النص المفهرس

صفحات 181-200

يحرمون ظهورها وتتاجها وألبانها ولحومها وقوله والميتة مثال الحلال (قوله لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام انكارى :معنى النفى
(قوله أم بل) أشار المفسر إلى أنها منقطعة بمعنى بل ويصح أن تكون متصلة معادلة الهمزة والمعنى أخبرونى أحصل إذن من الله
لكم أم ذلك افتراءمنكم وكذب فهو استفهام لطلب التعيين وهو الأولى (قوله وماظن الذين) ما اسم استفهام مبتدأ وظن خبر.
ويوم ظرف متعلق بظن والمعنى أى شىء ظنهم بالله يوم القيامة (قوله أيحسبون الخ) قدر المفسر هذه الجملة اشارة إلى أن مفعولى
الظن محذوفان فهذه الجملة سدت مسدهما (قوله لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام انكارى أى لا ينبغى هذا الظن ولا يليق ولا ينفع
وأما قوله فى الحديث ((أنا عند ظن عبدى بى)) فذلك فى حق المؤمن فظن الخير باللّه ينفع المؤمن وأما الكافر فلا ينفعه ذلك مادام
على كفره (قوله لذو فضل على الناس) أى الطائع منهم والعاصى وذلك فى الدنيا فنعم الدنيا ليست تابعة للتقوى بل هى ثابتة بالقسمة
الأزاية المؤمن والكافر (قوله بامهالهم) أى تأخير عذابهم (قوله والانعام عليهم) أى بأنواع النعم كالعقل والسمع والبصر وغير ذلك
(قوله لايشكرون) أى لا يصرفون النعم فى مصارفها وحينئذ فلاتنفعهم تلك النعم إلا إذا محبها الايمان والشكر فان عدموا الايمان
صارت النعيم نقما وقوله ولكن أكثرهم يفيد أن القليل هو الشاكر وهو كذلك قال تعالى - وقليل من عبادي الشكور - (قوله
وماقتلوا منه) الضمير إما عائد على الشأن أو على الله كما قال المفسر فعلى الأول تكون من التعليل وعلى الثانى تكون ابتدائية وقوله
من قرآن من صلة والمعنى ومانتلو من أجل هذا الشأن قرآنا أو وما تتلو قرآنامبتدأوصادرا من الله (قوله إلا كنا عليكم شهودا)
(١٨١)
استثناء من أعم الأحوال والمعنى ماتتلبون بشىء من هذه الثلاثة فى حال من
الأحوال إلا فىحال كوننا
رقباء مطلعين عليه
لا (أُمْ) بل (َلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) تكذبون بنسبة ذلك إليه (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
أُقْهِ الْكَذِبَ) أى أىّ شىء ظنهم به ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أيحسبون أنه لا يعاقبهم؟ لا (إِنَّ اللهَ
◌َذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ) بإِهالهم والانعام عليهم (وَلْكِنَّ أَ كْثَرَ هُمْ لَا يَشْكُرُونَ. وَمَاتَكُونُ)
يا محمد (فِي شَأْنٍ) أمر (وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ) أى من الثأن أو اله ( مِنْ قُرْآنٍ) أنزله عليك
(وَلاَ تَعْتَلُونَ) خاطبه وأمته ( مِنْ عَمَلٍ إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) رقباء (إذْ تُقِيِضُونَ)
تأخذون ( فِهِ) أى العمل ( وَمَا يَعْزُبُ) يغيب (عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَلِ) وزن (ذَرَّةٍ)
أصغر ملة ( فِ الْأَرَضِ وَلاَ فِ الدَّاَءِ وَلاَ أَصْفَرُ مِنْ ذُلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إلاَّ فِ كِتَبِ
مُبِينٍ) بَيِّن هو اللوح المحفوظ (أَلاَ إنَّ،
حافظینله إذا علمت ذلك
فكان المناسب المفسر أن
يعيد الضمير فى فيه لكل
من الثلاثة وقد يجاب بأنه
أعاده على العمل لعمومه
وشموله لباقى الثلاثة (قوله
إذ تفيضون) ظرف لقوله
شهودا (قوله وما يعزب)
بضم الزاى وكسرها
قراءتان سبعيتان ( قوله
عن ربك) أى عن علمه (قوله أصغر غلة) وقيل هو الهباء وقيل أصغر بعوضة (قوله فى الأرض ولا في السماء) أى فى سائر الموجودات
وعبر عنه بالسماء والأرض لمشاهدة الخلق لهما. واعلم أن عالم الملك ما يشاهده الخلق كالأرض وماحوته وما ظهر من السماء، وعالم
الملكوت مالا يشاهد كما فوق السماء من العرش والكرسى والملائكة وغير ذلك، وعالم الجبروت هو عالم الأسرار وعالم العزة هو
ما استأثر الله بعلمه كعلم ذاته وصفاته ومراداته (قوله ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) بالرفع والنصب قراءتان سبعيتان فالرفع
إما على الابتداء والخبر أو على أن لاعاملة عمل ليس والخبر على كلا الاعرابين قوله إلا فى كتاب مبين فتكون الجملة مستأنفة
منقطعة عما قبلها والنصب على أنها عاملة عمل إن لأنّ أصغر وأكبر شبيهان بالمضاف تعلق بهما شىءمن تمام معناها وهو العمل
فى الجار والمجرور وهاتان القراءتان هنا فقط وأما فى سبأ فبالرفع باتفاق السبعة (قوله إلا فى كتاب مبين) الاستثناء منقطع
والمعنى لكن جميع الأشياء فى كتاب مبين فهو استدراك على مايتوهم نفيه لأن قوله لا يعزب عن ربك الخ ربما يتوم
منه أنه لم يحط بها غير علم اللّه فدفع ذلك بقوله الا فى كتاب مبين: أبى لكن جميع الأشياء مثبتة فى كتاب مبين أيضا
ولا يصح أن يكون متصلا لأنه يصير المعنى لا يغيب عن علمه شىء فى حال من الأحوال إلا فى حال كونه مثبتا فى كتاب مبين
فيغيب فيفيد أن مافى الكتاب المبين غائب عن على اللّه وذلك باطل وهذا الاشكال لايرد إلا على جعل قوله ولا أصغر. لا أكبر
معطوفا على مثقال وأما إن جعل مستأنفا كما تقرر فلا يرد الأشكال فتأمل (قوله ألا ) أداة تنبيه يؤتى بها ليقنبه السامع لما
بعدها ويعتنى به لعظمه .

(قوله أولياء الله) جمع ولىّ من الولاء وهو العز والنصر سموا بذلك لأنهم هم المنصورون بالله المعززون به لايطمعون فى شىء
سوى القرب منه وولىّ فعيل إما بمعنى فاعل أى متولى خدمة ربه بكل ما أمكنه بروحه وجسمه ودنياه أو بمعنى مفعول أى
تولى الله إكرامه وعطاياه ونفحاته فلم يكله لشىء سواء حيث تولى الخدمة تولاه الله بالنعمة والفحة وهو سرقوله فى الحديث
((يادنيا من خدمنى فاخدميه)) فيفئذ صار معنى الولىّ المنهمك فى طاعة ربه الذى أفيضت عليه الأنوار والأسرار لما ورد
((من تقرّب منى شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن تقرّب منى ذراعا تقرّبت منه باعا، ومن أقانى يمشي أتيته هرولة)) وعلامة
الولىّ كما فى الحديث ((سئل رسول الله عن علامة الأولياء فقال هم الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى)) وسبب ذلك ظهور
أنوار المعرفة الكائنة فى قلوبهم على ظواهرهم ، وذلك سرّقوله تعالى - سيماهم فى وجوههم من أثر السجود. وقال أبي بكر
الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله هدايتهم ونولوا القيام بحق العبودية لله تعالى والدعوة إليه، والولىّ من الولاء وهو القرب
والنصرة ، فولىّ الله هو الذى يتقرب إلى الله بكل ما افترض الله عليه ويكون مشتغلا بالله مستغرق القلب فى نور معرفة جلال
الله تعالى، فإن رأى رآى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله، وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك فى
طاعة الله، وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه إلى الله لايفتر عن ذكر الله ولايرى بقلبه غير الله فهذه صفات أولياء الله. وإذا كان
العبد كذلك كان الله وليه وناصره ومعينه. قال تعالى - الله ولىّ الذين آمنوا - وروى عن أبى مالك الأشعري قال: ((كنت
عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله
يوم القيامة ، قال وفى ناحية القوم أعرابى حتى على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال : حدّثنا يارسول الله عنهم من هم ؟ قال فرأيت
عباد من عباد الله ومن بلدان شئ لم يكن بينهم أرحام يتواصلون
(١٨٢)
فى وجه رسول الله البشرى فقال : هم
بها ولا دنيا يتبادلون بها
أَوْلِيَاءَ اللهِ لَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) فى الآخرة هم (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَنُوا يَتَّقُونَ)
الله بامتثال أمره ونهيه (لَمُمُ الْمُشْرَى فِى الْحَيْوةِ الدُّنْيَا) فسرت فى حديث سححه الحاكم بالرؤيا
الصالحة يراها الرجل أو ترى له ( وَفِىِ الآخِرَةِ ) بالجنة والثواب،
يتحابون بروح الله يجعل
الله وجوههم نورا ويجعل
لهم منابر من لؤلؤ قدام
الرحمن يفزع الناس
ولا يفزعون ويخاف
( لاتبديل
الناس ولا يخافون)) وروى عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إنّ من عباد اللهلاً ناسا ماهم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداءيوم القيامة بمكانهم من الله ، قالوا
يا رسول الله تخبرنا بأمرهم؟ قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور
وإنهم لعلى نور لايخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية - ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون)) وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى - إنّ أوليائى من عبادى الذين يذكرون
بذكرى وأذكر بذكرهم» (قوله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون) لحفظ الله لهم فى الدنيا من الأسباب التى توجب الخوف
والحزن فى الآخرة (قوله فى الآخرة) أى لما فى الحديث ((لايخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس)) (قوله
الذين آمنوا) قدر المفسرهم إشارة إلى أن الاسم الموصول خبر لمبتدإ محذوف وهذه الجملة مستأنفة واقعة فى جواب سؤال مقدّر
تقديره ماصفات أولياء الله. فأجاب بأنهم الذين انصفوا بالإيمان والتقوى، والمعنى أن أولياء الله هم الذين انصفوا بالايمان
وهو الاعتقاد الصحيح المبنى على الدلائل القطعية والتقوى وهى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات على طبق الشرع ، ولذا
قال القشيرى : شرط الولى أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبى أن يكون معصوما فكل من كان الشرع عليه اعتراض فهو
مغرور مخادع. وقال الامام الشافعى وأبو حنيفة: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولىّ وذلك فى العالم العامل بعلمه (قوله
فسرت فى حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة الخ ) أى لأنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات وهى الرؤيا الصالحة، وفى الحديث:
(الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) وقيل المراد بالبشرى فى الحياة الدنيا نزول الملائكة بالبشارة من عند الله
عند الموت، ويدل عليه قوله تعالى - تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون -
وقيل البشرى فى الحياة الدنيا الثناء الحسن ومحبة الخلق لهم لما ورد عن أبى ذرّ: ((قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم

أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال عاجل بشرى المؤمن))، وورد أيضا: ((إذا أحب الله عبدا
نادى جبريل فيقول له إنى أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى فى السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء
ثم يوضع له القبول فى الأرض)) قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله عز وجل استنار قلبه وامتلأ نورا فيفيض من
ذلك النور الذى فى قلبه على وجهه فيظهر عليه آثار الخشوع والخضوع فيهبه الناس ويثنون عليه ذلك عاجل بشراء بمحبة
الله له ورضوانه عليه وقيل البشرى فى الحياة الدنيا ظهور الكرامات وقضاء الحوائج بسهولة فكلما توجه العبد المحبوب الشىء
من أموره قضى عاجلا والأحسن أن يراد بالبشرى فى الدنيا جميع ما تقدّم وأعظمها التوفيق لخدمة الله وراحة الجسد فى طاعة
الله وانشراح الصدر لذلك، وأما البشرى فى الآخرة فالجنة وما فيها من النعيم الدائم قال تعالى - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات
يسمى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم - (قوله
لاخلف لمواعيده) أى التى وعداللهبها أولياءه وأهل طاعته فى كتابه وعلى ألسنة رسله والمعنى لا تغيير ذلك الوعد (قوله ذلك) أى الوعد
المتقدم من كونهم لاخوف عليهم ولا هم يحزنون ولهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة وكون هذا الوعد لا يتغير ولا يتبدّل (قوله
هو الفوز العظيم) أى الظفر بالمقصود الكامل الذى لايضافى (قوله ولا يحزنك) إما بفتح الياء وضم الزاى من باب نصر أو بضم الياء
وكسر الزاى من باب أكرم قراءتان سبعيتان وامعنى لاتهتمّ بأقوالهم ولا تحزن لها فان الله معزك وناصرك وهذا تسلية له صلى الله
عليه وسلم عما يلقاه من أذاهم وتبشير له بالنصر والظفر بالمقصود (قوله استئناف) أشار بذلك إلى أن الوقف ثمّ عند قوله قولهم
- ولا يحزنك قولهم - أو واقع فى
(١٨٣)
وقوله إن العزة الح كلام مستأنف من كلام الله تعالى فى قوّة التعليل لقوله
جواب سؤل مقدر تقديره
( لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ) لا خلف لمواعيده ( ذُلِكَ) المذكور (مُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَلاَ
يَخْزَنْكَ قَوْلُهُمْ) لك: لست مرسلا وغيره ( إِنَّ) استئناف ( الْعِزَّةَ) القوة (لِهِ جَميعاً هُوَّ
السَّمِيعُ) القول (الْعَلِمُ) بالفعل فيجازيهم وينصركُ (أَلاَ إنَّ لِهِ مَنْ فِ السَّمُوَاتِ وَمَنْ
فِى الْأَرْضِ) عبيداً ومُلكاً وخلقاً (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ) يعبدون ( مِنْ دُونِ اللهِ)
أى غيره أصناما (ثُرَّ كَاء) له على الحقيقة، تعالى عن ذلك (إنْ) ما ( يَتَّبِعُونَ) فى ذلك
(إلّ الَّنَّ) أى عنهم أنها آلهة تشفع لهم (وَإِنْ) ما ( هُمْ إلَّ يَخْرُصُونَ).
إن الله أمره بعدم الحزن
من أجل قولهم مع أن
أقوالهم توجب الحزن
فأجاب الله تعالى بأن
العزة لله يعطيها لمن يشاء
فأقوالهم لا تفيد شيئ
فینئذ لا يبالى بهم ولا
بقولهم ( قوله إن العزة
قه) أى الغلبة والسلطنة الكاملة ثابتة لله يخلعها على من يشاء ولذا قال فى سورة المنافقون - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين -
(قوله جميعا) حال من العزة (قوله فيجازيهم) أى على ماقدموا من خير وشرّ (قوله وينصرلا) أى على من عاداك وهذا
يقال لكل من سلك طريقة سيدالمرسلين وعمل بمقتضاها وتعرض له الحساد بالايذاء فيقال له لا يحزنك قولهم وعيبهم وحسدهم
لأن العزة مملوكة وثابتة لله يعطيها لمن أراد فلا تنزعج منهم ولا تلتفت لهم ( قوله ألا ) أداة تنبيه ( قوله من فى السموات
ومن فى الأرض) من واقعة على العاقل فالمراد بمن فى السموات الملائكة وبمن فى الأرض الانس والجن وخصهم بالذ کر لشرفهم،
وليعلم أن غيرهم من باقى المخلوقات مملوكون له بالطريق الأولى وهذا هو الحكمة فى تعبيره فى الآية الأولى بما وفى هذه الآية
بمن أو يقال فى الحكمة إنّ التغاير إشارة إلى أن الخلق جميعا فى قبضته وملوكون له سبحانه وتعالى فان ما مستعملة فى غير العاقل.
كثيرا ومن بالعكس فأفاد أن جميع مافى السموات ومافى الأرض مملوكون له حقيقة (قوله وما يتبع الذين ) مانافية ويقبع
فعل مضارع والذين فاعل ويدعون صلته ومن دون الله متعلق بيدعون وشركاء مفعول يقبع ومفعول يدعون محذوف
قدره المفسر بقوله أصناما والمعنى لا يقبع الذين يعبدون غير الله أصناما شركاء حقيقة فالمنفى كونها شركاء حقيقة وأما ادعاؤهم
الشركة فه قثابت، وهذا نتيجة قوله : ألا إن الله من فى السموات ومن فى الأرض فيصير المعنى حيث ثبت أن له جميع مافى
السموات وما فى الأرض عقلاء وغيرهم تحقق وثبت أنه ليس شريك أصلا إذ ليس شىء مما جعلوه إلها خارجا عن
السموات والأرض فكيف يكون المملوك شريكا، تعالى الله عن ذلك (قوله إن يقبعون إلا الظنّ) أى لأنهم مقلدون لآ بائهم
حيث قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (قوله وإن هم إلا يخرصون) هذا من حصر الموصوف فى الصفة

أى ليس هم سفة إلا الكذب والخرص فى الأصل الخزر والتخمين والمراد منه هنا الكذب كما أُقاده المفسر (قوله یگذون
فى ذلك ) أى اتباعهم الظن (قوله هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) هذا من جملة الأدلة القطعية على أنه واحد لاشريك
له وفى هذه الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته فى الآخر فذف من الأول وصف الليل وهو مظلما وذكر حكمته
وحذف من الثانى الحكمة وذكر وصفه والأصل هو الذى جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا وتتحركوا
فيه (قوله لتسكنوا فيه) أى لتستريحوا من تعب النهار (قوله مجاز) أى عقلى من الاسناد للظرف (قوله إن فى ذلك) أى
الجعل المذكور (قوله لقوم يسمعون) خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك (قوله أى اليهود) أى حيث قالوا عزير ابن
اللّه وقوله والنصارى أى حيث قالوا المسيح ابن الله وقوله وسن زعم أى وهم مشركو العرب (قوله سبحانه) أى تقدس وتنزه
عن ذلك قال تعالى: تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى للرحمن أن
يتخذ ولدا الآية (قوله هو الغنى) أى المستغنى عن كل ماسواء المفتقر إليه كل ماعداه وهو دليل لماقبله (قوله له ما فى السموات
استفهام توبيخ) أى تقريع وتهديد لهم (قوله قل) أمر من الله لنبيه
(١٨٤)
الخ) دليل لقوله هو الغنى (قوله
يكذبون فى ذلك (هُوَ الَّذِىِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَشْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَرَ مُبْصِرًا) إسناد الابصار
إليه مجاز لأنه يبصر فيه (إِنَّ فِ ذْلِكَ لَآيَاتٍ) دلالات على وحدانيته تعالى (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)
سماع تدبر واتعاظ (قَالُوا) أى اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله (أَغْذَ اللهُ
وَلَّدَا) قال تعالى لهم ( سُبْحَانَهُ) تنزيها له عن الولد ( هُوَ الْغَنِىُّ) عن كل أحد وإنما يطلب
الولد من يحتاج إليه (لَهُ مَافِىِ السَّمُوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ) ملكاوخلقاً وعبيداً (إنْ) ما (عِنْدَ كُمْ
مِنْ سُلْطَانٍ) حجة (بِهَذَا) الذى تقولونه (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ) استفهام توبيخ
(قُلْ إنّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) بنسبة الولد إليه (لاَ يُفْلِحُونَ) لا يسعدون، لهم
(مَتَعٌ) قليل ( فِ الدُّنْيَا) يتمتعون به مدة حياتهم ( ثُمَّ إِلَيْئَ مَرْجِعُمْ) بالموت (ثُمَّ نذِيتُهُ
الْعَذَابَ الشَّدِيدَ) بعد الموت (ِمَا كَنُوا يَكْفُرُونَ. وَاتْلُ) يا محمد (عَلَيْهِمْ) أى كفارمكة
(نَّأَ) خبر ( نُوحٍ) ويبدل منه ( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ) شق (مَلَيْكُمْ
مَقَِى) لبنى فيكم (وَتَذْ كِيرِى) وعظى إياكم (بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى الهِ تَوَكَّلْهُ
فَأَحْمُوا أَمْرَ كُمْ )،
ملی الله عليه وسلم أن
ينبههم على سوء عاقبتهم
لعلهم ينزجرون عماهم
عليه (قوله لايسعدون)
أی لا يفوزون بمطلوبهم
بل هم خائبون خاسرون
وإن تكاثرت عليهم النعم
فماً لها للزوال (قوله متاع)
مبتدأ خبره محذوف
قدره المفسر بقوله لهم
وحينئذ فالوقف على قوله
لايفلحون وهذا جواب
عما يقال إنانراهم فى حظوظ
كثيرةوسعةعیش وسلامة
بدن وغير ذلك من
أنواع النعم الدنيوية فدفع
اعزموا
ذلك بقوله متاع قليل أى فلايستمر وليس بنافع فى الآخرة (قوله بما كانوا يكفرون) أى بسبب
كفرهم (قوله واتل عليهم) لما ذكر سبحانه وتعالى أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من القبائح وما وعظهم الله به على
لسانه صلى الله عليه وسلم شرع فى ذكر ماوقع للأنبياء مع أيمهم ليكون ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وعبرة للكفار لعلهم
يؤمنون (قوله نبأ نوح) أى بعض نبئه إذالم يذكر جميع خبره وتقدم أن اسمه عبد الغفار بن لمك بن متوشلخ بن إدريس
ونوح لقبه و بينه وبين إدريس ألف سنة وقدم قصة قوم نوح لأنهم أول الأمم هلا كا وأشدهم كفرا (قوله كبر) بضم الياء
فى المعانى وأما فى الأجسام فهو بكسر الباء (قوله مقامى) بفتح الميم باتفاق السبعة وقرى* شذوذا ضمها فالأول ثلاثى والثانى رباعى
وهو من باب الاسناد المجازى وحق الاسناد أن يكون للذات نظير ثقل علىّ ظله (قوله لبث فيكم) أى مكثى بينكم وقوله وتذكيرى
الخ الواو بمعنى مع والمعنى إن كان عظم عليكم مكثى بينكم مع تذكيرى بآيات الله فأجمعوا أمركم الخ وذلك لأنه مكث فيهم ألف
سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله ففى الحقيقة الذى شق عليهم إنما هو دعاؤه إلى التوحيد ونصيحته لهم لأن النصيحة
لا يقبلها إلا الطبع السليم (قوله فعلى اللّه توكلت) أى وثقت به لا بغيره وفوضت أمورى إليه (قوله فأجمعوا) هذا هو جواب
الشرط وجملة فعلى الله توكلت اعتراض بين الشرط وجوابه ولا يصح أن تكون جوابا لأنه لا يحسن ترتيها على الشرط

إأجز متؤكل فى القبدائها وأجمعوا بهمزة القطع هنا بالتضاق السبعة وهو يتحدثى بثقسه وبحرف الجر، وأما ما يأتى فى مله فى ثول
فأجمعوا كيدكم فيهمزة الوصل والقطع قراءتان سبغيتان فأجمع بهمزة القطع مستعمل فى المعانى كثيرا وبهمزة الوصل فى الأجسام
كثيرا يقال أجمعت أخرى وجمعت جيشى (قوله اعزموا) أى صمموا ولا تترددوا (قوله على أمر تفعلونه) أى كهلاكى (قوله
الواو بمعنى مع) أى فشركاءكم منصوب على المعية لا معطوف على أمركم لأن الشركاء ذوات لا يتسلط عليه أجمعوا إلا بقلة ويصح
النصب باضمار فعل لائق والتقدير فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم بهمزة الوصل على حد علفتها تبنا وماء باردا أو يقدر مضاف
فى المعطوف والتقدير أمر شركاتكم (قوله ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أى لا يكن أمركم مخفيا بل أظهروا ما فى ضمائر كم فانى
لست مباليا بكم لأن توكلى على ربى فالغمة مأخوذة من قولهم غم الهلال إذا خفق على الناس (قوله ثم اقضوا إلىّ) أى أدوا إلى
ما أردتموه وأوصلوه إلى وقرى* شذوذا ثم أفضوا إلىّ بقطع الهمزة وبالفاء من أفضى بالشىء إذا انتهى إليه وأسرع والمعنى ثم
أسرعوا إلى بما عزمتم عليه (قوله فان توليتم) أى دمتم على التولى والكفر وجواب الشرط محذوف تقديره فلا ضرر على
وقوله فما سألتكم الخ تعليل لذلك المحذوف (قوله ثواب عليه) أى على التذكير (قوله فتولوا) منصوب بأن مضمرة بعد
فاء السببية وفيه حذف إحدى التامين والأصل فتتولوا (قوله إن أجرى إلا على الله) أى نوابى عليه لاعلى غيره فاطلبه
أوامره واجتناب نواهيه فى نفسى
(١٨٥)
منه (قوله وأمرت أن أكون من المسلمين) أى المنقادين لامتثال
وتبليغ غيرى ( قوله
أُعزموا على أمن تفعلونه بى ( وَشُرَ كَاءَ كُمْ) الواو بمعنى مع (ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُ كُمْ تَلَيْسَكُمْ
◌ُمَّةَ ) مستوراً بل أظهروه وجاهروبى به (ثُمَّ أَقْضُوا إِلَىّ) امضوا فى ما أردتموه (وَلاَ تُنْظِرُونِ)
تمهلون فإنى لست مبالياً بكم (فَإِنْ تَوَلَّيْهُمْ) عن تذكيرى (َا سَأَ لْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) نواب
عليه فتولوا (إِنْ) ما (أَجْرِىَ) نواى (إِلاَّ ◌َى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ، كُونَ مِنَ الْمُثْلِينَ. فَكَذَّبُوهُ
فَنَجِّيْنَاهُ وَمَنْ مَمَهُ فِ الْقُلْكِ ) السفينة (وَجَعَلْنَهُمْ) أى من معه (خَلَائِفَِ) فى الأرض
(وَأَغْرَقْنَ أَلَّذِينَ كَذِّبُوا بِآيَاتِنَ) بالطوفان (َانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) من إهلاكهم
فَكذلك نفعل بمن كذبك ( ثُمَّ بَعَتْنَا مِنْ بَعْدِهِ) أى نوح (رُمُلاَ إِلَى قَوْمِهِمْ) كإبراهيم وهود
وصالح (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَِّاتِ) المعجزات (َا كَنُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) أى
قبل بعث الرسل إليهم ( كَذَلِكَ نَطْبَعُ) نختم (عَلى قُلُوبِ الْمُمْتَدِينَ) فلا تقبل الايمان كما طبعنا
على قلوب أولئك (ثُّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْ عَوْنَ وَمَلاَئِ) قومه (بِآيَاتِنَا)
"كذبوه) أى داموا
واستمروا على تكذيبه
(قوله فنجيناء) أى أعقبنا
تكذيبه النجاة له ولمن
آمن معه (قوله ومن معه)
أى من الانس وكانوا
أربعين رجلا وأربعين
امرأة (قوله فى الفلك)
تقدم أنه يستعمل مفردا
وجمعا (قوله وجعلناه)
أى صبر ناهم (قوله وأغرقنا)
إنما أخر ذكره عن
الانجاء إشارة إلى أن الرحمة سابقة على الغضب ولتعجيل المسيرة لمن يمتثل الأمر (قوله فكذلك نفعل بمن كذبك) هذا هو
المقصود من ذكر هذه القصص (قوله رسلا إلى قومهم) أى فكل رسول بت إلى قومه (قوله كابراهيم) أى فكذبوه وآذوه
حتى رموه فى النار (قوله وهود) أى فكذبوه وآذوه فأهلكهم الله (قوله فاءوثم) أى جاء الأنبياء لأقوامهم ملتبسين بالآيات
(قوله فما كانوا ليؤمنوا) أى لا يصح ولا يستقيم لهؤلاء الايمان فالمراد بعدم الايمان الاصرار على الكفر والتكذيب (قوله
كذلك) أى مثل هذا الطبع (قوله فلا تقبل الايمان) أى لوجود الحجاب المانع منه ففى الحقيقة لا يمكنهم الايمان وإن كانوا
فى الظاهر مختارين (قوله ثم بعثنا من بعدهم) هذا عطف قصة على قصة وخاص على عام لمزيد الغرابة فى وقائع موسى مع فرعون
وكما هذا تسليه له صلى الله عليه وسلم (قوله موسى وهرون) أى فكل منهما رسول إلى فرعون وقومه لكن هرون وزير
لمومی ومعين له قال تعالى حكاية عن موسى: وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردها يصدقنى الآية وهذا لا ينافى أن
كلا منهما رسول من عند الله ثمن أنكررسالة واحد منهما كفر (قوله وملئه) تقدم أن الملا بالقصر والهمز الأشراف الذين
يملؤون العيون بمهابتهم والمجالس بأجسامهم والقلوب بجلالتهم ، ولكن المفسرفسرهم هنا بالقوم حينئذ يكون المراد بهم ما يشمل
الانبلع وقيل المراد بالملأُ خصوص الأشراف وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع لهم فاذا آمن الرؤساء آمن الأنباع وإذا كفروا
كفر الأتباع .
[ ٢٤ - ماوى - ثانى ]

(قوله التسع) تقدم عنها فى الأعراف ثمانية؛ العضا واليد والسنين والطوفان وبالراد والتمل والضفادع والدم وتثانى التاسعة هنا
فى قوله: ربنا الخمس على أموالهم الآية (قوله فاستكبروا) الاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق له (قوله عن الايمان
بها) أى بتلك الآيات القسع وفى نسخة بهما أى موسى وهرون (قوله فلما جاءهم الحق) أى الآيات الفسع ففيه إظهار فى مقام
الاضمار وفى الحقيقة أصل نزاعهم ودعواهم أن ماجاء به سحر إنما هو فى اليد والعصا (قوله قالوا إن هذا لسحر مبين) هذه
المقالة وقعت منهم بعد مجىء السحرة وابتلاع العصا حبال السحرة وعصيهم. (قوله قال موسى) أى ردًا عليهم بثلاث جمل الأولى
أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر الثانية أسحر هذا الثالثة ولا يفلح الساحرون (قوله إنه لسحر) مقول لقوله أنقولون حذف
لدلالة ماقبله عليه ولأنه لا يفبنى أن يذكر (قوله وقد أفلح من أتى به) الجملة حالية (قوله ولا يفلح الساحرون) أى لا يفوزون
بمطلوبهم والجملة حالية من فاعل أتقولون (قوله للانكار) أى فالمعنى لا يليق ولا ينبغى أن يقال هذا الكلام (قوله قالوا أجئتنا)
لما لم يجدوا حجة يعارضونه بها رجعوا للتقليد الحض فقالوا ماذكر (قوله عما وجدنا عليه آباءنا) أى من عبادة الأصنام
أى ولتكون (قوله الملك) أى وممى بالكبرياء لأنه أكبرما يطلب
(١٨٦)
(قوله وتكون) معطوف علىقلفتنا
من أمور الدنيا ولأنه
يورث الكبرياء والعز
التسع ( فَكَسْتَكْبَرُوا) عن الإيمان بها ( وَكَنُوا قَوْمَا يُجْرِمِينَ. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْخَُّّ مِنْ
عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هُذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) بَيِّن ظاهر (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُمْ)
إنه السحر (أَسِحْرٌ هُذَا) وقد أفلح من أتى به ، وأبطل سحر السحرة ( وَلاَ يُفْلِحُ
السَّاحِرُونَ) والاستفهام فى الموضعين للانكار (قَالُوا أَحِثْتَنَاَ لِتَلْفِتَنَاَ) لتردنا (عَمَّا وَجَدْنَاً
عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَ الْكِبْرِياءِ) الملك ( فِى الْأرْضِ) أرض مصر ( وَمَا نَحْنُ
لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) مصدقين (وَقَلَ فِرْ عَوْنُ أَنْتُونِ بِكُلِّ سَاجِرٍ عَلِيمٍ) فائق فى على السحر
(فَلَمَّا جَاءِ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى) بعد ما قالوا له: إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين
(أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَلَمَّا أَلْقَوْا) حبالهم وعصيهم (قَالَ مُوسَى مَا) استفهامية مبتدأ خبره
(جُِْمْ بِ الْسَخْرُ) بدل، وفى قراءة بهمزة واحدة إخبار فما موصول مبتدأ (إِنَّ اللهَ
سَيُبْطِلُهُ) أى سيحته ( إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ) يثبت ويظهر ( اللهُ
الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ ) بمواعيده ( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. فَا آمَنَ لُوْسَى إِلَّ ذُرِّيَّةٌ) لطائفة
( مِنْ) أولاد ( قَوْمِهِ) أى فرعون ،
(قوله وقال فرعون)
ليس هذا مرتبا على
ما تقدم فان هذا القول
وقع فى ابتداء القصة
فالمقصود هنا بيان ذكر
لقصة لاقید ترنبها فان
الواو لاتقتضى ترتيبا ولا
تعقيبا ( قوله فلما جاء
السحرة) عطف على
محذوف تقديره فانوا
بالسحرة (قوله بعدماقالوا
له الخ) أشار بذلك إلى
أنه معطوف على محذوف
وأمل الكلام فلما جاء
( علی
السحرة وجمعوا حبا لهم وعصيهم وقالوا لموسى إما أن تلقى وإما أن نكون
نحن الملقين قال موسى الخ (قوله ما أتم ملقون) أبهمه إشارة إلى تحقيره (قوله فلما ألقوا) أى السحرة وتقدم أنهم كانوا ثمانين
ألفًا (قوله حبالهم وعصيهم) أبى وتقدم أنها كانت حمل ثلثمائة بعير (قوله استفهامية) أى أيّ شيء جئتم به للتوبيخ والتحقير
(قوله بدل) أى من ما الاستفهامية وأعيدت همزة الاستفهام لتنكشف استفهام المبدل منه على حد قول ابن مالك:
وبدل المضمن الهمز يلى همزا كمن ذا أسعيد أم على
(قوله بهمزة واحد إخبار) أى بإسقاط همزة الاستفهام ووجهت هذه القراءة بأن ما اسم موصول مبتدأ وصلتها جتتم به والخبر
السحر. والحاصل أن فى همزة السحر الثانية وجهين القسهيلى والمد اللازم بقدر ثلاث ألفات وهاتان القراءتان على جعل ما استفهامية
وخبرها جئتم به والسحر بدل من ما وأما على إسقاطها فالجملة خبرية وما اسم موصول مبتدأ وجئتم به صلته والسحر خبر وتحذف
همزة أل عند الدرج (قوله سيمحقه) أمى فلا يبقى له أثر أصلا (قوله إن الله الح) تعايل لقوله سيبطله (قوله ويحق الله
الحق) عطف على قوله سببطه (قوله ولو كره المجرمون) أى الكافرون (قوله فما آمن لموسى إلاذرية) الحرية اسم يقع على
القليل من القوم (قوله أى فرعون) أشار بذلك إلى أن الضمير فى قومه عائد على فرعون والمراد بذرية قومه ناس يسير منهم

امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه وأولاد خازنه وماشطته، وقيل إن الضمير عائد على موسى وهم ناس من بنى إسرائيل
نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل بنى إسرائيل كانت المرأة من بنى إسرائيل إذا ولدت ابنا وهته القبطية
خوفا عليه من القتل فنشأوا بين القبط، فلما كان اليوم الذى غلب موسى فيه السحرة آمنوا به ، وقيل هم بنو إسرائيل
وهو الأقرب (قوله على خوف) أى مع خوف (قوله وملمهم) أى ملا القدرية الذين نشأوا يديم على التفسير الثانى وأقاربهم
حقيقة على التفسير الأول الذى ذكره المفسر (قوله أن يفتنهم) أى فرعون وأفرد لأنه هو المباشر للفتنة، والخوف من الملا
إنما كان بواسطته هو (قوله وقال موسى) أى تطمينا لقلوبهم وهذا يؤيد أن الضمير فى قومه عائد على موسى. وقد يجاب
عن المفسر بأنه سماهم قومه من حيث إنه مرسل لهم (قوله إن كنتم آمنتم) جواه: فعليه توكلوا وقوله: إن كنتم مسلمين
شرط حذف جوابه لدلالة ماقبله عليه والتقدير توكاتم عليه أو هو شرط فى الشرط لأن الشرطين مق لم يترقبا فى الوجود فالشرط
الثانى شرط فى الأول (قوله إن كنتم مسلمين) أى منقادين لأحكام الله (قوله فقالوا) أى جوابا لموسى (قوله ربنا لا تجعلنا الخ)
دعاء منهم الله سبحانه وتعالى (قوله أى لانظهرهم علينا) أى لاتجعاهم ظاهرين علينا وغالبين لنا (قوله ونجنا) أى خلصنا
(قوله برحمتك) أى إحسانك وإنعامك (قوله من القوم الكافرين) أى الجاحدين لآياتك (قوله أن نبؤآ) يحتمل أنّ أن
(١٨٧)
تفسيرية لوجود ضابطها وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه
ويحتمل أنها مصدرية أى
(عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْ عَوْنَ وَمَلَئِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ) يصرفهم عن دينه بتعذيبه (وَإِنَّ فِرْ عَوْنَ لَمَلٍ)
متكبر (فِى الْأَرْضِ) أرض مصر (وَإِنَّهُ كِنَ الْمُشْرِفِينَ) المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية (وَقَلَ
مُوسَى يَاقَوْمٍ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِلْلِ فَلَيْهِ تَوَ كَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسِنَ. فَقَلُوا عَلَى اللهِنَّوَ كَّلْنَ
رَبَِّ لاَ تَجْمَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِينَ) أى لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتننوا بنا
(وَجَِّ بِرَ حْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِ ينَ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ) اتخذا القَوْمِكُم]
بِصْرَ بُيُونَا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) مصلى تصلون فيه لتأمنوا من الخوف وكان فرعون منعهم من
الصلاة (وَأَقِيمُوا الصَّلْوَةَ) أتموها (وَبَثِّرِ الْمُؤْمِنِنَ) بالنصر والجنة (وَقَالَ مُوسَى رَبَّ إِنَّكَ
آتَيْتَ فِرْ عَوْنَ وَمَلَاُّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاَ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبِّنَاَ) آتيتهم ذلك (لِيُضِلُوا) فى عاقبته
(عَنْ سَبِيلِكَ) دينك (رَبَّنَ الْمِنْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) امسخها ؛
أوحينا التبوّأ، والمعنى
أنّ ا ھّه سبحانه وتعالى
أوحى إلى موسى وأخيه
أن يتخذا لقومهما"
مساكن بأرض مصر
يتوطنون بها ويعبدون
اللّه فيها رغما على أف
عدوّم فرعون وهذا
طمأنينة للقوم فانهم
كانوا خا ين من فرعون
(قوله لقومكما) الأقرب أن
لام زائدة فى المفعول الأول
وبيوتا مفعول ثان (قوله بمصر) متعلق بقبوآ، والمراد بمصر مصر القديمة (قوله واجعلوا بيوسكم قبلة) أى اجعلوا مساكنكم
مصلى ، والمراد بالقبلة مكان التوجه لله لاخصوص الفجوة المعلومة. واختلف فى قبلتهم قيل هى الكعبة ، وقيل بيت المقدس
(قوله وكان فرعون منعهم من الصلاة) أى فى أول أمرهم فأمر الله موسى ومن معه أن يصلوا فى بيوتهم خفية لئلا يظهروا عليهم.
ويؤذوم ويفتنوهم عن دينهم وذلك كما كان عليه المسلمون فى أول الاسلام بمكة (قوله أتموها) أى بشروطها وأركانها المعلومة
عندهم ( قوله وبشر المؤمنين) أى قومك الذين آمنوا بك وهذا خطاب لموسى وحده لأن البشارة على لسانه وماقبله من قوله
واجعلوا وأقيموا خطاب لموسى وقومه لاشتراكهم فى ذلك (قوله وقال موسى) أى لما رأى فرعون وقومه طغوا وبغوا ولم
.ينقادوا للاسلام واستمروا على الكفر والعناد جاءه الإذن من اللّه بالدعاء عليهم، وقدم سبب الدعاء وهو بطر النعم إذ هو من
أعظم المعاصى الموجبة لغضب الله وسلب النعيم (قوله زينة) هى عبارة هما يتزين به من اللباس والمال والأمور الجميلة قال
ابن عباس : كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها ذهب وفضة وز برجد وياقوت (قوله ربنا) كرّره تأكيدا
للأول وندذا بخطاب الله ( قوله ليضلوا) متعاق باتيت فى كلام الله، وأما قول المفسرآ تتهم ذلك إنما هو تميم للجملة
المؤكدة واللام للعقبة والصيرورة ، وإلى هذا أشار المفسر بقوله فى عاقبته (قوله عن سبيلك) أى طاعتك وتوحيدك (قوله
ربنا المس على أموالهم)، أى أزل صورها وهيئاتها. قال قتادة: بلغنا أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم صارت
حجارة ودنانيرهم ودراهمهم صارت حجارة منقوشة كهيئتها مماحا أو أنصاف أو أثلاثا، وهذا الطمس آخر الآيات النسخ.

1
(قوله واشدد على قلوبهم) أى اربط عليها حتى لاتلمين ولا نشرح للايمان وإنما دعا بذلك لما علم أن سابق قضاء الله وقدره فيهم
أنهم لا يؤسون فوافق دعاء موسى ماقدر وقضى عليهم فكان ترجمانا عن مراء قه، وأما الدعاء على الكافر المجهول العاقبة بموته
على الكفر فلا يحلّ (قوله فلايؤمنوا) عطف على ليضلوا فيكون منصوبا أوهر مجزوم بجعل لادعائية (قوله دماء عليهم) الأقرب
أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا دعاء عليهم أى قوله فلايؤمنوا الخ ودفع بذلك ماقيل إنه خبر وليس من جملة الدعاء فتأمل
(قوله وأمّر مرون على دعائه) أى والمؤمن أحد الداعيين فصحت التقنية فى قوله دعوتكما وهو جواب عما يقال إن الداعى موسى
فلم تى الضمير فى دعوتكما (قوله فمسخت أموالهم) أى الدنانير والدراهم والنخيل والزروع والثمار والخبز والبيض وغير ذلك،
وقيل مسخت صورهم أيضا فكان الرجل مع أهله فصارا خجرين والمرأة قائمة تخبزصارتَ حجرا وهذا قول ضعيف لأن موسى دعا
على أموالهم ولم يدع على أنفسهم بالمسنخ (قوله فاستقيما) أى دوما على الاستقامة (قوله ولا تقبعان" سبيل الذين لا يعلمون) خطاب
لموسى وهرون ، والمراد غير هما فى حد: لئن أشركت ليحبطن عملك ، والمعنىلاتسلكا طريق الجاهلين الذين يظنون أنه متى دما
الانسان أجيب بعين مطاوبه فى الحال لأن الإجابة على مراد الله فر بما يجاب الشخص بغير مطلوبه أو تتأخر إجابته لحكم علمها الله وفى
تتبعان ثلاث قرا آت سبعيات تشديد النون مع تشديد التاء فقط وتخفيفها مع تشديد التاء وتخفيفها فعلى الأولى تكون النون
التوكيد الثقيلة وكسرت تشبيها بنون المثنى والفعل مجزوم بحذف النون وعلى الثانية والثالثة تكون الجملة اسمية والنون نون
الرفع والتقدير وأنتمالاتقان (قوله (١٨٨) روى أنه) أى تزول العذاب بهم مكث أربعين سنة من حين الدعوة وهذا
( وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الطبع عليها واستوثق (فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَى رَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) المؤلم
دعاء عليهم وأمَّنْ هُرون على دعائه (قَالَ) تعالى (قَدْ أُحِبَتْ دَعْوَنُكُمَا) فسخت أموالهم
حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق (فَاسْتَقِيماً) على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم
العذاب (وَلاَ تَتَّبِعَنَّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) فى استعجال قضائى، روى أنه مكث بعدها
أربعين سنة (وَجَاوَزْنَ بِّنِي إِسْرَائِيلَ الْبَعْرَ فَأَتْبَهُمْ) لحقهم ( فِرْ عَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيَاً
وَعَذْواً) مفعول له (حَتَّى إِذَا أَدْرَ كَهُ الْغَرَقُ قَلَ آمَنْتُ أَنَّهُ) أى بأنه وفى قراءة بالكسر
استئنافا (لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِىِ آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسِنَ) كرره ليقبل منه فلم
یقبل ، ودس جبر یل فی فیه ،
التأخير لحكمة يعلمها الله
(قوله وجاوزنا بنى إسرائيل
البحر الخ) لما استجاب
الله دعاء موسى وهرون
بالطمس على أموالهم
والرابط على قلوبهم
أوحى الله إلى موسى
وهرون أن أسر بعبادی
واخرج بهم من أرض
مصر . ورد أن يعقوب
لما دخل مصر مع ذرّيته
من
لاجتماعهم بيوسف كانوا اثنين وسبعين فلماخرج موسى بهم كانواستمائة ألف وکان فرعون ما لا عن ذلك
فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج فى عقبهم فلما أدركهم قالوا لموسى أين المخلص والبحر أمامنا والعدوّ وراءنا؟
فلما قربوا أوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فقطعه موسى وبنو إسرائيل فلحقهم فرعون وكان على حصان دهم
وكان معه ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه سوى سائر الألوان وكان يقدمهم جبريل على فرس أثى وميكائيل بسوقهم حتى لا يبقى
منهم أحد فدنا جبريل بفرسه ، فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون نفسه فنزل البحر وتبعه جنوده حتى إذا اكتملوا
جميعا فى البحر وهمّ أولهم بالخروج انطبق عليهم وحصان بوزن كتاب وجمعه حصن ككتب كذا فى القاموس قوله وجاوزنامن
المجاوزة وهى التخطية والتعدية، والمعنى جعلناهم مجاوزين البحر بأن جعلناه يدسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط وقوله البحر أى بحر
السويس (قوله لحتهم) أى مشى خافهم (قوله بغيا) أى فى الأقوال وعدوا أى فى الأفعال ففرعون متعد على بنى إسرائيل بالأقوال
الكاذبة والأفعال الجائرة (قوله مفعول له) أى لأجله ويصح نصبهما على الحال أى باغين ومعتدين (قوله حتى إذا أدركه العرق) غاية
لاتباعه ( قوله وفى قراءة) أى وهى سبعية أيضا (قوله استئنافا) أى واقعا فى جواب سؤال مقدر أوعلى إضمار الأول والتقديرقائلا
إنه الخ ( قوله كرره ليقبل منه) أى كرر الاقرار بالإيمان ثلاث مرات: قوله آمنت وقوله أنه الخ وقوله وأنا من المسلمين (قوله فلم
يقبل) أى فمات على كفره وهذا مادلت عليه نصوص الكتاب والسنة ، وماقيل من أنهمات مؤمنا فلايلتفت له (قوله ودس" جبريل)
فى بأمر من الله وهو لايسأل عما يفعل وذلك نظير أمرنا بقتل الكفار وبهذا تعلم جواب إشكال الفخر الرازى فى هذا المقام.

(قوله من حمأة البحر) بسكون الميم وتحريكها وهى الطين الأسود (قوله مخافة أن نناله الرحمة) أى وليس من أهلها لسابق
على ٩، بعدم إيمانه. إن قات ما الحكمة فى عدم قبوله مع كون الايمان وقع منه ثلاث مرات. أجيب بأجوبة منها أنه إنما
آمن عند نزول العذاب وهو حيفئذ غير نافع. قال تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، ومنها أن الايمان بالله من
غير إقرار للرسول بالرسالة غير نافع وفرعون لم يقر برسالة موسى عليه السلام فلم يصح إيمانه، ومنها أن قوله: آمنت ليس
قاصدا به الايمان حقيقة بل قصد به النجاة من البحر على حكم عادته إذا أصابته مصيبة رجع واستجار . وحكى أن جبريل
عليه السلام أتى لفرعون بفتوى : ما قول الأمير فى عبد نشأ فى مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة
دونه؟ فكتب فرعون فيه: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق فى البحر
فلما غرق رفع جبريل إليه خطه ( قوله وقال له ) معطوف على قوله ودس" وقدره إشارة إلى أن قوله آلآن ظرف لمحذوف
والجملة مقول لذلك القول المقدر (قوله آلآن) استفهام توبيخ وتقريع (قوله وقد عصيت قبل) الجملة حالية والمعنى آلآن
تتوب وقد ضيعت الايمان فى وقته الذى يقبل فيه وهو غير وقت العذاب ( قوله فاليوم تنجيك) بالقشديد والتخفيف قراءتان
فاليوم نخرجك من البحر ملتبا
(١٨٩)
سبعيتان ( قوله ببدنك ) حال من الضمير فى ننجيك ، والمعنى
ببدنك فقط لامع روحك
كما هو مطلوبك وقيل
من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له (آلآنَ) تؤمن ( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
المُفْسِدِينَ) بضلالك و إضلالك عن الإيمان (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) نخرجك من البحر (بِبَدَنِكَ)
جسدك الذى لا روح فيه (لِتَكُونَ لَنْ خَلْفَكَ) بعدك (آيَّةً) عبرة فيعرفوا عبوديتك
ولا يقدموا على مثل فعلك ، وعن ابن عباس أن بعض بنى إسرائيل شكُّوا فى موته فأخرج لهم
ليروه (وَإِنَّ كَثِراً مِنَ النَّاسِ) أى أهل مكة (عَنْ آيَاتِاَ لَغَا فِلُونَ) لا يعتبرون بها (وَلَقَدْ
بَأْنَاَ) أنزلنا ( تَنِى إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) منزل كرامة وهو الشام ومصر (وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ
الَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا) بأن آمن بعض وكفر بعض ( حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِياَ كَنُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من أمر الذين بانجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين
(َفَإِنْ كُنْتَ) يا محمد ( فِىِ شَكِّ ◌ِمَّا أَنْزَ لْنَا إِلَيْكَ) من القصص فرضا (فَاسْتَلِ الَّذِينَ
يَقْرَوْنَ اْلْكِتَابِ ) التوراة ( مِنْ قَبْلِتَ) فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه قال صلى الله عليه
وسلم : لا أشك ولا أسأل ( لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ،
المراد بالبدن الدرع لأن
له درعا کان یعرف بها
فلما ألق على وجه الأرض
وعليه درعه عرفوه
(قوله فيعرفوا عبوديتك)
أى ويبطلوا دعوى
ألوهيتك لأن الاله لايموت
ولا يتغير ( قوله شكوا
فى. وته ) إنما وقع منهم
الشك لشدة ماحصل فى
قلوبهم من الرعب منه
فأمر الله البحر فألقاه على
الساحل أحمر قصيرا كأنه
نور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا ( قوله ولقد بوأنا بنى إسرائيل) هذا امتنان من الله
تعالى على بنى إسرائيل بنعم عظيمة (قوله مبوأ صدق) أى أنزلناهم. نزلا حميدا صالحا، وإنما وصف المكان بالصدق لأن
عادة العرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق يقولون: هذا قدم صدق ورجل صدق ( قوله وهو الشام ومصر) أى ، وقيل
مصر فقط لأنها التى كانت تحت أيدى فرعون وقومه ( قوله فما اختلفوا) أى من فعلنا بهم هذا الفعل من بنى إسرائيل ،
وذلك أنهم كانوا قبل مبعث النبى مؤمنين به غير مختلفين فى نبوّته لما يجدونه مكتوبا عندهم ، فلما بعث اختلفوا فيه فآمن به
بعضهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وكفر بعض (قوله حتى جاءهم العلم) أى القرآن، وذلك أن اليهود كانوا يخبرون ؟ بعثه وصفته
ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ( قوله فرضا ) جواب عما يقال إن
الشك محال على رسول الله، فأجاب بأنه على فرض المحال، وأجيب أيضا بأن الخطاب له والمراد غيره، وهذا هو الأتمّ فى
تلك الآيات ( قوله فاسئل الذين يقرءون الخ) أى فان ذلك محقق عندهم ثابت فى كتبهم (قوله يخبر وك ) مجزوم فى جواب
الأمر وهو اسأل (قوله لقد جاءك الحق) أى اليقين من الخبر بأنك رسول الله حقا، وهذا كلام منقطع عما قبله وفيه معنى
القسم: تقدير. والله لقد جاءك الحق الخ.

(قوله فلا تكونن من الممترين) أن دم على ما أنت عليه من عدم الشك والامتراء (قوله إن الدين حقت عليهم كمته ربك)
أى ثبت حكمه وقضاؤه بموتهم على الكفر فلا يتأتى منهم الايمان أصلا إذ لامعقب لحكمه سبحانه وتعالى (قوله حتى يروا) غاية
فى النفى ( قوله فلا ينفعهم حينئذ) أى كفرعون وأضرابه (قوله فلولا) أشار المفسر بقوله هلا إلى أنها تحضيضية وهو
للتوبيخ مع النفى وكان فعل ماض تام، وقرية فاعلها وآمنت صفة قرية، وقوله فنفعها معطوف على آمنت عطفه مسبب على
سبب، والمعنى لم تكن قرية من ذلك القرى التى تقدمت قوم يونس كقوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى آمنت
فيةسبب على زمانها كونه نافعا لها. والحاصل أن الآية تضمنت تحضيضا وتوبيخا ونفيا. فالنف راجع لمنَّ مضى والتوبيخ
والنحضيض راجعان لمن يسمع (قوله أريد أهلها) أشار بذلك إلى أن فى الكلمة مجازا مرسلا من باب تسمية الحال باسم
المحل لا مجازا بالحذف (قوله إلا قوم يونس) أشار المفسر إلى أن الاستثناء منقطع حيث عبر بلكن، وضابط الاستدراك
•وجود وهو رفع مايتوهم نبوته أو نفيه، فأتى به هنا لدفع توهم أنهم كغيرهم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب فرفع ذلك التوهم
بأن قوم يونس آمنوا قبل نزول العذاب بل عند حضور أماراته ولذلك نفعهم إيمانهم ، وأما غيرهم فلم يؤمن قبل نزوله أعم
من أن يكون آمن وقت نزوله أو لم يؤمن أصلا ( قوله ولم يؤخروا إلى حاوله ) أى بل عجلوا الايمان عند ظهور أماراته .
وحاصل قصتهم على ماذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ووهب وغيرهم قالوا : إن قوم يونس كانوا بقرية تسمى
نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل كفر وشرك ، فأرسل الله عز وجل إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان بالله
وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه فقيل له أخبرهم أن العذاب يصبحهم إلى ثلاث فأخبرهم بذلك فقالوا إنا لم نجرب عليه
فايس بشىء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما كان جوف
(١٩٠)
كذبا قط فانظروا فان بات فيكم
الليل خرج يونس من
فَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الشاكين فيه ( وَلاَتَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَ يَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ
اْخَاسِرِ ينَ. إِنَّالَّذِينَ حَقَّتْ) وجبت (عَلَيْهِمْ كَلمَةُ رَبِّكَ) بالعذاب (لاَيُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلّ
آيَةٍ حَتَّى يَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فلا ينفعهم حينئذ (فَلَوْلاَ) فيلا (كَنَتْ قَرْيَةٌ) أريد أهلها
(آمَنَتْ) قبل نزول العذاب بها (فَنَفَعَهَ إِيمَانُهَا إِلاَّ) لكن (قَوْمَ يُونُسَ لَمَا آمَنُوا) عند رؤية أمارة
العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله (كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوَمَنَّعْنَهُمْ إِلَىحِينٍ)،
بين أظهرهم فلما أصبحوا
تن شاهم العذاب ، فكان
فوق رءوسهم . قال ابن
عباس : إن العذاب كان
أهبط على قوم يونس
حق لم يكن بينهم وبينه
انقضاء
إلا قدر ثائی میل فلما دعوا کشفه الله عنهم ، وقال قتادة : قدر میل
وقال سعيد بن جبير: غشى قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب الغبر، وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا
شديدا فهبط حق غشى مدينتهم واستودت أسطحتهم فلما رأوا العذاب أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم يونس فلم يجدوه فقذف
الله فى قلوبهم التوبة خرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا الايمان والتوبة وفرقوا
بين كل والدة وولدها من الناس والدواب فن البعض للبعض فنت الأولاد إلى الأمهات والأمهات إلى الأولاد وعلت الأصوات
ولجؤا جميعا إلى الله تعالى وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس وتابوا إلى الله وأخلصوا النية فرحمهم ربهم واستجاب
دعاءهم وكشف مانزل بهم من العذاب بعد ما أظلمهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة قال ابن مسعود بلغ من
توبتهم أنهم ردوا المظالم فيما بينهم حتى إنه كان الرجل يأتى إلى الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيقلعه فيرده، وروى الطبرانى
بسنده قال لما غشى قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى قال قولوا:
إحى حين لاحى ، وياحى يحيي الموتى وياحى لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف الله عنهم العذاب ومتعوا إلى حين ، وقال الفضيل
ابن عياض إنهم قالوا: اللهم إن ذنو بنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بناما أنت أهله ولا تفعل بنا مانحن أهله فلما خرج
يونس جعل ينتظر العذاب فلم يرشيئا فقيل له ارجع إلى قومك قال وكيف أرجع إليهم فيجدونى كذابا وكان كل من كعب ولا بينة له
قتل فانصرف عنهم مغاضبا فنزل فى سفينة فلما بلغت وسط البحر وقفت وكان من عادتهم أن السفينة لاتقف إلا إذا كان فيها عبد آبق
فضربوا الترعة خرجت على يونس فألقوه فى البحرّ فالتقمه الحوت فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
فاستجاب الله نداءه وأخرجه من بطن الحوت ضعيفا فأنبت الله عليه شجرة القرع ورجع إلى قومه وكانوا يزيدون عن مائة ألف

الشرحوا به وأَلخبوه وآمنوا به، فهنيئا لمن رجع إلى مولاه وتدم على ماجناه فان الله يقبل التوبة عن عباده وينفوعن السيئاث
(قوله انقضاء آجالهم) تفسير المحين ودفع بذلك ماقيل إن قوم يونس من المنظرين لايموتون إلا عند النفخة الأولى فأجاب المفسر
بأن معنى الحين انقضاء آجالهم ( قوله ولو شاء ربك) مفعول شاء محذوف أى إيمان جميع الناس (قوله كلهم) توكيد لمن وجميعا
حال منها والمعنى لو أراد الله إيمان من فى الأرض لآمنوا كلهم حال كونهم مجتمعين (قوله أفأنت تكره الناس) الهمزة داخلة
على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير أنتخزن على عدم إيمانهم وتتأسف عليه أنأنت تكره الح ( قوله لا) أى
لست بمكره الناس على الايمان والمعنى ليس عليك إلا البلاغ لاخلق الايمان فى قلوبهم وإكراههم عليه فان الأمر لله لا خالق
سواء (قوله وما كان لنفس أن تؤمن الخ) بيان وتعليل لما قبله، والمعنى ماثبت لنفس من الأنفس أن تؤمن فى حال من
الأحوال إلا فى حال إرادة الله الإيمان لها ( قوله ويجعل الرجس) معطوف على محذوف والتقدير فيريد الله الايمان للبعض ،
ويجعل الرجس الح ( قوله قل انظروا) بضم اللام وكسرها قراءتان سبعيتان فالضم على نقل ضمة الهمزة إلى اللام والكسر
بيان لما (قوله وما تغنى الآيات)
(١٩١)
على أصل التخلص، والمعنى تفكروا وتأملوا واتعظوا ( قوله من الآيات )
انقضاء آجالهم ( وَلَوْ شَاءَ رَّبُكَ لَآَ مَنَ مَنْ فِىِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جِيعاً أَ فَأَنْتَ نُكْرِهُ النَّاسَ)
بمالم يشأء الله منهم (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) لا (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)
بإرادته (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) العذاب (َى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) يتدبرون آيات الله (قُلِ) لكفار
مكة (أَنْظُرُوا مَاذَا) أى الذى ( فِى السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الآيات الدالة على وحدانية
الله تعالى (وَمَا تُنْفِى الْآَ يَاتُ وَالنَّذُرُ) جمع ندير أى الرسِلِ (عَنْ قَوْمٍلَ يُؤْمِنُونَ) فى على الله
أى ما تنفعهم (فَلْ) فما (يَنْتَظِرُونَ) بتكذيبك (إِلاَّ مِثْلَ أَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ)
من الأم ، أى مثل وقائمهم من العذاب (قَلْ فَانْتَظِرُوا) ذلك (إِّى مَّكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. ثُمَّ
نُنَجِّى) المضارع لحكاية الحال الماضية (رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا) من العذاب ( كَذْلِكَ) الانجاء
(حَقَّ عَلَيْنَا نُنَجِّ الْمُؤمِنِينَ) النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين تعذيب المشركين (قُلْ يَأَيُّهَ
النَّاسُ) أى أهل مكة (إِنْ كُنْتُمْ فِ شَكٍ مِنْ دِيِى) أنه حق (فَلاَ أَعْبُدُ الذِينَ تَعْبُدُونَ
مِنْ دُونِ اللهِ) أى غيره وهو الأصنام لشكِّكَم فيه ( وَلُكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِىِ يَتَوَفْيَكُمْ)
يقبض أرواحكم (وَأَمِرْتُ أَنْ) أى بأن (أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنَ. وَ) قيل لى (أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ
لِدّيْنِ حَنِفاً) ماثلا إليه (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أى المذكورة فى قوله :
ماذا فى السموات والأرض
ففى الكلام إظهار فى مقام
الإضمار ، والمعنى لا تنفع
الآيات والنذر قوما
لا يؤمنون (قوله أی مثل
وقائعهم من العذاب) أى
:هو القتل بالسيف (قوله
فانتظروا ذلك ) أى مثل
وقائع الأمم السابقة (قوله
ثم ( جی) بالتشديد باتفاق
العشرة وبثبوت الياء لفظا
وخطا ( قوله رسلنا) أى
من سبق على محمد (قوله
كذلك) صفة لمصدر
محذوف أى أنجاء مثل
ذلك الانجاء والعامل فيه
ننج المؤمنين وحقاعلينا جملة معترضة بين العامل والمعمول (قوله ننج المؤمنين) بالتخفيف . التشديد وتحذف منه الياء لفظا وخطا
(قوله حين تعذيب المشركين) أى فى الدنيا والآخرة (قوله أى أهل مكة) فى الكفار المعارضون (قوله من دينى) أى الذى جئت به عن
ربى (قوله أنه حق) بدل من دينى، ، المعنى إن كنتم فى شك من حقيقة دينى ومحته فلا أعبدالخ (قوله لشككم فيه) أى فى دينى الحق
أى فالحامل لسكم على عبادة غيرالله شككم فى حقية دينى، وأما أنا فليس عندي شك فى حقيته فلذلك لاأعبد غير الله فكفرهم بالشك
لأنه لايتأتى منهم إنكار كون الله حقا ودين الاسلام حقا على سبيل الجزم بذلك لقيام الأدلة العقلية القطعية على ذلك (قوله الذى
يتوفاكم) خص هذا الوصف بالذكر تهديدا وتخويفا لهم (قوله أن أكون) أن مصدرية مجرورة بالباء المقدرة كما قال المفسر
أى بكونى من المؤمنين المصدقين بما جاء من عند الله لأنه مرسل لنفسه فهو واجب عليه الايمان بما أرسل به (قوله وأن أقم) قدر
المفسر القول إشارة إلى أن أن وما دخلت عليه فى محل نصب مقول لذلك القول ( قوله مائلا إليه) أى مخلصا له العمل ظاهرا
وبالنا فعلى المسكلف أن يتخلق بخلق رسول الله، بأن لا يميل لغير الله ظاهرا وباطنا بل يكون كله لله فلا يشرك معه غيره أصلا
لا فى الظاهر ولا فی الباطن فكما أن الخالق لاشريك له فما خلقه کذلك ینینی للمخلوق أن لا يشرك فى عبادته غيره ,

(قوله ولاتدع من دون الله) أى غيره (قوله فرضا) جواب هما يقال إن عبادة التى غير الله مستحيلة فكيفبه يخاطب بذلك
أجاب المفسر بأن ذلك على سبيل الفرض والتقدير. وأجيب بأن الخطاب له والمرادغيره (قوله فلا كاشف له إلاهو) أى لادافع ولا مانع
له إلا اله حقيقة فنسبة النفع أو الضر لغير الله باعتبار أن الله أجرى على أيديهم ذلك لاباعتبار أنهم الخالقون له فان نسبة ذلك
لهم من هذه الحيثية كفر (قوله وإن يردك بخير) عبر فى جانب الخير بالارادة دون المسّ إشارة إلى أن الخير لا يتوقف إنياته
على سبب ونهيؤ من العبد بخلاف الضر فلابد من تقدّم سببه قال تعالى - وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم - (قوله
وهو النفور) أى الستار للذنوب الماحى لها (قوله الرحيم) أى المنعم الحسن فالغفور المنجى من النار بسبب محو الذنوب
والرحيم المدخل اللجنة بسبب الانعام والإحسان (قوله الحق) أى القرآن ومن جاء به وهو النبى صلى الله عليه وسلم (قوله
لأن نواب اهتدائه له) فلا يصل لله ممن كفر ضر ولا ممن آمن نفع تنزه سبحانه وتعالى عن أن يتكل بمخلوق (قوله لأن
وبال ضلاله عايها) أى عذاب ضلاله على نفسه فلا بشاركه أحد لافى هداية نفسه ولا فى ضلاله بل كل امرئ بما كسب رهين
إلىّ أمركم وإنما أنا بشير ونذير (قوله فأجبركم على الهدى) أى
(١٩٢)
(قوله بوكيل) أى بحفيظ موكول
أكرمكم عليه (قوله
مایوحی إلیك ) أى من
القرآن (قوله على الدعوة)
أى دعائك إياهم للايمان
(قوله وأذهم ) أى لك
فكان رسول الله يسمع
سبه بأذنه ولا يتكلم
(قوله أعدلهم ) أى
فلايخطئ فی حکمه أصلا
وأما غيره فتارة يخطىء
فى حكمه وتارة بعدل ،
فأفعاله سبحانه وتعالى
دائرة بين الفضل والعدل
ظابته المؤمن بالفضل
وتعذيبه العاصى بالعدل
( قوله بالقتال ) أى
الجهاد ، وأشار بذلك إلى
وَلاَ تَدْعُ) تعبد ( مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ) إن عبدته ( وَلاَ يَضُرُّكَ) إن لم تعبده ( مَإِنْ
فَلْتَ) ذلك فرضاً (فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِنَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ) يصبكُ (اللهُ بِضُرٍ) كفقر
ومرض ( فَلَ كاشِفَِ) رافع (لَهُ إِلَّ هُوَ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادٌ) دافع ( لِفَضْلِهِ) الذى
أرادك به (يُصِيبُ بِهِ) أى بالخير (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهٍ وَهُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ. قُلْ يَأَيُّهَ النَّاسُ)
أى أهل مكة (قَدْ جَاءَ كُمُ الْحَقُّمِنْ رَبِّكُمْ فَنٍ أَهْتَدَى فَإِنَ يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ) لأن نواب
اعتدائه له (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّ يَضِلُّ عَلَيْهَاَ) لأن وبال ضلاله عليها (وَمَا أُنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)
فأجبركم على الهدى (وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) من ربك (وَأَصْبِرْ) على الدعوة وأذاهم (حَتَّى
يَحْكُمَ الُهُ) فيهم بأمره (وَهُوَ خَيْرُ الْمَاكِنَ) أعدلهم وقد صبر حتى حكم على المشركين
بالقتال وأهل الكتاب بالجزية .
(سورة هود)
مكية إلا أقم الصلوة الآية، أو إلا فلملك تارك الآية وأولئك يؤمنون به
بالآية: مائة واثنتان أو ثلاث وعشرون آبة
( بِسمِاللهِ الرَّْمنِ الرَّحِيمِ. الَرْ) الله أعلم بمراده بذلك، هذا (كِتَابٌ أُخْكِمَتْ آيَاتُهُ)
قول ابن عباس إن هذه الآية منسوخة بآية القتال ، والله أعلم.
بعجيب
بالصرف وتركه فان لوحظ أنه اسم السورة منع الصرف وإن لوحظ أن المراد السورة المذكورة
[سورة هود]
فيها هود صرف ومثل ذلك بقال فى سورة نوح لأن هذه الأسماء مصروفة وسورة مبتدأ أخبر عنه بخبرين قوله مكية وقوله
مائة الخ ( قوله إلا أقم الصلاة ) التلاوة بالواو فالصواب أن يقول إلا وأقم الصلوة الخ وهذا قول ابن عباس وقوله أو إلافلماك
الخ هو قول مقال فالحاصل أن المدنى عند ابن عباس آية واحدة وهى وأقم الصاوة الآية وعند مقاتل آيتان: قوله فلعلك تارك
بعض مايوحى إليك الآية وقوله أولئك يؤمنون به الآية (قوله الله أعلم بمراده بذلك) تقتم أن هذا هو الأسهم فى تفسير
الحروف المقطعة (قوله كتاب ) خبر لحذوف قدره المفسر بقوله هذا يدل عليه قوله فى آية أخرى ذلك الكتاب واسم
الاشارة يصح عوده على ماذكرفى هذه السورة فقط أو على جميع القرآن ونقدم ذلك (أحكمت) صفة لكتاب إما من
الإحكام أى الاتقان ففعله متعد والمعنى أتقنت آياته لفظا ومعنى فلا يحيط بمعنى آيات القرآن غيره تعالى ولم یوجد تم کیب بديع
الصنع عديم النظير نظير القرآن، أو الهمزة للنقل من حكم بضم الكاف بمعنى جعلت حكيمة .

(فوله ثم فصلث) يحتمل أن ثم لمجرد الأخبار والعنى أخبرنا الله بأن القرآن محكم أحسن الاحكام مفصل أحسن التفصيل ما
تقول فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل ويحتمل أنها الترتيب الزمانى بحسب النزول لأنها أحكمت أوّلا حين نزلت جملة واحدة
ثم فى لت ثانيا بحسب الوقائع (قوله من لدن حكيم خبير) صفة ثانية لكتاب وفيه طباق حسن لأن حكيم يناسب أحكمت وخبير
يناسب فصلت ويصح أن يكون من باب التنازع أعمل الأوّل وهو أحكمت وأضمر فى الثانى وحذف والأحسن الأول (قوله
أن لانعبدوا) الأحسن أنّ أن تفسيرية لوجود ضابطها وهو تقدّم جملة فيها معنى القول دون حروفه وهى قوله ثم فصلت (قوله
منه) يصح عود الضمير على الله أو على الكتاب (قوله إن كفرتم) أى دمتم على الكفر (قوله وأن استغفروا) عطف
على قوله أن لا تعبدوا والسين والتاء للطلب والمعنى اسألوه الغفران لذنوبكم فيما مضى وقوله ثم توبوا إليه أى فى المستقبل لأن
شرط التوبة الندم على مافات والاقلاع فى الحال والعزم على عدم العود فى المستقبل فلا يقال إن الاستغفار هو التوبة بل بينهما
التغاير (قوله يمتعكم) جواب الأمر (قوله بطيب عيش) أى فى أمن وراحة ورضا فمن تاب من ذنوبه وأخلص عبادة
ربه عاش فى أمن وراحة ورضا ، وإن ضيقت عليه الدنيا فهى رفع درجات له بوجود رضا الله عليه، ومن لم يتب وأصر على
المعاصى والكفر عاش فى خوف ونصب وسخط، وإن وسعت عليه ملاذ الدنيا إذ لاخير فى عيش بعده النار وحينئذ فلا ينافى
التاءين ) أى والأصل تتولوا
(١٩٣)
هذا كون الدنیا سجن المؤمن وجنة الكافر ( قوله فیه حذف إحدى
( قوله أى تعرضوا) أى
بعجيب النظم وبديع المعانى (ثُمَّ فُصْلَتْ) بينت بالأحكام والقصص والمواعظ (مِنْ لَكُنْ حَكِيمٍ
خَبِيرٍ) أى الله (أَنْ) أى بأن (لاَ تَعْبُدُوا إِلَّاللهَ إِنَّنِى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ) بالعذاب إن
كفرتم (وَبَشِرٌ) بالثواب إن آمتم ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) من الشرك (ثُمَّ تُوبُوا)
ارجعوا (إِلَيْهِ) بالطاعة (يُمْتَّفْكُمْ) فى الدنيا (مَتَامًا حَسَناً) بطيب عيش وسعة رزق (إِلَى
أُجَلٍ مُسَمَّى) هو الموت (وَيُؤْتِ) فى الآخرة ( كُلَّ ذِى فَضْلِ) فى العمل (فَضْلَهُ) جزاء.
(وَإِنْ تَوَلَوْا ) فيه حذف إحدى التاءين أى تعرضوا (فَإِى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
كَبِيرٍ) هو يوم القيامة (إِلَى الْهِ مَرْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) ومنه الثواب والعذاب.
ونزل كما رواه البخارى عن ابن عباس فيمن كان يستحى أن يتخلى أو يجامع فيفضى إلى السماء
وقيل فى المنافقين (أَلاَإِنّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أى الله (أَلاَ حِينَ يَسْتَفْشُونَ ثِيَبَهُمْ)
يتخطون بها (يَعْلَمُ) تعالى (مَايُسِرُ ونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلا يغنى استتفاؤْم (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
عن الأوامر والنواهى
وتدوموا على الكفر ،
وجواب الشرط محذوف
والتقدير فلا تلوموا
إلا أنفسكم وقوله فانى
أخاف الخ تعليل للجواب
الحذوف ( قوله إلى الله
مرجعكم ) أى فلامفرّ
لكم منه (قوله ومنه
الثواب) أى من الشىء
المقدور عليه ( قوله
فیمن کان یستحی ) أى
من المسلمين (قوله أن يتخلى) أى يقضى حاجته من البول والغائط (قوله فيفضى) معطوف على يتخلى وتنزيل الآية
على حكم هذا القول باعتبار تعليم التوحيد والمراقبة كأن الله يقول لهم: لانظنوا أن تغطيتكم تحجبكم عن الله بل الله يعلم
ماتسرون وما تعلنون فلا ينافى أن التغطية عند التخلى والجماع مندوبة وليس المراد ذمهم على هذا الفعل إذ هو مطلوب حياء
من الله والجن والملائكة (قوله وقيل فى المنافقين) قال ابن عباس («نزلت فى الأخنس بن شريق من منافقى مكة وكان رجلا
طلق الكلام حلو المنظر وكان يلقى رسول الله بما يحب وينطوى بقلبه على ما يكره)) ، وقيل كان الرجل من الكفار يدخل
بيته ويرخى ستره ويحنى ظهره ويستغشى بثو به ويقول الكفر ويظنّ أن الله لا يعلمه فى تلك الحالة (قوله ألا إنهم يثنون صدورهم)من
اثنى وهو لى الشىء ليكون مستورا فالمراد يعطفون صدورهم على مافيها من الكفر ليكون مخفيا مستورا وأصله يثنيون
نقلت ضمةٍ الياء إلى ماقبلها ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، وهذا المعنى على أن سبب النزول فى المنافقين ، وأما على
أنه فيمن يستحى حال قضاء الحاجة والجماع فالمراد بثنى الصدر انحفلؤه بظهره حال قضاء الحاجة وتغطيته بثوبه حين قضاء
الحاجة والجماع فتأمل (قوله ليستخفوا منه) هذا هو علة ثنى الصدر على مافيه (قوله ألا حين يستغشون ثيابهم) أى
بأوون إلى فراشهم ويرتدون ثيابهم (قوله مايسرّون) أى فى قلوبهم وقوله وما يعلنون أى بأفواههم.
[ ٢٥ - مارى - فى]

(قوله أى ما فى القلوب) أى فالمراد بالصدور القلوب ومافيها هو الخواطر فنخلق المحل وأريد الحال فيه (قوله ومامن دابة)
النكرة فى سياق النفى تعم فدخلت جميع البواب عاقلة وغير عاقلة (قوله هى مادبّ عليها) أى مشى وسار (قوله إلا على الله
وزقها) ليس المراد أن ذلك واجب عليه تنزه سبحانه وتعالى بل المراد أنه التزم به وتكفل به التزاما لايتخلف فى الحقيقة
على بمعنى من وإنما التعبير بعلى ليزداد العبد ثقة بربه وتوكلا عليه وإن أخذ فى الأسباب فلا يعتمد عليها بل يثق بالله
ويعتمد عليه وليكن أخذه فى الأسباب امتثالا لأمره تعالى لأن الله يكره العبد البطال وخص دواب الأرض بالذكر
لأنهم المحتاجون للأرزاق، وأما دواب السماء كالملائكة والحور العين فليسوا محتاجين لذلك بل قوتهم القسبيح والتهليل (قوله
ويعلم مستقرها ومستودعها) أتى بذلك دفعا لما يتوهم من كونه متبكفلا لكل دابة فى الأرض برزقها أنه ربما يخفى عليه
بعض أماكن تلك الدواب فدفع ذلك التوهم بأنه يعلم مكان كل دابة فلا تخفى عليه خافية والمعنى أنه أحاط علمه بمكان كل دابة
وزمانها (قوله بعد الموت) أى وهو القبر (قوله كل مماذكر) أى من الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها فاللوح المحفوظ
أحاط بجميع أرزاق الدواب وأمكنتها وأزمنتها وأحوالها وهذا من باهى قدرته تعالى لزيادة طمأنينة العبيد ومراجعة
الملائكة الموكلين بالأرزاق لا خوفا من نسيانه إذ هو مستحيل عليه ( قوله وهو الذى خلق السموات) هذا بيان لكونه
بيان لكونه عالما بالمعلومات كلها (قوله والأرض) أى ومافيها
(١٩٤)
قادرا على جميع الممكنات وماتقدّم
من الأقوات والحيوانات
وغير ذلك والكلام على
التوزيع إذ خلق
السموات فى يومين،
والأرض فى يومين ،
والأقوات فى يومين كما
يأتى فى سورة فصلت
(قوله أوّلها الأحد)
تقدم أن هذا مشكل
لأنه لم يكن ثم زمان
فضلا عن تفصيله أياما
فضلا عن تخصيص كل
يوم باسم وتقدم الجواب
أى بما فى القلوب (وَمَا مِنْ) زائدة (دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ) مى مادبْ عليها (إِلاَّ ◌َلَى اللهِ رِزْقُها)
تكفل به فضلا منه تعالى (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا) مسكنها فى الدنيا أو الصلب (وَمُسْتَوْدَعَهَا)
بعد الموت أو فى الرحم (كُلٌّ) مما ذكر (فِ كِتَبِ مُبِينٍ) بَيِّن هو اللوح المحفوظ (َهُوَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ) أولها الأحد وآخرها الجمعة ( وَ كَانَ عَرْشُهُ) قبل
خلقهما (عَلَى الْمَاء) وهو على متن الريح (لِيَبْلُوَّ كُمْ) متعلق بخلق أى خلقهما وما فيهما
منافع لكم ومصالح ليختبركم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أى أطوع قله (وَلَمُنْ قُلْتَ) يا محمد لهم
(إِنَّكُمْ مَبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ) ما (هُذَا) القرآن الناطق
بالبعث أو الذى تقوله ( إِلاَّ سِخْرٌ مُبِينٌ) بَيِّن وفى قراءة ساحر والمشار إليه النبى صلى الله عليه
وسلم (وَلَيْنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْتَذَابَ إِلَى) مجىء (أُمَّةٍ) أوقات،
( معدودة
عنه بأن ذلك باعتبار ما تعلق به علمه سبحانه وتعالى
لأن كل شىء كان أو يكون فهو فى علمه على ماهو عليه فالمعنى أوّلها الأحد الذى علم الله أنه يكون (قوله على الماء). أى
لم يكن بينهما حائل بل هو فى مكانه الذى هو فيه الآن وهو مافوق السموات السبع والماء فى المكان الذى هو فيه الآن وهو
ما تحت الأرضين السبع ، وذلك أن أوّل ماخلق الله النور المحمدى ثم خلق منه العرش ونشأ الماء من عرق العرش خلق الله منه
الأرضين والسموات فالأرضون من زبده والسموات من دخانه ( قوله ليختبركم) أى ليتميز المحسن من المسىء بتلك النعم
ثمن شكر فهو المحسن ومن كفر فهو المسىء والمعنى ليظهر بين الناس المطيع فينيبه فى الآخرة على طاعته والعاصى فيعاقبه فى
الآخرة على عصيانه ( قوله أيكم أحسن عملا) مبتدأ وخبر والجملة فى محل نصب معمولة ليبلوكم علق عنها بالاستفهام (قوله
ولئن قلت ) اللام موطئة لقسم محذوف وإن حرف شرط وقوله ليقولن جواب القسم.وحذف جواب الشرط لتأخره. قال
ابن مالك :
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
وكذا يقال فيما بعده (قوله إلا سحر) أى كالسحر فالكلام على القشبيه البليغ من حيث إنه كلام مزين الظاهر فاسد
الباطن ( قوله وفى قراءة) أى وهى سبعية أيضا (قوله ولئن أخرنا عنهم العذاب) أى الذى استعجلوه (قوله إلى أمة)
أى طائفة من الأزمنة .

(قوله، مدودة) أى قايلة (قوله ليقولن) الفعل مرفوع بالنون المحذوفة لتوالى الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعله
وأعرب مع وجود نون التأكيد ولم يبن لأن نون التوكيد لمتباشره إذ الأصل ليقولون حذفت نون الرفع لتوالى الأمثال، فالتقى
ساكنان حذفت الواو لالتقائهما والمحذوف لعلة كالثابت وهذا بخلاف ليقولن المتقدم فانه مبنى لمباشرة النون فى اللفظ والتقدير
(قوله ما يحبسه) أى أيّ شيء يمنعه من النزول وهذا الاستفهام على سبيل السخرية (قوله ألا يوم يأتيهم) ألا أداة افتتاح داخلة
على ليس فى المعنى ويوم معمول الخبر ليس واسمها ضمير فيها يعود على العذاب وكذلك فاعل يأتيهم ضمير يعود على العذاب ،
والتقدير ألا ليس هو : أى العذاب مصروفاعنهم يوم يأتيهم العذاب، ففى هذه الآية تقدم معمول خبر ليس عليها (قوله من
العذاب) بیان لما ( قوله ثم نزعناها منه) أی أخذناها قهرا ( قوله قنوط) أى لقلة صبره وعدم رجائه فى ر به ( قوله ليقولى
ذهب السيئات عنى) أى على حسب عادة الدهر ولا ينظر لفضل الله فى ذلك فهو مغضوب عليه على كلّ حال (قوله إلا الذين
صبروا) مستثنى من قوله: ولئن أذقنا الانسان الح، وقد أشار المفسر إلى أن هذا الاستثناء منقطع حيث عبر بلكن ويصح
(١٩٥)
أن يكون متصلا باعتبار أن المراد بالانسان الجنس لاواحد بعينه ( قوله لهم
مغفرة) أی لذنوبهم ( قوله
وأجر كبير) أى عظيم
(مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ) استهزاء (مَا يَخْبِسُهُ) ما يمنعه من النزول ؟ قال تعالى (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِهِمْ
لَيْسَ مَصْرُوفَا) مدفوعًا (عَنْهُمْ، وَحَاقَ) نزل (بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِ ءُونَ) من العذاب
(وَلَئِنْ أَذَقْنَ الْإِنْسَانَ) الكافر ( مِنَّا رَْمَةً) غنى وصحة (ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ)
قنوط من رحمة الله (كَفُورٌ) شديد الكفر به (وَلَئِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاء) فقر وشدة
(مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّاتُ) المصائب (عَنِّى) ولم يتوقع زوالها ولا شكر عليها (إِنَّهُ
لَفَرِ حٌ) بطر (فَغُورٌ) على الناس بما أوتى (إِلاَّ) لكن (الَّذِينَ صَبَرُوا) على الفراء (وَعَمِلُوا
العَّالِمَاتِ) فى النعماء (أُولُتِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) هو الجنة (فَلَعَلَّكَ) يا محمد (تَارِكٌ
بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) بتلاوته عليهم لأجل
(أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ) هلا (أَنْزِلَ عَلَيْهِ كَثْرٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) يصدقه كما اقترحنا (إِنَّ أَنْتَ
تَذِيرٌ) فلا عليك إلا البلاغ، لا الإِنيان بما اقترحوه (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٌ وَكِيلٌ) حفيظ
فيجازيهم (أَمْ) بل أ ( يَقُولُونَ أَفْتَرْ هُ) أى القرآن (قُلْ فَأْتُوا بِشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) فى الفصاحة
والبلاغة ( مُنْغَریاتٍ ) فانكم عر بيون فصحاء مثلى ،
مدّخرلهم فى الآخرة (قوله
فلعلك تارك ) لعل تأتى
للترجى فى الأمر المحبوب
كما تقول لعل الحبيب قادم
وتأتى للتوقع فى الأمر
المكروه كما تقول لعل العدو
قادم والآية من هذا الثانى
غير أن التوقع ليس على بابه
إذ مستحيل على رسول
اقه كتم بعض ما أمر
بقبلیغه والعزم على ذلك
بل المقصود منه الاستفهام
الانكارى والتحضيض
على التبليغ مع عدم
المبالاة بمن عاداه كأن الله
يقول لنبيه بلغ ما أمرت به ولو كره المشركون ذلك ولا تترك التبليغ محافظة على عدم استهزائهم ، وذلك أن رسول اللّه كان
إذا قرأ آية فيها سبّ المشركين وآلهتهم نفروا وقالوا انت بقرآن غير هذا أو بدله ونحن نتبعك فردّ الله عليهم ذلك
حيث حضه على التبليغ ونهاه عن الكتم (قوله بعض مايوحى إليك) أى وهو مافيه سب آلهتهم (قواء وضائق به صدرك)
أى لا يكن منك ضيق صدر بسبب استهزاء الكفار بك فان الله حافظك وناصرك عليهم ومخذلهم ( قوله أن يقولوا) أى فقد
قالوا إن كنت صادقا فى الرسالة من عند الله الذى تصفه بالقدرة التامة وأنك حبيبه وعزيز عنده مع أنك فقير فهلا أنزل
عليك ما تستغنى به أنت وأصحابك وهلا أنزل عليك ملك يشهد لك بالرسالة (قوله كنز) أى مال كثير وسمى بذلك لأن شأنه
أن يكنز (قوله فلاعليك إلا البلاغ) أى فلاقبال بقولهم ولا تغتمّ منهم (قوله حفيظ) أى فيحفظك ويجازيهم (قوله أم يقولون)
أم منقطعة بمعنى بل والهمزة، والاضراب انتقالى والهمزة للتوبيخ والانكار والتعجب (قوله افتراه) أى اختلقه من عند نفسه
(قوله قل فأنوا الخ) ردّ لما قالوه، والمعنى أنكم عربيون مثلى فأتوا بكلام مثل هذا الكلام الذى جئت به فانكم نقدرون
على ذلك بل أقدر منى لممارستكم الأشعار والوقائع ( قوله مثله) نعت لسور وإن كان بلفظ الافراد فانه يوصف به المثنى
والجمع والذكر والمؤنث .

(قوله تحداهم بها أوّلا) أى بعد أن تحداهم بجميع القرآن كما فى سورة الاسراء. قال تعالى - قل ثن اجتمعت الافي، والجن
على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله - الآية، ثم تحدّاهم بعشر سور كاهنا ثم بسورة كمافى البقرة ويونس فالاسراء قبل
هود نزولا ثم هود ثم يونس ثم البقرة (قوله على ذلك) أى الانيان (قوله أى غيره) أى من الأصنام أو من جميع المخلوقات
(قوله فان لم يستجيبوا لكم) أى أيها المشركون، وقوله: أى من دعوتموهم تفسير الواو فى يستجيبوا (قوله بعلم الله) أى فكا
أن علمه لايشابهه علم كذلك كلامه لايشابهه كلام لأن الكلام على حسب علم المتكلم فكلما كان المتكلم متسع العلم كان كلامه
فصيحا بليغا ولا أوسع من علم الله لأنه أحاط بكلّ شيء علما (قوله عنففة) أى واسمها ضمير الشأن (قوله أى أسلموا) أى فهو
استفهام فيه معنى الطلب لزوال العذر المانع من ذلك (قوله من كان يريد الحيوة الدنيا) اختلف فى سبب نزولها فقيل فى
اليهود والنصارى ، وقيل فى المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الله الغنائم لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الآخرة ،
وقيل فى المرائين والحمل على العموم أولى فيندرج فيه الكافر والمنافق والمؤمن الذى يأتى بالطاعات على وجه الرياء والسمعة
(قوله وزينتها) أى مايتزين به فيها من الصحة والأمن والسعة والرياسة وغير ذلك (قوله بأن أصرّوا على الشرك) هذا شامل
للقولين المتقدمين (قوله وقيل هى فى المرائين) أى ومعنى قوله: أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار: أى ابتداء ثم بعد استيفاء
ماعلیه يخرج منها ، ويدل
على أن له هذا الوعيد الشديد ماروى ((يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك
(١٩٦)
من عمل عملا أشرك فيه
تحدّاهم بها أوّلا ثم بسورة ( وَأَدْعُوا) للمعاونة على ذلك (مَنِ اسْتَطَمْتُْ مِنْ دُونِ اللهِ) أى
غيره ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فى أنه افتراءِ (فَإِ) ن (لمَ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) أى من دعوتموم
للمعاونة (فَاعْلَمُوا) خطاب للمشركين (أَنَّا أُنْزِلّ) ملتبساً (بِعِلْمِ اللهِ) وليس افتراء عليه
(وَأَنْ) مخففة أى أنه (لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ فَعَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) بعد هذه الحجة القاطعة أى أسلموا
(مَنْ كَنَ يُرِيدُ الْحَيْوَةَ الدُّنْيَا وَزِيفَتَها) بأن أصر على الشرك، وقيل هى فى المرائين (نُوَفّ
إِلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ) أى جزاء ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم (فيها) بأن نوسع عليهم رزقهم
(وَهُمْ فِيهاَ) أى الدنيا (لاَ يُبْخَسُونَ) ينقصون شيئًا (أُولَتِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ إِلاَّ
النَّارُ وَحَبِطَ) بطل ( مَا صَنَعُو) هُ (فِيهاَ) أى الآخرة فلا نواب له (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أَفْنَ كَانَ عَلى بَيْئَةٍ ) بيان (مِنْ رَبٍَّ) وهو النبى صلى الله عليه وسلم أو المؤمنون وهى القرآن
میغیریتر کتهوشر کا»
وهذا القول اختاره
البيضاوی حدیث « يقال
لأهل الرياء حججتم
وصليتم وتصدقتم وجاهدتم
وقر أتم ليقال ذلك فقدقيل
ذلك ، ثم قال إن هؤلاء
أوّل من تسعر بهم النار»
رواه أبو هريرة ثم بكى
بكاء شديدا ثم قال مدق
رسول الله من کان یرید
(ويتلوه)
الحياة الدنيا الخ (قوله نوف) بالنون مبنيا للفاعل وفيه ضمير يعود على الله وبالياء
مبنيا للمفعول وأعمالهم بالرفع نائب فاعل والفاء مشدّدة على كل حال قراءتان الأولى سبعية والثانية شاذة (قوله أى جزاءما عملوه)
أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف (قوله بأن نوسع عليهم رزقهم) أى فهذاجزاء أعمالهم الحسنة فى الدنيا وأمافى الآخرة
فليس لهم فى نظير ذلك شىء. قال تعالى - وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فعلناه هباء منثورا - جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها
مخصوص بالمؤمن (قوله فلا ثواب له) أى لأنهم قد استوفوا فى الدنيا جزاء أعمالهم الحسنة فليس لهم فى الآخرة إلا العذاب . قال تعالى
- ومن كان يريد حرث الدنيانؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب - (قوله وباطل ما كانوا يعملون) أى فى الدنيا من الخيرات (قوله
أمن كان على بينة من ربه) لما تقدم ذكر أوصاف أهل الدنيا الغافلين عن الآخرة وعاقبة أمرهم ذكر أوصاف أهل الآخرة
الذين يريدون بأعمالهم وجه ربهم، واسم الموصول مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر فيما يأتى بقوله كمن ليس كذلك وجواب
الاستفهام محذوف قدره بقوله لا وقد صرّح بهذين المحذوفين فى قوله تعالى - أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون -
(قوله بيان) أى نور واضح ودليل ظاهر وذلك نظير قوله تعالى - أهمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه -
( قوله وهو النبى) أى وعليه فالجمع للتعظيم فى قوله - أولئك يؤمنون به - وقوله أو المؤمنون والجمع فيها ظاهر وفى نسخة
والمؤمنون وهى ظاهرة (قوله وهو القرآن) تفسير البينة ، وقد أخذ هذا التفسير مما يأتى فى سورة البينة فى قوله تعالى - حتى
تأتيهم البينة رسول من الله بتاوا صنا مطهرة فيها كتب قيمة - .

(قوله ويتلوه) الضمير عائد على من (قوله وهو جبريل) تفسير الشاهد، والمعنى من كان متمسكا بالحق والحال أنه يقبعه شاهد
من الله يصدقه على ذلك وهو جبريل لأنه مقوّ ومصدق الرسول ويصح أن يكون المراد بالشاهد معجزات القرآن والضمير فى
منه لما عائد على الله أوعلى القرآن، والغنى على هذا ويقبعه شاهد يشهد بكونه من عند الله وهو الاعجاز فى نظمه واشتماله على
عجائب المغيبات فى معناه فلايستطيع أحدأن يأتى بمثله كلا أو بعضا، ويصحّ أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول
الله مطلقا (قوله ومن قبله) الجار والمجرور حال من كتاب موسى الواقع معطوفا على شاهد (قوله شاهد له أيضا) الأوضح أن
يقول يتاوه أيضا إذهو المسلط عليه (قوله إماما) أى مقتدى به (قوله ورحمة) أى إحسانا ولطفا لمن أنزل إليهم (قوله أى من
كان على بينة من ربه) أشار بذلك إلى أن اسم الاشارة عائد على قوله أفمن كان على بينة (قوله ومن يكفر به) اسم الموصول
راجع لقوله كمن ليس كذلك فهو لف ونشر مرتب ( قوله فلاتك ) أصله تكون دخل الجازم فسكنت النون فالتقى ساكنان
(١٩٧)
حذفت الواو لالتقائهما وحذفت النون تخفيفا (قوله فى مرية) بكسر الميم باتفاق
السبعة وقرئ* شذوذا بضمها
(وَيَتْلُوهُ) يتبعه (شَاهِدٌ) له بصدقه ( مِنْهُ) أى من الله وهو جبريل (وَمِنْ قَبْلِهِ) أى
القرآن (كِتَبُ مُوسَى) التوراة شاهد له أيضا (إِمَامَا وَرَْحَمَةً) حال كمن ليس كذلك؟ لا
(أُولَئِكَ) أى من كان على بينة من ربه ( يُؤْمِنُونَ بِ) أى بالقرآن فلهم الجنة (وَمَنْ
يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ) جميع الكفار ( فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَتَكُ فِي مِرْيَةٍ ) شك (مِنْهُ)
من القرآن (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلُكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) أى أهل مكة (لاَ يُؤْمِنُونَ. وَمَنْ)
أى لا أحد (أَظْلَمُ يِمِّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) بنسبة الشريك والولد إليه (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ
عَلَى رَبِّهِمْ) يوم القيامة فى جملة الخلق ( وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ) جمع شاهدوهم الملائكة يشهدون
الرسل بالبلاغ، وعلى الكفار بالتكذيب ( هُؤْلاَءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى
الظَّالِينَ) المشركين (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) دين الاسلام (وَيَبْغُونَها) يطلبون السبيل
(عِوَّجَا) معوجة (وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ) تأكيد (كَفِرُونَ. أُولْتِكَ لَمَ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ)
الله ( فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَمُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أى غيره ( مِنْ أَوْلِيَاء) أنصار يمنعونهم من
عذابه (يُضَعَفُ لَهُ الْعَذَابُ) بإِضلالهم غيرهم (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) الحق (وَمَا كَانُوا
يُبْصِرُوذَ)، أى لفرط كرامتهم له كأنهم لم يستطيعوا ذلك (أُولْتِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)
لمصير هم إلى النار المؤبدة عليهم (وَضَلَّ) غاب (عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) على الله من دعوى الشريك
وهى لغة متليلة وهو خطاب
للنبى والمراد غيره ( قوله
إنه الحق ) أى الثابت
الذی لا محیص عنه (قوله
ولكن أكثر الناس)
يفيد أن الأقلّ مؤمن
وهو کذلك فی کل زمن
إلى يوم القيامة وإنما
خصّ المفسر أهل مكة
لكون أصل الخطاب لهم
(قوله أى لا أحد) أشار
بذلك إلى أن الاستفهام
إنكاری بمعنى النفى وهذا
شروع فى ذكر أوصافهم
وقدذكرمنها هنا أربعة
عشر وصفا أوّلها قوله
ومن أظلم وآخرها قوله
لاجرم أنهم فى الآخرة مم
الآخسرون (قوله أولئك يعرضون على ربهم) أى عرض فضيحة وهتك ستر (قوله وهم الملائكة) أى والنبيون والأصفياء (قوله
ألا لعنة الله) هذا من كلام الله تعالى يقوله لهم يوم القيامة فيطردون بذلك عن الرحمة الحاصلة فى الآخرة ، وليس المراد أنهم
يطردون عن رحمة الدنيا (قوله الذين يصدّون عن سبيل الله) أى يمنعون الناس عن الدخول فى دين الاسلام ، والمعنى أنهم
كما ضلوا فى أنفسهم يضلون غيرهم (قوله ويبغونها عوجا) أى ينسبونها للاعوجاج والحال أنه قائم بقلوبهم ( قوله أولئك لم يكونوا
معجزين) أى فارين من عذاب الله لأن الله وإن أمهلهم لايهملهم (قوله من أولياء) من زائدة فى اسم كان ، والمعنى ليس لهم
أنصار من غير الله يمنعون عذاب الله عنهم (قوله باضلالهم غيرهم) أشار بذلك إلى جواب سؤال وارد على الآية. وحاصله أن
لمضاعفة مخصوصة بالحسنات، وأما السيئات فلا تضاعف. قال تعالى - ومن جاء بالسيئة فلايجزى إلامثلها - فأجاب المفسر بأن
معنى المضاعفة الشدة لأنهم يعذبون عذابين عذابا على ضلالهم فى أنفسهم وعذابا على إضلالهم غيرهم ( قوله ما كانوا يستطيعون
السمع) أى لم يقبلوه لوجود الحجاب على قلوبهم (قوله وما كانوا يبصرون) أى لم يقدروا على ذلك (قوله أولئك) أى الذين
لا يستطيعون السمع ولا الابصار (قوله من دعوى الشريك) بيان لما .

(قوله لاجرم) اختلف العلماء فى معنى لاجيم على ثلاثة أوجه: أولها أن لانافية لأمانى الكفار وجرم فعل ماض بمعنى حق وثبت
وقوله أنهم فى الآخرة هم الأخسرون الجملة فى محل رفع فاعل بجرم ويصير المعنى لاعبرة بأمانيهم بل حق وثبت خسراتهم فى الآخرة
وهذا الوجه أحسنها . ثانيا أن لا كذلك وجرم بمعنى كسب وأن وما دخلت عليه فى تأ ويل مصدر مفعوله والفاعل مادل عليه
السياق والمعنى ما كسب لهم كفرهم وأمنياتهم إلا خسرانهم فى الآخرة . ثالثها أن لاجرم بمعنى لابدّ أى لابد أنهم فى الآخرة ثم
الأخسرون فلا نافية للجنس وجرم اسمها مبنى معها على الفتح وجملة أنهم فى محل رفع خبرها إذا علمت ذلك فقول المفسر حقا
لم يوافق واحدا من هذه الثلاثة إلا أن يقال إنه مرّ على الأول ويكون حقا مفعولا مطلقا لفعل محذوف والتقدير حق حقا ،
وقد وردت هذه اللفظة فى القرآن فى خمسة مواضع ويقال فى كل واحد منها ماقيل هنا (قوله إن الذين آمنوا) لما ذكر الله
أحوال الكفار وما آل إليه أمرهم أنبعهم بذكر المؤمنين وما آل إليه أمرهم (قوله وأخبتوا) من الاخبات وهو الخشوع
والخضوع ويتعدى باللام وإلى فان عدى باللام فمعناه خشع وخضع وإن عدى بالى فمعناه الطمأن وسكن وقد اقتصر المفسر
على هذا الثانى (قوله أولئك أصحاب الجنة) التعبير بأ صحاب إشارة إلى أن أهل الجنة مالكون لمنازلها ملكا لايحول ولايزول
(قوله مثل الفريقين) لما ذكر أحوال الكفار وماهم عليه من الصمم والعمى عن اتباع الحق وذكر أحوال المؤمنين وماهم
عليه من التبصر وسماع الحق وانباعه أنبع ذلك بذكر مثل لكل فريق (قوله كالأعمى والأصم) هذا كناية عن كون الله
شقاوتهم فى علم الله، والمراد من الأعمى والأصم ذات واحدة اتصفت بهذين
(١٩٨)
سلبهم الانتفاع بالحق لسبق
الوصفين فانه هو الذى
لا يقبل الهدى لمقصوده
(لاَ جَرَمَ) حقا ( أَنَّهُمْ فِ الآخِرَةِ مُمُ الْأُخْسَرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَأَخْبَتُوا) سكنوا واطمأنوا أو أنابوا ( إِلَى رَبِّهِمْ أُولْتِكَ أَمْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهاَ خَالِبُونَ.
مَثَلُ) صفة (الْفَرِيقَيْنِ) الكفار والمؤمنين (كاَ لْأَمْمَى وَالْأَمَّ) هذا مثل الكافر (وَالْبَصِيرِ
وَالسَّمِيعِ) هذا مثل المؤمن (هَلْ يَسْتَوِ يَانِ مَثَلاً) لا (أَفَلَا تَذَّ كَّرُونَ) فيه إدغام التاء
فى الأصل فى الفال: تتعظون (وَلَقَدْ أَرْسَلَّنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ أَنِّى) أى بأنى وفى قراءة بالكسر
على حذف القول (لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بَيِّن الإنذار (أَنْ) أى بأن (لاَ تَعْبُدُوا إلاَّ اللهَ إنّى
أَخَافُ عَلَيْكُمْ) إن عبد تم غيره (عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) مؤلم فى الدنيا والآخرة (فَقَالَ المَلَأُّ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) وم الأشراف (مَانَرَاكَ،
بایوجه کان ومثل ذلك
يقال فى نظيره وهو البصير
والسميع ( قوله مثلا )
تمييز محول عن الفاعل
والأسال هل يستوى
مثلهما (قوله لا) أشار
بذلك إلى أن الاستفهام
إنكارى ( قوله أفلا
تذكرون) الهمزة داخلة
إلا
على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير أعميتم وتركتم الهدى
فلا تذكرون وهو خطاب المشركين الذين كانوا فى زمنه صلى الله عليه وسلم (قوله فيه إدغام التاء الخ) أى والأصل تتذكرون
أبدلت التاء الثانية ذالا وأدغمت فى الدال وفى قراءة سبعية بحذف إحدى التاءين تخفيفا (قوله ولقد أرسلنا نوحا) جرت
عادة الله فى كتابه العزيز أنه إذا أقام الحجج على الكفار ووبخهم وضرب لهم الأمثال يذكر لهم بعض قصص الأنبياء المتقدمين
وأمهم لعلهم يهتدون وفى هذه السورة سبع قصص: الأُ ولى قصة نوح مع قومه. الثانية قصة هود مع قومه. الثالثة قصة صالح
مع قومه. الرابعة قصة إبراهيم مع الملائكة . الخامسة قصة لوط مع قومه . السادسة قصة شعيب مع قومه . السابعة قصة موسى
مع فرعون، وذكر هذه القصص على حسب الترتيب الزمانى وتقدم أن نوحا اسمه عبد الغفار ونوح لقبه سمى بذلك لكثرة
نوعه لما ورد أنه رأى كلبا مجذوما فقال له اخسأً ياقبيح فأوحى الله إليه أعبقنى أم عبت الكلب فكان ذلك عتابا له فاستمر
ينوح صلى الله عليه وسلم على نفسه فسمى بذلك (قوله أى بأنى) أشار بذلك إلى أن قراءة الفتح على إضمار حرف الجر
(قوله وفى قراءة) أى وهى سبعية أيضا (قوله على حذف القول) أى ومتى وقعت إن بعد القول كسرت (قوله مبين) أى بين
الانذار وواضحه (قوله إنى أخاف عليكم) هذا فى قوّة التعليل لقوله ألا تعبدوا إلا الله (قوله أليم) صفة اليوم وأسنده له
مبالغة على سبيل المجاز العقلى وحق الإسناد للعذاب (قوله مانراك) اعلم أنهم احتجوا عليه بثلاث حجح أولها قوله ماتراك إلا
جرا مثلنا وآخرها قوله بل نظنكم كاذبين وقد أجابهم عنها إجمالا بقوله أرأيتم إن كنت على بينة من ربى الخ وتفصيلا بقوله

ولا أقول لكم عندى خزائن الشه الخ (قوله إلابشرامثلنا) أى آدميا مثلنا (قوله ولا فضل لك عليها) أى لامزية لك علينا وهذا من
فرط جهلهم حيث استبعدوا فضل الله على البشر وظنوا أن الرسل لا يكونون إلامن الملائكة (قوله أراذلنا) إما جمع الجمع فهو جمع
أوذل بضم الدال جمع رذل بسكونها ككلب وأكلب وأكالب أوجمع المفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر وأبطح وأباطح (قوله
كالجاكة) جمع حائك وهو القزاز (قوله والأساكفة) جمع إسكاف وهو صانع النعال وهذه عادة الله فى الأنبياء والأولياء أن أول من
يقبعهم ضعفاء الناس لذلهم فلا يتكبرون عن الانباع (قوله بالهمزوتركه) أى فهما قراء تان سبعيتان (قوله من -نير تفكرفيك) أى ولو
تفكروا لما انبعوك (قوله من فضل) أى مزية من مال وغيره (قوله فى الخطاب) أى فى قوله وما نرى لكم بل نظنكم (قوله قال ياقوم)
هذا خطاب فيه غاية التلطف بهم (قوله بيان) أى حجة وبرهان (قوله فعميت) أى النبوة أى خفيت عليكم (قوله وفى قراءة) أى وهى
فأطاق العمی وأريد لازمه وهو
(١٩٩)
سبعية أيضا (قوله والبناء للمفعول) أى والأصل أعماها الله عليكم أى أخفاها
الخفاء لأن الأعمى تخفى
إِلَّ بَشَرَاً مِثْلَنَاَ) ولا فضل لك علينا (وَمَانَرَاكَ أَتَّبَعَكَ إلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَأذِلْنَا) أسافلنا كالحاكة
والأساكنة (بَادِئَ الرَّأْىِ) بالهمز وتركه أى ابتداء من غير تفكر فيك ونصبه على الظرف
أى وقت حدوث أول رأيهم (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) فتستحقون به الاتباع منا
(بَلْ تَفُتُّكُمْ كَذِبِينَ) فى دعوى الرسالة أدرجوا قومه معه فى الخطاب (قَالَ يَا قَوْمٍ أَرَأَيْتُمْ)
أخبرونى (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّئَةٍ ) بيان ( مِنْ رَبِّ وَآَ تَنِىِ رَحْمَةَ) نبوة (مِنْ عِنْدِهِ فَصِيَتْ)
خفيت (عَلَيْكُمْ) وفى قراء بتشديد الميم والبناء للمفعول (أَنُلْزِ مُكُمُوهَا) أنجبركم على قبولها
(وَأَنْتُمْ لَمَا كَ رِمُونَ) لانقدر على ذلك ( وَيَا قَوْمٍ لاَ أَسْئَلَكُمْ عَلَيْهِ) على تبليغ الرسالة
(مَالاً) تعطونية ( إنْ) ما (أَجْرِىَ) نوابى (إلَّ ◌َلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِ دِ الَّذِينَ آمَنُوا) كما
أمر تموفى (إِنَّهُمْ مُلَقُوا رَبَّهِمْ) بالبعث فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم (وَلْكِنِّى
أَرَاكُمْ قَوْمَا تَجْمَلُونَ) عاقبة أمركم (وَيَ قَوْمٍ مَنْ يَنْصُرُبِ) يمنعنى ( مِنَ اللّهِ) أى عذابه
(إِنْ طَرَدْتُهُمْ) أى لا ناصر لى (أَفَلاَ) فهلا (تَذَّ كَّرُونَ) بادغام التاء الثانية فى الأصل فى
الفال: تتعظون (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَزَاْنُ اللهِ وَلاَ) إنى (أَعْلَمُ الْنَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِى
مَكٌ) بل أنا بشر مثلكم (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى) تحتقر (أَعْيُمُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ
خَيّا اللهُ أَعْلَمُ بِمَ فِى أَنْفُسِهِمْ) قلوبهم (إنَّى إِذَا) إن قلت ذلك (لَنَ الظَّالِنَ. قَالُوا يَا نُوحُ
قَدْ جَاءَلْتَنَا) خاصمتنا ( فَأَ كْثَرْتَ جِدَالَ فَأْتِنَا بِمَ تَمِدُنَا)
عليه الأشياء فلا يهتدى
ولا يهدى غيره ( قوله
أنجبركم على قبولها) أى
لاقدرة لنا على إلزامكم إياها
والحال أنكم كارهون لها
بل الإيمان إنماهو بالرضا
والقسليم الباطنى والمعنى
أخبرونى إن كنت على حجة
ظاهرة من ربى وأعطانى
نبوة من عنده فأخفاها
عليكم أأجبركم على قبولها
والإيمان بها والحال أنكم
كارهون منكرون لما
لا أستطيع ذلك بل لاقدرة
لى إلاعلى البلاغ (قوله الا
على اللّه) أى فهو المتكفل
لى بالثواب والعطايا (قوله
كما أمر تمونى) أى فقد
قالوا له امنع والطرد هؤلاء
الأسافلة عنك ونحن نتبعك فانا نستحي أن نجلس معهم فى مجلسك وهذا كما قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم كمافى سورة
الأنعام فنزل ردا عليهم : ولا نطرد الذين يدعون ربهم الآية (قوله فيجازيهم) أى على ماقدموامن الأعمال الصالحة (قوله تجهاون)
أى لا تحسنون خطابا (قوله أى لا ناصر لى) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكارى (قوله أفلا تذكرون) الهمزة داخلة
على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير أنأمرونى بطردهم فلا تذكرونى (قوله ولا أقول لكم عندى خزائن
الله) هذا رد لقولهم وما نرى لكم علينا من فضل والمراد بخزائن الله مغيباته التى لا يعلمها ولا يطلع عليها إلا هو ( قوله ولا
أعلم الغيب) رد لقولهم وما زاك اتبعك الخ، والمعنى ما قلت لكم إنى أعلم الغيب فأطلع على بواطنكم ( قوله ولا أقول إنى ملك)
رد لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا (قوله تزدرى) أصله تزترى فقلبت تاء الافتعال دالا (قوله لن يؤتيهم الله خيرا) أى توفيقا
وهدى (قوله الله أعلم بما فى أنفسهم) أى من ايمان وكفر (قوله قد جادلتنا) أى شرعته فى جدالنا

(قوله به) قدره إشارة إلى ان عامد الموصول محذوف ويصح ان تكون ما مصدرية والمعنى بوعدك إياما (قوله فيه / اى فى الوعد
(قوله تعجيله) أشار بذلك إلى أن مفعول شاء محذوف (قوله بغائتين الله) أى بغارين من عذابه (قوله وجواب الشرط) أى
لأول وهذا مرور على مذهب البصر بين القائلين إن جواب الشرط لا يتقدم عليه وجوزه الكوفيون وحينئذ يكون تقدير الكلام
إن كان الله يريد أن يغو يكم فان أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحى وذلك لأن القاعدة إذا اجتمع فى الكلام شرطان وجواب
يجعل الجواب للثانى والشرط الثانى وجوابه جوابا عن الأول (قوله أى كفارمكة) هذا أحد قولين والثانى وعليه أكثر المفسرين
أن هذه الآية من جملة قصة نوح ويكون الضمير فى افتراء عائدا على الوحى الذى جاءهم به نوح (قوله أى عقو بته) أشار
بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف (قوله وأوحى) الجمهور على أنه مبنى المفعول وأنه بالفتح فى تأويل مصدر نائب فاعل
وقرى* شذوذا بالبناء للفاعل وإنه بالكسر إما على إضمار القول أى أوحى الله إلى نوح قائلا له إنه الخ أو بتضمين الإيحاء معنى
القول (قوله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) أى لن يستمر على الايمان إلامن ثبت إيمانه وحصل فاندفع ما يقال
إن فيه تحصيل الحاصل (قوله فدعا عليهم) أى بعد اليأس من إيمانهم وحصول غاية المشقة له منهم فكانوا بضربونه حتى
فى بيت يظنون موته فيخرج فى اليوم الثانى ويدعوهم إلى الله وكانوا
(٢٠٠)
سقط فيلفونه فى اللبد ويلقونه
يخنقونه حتى يغشى عليه
فإذا أفاق قال رب اغفر
القومى فانهم لا يعلمون
وکان الوالد منھم یوصی
أولاده بعدم اتباعه
ويقول قد كان هذا
الشیخ مع آبائناوأجدادنا
هكذا مجنونا فلا يقبلون
منه شيئا فلما أوحى إليه
بعدم إيمانهم دعا عليهم
کاقالامفسر(قوله واصنع
الفلك ) يطلق مفردا
وجعا والمراد هنا المفرد
وكان طولها ثمانين
ذراعا وعرضها خمسين وطولها
به من العذاب ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فيه (قَالَ إِنََّ يَأْتِيَكُمْ بِ اللهُ إنْ شَاء) تسجيله
لكم فإن أمره إليه لا إلىّ (وَمَا أَنْتُمْ بُعْجِزِينَ) بغائتين الله (وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ
أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَّكُمْ) أى إغواءكم وجواب الشرط دل عليه ولا
ينفعكم نصحى (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) قال تعالى (أَمْ) بل أ (يَقُولُونَ) أى كفارمكة
(أُفْتَرْهُ) اختلق محمد القرآن (قُلْ إنِ اُفْتَزَيْتُهُ فَعَلَّ إجْرَامِى) إنمى أى عقوبته (وَأَنَا
بَرَى، ◌ِمَّا تُجْرِمُونَ) من إجرامكم فى نسبة الافتراء إلىّ (وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ
مِنْ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَسِنْ) تحزن ( بِمَ كَانُوا يَفْلُونَ) من الشرك فدعا عليهم
بقوله : رب لاتذر على الأرض الخ فأجاب الله دعاءه وقال (وأصْنَعَ الْقُلْكَ) السفينة (بِأَعْيُقِنَا)
بمرأى منا وحفظنا (وَوَحْيِنَا) أمرنا (وَلاَ تُخَطِى فِى الَّذِينَ ظَمُوا) كفروا بترك إهلاكهم
(إنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) حكاية حال ماضية،
(وكلما
لجهة العلو ثلاثين ذراعا والذراع إلى المنكب وهذه أشهر الروايات وقيل كان طولها ألفا ومائت ذراع وعرضها ستمائة ذراع
وقيل غير ذلك وجعلها ثلاث طبقات فالسفلى للوحوش والسباع والهوام وفى الوسطى الدواب والأنعام وركب هو ومن معه
فى العليا وقيل السفلى للدواب والوحوش والوسطى للانس والعليا للطير وأول ماحمله نوح الدرة وآخر ماحمل الحمار فلما
أراد أن يدخل الحمار أدخل صدره فتعاق إبيس بذنبه فاستثقل رجلاه وجعل نوح يقول ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع
حتى قال له ادخل ولو كان الشيطان معك فدخل فقال له نوح ماذا أدخلك علىّ ياعدوّ الله قال ألم تقل ادخل وإن كان
الشيطان معك قال اخرج عنى ياعدوّ الله قال لابدّ أن تحمانى معك هكذا قيل، وقيل إنه لم يحمله معه فى السفينة وهو الصحيح
لأنه لم يثبت فى حمله خبر صحيح ومكث فى صنع السفينة مائتى سنة مائة فى غرس الأشجار ومائة فى عملها وهى من خشب
الساج ( قوله بمرأى منا وحفظنا) دفع بذلك ما يقال إن ظاهره مستحيل لاستحالة الأعين بمعنى الجارحة المعلومة على الله.
فأجيب بأنه أطلق اللزوم وأراد اللازم لأنه يلزم من كون الشىء بالأعين أنه مبالغ فى حفظه (قوله ولا تخاطبى فى الذين ظلموا)
أى لاتراجعنى فى شأنهم فان الهلاك لابد لهم منه (قوله حكاية حال ماضية) أى فالمضارع ؛ على الماضى