نعمة من أجل النعم، وهى تستدعى منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل لكى يزيدهم من فضله، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر. ولهذا كان النبى ◌ّ يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرًا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقها صلاة الفتح. ومن هنا استحِب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثماني ركعات (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٩٨. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٠٢. ١٤٢ المجلد الأول عند أول دخولها شكرًا لله - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات. ولكن، ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل، ولذا قال تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم﴾. أخرج البخارى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى وسلم أنه قال: (قيل لبنى إسرائيل : ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم، وقالوا : حبة فى شعيرة)(١)." قال الإِمام ابن كثير: (وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق، أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا الباب سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعين رؤسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أى احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا : حنطة فى شعيرة، وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته)(٢). فقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم﴾ بيان للسبب الذى من أجله نزل عليهم العذاب، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله - تعالى -، لأن تبديل الشىء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التى كان عليها. والفعل (بدل) يقتضى بدلا ومبدلا منه، إلا أن مقام الإيجاز فى الآية استدعى الاكتفاء بذكر البدل - وهو القول الذى لم يقل لهم - دون ذكر المبدل منه - وهو القول الذى قيل لهم - والتقدير: فاختار الذين ظلموا بالقول الذى أمرهم الله به، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان. قال صاحب الكشاف: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم﴾ أى: وضعوا مكان ﴿حطة﴾ قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه. وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم أعف عنا وما أشبه ذلك))(٣). بـ (١) صحيح البخارى. باب (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية جـ ١ ص ٢٢. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٩. (٣) تفسير الكشاف جـ١ ص ٢١٨. ١٤٣ سورة البقرة والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة، أن من أمره الله - تعالى - بقول أو يفعل، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله، دخل فى زمرة الظالمين، وعرض نفسه لسوء المصير. وقوله تعالى: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله - تعالى - والرجز فى لغة العرب: هو العذاب سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. وفى النص على أن الرجز قد أناهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء. فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم، ولم يقل القرآن ((فأنزلنا عليهم))، بالإِضمار، وإنما قال ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾ بالإظهار، تأكيدًا لوصفهم بأفبح النعوت وهو الظلم، وإشعارًا بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم. وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، وأرشدوا إلى القول الذى يكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل، فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة إلى حين، ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم، وفى هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النعمة، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوى على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم وفيه أيضًا تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم. عاشرًا: نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم، وهى إغاثتهم فى التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش، فقال تعالى : وَإِذِاُ سْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٥) ١٤٤ المجلد الأول الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر، وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش، عندما كانوا فى التيه، فعن ابن عباس أنه قال: ((كان ذلك فى التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عينًا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها(١) وهذه النعمة كانت نافعة لهم فى دنياهم؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت نافعة لهم فى دينهم؛ لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته(٢). ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم فى صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى - عليه السلام - فى خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذى يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سيط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم : تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنىء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة، ﴿ولا تعثوا فى الأرض مفسدين﴾ فتتحول النعم التى بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين. وقوله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى - عليه السلام - وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله - تعالى - له، حيث أجاب سؤاله، وفجر الماء لهم ببركة دعائه. واللام فى قوله - تعالى - ﴿لقومه﴾ للسببية، أى لأجل قومه. والفاء فى قوله - تعالى - ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير: فأجبناه إلى ما طلب، وقلنا اضرب بعصاك الحجر. وآل فى ﴿الحجر﴾ لتعريف الجنس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرًا معينًا معروفًا لموسى - عليه السلام - بوحى من الله تعالى. وقد أورد المفسرون فى ذلك آثارًا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها. والذى نرجحه أنها لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى الإِيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد (١) وقيل كان الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠٠. ١٤٥ سورة البقرة وضوحه، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى - عليه السلام - إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا : إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه - تعالى - . ٠٠ والفاء فى قوله تعالى: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا﴾ كسابقتها للعطف على محذوف تقديره : فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى. وكانت العيون اثنتى عشرة عينًا؛ لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطًا، والاسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب - عليه السلام - الاثنى عشر، ففى انفجار الماء من اثنتى عشرة عينًا إكمال للنعمة عليهم، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر: وقال - سبحانه -: ﴿فانفجرت﴾. وقال فى سورة الأعراف ﴿فانبجست﴾ والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه بكثرة، ولا تنافى بينهما فى الواقع؛ لأنه انبجس أولا . ثم انفجر ثانيًا، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وقوله تعالى: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينًا أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض. وقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله﴾ مقول القول محذوف تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله. ٩ وقد جمع - سبحانه - بين الأكل والشرب - وإن كان الحديث عن الشراب - لأنه قد تقدمه " إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان وقوله تعالى: ﴿ولا تعثوا فى الأرض مفسدين﴾ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال . النعمة فى غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم فى التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث فى الأرض فسادًا. قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾. والمعنى: ولا تسعوا فى الأرض مفسدين، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم. قال ابن جرير - رحمه الله - : (وأصل العثا شدة الإِفساد بل هو أشد الإفساد، يقال منه : ١٤٦ المجلد الأول عثى فلان فى الأرض: إذا تجاوز الحد فى الإِفساد إلى غايته، يعثى، عثًا مقصورًا، ويقال للجماعة يعثون .. )(١). وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها : وحذرتهم عاقبة الإِفساد فى الأرض وجحودهم النعمة واستبدالهم الذى هو أدنى بالذي هو خير : ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختيارهم - ما هو أدنى على ما هو خير، فقال تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُّ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِئَّآبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَتَتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِى هُوَ خَيِّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّاسَأَلْتُهُّ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللَهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِّتِنَ بِغَيْرِ الْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَّدُونَ (١) الصبر : حبس النفس على الشىء، بمعنى إلزامها إياه، ومنه الصبر على الطاعات، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصى. والطعام : ما رزقوه فى التيه من المن والسلوى: والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والفوم: قيل هو الثوم، وقيل هو الحنطة. والقثاء: نوع من المأكولات أكبر حجمًا من (الخيار). قال ابن جرير: (وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك فيما بلغنا عن قتادة أنه قال : كان القوم فى البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى: فملوا ذلك، (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٠٨ طبعة الحلبى. ١٤٧ سورة البقرة وذكروا عيشًا كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالى: ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾(١). ثم ساق ابن جرير رواية، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن فى البرية بل كان فى التيه فقال : حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أنبأنا ابن زيد قال : ((كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحدًا، وشرابهم واحدًا. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزًّا ولا غيره، فقالوا يا موسى: ﴿إنا لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها﴾ فقرأ حتى بلغ قوله تعالى ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾(٢). وقد جرى أبو حيان وصاحب الكشاف - فى تفسيريهما - على أن سؤالهم لمرسى - عليه السلام كان فى التيه. قال أبو حيان عند تفسير قوله تعالى ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾: ((لما سئموا من الإقامة فى التيه. والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التى ألفوها، وعن العوائد التى عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم))(٣). وقال صاحب الكشاف: ((كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم(٤) فأجموا - أى ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم البقاء ﴿على طعام واحد﴾ أرادوا ما رزقوه فى التيه من المن والسلوى))(٥). ومعنى الآية الكريمة إجمالا : واذكروا يا بنى إسرائيل بعد أن أسبغنا عَليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافکم، وفساد أذواقهم، وإعناتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - حیث قالوا له . بطر وسوء أدب: لن نصبر على طعام المن والسلوى فى كل وقت، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى، فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله : أتختارون الذى هو أقل فائدة وأدنى (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٠٩. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٠٩. (٣) تفسير ابن حيان جـ ١ ص ٣٣١. (٤) فنزعوا إلى عكرهم: أى حنوا إلى أصلهم وعادتهم. (٥) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧١ . ١٤٨ المجلد الأول لذة، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟ انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها. وأحاطت ببنى إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه، وحق عليهم غضب الله . ثم بين الله - تعالى - السبب فى جحودهم للنعم وفى أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله : ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ إلخ أی : إن الكفر بآيات الله قد تأصل فیھم، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تکرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة، فليس غريبًا على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم. وقوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها، وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودى منها، وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم، وفيه إشعار بسوء أدبهم فى مخاطبتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - إذ عبروا عن عدم رغبتهم فى تناول المن والسلوى بحرف ﴿لن﴾ المفيد تأكيد النفى فقالوا ﴿لن نصبر﴾ .. إلخ فكأنهم يقولون له مهددین، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعًا: إننا ابتداء من هذا الوقت الذى نخاطبك فيه إلى أن نموت، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد، لأننا قد سئمناه ومللناه، ولن نعود إليه : فالتعبير ((بلن)) يشعر بشدة ضجرهم، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها. قال الحسن البصرى - رضى الله عنه -: ((بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذى كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل وثوم))(١). ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان، لأنهم أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر فى كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات، والعرب تقول لمن يفعل على مائدته فى كل يوم من الطعام أنواعا لا تتغير، إنه يأكل من طعام واحد. وسألوا موسى - عليه السّلام - أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإِجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين، حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله، فيلاقى من الإِجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، وتستولى عليها السيئات. وقولهم : ﴿فادع لنا ربك﴾ ولم يقولوا ربنا، لعدم رسوخ الإِيمان فى قلوبهم، ولأنه سبحانه- قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه التوراة. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠١ . ١٤٩ سورة البقرة وقولهم : ﴿يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها﴾ هو مضمون ما طلبوه من موسى - عليه السلا- وهو فى معنى مقول قول محذوف والتقدير: أى قل لربك يخرج لنا. وجاء التعبير بالفعل (يخرج﴾ مجزومًا - مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: ((أن يخرج - للإيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه، حتى لكأن إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه، وأنه لو لم يدع لهم، لكان شحيحًا عليهم بما فيه نفعهم(١). والجملة الكريمة : ﴿أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير﴾ من مقول موسى - عليه السلام - لهم، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم، وضعف عقولهم. لإِيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه، على ما هو خير منه وهو المن والسلوى. قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة: ((أى قال لهم موسى : أتاخذون الذى هو أخس خطرًا وقيمة وقدرًا من العيش، بدلا بالذى هو خير منه خطرًا وقيمة وقدرًا، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال : هو ترك شىء لآخر غيره مكان المتروك، ومعنى قوله : ﴿أدنى﴾ · أخس واضع وأصغر قدرًا وخطرًا، وأصله من قولهم : هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنی فی الأمور - بغير همز - إذا كان يتتبع خسيسها. ثم قال: ولاشك أن من استبدل بالمن والسلوى: ، البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه))(٢). ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخًا آخر فقال لهم: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ أى إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتركوا هذا المكان، وانزلوا إلى مصر من الأمصار، لكى تجدوا ما سألتموُنى إياه من البقل والثوم وأشباههما، لأن ما اخترتموه لا يوجد فى المكان الذى حللتم به، وإنما يوجد فى الأمصار والقرى. وقوله تعالى : ﴿مصرًا﴾. قال ابن كثير: ((هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف فى المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف))(٣). وقال ابن جرير: ((فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين ﴿اهبطوا مصرًا﴾ وهى القراءة التى (١) تفسير ((التحرير والتنوير)) جـ ١ ص ٥٫٠٠ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور طبعة عيسى البابى الحلبى سنة ١٩٦٤. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٢. (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠١ . ١٥٠ المجلد الأول لا يجوز عندى غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك .. )) اهـ(١). وقال أبو حيان فى البحر: ((وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب (مصر) بغير تنوين، وقد وردت كذلك فى مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، وبعض مصاحف عثمان - رضى الله عنه) اهـ(٢). والمعنى على القراءة الأولى : اهبطوا مصرا من الأمصار لأنكم فى البدو، والذى طلبتم لا يكون فى البوادى والفيافى وإنما يكون فى القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش. والمعنى على القراءة الثانية : اتركوا المكان الذى أنتم فيه، واهبطوا مصر التى كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية، ولا ترتاحون للفضائل النفسية، بل شأنكم - دائما - أن تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير. ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر فى الآية الكريمة، مصر فرعون، قوله تعالى فى سورة الشعراء : ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل﴾(٣). وقوله تعالى فى سورة الدخان : ﴿كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين﴾ (٤). قالوا : فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك، وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها، ثم لا ينتفعون بها، ولا يكونون منتفعين إلا بمصير بعضهم إليها قال ابن جرير: ((ومن حجة من قال إن الله - تعالى - إنما عنى بقوله : ﴿اهبطوا مصرا﴾ أى: مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله - تعالى - جعل أرض الشام لبنى إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه. بامتناغهم عن موسى فى حرب الجبابرة، إذ قال لهم ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٥. (٢) تفسير أبى حيان جـ ١ ص ٢٣٣ . . (٣) الآيات ٥٧ - ٥٩ . (٤) الآيات من ٢٥ - ٢٨. ٠٠ ١٥١ سورة البقرة قاعدون﴾. فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا فى التيه وابتلاهم بالتيهان فى الأرض أربعين سنة. ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع ((يوشع بن نون)) بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا أن الله - تعالى - قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ ﴿اهبطوا مصر﴾ ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا : فإن احتج محتج بقوله تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل﴾؟ قيل لهم: فإن الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها. ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام)) اهـ(١). قال أبو حيان فى البحر: (ولم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر) اهـ(٢). ، ومع أن ابن جرير - رحمه الله - قد رد على من قال، إن المراد بالمصر مصر فرعون : استنادًا إلى قراءة غير الجمهور، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال: (والذى نقول به فى ذلك، أنه لا دلالة فى كتاب الله - تعالى - على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول واله يقطع مجيئه العذر، وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال فى ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطى قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه الله - تعالى - فى كتابه وهم فى الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارًا من الأرض التى تنبت ما سأل لهم من ذلك، إذا صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشام ... ))(٣). ومن هذا النص الذى نقلناه عن ابن جرير، نرى أنه لم يقطع برأى فى المكان الذى أمر بنو اسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله - تعالى - قد استجاب لموسى - عليه السلام - دعاءه، وأن موسى وقومه قد هبطوا - فعلا - إلى قرار من الأرض التى تنبت البقول وأشباهها. وقد عارض الإِمام ابنُ كثير فى تفسيره رأىَ ابن جرير فقال : وهذا الذی قاله - أی ابنُ جریر - فیه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار، کما روی عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك، لأن موسى - عليه السلام - يقول لهم: هذا الذى سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير فى أى بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوى مع دناءته (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٤. (٢) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ١ ص ٢٣٤. (٣) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٣. ٣ K ١٥٢ المجلد الأول وكثرته فى الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال : ﴿أُتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ أى ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم (١). وبذلك يظهر لنا أن ابن كثير - رحمه الله - يرى أن المراد بالمصر مكان غير معين وأن موسى - عليه السلام - لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين. بطرين، والله - تعالى - يكره من كان كذلك، وأن قول موسى - عليه السلام - لهم ((اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم)) من باب التوبيخ والتجهيل لهم، إذ ليس حينئذ بلد قويب يستطيعون الوصول إليه. هذا، والذى نرجحه فى هذا المقام هو ما ذهب إليه الإِمام ابن كثير لما يأتى : أولا : أن القراءة بالتنوين متواترة، وابن جرير نفسه لم يجوز القراءة بغيرها، وهذه القراءة المتواترة، نص فى أن المراد من مصر، أى بلد كان، لا مصر فرعون، ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون، وذلك لأن الأمصار التى تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر، فليس من المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهى بعيدة عن مكانهم بعدًا شاسعًا، ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون. ثانيًا : لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره، بل الثابت أن بنى إسرائيل خرجوا من مصر، وأمروا بعد خروجهم بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين ولكنهم أبوا طاعة نبيهم - عليه السلام - فعذبوا بالتيه أربعين سنة لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولعصيانهم أمر نبيهم وماتوا جميعًا فى التيه، وبقى أبناؤهم فامتثلوا أمر الله - تعالى - وهبطوا إلى الشام. وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون. ثالثًا : ليس فى الآية ما يشعر بأن موسى - عليه السلام - طلب من ربه أن يجيبهم إلى : رغبتهم فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإِشارة؟ رابعًا: دخولهم فى التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين، ليدخلوا الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم. فالتيه والحالة هذه كان بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه، كما يشعر بذلك قوله تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض﴾ فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة. وبناء على ذلك يكون الأمر فى قول موسى لهم : ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ للتهديد والتوبيخ والتجهيل. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠٢. ! ١٥٣ سورة البقرة ثم بين - سبحانه - العقوبات التى حلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى : ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله﴾: ضرب الذلة والمسكنة عليهم كناية عن لزومهما لهم، وإحاطتهما بهم، كما يحيط السرادق بمن بداخله . قال صاحب الکشاف : (جعلت الذلة محيطة بهم، مشتملة علیھم، فھم فیھا کمن یکون فى القبة من ضربت عليه، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة)(١). وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم، بظاهر جسم آخر بشدة، يقال: ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق . والذلة : على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلة، والمراد بها الصغار والهوان والحقارة . والمسكنة: مفعلة من السكون، ومنها أخذ لفظ المسكين، لأن الهم قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض، لما به من الفاقه والفقر، والمراد بها فى الآية: الضعف النفسى، والفقر القلبى الذى يستولى على الشخص، فيجعله يحس بالهوان، مهما يكن لديه من أسباب القوة. والفرق بينها وبين الذلة. أن الذلة هوان تجىء أسبابه من الخارج، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو. أما المسكنة فهى هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وتوارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه المسكنة، ويجعلها كالطبيعة الثابتة فى الشخص المستذل. ولقد عاش اليهود قرونًا وأحقابًا مستعبدين لمختلف الأمم، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفًا نفسيًا جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة، بل إنهم ليفضلون الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضًا من أغراض الدنيا، ومهما كثر المال فى أيديهم، فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسى وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير. وقوله تعالى: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ بيان لسوء عاقبتهم فى الآخرة ومبالغة فى إهانتهم وتحقيرهم، فهم فى الدنيا أذلاء حقراء، وفى الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم القبيحة . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٧ . ١٥٤ المجلد الأول قال ابن جرير - رحمه الله - يعنى بقوله تعالى ﴿وباءوا بغضب من الله﴾: انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه باء فلان بذنبه يبوء بوأ وبواء، ومنه قوله تعالی : ﴿إنی أريد أن تبوء بإثمی وإثمك﴾ یعنی تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دونى، فمعنى الكلام إذا. ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط(١). وقال صاحب الكشاف: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ من قولك باء فلان بفلان، إذا كان حقيقًا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأنه، أى صاروا أحقاء بغضبه(٢). ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة والمسكنة واستحقاقهم غضب الله وسخطه، فقال تعالى : ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والجملة الكريمة استئناف بيانى جواب عن سؤال تقديره : لم فعل بهم كل ذلك؟ فكان الجواب، فعلنا بهم بسبب جحودهم لآيات الله، وبسبب قتلهم لأنبيائه، وخروجهم عن طاعته؛ ومجاوزتهم حدودهم والآيات تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربوبيته، وتطلق ويراد بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - وهى التى يسميها علماء التوحيد المعجزات، وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات، ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع ﴿يكفرون﴾. وقوله تعالى: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ أى ويقتلون أنبياء الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين، ولقد قتل اليهود - فيمن قتلوا من الأنبياء - زكريا وابنه يحى - عليهما السلام - لأنهما أبيا الانقياد وراء شهواتهم وأهوائهم. وقال - سبحانه - ﴿بغير الحق) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدًا، لإِفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه، ﴿أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ فهذا القيد المقصود به الاحتجاج علیھم بأصول دینهم وتخلید مذمتهم، وتقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم، أو تأول فى الحكم، أو شبهة فى الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٥. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٧. ١٥٥ سورة البقرة قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهًا يستحقون به للقتل عندهم))(١). وقال الإِمام الرازى: ((فإن قيل: قال هنا ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ وقال فی آل عمران ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾ فما الفرق؟ قلت. إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ((كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق)) فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه، لا هذا الذى يعرفه المسلمون ولا غيره البتة))(٢). ثم قال تعالى: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. العصيان : الخروج عن طاعة الله. والاعتداء : تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. وللمفسرين فى مرجع الإِشارة ((ذلك)) رأيان : أحدهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، وعليه يكون المعنى : إن هؤلاء اليهود قد مرنوا على عصيانهم لخالقهم، وتعديهم حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله - تعالى - وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة. والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى وارتكاب المناهى، وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها، ومن حقيرها إلى عظيمها، لأن هؤلاء اليهود لما استمرأوا المعاصى وداوموا على تعدى الحدود، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا، فكذبوا بآيات الله تكذيبًا وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق. والثانى : يرى أصحابه أن اسم الاشارة الثانى يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإِشارة الأول، وتكون الحكمة فى تكرار الإِشارة هو تمييز المشار إليه حرصًا على معرفته ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم لغضب الله - تعالى - (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٧.". (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٣٩٠. ١٥٦ المجلد الأول كما بينا، والإِشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾. والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم لحدودنا. وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة العليا من حسن الترتيب، فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم بآياته، ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء، وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم فى سوق الأحكام، مشفوعة بعللها وأسبابها. وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بجحود النعم، وسوء الأدب وحمق التفكير، وهوان النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغى على أنفسهم وعلى غيرهم، وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث فى كل زمان ومكان. وبعد أن بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم الله، وكفرهم بآياته - أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب. فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَُْهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ففى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس : أما الفرقة الأولى: فهى فرقة الذين آمنوا، والمراد بهم الذين آمنوا بالنبى وَّر، وصدقوه. وابتدأ القرآن بهم للإشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك، كما قال - تعالى - : ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وأما الفرقة الثانية : فهى فرقة الذين هادوا، أى: صاروا يهودًا، يقال: هاد وتهود، أى دخل فى اليهودية، وسموًّا يهودًا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب - بقلب الذال دالا فى ١٥٧ سورة البقرة التعریب - أو سموًّا يهودا حین تابوا من عبادة العجل، من هاد يهود هودا بمعنی تاب. ومنه (إنا هدنا إليك) أى: تينا. والفرقة الثالثة : هى فرقة النصارى، جمع نصران بمعنی نصرانى، کندامی وندمان والياء فى نصرانى للمبالغة، وهم قوم عيسى - عليه السلام - قيل سموًا بذلك لأنهم كانوا أنصارًا له، وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة وهى القرية التى كان عيسى - عليه السلام - قد نزلها. وأما الفرقة الرابعة: فهى فرقة الصابئين جمع صابىء، وهو الخارج من دين إلى دين، يقال : صبًّا الظلف والناب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع. والمراد بهم الخارجون من الدين الحق . إلی الدین الباطل، وهم قوم يعبدون الكواكب أو الملائكة، ويزعمون أنهم علی دین صابىء بن شيث بن آدم. وذكر القرآن الصابئة فى هذا المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا. لينبه على أن الإِيمان الصحيح والعمل الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح. حتى ولو سبق له أنه بلغ فى الكفر والفجور أقصى غاياته. والإِيمان المشار إليه فى قوله - تعالى -: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾. الخ، يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى بمعنى صدور الإِيمان منهم على النحو الذى قرره الدين الحق، فمن لم تبلغه منهم دعوة الإِسلام، وكان ينتمى إلى دين صحيح فى أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذى يرشده إليه دينه، فله أجره على ذلك عند ربه . أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛ فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها، لأن الشريعة الإسلامية قد نسخت ما قبلها والرسول وَ﴿ يقول: ((لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعى)). ويفسرونه - أى الإِيمان - بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا .. ﴾ على أنه بمعنى الثبات والدوام والإذعان، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى -: ﴿وعمل صالحًا﴾ على قوله ﴿آمن﴾ مع مشاركة هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على "الإِيمان والعمل الصالح من ثواب جزيل، وعاقبة حميدة. وبعض العلماء يرى أن معنى ﴿من آمن﴾ أى: من أحدث من هذه الفرق إيمانًا بالنبى وله وبما جاء من عند ربه، قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب فى دين الإِسلام، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته فى وقت من الأوقات. ١٥٨ المجلد الأول ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . الأجر: الجزاء على العمل، وسمى الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجرًا على سبيل التفضل. منه . وقال: ﴿عند ربهم﴾ ليدل على عظم الثواب، لأن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيمًا، ولأن المجازى لهم هو ربهم المنعوت بصفات الكرم والرحمة وسعة العطاء. والمعنى : إن هؤلاء الذين آمنوا بالله عن تصديق وإذعان، وقدموا العمل الصالح الذى ينفعهم يوم لقائه، هؤلاء لهم أجرهم العظيم عند ربهم، ولا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون، ولا يفوتهم نعيم، فيحزنون عليه كما يحزن المقصرون. ثم واصل القرآن حديثه مع بنى إسرائيل، فذكرهم بنعمة شمول الله إياهم برحمته وفضله رغم توليهم عن طاعته ونقضهم لميثاقه فقال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلُوَرَ خُذُ واْ مَآ ءَ اتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْ كُرُواْمَافِيهِ لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ ﴿١، ثُمَّتَوَلَّيْتُمْمِن بَعْدِ ذَلِكٌ فَلَوَلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٦٤ اْخَسِرِينَ قال ابن جرير: ((وکان سبب أخذ المیثاق علیھم فیما ذكره ابن زید، ما حدثنی به یونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بنى إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، وأمره الذى أمركم به ونهيه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فیقول: «هذا کتابی فخذه)) فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى: قال فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا جميعًا، قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال : أى شىء أصابكم؟ قالوا : متنا جميعًا، ثم حيينا؛ ١٥٩ سورة البقرة قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم : أتعرفون هذا؟ قالوا نعم، هذا الطور. قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، قال : فأخذوا بالميثاق. قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق))(١). ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا - يا بنى إسرائيل - لتعتبروا وتنتفعوا وقت أن أخذنا عليكم جميعًا العهد بأن تعبدوا الله وحده، وتتبعوا ما جاءكم به رسله، وتعملوا بما فى التوراة، واذكروا كذلك وقت أن رفعنا فوق أسلافكم الطور تهديدًا لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا أوامر الله، وليشهدوا آية من آيات الله الدالة على قدرته، وقلنا لكم جميعًا. خذوا ما آتيناكم فى كتابكم من تکالیف بجد وعزم واجتهاد، واذكروا ما فيه وتدبروه وسيروا على هديه لتتقوا الهلاك فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، ولكن الذى حصل منكم جميعًا أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم، فتركتم تعاليم كتابكم وآذيتم أنبياءكم، ولولا أن الله - تعالى - رأف بكم، ووفقكم للتوبة، وعفا عن زلاتكم، لكنتم من الهالكين فى دنياكم وآخرتكم. وقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من أمثال النعم الواردة فى الآيات السالفة، لأن أخذ الميثاق عليهم ليعملوا بما فى التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها. وقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ أى: أعليناه، وجعلناه فوق رءوسكم كالمظلة. والطور : اسم للجبل الذی ناجی علیه موسی ربه - تعالی - کان بنو إسرائيل بأسفله فرفع فوق رءوسهم. وقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ مقول لقول محذوف، دل عليه المعنى، والتقديرُ: وقلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، أى: تمسكوا به، واعملوا بما فيه يجد ونشاط، وتقبلوه، واجتنبوا نواهيه، واعملوا ما جاء به بدون تردد. والمراد ((بما آتيناكم)) التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى لتكون هدى ونورًا لهم. وقوله تعالى: ﴿واذكروا ما فيه﴾ أى احفظوه وتدبروه وتدارسوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، واعملوا بكل ما جاء فيه بلا تعطيل لشىء منه. قال الإِمام القرطبى: ((وهذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان - فحسب -، فقد روى النسائى عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - أن رسول الله أَالآتى ، قال: ((إن من أشر الناس رجلا فاسقًا يقرأ القرآن، لا يرعوى إلى شىء منه))(٢). (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٢٤. - (٢) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٣٤٧ .. ١٦٠ المجلد الأول و((لعل)) فى قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ إما للتعليل، فيكون المعنى: خذوا الكتاب بجد وعزم، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة، لتتقوا الهلاك فى عاجلتكم وآجلتكم، وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين، فيكون المعنى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه، وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين. وقوله تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ بيان لنقضهم وإعراضهم عن العمل بالميثاق الذى أخذ عليهم، ونبذوه خلف ظهورهم. والمشار إليه بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أخذ الميثاق عليهم، وقبول ما أوتوه من الكتاب، والمعنى : ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتى بعد أخذ الميثاق علیکم، ومشاهدتكم للآيات التى تستكين لها القلوب؛ لأن قلوبكم كالحجارة أو أشد قسوة. وقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ تصريح بما حباهم به - سبحانه - من رأفة بهم، وقبول لتوبتهم، وعفو عن خطيئاتهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إنكم بإعراضكم عن طاعتى، ونقضكم لعهدى، وإهمالكم العمل بكتابى، وعدم تأثركم بآياتی ونذرى، قد استحققتم غضبى وعذابى، ولكن حال دون حلولهما بكم. فضلى الذى تدارككم ورحمتى التى وسعتكم، ولطفى وإمهالى لكم، ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين فى دنياكم وآخرتكم، بسبب ما اجترحتم من نقض ميثاقكم وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى بما كان من أسلافهم من جحود النعمة، ونقض للعهد، وفى هذا التذكير تحذير لهم من السير على طريقتهم، ودعوة لهم إلى الدخول فى الإِسلام واتباع محمد آلات . ثم ذكرهم - سبحانه - بسوء عاقبة الذين اعتدوا منهم فى السبت، وحذرهم من أن بنهجوا نهجهم فقال - تعالى - : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُالَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنَّكُمْ فِ السَّبْتِ ، فَجَعَلْنَهَا نَكلًا لِّمَا ٦٥ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْقِرَدَةً خَسِتِينَ! بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ٦٦ الاعتداء: مجاوزة الحد، يقال: اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم. والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم، وأصل السبت - كما قال ابن جرير - الهدوء