النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة البقرة أساطير الأولين، لأنه لروعة حكمته، وسطوع حجته، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحيًا سماويًّا، ومصدر هداية وإصلاح. فالجملة الكريمة تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب فى القرآن فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة، أو قلب سليم. وقدم جملة ﴿لا ريب فيه﴾ على جملة ﴿هدى للمتقين) لأنه أراد أن ينفى عن ساحة كونه كتابًا هاديًا غبار الريب، وغيوم الشكوك، حتى يستقر فى النفوس وصفه، وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهدایاته. وفصل جملة ﴿لاريب فيه﴾ عما قبلها لكمال الاتصال، حيث كانت جملة ﴿ذلك الكتاب﴾ مفيدة لكماله، وجملة ﴿لا ريب فيه﴾ مفيدة لنفى الريب عنه. والمراد بكونه ﴿هدى للمتقين﴾ مع أنه هداية لهم ولغيرهم، لأنهم هم المنتفعون به دون سواهم. قال تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد﴾. ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما قال - تعالى - : ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾. ويصح أن يكون المعنى : هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية، كما أقول : هديت مهتديا، أو كتبت مكتوبا، على معنى أنى هديت شخصًا صار مهديًا بهذه الهداية، وكتبت خطابًا صار مكتوبًا بهذه الكتابة، وهو أسلوب عربی صحیح. كما ورد فى حديث ((من قتل قتيلا فله سلبه)). قال صاحب الكشاف: ومحل ﴿هدى للمتقين) الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع ﴿لا ريب فيه﴾ لـ ((ذلك)) ... والذى هو أرسخ عرفًا فى البلاعة أن يضرب عن هذه المحال صفحًّا، وأن يقال: إن قوله ﴿ألم﴾ جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها. و﴿ذلك الكتاب﴾ جملة ثانية. و﴿لا ريب فيه﴾ ثالثة. و﴿هدى للمتقين﴾ رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جىء بها متناسقة هكذا من غير نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذًا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرًا إلى الثالثة والرابعة : بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الکتاب المنعوت بغاية الکمال. فکان تقریرًا لجهة التحدی، وشدا من أعضاده ثم نفی عنه أن يتشبث به من طرف الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله. لأنه لا كمال أكمل من الحق ٤٢ المجلد الأول واليقين. ولا نقص أنقص مما للباطل والشبه. وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: فى حجة تتبختر اتضاحًا، وفى شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينًا لا يحوم الشك حوله، وحقًّا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع - بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق - من نكتة ذات جزالة. ففى الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه. وفى الثانية ما فى التعريف من الفخامة، وفى الثالثة ما فى تقديم الريب على الظرف، وفى الرابعة الحذف(١) ... ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين، ومدحهم بجملة من المناقب الحميدة، فقال : ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ أى: يصدقون بما غاب عن حواسهم، كالصانع وصفاته، وكاليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب. والإِيمان لغة التصديق والإِذعان، وهو إفعال من الأمن. وشرعًا التصديق بما علم بالضرورة أنه من الدین، کالا يمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... الخ، وعدی ﴿يؤمنون﴾ بالباء لتضمينه معنى أقر واعترف. والغيب : مصدر غاب يغيب، وكثيرًا ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو الظاهر من هذه الآية الكريمة. ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل. قال بعض العلماء : وخص بالذكر الإِيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإِيمان، لأن الإِيمان بالغيب هو الأصل فى اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوى، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر فيما يبلغه عن الله - تعالى - فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما من يعتقد أنه ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر، فقد راض نفسه على الإِعراض عن الدعوة، كما هو حال الماديين الذين يقولون: ((ما يهلكنا إلا الدهر(٢): والإِيمان بالغيب : يستلزم التصديق به على وجه الجزم، وهو لا يحصل إلا عن دليل. ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقًا عن دليل، فنحن لا نحتاج فى الإِيمان بالملائكة والكتب السماوية السابقة، والرسل الذين أرسلوا من قبل، والبعث وما فيه من ثواب وعقاب، لا نحتاج فى الإِيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على . الأدلة التى قامت على صدق نبينا محمد زَلها. والإِيمان بالغيب دليل على اتساع العقول، وسلامة القلوب، إذ أن معنى الإِيمان بالغيب هو (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦. (٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ١ ص ١١٨ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. ٤٣ سورة البقرة أن عقولهم قد سلم إدراكها، وتقشعت عنها غشاواتها، وامتد نظرها فى الكائنات فأدركت أن لها مبدعًا حكيمًا وخالقًا قديرًا، جعلها تسير بنظام محكم، فهذه كواكب تظهر وتغيب، وسماء مرفوعة بغير عمد، وأرض راسية لا تميد ولا تضطرب ... ﴿صنع الله الذى أتقن كل شىء) فكان من ذلك لتلك العقول براهين قاطعة على وجود خالق مدبر، وحكيم قدير، ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم. والإِيمان بالغيب الذى أخبر به الصادق المصدوق لا يقوى ويعظم كلما قوى الإِيمان فى القلوب، واستولى الصفاء على النفوس، وقد مدح النبى وَلّ المؤمنين بالغيب فى أحاديث متعددة، منها ما جاء عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قال: قلت لابن جمعة : حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله قال: نعم أحدثك حديثًا. تغدينا مع رسول الله وَ الهيل ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بى ولم یرونی)). قال ابن كثير: فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا (١). وأخرج ابن أبى حاتم والطبرانى وابن منده وأبو نعيم عن بديلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر فى مسجد بنى حارثة، واستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله وَ قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ ذلك النبى واليه فقال: ((أولئك قوم آمنوا بالغيب))(٢). تلك أول صفة نتيجة التقوى وهى الإِيمان بالغيب، أما الصفة الثانية التى مدح الله بها المتقين فهى قوله - تعالى - : ﴿ويقيمون الصلاة﴾. الصلاة فى اللغة الدعاء، من صلى يصلى إذا دعا، واستعملها الشارع فى العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء، والإقامة فى الأصل: الدوام والثبات، من قولك : قام. الحق أى: ظهر وثبت. ومعنى ﴿يقيمون الصلاة﴾: يؤدونها فى أوقاتها المقدرة لها، مع تعديل أركانها، وإيقاعها . مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة المقامة بحق هى تلك التى يصحبها (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤١. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٢. ٤٤ المجلد الأول الإِخلاص، واستحضار جلال الله فى الركوع والسجود، وهى التى تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس، وعفافها، وتركها لكل الشرور والآثام، كما قال - تعالى -: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. وقدم الإِيمان بالغيب على إقامة الصلاة تعظيمًا لعمل القلب، واعتدادًا بشرطية الإِيمان فى صحة أعمال الجوارح. وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأنها تتكرر فى اليوم خمس مرات، ولأنها صلة بين العبد وربه، والإنفاق صلته بالناس، ولأن مشروعيتها كانت سابقة على مشروعية الزكاة. أما الصفة الثالثة التى مدح الله بها المتقين فهى قوله - تعالى - : ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾. أى: ومما أعطيناهم وملكناهم يتصدقون فى وجوه الخير، ويمدون أيديهم بالإحسان إلى الفقير والمسكين. والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حرامًا، خلافًا للمعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق. والإنفاق: إخراج المال وإنفاده وصرفه، يقال: نفق - كفرح ونصر - نفد وفنى أو قلّ. وأنفق ماله أنفده، وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب، ومنه : نافق فلان، والنافقاء، والنفق. وقال ((ينفقون)) ولم يقل أنفقوا، ليشعر بأن الإنفاق منهم يتجدد بين وقت وآخر. ولم يحدد وجوه الانفاق بل تركها مطلقة لتشمل الفرض والواجب وغيرهما من وجوه الإِحسان. وإيراد ((من)) فى قوله تعالى - ﴿ومما رزقناهم) للإشارة إلى أن مواظبتهم على إنفاق أموالهم بين الحين والحين، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة المهتدين المفلحين، وللإشعار بأنهمَ ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف والتبذير حتى لا يتركوا ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس. هذا، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحض على الإنفاق فى وجوه الخير، ومدح الذین يفعلون ذلك مدحًا عظيمًا فى عشرات الآيات، وذلك لأن الأمة التى يكثر فيها المنفقون لأموالهم فى وجوه الخير، لابد أن تعز كلمتها، وتسلم من كوارث شتى، كالجهل، والفقر، والمرض. فببذل المال تسد حاجات البؤساء، وتشاد معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ الصحة، وتنمو المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء. ٤٥ سورة البقرة قال تعالى : ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل . سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾. ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفًا رابعًا فقال: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. والمراد بقوله - تعالى - ﴿بما أنزل إليك﴾ القرآن الكريم، وإنما عبر عنه بلفظ الماضى - وإن كان بعضه مترقبًا - تغليًا للموجود على ما لم يوجد. والمراد بقوله - تعالى - ﴿وما أنزل من قبلك﴾، الكتب الإلهية السابقة التى أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود. وهذا كقوله - تعالى - : ﴿یأیها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والکتاب الذی نزل علی رسوله والکتاب الذی أُنزل من قبل﴾(١). والإِيمان بما أنزل على الرسول # يستلزم الإِيمان برسالته، ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته . وإيجاب العمل بما تضمنه القرآن الذى أنزله الله على مجمد ول# باق على إطلاقه. أما الكتب السماوية السابقة فيكفى الإِيمان بأنها كانت وحيًا وهداية، وقد تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه الكتب من هدايات وأصبح بنزوله مهيمنًا عليها، قال - تعالى -: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىءٍ﴾. وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات. وقدم الإِيمان بما أنزل عليه على الإِيمان بما أنزل على الذين من قبله - مع أن الترتيب يقتضى العكس - لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا محمد أل *: ولم يقل: ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير يؤمنون، للإشعار بأن الإِيمان به وبهم واحد، لا تغاير فيه وإن تعدد متعلقه. ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة، أهل الكتاب الذين آمنوا بالكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن، نم لما نزل القرآن على النبى محمد # وعرفوا أنه الحق - آمنوا به أيضًا -، فصار لهم أجران، كما جاء فى الحديث الشريف، الذى ثبت فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله # قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين يوم القيامة: رجل من (١) سورة النساء الآية ١٢٦. ٤٦ المجلد الأول أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بى، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها. ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ الآخرة تأنيث الآخر. وهذا اللفظ تارة يجىء وصفًا ليوم القيامة مع ذكر الموصوف، كما فى قوله - تعالى - ((وللدار الآخرة خير للذين يتقون)) وتارة بهذا المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف، كما فى الآية التى معنا، وكما فى قوله - تعالى - ﴿وللآخرة أکبر درجات وأكبر تفصيلا﴾ وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الأولى. و﴿يوقنون﴾ من الإِيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم حوله شبهة. يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته، ويقال: يقنت - بالكسر - يقنًّا، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت بمعنى واحد. والمعنى: وبالدار الآخرة ومافيها من بعث وحساب وثواب وعقاب هم يوقنون إيقانًا قطعيًا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة. وفى إيراد ((هم)) قبل قوله ((يوقنون)) تعريض، بغيرهم، ممن كان اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين. ولا شك أن الإِيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، له أثر عظيم فى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، لأن من أدرك أن هناك يومًا سيحاسب فيه على عمله، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذى يكسبه رضى الله يوم يلقاه. قال أبو حيان: وذكر لفظة ﴿هم﴾ فى قوله: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ ولم يذكرها فى قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإِنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد ولأنه لوذكر ﴿هم﴾ هناك لكان فيه قلق لفظى، إذ يكون التركيب ((ومما رزقناهم هم ينفقون))(١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار التى ترتبت على تقواهم فقال : ﴿أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون﴾. المفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية، وأصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث. وأستعمل منه الفلاح فى الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت. (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ٤٢. ٤٧ سورة البقرة والمعنى: أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على نور من ربهم، وأولئك هم الفائزون بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، بسبب إيمانهم العميق، وأعمالهم الصالحة. والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين فى المنزلة العليا من الكمال الإنسانى، فقد وصفهم - سبحانه - بأنهم على هدى عظيم، ويدل على عظم هذا الهدى إيراده بصيغة التنكير، إذ من المعلوم عند علماء البيان أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم. كما يدل - أيضًا - على عظم هذا الهدى وصفه بأنه ((من ربهم))، فهو الذى وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه. وفى قوله - تعالى -: ﴿على هدى﴾ إشعار بأنهم تمكنوا منه تمكن من استعلى على الشىء، وصار فى قرار راسخ منه. وجملة ((وأولئك هم المفلحون)) بيان لما ظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال، من سعادة فى الدنيا والآخرة. وتعريف الخبر وهو ﴿المفلحون) مع إيراد ضمير الفصل ((هم)) يفيد أن الفلاح مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، أو بخل بالمال الذى منحه الله إياه فلم يؤده فى وجوهه المشروعة، فإنه لا يكون من المهتدين، ولا من المفلحين الذين سعدوا فى دنياهم وآخرتهم. قال الإِمام الرازى: ((وفى تكرير)) ﴿أولئك) تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح - أيضًا - فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين، فإن قيل: فلم جىء بالعاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾. قلنا : قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شىء واحد، وكانت الثانية مقررة لما فى الأولى، فهى من العطف بمعزل))(١). وقال صاحب الكشاف بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة (( ... فانظر كيف كرر الله التنبيه على - اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهى: ذكر اسم الاشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين أولئك، ليبصرك مرتباتهم، ويرغبك فى طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ١٦٩. ٤٨ المجلد الأول والتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته ... ))(١) .. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم بما يستحقه، وأثنت على من اهتدوا بهديه، ووصفتهم بالصفات السامية، وبشرتهم بالبشارات الكريمة. وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب وأثره فى الهداية والإِرشاد، وتصوير حال المتقين الذين اهتدوا به، وما اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة وحسن الجزاء، أقول بعد أن انتهى من بيان كل ذلك شرع فى بيان حال الكافرين، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح الأوصاف فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ آ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَنْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٧ ففى هاتين الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس، على الضد فى طبيعتها وأوصافها. ومآلها من الطائفة الأولى التى فازت برضوان الله. والكفر - بالضم - ضد الإِيمان. وأصله المأخوذ منه الكفر - بالفتح - وهو ستر الشىء . وتغطيته، ومنه سمى الليل كافرًا، لأنه يغطى كل شىء بسواده، وسمى السحاب كافرًا لستره ضوء الشمس. ثم شاع الكفر فى مجرد ستر النعمة، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده لها. ويستعمله الشارع فى عدم الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وسمى من لم يؤمن بما يجب الإِيمان به بعد الدعوة إليه - كافرًا، لأنه صار بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له. والمراد بالذين كفروا فى الآية التى معنا، طائفة معينة صمت آذانها عن الحق، عنادًا وحسدًا،. وليس عموم الكافرين، لأن منهم من دخل فى الإسلام بعد نزول هذه الآية. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٦. ٤٩ سورة البقرة وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أى: مستو ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر، كما فى قوله - تعالى - : ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾. أى: مستوية. والإنذار: إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من المخوف، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى -. والمعنى: إن الذين كفروا برسالتك يا محمد مستو عندهم إنذارك وعدمه، فهم لا يؤمنون بالحق، ولا يستجيبون لداعى الهدى، لسوء استعدادهم، وفساد فطرهم. وجاءت جملة ((إن الذين كفروا: مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذى سيق له الكلام، إذ فى الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: ((فإن قلت لم قطعت قصة الكفار عن قصه المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: ﴿إن الأبرار لفى نعيم. وإن الفجار لفى جحيم﴾. وغيره من الآيات الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت. لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقه لذكر الكتاب وأنه هدى المتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت؛ فبين الجملتين تباين فى الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف)). وقوله ﴿سواء﴾ خبر إن و﴿عليهم﴾ متعلق به، و ﴿أأنذرتهم﴾ مؤول بمصدر فاعل سواء. أى: إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه؛ مع أن الإنذار إنما يواجههم به نبى قوى أمين مؤيد من الله - تعالى -، لأنهم لما جحدوا نعم الله، وعموا عن آياته، وحسدوا رسوله على ما آتاهُ الله من فضله، صاروا بسبب ذلك فى حضيض جمد معه شعورهم، وبرد فيه إحساسهم، فلا تؤثر فيهم موجعات القول، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج. فهم كما قال الشاعر: ولكن لا حياة لمن تنادى لقد أُسمعت إذ ناديت حيا ولم يذكر - سبحانه - التبشير مع الإنذار، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإِنذار أوقع فى القلوب، والذى لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى. ولم يقلُ - سبحانه - سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم .. الخ، لأنه بالنسبة له وَلخر لا يستوى الأمران، إذ هو فى حالة إنذاره لهم مثاب ومأجور، أما فى حالة عدم إنذاره فهو ٥٠ المجلد الأول مؤاخذ من الله - تعالى - لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه. وجملة ﴿لا يؤمنون) مفسرة لمعنى الجملة التى قبلها ومؤكدة لها، لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء، فلا يتوقع منهم الإِيمان. ولذلك فصلت. وفى هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ألبتة، وذلك لأن حرف ((لا)) إذا دخل على الفعل المضارع - كما هنا - أفاد أن الفعل لا يقع فى المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفى فى المستقبل . علی وقت محدد. والحكمة فى الإِخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار، تسلية النبى وَلّ حتى لا يكون فى صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفى ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفًا على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم بعد أن دعاهم إليه، وبذل قصارى جهده فى تبصيرهم وإرشادهم. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموانع التى حالت بينهم وبين الاهتداء إلى الحق فى الماضى والمستقبل فقال تعالى : ﴿ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة﴾. والختم : الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشىء وطبعه فيه للاستيثاق، لكى لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه. قال القرطبى: ((والختم مصدر ختمت الشىء ختمًا فهو مختوم مختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشىء والاستیثاق منه، وقد یکون محسوسًا كما فى ختم الكتاب والباب، وقد يكون معنويًا كالختم على القلوب ... ))(١) والقلوب : جمع قلب، وهو المضغة التى توجد بالجانب الأيسر من صدر الإِنسان، ويستعمل فى القوة العاقلة التى هى محل الفهم والعلم. والسمع : مصدر سمع. ويطلق على الآلة التى يقع بها السمع. ولما كان الختم يمنع من أن يدخل فى المختوم عليه شىء، استعير لإحداث هيئة فى القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما. الأبصار: جمع بصر، وهو فى الأصل الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التى يقع بها الإِبصار، وعلى العين نفسها. وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار فى الآية. وهو الأنسب (١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ١٨٦. ٥١ سورة البقرة لأن تجعل عليه غشاوة. ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدى إلى النظر فى حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات. باعتبار وتدبر وحتى لكأنما جعلت عليها غشاوة. والغشاوة: ما يغطى به الشىء، من غشاه إذا غطاه. يقال : غشيه غشاوة - مثلثة - وغشاية. أى: ستره وغطاه. فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز حصينة، وأقفالا متينة قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم، وغشاوات مطبقة على أبصارهم حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير. وعبر فى جانب القلب والسمع بالختم، وفى جانب البصر بالغشاوة، لمعنى سام، وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، إذ غشاوة العين معروفة لنا، فالتعبير فى جانب العين بالغشاوة مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم. وعبر فى جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث، وفى جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير، ولا يواجهون بحجة، وإنما كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبى وَله. وأما ما يدرك بالبصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته، فقد كان قائما فى السماوات وفى الأرض وفى الأنفس، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثًا متجددًا، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى، وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم، وكذلك شأن الناس فيما تنظره أبصارهم من آيات الله فى كونه، فإن أنظارهم تختلف فى عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون تدبره من آيات الله فى الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعًا شىء واحد هى الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه لهم النبيون. لذلك كان الناس جميعًا كأنهم على سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانًا من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد. ٥٢ المجلد الأول ونرى القرآن هنا قدم القلب فى الذكر على السمع، بينما فى سورة الجاثية قدم السمع فى الذكر على القلب فقال : ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؛ أفلا تذكرون﴾. وذلك لأنه - سبحانه - فى سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله ((اتخذ إلهه هواه، ومن اتخذ إلهه هواه يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف هو إعراضه عن النصح، ولى رأسه عن استماع الحجة، فكان مظهر عدم السماع منه أول ما يبدو للناظرين، فلذلك قدم السمع على القلب. وأما آيتنا هذه وهى قوله - تعالى - ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله ﴿لا يؤمنون﴾. والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبراهين، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو بالقلب فكان التعليل المتصل الواضح لنفى الإيمان أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، أولا يتسرب إليها نور البرهان لذلك قدم القلب على السمع. ٠٠ هذا وقوله - تعالى - ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ .. إلخ. لا ينفى عنهم تبعة الكفر، لأنهم هم الذين باشروا من فاسد الأعمال، وذميم الخصال، ومتابعة الهوى، ما نسج على قلوبهم الأغلفة السميكة، وأصم إلى جانب ذلك آذانهم وأعمى أبصارهم، ﴿وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾. ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسألة فليرجع إليه من شاء. ثم بين - سبحانه - ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم فى الكفر. واستحبابهم للمعاصى فقال : ﴿ولهم عذاب عظيم﴾. أى: ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع مؤلم لأبدانهم وأجسامهم. وأصل العذاب: المنع، يقال: عذب الفرس - كضرب - امتنع عن العلف. وعذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب. ثم أطلق على الإيجاع الشديد لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم: الكبير، من عظم الشىء، وأصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير محسوسا كان أو معقولا. ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيرًا هيئًا. ٥٣ سورة البقرة قال أبو حيان فى البحر: وقد ذكروا فى هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة, أنواعًا. الأول: الخطاب العام اللفظ، الخاص المعنى. الثانى : الاستفهام الذى يراد به تقرير المعنى فى النفس. أى: يتقرر أن الانذار وعدمه سواء. عندهم . الثالث : المجاز ويسمى الاستعارة وهو فى قوله - تعالى - ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا معنوى؛ فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير اسم المختوم عليه، فبين أنه من مجاز الاستعارة. الرابع : الحذف وهو فى مواضع منها ﴿إن الذين كفروا .. ﴾ أى: القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به، ومنها ﴿لا يؤمنون﴾ أى بالله وبما أخبرتهم به عنه(١). وإلى هنا يكون القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس : طائفة المتقين ومالها من جميل الصفات، وجزيل الثواب، وطائفة الكافرين ومالها من ذميم النعوت، وشديد العقاب. ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص المتقين، وليس لديها صراحة الكافرين، وإنما هى طائفة قلقة مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، تلك الطائفة الثالثة هى طائفة المنافقين الذين فضحهم القرآن. وأماط اللئام عن خفاياهم وخداعهم فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ (٥) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٦ فِي قُلُوبِهِم قَرَضِّ فَزَادَ هُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْيَكْذِ بُونَ. ١٠ قال صاحب الکشاف: ((افتتح - سبحانه - کتابه بذکر الذین أخلصوا دينهم لله، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ووافق سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهرًا (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ٥٠. ٥٤ المجلد الأول وباطنًا، قلوبًا وألسنة، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهم الذين قال فيهم: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾، وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهًا وتدليسًا، وبالشرك استهزاء وخداعًا، ولذلك أنزل فيهم : ﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾ ووصف حال الذين كفروا فى آيتين ووصف حال الذين نافقوا فى ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم، وسفههم. واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل طغيانهم، ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف الجملة على الجملة))(١). والناس: اسم لجماعة الإِنس. قال القرطبى: ((واختلف النحاة فى لفظ الناس فقيل : هو من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة على غير اللفظ، وتصغيره نويس، فالناس من النوس وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس أى: تحرك. وقيل: أصله نسى، فأصل ناس نسى، قلب فصار نيس، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا، ثم دخلت الألف واللام فقيل: الناس، قال ابن عباس : نسى آدم عهد الله فسمى إنسانًا. وقيل: سمى إنسانًا لأنسه بربه، قال الشاعر : وما سمى الإِنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب(٢) واليوم الآخر: هو اليوم الذى يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبدًا، وقد يراد منه اليوم الذى يبتدئُّ بَالبعث وينتهى باستقرار أهل الجنة فى الجنة. وأهل النار فى النار. وقال القرآن فى شأن المنافقين ﴿ومن الناس﴾ مجردًا إياهم من الوصفين السابقين، وصف الإِيمان ووصف الكفر، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين، لذا عبر عنهم بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أتهم لاهم مؤمنون. ولاهم كافرون وفى ذلك مبالغة فى الحط من شأنهم. فهم لم يخرجوا عن كونهم ناسًا فقط، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصرحاء فى كفرهم، بل بقوا فى منحدر من الأرض، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك المعوج من الطرق. وعبر القرآن بلفظ ﴿يقول آمنًا﴾ ليفيد أنه مجرد قول باللسان، لا أثر له فى القلوب، وإنما هم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤. (٢) تفسير القرطبى جـ ١ ص ١٩٢. ٥٥ سورة البقرة وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا فى إظهار الإِيمان على ذكر الإِيمان بالله واليوم الآخر، ليزيدوا فى التمويه على المؤمنين بإدعاء أنهم أحاطوا بالإِيمان من طرفيه، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، استجابة لدعوة الرسول #﴿ فإن من شأنه أن يكون - أيضا - مؤمنًا برسل الله وملائكته وكتبه. وقد كذبهم الله - تعالى - فى دعواهم الإِيمان، فقال : ﴿وما هم بمؤمنين﴾. فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإِيمان، ونفى له على أبلغ وجه، إذ جاء النفى مؤكدًا بالباء فى قوله ﴿بمؤمنين﴾. ثم ان الجملة نفت عنهم الإِيمان على سبيل الإطلاق، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته. ثم بين - سبحانه - الدوافع التى دفعتهم إلى أن يقولوا ﴿آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين﴾ فقال : ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾. والخدع فى أصل اللغة: الإِخفاء والإِبهام، يقال خدعه - كمنعه - خدعا، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم؛ وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإِقبال عليه ثم خرج من باب آخر. وخداعهم الله - تعالى - معناه إظهارهم الإِيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويفوزوا بسهم من الغنائم، وسمى فعلهم هذا خداعًا لله - تعالى - لأن صورته صورة الخداع، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة، ولا يجوز حملها على الحقيقة، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه صنع المنافقين؛ بل لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. قال - تعالى - ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾. أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم فى العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير. بينما هم فى الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر. وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة، إذ أن قول المنافقين ((آمنا)) وما هم بمؤمنين، يثير فى نفس السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحال المضطربة والحياة القلقة المقامة على الكذب، فكان الجواب : إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين، جهلا منهم بصفات خالقهم. ٥٦ المجلد الأول وقال القرآن: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾. ولم يذكر مخادعتهم للرسول وَيتر، ولعل الحكمة فى ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة الله مخادعة لرسوله، لأنه هو الذى بعثه إليهم، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه. قال - تعالى - : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ وقال - تعالى - ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾. الأنفس : جمع نفس بمعنى ذات الشىء وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذى يكون به الحس والحركة والإدراك. ويشعرون : مضارع شعر بالشىء - كنصر وكرم - يقال: شعر بالشىء أى: فطن له، ومنه: الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعانى ودقائقها. والشعور: العلم الحاصل بالحواس، ومنه مشاعر الإِنسان أى: حواسه. والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون، ولم يخادعوا المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين، وإنما يخدعون أنفسهم لأن ضرر المخادعة عائد عليهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. لأن ظلام الغى خالط قلوبهم، فجعلهم عديمى الشعور، فاقدى الحس. وأتى بجملة ((وما يخدعون إلا أنفسهم))، بأسلوب القصر مع أن خداعهم للمؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك، أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه. ونفى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها، ولم يستعملوها فيما خلقت له، فكانوا كالفاقدين لها. ثم بين - سبحانه - العلة فى خداعهم لله وللمؤمنين فقال: ﴿فى قلوبهم مرض﴾. والمرض: العلة فى البدن ونقيضه الصحة، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء فيخل بكمال نفسه، كسوء العقيدة والحسد، والبغضاء والنفاق، وهو المراد هنا. وسمى ما هم فيه من نفاق وكفر مرضا، لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل. كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل. وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للمرض، للإشعار بأنه تمكن منها تمكنا شديدا كما يتمكن الظرف من المظروف فيه. ٥٧ سورة البقرة ثم أخبر - سبحانه - بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا وخسرًا فقال: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾. لأنهم استمروا فى نفاقهم وشكهم، ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج مرضه زاد لا محالة مرضه، إذ المرض ينشئ المرض، والانحراف يبدأ يسيرًا ثم تنفرج الزاوية فى كل خطوة وتزداد. والمعنى: أن هؤلاء المنافقين قد زادهم الله رجسًا على رجسهم، ومرضا على مرضهم، وحسدا على حسدهم، لأنهم عموا وصموا عن الحق، ولأنهم كانوا يحزنون لأى نعمة تنزل بالمؤمنين. كما قال - تعالى -: ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾. ﴿أليم﴾ أى: مؤلم وموجع وجعًا شديدًا. من ألم - كفرح - فهو ألم، والمه يؤلمه إيلاما، أى: أوجعه إيجاعا شديدا. والكذب: الإخبار عن الشىء بخلاف الواقع. ولقد كان المنافقون كاذبين فى قولهم ((آمنًا بالله وباليوم الآخر)) وهم غير مؤمنين، وجعلت الآية الكريمة العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم كفرة، والكفر أكبر معصية من الكذب، للإشعار بقبح الكذب، وللتنفير منه بأبلغ وجه، فهؤلاء المنافقون قد جمعوا الخستين، الكفر الذى توعد الله مرتكبه بالعذاب العظيم، والكذب الذى توعد الله مقترفه بالعقاب الألیم. وعبر بقوله: ﴿كانوا يكذبون﴾ لإفادة تجدد الكذب وحدوثه منهم حينًا بعد حين، وأن هذه الصفة هى أخص صفاتهم، وأبرز جرائمهم، ثم وصفهم الله - تعالى - بعد ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال : وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ١١ لَانُفْسِدُ وا فِ الْأَرْضِ قَالُواْإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْكُرُونَ ﴿ وَإِذَاقِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْ مِنٌ كَمَآءَامَنَ الشُّفَهَآءُ أَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ ١٣ ٠١ د٩٩ ٥٨ المجلد الأول الفساد: خروج الشىء عن حالة الاعتدال والاستقامة، وعن كونه منتفعًا به، وضده الصلاح، يقال: فسد الشىء فسادًا، وأفسده إفسادًا. والمراد به هنا كفرهم، ومعاصيهم، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد فى الأرض، لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة. ومن أبرز معاصى هؤلاء المنافقين، ما كانوا يدعون إليه فى السر من تكذيب الرسول واله وإلقاء الشبه فى طريق دعوته، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا . وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال: ﴿وإذا قيل لهم﴾ بالبناء للمفعول دون أن يسند الفعل إلى فاعله، لأن مصدر القول المعبر عن النهى عن الإِفساد ليس مصدرًا واحدًا، فقد يصل آذانهم هذا النهى مرة من صريح القول. وأخرى مما كانوا يقابلون به من ناحية الرسول وَله وأصحابه من تجهم وإعراض. وعلق بالفعل، الذى هو الإفساد قوله: ﴿فى الأرض﴾ إيذانًا بأن الإفساد مهما ضاقت حدوده، فإنه لابد يومًا أن يتعدى الحدود إلى ما وراء ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد فى الاحتياط له، لذلك جعل ظرف إفسادهم الأرض كلها مع أنهم موجودون فى بقعة محصورة هى المدينة المنورة. ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من تبجح وادعاء فقال : ﴿قالوا: إنما نحن مصلحون﴾. فقد بالغوا فى الرد فحصروا أنفسهم أولا فى الإصلاح مبالغة المفجوع الذى أذهلته المفاجأة بكشف أستار حقيقته، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا: ﴿إنا مصلحون﴾ بل قالوا ((إنما)). ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا بذلك على أن شأنهم فى الإصلاح ثابت لازم. قال الراغب: صوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما فى قلوبهم من المرض، كما فى قوله - تعالى - ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا﴾. وقوله: ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾. وقوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾. ولقد كذبهم الله - تعالى - تكذيبًا مؤكدًا فى دعواهم أنهم مصلحون فقال : ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾. فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وضع فى الرد عليهم جملة صدرها بأداة الاستفتاح إيذانًا بأن ٥٩ سورة البقرة ما قالوه يجب أن يهمل إهمالا، بل يجب أن يكون وصفهم بالإِفساد قضية مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامع وهو منتبه النفس، حاصر الذهن. ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها: وصل ((ألا)) ((بإن)) الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق الخبر بالمبتدأ، ومنها اسمية الجملة، ومنها إفادة قصرهم على الإِفساد فى مقابل تأكيدهم أنهم هم المصلحون. ولما كان هذا الرد المؤكد عليهم يستدعى عجبًا، لأنهم زعموا أنهم لا حال لهم إلا الاصلاح، مع أنهم فى الحقيقة لا حال لهم إلا إلافساد، لما كان الأمر كذلك، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله : ﴿ولكن لا يشعرون﴾. أى: أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم، ونفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم شيئًا، ومن أسوأ ألوان الجهل أن يكون الإِنسان مفسدًا ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر فى العیان، مرئی لکل ذى حس. فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلاف آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحا، والشر خيرًا. وليس عدم شعورهم رافعًا العقاب عنهم، لأن الجاهل لا يعذر بجهله خصوصًا إذا كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة، وسطوع البراهين. ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن المنكر فقال : ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾. المراد من الناس: المؤمنون بالرسول # الصادقون فى إيمانهم السفهاء : جمع سفيه، وأصل السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال: ثوب سفيه، إذا كان ردىء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقًا. وتسفهت الريح الشجر. أى: مالت به. وزمام سفيه : كثير الاضطراب، لمنازعة الناقة إياه، وشاع فى خفة العقل وضعف الرأى. وهو المعنى المقصود بالسفهاء فى الآية. فقد كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فيما بينهم. وروى أنهم كانوا يقولون: أنؤمن كما آمن سفيه بنى فلان، وسفيه بنى فلان؟! فأوحى الله للنبى والر بهذا الذى كانوا يقولونه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وصفوهم بالسفه وهم العقلاء المراجيح؟ قلت لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ٦٠ المجلد الأول ركب متن الباطل كان سفيهًا، ولأنهم كانوا فى رياسة من قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرًا لشأنهم(١) اهـ ملخصا. وقد رد الله عليهم بما يكبتهم ويفضحهم فقال : ﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾ لأنهم أعرضوا عن النظر فى الدليل وباعوا آخرتهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل. وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم فى دعوى سفه الصادقين فى إيمانهم، فإن قوله - تعالى - ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ يفيد أن السفه مقصور عليهم فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين، وقد تضمنت هذه الجملة من المؤكدات ما تضمنته الجملة السابقة فى قوله - تعالى - ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾ . وإنما قال فى الآية السابقة ((ولكن لا يشعرون)) وقال فى هذه الآية ﴿ولكن لا يعلمون﴾ لأن الآية السابقة وصفتهم بالإِفساد، وهو من المحسوسات التى تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور الذى هو الإدراك بالمشاعر: الحواس، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأى والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص فى نفسه إلا يعد نظر وإمعان فكر. فيناسبه نفى العلم. ثم بين القرآن ماهم عليه من سلوك ذميم، وأنهم يقابلون الناس بوجوه مختلفة فقال : وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالْوَأَإِنَا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (٤ ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُلُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ وْلَبِكَ الَّذِينَ أَشْتَرُ واْ الضَّلَلَةَ ١٥ بِالْهُدَى فَمَارَبِحَت ◌َرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ ١٦ ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته وصادفته وكان قريبًا منك. والمصدر (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٤.