النص المفهرس

صفحات 1-20

البَقْسيُ الوَسِط
لِلقُرآنِ الْكُرِيمْ
تفسير سورتى
الفاتحة والبقرة
الدكتور محمّد سَيدٌ طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد الأول
دار المعارف
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢م

راجعة
د. عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
تصميم الغلاف
أبو بكر الواحى
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

بِسْمِاللَّهِالرّحمنِ الرَّحِم
رَبَّنَا فَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
صدق الله العظيم
١٢٧

فى هذا المجلد
تفسير سورة الفاتحة
صفحة
١١
٢٧
• تفسير سورة البقرة

٥
مقدمة
◌ِاللهِ الرَّحْمِ الْرَّحِيمِ
ليسـ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، ألا له الخلق والأمر
تبارك الله رب العالمين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وأنزل عليه
كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل وسلم
وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذى
أنزل معه، أولئك هم المفلحون.
وبعد: فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على قلب نبيه محمد - 18 -، ليخرج
الناس من الظلمات إلى النور، ولينقذهم من الكفر والظلم والفجور. ﴿كتاب أنزلناه إليك
لتُخرِج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾(١).
وقد أنزل الله - تعالى - هذا القرآن على قلب نبيه #*، لمقاصد عالية، وحكم سامية،
وأغراض شريفة ...
من أهمها أن يكون هذا القرآن هداية للإِنس والجن فى كل زمان ومكان إلى الصراط
المستقيم، وإلى السعادة التى تصبو إليها النفوس، وتتطلع إليها الأفئدة والقلوب ....
وقد أودع - تعالى - فى هذا الكتاب من العقائد السليمة، والعبادات القويمة، والأحكام
الجليلة، والآداب الفاضلة، والعظات البليغة، والتوجيهات الحكيمة ... ما به قوام الملة
الكاملة، والأمة الفاضلة، والجماعة الراشدة، والفرد السليم فى عقيدته وسلوكه وفى كل
شئونه .
فكان هذا الكتاب أفضل الكتب السماوية، وأوفاها بحاجة البشرية، وأجمعها للخير،
وأبقاها على الدهر، وأعمها وأتمها وأصحها فى هدايته الناس إلى ما يصلحهم فى معاشهم
ومعادهم .
(١) سورة إبراهيم: الآية ١.

٦
المجلد الأول
قال - تعالى -: ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون
الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا﴾(١).
وقال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل
السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾(٢).
وقال - تعالى - ﴿قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن، فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبًا.
يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾(٣).
كذلك من أهم المقاصد التى من أجلها أنزل الله تعالى على نبيه هذا القرآن، أن
يكون هذا القرآن معجزة ناطقة فى فم الدنيا بصدقه فيما يبلغه عن ربه.
ولقد جاء النبى - ري - إلى الناس فدعاهم إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق،
وقال لهم: معجزتى الدالة على صدقى هذا القرآن، فإن كنتم فى شك من ذلك فأتوا بمثله
فعجزوا، فأرخى لهم العنان وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، فزاد فى
إرخاء العنان لهم - وهم أرباب البلاغة والبيان - وتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله،
فأخرسوا وانقلبوا صاغرين. فثبت أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
قال الله تعالى -: ﴿وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا
شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها
الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾(٤) . .
كذلك من أهم المقاصد التى من أجلها أنزل الله هذا القرآن على قلب نبيه - صل# -، أن
يتقرب الناس به إلى خالفهم عن طريق تلاوته، وحفظه، وتدبره، والعمل بتشريعاته وآدابه
وتوجيهاته ...
ولقد تكلم الإِمام القرطبى بإسهاب فى مقدمة تفسيره عن فضائل القرآن، والترغيب فيه،
وفضل طالبه، وقارئه، ومستمعه، والعامل به، وكيفيه تلاوته ... فقال ما ملخصه:
اعلم أن هذا الباب واسع کبیر. ألف فیه العلماء کتبًا كثيرة، نذكر من ذلك نکتا تدل على
فضله، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه، وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر
المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين. كلام من ليس كمثله شىء ....
(١) سورة الإِسراء. الآية ٩.
(٢) سورة المائدة: الآيتان ١٥، ١٦.
(٣) سورة الجن: الآيتان ١، ٢.
(٤) سورة البقرة: الآيتان ٢٣، ٢٤.

٧
مقدمة
ومن الآثار التى جاءت فى هذا الباب ما أخرجه الترمذى عن أبى سعيد قال : قال رسول
الله - ◌َ﴾ - يقول الله تعالى: ((من شغله القرآن وذكرى عن مسألتى، أعطيته أفضل ما أعطى
السائلين .. )).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وله: ((إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من .....
مأدبته ما استطعتم ... )).
وروى البخارى عن عثمان بن عفان عن النبى في قال: ((خيركم من تعلم القرآن
وعلمه))، وروى مسلم عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله وَّير: ((مثل المؤمن"
الذى يقرأ القرآن كمثل الأترجة(١) ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذى لا يقرأ
القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة
ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها
مر)).
وروى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله : ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام
البررة، والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه - أى يقرؤه بصعوبة - وهو عليه شاق له أجران)).
وروى الترمذى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وسلم: ((من قرأ حرفاً من كتاب
الله فله بکل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف،
ولام حرف، وميم حرف))(٢).
هذا جانب من الأحاديث الشريفة التى أوردها القرطبى، وهو يتحدث عن فضائل القرآن،
الخ .
والترغيب فيه
ولقد حذر النبى #: أمته تحذيرًا شديدًا من نسيان القرآن، فقد روى الشيخان عن أبى
موسى عن النبى ﴿﴿ قال: ((تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا - أى:
تفلتا - من الإِبل فى عُقُلِها)).
وروى الترمذى وأبو داود عن أنس بن مالك عن النبى و # قال: ((عرضت على ذنوب
أمتى فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)).
هذه أهم المقاصد والحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على نبيه صل : أن
(١) الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
(٢) تفسير القرطبى: حـ ١ ص ٤ وما بعدها:

٨
المجلد الأول
يكون هداية للناس، وأن يكون معجزة خالدة باقية شاهدة بصدق الرسول - اَلر - : فيما
يبلغه عن ربه، وأن يتقرب الناس بقراءته والعمل به إلى خالفهم - عز وجل - ولقد تكفل الله
- تعالى - بحفظ هذا القرآن، وصانه من التحريف والتبديل، والتغيير والمعارضة. قال
- تعالى -: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾(١).
وكان من مظاهر عتايته - سبحانه - بكتابه، أن جعله محفوظًا فى كل العصور بالتواتر
الصادق القاطع، يرويه الخلف عن السلف بالكيفية المروية عن رسول الله - وَليه -، وأن
وفق له فى كل عصر حفاظًا متقنين جمعوه فى صدورهم، وعمروا به ليلهم ونهارهم ...
وأن قيض له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم فى خدمته ودراسة علومه، فمنهم من كتب
فى إعجازه وبلاغته، ومنهم من كتب فى قصصه وأخباره، ومنهم من كتب فى أسباب نزوله،
ومنهم من كتب فى قراءاته ورسمه، ومنهم من كتب فى محكمه ومتشابهه، ومنهم من كتب
فى ناسحه ومنسوخه، ومنهم من كتب فى مكيه ومدنيه، ومنهم من كتب فى غريب
ألفاظه ..... إلى غير ذلك من ألوان علومه.
وكثير منهم كتبوا فى تفسيره. وتوضيح معانيه ومقاصده وألفاظه، وذلك لأن سعادة الأفراد
والأمم لا تتأتى إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن وتوجيهاته، وهذا الاسترشاد لا يتحقق
إلا عن طريق الكشف والبيان، لما تدل عليه ألفاظ القرآن. وهو ما يسمى بعلم التفسير.
فتفسير القرآن هو المفتاح الذى يكشف عن تلك الهدايات السامية، والتوجيهات النافعة،
والعظات الشافية والكنوز الثمينة التى احتواها هذا الكتاب الكريم.
وبدون تفسير القرآن، تفسيرًا علميًا سليمًا مستنيرًا لا يمكن الوصول إلى ما اشتمل عليه
هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات، مهما قرأه القارئون وردد ألفاظه المرددون.
قال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم
جاءهم کتاب من ملیکهم لیلا، ولیس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما فى
الكتاب. ومثل الذى يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما فى الكتاب))(٢).
ولقد أفاض الامام ابن كثير فى بيان هذا المعنى ((وفى بيان أحسن طرق التفسير فقال :
((فالواجب على العلماء الكشف عن معانى كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم
ذلك وتعليمه .
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب : أن أصح الطريق فى ذلك أن يفسر
(١) سورة الحجر. الآية ٩.
(٢) تفسير القرطبی حـ١ ص ٢٦.

٩
مقدمة
القرآن بالقرآن فما أجمل فى مكان فإنه قد بسط فى موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك
بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له .... وقد قال رسول الله وسلم: ((ألا إنى أوتيت القرآن
ومثله معه))، يعنى السنة ....
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة .... فإن لم تجده فمن
أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التى اختصوا بها
ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم
كالخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين ... قال عبد الله بن مسعود: والذى لا إله
غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت. ولو أعلم أحدًا أعلم
بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته)). وقال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن
حتى يعرف معانيهن والعمل بهن)).
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: ((حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من
النبى -* - وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل،
فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا)) ....
فإذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من
الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر، وسعيد ابن جبير. وعكرمه مولى ابن
عباس، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصرى وغيرهم))(١).
هذا، وأنت إذا سرحت طرفك فى المكتبة الإسلامية ترى العشرات من كتب التفسير،
منها القديم والحديث، وترى منها الكبير والوسيط والوجيز، وترى منها ما يغلب عليه طابع
التفسير بالمأثور، وترى ما يغلب عليه طابع التفسير بالرأى، وترى منها ما تغلب عليه الصبغه
الفقهيه، أو البلاغيه، أو الفلسفيه، أو الصوفيه، أو العلميه، أو الاجتماعيه، أو
الطائفيه .... أو غير ذلك من الاتجاهات والميول التى تختلف باختلاف أفكار الكاتبين
وثقافتهم ومذهبهم ...
وترى منها المحرر أو شبه المحرر من الخرافات، والأقوال السقيمة، والقصص
الباطلة ... كما ترى منها ما هو محشو بذلك.
. ولقد انتفعت كثيرًا بما كتبه الكاتبون عن كتاب الله - تعالى -، وها أنذا - أخى القارئ -
أقدم لك تفسيرًا وسيطًا لسورتى الفاتحه والبقرة، وقد بذلت فيه أقصى جهدى ليكون تفسيرًا
علميًا محققًا، محررًا من الأقوال الضعيفة، والشبه الباطلة، والمعانى السقيمة ..
(١) تفسير ابن كثير حـ ١ ص ٤ وما بعدها - بتصرف وتلخيص -.

١٠
المجلد الأول
وستلاحظ خلال قراءتك له أننى كثيرًا ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويًا مناسبًا ثم
أبين المراد منها - إذا كان الأمر يقتضى ذلك -.
ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات - إذا وجد وكان مقبولا -.
ثم أذكر المعنى الإجمالى للآية أو الجملة، عارضا(١) ما اشتملت عليه من وجوه البلاغه
والبيان، والعظات والآداب والأحكام ... ، مدعما ذلك بما يؤيد المعنى من آيات أخرى،
ومن الأحاديث النبوية، ومن أقوال السلف الصالح.
. وقد تجنبت التوسع فى وجوه الإعراب، واكتفيت بالرأى أو الآراء الراجحة إذا تعددت
الأقوال ...
وذلك لأننى توخيث فيما كتبت إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدایات جامعة،
وأحكام سامية، وتشريعات جليلة، وآداب فاضلة، وعظات بليغة، وأخبار صادقة،
وتوجيهات نافعة، وأساليب بليغة، وألفاظ فصيحة ...
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وبهجة أفئدتنا، وأن يعيننا ويوفقنا
لإنمام ما بدأناه من خدمة كتابه، وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه
محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
(١) عرض الشىء: أظهره وأبرزه. المعجم الوسيط حـ ٢ ص ٥٩٣.

١١
سورة الفاتحة
◌ُوْرَةُ القَائِحَةِ
بِسِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٣
مَلِكِ يَوْمِ الَّذِينٍ (٢) إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))
أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
.٧
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ
سورة الفاتحة هى السورة الوحيدة التى أمر الإِسلام أتباعه أن يقرأوها فى كل صلاة. وفى
جميع الركعات، وفى كل الأوقات، ولهذا أصبح حفظها ميسورًا لكل مؤمن.
وهذه السورة على صغر حجمها، وقلة آياتها، قد اشتملت بوجه إجمالى على مقاصد الدین
من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد.
٠
ونرى من الخير قبل أن نبدأ فى تفسيرها بالتفصيل، أن نمهد لذلك بالكلام عما يأتى :
أولا : متى نزلت سورة الفاتحة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الرأى الراجح بين المحققين من العلماء أنها نزلت بمكة،
بل هى من أوائل ما نزل من القرآن بمكة . .
وقيل : إنها مدنية. وقيل : إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين
حولت القبلة.
قال القرطبى : الأول أصح لقوله - تعالى - فى سورة الحجر: ﴿ولقد آتيناك سبعًا مِن المثانى،
والقرآن العظيم﴾ وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف فى أن فرض الصلاة كان بمكة،
وما حفظ أنه كان فى الإسلام قط صلاة بغير ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ((يدل على ذلك قوله
،
1

١٢
المجلد الأول
وَل: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)). وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء))(١).
ثانيًا: عدد آياتها: وهى سبع آيات لقوله - تعالى -: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثانى
والقرآن العظيم﴾. قال العلماء: السبع المثانى هى الفاتحة.
وقال ابن كثير: هى سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: هى ثمانى آيات لأنه
جعل ﴿إياك نعبد﴾ آية. وقال حسين الجعفى: هى ست آيات وهذان القولان شاذان))(٢).
ثالثًا : اسماؤها: لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها :
١ - ((الفاتحة أو فاتحة الكتاب، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظًا. وتفتتح بها
الكتابة فى المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات، وإن لم تكن هى أول ما نزل من القرآن. وقد
اشتهرت بهذا الاسم فى أيام النبوة.
وقد أصبح هذا الاسم علمًا بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التى مبدؤها ﴿الحمد لله﴾ ..
ونهايتها .. ﴿ولا الضالين﴾.
٢ - ((أم القرآن أو الكتاب)) وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التى ذكرت فيه
تفصيلا، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان
وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التى هى سلوك
الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء.
قال ابن جرير: ((والعرب تسمى كل أمر جامع أمّا، وكل مقدم له توابع تتبعه ((أما)) فتقول
للجلدة التى تجمع الدماغ: ((أم الرأس)). وتسمى لواء الجيش ورايتهم التى يجتمعون تحتها
((أما))(٣).
٣ - ((السبع المثانى)) جمع مثنى كفعلى اسم مكان. أو مثنى - بالتشديد - من التثنية على غير
قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات فى الصلاة، أى تكرر فيها؛ أخرج الإمام أحمد، عن أبى
هريرة، عن النبى أنه قال: ((هى أم القرآن، وهى السبع المثانى، وهى القرآن
العظيم»(٤).
٤ - وتسمى - أيضًا - سورة ((الحمد)).
٦ - و((الواقية)).
٥ - و «الكنز)).
(١) تفسير القرطبى. جـ ١ ص ١١٥ طبعه. دار الكاتب العربى.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٨ طبعه عبسى الحلبى.
(٣) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٠٧ طبعة دار المعارف.
(٤) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩.

١٣
سورة الفاتحة
٧ - و((الشفاء))، لحديث. هى الشفاء من كل داء.
٨ - و((الكافية)) لأنها تكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها.
٩ - و ((الأساس)).
١٠ - و ((الرقية)).
هذا، وقد ذكر القرطبى للفاتحة اثنى عشر اسمًا، كما ذكر السيوطى لها فى كتابه ((الإتقان))
خمسة وعشرين اسمًا.
رابعًا: فضلها: ورد فى فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها :
ما رواه البخارى فى صحيحه عن أبى سعيد بن المعلى - رضى الله عنه - قال:
كنت أصلى فى المسجد، فدعانى النبى ) فلم أجبه فقلت : يا رسول الله، إنى كنت أصلى.
فقال: ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾.
ثم قال لى: ((لأعلمنك سورة هى أعظم السور فى القرآن قبل أن تخرج من المسجد)). ثم
أخذ بيدى، فلما أراد أن يخرج، قلت: يا رسول الله. ألم تقل: لأعلمنك سورة هى أعظم
سورة فى القرآن. قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى
أوتیته ))(٢).
وروى مسلم والنسائى، عن ابن عباس، قال :
بينما جبريل قاعد عند النبى # سمع نقيضا من فوقه - أى: صوتا - فرفع رأسه فقال:
هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، ولم
يؤتهما نبى قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته))(٢).
وروى مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبي # قال :
((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خِذَاج (ثلاثًا): غير تمام)) فقيل لأبي هريرة : إنا
نكون وراء الإمام؟ فقال: إقرأ بها فى نفسك؛ فإني سمعت رسول الله # يقول: قال الله -
تعالى -: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل))، فإذا قال العبد : .
﴿الحمد لله رب العالمين﴾. قال الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم). قال الله
تعالى: أثنى على عبدى. وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله: مجدنى عبدى. فإذا قال:
وإياك نعيد وإياك نستعين﴾. قال الله: هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل. فإذا قال:
(١) صحيح البخارى. كتاب التفسير. باب ما جاء فى فاتحة الكتاب جـ ٦ ص ٢١
-
(٢) أخرجه مسلم فى كتاب: صلاة المسافرين وقصرها جـ ٢ ص ١٩٨.
:

١٤
المجلد الأول
﴿اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
قال الله: ((هذا لعبدى ولعبدى ما سأل))(١).
وأخرج الإِمام أحمد فى مسنده، عن عبد الله بن جابر، أن رسول الله - ليزر - قال له : ألا
أخبرك بأخير سورة فى القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: اقرأ: ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ حتى تختمها(٢).
تلك هى بعض الأحاديث التى وردت فى فضل هذه السورة الكريمة.
وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، استجابة ..
لقوله - تعالى - ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾(٣).
ومعنى ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)»: ألتجىء إلى الله وأتحصن به، واستجير بجنابه من
الشيطان الرجيم أن یضری فی دینی أو دنیای.
قال ابن كثير: ((والشيطان فى لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شىء.
وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع اليشر، وبعيد بفسقة عن كل خير.
وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب، فهم :
يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان، ولو كان من شاط. لقالوا: تشيط، فالشيطان
مشتق من البعد على الصحيح)) (٤)
والرجيم : فعيل بمعنى مفعول أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير، وقيل :
رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.
قال بعض العلماء: ((وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها على وجه
العموم فى جميع الشئون، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر الضلال، فهو يقف
للإنسان بالمرصاد فى هذا الشأن على وجه خاص، فيثير أمامه ألوانًا من الشكوك فيما يقرأ، وفيما
يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته، فعلمنا الله أن نتقى
ذلك كله بهذه الاستعاذة التى هى فى الواقع عنوان صدق، وتعبير حق، عن امتلاء قلب المؤمن
بمعنى اللجوء إلى الله، وقوة عزيمته فى طرد الوساوس والشكوك، واستقبال الهداية بقلب طاهر،
(١) أخرجه مسلم فى كتاب الصلاة جـ ٢ ص ٩.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠.
(٣) سورة النحل الآية ٩٨.
(٤) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤ .

١٥
سورة الفاتحة
وعقل واع، وإيمان ثابت))(١).
قال القرطبى: وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو قول
القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم(٢).
والآن وبعد هذا التمهيد الموجز الذى تكلمنا فيه عن نزول سورة الفاتحة، وعن عدد آياتها،
وعن أشهرُ أسمائها، وعن بعض الأحاديث التى وردت فى فضلها نحب أن نبدأ فى تفسير
السورة الكريمة فنقول - وبالله التوفيق - :
((بسم الله الرحمن الرحيم)»
الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على
وجهين، فقال البصريون : هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن
صاحبه بمنزلة المرتفع به.
وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل
اسم على هذا ((وسم)).
ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير ((اسم)) سُمىّ، وفى جمعه
أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون -
لقيل فى جمعه : أوسام، وفى تصغيره وسيم.
ولفظ الجلالة وهو ((الله)) علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق
على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.
قال القرطبى: قوله ((الله)) هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض
العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع : فالله اسم للموجود
الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله
إلا هو - سبحانه - (٣)
و﴿الرحمن الرحيم﴾ صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب
تقتضى الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله - تعالى -، ولذا فسرها بعض العلماء
بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإحسان نفسه.
(١) تفسير القرآن الكريم ص ١٦ لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمود شلتوت.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٨٦.
(٣) تفسير القرطبى جـ ١ ص ١٠٢.

١٦
المجلد الأول
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما
نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.
وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن ﴿الرحمن﴾ هو.
المنعم على جميع الخلق. وأن ﴿الرحيم) هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن
﴿الرحمن﴾ هو المنعم بجلائل النعم، وأن ﴿الرحيم﴾ هو المنعم بدقائقها.
ویری فریق ثالث أن الوصفین بمعنی واحد وأن الثانی منهما تأکید للأول. والذی يراه
المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى
الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشىء وعظمته، ويلزم
منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى
الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة(١).
أو أن ﴿الرحمن﴾ صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإحسان. ﴿والرحيم﴾ صفة فعل تدل على
وصول الرحمة والإحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.
ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأن
فى أسماء الذات. قال - تعالى -: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ و﴿الرحمن على العرش استوى﴾،
﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾، وهكذا ...
أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفًا فعليًا، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية
والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى - ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ - ﴿وكان بالمؤمنين
رحيًا﴾، ﴿أنه كان بكم رحيًا﴾ إلخ.
قال بعض العلماء ((وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين
بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغًا أن يقال فى القرآن:
إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها))(٢).
والجار والمجرور ((بسم)) متعلق بمحذوف تقديره ابتدئٌ.
والمعنى: ابتدى قراءتى متبركًا ومتيمنًا باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن،
والذى رحمته وسعت كل شىء، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم
وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزَى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.
(١) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام العدد الأول من
السنة الأولى ص ٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم ص ٢٤ لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شتلوت ..

١٧
سورة الفاتحة
٠٠٠
هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى - ﴿إنه من
سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية
من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.
فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد
أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا ((آمين)». فثبت بهذا
أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.
وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد
قولیه .
ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا : إنها آية
فذة(١). من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من
الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل
سورة أو من الفاتحه فقط.
وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف
بينهم - أيضًا - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.
وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التی عنیت بتفسير آيات
الأحكام.
١
﴿الحمد لله رب العالمين. الرحْمن الرحيم﴾
﴿الحمد﴾ هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.
﴿رب العامین﴾ أى: مالكهم، إذ الرب مصدر « ربه یربه» إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به
شيئًا فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيدًا
فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.
والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -
قال القرطبى: ((وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده)) وقيل: المراد بالعالمين
أولو العلم من الإنس والجن والملائكة.
(١) فذة: مفردة مستقلة.

١٨
المجلد الأول
وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة ﴿الحمد لله رب العالمين) لأنه سبحانه أول
كل شىء وآخر. كل شىء، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والتناء عليه،
حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.
والمعنی - کما قال ابن جرير - ((الشکر خالصًا لله - جل ثناؤه - دون سائر ما یعبد من دونه،
ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها
غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع
ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه،
ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم
المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرًا(١).
فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يجد لله - تعالى - وانه
ليس لأحد أن ينازعه إياه - سبحانه - هو رب العالمين.
وجملة ﴿الحمد لله﴾ مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: ((الكرم فى العرب)).
كما أن أل فى ((الحمد)) للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.
وإنما كان الحمد مقصورًا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر
عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم،
فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.
ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر ﴿الحمد
الله﴾، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحيانًا، فأراد - سبحانه -
وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق
لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف.
وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - ﴿الحمد
الله﴾، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:
اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد
فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع
فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على
ما يصدر منه من الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٣٥ طبعة دار المعارف.

١٩
سورة الفاتحة
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر
عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن
تعظيمه لأجل إنعام وصل إليكٍ، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من
الشكر.
إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار
فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله ((الحمد لله )) تصريحًا
بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة ... وإنما لم يقل: الشكر لله،
لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن
العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول
النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال ((الحمد لله))، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل
كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص
أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت(١).
وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبية للعالمين، ليكون كالاستدلال على
استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر
بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهًا ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم
برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.
فكأنه - سبحانه - يقول لهم : اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين.
وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وعنايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء
مفکرین.
وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو ﴿رب العالمين﴾، بوصف آخر هو ﴿الرحمن
الرحيم﴾ لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - ﴿برب العالمين) أى: مالكهم، قد
يثير فى النفوس شيئًا من الخوفَ أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتًا، وذلك
مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.
لذا قرن - سبحانه - كونه مربيًّا، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال،
ولیفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون،
وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٣ طبعة المطبعة الشرقية سنة ١٣٣٤ هـ.

٢٠
المجلد الأول
ولا شك أن فى هذا الإفهام تحريضًا لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة،
ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون
يرحمهم الرحمن.
﴿مالك يوم الدين﴾
بعد أن بين - سبحانه -" لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى
الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - ﴿مالك يوم الدين﴾.
والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشىء مع القدرة على التصرف فيه.
واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مرادًا هنا، وإنما المراد
مطلق الزمن وهو يوم القيامة.
والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم.
كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت) أی: حاسب نفسه: والمعنی : أنه - تعالى - یتصرف فی أمور یوم الدین من حساب
وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى - ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا
والأمر يومئذ لله﴾.
وهناك قراءة أخرى للآية وهى (ملك يوم الدين﴾ من الملك - بضم الميم - وعليها يكون
المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك
وسيطرتهم، فكل شىء فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - .".
تعالى - ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾.
قال الإمام ابن كثير: ((وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار
بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد
هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال - تعالى - ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا.
لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا﴾.
والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى - ﴿هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس
السلام﴾ وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - - أنه قال: ((يقبض الله
الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين
المتكبرون)) ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى - ﴿إن
الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾(١).
(١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٢٥.