النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة البقرة
إسرائيل- عليه السلام - الذى هو أصل عزهم، ومنشأ تفضيلهم لتحيى الشعور بالكرامة فى
نفوسهم، ولتغرس الإِحساس بالشرف فى مشاعرهم، ولتحملهم على الترفع عن الدنايا؛ لأن
الذى يشعر أنه من منبت كريم تعاف نفسه الحقد والكذب والصغار، ثم جاءت الآية الثانية
فأرشدتهم إلى أن التقوى هى سبب السلامة والفوز، وحذرنهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم
بأن انتسابهم إلى أولئك الآباء لن يغنى من الله شيئًا يوم الجزاء، وإنما الذى ينفعهم فى ذلك اليوم
هو اتباع تعاليم الإِسلام، التى أتى بها النبى - عليه الصلاة والسلام - وفى ذلك ما فيه من كبح
غرورهم، وإبطال ظنونهم.
ثانيا : نعمة إنجائهم من عدوهم :
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليله الشأن، هى نعمة إنجائهم من عدوهم فقال تعالى :
وَإِذْ نَّنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُوقَّكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ
يُذَ بِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِي ◌َالِكُمْ بَلَآءٌ
٤٩
مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى: ﴿اذكروا نعمتى﴾ فى الآية السابقة، من باب عطف
المفصل على المجمل: أى: اذكروا نعمتى، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون.
وإذ: بمعنى وقت، ((وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو اذكروا أى: اذكروا وقت
أن نجيناكم، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث.
وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه، ويطلق غالبًا على أولى الخطر والشأن من الناس،
فلا يقال آل الحجام أو الإِسكاف.
وفرعون : اسم لملك مصر كما يقال لملك الروم قيصر، ولملك اليمن تبع ويسومونكم : من
سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه مالا يطيق.
والابتلاء: الامتحان والاختبار، ويكون فى الخير والشر، قال - تعالى - ﴿ونبلوكم بالشر
والخير فتنة﴾(١).
. والمعنى : اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق
(١) سورة الأنبياء الآية ٣٥.

١٢٢
المجلد الأول
العذاب وأصعبه، ويبغونكم مافيه إذلال لكم واستئصال لأعقابكم، وامتهان لكرامتكم،
حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون نفوس نسائكم، وفى ذلكم العذاب، وفى
النجاة منه امتحان لكم بالسراء لتشكروا، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الإذلال فى
الدنيا، والعذاب فى الأخرى.
قال الإِمام الرازى - رحمه الله - ما ملخصه : واعلم أن الفائدة فى ذكر هذه النعمة - أى
نعمة إنجائهم من عدوهم - يتأتى من وجوه أهمها :
١ - أن هذه الأشياء التى ذكرها الله - تعالى - لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من
جهة الملوك والظلمة، صار تخليص الله - عز وجل - لهم من هذه المحن من أعظم النعم،
وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم، وشاهدوا ذل من بالغ فى إذلالهم، ولا شك فى
أن ذلك من أعظم النعم، وعظم النعمة يوجب المبالغة فى الطاعة والبعد عن المعصية، لذا ذكر
الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة، وليقطع عذرهم.
٠ ٢ - أنهم لما عرفوا أنهم كانوا فى نهاية الذل. وكان عدوهم فى نهاية العز، إلا أنهم كانوا
محقين، وكان خصمهم مبطلا، لا جرم زال ذل المحقين، وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى يقول
لهم : لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة مركزكم، ولا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم، فإن
الحق إلى جانبهم. ومن كان الحق إلى جانبه، فإن العاقبة لابد أن تكون له) اهـ(١)
وخوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا فى زمن النبى ◌َ﴿ ومع أن هذا الإتجاء كان
لأسلافهم، لأن فى نجاة أسلافهم نجاة لهم، فإنه لو استمر عذاب فرعون للآباء لأفناهم،
ولما بقى هؤلاء الأبناء، فلذلك كانت منة التنجية تحمل فى طياتها منتين، منة على السلف
لتخليصهم مماكانوا فيه من عذاب ومنة على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها، فكان من الواجب
عليهم جميعًا أن يقدروا هذه النعمة قدرها، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذى أنجاهم من
عدوهم. ولأن الإِنعام على أمة يعتبر إنعامًا شاملا لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك الإِنعام
ومن لم يصبه. ولأن الآثار التى تترتب عليه كثيرا ما يرثها الخلف عن السلف، ولأن فى إخبارهم
بذلك تصديقًا للنبى - عليه الصلاة والسلام - فيما يبلغه عن ربه، فقد أخبرهم بتاريخ من
مضى منهم بصدق وأمانة، وفى ذلك دليل على أنه صادق فى نبوته ورسالته.
وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه
على أن حاشيته وبطانته كانت عونًا له فى إذاقتهم سوء العذاب، وإنزال الإِذلال والاعنات بهم.
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٣٦٠.

١٢٣
سورة البقرة
وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود - وهو فى ظاهره خير - لأن هذا الإِبقاء
عليهن، كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن واستعمالهن فى الخدمة بالاسترقاق. فبقاؤهن
كذلك بقاء ذليل وعذاب أليم، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الطيبة.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: (فى ذبح الذكور دون الإِناث مضرة من وجوه :
أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال، وذلك يقتضى انقطاع النسل، لأن النساء إذا
انفردن فلا تأثير لهن البتة فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعًا.
ثانيهما : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت
إذا انقطع عنها تعهد الرجال. لما قد تقع فيه من نكد العيش بالانفراد. فصارت هذه الخطة
عظيمة فى المحن، والنجاة منها تكون فى العظم بحسبها.
ثالثها : أن قتل الولد عقب الحمل الطويل، وتحمل التعب، والرجاء القوى فى الانتفاع به،
من أعظم العذاب، فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة.
رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات
الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان) (١).
وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء فى قوله تعالى: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ الأطفال
دون البالغين، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث
أنهم كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشافة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال،
لما قامت أم موسى بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح.
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال، لأن لفظ الأبناء هنا جعل فى
مقابلة النساء، والنساء هن البالغات.
والذى نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الإِنجاء، حيث كان أهل
فرعون يقتلون الصغار قطعًا للنسل، ويسترقون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون الرجال
للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت.
وقد جاءت جملة ﴿يذبحون أبناءكم﴾ فى هذه الآية الكريمة بدون عطف وجاءت فى سورة
إبراهيم معطوفة بالواو(١). لأنها هنا بيان وتفسير لجملة ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ فيكون
(١) تفسير الفخر الرازى جـ١ ص٣٥٨.
(٢) آية سورة إبراهيم هى قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من
آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾.
الآية ٦.

١٢٤
المجلد الأول
المراد من سوء العذاب هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء.
وأما فى سورة إبراهيم. فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التى حلت ببنى إسرائيل، فكان
المراد بجملة ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ نوعًا منه، والمراد بجملة ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ نوعًا
آخر من العذاب، لذا وجب العطف، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى وإنما هى تمثل
- نوعا آخر من المحن التى حلت بهم.
هذا، وقد تكرر تذكير بنى إسرائيل بنعمة إنجائهم من عدوهم فى مواضع متعددة من القرآن
الكريم، وذلك لجلال شأنها، ولحملهم على الطاعة والشكر.
١ - من ذلك قوله تعالى فى سورة الأعراف: ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء
العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾(١).
٢ - وقوله تعالى فى سورة طه : ﴿يا بنى إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب
الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل
عليكم غضبى، ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى * وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم.
اهتدى﴾(٢).
فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هى فى معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من أجل نعم
الله عليهم، حيث أنجاهم - سبحانه - ممن أراد لهم السوء، وعمل على قتلهم وإبادتهم
واستئصال شأفتهم، وفى ذلك ما يدعوهم إلى الاجتهاد فى شكر الله - عز وجل - لو كانوا ممن
يحسنون شكر النعم.
ثالثا : نعمة فرق البحر بهم.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الانجاء وتجلى فيها إكرام
الله لهم، وهى نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى :
وَإِذْفَرَقْنَابِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنِجَيِّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ
وَأَنْتُمْ نَنْظُونَ
٥٠
والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل من جملة نعمنا عليكم، نعمة فرق البحر بكم، وانفصاله
بعد اتصاله، حين ضربه موسى بعصاه، فأصبحت فيه طريق يابسة فولجتموها، وسرتم فيها
(٢) الآيات ٨٠ - ٨٢.
(١) الآية ١٤١ .

١٢٥
سورة البقرة
هربًا من فرعون وجنده؟ بذلك تمت لكم النجاة، وحصل الغرق لأعدائكم، وقت أن عبروا
وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه، مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض. ولقد كان
فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ، ويحمل على الشكر الجزيل الله العزيز الرحيم.
فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون وقومه، وملخصها :
أن الله - عز وجل أوحى إلى نبيه - موسى - عليه السلام - أن يرحل ببنى إسرائيل ليلا من
أرض مصر التى طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين، ونفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به
الله - تعالى - وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض الشام، فتبعهم بجيش كبير،
وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر الأحمر، وأيقن بنو إسرائيل عندما رأوه أنه
مهلكهم لا محالة. ولجأوا إلى موسى - عليه السلام - يشكون إليه خوفهم وفزعهم، ولكنه رد
عليهم بقوله : ﴿إِن معى ربي سيهدين﴾ وأوحى الله إليه ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ فضربه
﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ وأمر موسى - عليه السلام - بنى إسرائيل أن يعبروا
فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى. واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا فى إدراكهم
وعندما عبر بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة، كان فرعون وجنده ما زالوا
بين فرقى البحر، فاطبق عليهم وعاد كما كان أولا، فغرقوا جميعًا، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم
فى دهشة وسرور.
وأسند - سبحانه - فرق البحر إلى ذاته الكريمة. ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم
بعنايته، وقوله تعالى: ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون﴾ بيان للمنة العظمى التى امتن بها
عليهم، والتى ترتبت على فرق البحر، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران.
أولهما : نجاتهم.
وثانيهما : إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة.
والإِيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية
له، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، وهو زعم لا سندله ولا دليل
علیه .
واقتصرت الآية هنا علی ذکر إغراق آل فرعون أی جنده وأنصاره، وصرحت آیات أخری
بغرقه مع آله، من ذلك قوله تعالى: ﴿فأغرقناه ومن معه جميعًا﴾(١) وقوله تعالى: ﴿فأخذناه
(١) سورة الإسراء الآية ١٠٣.

١٢٦
المجلد الأول
وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم﴾(١) ومن تمام النعمة أن الله - تعالى - أهلك مع فرعون كل
مناصر له :
وقوله تعالى ﴿وأنتم تنظرون﴾ أى: أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم بأعينكم، فكان
ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم، وأبلغ فى الشماتة به، وأرجى لشكر النعمة - ولا شك أن
مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى، ومعاينته
لا نفراق البحر فيها تقوية لإيمانه، وتثبيت ليقينه، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : (اعلم أن هذه الواقعة - أى واقعة فلق البحر - تضمنت
نعمًا كثيرة على بنى إسرائيل فى الدين والدنيا، أما نعم الدنيا فمن وجوه :
أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا فى موقف حرج، لأن فرعون وجنوده من ورائهم
والبحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم، وإن هم تقدموا أغرقوا.
فحصل لهم خوف عظيم، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم.
ثانيها : أن الله - تعالى - خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريمًا ورعاية لهم.
ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب، وتم لهم الأمن والاطمئنان، وذلك
نعمة عظمى، لأنهم لونجوا دون هلاك فرعون لبقى خوفهم على حاله، فقد يعود لتعذيبهم
مستقبلا، لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبنى إسرائيل.
أما نعم الدين فمن وجوه :
أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة. زالت عن قلوبهم الشكوك
والشبهات، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى، تقترب
من العلم الضرورى.
ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيًا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم.
ثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله، فإنه لاعز فى الدنيا أكمل مما كان لفرعون،
ولا ذل أشد مما كان لبنى إسرائيل، ثم إن الله - تعالى - فى لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا،
والذليل عزيزًا، والقوى ضعيفًا، والضعيف قويًا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق
الدنيا، والإِقبال كلية على اتباع أوامر الخالق - عز وجل -(٢).
هذا، ونعمة فرق البحر لبنى إسرائيل، وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها فى القرآن،
... -
(١) سورة الذاريات الآية ٤٠.
(٢) تفسير الرازى بتصريف جـ ١ ص ٣٦٠.

٦
سورة البقرة
١٢٧
من ذلك قوله تعالى فى سورة الشعراء : ﴿فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون.
قال كلا إن معى ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل
فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا
الآخرين﴾(١)
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أجل النعم - وهى نعمة فرق
البحر بهم - لكى يشكروا خالقهم عليها، ويتبعوا نبيه محمدًا وَ ر ولكنهم ما قاموا بواجب
الشكر لخالقهم، فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والعقوبة فى الآخرة، جزاء جحودهم وطغيانهم
وما ربك بظلام للعبيد.
رابعًا : نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل :
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهى عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم
وعبادتهم لغيره، فقال تعالى :
وَإِذْ وَ عَدْنَا مُوسَىّ
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
ث ◌ُمَّ عَفَوْنَا عَنَّكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٢
المواعدة : مفاعلة من الجانبين، وهى هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى -
لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدًا لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو وأبى
جعفر (وعدنا). وقيل: المفاعلة على بابها، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه
السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان
الوعد حاصلا من الطرفين.
وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا
من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه، فوعده - سبحانه - أن يعطيه
التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقى
التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسدًا له خوار فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى
(١) الآيات من ٦١ - ٦٥.

١٢٨
المجلد الأول
بما كان من قومه بعد فراقه، فرجع إليهم غاضبًا حزينًا، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة
إلا بقتل أنفسهم، فلما فعلوا ذلك عفا الله تعالى عنهم لكى يشكروه، ويلتزموا الصراط
المستقيم .
ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد
انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدتم العجل فى غيبتة،
ولا شك أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادة غير الله، ويوضعكم الأمور فى غير مواضعها، ومع هذا
فلم نعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا توبتكم، وعفونا عنكم، لتكونوا من الشاكرين الله تعالى.
وهذا التذكير يحمل فى طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر
والجهالة، حيث عبدوا فى غيبة نبيهم ما هو مثال فى الغباوة والبلادة وهو العجل.
وفى اختيار حرف العطف (ثم) المفيد للتراخى الرتبى فى جملة ﴿ثم اتخذتم العجل من
بعده﴾ إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل، وأن ما ارتكبوه هو من
عظائم الأمور فى القبح والمعصية وحذف المفعول الثانى لاتخذتم وهو ((إلهًا أو معبودًا لشناعة ذكره
ولعلمهم بأنهم اتخذوه إلهًا.
وقوله تعالى: ﴿من بعده﴾ معناه: من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم. وفى
ذلك زيادة تشنيع عليهم، حيت وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب
عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله فى غيبة نبيهم لاسيما وقد رأوا من
المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوى الإِيمان ويغرس فى القلوب الطاعة لله تعالى.
وجملة ﴿وأنتم ظالمون) حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل معبودًا، مقرونًا
بالتعدى والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإِشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا.
وقوله تعالى ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون﴾ معناه ثم تركنا معاجلتكم
بالعقوبة، ومحونا ذنوبكم، لتوبتكم من بعد اتخاذكم العجل معبودًا من دون الله، رجاء أن
تشكروا خالقكم على عفوه عنكم وتستعملوا نعمه فيما خلقت له وتتبعوا رسوله وله .
وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان، ما يدل على غباء بنى إسرائيل وقصر نظرهم. لأنهم
اتخذوا العجل إلهًا بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم، كما تضمنتا تسلية للرسول والده
عما كان يشاهده من اليهود المعاصرين للدعوة الإِسلامية، فكأنه سبحانه يقول: إن ما قام به بنو
إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعل ما يشبهه آباؤهم الأقدمون مع نبيهم موسى -
عليه السلام - فلقد اتخذوا فى غيبته عجلا جسدًا له خوار دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم.
ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ظالمين.
٠٠

١٢٩
سورة البقرة
خامسا : نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم.
ثم ذكرهم - سبحانه - بتعمة خامسة فيها صلاح أمورهم، وانتظام شئونهم ألا وهى إعطاء
نبيهم موسى - عليه السلام - التوراة، فقال تعالى :
وَ إِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
٥٣
ومعنى الآية الكريمة : اذكروا بابنى إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه السلام -
التوراة، وفيها الشرائع والأحكام، لكى تهتدوا بها إلى طريق القلاح والرشاد فى الدنيا، وإلى
الفوز بالسعادة فى الآخرة.
فالمراد بالكتاب التوراة التى أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للعهد.
والفرقان - بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل، استعير لتمييز الحق من الباطل؛
وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوى المنزل من عند الله كما فى قوله تعالى ﴿تبارك الذى
نزل الفرقان على عبده﴾(١) كما يطلق على المعجزة كما فى قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى وهارون
الفرقان﴾(٢) أى المعجزات لأن هارون لم يؤت وحيًا.
والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير.
قال ابن جرير ما ملخصه : (وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبي العالية
ومجاهد، من أن الفرقان الذى ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى فى هذا الموضع، هو الكتاب الذى
فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون تأويل الآية حينئذ.
وإذ آتينا موسى التوراة التى كتبناها له فى الألواح، وفرقنا بها بين الحق والباطل .. فيكون
الكتاب نعتًا للتوراة، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان
من نعتها)(٣).
وقوله تعالى: ﴿لعلكم تهتدون﴾ بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة؛ لأن إتيان موسى
الكتاب والفرقان، المقصود منه هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
ولكن ماذا كان موقف بنى إسرائيل من التوراة التى أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم؟ كان
٠٫٠
(١) سورة الفرقان الآية ١.
(٢) سورة الأنبياء الآية ٤٨.
(٣) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٨٥ طبعة الحلبى ..
٠

١٣٠
المجلد الأول
موقفهم منها - كما هى عادتهم - موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها
فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك، وشبههم فى
تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها، بالحمار الذى يحمل كتب العلم ولكنه لا يدرى
ما فيها .
فقال تعالى فى سورة الجمعة : ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل
أسفارا. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله. والله لا يهدى القوم الظالمين﴾(١).
. حملوا التوراة: أى علموها وكلفوا العمل بها، ثم لم يحملوها : أى: لم يعملوا بها ولم ينتفعوا
بما اشتملت عليه. والأسفار: جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء.
ومعنى الآية الكريمة : مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم
لم يعملوا بها، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدرى ما فيها، ولا يناله من حملها
. إلا التعب، بئس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التى تشهد بصدق النبى وَلآ ،
وتذر صفاته التى لا تنطبق إلا عليه، وقد جرت سنة الله - تعالى - فى خلقه ألا يهدى إلى طريق
الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين، لأنهم استحيوا العمى على الهدى، وباعوا دينهم بدنياهم.
قال صاحب الكشاف: ((شبه الله - تعالى - اليهود فى أنهم حملة التوراة وقراؤها، وحفاظ
.. ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها نعت رسول الله وَلخر والبشارة
به، ولم يؤمنوا به - شبههم بالحمار يحمل أسفارًا، أى: كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشى
بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل، فهذا مثله
وبئس المثل))(٢).
وقال الإِمام ابن القيم: ((شبه الله - تعالى - من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به
ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم
ولا اتباع له، ولا تحكيم لنصوصه - شبهه - بحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدرى ما فیھا،
وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التى
على ظهره، فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل
القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه، ولم برعه حق رعايته))(٣).
(١) الآية ٥.
: (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٧٥ .
(٣) أعلام الموقعين لابن القيم (نقلا عن تفسير القاسمى) جـ ١٦ ص ٨٥.

١٣١
سورة البقرة
ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة، وجعلها نورًا وهدى لهم، ولكنهم
تركوها، ولم يعملوا بما فيها، واستحبوا العمى على الهدى، ﴿فباءوا بغضب على غضب
وللكافرين عذاب مهين﴾.
سادسا: (نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم) :
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليلة، وهى إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم،
وإخبارهم بقبول توبتهم، فقال تعالى :
وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم
يَ تَخَذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيَّكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
٥٤
والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل - لتنتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال موسى لقومه الذين
عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيدًا عنهم : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى
الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى - فإذا أردتم التكفير عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم توبة
صادقة نصوحًا، واقتلوا أنفسكم لتنالوا عفو ربكم، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإِقامة
على المعصية، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم؛ لأنه هو الذى يقبل التوبة عن عباده على كثرة
ما يصدر عنهم من ذنوب؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه الواضح.
وفى نداء موسى - عليه السلام - لهم بقوله: ((ياقوم)) تلطف فى الخطاب ليجذب قلوبهم إلى
سماعه، وليحملهم على تلقى أوامره بحسن الطاعة، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم
منه، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم، وإنما يريد لهم الخير.
والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب، فهو أخص من الخالق، ولذا
قال تعالى: ﴿هو الخالق البارئ المصور﴾.
وفى هذا التعبير الحكيم، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذى أحسن كل شىء
خلقه، وفيه أيضًا تقريع لهم على غباوتهم، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض، وعبدوا ٦
، عجلا ضرب به المثل فى الغباوة فقالوا ((أبلد من ثور)) فكأنه - سبحانه - يقول لهم: لقد
اتخذتم هذا العجل إلهًا لتشابهكم معه فى البلادة وضيق الأفق.
-----.

١٣٢
المجلد الأول
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت :
البارئ هو الذى خلق الخلق بريئًا من التفاوت، ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت﴾ ومتميزًا
بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك
عبادة العالم الحكيم الذى برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت
والتنافر إلى عبادة البقر التى هى مثل فى العباوة والبلادة، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله
ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا
النعمة فى ذلك، وغمطوها بعبادة مالا يقدر على شىء منها)) هـ(١)."
وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى
تکون توبتهم مقبولة، وهذا الأمر بلغه موسی إیاهم عن ربه، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن
وحى لأنه تشريع من الله - تعالى -.
والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه، فيكون المعنى: ليقتل
بعضكم بعضًا، كما فى قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله
مباركة طيبة﴾ أى فليسلم بعضكم على بعض
وقيل : المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقيًا حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير
الله، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقى منهم على
قيد الحياة كرما منه وفضلا، وهذا هو معنى التوبة فى قوله تعالى ((فتاب عليكم))، ومعنى العفو
فى قوله تعالى: فى الآية السابقة ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون﴾.
وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيرًا من الآثار التى تحدثت عن كيفية حصول هذا
القتل، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عياس، أنه قال: ((قال تعالى لموسى: إن توبة
عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل فى
ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون، ما اطلع الله على ذنوبهم
فاعترفوا بها. وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله القاتل والمقتول))(٢).
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: ((لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا
ومعهم موسى، فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا فتروا أتاه
بعضهم، فقال له : يا نبى الله ادع الله لنا، وأخَذوا بعضديه يشدون يديه. فلم يزل أمرهم على
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٤٠.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٢.

١٣٣
سورة البقرة
ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدى بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى
وبنو إسرائيل للذى كان من القتل فيهم، فأوحى الله - جل ثناؤه - إلى موسى. ﴿لا تحزن﴾
أما من قتل فحى عندى يرزق، وأما من بقى، فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو
إسرائيل))(١).
وجملة ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ تعليلية، جىء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة
لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - واسم الإشارة ﴿ذلكم﴾ يعود إلى التوبة والقتل المفهومين
مما تقدم .
وقال ﴿عند بارئكم﴾ ولم يقل عنده، لأن فى هذا التكرير حملا للمخاطبين على التفكير
والتذكير والطاعة، وإشعارًا لهم بأن عبادة من برأهم وذرأهم وخلقهم فى أحسن تقويم، خير
لهم فى دنياهم وأخراهم.
وجملة ﴿فتاب عليكم﴾ جواب الشرط محذوف للإِيجار، أى فامتثلتم ما أمرتم به، فقيل
البارى توبتكم، وهى خطاب من الله - تعالى - لبنى إسرائيل على لسان موسى، فيه تذكير
بنعمته، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم.
وعطفت هذه الجملة ﴿فتاب عليكم﴾ بالفاء، لإشعارهم بأنه - سبحانه - لم يتركهم
ليستأصلوا أنفسهم جميعًا بالقتل، تجل تداركهم بلطفه ورحمته، فقبل توبتهم، ورفع عقوبة القتل
عمن بقى منهم.
وقوله تعالى: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ إخبار وثناء على الله - تعالى - بما هو أهله من عفو
ورحمة. وأكدها - سبحانه - لتنزيلهم منزلة من يشك فى قبول توبته، لعظم جريمتهم وضخامة
خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد فى طريق الشيطان.
وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله - تعالى - لطف بهم،
ورحمهم، وقبل توبتهم، وعفا عن قتلهم أنفسهم، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم فى
توبتهم، كما تضمنت - أيضًا - تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى بنعم الله عليهم،
لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدوا هم، وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة
الشريعة التي أتى بها محمد * وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول فى الإِسلام لأنه إذا كان
آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإِسلام تقول لهم: لقد جاءكم النبى
الذى رفع عنكم إصركم والأغلال التى كانت على أسلافكم، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون.
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٨٦ طبعة الحلبى.

١٣٤
المجلد الأول
سابعًا: نعمة بعثهم من بعد موتهم :
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة،
وهذه النعمة تتجلى فى بعثهم من بعد موتهم، فقال تعالى :
وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْ مِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
فَأَخَذَتْكُمُ الْضَعِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٥، ثُمَّبَعَثْنَكُمْ مِنْ
٥٦
بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
جهرة : فى الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة لما بينهما من
الاتحاد فى الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول فى المسموعات والثانى فى المبصرات.
والصاعقة : - كما قال ابن جرير - ((كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير
من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل. صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زلزلة أو
رجفة، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقًا وهو حى غير ميت، قوله - تعالى - :
﴿وخر موسى صعفًا﴾ يعنى مغشيًا عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشى عليه وصعق
ميتًا، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال: ﴿سبحانك تبت إليك .. ﴾(١).
وأصل البعث فى اللغة : إثارة الشىء من محله، وتحريكه بعد سكون ومنه : بعث فلان
الناقة : إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإِيقاظ، كما ورد فى قصة أهل الكهف
﴿فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عددًا. ثم بعثناهم ... ﴾ أى: أيقظناهم.
ويستعمل - أيضًا - بمعنى الإِحياء. وهو المراد فى الآية التى معنا، بدليل قوله تعالى: ﴿من
بعد موتکم﴾.
ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم، وتعنتم فى
الطلب، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك، ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله
عياًا وعلانية، فيأمرنا بالإِيمان بك، وبما جئت به، فأخذتكم العقوبة التى صعقتكم - بسبب
جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها بعيونكم، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من
(١) ابن جرير جـ ١ ص ٢٩٠ طبعة الحلبى.

١٣٥
سورة البقرة
بعد أن أخذتكم الصاعقة، لكى تشكروا الله على نعمه التى من جملتها إعادتكم إلى الحياة من
بعد موتكم.
قال الإِمام ابن جرير: ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف آبائهم. وسوء استقامة
أسلافهم مع أنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن
بالتصديق معها النفوس، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع
ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهًا غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة
يقولون : ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾. وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال:
﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ ومرة يقال لهم: ﴿قولوا حطة وادخلوا الباب
سجدًا نغفر لكم خطاياكم﴾ فيقولون حنطة فى شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم، مع.
غير ذلك من أفعالهم القبيحة التى يكثر إحصاؤها، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم بهذه
الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهرانى مهاجر رسول الله وَ ر أنهم لن يعَّدوا أن
يكونوا فى تكذيبهم محمدًا وَّر وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم
قصصهم فى ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتمردهم على نبيه موسى - عليه السلام -
تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلائه عليهم(١).
والقائلون لموسى - عليه السلام - : ﴿لن نؤمن لك حتى نری الله جهرة﴾ یری جمهور
المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه، وقد وردت
آثار تؤيد هذا الرأى.
من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس فى قوله تعالى : ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ أنه
قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. وقالوا : اطلب لنا ربك لنسمع كلامه.
قال: سمعوا كلاما، فقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ قال: فسمعوا صوتًا
فصعقوا یقول : ماتوا، فذلك قوله : ﴿ثم بعثناکم من بعد موتکم﴾ فبعثوا من بعد موتهم، لأن
موتهم ذلك عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم.
وقال ابن كثير: الذين قالوا لموسى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ المراد بهم السبعون المختارون منهم
ولم يجك كثير من المفسرين سواه.
وقيل : إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل بدون تحديد هؤلاء
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٦٨.

١٣٦
المجلد الأول
السبعين، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال فى تفسير هذه الآية. ((قال لهم
موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل. فأمرهم
بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال لهم موسى: (إن هذه الألواح فيها كتاب الله
فيه أمركم الذى أمركم به، ونهيكم الذى نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله
حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابى فخذوه، فما له لا يكلمنا
كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾؛ قال:
فجاءت غضبة من الله - تعالى -، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة. فصعقتهم فماتوا جميعًا. قال :
ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قوله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم
تشكرون﴾. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا لا، فقال: أى شىء أصابكم؟ فقالوا :
أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال: خذوا كتاب الله، قالوا لا، فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل
فوقهم)(١).
قال الإِمام ابن كثير: (وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا ثم قال : وقد حكى
الماوردى فى ذلك قولين :
أحدهما: أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثانى : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف(٢).
وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكلیفهم، لأن بنى إِسرائيل قد
شاهدوا أمورًا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون؛ وهذا واضح، والله
أعلم)(٣).
وقال ابن جرير: ((ولا خبر عندنا بصحة شىء مما قاله من ذكرنا قوله فى سبب قيلهم ذلك
لموسى تقوم به حجة، فنسلم لهم، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لاخبر بذلك
تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال : إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى
أنهم قالوا له ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ كما أخبر عنهم أنهم قالوه ... )»(٤)
وفی ندائهم لنبيهم باسمه «یا موسی) سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب علیھم،
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٩٤.
(٢) تفسير ابن كثير ص ٩٤.
(٣) تفسير ابن كثير ص ٩٤.
(٤) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٢٩٣ طبعة الحلبى.

١٣٧
سورة البقرة
أن يقولوا له : يا رسول الله أو يا نبى الله، من الصفات التى تشعر بصفات التعظيم والتوقير،
وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردًا فى كثير من المواطن.
ومن أدب الصحابة مع الرسول وسير أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر
الله - تعالى - فى قوله: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾.
وقولهم : ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ دليل على تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم
بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانًا، فإن لم يروه
داخلهم الشك فى صدق نبيهم.
وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية
المنامية، أو العلم القلبى، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم.
وقوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من
مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب.
وجملة ﴿وأنتم تنظرون﴾ تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفی مشاهدتها رعب
وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان
فى حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم فى أن ينالوا ما ليس من حقهم.
والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة فى الدنيا، وأنهم علقوا
إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض
تعنت وعناد منهم، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله
- تعالى - ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة.
وجملة ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ هى محل النعمة والمنة، وهى معطوفة على قوله تعالى
﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زمانًا نتصور فيه
المهلة والتأخير.
والمراد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى - عليه السلام - استجابة
لدعائه .
وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوى، من محاربة
الدعوة الإِسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها؛ وفيهما أيضًا
تسلية للنبى و ﴿ عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم،
وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون.
:

١٣٨
المجلد الأول
ثامنًا : نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم :
ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين، وهما
تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى، فقال تعالى :
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ
الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
الغمام : جمع غمامة، وهى السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.
والمن : اسم جنس لا واحد من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط على
الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.
والسلوى : اسم جنس جمعى، واحدته سلواة، وهر طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد،
يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء، فيمسكونه قبضًا بدون تعب.
وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، كان فى مدة تيههم بين مصر والشام المشار
إليه بقوله - تعالى - ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض﴾.
قال السدى: ((لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى - عليه السلام - كيف لنا بما هاهنا،
أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه
السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا
سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله - تعالى - موسى أن يضرب بعصاه الحجر
فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا : هذا الشراب فأين
الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. فقالوا : هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم
كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم توب، فذلك قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا
عليكم المن والسلوى .. ﴾.
ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة إظلالكم بالغمام
وأنتم فى التية ليقيكم حر الشمس، وحرارة الجو، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى
·بدون تعب منكم فى تحصيله لهلكتم، وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذى

١٣٩
سورة البقرة
رزقكم هذه النعم، ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شىء، لأن
الخلق جميعًا لن يبلغوا ضرى فيضرونى ولن يبلغوا نفعى فينفعونى.
فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى : ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون﴾.
وقوله تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾ معطوف على محذوف، أى فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر.
ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير، وأن جملة ﴿وما ظلمونا﴾ معطوفة على ما قبلها لأنها
مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل .
والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة ﴿كانوا﴾ والفعل المضارع ﴿يظلمون﴾ يدل على أن
ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول فى ذم إنسان كان يسىء إلى الناس إلا إذا
كانت الإِساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى.
قال الإِمام ابن جرير - رحمه الله - فى تفسير قوله تعالى : ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون﴾ ما ملخصه: (هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه، وذلك أن معنى
الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم،
وما ظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك، وقوله ﴿وما ظلمونا﴾ أى: ما ظلمونا بفعلهم ذلك
ومعصيتهم، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم
وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص،
ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل، بل نفسَه
يظلم الظالم وحظّها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل)(١).
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهى تظليلهم
بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ولكن بنى إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه، ولذا أرسل
الله عليهم رجزًا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم.
تاسعًا : نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما رعوها حق
رعايتها - وهى تخليصهم من عناء التيه، والإِذن لهم فى دخول بلدة يجدون فيها الراحة والهناء،
وإرشادهم إلى القول الذى يخلصهم مما استوجبوه من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى :
(١) تفسير ابن جرير جـ١ ص٣٩٧، ٣٩٨

١٤٠
المجلد الأول
وَإِذْ قُلْنَا أَدْ خُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا
وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا
(٥٨
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَنْزَّلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ
السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٥٩
القرية: هى البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها بيت المقدس على الراجح.
والرغد : الواسع من العيش الهنىء، الذى لا يتعب صاحبه، يقال : أرغد فلان : أصاب
واسعًا من العيش الهنىء.
الحطة : من حط بمعنى وضع، وهى مصدر مراد به طلب حط الذنوب
قال صاحب الكشاف: (حطة) فعلة من الحط كالجلسة. وهى خبر مبتدأ محذوفٍ،, أى
مسألتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى
الثبات .. )(١).
والمعنى : اذكروا يا بنى إسرائيل - لتتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت
المقدس بعد خروجهم من التية، وأبحنالهم أن يأكلوا من خيراتها أكلا هنيئًا ذا سعة وقلنا لهم :
ادخلوا من بابها راكعين شكرًا لله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين
إليه - سبحانه - بأن يحط عنكم ذنوبكم، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول
القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم، وزدنا المحسن منهم خيرًا جزاء إحسانه،
ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوا أوامره، فبدلوا بالقول الذى أمرهم الله به قولا آخر أتوا به من
عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا
يفسقون.
قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله - : (وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع.
بن نون - عليه السلام - وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٢١٦