النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة البقرة أى : إن سكان الجنة كلما رزقوا فى الجنة ثمرة من ثمراتها، وجدوها مثل الذى رزقوه فيها من قبل، فى بلوغه الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم. وفى هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة فى حسن منظرها، ولذة طعهما بحيث لا تفضل ثمرة فى ذلك على أخرى، فجميع ثمرها يسر له القلب، ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم. ثم قال - تعالى - ﴿وأتوا به متشابهًا﴾ أى: يشبه بعضه بعضًا فى الصورة والرائحة، ويختلف فى اللذة والطعم، أو فى المزية والحسن، وعن ابن عباس: ((ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسامى))؛ وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها فى معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله فى حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا يفضل فيها ثمر على آخر؛ بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت فى مناظره حسنًا، وفى طعومه لذة. ويرى بعض العلماء حمل قوله - تعالى -: ﴿قالوا هذا الذى رزقنا من قبل﴾ على تقدير: من قبل دخول الجنة، أى هذا الذى رزقناه فى الدنيا، وإلى هذا الرأى مال صاحب الكشاف فقد قال: ((فإن قلت: كيف قيل. ((هذا الذى رزقنا من قبل ؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم فى الجنة هى ذات الذى رزقوه فى الدنيا؟ قلت : معناه هذا مثل الذى رزقناه من قبل وشبهه، بدليل قوله: ﴿وأتوا به متشابهًا﴾ فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى قوله: ﴿وأتوا به﴾؟ قلت : إلى المرزوق فى الدنيا والآخرة جميعًا، لأن قوله: ((هذا الذى رزقنا من قبل)) انطوى تحته ذكر ما رزقوه فى الدارين. فإن قلت : لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟ قلت : لأن الإِنسان بالمألوف آنس؛ وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه، وعافته نفسه(١))). ثم قال - تعالى -: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾. الأزواج: جمع زوج وهى المرأة يختص بها الرجل، والضمير فى ((فيها)) يعود إلى الجنات. والمعنى: أن لهؤلاء المؤمنين نساء مختصات بهم، مطهرات غاية التطهير من كل دنس وقذر، حسى ومعنوى، لا كنساء الدنيا، وهم فى هذه الجنات باقون على الدوام، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم، أما إذا كان محتملا للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال، إذ سيتذكر أنه سيفقده فى يوم من الأيام، فجملة ((وهم فيها خالدون)» جىء بها على سبيل الاحتراس من وهم الانقطاع. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٠٨. ٨٢ المجلد الأول وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين عن صراطه، وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة، والتمثيلات الرائعة، والبشارات الطيبة لمن آمن وعمل صالحًا، بعد كل ذلك بين - سبحانه - أنه لا يعبأ أن يضرب مثلا بشىء حقير أو غير حقير، فقال - تعالى - : ۔۔ إِنَّاللَّهَ لَا يَسْتَخِى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اُلْحَقُّ مِن زَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلََّ الْفَسِقِينَ آ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ٢٧ روى الواحدى فى أسباب النزول عن ابن عباس أن الله - تعالى - لما أنزل قوله - تعالى - ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنفذوه منه﴾ وقوله - تعالى -: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا﴾. : لما نزل قال المشركون: أرأيتم أى شىء يصنع بهذا؟! فأنزل الله ﴿إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها .. ﴾. وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت فى كتابه وضرب بهما المثل ضحك اليهود وقالوا: ما يشبه أن يكون هذا من كلام الله! فأنزل الله هذه الآية ﴿إن الله لا یستحیی﴾. إلخ. وقال السدى: لماضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعنى قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذى استوقد نارًا .. ) وقوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء﴾ قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله هذه الآية. ٨٣ سورة البقرة ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة، فقد قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات. والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأجر واستجاب. وهو فى أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم. وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، لذا ذهب جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمه، وهو ترك ضرب الأمثال بها . والمعنى : إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف فى الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحًا. ومذهب السلف : إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله - تعالى - مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات. أى : ليس الحياء بمانع لله - تعالى - من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة فى نظركم؛ كالبعوض والذباب والعنكبوت، فإن فيها من دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق. والمثل فى اللغة: الشبيه. وهو فى عرف القرآن : الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله فى حال المنافقين؛ أو وصف غريب نحو قوله تعالى : ﴿يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا .ولو اجتمعوا له؛ وإن يسلبهم الذباب شيئا لایستنقذوه منه)). وضرب المثل : إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير فى نفس السامع . و(ما) فى قوله (مثلا ما) هى ما الإِبهامية، تجىء بعد النكرة فتزيدها شيوعًا وعمومًا، كقولك : أعطنى كتابًا ما، أى كتاب كان. والبعوضة واحدة البعوض وهى حشرة صغيرة تطلق على الناموس وهى بدل أو بيان من قوله (مثلا). وقوله: ﴿فما فوقها﴾ عطف على بعوضة، والمراد فما فوقها فى الحجم كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار، أو فما فوقها فى المعنى الذى وقع التمثيل فيه، وهو الصغر والحقارة كجناحها أو كالذرة. قال صاحب الكشاف : سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد : ٨٤ المجلد الأول والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبًا بها المثل، ليس بموضع للإستنكار والاستغراب، من جهة أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد .. وأن الله - تعالى - أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شىء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذى لا يتجزأ أو بما لا يدركه لتناهيه فى صغره إلا هو وحده .. وقوله: ﴿فما فوقها﴾ فيه معنيان: أحدهما : فما تجاوزها وزاد عليها فى المعنى الذى ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم، هو فوق ذلك، تريد هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة. والثانى : فيما زاد عليها فى الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة(١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقف الناس أمام هذه الأمثال فقال : ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾. أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد، أما الشرط فلوقوع الفاء فى جوابها، وأما التفصيل فلوقوعها بعد مجمل مذكور أو مقدر، وأما التأكيد فلأنك إذا قلت : زيد ذاهب، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ذهابه واقع لا محالة قلت: أما زيد فذاهب. والضمير فى قوله (أنه) يعود على المثل، أو على ضربه المفهوم من قوله: ﴿أن يضرب مثلا﴾. والحق : خلاف الباطن، وهو الثابت الذى لا يسوغ إنكاره. ووجه كون المثل أو ضربه حقًّا، أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها. ووجه تفصيل الناس فى هذه الآية إلى قسمين، أنهم بالنسبة إلى التشريع والتنزيل كذلك، فهم مؤمن أو كافر. والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم، وتيئيس الذين أرادوا تشكيكهم ببيان أن إيمانهم يحول بينهم وبين الشك. وعبر فى جانب المؤمنين بيعلمون تعريضًا بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عنادًا ومكابرة، وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١١١ وما بعدها. ١٠٠٠ ٨٥ : سورة البقرة وقال: ﴿أنه الحق﴾ معرفًا بأل، ولم يقل: أنه حق للمبالغة فى حقية المثل. ومن المعروف فى علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفًا بأل، للدلالة على أن المخبر عنه بالغ فى الوصف الذى أخبر به عنه مرتبة الكمال. وقوله : ﴿من ربهم) حال من الحق، ومن ابتدائية، أى: إن هذا الكلام وارد من الله، لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب، فهو مؤذن بأنه من كلام الخالق الذى لا يقع منه الخطأ . ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذه الأمثال عندما تتلى عليهم فقال : ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. كلمة (ماذا) مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة، غير أن العرب توسعوا فيها فاستعملوها اسم استفهام مركبًا من كلمتين، وذلك حيث يكون المشار إليه معبرًا عنه بلفظ آخر غير الإِشارة، حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو: ماذا التوانى؟ أو حيث لا يكون للإشارة موقع كقوله تعالى: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر﴾ وقد یتوسعون فيها توسعًا أقوی فیجعلون ذا اسم موصول، وذلك حین یکون المسئول ) عنه معروفا للمخاطب بشىء من أحواله، فلذلك يجرون عليه جملة أو نحوها هى صلة ويجعلون. ذا موصولا نحو (ماذا أنزل ربكم﴾ ونحو ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾، أى: ما الذى أراده الله .. بهذا المثل. والإِرادة فى أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل، وإذا أسندت إلى الله دلت على صفة له تتعلق بالممكنات، فيترجح بها أحد وجهى المقدور، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع. وقوله: ﴿مثلا) واقع فى موقع التمييز لاسم الإشارة ((هذا)) كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول : ماذا أردت بهذا جوابًا؟ والاستفهام الذى حكاه القرآن على ألسنة هؤلاء الكافرين، المقصود به الإِنكار والتحقير لهذه الأمثال، ولأن يكون الله - تعالى - قد ضربها للناس. والمعنى: فأما المؤمنون الذين من عادتهم الإِنصاف، والنظر فى الأمور بنظر العقل واليقين، فإنهم إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذى لا تمر الشبهة بساحته، وأما الكافرون فإنهم لانطماس بصيرتهم، وتغلب الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا سمعوا ذلك عاندوا وكابروا · وقابلوه بالإِنكار. ٨٦ المجلد الأول ثم ساق - سبحانه - جملتين بين فيهما الحكمة من ضرب الأمثال فقال: ﴿يضل به كثيرا ویہدی به کثیرا﴾. فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقًّا، مما يزداد به المؤمنون رشدًا على رشدهم، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطًا فى ظلمات جهلهم. ووصف كلا من فريقى المؤمنين والمنكرين له بالكثرة مع أن المهديين وصفوا بالقلة كثيرا كما فى قوله: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وذلك لأن أهل الهدى كثيرون فى أنفسهم، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى أهل الضلال، وأيضًا فإن القليل من أهل الهدى كثير فى الحقيقة، وإن قلوا فى الصورة، فوصفوا بالكثرة ذهابًا إلى هذه الحقيقة. وقدم الإِضلال على الهداية، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن الجواب أمرًا فظيعًا يسوءهم ويفت فى أعضادهم. ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾. الفاسقون : جمع فاسق، من الفسق، وهو فى أصل اللغة: الخروج. يقال: فسقت الرطبة من قشرها. أى: خرجت منه، وشرعًا: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروج من حدود الإِيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص فى العرف بارتكاب الكبيرة، ولم يسمع الفسق فى كلام الجاهلية، بمعنى الخروج عن الطاعة فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإِسلامية. وقصر الإضلال بالمثل على الفاسقين، إيذان بأن الفسق هو الذى أعدهم لأن يضلوا به، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه وقالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا. ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال : فى بيان الخصلة الأولى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾. والنقض : فى اللغة حقيقة فى فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذى كان به التركيب مثل نقض الحبل المفتول وقد استعمل هنا مجازًا فى إبطال العهد بقرينة إضافته إلى عهد الله . وعبر عن إبطال العهد بالنقض، لأنه أبلغ فى الدلالة على الإِبطال من القطع والصرم ونحوهما، لأن فى النقض إفسادًا لهيئة الحبل. والعهد: اسم للموثق الذى يلزم مراعاته وحفظه، يقال: عهد إليه فى كذا، إذا أوصاه به ووثقه علیه. ٨٧ سورة البقرة وعهد الله : تارة يكون بما ركز فى العقول من الحجة على التوحيد، وتارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله - صلوات الله عليهم - وتارة بما يلتزمه المؤمن. وليس بلازم له فى أصلَ الشرع مما ليس بمعصية كالنذور وما يجرى مجراها. والميثاق: التوثقة، وهى التقوية والتثبيت، والمراد به: ما قوى الله به عهده. وقوله: ﴿من بعد ميثاقه﴾ متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وميثاقه الضمير فيه يجوز · أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله - تعالى - فهو على الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثانى مضاف للفاعل. أما الصفة الثانية التى وصفهم الله بها فهى قوله: ((ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل)) وهو عام فى كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الرحم، والإِعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطى شر، وأما الصفة الثالثة التى وصفهم بها فهى قوله - تعالى - : ﴿ويفسدون فى الأرض﴾. والفساد فى الأرض يقع بعبادة غير الله، وبالدعاية إلى الكفر به، وبالاستهزاء بالحق، وبالاعتداء على حقوق الغير، وبغير ذلك من الأمور التى حرمها الله - تعالى -. وعبر بقوله: ﴿فى الأرض﴾ للإشعار بأن فسادهم لا يقتصر عليهم، وإنما هو يتعداهم إلى غيرهم. ثم بين - سبحانه - بعد أن دمغهم بتلك الصفات المرذولة - عاقبة أمرهم فقال: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾. الخاسرون : جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص، ومن نقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد فى الأرض، لا شك أنه قد نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة. قال ابن جرير: ((والخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم من رحمة الله بسبب معصيتهم له، كما يخسر الرجل فى تجارته بأن يوضع من رأس ماله فى بيعه، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحرمان الله لهما من رحمته التى خلقها لعباده(١) ... )). (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤١٧ طبعة دار المعارف. ٨٨ المجلد الأول وبعد أن عدد القرآن مساوىء أولئك الضالين، وبين سوء مصيرهم، ومآلهم، وجه إليهم الإِنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥) هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَىَ السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٩ ﴿كيف﴾ اسم استفهام للسؤال عن الأحوال، وليس المراد به هنا استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته فى صورة الاستفهام وهو الإِنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص : كيف تؤذى أباك وقد رباك ؟ ؛ لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها . وفى الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لزيادة تقريعهم والتعجب من أحوالهم الغريبة، لأنهم معهم ما يدعو إلى الإِيمان ومع ذلك فهم منصرفون إلى الكفر. وقوله: ﴿وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾ جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشىء عن جهل وعدم تأمل فى أدلة الإِيمان القائمة أمام أعينهم. والأموات : جمع ميت بمعنى المعدوم. والإِحياء : بمعنى الخلق. والمعنى : كيف تكفرون بالله وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم، وأخرجكم إلى الوجود كما قال - تعالى - : ﴿هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾. ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدى الحياة. والإِحياء بنفخ الروح فيهم فيكون المعنى : وكنتم أمواتًا يوم استقراركم نطقًا فى الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، فنفخ فيكم الأرواح؛ وأصبحتم فى طور إإحساس وحركة وتفكير وبيان. وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة، أورد جملا لاستيفاء الأطوار التى ينتقل فيها الإِنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد فى دار نعيم أو عذاب فقال: ﴿ثم ٨٩ سورة البقرة يميتكم﴾ بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم ﴿ثم يحييكم﴾ يبعثكم بعد الموت ﴿ثم إليه ترجعون﴾. أى تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم فى المحشر؛ ويتولى حسابكم، والحكم فى أمركم بمقتضى عدله ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾. أما الإِماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين، وأما البعث فقد أخبر الله عنه بما يدل على صحته وينفى استبعاده، أو استحالته، بأدلة عقلية ونقلية كثيرة، أما الأدلة العقلية، فمنها : أن الذى قدر على إحيائهم من العدم، قادر على إحيائهم وإعادتهم بعد موتهم فإن الإعادة أهون من البدء دائما، وأما الأدلة النقلية، فمنها قوله - تعالى - : ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾. وفى قوله - تعالى - ﴿ثم إليه ترجعون) ترهيب لمن ينزع إلى الشر، ويرتكب المعاصى من غير مبالاة، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير، ويقدم على الطاعات. قال الجمل: ((والفاء فى قوله ﴿فأحياكم﴾ على بابها من التعقيب، وثم على بابها من التراخى، لأن المراد بالموت الأول، العدم السابق، وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثانى الموت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخى، على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضًا متراخ عن البعث))(١). وبعد أن ذكر - سبحانه - ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة المتعلقة بذوات المكلفين، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى : ﴿هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا﴾. أى: أنه خلق جميع ما فى الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن والجبال من أجلكم، فهو المنعم عليكم لتنتفعوا بها فى دنياكم، وتستعينوا بها على طاعته. وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهدًا على أن الأشياء التى فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها. ثم استدل - سبحانه - على مظاهر قدرته بخلق السموات فقال : ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شىء عليم﴾. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٥. ٩٠ المجلد الأول استوى إلى السماء: أقبل وعمد إليها بإرادته. وتسويتها معناه : تعديل خلقها وتقويمه. والسماء ليس المراد منها فردا من أفراد السموات، وإنما المراد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث فى قوله: ﴿فسواهن﴾، وكذلك علماء البيان يزيدون أن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له صار فى معنى الجمع. فمعنی ﴿ثم استوی إلى السماء﴾ علا إليها وارتفع، من غیر تکییف ولا تحدید ولا تشبيه، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات، وقد سئل الإِمام مالك عن الاستواء على العرش فقال : الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة المسلابسة والمباشرة. وجملة ﴿ثم استوى﴾ معطوفة على جملة (خلق لكم)، وكان العطف بثم لعظم خلق السماء عن خلق الأرض. وعبر بسواهن للإشعار بأنه - سبحانه - خلقهن فى استقامة، واستقامة الخلق هى انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال - تعالى - : ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت﴾. وجملة ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة، فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها، ولإِحاطته بكل شىء علمًا وضع كل جزء فى موضعه اللائق به. وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة خلقه ما فى الأرض جميعًا، بدأ بعد ذلك يذكرهم بنعمة أخرى هى نعمة خلقه لأبيهم آدم، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال تعالى : وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِكَ وَنُقَدّسُ لَكٌّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ & ٩١ سورة البقرة فَقَالَ أَنْبِعُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ ) قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ اْحَكِيمُ ٣٢ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا قَالَ يَكَادَمُ أَنْبِتْهُمْ بِأَسْمَاءِهِمَّ فَمَّا أَنْبََّهُمْ بِأَسْمَِهِمْ قَالَ. (٣٣) نُبْدُونَ وَمَا كُنُّمْ تَّكْتُهُونَ ففى هذه الآيات الكريمة عطف - سبحانه - قصة خلق آدم أبى البشر على قصة خلق الأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا فى الاستدلال على أن الله واحد، وجمعًا بين تعدد الأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها، حتى يكون التدليل أجمع، والإِيمان بالله أقوى وأثبت. وإذ وإذا ظرفان للزمان، الأول للماضى والثانى للمستقبل، فإن جاء إذ مع المضارع أفاد الماضى كقوله : ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه ... ﴾ وإن جاء إذا مع الماضى أفاد الاستقبال كقوله: ﴿إِذا جاء نصر الله والفتح﴾. وإذ هنا واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام. والمعنى: واذكر يا محمد وقت أن قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة. وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحًا به فى آيات أخرى كما قال تعالى : ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾. والملائكة جمع ملك. والتاء التأنيث الجمع، وأصله ملأك، من ملك، نحو شمال من شمل، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك، وقيل: إن ملاك من لأك إذا أرسل، ومنه الألوكة، أى : الرسالة. والملائكة، هم جند من خلق الله، ركز الله فيهم العقل والفهم، وفطرهم على الطاعة، وأقدرهم على التشكيل بأشكال مختلفة، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة، ووصفهم فى القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ومنها: أنهم رسل الله أرسلهم بأمره ((ومنهم رسل الوحى إلى من ٩٢ المجلد الأول اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة. قال تعالى : ﴿جاعل الملائكة رسلا﴾ وقال تعالى: ﴿الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ وقال - تعالى -: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده﴾. و (الخليفة) من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى فاعل، والتاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم - عليه السلام - لأنه كان خليفة من الله فى الأرض، وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله - تعالى - فى عمارة الأرض، وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وإجراء أحكامه عليهم، وتنفيذ أوامره فيهم. وقيل: آدم وذريته، لأنه يخلف بعضهم بعضًا فى عمارة الأرض، واستغنى بذكره عن ذكر ذريته لكونه الأصل. وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل فى الأرض خليفة، ليس المقصود منه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة، وما أجيبوا به من بعد، أو من أجل تعليم العباد المشاورة فى أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم وإن كان هو - سبحانه - بعلمه وحكمته البالغة غنيًا عن المشاورة. أو الحكمة تعظيم شأن المجهول، وإظهار فضله، بأن بشر بوجود سكان ملكوته، ونوه بعظيم شأن المجعول بذكره فى الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقبه بالخليفة. ثم حكى - سبحانه - إجابة الملائكة فقال : ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. الفساد: الخروج عن الاعتدال والاستقامة ويضاده الصلاح. يقال فسد الشىء فسادًا وفسودًا وأفسده غيره. والسفك: الصب والإِهراق، يقال: سفكت الدم والدمع سفكًا - من باب ضرب - صببته. والفاعل سافك وسفاك، والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بنى الإِنسان ظلمًا وعدوانًا. والتسبيح : مشتق من السبح وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء، فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء. والتقديس : التطهير والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال. فيكون التسبيح نفى ما لا يليق، والتقديس إثبات ما يليق، وقدم التسبيح على التقديس من باب تقديم التخلية على التحلية. والمعنى : أتجعل فى الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ويريق الدماء والحال أننا نحن ننزهك عما ٩٣ سورة البقرة لا يليق بعظمتك، تنزيها متلبسًا بحمدك والثناء عليك، ونطهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيما لك وتمجيدًا. وقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ... إلخ) إنما صدر منهم على وجه استطلاع الحكمة فى خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإفساد فى الأرض وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله فى كل ما يفعل لا ينافى تعجبهم من بعض أفعاله، لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل شىء وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله لا يعد منكرا. والملائكة لا يعلمون الغيب، فلابد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد فى الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التى يطلع الله بها على غيبه بعض المصطفين الأخبار من خلقه. قال الإِمام ابن كثير فى توضيح هذا المعنى: قوله - تعالى -: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حما مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذى يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم. ويردعهم عن المحارم والمآثم .. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبنى آدم كما قد يتوهمه البعض .. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة فى ذلك، يقولون ياربنا ما الحكمة فى خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد فى الأرض، ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ولا يصدر منا شىء من ذلك فهلا وقع الاقتصار علينا؟(١). وقد رد الله - تعالى - على الملائكة بقوله: ﴿قال إنى أعلم ما لا تعلمون﴾. أى: إنى أعلم من المصلحة الراجحة فى خلق هذا الصنف على المفاسد التى ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإنى سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والمحبون له - تعالى - المتبعون رسله. فالجملة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذى من شأنه أن يقف بهم عند حدود الأدب اللائق بمقام الخالق - عز وجل - وتنبيه إلى أنه - تعالى - عالم بما لا يحيط به علم أحد من خلقه، فله أن يفعل ما يشاء ويأمر بما يشاء، وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشىء، أو يعلمهم بأنه (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٦٩. ٩٤ المجلد الأول ..-. " سيفعل شيئًا، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعله، بل شأنهم أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها فقد ظفروا بأمنيتهم، وإن وقفت عقولهم دونها، ففى تسليمهم لقدر الله، وامتثالهم لأوامره الكفاية فى القيام بحق التكليف والفوز برضا الله، الذى هو الغاية من الإِيمان به والإقبال على طاعته. قال بعض العلماء: ((وفى هذه الآية الكريمة تسلية للنبى و ﴿ عن تكذيب بعض الناس له، لأنه إذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين - وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل اللّه الملائكة المقربين، أى: فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتى أهل الدعوة بسلطان مبين(١). ثم أخذ - سبحانه - فى بيان جانب من حكمة خلق آدم، وجعله خليفة فى الأرض، بعد أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب الحكيم فقال - تعالى - : ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقین﴾ . علم : من التعليم وهو التعريف بالشىء. وآدم: اسم لأبى البشر، قيل إنه عبرانى مشتق من أدمه، وهى لغة عبرانية معناها التراب، كما أن ((حواء)) كلمة عبرانية معناها ((حى)) وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء. و﴿الأسماء﴾ جمع اسم، والاسم ما يكون علامة على الشىء، وتأكيد الأسماء بلفظ ((كلها)) فى أنه علمه أسماء كل ما خلق من المحدثات من إنسان وحيوان ودابة، وطير، وغير ذلك. ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ومنافعها، فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق. وقوله: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ عرض الشىء: إظهاره وإبانته والضمير فى ﴿عرضهم﴾ يعود على المسميات، وهى مفهومة من قوله: ﴿الأسماء كلها﴾ إذ الأسماء لابد لها من مسميات، فإذا أجرى حديث عن الأسماء حضر فى ذهن السامع ما هو لازم لها، أعنى المسميات. ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال: ﴿عرضهم﴾ ولم يقل عرضها، لأن فى جملة هذه المسميات أنواعًا من العقلاء: كالملائكة، والإِنس، ومن الأساليب المعروفة بين (١) تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٧. ٩٥ سورة البقرة فصحاء العرب تغليب الكامل على الناقص، فإذا اشتركا فى نحو الجمع أو التثنية أتى بالجمع أو التثنية على ما يطلق حال الكامل منهما. : والأمر فى قوله : ﴿أنبئونى بأسماء هؤلاء﴾، ليس من قبيل الأوامر التى يقصد بها التكليف، أى: طلب الإِتيان بالمأمور به، وإنما هو وارد على جهة إفحام المخاطب بالحجة. والمعنى : أن الله - تعالى - ألهم آدم معرفة ذوات الأشياء التى خلقها فى الجنة، ومعرفة أسمائها ومنافعها، ثم عرض هذه المسميات على الملائكة. فقال لهم على سبيل التعجيز: أ ﴿أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ فيما اختلج فى خواطركم من أنى لا أخلق خلقًا إلا وأنتم أعلم منه وأفضل. قال ابن جرير: ((وفى هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن ذكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله فى هذا القرآن من لطائف الحكم التى تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك أن الله - تعالى - احتج فيها لنبيه وَ طير على من كان بين ظهرانيه من يهود بنى إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التى لم يكن - تعالى - أطلع عليها من خلقه إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإِنباء والإِخبار ليقرر عندهم صدق نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله)). ثم حكى - سبحانه - ما كان من الملائكة فقال : ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح ؛ أى التنزيه، وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد یستعمل معه. وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر فى ذهن السامع للجملة السابقة، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله - تعالى -: ﴿أنبئونى بأسماء هؤلاء﴾، ماذا كان من الملائكة؟ هل أنبأوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟ فقال - تعالى -: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا﴾ إلخ الآية. ولو قال الملائكة : لا علم لنا بأسماء هذه المسميات لكان جوابهم على قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلغ وجه فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئًا غير ما يعلمهم الله، ودخل فى ضمن هذا النفى العام الاعتراف بالقصور عن معرفة الأسماء المسئول عنها. ومعنى ﴿إنك أنت العليم الحكيم﴾ أى: أنت يا ربنا العليم بكل شىء، الحكيم فى خلقك وأمرك وفى تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة فى ذلك، والعدل التام. / ٩٦ المجلد الأول وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة، ليكون وصفه بالعلم متصلا بنفيهم عن أنفسهم فى قولهم: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾. وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه، وجه - سبحانه - الخطاب إلى آدم، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة بالأسماء التى سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال - تعالى -: ﴿قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. ففى هذه الآية الكريمة أخبرنا الله - تعالى - أنه قد أذن لآدم فى أن يخبر الملائكة بالأسماء التى فاتتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم، ويزدادوا اطمئنانا إلى أن إسناد الخلافة إليه، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة. وعلم الغيب يختص به واجب الوجود - سبحانه - لأنه هو الذى يعلم المغيبات بذاته، وأما العلم بشىء من المغيبات الحاصل من تعليم الله فلا يقال لصاحبه إنه يعلم الغيب. وقوله - تعالى - ﴿ألم أقل لكم إنى أعلم ... ) إلخ الآية، استحضار وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك، ﴿إنى أعلم ما لا تعلمون﴾. وإعادة له على وجه من التفصيل أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما يضمرونه فى أنفسهم. وفى قوله: ﴿ألم أقل لكم ... ﴾ إلخ تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب المناسب لمقام الألوهية، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من وجوه العلم. ومن الفوائد التى تؤخذ من هذه الآيات، أن الله - تعالى - قد أظهر فيها فضل آدم - عليه السلام - من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن العلم الذى يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله الخطأ. فيقع صاحبه فى الإِفساد من حيث إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم الذى يتلقاه الإِنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعًا، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح، وصاحب هذا العلم هو الذى يصلح للخلافة فى الأرض، ومن هنا، كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة فى الأرض. وبعد أن بين القرآن فى الآيات السابقة بعض الكرامات التى خص الله بها آدم، انتقل إلى ٩٧ سورة البقرة بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم - عليه السلام - وهى أمره للملائكة بالسجود له، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس، فقال - تعالى - : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُ وَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ (٣٠) وَقُلْنَا يَّنَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ! ٣٥ فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَفِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَعُ إِلَ حِينِ ٣٦ فَقَّءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَالنَّوَّابُ الرَّحِيمُ ٣٧١ قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا بَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيَهَا خَلِدُ ونَ وقوله - تعالى -: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .. ﴾ إلخ، معطوف على قوله - تعالى قبل ذلك ﴿وإذ قال ربك للملائكة .. ﴾ إلخ، من باب عطف القصة على القصة، وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغنى عن إعادة ظرفه، تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام. والسجود : لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره، وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وللعلماء فى كيفية السجود الذى أمر الله به الملائكة لآدم أقوال : أرجحها أن السجود المأمور به فى الآية يحمل على المعنى المعروف فى اللغة، أى: أن الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم ٩٨ المجلد الأول يكون مظهرًا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيمًا، وإقرارًا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذى هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه. وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة. وقيل: إن السجود كان لله، وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له، وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك هربًا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، فإن أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة، والصالحون من البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم، وخالفت المعتزلة فى ذلك، وقالت : الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. والذى نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح، لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود. وأمر الملائكة بالسجود لآدم هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم، واقتضته المشيئة والحكمة : ثم بين - سبحانه - ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال : ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾. إبليس : اسم مشتق من الإِبلاس، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس، وفعله أبلس، والراجح أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حى، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال - تعالى - ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم وقوله : ﴿أبى واستكبر﴾ الإِباء: الامتناع عن الفعل أنفة مع التمكن منه. والاستكبار: التكبر والتعاظم والغرور، بمعنى أن يرى الشخص فى نفسه علوًّا على غيره، وهو خلق مذموم. وكان فى قوله : ﴿وكان من الكافرين﴾ بمعنى صار. وجاء العطف فى قوله ﴿فسجدوا ... ﴾ بالفاء المفيدة للتعقيب، للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد، ولم يصدهم ما كان فى نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق، مظهر فساد وسفك دماء، لأنهم منزهون عن المعاصى. وللعلماء فى كون إبليس من الملائكة أم لا قولان : أحدهما : أنه كان منهم لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيًّا، ولما استحق الخزى والنكال. ٩٩ سورة البقرة ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. وقد اختار هذا الرأى ابن عباس، وابن مسعود وجمهور المفسرين. وقيل إنه ليس منهم لقوله - تعالى - ﴿إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه﴾، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإِنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. وقد اختار هذا القول الحسن وقتادة وغيرهما. وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال : والصواب التفصيل فى هذه المسألة، وأن القولین فی الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته ولیس منهم بمادته وأصله. كان من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافى كونه من الملائكة. والمثبت لم يتواردا على محل واحد(١). ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصيانًا، إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقول: ﴿أَب واستكبر﴾ على أنه امتنع من السجود أنفة، وتعاظمًا، وأردف هذا التعاظم والغرور باعتراضه على الله - تعالى - فى تفضيل آدم، فصار بذلك فى فريق الكافرين، ولذا ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿وكان من الكافرين﴾ أى: صار بسبب عصيانه واستكباره من الكافرين بالله، الجاحدين لنعمه، البعيدين عن رحمته ورضوانه. وقوله - تعالى - ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ معطوف على قوله (وإذ قلنا للملائكة ... إلخ﴾ أى: بعد أن أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فهذه تكرمة أكرمه الله بها بعد أن أكرمه بكرامة الإِجلال من تلقاء الملائكة. وقوله: ﴿اسكن﴾ أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن على وجه الاستقرار. والزوج : يطلق على الرجل والمرأة والمراد به هنا حواء، حيث تقول العرب للمرأة زوج، ولا تكاد تقول زوجة. والجنة : هى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره، من الجن، وهو ستر الشىء عن الحاسة. وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب. التى أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض، خلقه الله (١) تفسير القاسمى جـ ٢ ص ١٠٤. ١٠٠ المجلد الأول الإسكان آدم وزوجه، واختلفوا فى مكانه، فقيل بفلسطين. وقيل بغيرها. وقد ساق الإِمام ابن القيم فى كتابه (حادى الأرواح) أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئًا منها. والأحوط والأسلم : الكف عن تعيينها وعن القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى التأويلات، إذ ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة. : والمخاطب بالأمر، بسكنى الجنة آدم وحواء، ولكن الأسلوب جاء فى صيغة الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه، لأنه هو المقصود بالأمر وزوجه تبع له. ثم بين - سبحانه - أنه قد أباح لهما أن يأكلا من ثمار الجنة أكلا واسعا فقال : : ﴿وكلا منها رغدا حيث شئتما﴾ أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا هنيئًا أو واسعًا فى أى مكان من الجنة أردتم. يقال: رغد عيش القوم أى: اتسع وطاب، وأرغد القوم، أى : أخصبوا وصاروا فى رزق واسع. والضمير فى قوله ﴿منها﴾ يعود إلى الجنة، والمراد بالأكل منها : الأكل من مطاعمها وثمارها، لأن الجنة تستلزم ثمارًا هى المقصودة بالأكل. ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾. القرب : الدنو، والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهى بالقرب منها إذ قال ﴿ولا تقربا﴾ القصد منه المبالغة فى النهى عن الأكل، إذ فى النهى عن القرب من الشىء قطع الوسيلة التلبس به، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ فنهى عن القرب من الزنا ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه وهى القرب منه. وأكد النبى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلمًا فقال : ﴿فتكونا من الظالمين) وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية. وقد تكلم العلماء كثيرًا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة، وقيل : هى السنبلة، وقيل هى الكرم .. إلخ. إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته فى عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه. وقد أحسن الإِمام ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال: ((والصواب فى ذلك أن يقال : إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة يعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا