النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة
على ذلك فى القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل : كانت شجرة البر، وقيل كانت شجرة
العنب. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به(١).
ثم بين القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال: ﴿فأزلها الشيطان عنها فأخرجهما مما
كانا فيه﴾ أى: اذهبهما عن الجنة بكذبه عليهما ومقاسمته أنه لهما من الناصحين.
وأزل من الإِزلال وهو الإِزلاق : زل يزل زلا وزللا، أى : زلق فى طين أو منطق، والاسم
الزلة. وأزله غيره واستزله: أى أزلقه. أطلق وأريد به لازمه وهو الإِذهاب.
وقرىء ﴿فأزالهما﴾ أى: نحاهما من الإِزالة، تقول أزلت الشىء عن مكانه إزالة. أى:
نحيته وأذهیته عنه.
ثم استعمل هذا اللفظ فى ارتكاب الخطيئة كما استعمل فى خطأ الرأى مجازًا. والضمير فى
قوله : ﴿عنها﴾ يعود إلى الشجرة، ومعنى أزلهما عن الشجرة أوقعهما فى الزلة بسببها.
والتعبير بقوله: ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ أبلغ فى الدلالة على فخامة الخيرات التى كانا
يتقلبان فيها مما لو قيل: فأخرجهما من النعيم أو من الجنة لأن من أساليب البلاغة فى الدلالة
على عظم الشىء أن يعبر عنه بلفظ مبهم كما هنا. لكى تذهب نفس السامع فى تصور عظمته
وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.
ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فى قوله: ﴿فأخرجهما﴾ من قبيل نسبة الفعل إلى
ما كان سببًا فيه، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذى ترتب عليه إخراجها من الجنة إنما وقع
بسبب وسوسة الشيطان لهما.
وقوله - تعالى - ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ الخطاب فيه لآدم وحواء، وإبليس،
وقيل الخطاب لآدم وحواء ونسلهما.
والهبوط : النزول من أعلى إلى أسفل ضد الصعود. يقال: هبط يهِط ويهبط أى: نزل من
علو إلى سفل.
والعداوة معناها التناكر والتنافر بالقلوب.
أى: قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين متباغضين، يبغى بعضكم على
بعض .
وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أن أُمِر بالسجود له فأبى وامتنع وقال : أنا
خير منه.
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٥٢١.

١٠٢
المجلد الأول
وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإِغراء وفى هذه الجملة
الكريمة إرشاد لآدم وذريته، ونهى لهم عن اتباع خطوات الشيطان، لأنه عدو لهم، ومن شأن
العدو أنه يسعى لمضرة عدوه.
قال - تعالى - : ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من
أصحاب السعير﴾.
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾.
المستقر: موضع الاستقرار والثبات، وهو مقابل القلق والاضطراب، والمتاع: اسم لما
يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة وأنس وغير ذلك، مأخوذ من متع النهار متوعًا إذا
ارتفع، ويطلق على الانتفاع الممتد الوقت.
والحين : الجزء من الزمان غير محدد بحد، والمراد به هنا وقت الموت أو يوم القيامة.
والمعنى : انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو؛ ولكم فيها منزل وموضع استقرار. وتمتع
بالعيش إلى أن يأتيكم الموت.
ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره فى الأرض وتمتعه بنعيمها سينتهى فى وقت،
لا يدرى متى يدركه، فشأنه أن ينتفع بخيراتها ويتمتع بطيب العيش فيها، وهو مقبل على العمل
لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملذات
هذه الحياة ومظاهر زينتها.
ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العفو والمغفرة من ربه فقال: ﴿فتلقى آدم من ربه
كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾.
التلقى فى الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل بمعنى أخذ الشىء وقبوله، تقول : تلقيت
رسالة من فلان. أى أخذتها منه وقبلتها.
والكلمات : جمع كلمة، وهى اللفظة الموضوعة لمعنى، وأرجح ما قيل فى تعيين هذه
الكلمات، ما أشار إليه القرآن فى سورة الأعراف بقوله :
﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.
والتوبة فى أصل اللغة معناها : الرجوع، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية
إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى - كما فى هذه الآية - كان معناها قبول التوبة، فالعبد يتوب عن
المعصية، والله يتوب على العبد أى: يقبل توبته.
وجملة ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ واردة مورد التعليل لقوله: ﴿فتاب عليه﴾.

١٠٣
سورة البقرة
والتواب وصف له - تعالى - من تاب، أى: قبل التوبة، وجاء التعبير بصيغة فعّال،
للإشعار بأنه كثير القبول للتوبة من عباده، وليدل على أنه يقبل توبة العبد وإن وقعت بعد ذنب
يرتكبه ويتوب منه ثم يعود إليه بعد التوبة ثم يتوب بعد العودة إليه توبة صادقة نصوحًا.
وبعد أن أخبر القرآن فى الآيات السابقة أن الله - تعالى - قد أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط
من الجنة، نراه بعد ذلك قد أعاد خبر الأمر بالهبوط فقال :
﴿قلنا اهبطوا منها جميعًا، فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم
يحزنون﴾ .
وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذى يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط
أولا ليعلق عليه معنى؛ هو كون بعضهم لبعض عدوًّا.
ثم قصة ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل لحال المخاطبين،
وانقسامهم إلى مهتدين وضالين.
والفاء فى قوله ﴿فإما﴾ لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط
المفهوم من قوله : ﴿اهبطوا﴾ .
و﴿إما﴾ هى إن الشرطية دخلت عليها ((ما)) لإفادة التوكيد، ويغلب على فعل شرطها أن
يكون مؤكدًا بالنون وأوجب بعضهم ذلك.
والهدى من الله معناه الدلالة على ما هو حق وخير بلسان رسول، أو بآيات كتاب.
وقد صرح - سبحانه - بأن الهدى صادر منه بقوله: ﴿منى هدى﴾ ثم أضافه إلى نفسه
بقوله : ﴿هداى﴾ للإيذان بتعظيم أمر الهدى؛ وأنه أحق بأن يتبع، ويتخذ سبيلا لطمأنينة
النفس فى الدنيا، والفوز بالسعادة فى الأخرى.
والخوف : الفزع وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله.
والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب.
ومعنى ﴿لا خوف عليهم﴾ أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع، ولا ينتابها ذعر،
كما أن قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ ينفى عنهم الاغتمام لفوات مطلوب أو فقد محبوب.
ونفى الخوف والحزن ورد فى الآية على وجه الإطلاق، وظاهره أن المهتدين لايعتريهم الخوف
ولا الحزن فى دنياهم ولا فى آخرتهم، ولكن قوله - تعالى- فيما يقابله من جزاء الكافرين ﴿أولئك
أصحاب النارهم فيها خالدون﴾، يرجح أن يكون المراد نفى الخوف والحزن فى الدار الآخرة.

١٠٤
المجلد الأول
ونفى الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب وفوزهم
بالنعيم الخالد فى الجنة، فتمت المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله
- تعالى - :
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
إذ هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ﴿فمن تبع هدای﴾. إلخ، وواردة مورد
المقابل له فى تفصيل أحوال من يأتيهم الهدى من الله.
ولم يقل : والذين لم يتبعوا هداى أولئك أصحاب النار .. وإنما قال: ﴿والذين كفروا وكذبوا
بآياتنا أولئك .. ﴾ إلخ، وذلك لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير
المكلفين مثل الصبيان وفاقدى العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله :
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا .. ﴾ جىء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من
أصحاب النار والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم.
والآيات : جمع آية، وهى فى الأصل العلامة، وتستعمل فى الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما
يستدل به على وجود الله وتوحيده، من نحو بدائع مصنوعاته ومظاهر عنايته بالإِنسان.
وأضاف - سبحانه - الآيات إلى نفسه فقال: ﴿بآياتنا﴾ ليكون قبح التكذيب بها أظهر،
وأتى بنون العظمة فقال (بآياتنا) دون أن يقول ((بآياتى)) لبعث المهابة فى نفوس السامعين، وذلك
أدعى إلى تلقى الوعيد باهتمام وخشية.
وأصحاب : جمع صاحب مأخوذ من الصحبة، وهى الاقتران والملازمة، ودل بقوله: ﴿هم
فيها خالدون﴾ على أن صحبتهم للنار دائمة، وليست من الصحبة التى تستمر مدة ثم تنقطع .
هذا جانب من قصة آدم كما حكاه القرآن فى هذه السورة، ومن الحكم التى تؤخذ منها : أن
سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من العلم، وأن فضل العلم النافع
فوق فضل العبادة، وأن روح الشر الخبيثة إذا طغت على نفس من النفوس، جعلتها لا ترى
البراهين الساطعة، ولا يوجهها إلى الخير وعد، ولا يردعها عن الشر وعيد.
كما يستفاد منها كيف أن الرئيس يفسح المجال لمرؤسيه المخلصين، يجادلونه فى أمر يريد
قضاءه، ولا يزيد عن أن يبين لهم وجهة نظره فى رفق، وإذا تجاوزوا حدود الأدب اللائق به
راعى فى عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب، وتلقى أوامره بحسن الطاعة.
كما يؤخذ منها أن المتقلب فى نعمة يجب أن يحافظ عليها بشكر الله، ولا يعمل عملا فيه
مخالفة لأوامر الله؛ لأن مخالفة أوامر الله، كثيرًا ما تؤدى إلى زوال تلك النعمة ، ومن أراد أن
تزداد النعم بين يديه، فعليه أن يلتزم طاعة الله وشكره.

١٠٥
سورة البقرة
وقال بعض العلماء : وقد يتبادر إلى الذهن أن آدم قد ارتكب ما نهى عنه، ارتكاب من
يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، مع أنه من الأنبياء المرسلين، والرسل
معصومون من مخالفة أوامر الله.
والجواب عن ذلك أن آدم تعمد الأكل من الشجرة، ناسيًّا النهى عن الأكل منها، وفعل
المنهى عنه على وجه النسيان لا يعد من قبيل المعاصى التى يرتكبها الشخص وهو متذكر أنه
يرتكب محرمًا، إذ أن ارتكاب المحرم عن علم وتذكر هو الذى يجعل مرتكبه مستحقًّا للعقاب،
والأنبياء معصومون من ذلك.
وإذا عاتب الله بعض الأخيار من عباده عل ما صدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم
بالنهى يدعوهم إلى أن يقع النهى من نفوسهم موقع الاهتمام، بحيث يستفظعون مخالفته
استفظاعًا يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع فى بلائها.
فالذى وقع من آدم - عليه السلام - هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم فى استحضار النهى
وجعله نصب عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهى عنه غير متعمد للمخالفة، قال -
تعالى - :
﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزمًا﴾.
هذا، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعًا بنعم الله عليهم، ليحملهم بذلك على
إخلاص العبادة له، وتصديق رسوله وير فيما جاء به، ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار
فضله على الملائكة، بعد كل ذلك اتجه إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبى
وَ* وهم بنو إسرائيل، استمالة لقلوبهم نحو الإِيمان بالله، وكسرا لعنادهم ولجاجتهم، فقال -
تعالى - :
يَنِىّ إِسْرَِّ يلَ اذْكُرُ واْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْبِعَهْدِىّ
أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّىَ فَرْهَبُونٍ ، وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ
مُصَدِّ قًالِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْأَوَّلَ كَافِيِةٍ، وَلَ تَشْتَرُواْبِتَابَتِى
ثَمَنَا قَلِيلًاً وَ إِنَىَ فَاتَّقُونِ ، وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ
وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿، وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ
٤٣

١٠٦
المجلد الأول
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم - عليهم السلام - وفى إضافتهم إلى أبيهم
إسرائيل تشريف لهم وتكريم، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ونواهيه، فكأنه قيل : يا بنى
العبد الصالح، والنبى الكريم، كونوا مثل أبيكم فى الطاعة والعبادة.
ويستعمل مثل هذا التعبير فى مقام الترغيب والترهيب، بناء على أن الحسنة فى نفسها حسنة
وهى من بيت النبوة أحسن، والسيئة فى نفسها سيئة وهى من بيت النبوة أسوأ، ففى هذا
النداء. خير داع لذوى الفطر السليمة منهم إلى الإقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة،
واستعمالها فيما خلقت له.
ومعنى ﴿اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم﴾ تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التى
أتتكم على سبيل الإِحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، فإن
التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها.
والمراد بالنعمة: المنعم بها عليهم، وتجمع على نعم، وقد وردت فى القرآن الكريم بمعنى
الجمع كما فى قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ فإن لفظ العدد والإحصاء قرينة
على أن المراد بالنعمة : النعم الكثيرة. ويبدو أن المراد بالنعمة فى الآية التى معنا كذلك النعم
المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة، وعلماء البيان يعدون استعمال
المفرد فى معنى الجمع - اعتمادًا على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية.
ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدى أوف
بعهدكم﴾ العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كاليمين والوصية وغيرهما، ويضاف إلى المعاهِد
والمعاهد جميعًا، يقال: أوفيت بعهدى، أى بما عاهدت غيرى عليه، وأوفيت بعهدك، أى
بما عاهدتنى عليه، وعهد الله: أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، واجتناب
ما نهى عنه، ويندرج فيه كل ما أخذ على بنى إسرائيل فى التوراة، من اتباع محمد رَّ متى
بعث، والإِيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه.
والمعنى: وأوفوا بما عاهدتمونى عليه من الإِيمان بى، والطاعة لى، والتصديق برسلى، أوف
بما عاهدتكم عليه من التمكين فى الأرض فى الدنيا والسعادة فى الآخرة.
ثم أمرهم - سبحانه - بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده، فقال - تعالى - : ﴿وإیای
فارهبون﴾ أى: خافون ولا تخافوا سواى، ولتكن قلوبكم عامرة بخشيتى وحدى، فإن ذلك
يعينكم على طاعتى، ويبعدكم عن معصيتی.
وحذف متعلق الرهبة للعموم، أى ارهبونى فى جميع ما تأتون، وما تذرون، حتى لا أنزل

١٠٧
سورة البقرة
بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعدًا
ووعيدًا وترغيبًا وترهيبًا.
٠٠٠٠
﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾.
وبعد أن أمر الله - عز وجل - بنى إسرائيل، أن يوفوا بعهده عمومًا أتبع ذلك بأمرهم بأن
يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفى التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه، وتفخيم لأمره.
وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن يؤمنوا به مع إندراجه فى قوله - تعالى - ﴿وأوفوا بعهدى﴾
للإشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به.
والمراد بما معهم التوراة، والتعبير عنها بذلك للإِشعار بعلمهم بتصديقه لها. والمعنى : آمنوا
يا بنى إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد ل وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوراة، ومن
مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها، من الأمر بتوحيد الله - تعالى -
والحث على التمسك بالفضائل، والبعد عن الرذائل، وإخباره بما جاء بها من الإِشارة إلى بعثة
النبى وَلّ، ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموافقته لها فى أصول الدين الكلية،
وهيمنته عليها، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لوكان موسى حيًّا ما وسعه
إلا اتباعى ))(١).
وفى إخبار بنى إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم، إثارة لهممهم لو كانوا
يعقلون - للإقبال عليه، متدبرين آياته، حتى تستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإصلاح المؤدية
إلى السعادة فى الدنيا والآخرة وحتى تطمئن قلوبهم إلى أن الإِيمان به معناه الإِيمان بما معهم،
والكفر به، كفر بما بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - رَلو - المنزل عليه
القرآن الكريم.
قال الإِمام الرازى: (وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبى - 98 - من وجهين :
أولهما: أن الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها لا تكون إلا حقًّا
وثانيهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد أخبرهم عما فى كتبهم بدون معرفة سابقة لها،
وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحى (٢).
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإِيمان الخالص، عرض بهم لتكذيبهم وجحوهم، فقال
- تعالى -: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ أي: لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر
بالقرآن الكريم، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من الواجب
(١) رواه الإمام أحمد فى مسنده عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما -
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤٣٠

١٠٨
المجلد الأول
عليكم أن تسارعوا إلى الإِيمان به لأنكم أدرى الناس بأنه من عند الله، وأكثرهم علمًا بأنه
الرسول الذى نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق الأمين فيما يبلغه عن ربه.
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، تبكيتهم على مسارعتهم فى الكفر، واستعظام وقوع
الجحود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل.
قال الإِمام الرازى : (هذه الجملة خطاب لبنى إسرائيل قبل غيرهم فكأنه - سبحانه - يقول
لهم: لا تكفروا بمحمد، فإنه سيكون بعدكم كفرة، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأولية
موجبة لمزيد الإِثم، وذلك لأنهم إذا سُبقوا إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا، فإن
اقتدى بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم،
اجتمع عليهم أمران : السبق إلى الكفر؛ والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة، وتؤدى إلى العاقبة
الوبيلة)(١).
ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم، فقال - تعالى -: ﴿ولا تشتروا بآياتى ثمنًا قليلا﴾.
والاشتراء هنا استعارة للاستبدال، والذى استبدل به الثمن القليل هو الإِيمان بالآيات، والمراد
بالآيات: البراهين المؤيدة لصدق النبى و ﴿ وفى مقدمتها القرآن الكريم والتوراة.
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه، وما إلى ذلك
من الأمور التى خافوا ضياعها لواتبعوا الرسول ◌َليفر .
والمعنى : لا تستبدلوا بالإِيمان بما أنزلت مصدقًا لما معكم شيئًا من حطام الدنيا، ولا تختاروا
على ثواب الله بديلا من الأموال، فإنها مهما كثرت فهى قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو
الإِيمان الخالص من رعاية ضافية فى الدنيا، وخيرات حسان فى الأخرى.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة
للثمن المحصل بالآيات؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنیا بجانب رضا
الله - عز وجل - .
ونزل تمكينهم من الإِيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإِيمان كان فى
حوزتهم، ولكنهم خلعوه ونبذوه، مستبدلين الذى هو أدنى بالذي هو خير؛ فباءوا بغضب على
غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التى بشرت بالرسول - عليه الصلاة والسلام -.
ثم حذرهم - سبحانه - من التمادى فى الكفر بما أنزل، مصدقًا لما معهم، فقال - تعالى -
((وإياى فاتقون)) الاتقاء معناه الحذر، يقال: فلان اتقى الله أى حذر عقابه وبطشه، والحذر من
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤٣٢ بتصرف وتلخيص.

١٠٩
سورة البقرة
عقاب الله، يستلزم امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمعنى ((وإياى فانقون)) آمنوا بى، واتبعوا
الحق وأعرضوا عن الباطل.
وبعد أن نهى القرآن الكريم بنى إسرائيل عن الكفر والضلال، عقب ذلك بنهيهم عن أن
يعملوا لإِضلال غيرهم، فقال - تعالى -: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل، وتكتموا الحق وأنتم
تعلمون﴾.
اللبس - بفتح اللام - الخلط، وفعله: ليس، من باب : ضرب تقول: لبَست عليه الأمر،
ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله، وحقه بباطله.
ولدعاة الضلالة طريقتان فى إغواء الناس :
إحداهما : طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهى المشار إليها بقوله
تعالى : ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾.
والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهى المشار إليها بقوله تعالى:
﴿وتكتموا الحق﴾.
وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإِسلام، فقد كان بعضهم يؤول
نصوص كتيهم الدالة على صدق النبى - سير - تأويلا فاسدًا، يخلطون فيه الحق بالباطل،
ليوهموا العامة أنه ليسٍ هو النبى المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبهًا، ليوقع
ضعفاء الإِيمان فى حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبى
وَلجر، والتى لا توافق أهواءهم وشهواتهم، فنهاهم الله - تعالى - عن هذه التصرفات الخبيثة.
والمعنى : ولا تخلطوا الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول
السليمة، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم، إرضاء لأهوائكم، ولا تكتموا الحق الذى
تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم، بغية انصراف الناس عنه ((لأن من جهل شيئًا عاداه ، فالنهى
الأول عن التغيير والخلط، والنهى الثانى عن الكتمان والإخفاء.
وقوله تعالى: ﴿وأنتم تعلمون﴾ جملة حالية، أى وأنتم من ذوى العلم، ولا يناسب من كان
كذلك أن يكتم الحق، أو يلبسه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل - وهو لبس الحق بالباطل، أو
کتمانه وإظهار الباطل وحده - یعد من كبائر الذنوب، فإن وقعہ یکون أقبح، وفساده أکبر،
وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم، يميز بين الحق والباطل.
ففى هذه الجملة الكريمة بيان لحال بنى إسرائيل، المخاطبين بهذا النهى، وتبکیت لهم، لأنهم
١
لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار على سلوك هذا الطريق المعوج.
:

٠١١٠
المجلد الأول
قال أبو حيان فى البحر: ((وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد فى النهى عن اللبس
والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشىء
لا يدرى كونه حقًّا أو باطلا، وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها،
أفحش من الإِقدام عليها مع الجهل(١).
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بأصل الدين الذى هو الإيمان به وبرسوله محمد ێ أردفه
بركنين من أركانه العملية، إذا قاموا بهما لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية
الله وحده، فقال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ والمراد بإقامة
الصلاة، أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها لمستحقيها كاملة
غير منقوصة.
٧
والمعنى: عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة، التى هى أعظم العبادات
البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التى هى أعظم العبادات المالية، وأن تخضعوا لما يلزمكم فى دين
الله - تعالى - لأن فى محافظتكم على هذه العبادات تطهيرًا لقلوبكم، وتأليفًا لنفوسكم، وتزكية
لمشاعركم، ولأنكم إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله - تعالى - فسيلحقكم الخزى فى الدنيا،
والعذاب فى الأخرى.
هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من
توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان فى تفسيره، فقد قال - رحمه الله - :
((وفى هذه الجمل - وإن كانت معطوفات بالواو التى لا تقتضى فى الوضع ترتيبًا - ترتيبٌ
عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة
التى أنعمها عليهم، إذ فى ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد
الذى التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم فى الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم
بالخوف من نقمه إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف
من العصيان. ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب فى ذلك بأنه
مصدق لما معهم، فليس أمرًا مخالفًا لما فى أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى
المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك
بالنهى عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمرًا بترك الضلال،
والنهى عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركًا للإِضلال.
(١) تفسير ((البحر المحيط)) لأبي حيان جـ ١ ص ١٨٠، مطبعة السعادة سنة ١٣٢٧ هـ.

١١١
سورة البقرة
ولما كان الضلال ناشئًا عن أمرين :
إما تمويه الباطل حقًّا، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن
كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود
العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة
أكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له -
تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف
اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام
يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهى، وإن كانت خاصة
ببنى إسرائيل فى الصورة، إلا أنها عامة فى المعنى، فيجب على كل مكلف فى كل زمان ومكان أن
يعمل بها))(١).
وبعد كل هذه الأوامر والنواهى، وبخهم الله - تعالى - وقرعهم على ارتكابهم لأمور
لا تصدر عن عاقل. وهى أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فقال تعالى:
أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
٤٤
الأمر: طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. والنسيان : ضد
الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل : يطلق على قوة فى النفس، تستعد بها
لقبول العلم. وإدراك الشىء.
والمعنى : كيف يليق بكم يا معشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات الفضائل، وألوان
الخيرات، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون به غيركم، وأنتم مع ذلك تقرأون
توراتكم، وتدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا عقل لكم يحبسكم
عن هذا السفه الذى ترديتم فيه، ويحذركم من سوء عاقبته؟
قال ابن عباس - رضى الله عنهما - كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره، ولذى
قرابته، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين أثبت على الذى أنت عليه، وما يأمرك به هذا
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ١٨١ مطبعة السعادة: الطبعة الأولى سنة ١٣٣٢ هـ.
م

١١٢
المجلد الأول
الرجل - يريدون محمدًا بَ - فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه(١).
والمراد بالنسيان فى الآية الكريمة، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم، لأن الناسى حقيقة
ليس مؤاخذا على مانسيه، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد الوارد فى الآية الكريمة، ولیس.
التوبيخ متوجها إلى كونهم كانوا يأمرون الناس بالبر، لأنه فعل محمود، وإنما التوبيخ متوجه إلى
كونهم تركوا العمل بما يرشدون إليه سواهم، فهم يداوون الناس، وقلوبهم مليئة بالأمراض
والعلل.
وقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ مزيد تقبيح لشأنهم، ذلك أن قراءتهم لكتبهم أبطلت
اعتذارهم بالجهل الذى قد يتشبث به بعض الفاسقين على أمر الله عند ما ينكر الناس عليهم
فسوقهم .
وفى قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ أسمى أنواع الهداية والإِرشاد السليم، فإن من ألطف
الأساليب فى الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه إليه النصح صفة من شأنها أن تسوقه إلى
خير، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة،
فيذكر له مسدى النصح تلك الصفة فى معرض الاستفهام بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى
مع ما عرف عنه.
وتطبيقًا لهذا المبدأ نقول: إن المخاطبين بقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ يعقلون ويدركون
الأشياء، وبهذا الإِدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى
مالديهم من عقول، حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه -
سبحانه - يقول لهم : إن ما أتيتم من أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى
تردد بأنكم لا عقول لكم، ولا فضيلة لديكم، وفى هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب فى فعل
الخير؛ والترهيب من فعل الشر.
ولما كانت الأمور التى كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة. فقد
أرشدهم إلى الوسائل التى تقوى عزائمهم، وتطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال
تعالى :
وَأَسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ إِلََّ عَلَى ◌ْخَشِينَ
﴿﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَّهُم مُّلَقُواْرَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ١
(١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٣٦٥: طبعة دار الكتب سنة ١٢٤٥ هـ (سنة ١٩٢٥ م).

١١٣
سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ الاستعانة: طلب المعونة، والصبر حبس النفس
على ما نكره. يقال: صبر على الطاعة. أى حبس نفسه عليها متحملا ما يلاقيه فى أدائها من
مشاق وصبر عن المعصية. أى كف نفسه عما تنزع إليه من أهواء.
والمعنى : واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم
من قبول الإِسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التى تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات،
وبفريضة الصلاة التى تنهاكم عن الفحشاء والمنكر.
قوله تعالى : ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ كبيرة: أى صعبة شاقة. يقال كبر الشىء إذا
شق وثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ أى ثقل وصعب -
والخاشعين: من الخشوع وهو فى الأصل اللين والسهولة ((ومعناه فى الآية الكريمة. الخضوع
والاستكانة لله تعالى، والضمير فى - إنها - للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من
الصبر، والاستثناء مفرغ. أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين.
والمعنى : إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى
لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح فى الدنيا، والسعادة فى الآخرة، ولأنهم يجدون عند
أدائها اغتباطًا وسرورًا يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص.
قال الإِمام الرازى: ((فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فيجب أن
يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول؟ قلنا: ليس المراد أن الذى
يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل فى الصلاة
جوارحه وقلبه، ولا يغفل فيها؛ وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم.
وإنما المراد بقوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾. أى ثقيلة على غير الخاشع؛ لأنه لا يعتقد فى فعلها
ثوابًا، ولا فى تركها عقابًا، فيصعب عليه فعلها، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة فى
أدائها ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد فى
فعلها أعظم المنافع، وفى تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها وهو سعيد بها، ألا
ترى إلى قول الرسول وَله: ((جعلت قرة عينى فى الصلاة)) وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل
عليه .
ثم وصف - سبحانه - الخاشعين وصفًا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال -
تعالى -: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون).
الظن : يرد فى أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى
حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو المراد هنا؛ ومثل ذلك قوله - تعالى - ﴿ألا يظن

١١٤
المجلد الأول
أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ أى ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى:
﴿إنى ظننت أنى ملاق حسابيه﴾ أى علمت أنى ملاق حسابيه.
وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل.
والمعنى: إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين، الذين يعتقدون لقاء الله - تعالى - يوم
الحساب، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم.
قال ابن جرير - مرجحًا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين -: ((إن قال لنا قائل : وكيف
أخبر الله - تعالى - عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك،
والشاك فى لقاء الله كافر؟ قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظنًّا: والشك ظنًّا؛ نظير
تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخًا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك
من الأسماء التى يسمى بها الشىء وضده، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن
الصمة: (فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج ... ).
يعنى بذلك : تيقتوا أن ألفى مدجج تأتيكم، ثم قال : والشواهد من أشعار العرب وكلامها
على أن الظن فى معنى اليقين أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفق فى فهمه كفاية، ومنه قوله ...
تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ وعن مجاهد قال: ((كل ظن فى القرآن
فهو علم))(١).
والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقى، وهو الاعتقاد الراجح، فسروا «ملاقاة
الخاشعين لربهم)) بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة ((ورجوعهم إليه)) بمعنى حلولهم بجواره
الطيب، واستقرارهم فى جناته، أى: وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون
قربهم من ربهم، ودخولهم جناته عند رجوعهم إليه.
وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف، فقد قال: (فإن قلت: مالها لم تثقلُ على
الخاشعين والخشوع فى نفسه مما يثقل؟ قلت : لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها
فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ أى يتوقعون لقاء
ثوابه، ونیل ما عنده ويطمعون فيه)(٢).
وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظنًا لا يقينًا، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون
(١) تفسير ابن جزير جـ ١ ص ٢٦٢ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٣٤.

١١٥
سورة البقرة
سوى علام الغيوب، ففى وصفهم بأنهم ﴿يظنون﴾ إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر الله
- تعالى - وهكذا يكون المؤمن دائمًا بين الخوف والرجاء.
ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة يتبين لنا، أن من فسر الظن هنا بمعنى اليقين والعلم،
يرى أن لقاء الخاشعين الله معناه الحشر بعد الموت، ورجوعهم إليه معناه مجازاتهم على أعمالهم.
والحشر والمجازاة يعتقد صحتهما الخاشعون اعتقادًا جازمًا.
أما من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح، فيرى أن لقاء الخاشعين الله معناه توقعهم لقاء
توابه، ورجوعهم إليه معناه ظفرهم بجناته، وتوقع الثواب والظفر بالجنات يرجح الخاشعون
حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده.
والذى نراه أن الرأى الأول أكثر اتساقًا مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه قال قدماء المفسرين،
كمجاهد وأبى العالية وغيرهما.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم وتركهم لأنفسهم
وإرشادهم إلى العلاج الذى يشفيهم من هذا الخلق الذميم، ومن غيره متى استعملوه بصدق
وإخلاص، وهذا العلاج يتمثل فى تذرعهم بالصبر. ومداومتهم على الصلاة، وشكرهم لله
- تعالى - على نعمه التى فصلت الآيات بعد ذلك الحديث عنها، وها نحن نذكرها مرتبة
كما ساقها القرآن الكريم.
أولا : نعمة تفضيلهم على العالمين: قال - تعالى - :
٠٫
يَبَنِيّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ
عَلَى ◌ْعَلَمِينَ
أعاد القرآن الكريم نداءهم، تأكيدًا لتذكيرهم بواجب الشكر، واهتمامًا بمضمون الخطاب
وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات، وتفصيلا لما أسبغه الله عليهم من منن بعد أن أجملها فى
النداء الأول، ليكون التذكير أتم والتأثير أشد، والشكر عليها أرجى.
وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل المشتملة على أمور تستوجب المزيد من العناية
كما فى حال ذكر النعم، لأن تكرارها يغرى النفوس الكريمة بطاعة مرسلها، والسير على الطريق
القويم .

١١٦
المجلد الأول
وقوله تعالى: ﴿وأنى فضلتكم على العالمين﴾ عطف على نعمتى، أى واذكروا تفضیلی إياكم
على العالمين، وهذا التفضيل نعمة خاصة، فعطفه على ﴿نعمتى﴾ من عطف الخاص على العام
للعناية به، وهو - أى: التفضيل مبدأ تفصيل النعم وتعدادها، والمقصود منه الحض على
الاتصاف بما يناسب تلك النعم، ويستبقى ذلك الفضل.
وقد ذكر الله - تعالى - بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النيوى بهذه النعم مع أنها كانت
لآبائهم. كما يدل عليه سياق الآيات؛ لأن النعم على الآباء نعم على الأبناء لكونهم منهم، ولأن
شرف الأصول يسرى إلى الفروع، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم، وحسن سمعة
تعود عليهم، وتغريهم بالإِيمان والطاعة - لو كانوا يعقلون -.
ومن مظاهر، تفضيل الله لبنى إسرائيل على عالمى زمانهم، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة
النبى وَلؤ. ما لم يجمع لغيرهم. فقد حياهم بكثير من النعم، وبعث فيهم عددًا كبيرًا من
الأنبياء، ونجاهم من عدوهم، ولم يعجل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم، واقترافهم
شتى ألوان المنكرات عن تعمد وإصرار، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل
غيرهم کقوم عاد وثمود.
ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان. بل قابلوها بالجحود والطغيان فسلبها
الله عنهم، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا أمثالهم
ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التى منحها الله لبنى إسرائيل ولكنهم قابلوها بالبطر
والكفران فأزالها الله عنهم. من ذلك قوله تعالى :
﴿سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله
شديد العقاب﴾(١).
أى: سل - يا محمد - بنى إسرائيل المعاصرين لك. سؤال تقريع وتوبيخ. كم آتاهم الله
على أيدى أنبيائهم من النعم الجليلة، والمعجزات الباهرة، ولكنهم بعد أن جاءتهم هذه
الآيات، وتمكنوا منها وعقلوها قابلوها بالعناد والاستهزاء، وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها
مسوقة لهدايتهم وسعادتهم، فكانت نتيجة ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة فى الدنيا،
وتوعدهم بشديد العقاب فى الآخرة.
ومن الآيات التى صرحت بأن الله - تعالى - أعطى بنى إسرائيل نعمًا وفيرة، ولكنهم لم
يحمدوه عليها. قوله تعالى :
(١) سورة البقرة الآية ٢١١.

١١٧
سورة البقرة
﴿ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليًا من المسرفين. ولقد
اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين﴾(١).
أى: ولقد نجينا بفضلنا. وكرمنا بنى إسرائيل من العذاب المهين الذى كان ينزله بهم فرعون
وجنده، بأن أغرقناه ومن معه أمام أعينهم؛ لأنه كان ظلومًا غشومًا، وفضلا عن ذلك فقد
اصطفينا بنى إسرائيل - على علم منا بما يكون منهم - على عالمى زمانهم وآتيناهم من النعم
والمعجزات. ما فيه اختبار لقلوبهم، وامتحان لنفوسهم. فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان
أن كفروا بنعم الله، وكذبوا برسله وقتلوهم. فتوعدهم الله فى الدنيا بأن يسلط عليهم من
يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. أما فى الآخرة فمأواهم جهنم وبئس المهاد.
- وأيضا - من الآيات التى ساقت أنواعًا من نعم الله على بنى إسرائيل ولكنهم لم يشكروه
عليها قوله تعالى :
﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على
العالمين. وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم. إن ربك
يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾(٢).
والمعنى : ولقد آتينا بنى إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم الحكمة والفقه فى
الدين، وجعلنا النبوة فى عدد كبير منهم، ورزقناهم من طيبات الأغذية والأشربة، وفضلناهم
على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبى و 1 وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدى
أنبيائهم الكثير من المعجزات والدلائل التى تقوى إيمانهم، وتهديهم إلى الطريق المستقيم ولكنهم
لم ينتفعوا بهذه النعم. بل جعلوا علمهم بالدين الحق سببًا للخلاف والشقاق، والسير فى طريق
الضلال، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء جحودهم وعنادهم.
والعبرة التى نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها. أن الله - تعالى - فضل بنى إسرائيل على
:
غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية. ومنحهم الكثير من النعم، ولكنهم لم يقابلوا
ذلك بالشكر. بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر. فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم،
ووصفهم فى كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع. كقسوة القلب، ونقض العهد، والتهالك على
شهوات الدنيا، والتعدى على الغير. والتحايل على استحلال محارم الله، ونبذهم للحق
واتباعهم الباطل ... إلى غير ذلك من الصفات التى توارد ذكرها فى القرآن الكريم.
(١) سورة الدخان الآيات ٣٠ - ٣٣.
(٢) سورة الجاثية الآية ١٧، ١٨.

١١٨
المجلد الأول
وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرًا؛ لأن الميزان عند الله للتقوى والعمل الصالح،
وليس للجنس أو اللون أو النسب.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل : إن تفضيلهم على العالمين يقتضى تفضيلهم على
أمة محمد وَّر، وهذا باطل. فكيف الجواب؟ قلنا: الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن
المراد : فضلتكم على عالمى زمانكم وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس
بموجود لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد وَلّر ما كانت موجودة فى ذلك الوقت،
فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك الوقت. أنهم أفضل من الأمة المحمدية.
وهذا هو الجواب أيضًا عن قوله - تعالى -: ﴿إِذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم
يؤت أحدًا من العالمين﴾. وعن قوله تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾(١).
وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار. استنادًا إلى هذه الآية الكريمة
وأمثالها، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص، ولا يشهد لها العقل السليم. ثم قال تعالى:
وَأَتَّقُواْيَوْمًا لَّا تَجْرِى نَفْسُّ عَنْ نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ )
بعد أن ذكرهم - سبحانه - فى الآية السابقة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم فى هذه الآية
الكريمة من التقصير فى العمل الصالح، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل على عالمى زمانهم قد
يحملهم على الغرور، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم لو أذنبوا. فجاءت هذه الآية الكريمة
لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم عبارة وأجمع بيان.
والمراد باتقاء اليوم، وهو يوم القيامة، الحذر مما يحدث فيه من أهوال وعذاب، والحذر منه
يكون بالتزام حدود الله - تعالى - وعدم تعديها، فهو من إطلاق الزمان على ما يقع فيه كما تقول
((مكان مخيف)) وتنكير النفس فى الموضعين وهو فى حيز النفى يفيد عموم النفوس. أى :
لاتقضى فيه نفس كائنة من كانت عن نفس أخرى شيئًا من الحقوق.
ووصف اليوم بهذا الوصف، ولم يقل ((يوم القيامة)) مثلا، للإشعار بأن التصرف فى ذلك
اليوم لله وحده. فليس فيه ما اعتاد الناس فى هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض.
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٣٥٥.

١١٩
سورة البقرة
والمعنى : احذروا - يا بنى إسرائيل - يومًا عظيمًا أمامكم، سيحصل فيه من الحساب والجزاء
مالا منجاة من هوله إلا بتقوى الله فى جميع الأحوال والإِخلاص له فى كل الأعمال، فهو يوم
لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها عظيما عن نفس شيئًا ما، مهما يكن ذنبًا صغيرًا.
ثم وصف القرآن الكريم ذلك اليوم بوصف آخر يناسب المقام. فقال تعالى : ﴿ولا يقبل
منها شفاعة﴾ الضمير فى (منها) يعود إلى النفس المحاسبة فى ذلك اليوم. والشفاعة : من الشفع
ضد الوتر، وهى انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه، أى لا يقبل منها أن تأتى يشفيع
ليحصل لها نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا.
والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيًا مطلقًا، ولكن هنالك آيات كريمة تنفى
قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن فى ذلك، من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿من ذا الذى يشفع
عنده إلا بإذنه﴾(١) وقوله تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له
قولا﴾(٢).
وللجمع بين هذه الآيات، تحمل الآيات التى تنفى الشفاعة نفيًّا مطلقًا على أنها واردة فى
شأن النفوس الكافرة، وتحمل الآيات التى تبيح الشفاعة على أنها واردة فى شأن المؤمنين إذا أذن
الله فيها للشافعين، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوى فى أن النبى وَلقول
ستكون له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام المؤمنين، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين،
من ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - أن رسول الله وَالقول قال:
((أعطيت خمسًا لم يعطهن نبى قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورا وجعلت أمتى خير الأمم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت
إلى الناس عامة(٣).
قال الإِمام ابن جرير: (وهذه الآية وإن كان مخرجها عامًا فى التلاوة فإن المراد بها خاص فى
التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله وَله. أنه قال: شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى، وأنه
قال: ليس من نبى إلا وقد أعطى دعوة، وإنى خبأت دعوت شفاعة لأمتى، وهى نائلة إن شاء
الله منهم من لا يشرك بالله شيئا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين
بشفاعة نبينا محمد بنَيقر لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله ﴿ولا يقبل منها
(١) سورة البقرة الآية ٢٥٥.
(٢) سور طه الآية ١٠٩.
(٣) صحيح البخارى ((باب التيمم)) جـ ١ ص ٩١.
ے

١٢٠
المجلد الأول
شفاعة﴾ إنما هى لمن مات على كفره غير تائب إلى الله - عز وجل -)) هـ(١).
ثم وصف اليوم بوصف ثالث فقال تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾.
العدل : العوض والفداء. سمى بالمصدر لأن الفادى يعدل المفدى بمثله فى القيمة أو العين
ويسويه به. يقال: عدل كذا بكذا : أي سواه به.
والمعنى : لا يؤخذ منها فداء أو بدل فى ذلك اليوم إن هى استطاعت إحضاره على سبيل
الفرض والتقدير.
ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى : ﴿ولاهم ينصرون﴾ والنصر هو الإعانة فى الحرب وغيره
بقوة الناصر، وقدْم المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق. فضلا عما استفيد
من نفى الفعل وإسناده للمجهول وجاء الضمير فى قوله تعالى: ﴿ولاهم ينصرون﴾ جمعًا مع
أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى: ﴿لا تجزى نفس﴾؛ لأن النكرة إذا وقعت فى سياق النفى
تناولت كل فرد من أفرادها، وبهذا صارت فى معنى الجمع، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع
وهو (هم).
والمعنى. أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة
ولما كان اليهود يعتقدون أنهم شعب مميز، وأن نسبتهم إلى الأنبياء ستجعلهم فى مأمن من
العقاب رغم عصيانهم وفسوقهم، وأن آباءهم سيشفعون لهم ... لما كانوا كذلك جاءت هذه
الآية الكريمة لتبطل ما اعتقدوه، وتقطع ما أمَّلوه، ولتنقض كل ما يحتمل أن يكون وسيلة للنجاة
يوم القيامة سوى الإِيمان والعمل الصالح.
فقد نفت الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها ﴿لا تجزى نفس عن نفس شيئًا﴾.
ونفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها (ولا يقبل منها شفاعة).
ونفت قبول البدل أو الفداء عما ارتكبوه من خطايا بقولها ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾
ونفت وجود من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها ﴿ ولاهم ينصرون﴾
وهكذا سدت عليهم الآية الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله بسببه، ما داموا
مصرين على كفرهم وجحودهم.
هذا، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكيم فى التوجيه، وطريقة فريدة فى
الإِرشاد، جمعت بين الترغيب والترهيب، فإن الآية الأولى ابتدأت بندائهم باسم أبيهم
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٦٨.
٠