النص المفهرس

صفحات 541-560

الجزء السابع والعشرون
٥٤١
٥٧ - سورة الحديد
١- ﴿لَقَد أرسَلْنا رُسْلَنا﴾: الملائكة إلى الأنبياء، ﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بالحُجج القواطع،
﴿وَأَنزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ بمعنى الكُتب، ﴿والمِيزانَ﴾: العدل، ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسطِ،
وأنزَلْنا الحَدِيدَ﴾: أخرجناه من المعادن، ﴿فِيهِ بأسٌ شَدِيدٌ﴾ يُقَاتَل به، ﴿ومَنافِعُ
لِلنّاسِ، ولِيَعلَمَ اللهُ﴾ عِلمَ مُشاهدة - معطوف على ((ليقوم الناس)) - ﴿مَن يَنصُرُهُ﴾ بأن
ينصر دِينه بآلات الحرب من الحديد وغيره، ﴿وَرُسُلَهُ بِالغَيبِ﴾: حال من هاء
((ينصره))، أي: غائبًا عنهم في الدنيا. قال ابن عبّاس: ينصرونه ولا يُبصرونه. ﴿إِنَّ اللهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢٥: لا حاجة به إلى النُّصرة، لكنها تنفع من يأتي بها.
٢- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا نُوحًا وإبراهِيمَ، وجَعَلْنا في ذُرِّيّتِهِمَا النَُّوَّةَ والكِتابَ﴾ يعني الكُتبَ
الأربعة: التوراةَ والإنجيل والزبور والفُرقان، فإنها في ذُرّيّة إبراهيم - ﴿فمِنْهُم مُهتَدٍ،
وكَثِيرٌ مِنهُم فاسِقُونَ ٢٦ - ثُمَّ قَفَّينا عَلَى آثَارِهِم بِرُسْلِنا، وقَفَّينا بِعِيسَى بنِ مَريَمَ وآتَيْناهُ
الإِنجِيلَ، وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ورَهبانِيَةَ﴾، هي رفضُ النساء
واتّخاذُ الصوامع، ﴿ابتَدَعُوها﴾ من قِبَل أنفُسهم، ﴿ما كَتَبْناها علَيهِم﴾: ما أمرناهم
بها. ﴿إِلّا﴾: لكن فعلوها ﴿ابتغاءَ رِضْوانِ﴾: مرضاةِ ﴿اللهِ، فما رَعَوها حَقَّ رِعايتِها﴾
إذ تركها كثير منهم، وكفروا بدِين عيسى ودخلوا في دِين مَلِكهم، وبقي على دِين عِيسَى
كثير منهم فآمنوا بنبيّنا، ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ به ﴿مِنْهُم أجرَهُم. وكَثِيرٌ مِنْهُم
فاسِقُونَ﴾ ٢٧.
سورة الحديد
لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ
وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَلْنَا الْحَدِيدَفِيهِ
بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ.
بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَ إِبْرَهِيَمَ
وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ مُهْتَّدٍ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ (٦) ثُمَّ قَفَتْنَا عَلَى ءَ اثَرِهِم
بِرُسُلِنَا وَقَفَيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ
وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتََّعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً
أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا
رَعَوْهَاحَقَّ رِعَايَتِهَا فَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ
وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ
وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ يُؤِّْكُمْ كِعْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ
نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ بَالِثَلَا يَعْلَمَ
أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ
الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِيُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعِيسَى، ﴿اَتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ مُحمّد ◌َّهِ وعلى عيسى،
﴿يُؤْتِكُم كِفَلَينِ﴾: نصيبَينِ ﴿مِن رَحْمتِهِ﴾ لإيمانكم بالنبيَّنِ، ﴿وَيَجعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمِشُونَ
بِهِ﴾ على الصراط، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُم - واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٨ - لِئْلَا يَعلَمَ﴾ أي: أعلَمَكم بذلك ليعلمَ ﴿أهلُ الكِتابِ﴾: التوراةِ الذين لم يُؤمنوا بمُحمّد
﴿﴿ ﴿أنْ﴾: مُخفّفةٌ من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والمعنى: أنّهم ﴿لا يَقدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِن فَضلِ اللهِ﴾، خِلافُ ما في زعمهم أنهم أحبّاء الله
وأهل رِضوانه، ﴿وأنَّ الفَضلَ بِيَدِ اللهِ، يُؤتِيهِ﴾: يُعطيه ﴿مَن يَشاءُ﴾. فآتى المُؤمنين منهم أجرهم مرّتين، كما تقدّم. ﴿واللهُ ذُو الفَضلِ
العظیم﴾ ٢٩.
(١) أرسل: بعث وكلف التبليغ والعمل. والرسل: جمع رسول. وهم هنا من البشر لا من الملائكة. انظر ((المفصل)). وأنزلنا: أوحينا. وبمعنى الكتب أي:
يشمل جميع الكتب المنزلة. والعدل أي: الحكم به. ويقومون به: يتعاملون به. والقسط: العدل. والحديد هنا مراد به جنس المعادن وما يشبهها. وإنما خُص
الحديد بالذكر لأنه أكثر استعمالًا وأعم نفعًا. وإنزاله هو خلقه وترسيخه في الأرض، مختلطًا بالصخور والتراب والمواد المختلفة. و((أخرجناه)) قول غير واف
بالدلالة. والبأس: القوة والصلابة. والشديد: القاسي. والمنافع: جمع منفعة. وهي جلب الخير ودفع الضرر. وعلم مشاهدة أي: بظهور المشاهدة الفعلية
للطاعة والمعصية، فيكون ذلك حجة على الناس في الحساب. ط: ((ورُسْلَهُ)). والغيب: الغياب عن الحواس والإدراك. والقوي: الكامل القوة. والعزيز:
الغلاب لكل ماعداه. (٢) انظر أول الآية ٢٥. وجعل: صيّر. والذرية: النسل من الأبناء والحفدة. والنبوة: الدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويعني
الكتب: انظر الآية ٢٥. ومنهم: من الناس المرسل إليهم. والمهتدي: المسترشد إلى الإيمان. والفاسق: الكافر. وقفينا بهم: جعلناهم تبعًا رسولًا بعد آخر.
وعليهم: على إبراهيم ونوح ومن أرسلا إليهم. والآثار: جمع أثر. وهو ما يتركه الإنسان بعد ذهابه. وآتيناه: أوحينا إليه. وجعل: خلق. والقلوب: جمع
قلب. وهو موطن التدبر والاعتقاد والانفعال. واتبعوه: وافقوه على دينه. وهم الحواريون وأتباعهم من بني إسرائيل. والرأفة: الرقة لدفع الشر. والرحمة:
الشفقة لجلب الخير. واتخاذ الصوامع أي: والمبالغة في العبادة والانقطاع عن الناس والنكاح والزينة ولين العيش. والصوامع: جمع صَومعة. وهي البناء
العالي الدقيق الرأس. وابتدع: اخترع دون نص شرعي. والابتغاء: الطلب. وما رعوها: ما قاموا بها. والحق: المستحق. وبه أي: بمحمد وَالر. والأجر:
الثواب. وانظر آخر الآية ٢٦. (٣) بعيسى: قول يخالف ماسيرد في الآية ٢٩، والصواب أن المراد أهل الكتاب عامّةً، أي: بنو إسرائيل من اليهود
والنصارى. وقد روي أن ٤٠ من أصحاب النجاشي جاؤوا إلى المدينة، وقاتلوا مع الصحابة في أحد، وأصيبوا بجراحات ولم يقتل منهم أحد. ولما افتخروا
على الصحابة نزلت هذه الآية تجعل الفريقين سواء في الرحمة والإكرام. الدر المنثور ١٧٨:٦. وعلى هذا فالخطاب للمؤمنين بالإسلام من أهل الكتاب
وغيرهم أيضًا. واتقُوه: تجنبوا سخطه واطلبوا رضاه بالامتثال للطاعة. وآمنوا به: صدِّقوه واتبعوا دينه. ويؤتي: يثيب على الاتباع. والرحمة: العطف
بالإحسان. ويجعل: يخلق. والنور: الضياء تتضح به الأمور لاختيار الصلاح. وتمشون: تهتدون إلى الجنة وعمل الخير. ويغفر: يستر الذنوب ولا يؤاخذ
عليها. والغفور: الكثير المغفرة. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. وروي أن اليهود كانوا يقولون: يوشك أن يخرج منا نبي، فيقطع الأيدي والأرجل.
ولما جاء الرسول من العرب كفروا به. فنزلت الآية ٢٩ تبين لهم ما يجهلون. لباب النقول. وأعلمكم بذلك ليعلم أي: يفعل كل ذلك ليعلموا. والأهل:
الأصحاب المكلفون بما أوحى إليهم. والكتاب: التوراة والإنجيل. ويقدر عليه: يستطيعه ويتمكن من نيله. والفضل: التفضل بالرحمة والنعيم. وبيده أي: يده
قابضة عليه متمكن منه بتصرفه وملكه. ووصف اليد لايجوز فيه تمثيل أوتقريب أو تعطيل. ويشاء: يريد أن يؤتيه ذلك. وذو أي: صاحب ومالك. والعظيم:
الضخم لا مثيل له ولا تدركه العقول.

٥٨ - سورة المُجادِلة
٥٤٢
الجزء الثامن والعشرون
الجزء الثَامِ وَالْمُتَّ
نُورَة الجَلالة
سُورَةُ المُجَادِلَةِ
◌ِسِْاللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ
مِنكُم مِّن نِسَاءِهِم مَّاهُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى
وَلَدْ نَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ
اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴿﴿ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَ يَعُودُونَ
لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبِرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَُونَ
بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (® فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاشَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ
مِسْكِينَا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ
كَمَاكِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌ وَقَدْ أَنْزَلْنَاْءَايَتِ بَيِّنَتٍ وَلِلْكَفِرِينَ
عَذَابٌ مُّهِينٌ (٢٥ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا
عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاَللَّهُ عَلَكُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
سورة المجادلة
مدنية، ثنتان وعشرون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الجزء
١- ﴿قَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾: تُراجعك - أيها النبيّ - ﴿فِي زَوجِها﴾
المُظاهِرِ منها - كان قال لها: أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمّي. وقد سألَتِ النبيَّ عن
ذلك، فأجابها بأنها حَرُمتْ عليه، على ما هو المعهود عندهم من أنّ الظِّهار مُوجَبُه
فُرقةٌ مُؤبّدة. وهي خَولةُ بنتُ ثعلبةَ، وهو أوسُ بنُ الصامت - ﴿وَتَشتَكِي إِلَى اللهِ﴾
وحدتها وفاقتها وصِبية صِغارًا، إن ضمّتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا. ﴿واللهُ يَسمَعُ
تَحاوُرَكُما﴾: تَراجُعَكما. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١: عالم.
٢- ﴿الَّذِينَ يظَّهَّرُونَ﴾ - أصلُهُ ((يَتَظَهَّرُونَ)) أُدغمَتِ التاءُ في الظاء. وفي قراءة بألف
بين الظاء والهاء الخفيفة، وفي أُخرى كـ ((يُقاتِلُونَ)). وفي الموضع الثاني كذلك -
﴿مِنكُم مِن نِسائهِم ما هُنَّ أُمَّهاتِهِم، إنْ أُمَّهاتُهُم إلّا اللّائي﴾، بهمزة ویاء وبلا ياء،
﴿وَلَدْنَهُم، وإِنَّهُم﴾ بالظِّهارِ ﴿لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ القَولِ وَزُورًا﴾: كذبًا - ﴿وإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ
غَفُورٌ﴾ ٢ للمُظاهِر بالكفّارة - ﴿وَالَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِسَائِهِم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾
أي: فيه، بأن يُخالفوه بإمساك المُظاهر منها، الذي هو خِلاف مقصود الظِّهار من
وصف المرأة بالتحريم، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: إعتاقُها عليه، ﴿مِن قَبَلِ أن يَتَماسًا﴾
بالوطء. ﴿ذُلِكُم تُوعَظُونَ بِهِ، واللهُ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٣.
٣- ﴿فَمَن لَم يَجِدْ﴾ رقبةً ﴿فَصِيامُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينٍ، مِن قَبَلِ أن يَتَماسّا، فمَن لَم
يَستَطِعْ﴾ أي: الصيامَ ﴿فإطعامُ سِتِّينَ مِسكِينًا﴾ عليه، أي: من قبل أن يتماسّا حملًا للمُطلق على المُقيّد، لكُلّ مسكينٍ مُدٌّ من غالب قُوت البلد.
﴿ذلِكَ﴾ أي: التخفيف في الكفّارة ﴿لِتُؤمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ. وتِلكَ﴾ أي: الأحكام المذكورة ﴿حُدُودُ اللهِ، ولِلكافِرِينَ﴾ بها ﴿عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٤:
مُؤلم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ﴾: يُخالفون ﴿اللّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾: أُذِلّوا، ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ في مُخالفتهم رسلَهم، ﴿وَقَد أَنزَلْنا آياتٍ
بَيِّناتٍ﴾: دالّةً على صِدق الرسول، ﴿وللكافِينَ﴾ بها ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾٥: ذو إهانة، ﴿يَومَ يَبعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا، فَيُنَّهُم بِما عَمِلُوا. أحصاهُ اللهُ
ونَسُوهُ. واللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ ٦.
(١) أراد أوس بن الصامت مضاجعة زوجته خولة، فأبت عليه، فحرّمها على نفسه حُرمةً أُمّه عليه. ولما شكت أمرها إلى الرسول وم له، وأخبرها أنها تحرم كما
في عُرف الجاهليين، إذ لم يوحَ له شيء خلاف ذلك، راحت تكرر شكواها وتطلب العون من الله، فنزلت الآيات ١-٤ تبين الحكم الشرعي الصحيح. الحديثان
١٨٨ و٢٠٦٣ في ابن ماجه، والبخاري ص ٢٦٨٩ والمسند ٤٦:٦. وسمع قولها: علم ما قالته وأجاب دعاءها. وفي زوجها أي: في شأنه وما جرى منه.
وعن ذلك: عن حكم الظُّهار. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((النبي (َّر عن ذلك)). والمعهود عندهم: المعروف في عادات الجاهليين. وموجَبه: ما يوجَب به
ويترتب عليه. وفي الأصل: ((موجِبٌ فرقةً)). وتشتكي: تتضرع وتطلب الغوث. والفاقة: الفقر والحاجة. وضمتهم إليه: كفّلتْه تربيتهم ونفقتهم. ويسمع: يدرك
المسموعات والأسرار حال وقوعها. والتراجع: المرادّة في الكلام والمجادلة. والسميع: المدرك للجهر والسرّ حال وقوعهما. والعالم: المبالغ في الإحاطة
بكل شيء قبل وجوده وبعده. (٢) يظّر: يحرّم بالظُّهار. والقراءة الثانية: ((يَظّاهَرُونَ)). والثالثة: ((يُظاهِرُونَ)). وفي الموضع الثاني كذلك: يعني أن ما في الآية
٣ قرئ كهذه القراءات. وفيما عدا خ: ((والموضع الثاني كذلك)). ومنكم يعني: أيها المسلمون. والنساء: جمع نسوة. والنسوة: واحدته امرأة. وهن أي:
نساؤهم. والأمهات: جمع أمهة. وهي الوالدة. يعني: الأمهات حقيقة. واللائي: اللواتي. وبلا ياء يريد القراءة ((اللّاءِ». وولدن: أنجبن. ويقولون: يدّعون.
والمنكر: ما شنّعه الشرع. وفي بعض المطبوعات: ((إنّ الله)) بدون الواو. والعفو: الكثير الصفح عن الذنوب. والغفور: المبالغ في الستر للذنوب والتجاوز
عنها. وبالكفارة: يعني الكفّارة المذكورة في الآيتين ٣ و٤. ويعودون له أي: لنقض تحريمهم، ويعزمون على نكاح ماحرّموا. وفيه: في قول الظّهار. والرقبة:
الإنسان المملوك. ويتماسان: يمس أحدهما الآخر بمضاجعة. وتوعظ: تزجر عن ارتكاب المحظور. وتعملون: تكتسبونه من نية أو قول أوفعل. والخبير:
المحيط بالغ الإحاطة ببواطن الأمور وظواهرها. (٣) يجد أي: يملك رقبة أو ثمنها. والصيام: الامتناع عن المفطر. وشهرين أي: أيام شهرين كاملين.
ومتتابعين: لا انقطاع بين أيامهما. ولم يستطعه: لم يقدر عليه لمرض أو ضعف. والمسكين: الفقير المحتاج. وحملًا: قياسًا للحكم المطلق هنا على ما قبله
من حكم الصيام المقيد، فيكون مقيدًا مثله. والمُدّ: مكيال قديم للحبوب وأمثالها. والغالب: ماكان أكثر استعمالًا. والبلد: الذي فيه الرجل المظاهِر.
وتؤمنوا: تثبتوا على التصديق والطاعة. والحدود: جمع حد. وهو الحكم الشرعي. والكافر: المكذب المنكر. ونزلت الآيتان ٥ و٦ قُبيل غزوة الخندق، تبشر
المسلمين بالنصر على الأحزاب التي ستحاربهم. البحر ٢٣٤:٨. ويخالفون أي: ويحاربونه بوضع أحكام وأنظمة تخالف شرعه، يكون لها سلطان الدساتير
والقوانين باسم الضرورة والحاجة. ولا شك في كفر من يستحسن تلك الأحكام، أو يفضلها على الشرع، أو يعمل بها عن علم ودراية، أو يلجأ إليها بإعراض
عن الأحكام الشرعية. انظر تفسير الآلوسي ٢٨:٢٨-٣٢. وأنزل: أوحى. الآيات: النصوص القرآنية. واليوم: الوقت. ويبعثهم: يخرجهم أحياء للحساب
والجزاء. وينبئ: يخبر ويعلم. وأحصاه: عدّه وجمعه. ونسوه: غفلوا عنه لتهاونهم وظنهم أنه لا حساب عليه. وشهيد: حاضر بعلمه يرى ويسمع.

الجزء الثامن والعشرون
٥٤٣
٥٨ - سورة المجادلة
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تعلمْ ﴿أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ؟ ما يَكُونُ مِن
نَجْوَى ثَلاثةٍ إلّا هُوَ رابِعُهُم﴾ بعلمه، ﴿ولا خَمْسٍ إلّا هُوَ سادِسُهُم، ولا أدنَى مِن ذُلِكَ
ولا أكثَرَ إلّا هُوَ مَعَهُم، أينَما كانُوا. ثُمَّ يُنَّهُم بِما عَمِلُوا يَومَ القِيامَةِ. إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ
عَلِيمٌ ٧. أَلَم تَرَ﴾: تنظرْ ﴿إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ،
ويَتَناجَونَ بِالإِثم والعُدوانِ ومَعصِيةِ الرَّسُولِ﴾ هم اليهود، نهاهم النبيّ عما كانوا يفعلون
من تناجيهم، أَي: تحدّثهم سِرًّا، ناظرين إلى المُؤمنين ليُوقعوا في قُلوبهم الريبة،
﴿وإذا جاؤُوَ حَيَّوكَ﴾ - أيها النبيّ - ﴿بِمَا لَم يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾، وهو قولهم: ((السامُ
عليكَ)) أي: الموتُ، ﴿وَيَقُولُونَ في أنفُسِهِم: لَولا﴾: هلّا ﴿يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ من
التحيّة وأنّه ليس بنبيّ، إن كان نبيًّا؟ ﴿حَسْبُهُم جَهَنَّمُ يَصلَونَها﴾: يدخلونها. ﴿فِئْسَ
المَصِيرُ﴾ ٨ هي!
٢- ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إذا تَناجَيتُم فلا تَتَناجَوا بِالإثم والعُدوانِ ومَعصِيةِ الرَّسُولِ،
وتَناجَوا بِالبِرِّ والتَّقْوَى، واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحشَرُونَ ٩. إنَّما النَّجْوَى﴾ بالإثم ونحوه
﴿مِنَ الشَّيطانِ﴾ بغروره، ﴿لِيَحِزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيسَ﴾ هو ﴿بِضارِّهِم شَيْئًا، إلّا بِإذنِ
اللهِ﴾ أي: إرادته! ﴿وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ ١٠ .
سورة المجادلة
الجزء الثَّامِ وَالْحَشِرُكَّ
أَلَمْ تَرَأَنَّاللَّهَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَايَكُونُ
مِنْ تَّجْوَى ثَثَةٍإِلَّ هُوَ رَابِعُ هُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ
وَلَآ أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَ أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْتُمَّيُلِّئُهُم
بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿٤أَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ
نُهُوَأْعَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُو ◌ْعَنْهُ وَيَتَنَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُ وَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِيِّكَ
بِاللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّ بُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ
جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِذَا
تَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْبِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْأْ
بِآلِيِّوَالنَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْاللَّهَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى
مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْوَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَلِ الْمُؤْمِنُونَ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْإِذَا قِيلَ لَكُمْ تَّفَسَّحُوْفِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ
اَللَّهُ لَكُمْ وَ إِذَاقِيلَ آنشُرُ واْفَانشُرُ واْيَرْفَعَ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ()
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا قِيلَ لَكُم: تَفَسَّحُوا﴾ توسّعوا ﴿في المَجلِسِ﴾: مجلس
النبيّ وَ﴿ أو الذِّكر، حتّى يجلس من جاءكم. وفي قراءة: ((المَجالِسِ)). ﴿فافسَحُوا،
يَفسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ في الجنّة. ﴿وإذا قِيلَ: انشِزُوا﴾: قوموا إلى الصلاة، وغيرها من الخيرات. ﴿فانشِزُوا﴾ - وفي قراءة بضمّ الشين فيهما -
﴿يَرفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ بالطاعة في ذلك، ﴿و﴾ يرفعِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ﴾ في الجنّة. ﴿وَاللهُ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١١ .
(١) روي أن بعض المنافقين كانوا يتخلفون، ويتحاورون في الكيد للمسلمين، فنزلت الآية تصف حالهم، والخطاب لكل منهم تأنيبًا وتقريعًا. البحر ٢٣٥:٨.
والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. وفي الأثر أن ملكوت الله سبعةَ عشرَ ألفَ عالَم، السماواتُ والأرض واحد منها. فتخصيصهما بالذكر لأنهما
منتهى ما بلغه علم المخاطبين. ويكون: يحصل. والنجوى: التناجي سرًا. ورابعهم أي: جاعلهم أربعة لاطلاعه عليهم. والأدنى: الأقل كالاثنين، أو الواحد
يناجي نفسه. ومعهم أي: حاضر بعلمه وسلطانه. وأينما كانوا: حيثما استقروا من المواضع الظاهرة أو الخفية. والقيامة: قيام الناس من القبور للحساب
والجزاء. وعليم: محيط به كامل الإحاطة. ونهوا: نبههم النبي ◌َّر وزجرهم عما يفعلون. ويعود: يرجع. ويتناجون: يتحدثون سرًا فيما بينهم. والإثم: فعل
الذنوب. والعدوان: الاعتداء على المسلمين. والمعصية: المخالفة للأمر أو النهي. ويوقعوا الريبة يعني: أنهم كانوا مسالمين معاهدين، يتناجون فيما بينهم
ويتغامزون، فيظن المؤمنون أن عندهم من الأخبار عن إخوانهم ما هو شر أو مصيبة. وجاؤوك: أتوا إليك أو حضروا مجلسك. وحيوك: خاطبوك بما ظاهره
تحية. والآيات ٨-١٠ نزلت فيهم، تفضح قبائحهم وتشنع عليهم ما يفعلون، وتوجه المؤمنين إلى الخير. انظر الحديث ٢١٦٥ في مسلم والواحدي ص ٤٣٦-
٤٣٧. وتحية الله هي تحية الإسلام المشروعة. والأنفس: جمع نفس. وفي أنفسهم: أي: فيما بينهم أو في ضمائرهم. وهلّا: يعني أن (لولا)): حرف
تحضيض، وفيه معنى التحدي والتهكم. ويعذبنا: ينزل علينا عذابًا في الدنيا، كما يزعم المؤمنون. وحسبهم: كافيتهم، وإن لم ينزل بهم عذاب الدنيا. وبئس:
بلغ الغاية من البؤس والشقاء والعذاب. والمصير: مكان الإقامة. و((هي)) ضمير يعود على جهنم. وهذا يعني أنها المخصوصة بالذم، مذمومة مرتين: الأولى
في جنسها ((المصير)»، والثانية في اختصاصها هنا.
(٢) آمنوا: صدّقوا الله ورسوله قلبًا ولسانًا وعملًا. وتناجيتم: تحادثتم سرًا. وكذلك التحادث جهرًا. انظر الآية ٨. والبر: الإحسان وعمل الخير. والتقوى:
ما ينجي من عذاب الله ويحقق رضاه. وإليه أي: إلى موقف حسابه. وتحشرون: تجمعون للجزاء يوم القيامة. والشيطان: من يوسوس بالشر من الإنس والجن.
ويحزنه: يسبب له الغم الغليظ والتوجع. والضار: المؤذي. ويتوكل عليه: يفوض أمره إليه ويلجأ .
(٣) روي أن بعض الصحابة جاؤوا مجلس النبي صل﴾، ولم يجدوا مكانًا للجلوس، فأمر بعضَ الحاضرين أن يوسعوا لهم. وقد شق ذلك على المأمورين،
وزعم المنافقون أنه لم يعدل بين المسلمين، فنزلت الآية تأمر بالتعاطف، حتى يفسح بعضهم لبعض، في كل مجلس للخير. فحكمها عام، وإن كان لنزولها
سبب مخصوص. تفاسير البغوي ٣٠٩:٤ وابن كثير ٣٢٥:٤ والخازن ٤٢:٧ والقرطبي ١٧ : ٢٩٦-٢٩٧ والدر المنثور ١٨٤:٦ والواحدي ص ٤٣٧. وقيل
لكم: طلب منكم أو أشعرتُكم أنفسكم. والمجلس: مكان الحضور والاجتماع. والذكر أي: العلم والتذكير والعبادة. وفي الأصل وث وط وبعض
المطبوعات: ((والذكر)). وفي الجنة أي: وغير ذلك من مطالب العيش والمنافع. وغيرها أي: ومنه النهوض للتوسعة في المجالس. وبضم الشين فيهما يريد
القراءة في الموضعين: ((انشُزُوا))، و((فانشُزُوا)). ويرفعُه: يفضله في المنزلة ويعلي مكانته. وبالطاعة: بسببها. وأوتوه: أعطوه ويسر لهم، وعملوا بما يوجبه.
والعلم: المعرفة اليقينية النافعة. ودرجات أي: إلى مراتب مقرَّبة. وتعملون: تكتسبونه بالنية أو القول أو الفعل. والخبير: البالغ العلم ببواطن الأشياء
وظواهرها .

٥٨ - سورة المُجادِلة
٥٤٤
الجزء الثامن والعشرون
◌ُوَرَةِ الْجَلالَةَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْإِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْبَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ
صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرَّ فَإِ لَمْ غَجِدُ واْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ـاءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوْبَيْنَ يَدَىْ نَجْوَدِكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْلَمْ تَفْعَلُواْ
وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْاللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٣)* أَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ ◌َوَلَوْ قَوْمًا
غَضِبَ اللَّهُ عَلَّهِم مَّاهُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٢) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَا بَا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ أَتَّخَذُوَاْأَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُ واْعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ
عَذَابٌ مُهِينٌ لَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلَهُمْ وَلَآ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ
شَيْئًا أُوْ لَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٣) يوم يبعثهم
اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىَِّأَلَّ
إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ (١٩) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرٍ
اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزَّبُ الشَّيْطَنِ أَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ
جَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِ آلْأَذَلِّينَ
كَتَبَ اللَّهُلَأَ غْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِ إِنَّ اللّه قَوِىٌّ عَزِيزٌ
١- ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا ناجَيتُمُ الرَّسُولَ﴾: أردتم مناجاته ﴿فقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي
نَجْواكُم﴾: قبلَها ﴿صَدَقَةَ - ذُلِكَ خَيرٌ لَكُم وأطهَرُ﴾ لذنوبكم - ﴿فإن لَم تَجِدُوا﴾ ما
تتصدّقون به ﴿فإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لمُناجاتكم، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٢ بكم. يعني: فلا عليكم في
المناجاة من غير صدقة. ثم نُسخ ذلك بقوله: ﴿أأشفَقْتُم) - بتحقيقِ
الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا وتسهيلِها، وإدخالٍ ألف بين المُسهّلة والأُخرى
رضيع
الخِزْب
٥٥
وتركِه - أي: أخِفتم من ﴿أن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْواكُم صَدَقاتٍ﴾ الفقرَ؟ ﴿فإذْ
لَم تَفعَلُوا﴾ الصدقة، ﴿وتابَ اللهُ عَلَيْكُم﴾: رجَع بكم عنها، ﴿فأقِيمُوا الصَّلاةَ
وآتُوا الزَّكَاةَ، وأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: دوموا على ذلك. ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما
تَعمَلُونَ﴾ ١٣ .
٢- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرُ ﴿إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوا﴾ - هم المُنافقون - ﴿قَومًا﴾ هم اليهود،
{غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم، ما هُم﴾ أي: المنافقون ﴿مِنكُم﴾: من المُؤمنين، ﴿ولا مِنْهُم﴾ :
من اليهود، بل هم مُذبذَبون، ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ﴾ أي قولهم: إنهم مُؤمنون،
﴿وَهُم يَعلَمُونَ﴾ ١٤ أنهم كاذبون فيه؟ ﴿أَعَدَّ اللّهُ لَهُم عَذَابًا شَدِيدًا. إنَّهُم ساءَ ما كانُوا
يَعمَلُونَ﴾ ١٥ من المعاصي! ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُم جُنّةً﴾: سِترًا عن أنفسهم وأموالهم،
﴿فِصَدُّوا﴾ بها المُؤمنين ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: الجِهادِ فيهم بقتلهم وأخذ أموالهم،
﴿فَلَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١٦ : ذو إهانة. ﴿لَن تُغنِيَ عَنْهُم أَمْوالُهُم ولا أولادُهُم مِنَ اللهِ﴾:
من عذابه ﴿شَيئًا﴾ من الإغناء! ﴿أُولَئِكَ أصحابُ النّارِ، هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ١٧ .
٣- اذكرْ ﴿يَومَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا، فَيَحِلِفُونَ لَهُ﴾ إنهم مُؤمنون ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُم، ويَحِبُونَ أنَّهُم عَلَى شَيءٍ﴾ من نفع حلفِهم في الآخرة كالدنيا .
﴿أَلا إِنَّهُم هُمُ الكاذِبُونَ ١٨. استَحْوَذَ﴾: استولى ﴿عَلَيهِم الشَّيطانُ﴾ بطاعتهم له، ﴿فأنساهُمْ ذِكرَ اللهِ. أُولَئِكَ حِزِبُ الشَّيطانِ﴾: أتباعُه. ﴿ألا إنَّ
حِزِبَ الشَّيطانِ هُمُ الخاسِرُونَ ١٩. إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ﴾: يُخالفون ﴿الهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ﴾ ٢٠: المغلوبِينَ. ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ في اللوح
المحفوظ أو قضى، ﴿لَأَغْلِيَنَّ أنا ورُسُلِيَ﴾ بالحُجّة والسيف. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢١.
(١) قدموا ... صدقة أي: تصدقوا على المساكين بمال قبل المناجاة. وخير: أفضل وأكثر منفعة. وأطهر: أكثر سترًا وتزكية. ولم تجدوا: لم يتيسر لكم.
والغفور: الكثير العفو والصفح والستر. ولمناجاتكم أي: بدون صدقة. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. ونسخ ذلك: يعني أن الآية التالية نَسختْ وجوب
تقديم الصدقة المذكورة هنا. فقد كان بعض الصحابة يكثرون مناجاتهم للنبي وَير في غير ضرورة لتظهر منزلتهم، ويَثقلُ ذلك عليه وعلى المسلمين، فنزلت الآية
١٢. ولما ضاق بعض المسلمين بذلك لقصور أيديهم نزلت الآية ١٣، وفيها الرخصة. الحديث ٣٢٩٧ في الترمذي ولباب النقول. وبإبدال الثانية يريد القراءة
(آشْفَقْتُم))؟ وبتسهيلها يريد القراءة: ((أَشْفَقْتُم))؟ وبإدخال ألف يريد القراءة ((أَشْفَقَتُم)»؟ وتركه أي: عدم إدخال ألف بينهما. وخاف: فزع: ومن: للسببية.
وعنها: عن وجوبها. وأقيموها: استمروا على أدائها بشروطها وأركانها وآدابها. وآتوها: أدُّوها إلى مستحقيها. وأطيعوه: الزموا امتثال أمره ونهيه. وانظر آخر
الآية ١١ .
(٢) كان الرسول وَ﴿ في مجلس له، فقال لأصحابه: ((يَدخُلُ عَلَيْكُم رَجُلٌ، قَلْبُهُ قَلبُ جَبّارٍ، ويَنظُرُ بِعَينَي شَيطانٍ)). فدخل المنافق عبد الله بن نَبتل، وكان ينقل
أخبار المسلمين إلى اليهود، فقال له النبي ◌َّرَ: ((عَلامَ تَشْتُمُنِي أَنتَ وأصحابُكَ))؟ فحلف أنه ما فعل، ثم جاء بأصحابه وحلفوا كذلك، فنزلت الآيات ١٤ -١٩.
المسند ٢٤٠:١ و٢٦٧ و٣٥٠ والواحدي ص ٤٣٨-٤٣٩. وتولّوهم: صادقوهم وجعلوهم أولياء أمورهم. وغضب عليهم: منعهم الرحمة. ومن اليهود أي:
الخالصي الكفر. ومذبذبون: مترددون فيهم طرف من الإيمان بحسب ظاهرهم، وطرف من الكفر بحسب الباطن. ويحلف: يُقسِم الأيمان. والكذب: ما ليس
له أصل في الواقع. ويعلم: يدرك باليقين. وأعد: هيأ. والشديد: العنيف لامثيل له. وساء: بلغ الغاية في السوء والقبح والفساد. وما يعملون: ما يكتسبونه
بالنية أو القول أو الفعل. واتخذ: جعل. والأيمان: جمع يمين. وهو القسم. وصد: منع ودفع. والسبيل: الطريق الواضحة. وتغني: تدفع. والأموال: جمع
مال. وهو ما يُملك من النقد والمتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد. انظر ((المفصل)). والأصحاب: جمع صاحب. والخالد: المقيم أبدًا.
(٣) اليوم: زمن القيامة. ويحسبون: يظنون. والكاذب: من يقول غير الواقع. خ: ((غلب واستولى)). والشيطان: من يوسوس بالشر من الجن والإنس.
وأنساه: جعله يترك. وذكر الله: استحضار عظمته في القلب واللسان والعمل. والخاسرون: من فقدوا ما كان لديهم وما ينتظرون. وكتب: سجّل وأثبتَ.
وأغلبُ: أنتصر على الكافر والمنافق والعاصي، بتأييد المؤمنين. والرسل: جمع رسول. وروي أنه لما فتح الله مكة والطائف وخيبر قال المؤمنون: نرجو أن
يظهرنا على فارس والروم. فقال عبد الله بن سلول: أتظنونهم كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله إنهم الأكثر عددًا وأشد بطشًا من أن تظنوا فيهم ذلك.
فنزلت الآية ٢١. البحر ٢٣٩:٨. وبالحجة والسيف: يعني أن من بُعِث بالأدلة غَلب بها، ومن بُعِث للحرب غلب بقوة السلاح أيضًا. والقوي: الكامل القوة
لا يعجزه شيء بحال من الأحوال. والعزيز: الغلّاب يذل لعزته ما عداه.

الجزء الثامن والعشرون
٥٤٥
٥٩ - سورة الحَشْر
١- ﴿لا تَجِدُ قَومًا، يُؤمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، يُواذُونَ﴾: يُصادقون ﴿مَن حادَّ اللهَ
ورَسُولَهُ، ولَو كانُوا﴾ أي: المُحادّونَ ﴿آباءَهُم﴾ أي: المُؤمنين ﴿أو أبناءَهُم أو
إخوانَهُم أو عَشِيرتَهُم﴾. بل يقصِدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان، كما وقع
لجماعة من الصحابة. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين لا يُوادّونهم ﴿كَتَبَ﴾: أثبتَ ﴿فِي قُلُوبِهِمِ
الإِيمانَ، وأيَّدَهُم بِرُوحٍ﴾: بنور ﴿مِنْهُ﴾ - تعالى - ﴿ويُدخِلُهُم جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ خالِدِينَ فِيها، رَضِيَ اللهُ عَنْهُم﴾ بطاعته، ﴿وَرَضُوا عَنهُ﴾ بثوابه. ﴿أُولَئِكَ حِزبُ
اللهِ﴾ يتّبعون أمره ويجتنبون نهيه. ﴿ألا إنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٢٢: الفائزون.
سورة الحَشْر
مدنية، أربع وعشرون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
٢- ﴿سَبَّحَ للهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ أي: نَزَّهَه - فاللام مزيدة، وفي
الإتيان بـ ((ما)) تغليب للأكثر - ﴿وَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١ في مُلكه وصُنعه. ﴿هُوَ الَّذِي
أخرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِن أهلِ الكِتابِ﴾ هم بنو النَّضير من اليهود، ﴿مِن دِيارِهِم):
مساكنهم بالمدينة، ﴿لِأَوَّلِ الحَشرِ﴾ هو حشرهم إلى الشام. وآخره أن جلاهم عُمر في
خلافته إلى خَيبر، ﴿ما ظَنَنتُمْ﴾ - أيها المؤمنون - ﴿أَن يَخْرُجُوا، وظَنُّوا أَنَّهُم
مانِعتُهُم﴾: خبرُ ((أنّ)) (حُصُونُهُم﴾: فاعلُه تمَّ به الخبر، ﴿مِنَ اللهِ﴾: من عذابه،
(فأتاهُمُ اللهُ﴾: أمرُه وعذابه ﴿مِنِ حَيثُ لَم يَحْتَسِبُوا﴾: لم يخطر ببالهم من جِهة
المُؤمنين، ﴿وَقَذَفَ﴾: ألقى ﴿فِي قُلُوبِهِم الرُّعْبَ﴾، بسكون العين وضمّها: الخوفَ بقتل سيّدهم كعب بن الأشرف، ﴿يُخَرِّبُونَ﴾ - بالتشديد،
والتخفيف من: أخرَبَ - ﴿بُيُوتَهُم﴾ لينقَلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره ﴿بِأيدِيهِم وأيدِي الْمُؤْمِنِينَ. فاعتَبِرُوا، يا أُولِي الأبصارِ﴾ ٢.
٣- ﴿وَلَولا أن كَتَبَ اللهُ﴾: قضى ﴿عَلَيهِم الجَلاءَ﴾، بالخُروج من الوطن، ﴿لَعَذَّبَهُم في الدُّنيا﴾ بالقتل والسبي، كما فعل بقُريظة من اليهود.
﴿وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابُ النّارِ ٣. ذُلِكَ بِأَنَّهُم شاقُوا﴾: خالفوا ﴿اللّهَ وَرَسُولَهُ، ومَن يُشاقِّ اللهَ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٤ له.
سُورَة الخَ﴾﴾
الحَةُ الثَّامِرُ وَالـ
لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ
حَكَّاللَّهَ وَرَسُولَةٌ وَلَوْ كَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ
أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمُّ أُوْلَئِكَ كَتَبَفِقُلُوبِهِمُ
آلْإِيمَنَ وَأَنَّدَهُم بِرُوجِ مِّنَةٌ وَيُدْخِلُهُوْ جَنَّتِ نَّجْرِى
مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنَةٌ أُوْلَهِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ◌ّ
شُورَةُ الْجُشْرِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ
◌ِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ◌َنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظُنُّوْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ
حُصُونُهُم ◌ِنَ اَللَّهِ فَتَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ
فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ
فَاعْتَبِرُوايَتَأُوْلِ اْأَبْصَرِ ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ
اَلْجَلَاءَ لَعَذَّ بَهُمْ فِ الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ يّ
(١) قيل: إن الآية نزلت في المهاجرين، الذين حاربوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم. الدر المنثور ١٨٦:٦. والظاهر أنها متصلة بما ذكر عن المنافقين
أيضًا، في الآيات ١٤-٢١. البحر ٢٣٩:٨. وتجد: ترى، أي: مُحال أن يُوادّ المؤمن المخلص من كفر أو أشرك. ويؤمن به: يصدقة تصديقًا يقينيًا. واليوم:
الوقت. والآخر: ما يكون بعد الموت من بعث. ويصادقونه: يخلصون له المحبة. أما المخالطة والمعاشرة والمعاملة بالمثل فقد أجمعت الأمة على جوازها،
مع غير المحاربين سرًا أو علنًا، وغير المؤيدين للأعداء. وحادّ: خالف وخاصم. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والمؤمنين أي: آباء
المؤمنين. والأبناء جمع ابن. والإخوان: جمع أخ. والعشيرة: الأسرة التي يعيش معها الإنسان. وعلى الإيمان أي: بسببه. والقلوب: جمع قلب. وهو
موطن التدبر والاعتقاد والانفعال. وأيد: أعان وقوّى. ومنه: من عنده. والجنة: البستان العظيم. وتجري: تسيل بسرعة. وتحتها أي تحت قصورها.
والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا. ورضي عنهم: تقبل أعمالهم بالرضا، وأفاض عليهم آثار رحمته. ورضوا عنه: ابتهجوا وسعدوا بما أعطاهم،
واطمأنت نفوسهم. والفائزون أي: بخير الدنيا والآخرة. (٢) نزلت الآيات ١- ٦ بعد جلاء بني النَّضير. وهم من اليهود عاهدوا النبي ◌َّ ألّا يكونوا معه ولا
عليه، ثم حالف زعماؤهم المشركين على قتال المسلمين، فأراد الرسول إخراجهم من قريتهم فأبوا بتأييد من المنافقين واليهود الآخرين، وبيتوا الغدر بقتل
النبي ◌َّهر. فحاصرهم حتى رضوا بالجلاء عن حصونهم، فرحلوا إلى خيبر والحيرة وأريحا. وكان ذلك في السنة الرابعة. الواحدي ص ٤٤١-٤٤٢.
والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. ونزهه: برأه مما لا يليق به، وذلك بلسان المقال أو بلسان الحال. وزيادة اللام تعني أنها للتقوية والتوكيد.
ويعني بالتغليب تغليب المخلوقات غير العاقلة على العاقلين لأنها أكثر. والعزيز: الغلّاب لا يعجزه هارب أو معاند. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم
وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. وأهله: أصحابه الذين نزل على أجدادهم. والكتاب: التوراة. وبنو النضير من سلالة هارون. والديار: جمع دار. والحشر:
الجمع بالقهر. و((إلى خيبر)) خطأ والصواب: من خيبر. وظننتم: حسبتم، وظنوا: تيقنوا. ومانعتهم أي: تحميهم. والحصون: جمع حِصن. وهو البناء العالي.
وفاعله: يعني أن ((حصون)) فاعل لاسم الفاعل: مانعة. وأتاهم: نزل بهم. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر والاعتقاد والانفعال. وبضمها يريد القراءة
(الرُّعُبَ)). وكعب هذا شاعر هجا النبي والمسلمين، ونقض العهد أيضًا، فقتله بعض الصحابة. وبالتخفيف يريد القراءة ((يُخْرِبُونَ)). والبيوت: جمع بيت. وهو
مكان الإقامة. والأيدي: جمع يد. واعتبرْ أي: اتعظ أن تغدر أو تكون من العاصين. وأولو أي: أصحاب، واحده ذو. والأبصار: جمع بصر. وهو البصيرة
بإدراك حقائق الأمور. (٣) بالخروج: بالطرد والإبعاد. وفيما عدا الأصل وقرة العينين: ((الخروج)). وعذبهم: أنزل العذاب ببني النضير. والدنيا: الحياة التي
فيها البشر، فهي أقرب إليهم. وبنو قريظة قوم من بني هارون اليهود نقضوا عهدهم للرسول ◌َّر يوم الخندق، وغدروا بالمسلمين، فضُربت أعناقهم بعد حصار
شديد. ولهم أي: لبني النضير. والآخرة: الحياة يوم القيامة. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والنار: نارجهنم. وذلك أي: ما ذكر من التعذيبين. وخالفوا
أي: وخاصموا ونقضوا العهد غدرًا. وسقطت الجملة من خ، وفيها: ((ومن يُشاقِقِ)). وكذلك كان في ث، ثم صحح كما أثبتنا. والشديد: القوي لامثيل له.
والعقاب: الجزاء على الكفر أو العصيان. وله أي: لمن يشاقّ، ولغيره من الكافرين والعاصين.

٥٩ - سورة الحَشْر
٥٤٦
الجزء الثامن والعشرون
سُورَةِ الجَم
مُخرة التَّامِ وَاللَتِرَ
ذَلِكَ بِأَّهُمْ شَآَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ﴿﴿ مَاقَطَعْتُم مِّنِ لِينَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً
عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ ﴿ وَمَآَفَاءَاللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِمِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ
وَلَكِنَّاللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ جَ مَّا أَفَاءَاللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبَ وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُنَ
دُولَةٌ بَيْنَ آلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَّكُمْ عَنَّهُ فَانتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُالْعِقَابِ
لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , أُوْلَئِكَ
هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿ْ وَالَّذِينَ تَبَوَهُ والذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٍ
مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١- ﴿مَا قَطَعْتُم﴾ - يا مسلمين - ﴿مِن لِينةٍ﴾: نخلة، ﴿أو تَرَكْتُمُوها قائمةً عَلَى
أُصُولِها، فبإذنِ اللهِ﴾ أي: خيَّركم في ذلك، ﴿ولِيُخزِيَ﴾ بالإذن في القطع
﴿الفاسِقِينَ﴾ ٥: اليهود في اعتراضهم بأنّ قطع الشجر المُثمر فساد، ﴿وما أفاءَ﴾:
ردّه ﴿اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فما أوجَفْتُم﴾: أسرعتم - يا مسلمين - ﴿عَلَيهِ مِن﴾: زائدةٌ
﴿َخَيلٍ ولا رِكابٍ﴾: إبل، أي: لم تُقاسوا فيه مشقّة، ﴿ولكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن
يَشاءُ، والهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦. فلا حقّ لكم فيه، ويختصّ به النبيُّ ◌َله ومَن ذُكر
معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة، على ما كان يقسمه من أنّ لكُلّ منهم خُمْسَ
الخُمس، وله ◌َ﴿ الباقي يفعل فيه ما يشاء. فأعطى منه المهاجرين، وثلاثة من
الأنصار لفقرهم.
٢- ﴿مَا أفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أهلِ القُرَى﴾، كالصفراء ووادي القُرى ويَنْبُعَ،
[فِلِلّهِ﴾ يأمر فيه بما يشاء، ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي﴾: صاحب ﴿القُربَى﴾: قرابةِ النبيّ من
بني هاشم وبني المُطّلب، ﴿واليَتَامَى﴾: أطفال المُسلمين الذين هلَكت آباؤهم وهم
فُقْراء، ﴿والمَساكِينِ﴾: ذوي الحاجة من المسلمين، ﴿وابنِ السَّبِيلِ﴾: المُنقطع في
سفره من المُسلمين، أي يستحقّه النبيّ والأصنافُ الأربعة على ما كان يقسمه، من أنّ
لكُلّ من الأربعة خُمسَ الخُمس وله الباقي، ﴿كَيلا﴾ - كي: بمعنى اللام ((وأن)) مُقدّرة
بعدها - ﴿يَكُونَ﴾: عِلّةٌ لَقَسْمه كذلك ﴿دُولةً﴾: مُتداوَلًا ﴿بَينَ الأغنِياءِ مِنكُم، وما
آتَاكُمْ﴾: أعطاكم ﴿الرَّسُولُ﴾ من الفيء وغيره ﴿فخُذُوهُ، وما نَهاكُم عَنهُ فانتَهُوا.
واتّقُوا اللهَ. إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٧.
٣- ﴿لِلْفُقَراءِ﴾: مُتعلّقٌ بمحذوف - أي: اعجَبوا - ﴿المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيارِهِم وأمْوالِهِم، يَبتَغُونَ فَضلًا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا، ويَنصُرُونَ
اللّهَ وَرَسُولَهُ! أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ ٨ في إيمانهم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّقُوا الدّارَ﴾ أي: المدينةَ، ﴿والإيمانَ﴾ أي: ألِفوه - وهم الأنصار - ﴿مِن قَبلِهِم
يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيهِم، ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِم حاجةٌ﴾: حسدًا ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أي: آتى النبيُّ ◌َّهالمُها جرين من أموالِ بني النضير المختصّةِ به،
(١) حاصر المسلمون بني النضير، وأمر النبي ◌َّير بقطع نخيلهم، فزعموا أن ذلك لا يجوز في الشرع، فنزلت الآية بتحليل ما أُمروا به. الواحدي ص ٤٤٣.
وفيما عدا الأصل والنسخ والفتوحات والصاوي: ((يا مسلمون)) في الموضعين. وتركها: لم يؤذها. والأصول: جمع أصل. وهو الجذر. والإذن: الإرادة
والإباحة. ويخزي: يذل. والفاسق: الخارج على شرع الله. ولما جلا بنو النَّضير عن بعض أموالهم طلب الصحابة أن يُقسم ذلك عليهم كالغنائم، فنزلت الآية
بأن الفيء ليس كالغنيمة. أحكام القرآن ص ١٧٧٠- ١٧٧١. ورده: حوّله. ومنهم أي: من أيدي اليهود. وزيادة ((من)) للتنصيص على عموم النفي. والخيل:
واحده فرس. والركاب: واحدته راحلة. وهي ما يركب من الإبل. فالمسلمون ذهبوا إلى حصار بني النضير مشيًا. ويسلط: يغلّب. والرسل: جمع رسول.
وهو من كلف بالدعوة والعمل. والقدير: البالغ القدرة. والآية الثانية أي: التالية. ففيها حكم الفيء بالتفصيل. والباقي أي: أربعة أخماس الفيء وخمس
الخمس الآخر. ومنه: من الباقي المذكور قبل. ونصيب النبي 18 كان ينفق منه على أهله، ويجعل الفائض في عُدة لجهاد العدو. (٢) أفاءه: حوّله من غير
قتال. والقرى: جمع قرية. وهي البلدة. والصفراء: قرية في طريق الحاجّ من المدينة. ووادي القرى: شمالي المدينة. وينبع: قرية على ساحل البحر. وقد
فتحت هذه القرى بلا قتال. وهاشم والمطلب: ابنا عبد مناف. واليتامى: جمع يتيم. والمساكين: جمع مسكين. والسبيل: طريق السفر. والمنقطع أي: عن
ماله. يعني: من ليس عنده مال في سفره. ونصيب النبي ◌َّ بعد وفاته يكون للمرابطين ومصالح المسلمين، في الجهاد والإعمار. ويكون: يصير. وفيما عدا
الأصل والنسخ: ((يكون الفيء)». وعلة لقسمه كذلك أي: أن الغاية من هذا التقسيم للفيء هي عدم حصره بين الأغنياء، كما كان في الجاهلية. والأغنياء:
جمع غني. وهو من كثُرَ ماله. وغيره أي: من الأموال والأحكام. وفي الأصل: ((أو غيره)). وخذوه: تناولوه وتقبلوه بالرضا واحرصوا عليه. ونهى: منع
وحجب. وانتهوا أي: عنه. يعني: تجنبوه ودعوه. واتقوه: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه بلزوم الطاعة. (٣) الفقراء: جمع فقير. وتقدير ((اعجبوا)) يعني المدحَ
لهؤلاء المذكورين، والتوبيخَ الكفار والمنافقين. والمهاجر: من ترك وطنه لينجو بدينه. والديار: جمع دار. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك للاستمتاع
والزينة. ويبتغي: يطلب. والفضل: الرزق والإحسان. ومن الله: من عنده. والرضوان: المبالغة في الرضا. وهو قبول الأعمال والإفاضة بالرحمة. وينصرونه:
يُعِزّون دينه. والصادق: من يقول ما هو حق. ولما حاز الرسول ◌َ ﴾ أموال بني النَّضير خيّر الأنصار بين أن يقسم عليهم وعلى المهاجرين، وبين أن يخص
المهاجرين بالقسمة ليستقلوا بأنفسهم. فقال الأنصار: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. فقال: ((اللّهُمَّ، ارحَم الأنصارَ وأبناءَ الأنصارِ))،
ونزلت الآيتان ٩ و١٠ بذلك. انظر ((المفصل)). وتبوأه: تمكن فيه. والدار: مقر الهجرة. والإيمان: التصديق اليقيني. ومن قبلهم: من قبل مجيء المهاجرين.
ويحبه: يوده ويريد له الخير. ولا يجد: لا يرى. والصدور: جمع صدر. والمراد به النفس والضمير. وأوتوا: أُعطُوه. ويؤثر: يفضل غيره. والأنفس: جمع
نفس. ويوقى: يجنب. والمفلح: الفائز بما يريد من خير الدنيا والآخرة. وجاؤوا أي: يجيئون إلى الوجود ويؤمنون. واغفر: استر الذنوب واعف عنها.
والإخوان: جمع أخ. وهو المماثل في الدين. وتجعل: تصيّر. والقلوب: جمع قلب. والرؤوف: الكثير اللطف واللّين على المذنب بالتوبة، وعلى أوليائه
بالعصمة. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان والمغفرة لعباده المؤمنين. أي: فأنت أهل أن تجيب دعاءنا .

الجزء الثامن والعشرون
٥٤٧
٥٩ - سورة الحشْر
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنفُسِهِم، ولَو كانَ بِهِم خَصاصةٌ﴾: حاجة إلى ما يُؤثرون به - ﴿ومَن
يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ﴾: حِرصَها على المال ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ٩ - والَّذِينَ
جاؤُوا مِن بَعدِهِم﴾: من بعد المُهاجرين والأنصارِ، إلى يوم القيامة،
﴿يَقُولُونَ: رَبَّنا، اغْفِرْ لَنا ولِإِخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ، ولا تَجعَلْ في
قُلُوبِنا غِلَّا﴾: حقدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا. رَبَّنَا، إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١٠.
نصْفٍ
الخزب
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرْ ﴿إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا؟ يَقُولُونَ لِإِخوانِهِمِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهلِ
الكِتابِ﴾ وهم بنو النَّضير وإخوانهم في الكُفر: ﴿لَئِنْ﴾ - لَامُ قَسَمِ في الأربعة -
﴿أُخرِ جْتُم﴾ من المدينة ﴿لَنَخرُجَنَّ مَعَكُم، ولا نُطِيعُ فِيكُم﴾: في خِّذلانكم ﴿أَحَدًا
أَبَدًا، وإن قُوتِلُمَ﴾ - حُذفت منه اللام المُوطَّة - ﴿لَنَنَصُرَنَّكُم. واللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُم
لَكاذِبُونَ﴾ ١١ .
٢- ﴿لَئِنْ أُخرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُم، ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُم، ولَئِنْ نَصَرُوهُم﴾ أي:
جاؤوا لنصرهم ﴿لَيُوَلَّنَّ الأدبارَ﴾ - واستُغنيَ بجواب القسم المُقدّرِ عن جواب الشرط،
في المواضع الخمسة - ﴿ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ ١٢ أي: اليهودُ. ﴿لَأنْتُم أشَدُّ رَهْبَةً﴾:
خوفًا، ﴿فِي صُدُورِهِم﴾ أي: المنافقين، ﴿مِنَ اللهِ﴾ لتأخير عذابه. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا
يَفْقَهُونَ﴾ ١٣ .
سُورَة الخَّة،
الجزءُ النَّامِرُ وَالْعَشْرُ
وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَابِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا
غِلَّا لِلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ ﴾﴿ أَلَمْ تَرَإِلَى
الَّذِينَ نَافَقُوْ يَقُولُونَ لإِخْوَرِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ لَإِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُ
أَحَدَّا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنصُرَ نَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
(٨) لَبِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوتِلُواْلَ يَنَصُرُونَهُمْ
وَلَيْن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلَّنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَايُصَرُونَ
لَنْتُمْ أَشَدُّرَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ
لَا يَفْقَهُونَ ﴿﴿ لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّافِقُرَى
تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ
جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََّ يَعْقِلُونَ (3)
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبًا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْعَذَابٌ
أَلِيمُ ® كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
قَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾
٣- ﴿لا يُقاتِلُونَكُم﴾ أي: اليهودُ ﴿جَمِيعًا﴾: مُجتمعينَ، ﴿إِلّ فِي قُرَى مُحَصَّنةٍ أو مِن
وَراءِ جِدارٍ﴾: سور. وفي قراءة: (جُدُرٍ)). ﴿بَأْسُهُم﴾: حربهم ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ. تَحسِبُهُم
جَمِيعًا﴾: مُجتمعينَ، ﴿وقُلُوبُهُم شَتَّى﴾: مُتفرّقَةٌ خِلاف الحِسبان. ﴿ذُلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا
يَعْقِلُونَ﴾ ١٤. مَثَلُهم في ترك الإيمان ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم قَرِيبًا﴾: بزمن قريب. وهم أهل بدر من المشركين. ﴿ذاقُوا وَبالَ أمرِهِم﴾: عُقوبتَه
في الدنيا من القتل وغيره، ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١٥ : مُؤلم في الآخرة.
٤- مَثَلُهم أيضًا، في سماعهم من المنافقين، وتخلّفهم عنهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيطانِ، إذ قالَ لِلإنسانِ: اكفُرْ. فَلَمّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنكَ، إِنِّيَ أخافُ
اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ١٦. كذبٌ منه ورياء. ﴿فكانَ عاقِيتَهُما﴾ أي: الغاوي والمُغوِي - وقُرئ بالرفع - ﴿أَنَّهُما في النّارِ خالِدَينِ فِيها. وذُلِكَ جَزاءُ
الظّالِمِينَ﴾ ١٧ : الكافرين.
(١) كان بعض العرب منافقين. وعندما حوصر بنو النضير أرسل إليهم هؤلاء: أن اثبتوا وتمنّعوا، فإنا لانسلمكم ونحن معكم. ولكنهم لم يفعلوا شيئًا من
ذلك، فنزلت هذه الآيات قبل الجلاء، تفضح أمرهم وتبشر بالنصر. لباب النقول. وتنظر إليهم أي: إلى شأنهم وحالهم. ونافق: أظهر خلاف ما أضمر.
والأهل: الأصحاب للشيء. والكتاب: التوراة. و((لام قسم)) صوابه: لام موطئة لجواب القسم. والأربعة أي: ما قبل ((إن)) في الآيتين ١١ و١٢، وهي خمسة
أغفل منها المحذوفة التي ذكرها بعد. وأخرج: أُجلي وطُرد بالقوة. ونخرج: نغادر وطننا. ولا نطيع أحدًا: لا ننفذ أمر أحد من عدوكم. وقوتلتم: قاتلكم
المسلمون. وحذفت منه أي: قبل ((إن)) للمبالغة في التوكيد. وننصركم: نعينكم على العدو. ويشهد: يقول ويبلّغ الحق. وكاذبون: يدّعون ما ليس في قلوبهم .
(٢) يولون: يهربون ويملّكون عدوّهم. والأدبار: جمع دبر. وهو الظهر. ولا يُنصرون: يُغلبون ويعذبون في الدنيا والآخرة. وأشد: أعظم. والرهبة: المرهوبيّة
لأن المخاطبين مرهوبون لاراهبون. والصدور: جمع صدر. والمراد به النفس. ومن الله أي: من رهبته. فالرهبة من المؤمنين في نفوس المنافقين هي الأقوى،
لأنهم كانوا يظهرون للمؤمنين رهبة من الله مكذوبة. ولتأخير عذابه يعني: لأن عذاب الله مؤجل، وانتقامكم منهم آنيّ. وذلك: ماذكر من شدة المرهوبية.
ولا يفقهون: لا يفهمون ظاهر الأمور ولاخفاياها، حتى يعلموا عظمة الله وقدرته، فیخشوه حق خشيته.
(٣) مجتمعين: متساندين في موطن واحد، يعين بعضهم بعضًا. والقرى: جمع قرية. وهي البلدة. والمحصنة: المحاطة بالخنادق والحواجز. وجدر: جمع
جدار. وحربهم أي: إذا تحاربوا. والشديد: العنيف. وتحسب: تظن. والقلوب: جمع قلب. والمراد هنا ما في القلب، أي: أهواؤهم متضاربة لا تتفق.
ولا يعقلون أي: هم كالبهائم ليس فيهم قدرةٌ على تدبرِ الأمور، ليكون بينهم وفاق صحيح. هذه حالهم دائمًا، وإن ظهر منهم الآن خلاف ذلك بعون دول البغي
وسماسرة القيم والشعوب. وكذلك شأن الأمم التي تتشبه بأخلاق اليهود، في كل زمان ومكان. والمَثل: الصفة الغريبة العجيبة، تذكر للعظة والنصح. وذاقوه:
نالوه وقاسوا شدته. والوبال: الفساد والثقل. وأمرهم أي: الكفر والعصيان.
(٤) تخلفهم: تخلف المنافقين. والشيطان: من يغري بالشر من الجن والإنس. والإنسان: المكلف من البشر. واكفر: كذّبِ الله واعصه. والبريء: المتبرئ
المتباعد. وأخاف: أخشى. والعالم: الجنس من الخلق. وكذب ورياء: يعني أن ماقاله الشيطان أخيرًا لم يكن صادقًا فيه، بل هو للتنصل والتبرؤ، إذ لو كان
يخاف حقًّا لما ضل وأضل. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((كذبًا منه ورياءً)). وكذلك جعلت العبارة في ث بقلم آخر. وكان: صار. والعاقبة: النهاية والمصير.
والغاوي: الإنسان الذي كفر. والمُغوي: الشيطان الذي أضل وأغرى بالكفر. وبالرفع يريد ((عاقِبَتُهُما)). وفيما عدا الأصل وخ: ((بالرفع اسم كان)). يعني أن
((عاقبةُ)) اسم لـ ((كان)) مرفوع. والنار: نار جهنم. والخالد: المقيم أبدًا. وذلك أي: العذاب المخلد. والجزاء: العقوبة. والظالم: من يتجاوز حد الحق.
والكفرُ أشنع الظلم. وفي قرة العينين والمنحة وبعض المطبوعات: أي الكافرين.

٥٩ - سورة الحَشْر
٥٤٨
الجزء الثامن والعشرون
الجزء الثَّامِ وَالْعَشْر ◌َ
فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاؤُأْ
الظَّالِمِينَ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
﴿ وَلَا تَكُنُوْ كَالَّذِينَ نَسُواْاللَّهَ فَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَكَ
هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ لَا يَسْتَوِىَّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ
الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآبِزُونَ ﴿ لَوْأَلْنَا هَذَا
اَلْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّ عَامِّنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَلُ نَضْرِ بُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
﴿ هُوَ اللَهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوٌّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
اٌلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ
اُلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُّ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَةُ الْحُسْنى
يُسَبِّحُ لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
سُورَةُ الْمُمْتَّخَّةِ
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اتّقُوا اللهَ، ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: ليوم القِيامة،
﴿وَاتَّقُوا اللهَ - إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ ١٨ - ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾: تركوا
طاعته، ﴿فَأنساهُم أنفُسَهُمِ﴾ أن يُقدّموا لها خيرًا. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ١٩. لا
يَستَوِي أصحابُ النّارِ وأصحابُ الجَنّةِ. أصحابُ الجَنّةِ هُمُ الفائزُونَ﴾ ٢٠.
٢- ﴿لَو أنزَلْنا هذا القُرآنَ علَى جَبَلٍ﴾، وجُعل فيه تمييز كالإنسان، ﴿لَرَأَيتَهُ خاشِعًا
مُتَصَدِّعًا﴾: مُتشقّقًا ﴿مِن خَشْبةِ اللهِ. وتِلكَ الأمثالُ﴾ المذكورة ﴿نَضرِبُها لِلنّاسِ،
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١ فيُؤمنون. ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾:
السرِّ والعلانية. ﴿هُوَ الرّحمنُ الرَّحِيمُ﴾ ٢٢ .
٣- ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، المَلِكُ القُدُّوسُ﴾: الطاهر عمّا لا يليق به،
﴿السَّلامُ﴾: ذُو السلامة من النقائص، ﴿المُؤمِنُ﴾: المُصدِّق رسلَه بخلق المعجزة
لهم، ﴿المُهَيمِنُ﴾ - مِن: هَيمَنَ يُهَيمِنُ، إذا كان رقيبًا على الشيء - أي: الشهيدُ على
عِباده بأعمالهم، ﴿العَزِيزُ﴾: القويّ، ﴿الجَبّارُ﴾ جَبرَ خلقَه على ما أراد، ﴿المُتْكَبِّرُ﴾
عمّا لا يليق به. ﴿سُبحانَ اللهِ﴾ نَزَّهَ نفسَه ﴿عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ٢٣ به! ﴿هُوَ اللهُ الخالِقُ
البارِئُ﴾: المُنشئ من العدم، ﴿المُصَوِّرُ، لَهُ الأسماءُ الحُسنَى﴾ التسعة والتسعون
الواردُ بها الحديثُ - والحسنى: مُؤنّث الأحسن - ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ
والأرضِ، وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢٤ تقدّمَ أوّلَها .
سورة الممتحنة
مدنية، ثلاثَ عشْرةَ آيَةٍ .
(١) آمنوا: صدّقوا الله ورسوله. واتقوه: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه بلزوم الطاعة للأمر والنهي. وتنظر أي: تبحث وتفتش لتكسب وتتزود. والنفس: الإنسان
المكلف بروحه وجسده. وقدمت أي: تريد أن تقدم من النيات والأقوال والأعمال. وعُبُرَ عن يوم القيامة بالغد تقريبًا له. خ: ((يوم القيامة)). والخبير: العليم
ببواطن الأمور وظواهرها. وتعمل: تكسب وتتحمل من نية أو قول أو فعل. وتكون: تصير. وتركوا طاعته يعني: لأنهم غفلوا عن أمره وحقوقه. وأنساهم:
قدّر عليهم النسيان والإهمال. والأنفس: جمع قلة للنفس يراد به الكثرة لإضافته إلى ضمير جماعة. والنفس: حقيقة الإنسان بروحه وجسده. والفاسق:
الخارج على الشرع بكفر أو شرك أو عصيان. ويستويان: يكونان متساويين في القيمة والمنزلة. والأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء لا يفارقه.
وأصحاب النار هم الذين نسوا الله، كالمشركين والمنافقين واليهود، يلازمونها أبدًا عقوبة وإهانة. والنار: نار جهنم. والجنة: البستان العظيم فيه الشجر
والقصور والنعيم. وأصحاب الجنة هم المتقون، يلازمونها أبدًا مكافأة وإحسانًا. والفائز: من ظفر بمراده من الخير والنعيم. والمراد: ما أعظم فوزهم
وسعادتهم ! وما أشقى أولئك الكافرين !
(٢) أنزلناه: أوحيناه للتكليف، بحمل ما فيه من عظيم الشأن والقوارع، مع التكفل للحفظ والتبليغ. والقرآن: ما أوحي إلى النبي ◌َّر من كلام الله - تعالى -
بإعجازه وأحكامه ووعظه وعلومه وأخباره. والجبل: ما ارتفع وصلب من الأرض. والتمييز: التعقل والإدراك. ورأيت: أبصرت عيانًا. والخطاب لكل سامع
أو قارئ، لبيانٍ تأثير القرآن وعظمة ما يتضمنه، وتوبيخ الإنسان على تقصيره في الطاعة. والخاشع: الذليل المتطامن. والخشية: الخوف والفزع. والأمثال:
جمع مَثَل. وهو الخبر العجيب يذكر للاعتبار والاتعاظَ. والمذكورة أي: في القرآن الكريم، ومنها ما ذكر عن الجبل هنا. ونضرب: نبين ونوضح. والناس:
البشر. ولعلهم يتفكرون أي: ليُترجَّى لهم التفكر. يعني: ليكون لهم سبب التفكر ومعرفة الحق. ويتفكر: يتدبر ما يسمع ويتعظ به قلبًا وعملًا. وفي المنحة
وبعض المطبوعات: ((فيؤمنوا)). وهو أي: الذي وجوده من ذاته دائمًا أزلًا وأبدًا، فلا عدم له بوجه من الوجوه. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق
وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. والإله: المعبود. والعالم: البالغ الإحاطة بالأمور قبل وجودها
وبعده. والغيب: ما غاب عن حواس الخلق وإدراكهم. والشهادة: ما ظهر لحواسهم وإدراكهم فشهدوه. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان لكافة خلقه.
والرحيم: العظيم العصمة والمغفرة للمؤمنين.
(٣) الإله: المعبود بحق وحده. والملك: المالك لجميع المخلوقات يتصرف فيها كما يشاء دون معين أو منازع. وجبرهم: قهرهم وحملهم بالعنف والشدة،
فكانوا خاضعين لِما خلق من قوانين الحياة ولسلطانه في الدنيا والآخرة. و((جبر)) لغة معروفة في بني تميم وكثير من أهل الحجاز. تهذيب اللغة والمصباح
(جبر) والفتوحات ٤: ٢٠٠. والمتكبر: البليغ الكبرياء والعظمة. ونزه نفسه أي: للإخبار بذلك وتعليم المؤمنين ما يجب عليهم أن يقولوه. ويشركون: يجعلون
له شركاء في الألوهية والطاعة أصنامًا وحيوانات وزعماء وملائكة ... والخالق: المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته ينشئها من العدم. والمصور: الموجد
لصور الأشياء وكيفياتها. والأسماء: جمع اسم. والحسنى: التي لا مثيل لها في الدلالة على محاسن المعاني. والتسعة والتسعون: انظر تعليقنا على تفسير
الآية ١١٠ من سورة الإسراء. وقيل: إن له - تعالى - خمسة آلاف اسم. تفسير ابن كثير ١٨:١. وتقدم أولها أي: في أول السورة.

الجزء الثامن والعشرون
٥٤٩
٦٠ - سورة الممتحنة
بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَيَةِ
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ أي: كُفّارَ مكّة ﴿أَولِيَاءَ،
تُلُقُونَ﴾: تُوصِلون ﴿إِلَيهِم﴾ قَصْدَ النبي غزوَهم، الذي أسرَّه إليكم ووَرَّى بِحُنين،
﴿بِالمَوَدّةِ﴾ بينكم وبينهم - كتب حاطبُ بنُ أبي بَلتعةَ إليهم كتابًا بذلك، لِما له عِندهم
من الأولاد والأهل المُشركين، فاستردّه النبيّ ممّن أرسله معه بإعلام الله - تعالى - له
بذلك، وقبِلَ عُذر حاطب فيه - ﴿وَقَد كَفَرُوا بِما جاءَكُم مِنَ الحَقِّ﴾ أي: دِين الإسلام
والقُرآن، ﴿يُخرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُم﴾ من مكّة بتضييقهم عليكم، ﴿أن تُؤمِنُوا﴾ أي:
لأجل أن آمنتم ﴿بِاللهِ رَبَّكُم، إن كُنتُمْ خَرَجتُم جِهادًا﴾: للجِهاد ﴿فِي سَبِيلِي وابتغاءَ
مَرضاتِي﴾ - وجواب الشرط دلّ عليه ما قبله، أي: فلا تتّخذوهم أَولياء - ﴿تُسِرُّونَ
إِلَيْهِم بِالمَوَدّةِ، وأنا أعِلَمُ بِما أخفَيْتُم وما أعلَنتُم. ومَن يَفعَلْهُ مِنكُم﴾ أي: إسرارَ خبر
النبي إليهم ﴿فَقَد ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ١: أخطأ طريق الهدى. والسواء في الأصل:
الوسط .
٢- ﴿إِن يَتْقَفُوكُم﴾: يظفروا بكم ﴿يَكُونُوا لَكُم أعداءَ، ويَبْسُطُوا إِلَيْكُم أيدِيَهُم﴾ بالقتل
والضربِ، ﴿وألسِتَتَهُم بِالسُّوءِ﴾: بالسبّ والشتم، ﴿ووَدُوا﴾: تمنَّوا ﴿لَو تَكْفُرُونَ ٢.
لَنْ تَنفَعَكُم أرحامُكُم﴾: قراباتكم، ﴿ولا أولادُكُم﴾ المشركون الذين لأجلهم أسررتم
الخبر، من العذاب في الآخرة. ﴿يَومَ القِيامَةِ يُفْصَلُ﴾ - بالبناء للمفعول وللفاعل -
﴿بَينَكُمْ﴾ وبينهم فتكونون في الجنّة، وهم في جُملة الكُفّار في النار. ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ ٣.
يََّيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا تَنَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ
إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْكَفَرُواْبِمَا جَاءَ كُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ
وَإََِّكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْإِنَ كُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ
وَأَبْتِغَ مَنْ ضَائِّ ◌ُِّرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَذَةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمُ
وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِلِ إِن
يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْلَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْإِلَيْكُمْ أَيْدِ يَهُمْ وَأَلْسِنَنَهُم
بِالسُّوْءِ وَوَدُّواْلَوْتَكْفُرُونَ(٢َلَن تَنْفَعَكُمْ أَرْ حَا مُكُرَوَلَا أَوَدُ كُمْ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَّكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَّاقَدْ
كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنَِّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُوْلِقَوْمِمْ
إِنَّابُرَهَا وَأْمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْوَبَدَا بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا
قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِيِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَئٍ
تََّّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا
فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوْوَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٥]
٣- ﴿قَد كانَتْ لَكُم إِسْوةٌ﴾، بكسر الهمزة وضمّها في الموضعين: قُدوةٌ ﴿حَسَنَةٌ في إبراهِيمَ﴾ أي: به قولًا وفعلًا، ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المُؤمنين،
﴿إِذ قالُوا لِقَومِهِم: إنّا بُرَآءُ﴾: جمع بريء كظريف ﴿مِنكُم، ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ، كَفَرْنا بِكُمْ﴾: أنكرناكم، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَينَكُمُ العَداوةُ
والبَغضاءُ أَبَدًا﴾ - بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوًا - ﴿حَتَّى تُؤمِنُوا بِاللهِ وَحدَهُ، إلّا قَولَ إِبراهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَستَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: مُستثنى من ((إسوة))،
فليس لكم التأسّي به في ذلك بأن تستغفروا للكُفّار، وقولَه ﴿وما أملِكُ لَكَ مِنَ اللهِ﴾، أي: من عذابه وثوابه، ﴿مِن شَيءٍ﴾ كنى به عن أنه لا يملك
له غير الاستغفار - فهو مبنيّ عليه مستثنى من حيثُ المرادُ منه، وإن كان من حيثُ ظاهرُه مِمّا يُتأسّى فيه: ((قُلْ: فَمَن يَملِكُ لَكُم مِنَ اللهِ شيئًا)»؟
واستغفارُه له قبل أن يتبيّن له أنه عدوّ لله، كما ذكر في ((براءة)) - ﴿رَبَّنَا، عَلَيكَ تَوَكَّلْنا، وإلَيكَ أنَّبْنا، وإلَيكَ المَصِيرُ﴾ ٤: من مقول الخليل ومن
معه، أي وقالوا: ﴿رَبَّنا، لا تَجعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تُظهِرْهم علينا فيظنّوا أنهم على الحقّ، فيَفتِنوا بنا أي: تذهبَ عقولهم بنا، ﴿واغفِرْ
لَنا. رَبَّنَا، إِنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٥ في مُلكك وصُنعك.
(١) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وتتخذ تجعل. والعدو: المعادي للدين وأصحابه. والأولياء: جمع ولي. وهو من توكل إليه الأمور ويُعتمد عليه.
وأسرّه: جعله سرًا. وورّى بحُنين أي: أخفى ما يقصد وأظهر أنه يريد غزو المشركين في حنين. وهو موضع قريب من مكة. انظر ((المفصل)). وفي الأصل
والنسخ: ((بخيبر)). والمودة: النصيحة بخبر الغزو. وكفر به: كذبه وأنكر صدقه. وجاء: نزل بالوحي. والحق: الأمر الثابت. وخرجتم أي: من مكة
مهاجرين. والجهاد: بذل المال والأهل والوطن. وفي سبيلي أي: لإعلاء كلمتي وديني. والابتغاء: الطلب والقصد. وفي الأصل: ((وابتغاءٍ)). والمرضاة:
الرضا وإفاضة الرحمة. وتسرون إليهم: تبلّغونهم بالسر. وأعلم: أكثر إحاطة من كل مخلوق. وأخفيتم: كتمتم في أنفسكم عن الآخرين. وأعلن: أظهر عمله
أو قوله للآخرين. ويفعل: يكتسب ويتحمل. والحكم يعمّ ما يشبه ذلك أيضًا. والإسرار: النقل سرًا، أي: وموالاة أعداء المسلمين. والوسط: المعتدل. (٢)
يظفروا بكم أي: في حرب أو غدر. ويكونوا أعداء: تظهر عداوتهم. والأعداء: جمع عدو. وهو المعادي والمحارب. ويبسطوها: يمدّوها. والأيدي: جمع
يد: والألسنة: جمع لسان. وهو هنا ما يُتكلم به. والسوء: المؤذي. وتكفر: ترتد عن الإسلام. وتنفع: تدفع شرًا أو تجلب خيرًا. والأرحام: جمع رحم.
والأولاد: جمع ولد. وفي الآخرة أي: وفي الدنيا من أذى المشركين. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور للحساب والجزاء. ويُفصل: يفرَّق
ويُحجز. وللفاعل يريد به القراءة ((يَفصِلُ)). والفاعل هو الله، تعالى. وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والبصير: المدرك للأحداث. (٣) بضمها
يريد القراءة ((أُسوةُ)). وفي الموضعين أي: هنا وفي الآية ٦. والحسنة: الصالحة تستحق الاقتداء. والبريء: المتبرئ المتباعد. وما تعبدون: المخلوقات التي
تقدسونها. وبدا: ظهر وثبت. والعداوة: القطيعة والمخالفة. والبغضاء: شدة الكره. وأبدًا: على الدوام. وبإبدال الثانية يريد القراءة ((والبغضاءُ وَبَدًا)). وتؤمنوا
به: تعرف قلوبكم ألوهيته. وأستغفر: أطلب ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه. وما أملكه: لا أستطيعه. ويتأسى فيه: يقتدى به في مقام الاعتراف بالعجز عن
التدخل في حكم الله، بدليل ما أورده. وهو الآية ١١ من سورة الفتح. وكما ذكر أي: في الآية ١١٤ من تلك السورة. وتوكلنا: اعتمدنا في جميع أمورنا.
وإليك أنبنا: إلى طاعتك ورضاك رجعنا. وإليك: إلى لقاء موعدك بالحساب. والمصير: الرجوع النهائي. وتجعل: تصيّر. وفتنة: ما يفتن به ويكون سببًا
للامتحان. ولا تظهرهم: لا تنصرهم. والعزيز: الغلّاب لا يعجزه شيء. والحكيم: ذو الحكمة العالية في كمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.

٦٠ - سورة المُمتحَنة
٥٥٠
الجزء الثامن والعشرون
الجديدة الثَّافِرُوَالـ
سُورَة المُتَنَّة
لَقَدْ كَانَ لَكُمْفِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَوَالْيَوْمَ الْآخِرَّ
وَمَن يَوَلَّ فَإِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّالْحَمِيدُ (٥*عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ
يَبْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةُ وَالَه ◌َدِيْ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿َ لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم
مِّن دِيَِّكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْمُقْسِطِينَ
م ◌ِنَّمَايَنْهَذَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الذِينِ وَأَخْرَجُوكُم
مِّن دِيَئِكُمْ وَظَهَرُ واْعَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَُّمْفَأُوْلَكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ الَُّأَعْلَمُ بِمَتِهِنٌ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ
فَلَتَرْجِعُوهُنَّإِلَى الْكُفَّارِلَهُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَهُمْ يَحِلُونَ لَهُنّ وَءَ انُوهُم
◌َّا أَنَفَقُواْ وَجُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاْءَانْتُمُوهُنَّأُجُورَ هُنَّ
وَلاَ تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَاِ وَسْتَلُواْمَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَا أَنَفَقُواْ
ذَلِكُمْ حُكْمُ الَهِ يَحْكُمُبَيْنَكُمْ وَالَهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ
شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَبِكُمْإِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُ فَاتُوْلَّذِينَ ذَهَبَتْ
أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُمْ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (َـ
١- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُم﴾ يا أُمّة مُحمّد - جواب قسم مُقدّر - ﴿فِيهِم إسوةٌ حَسَنَةٌ،
لِمَن كانَ﴾: بدلُ اشتمال من ((كُم)) بإعادة الجارّ ﴿يَرَجُو اللّهَ واليَومَ الآخِرَ﴾
أي: يخافُهما، أو يظنّ الثواب والعقاب. ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ بأن يُواليَ الْكُفّارَ
ثلاثة أرباع
الحزب
٥٥
﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ﴾ عن خلقه، ﴿الحَمِيدُ﴾ ٦ لأهل طاعته. ﴿عَسَى اللهُ أن يَجعَلَ
بَينَكُم وبَينَ الَّذِينَ عادَيْتُم، مِنْهُم﴾: من كُفّار مكّة طاعةً لله - تعالى - ﴿مَوَدّةً﴾ بأن
يهديهم للإيمان، فيصيروا لكم أولياء. ﴿واللهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك - وقد فعله بعد فتح
مكّة - ﴿واللهُ غَفُورٌ﴾ لهم ما سلف، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٧ بهم.
٢- ﴿لا يَنِهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقاتِلُوكُم﴾ من الكُفَّارِ ﴿فِي الدِّينِ، ولَم يُخرِ جُوكُم
مِن دِيارِكُم، أن تَبَرُّوهُم﴾: بدل اشتمال من ((الذين))، ﴿وتُقْسِطُوا﴾: تُفضُوا ﴿إِلَيهِم﴾
بالقسط، أي: العدل. وهذا قبل الأمر بجِهادهم - ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾ ٨:
العادلينَ - ﴿إِنَّما يَنهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُم في الدِّينِ، وأخرَجُوكُم مِن دِيارِكُم
وظاهَرُوا﴾: عاونوا ﴿عَلَى إخراجِكُم، أن تَوَلَّهُم﴾: بدل اشتمال من ((الذين))، أي:
تتّخذوهم أَولياء. ﴿ومَن يَتَوَلَّهُم فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٩.
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا جاءَكُمُ المُؤمِنَاتُ﴾ بألسنتهنّ، ﴿مُهاجِراتٍ﴾ من
الكُفّار، بعد الصُّلح معهم في الحُدَيبية على أنّ من جاء منهم إلى المُؤمنين يُردّ،
﴿فامتَحِنُوهُنَّ﴾ بالحلف أنهنّ ما خرجْنَ إلّا رغبة في الإسلام، لا بُغضًا لأزواجهنّ
الكُفّار، ولا عِشقًا لرجال من المُسلمين - كذا كان النبيّ وَّهِ يُحلّفهنّ. ﴿اللهُ أُعلَمُ
بِإِيمانِهِنَّ - فإن عَلِمتُمُوهُنَّ﴾: ظنتموهنّ بالحلف ﴿مُؤمِناتٍ فلا تَرجِعُوهُنَّ﴾: تردّوهنّ
﴿إِلَى الْكُفّارِ - لا هُنَّ حِلٌّ لَهُم ولا هُم يَحِلُّونَ لَهُنَّ - وأتُوهُم﴾ أي: أعطُوا الْكُفّارَ أزواجهنّ ﴿ما أَنفَقُوا﴾ عليهنّ من المُهور، ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُم
أن تَنكِحُوهُنَّ﴾ بشرطه، ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورهنَّ.
٤- ﴿ولا تُمَسِّكُوا﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿بِعِصَمِ الكَوافِ﴾ زوجاتِكم لقطع إسلامكم لها بشرطه، أو اللاحقات بالمُشركين مُرتدّاتٍ لقطع
ارتدادهنّ نكاحَكم بشرطه، ﴿واسألُوا﴾: اطلبوا ﴿مَا أَنفَقْتُم﴾ عليهنّ من المُهور، في صُورة الارتداد ممّن تزوَّجهنَّ من الكُفّار، ﴿ولْيَسألُوا ما
أنفَقُوا﴾ على المُهاجرات، كما تقدّم أنهم يُؤْتَونه - ﴿ذلِكُمْ حُكمُ اللهِ، يَحكُمُ بَينَكُمْ﴾ به. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٠ - وإن فاتَكُمِ شَيءٌ مِن أزواجِكُم﴾
أي: واحدةٌ فأكثرُ منهنّ، أو شيء من مُهورهنّ، بالذهاب ﴿إِلَى الكُفّارِ﴾ مُرِتدّاتٍ، ﴿فعاقَبْتُم﴾: فغزوتم وغنمتم، ﴿فَأَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزواجُهُم﴾
من الغنيمة ﴿مِثلَ ما أنفَقُوا﴾، لفواته عليهم من جهة الكُفّار، ﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُم بِهِ مُؤمِنُونَ﴾ ١١. وقد فعل المُؤمنون ما أَمروا به، من الإيتاء
للكُفّار والمُؤمنين. ثمّ ارتفع هذا الحُكم.
(١) انظر أول الآية ٤. وجواب قسم: انظر ((المفصل)). وبدل: يعني ((لمن)). واليوم: الوقت. والآخر: ما يكون بالبعث. ويظن: يتوقع. والغني: المستغني
بذاته. ولأهل طاعته أي: يكرمهم ويحمد لهم ما اكتسبوا. ولما نزلت الآيتان ٥ و٦ عزم المؤمنون على معاداة جميع الكافرين فنزلت الآية ٧. تفسير الخازن
٧: ٦٥. ويجعل: يخلق. وعاديتم: خاصمتم. والمودة: المحبة ومقاصد الخير. والقدير: الكامل القدرة. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها.
والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والإحسان للمؤمنين.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. وينهى: يمنع. والديار: جمع دار. وتبره: تحسن إليه. وبدل أي: المصدر المؤول من ((أن)): بدل من الاسم الموصول
في الموضعين. وتفضوا إليهم: تعاملوهم. و((هذا)) يعني أن حكم البر والعدل نُسخ بما في أوائل سورة التوبة. والراجح أن الآية محكمة ولاناسخ لها، إذ البر
واجب مع المسالم، والعدل واجب معه ومع المقاتل أيضًا إلّ في ميادين الحرب. ويحبهم: يودهم فيكرمهم. وعاونوا: يعني أن معاون العدو يعادَى ولا
يوالَى. والظالم: من تجاوز الحق.
(٣) جاءت سُبيعة بنت الحارث مهاجرة، فأقبل زوجها الكافر يطلب ردها، فنزلت الآية ١٠ توكيدًا لحصر العهد بالرجال. الناسخ والمنسوخ ٨٨:٣ و١٠٧.
وبألسنتهن: بلفظ الشهادة. وامتحن: اختبرْ لمعرفة سبب الهجرة. والحلف: التحليف قسمًا. و((ولا عشقًا لرجال من المسلمين)) مقحم فيما نسب إلى ابن عباس
من القول. انظر تفسير ابن كثير ٤: ٣٥٠-٣٥١. وأعلم: أبلغ إحاطة منكم. والكفار: جمع كافر. وحل: مباح نكاحهن. ويَحلّون: يحل نكاحهم. والجناح:
الذنب. وتنكح: تتزوج. وشرطه: ما يعرف من شروط لصحة العقد. وآتيتم: أعطيتم. والأجور: جمع أجر.
(٤) لا تمسّكوا به: افسخوه. وبالتخفيف يريد القراءة ((ولا تُمْسِكُوا)). والعصم: جمع عِضْمة. وهي عقد النكاح. والكوافر: جمع كافرة. ولها: لعِصمة
المشركة. واللاحقات بالمشركين: اللواتي يرجعن إلى مشركي مكة. ونكاحكم أي: عقد النكاح. وأنفق: صرف. والصورة: الحالة. والحكم: الأمر
الواجب. وبينكم: بين المخاطبين ومشركي مكة. والعليم: المبالغ في الإحاطة. والحكيم: انظر آخر الآية ٥. وقد أبى المشركون أن يدفعوا مهور المرتدات،
فنزلت الآية ١١. تفسير البغوي ٣٣٣:٤-٣٣٤. وفاتكم: ذهب عنكم. والأزواج: جمع زوج. وهي الزوجة. وعاقبتم: جازيتم العدو. واتقوه: تجنبوا غضبه
واطلبوا رضاه. وارتفع: يعني أن الحكم بدفع المهر وأخذه نُسخ بعد فتح مكة.

الجزء الثامن والعشرون
٥٥١
٦١ - سورة الصَّفّ
١- ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ، إذا جاءَكَ المُؤمِناتُ، يُبَايِعْنَكَ عَلَى ألّا يُشرِكْنَ بِاللهِ شَيئًا ولا يَسرِقْنَ
ولا يَزِنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ﴾، كما كان يُفعل في الجاهليّة من وأد البنات، أي:
دفنهنّ أحياءً خوفَ العار والفقر، ﴿ولا يأتِينَ بِيُهتاٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيدِيهِنَّ وأرجُلِهِنَّ
أي: بولد ملقوط يَنسِبْنَه إلى الزوج - ووُصِفَ بصِفة الولد الحقيقيّ، فإنّ الأُمّ إذا
وضعتْه سقط بين يديها ورجليها - ﴿ولا يَعصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ هو ما وافق طاعة الله -
تعالى - كترك النِّياحةِ وتمزيقِ الثياب وجزِّ الشعور وشقِّ الجيب وخمشِ الوجه،
﴿فبابِعْهُنَّ﴾ - فَعَلَ النبيُّ وَّرِ ذلك بالقول، ولم يُصافح واحدة منهنّ - ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ
اللهَ. إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١٢ .
٢ - ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَوَلَّوا قَومًا غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم﴾ هم اليهود، ﴿قَدِ يَئِسُوا مِنَ
الآخِرةِ﴾ أي: من ثوابها مع إيقانهم بها، لعنادهم النبيَّ مع علمهم بصِدقه، ﴿كَما يَئِسَ
الكُفّارُ﴾ الكائنون ﴿مِن أصحابِ القُبُورِ﴾ ١٣ أي: المقبورين، من خير الآخرة، إذ
تُعرض عليهم مقاعدهم من الجنّة، لو كانوا آمنوا وما يصيرون إليه من النار.
سورة الصَّفّ
مكية أو مدنية، أربعَ عشْرَة آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَزِ
نيودَة الصَفّف
مُخْرُ النَّامِ وَالْعْرُ الَّا
يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ كَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لََّ يُشْرِكْنَ
◌ِلَِّ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَ هُنَّوَلَا يأْتِينَ
بِبُهْتَكٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدٍ ◌ِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ
فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعُهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْلَمُنَّ اللَّهُ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
( يَأَيُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
قَدْيَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ
شُورَةُ الصَّفِ
بِسْبِلَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
سَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
مَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (@)
كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَنَّهُم
◌ُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ جَ وَ إِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ
تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا
زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
٣- ﴿سَبَّحَ للهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ أي: نزّهَه - فاللام: مزيدة. وجيء بـ
((ما)) دون ((مَن)) تغليبًا للأكثر - ﴿وَهْوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ١ في صُنعه. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لِمَ تَقُولُونَ﴾ في طلب الجِهاد ﴿ما لا
تَفْعَلُونَ﴾ ٢، إذِ انهزمتم بأُحد؟ ﴿كَبُرَ﴾: عظُمَ ﴿مَقْتًا﴾: تمييزٌ ﴿عِندَ اللهِ أن تَقُولُوا﴾: فاعلُ «كبر)) ﴿ما لا تَفْعَلُونَ ٣. إنَّ اللهَ يُحِبُّ﴾: يَنصر ويُكرم
﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: حالٌ أي: صافّين، (كأنَّهُم بُنيانٌ مَرصُوصٌ﴾ ٤: مُلزَقٌ بعضُه إلى بعض ثابتٌ.
٤- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذ قالَ مُوسَى لِقَومِهِ: يا قَومِ، لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ - قالوا: ((إنه آدَرُ)) أي منتفخُ الخُصيةِ، وليس كذلك، وكذّبوه - ﴿وقَدٍ﴾: للتحقيق
﴿تَعلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم﴾ الجملة حالَ، والرسول يُحترم؟ ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾: عدلوا، عن الحقّ بإيذائه، ﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾: أمالَها عن
الهُدى، على وَفق ما قدّره في الأزل. ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقِينَ﴾ ٥: الكافرين في عِلمه.
(١) بعد فتح مكة، بايع الرسول ﴿ الرجال على ألّا يشركوا ولا يسرقوا ولايزنوا ... ثم بايع النساء، كما جاء في هذه الآية. وجاءك: قصدك وحضر
مجلسك. والمؤمنة: من صدّقَتِ الله ورسوله، واعترف قلبها بالتوحيد وما يلزمه. ويبايعنك: يردن التعهد لك بتوكيد وتوثيق. ويشركه: يجعله شريكًا في
الألوهية والتقديس والطاعة. والأولاد: جمع ولد. والمراد بهم البنات. والوأد: الدفن للإنسان وهو حي. ويأتي به: يفعله. والبهتان: الكذب الذي يدهش
صاحبه إذا واجهتَه به. وتفتريه: تدعي كذبًا أنه ابنها من زوجها. ووصف أي: اللقيط. ووضعته أي: ولدت طفلها. ولا يعصين: لا يخالفن. والنياحة: البكاء
على الميت. وبايعهن أي: تعهد لهن بالقبول والثواب. واستغفر: اسأل بالدعاء سترَ ما كان وما سيكون، وعدمَ المؤاخذة عليهما. وانظر آخر الآية ٧.
(٢) كان بعض فقراء المسلمين يواصلون أغنياء اليهود بأخبار إخوانهم، فنزلت الآية بالنهي القاطع. لباب النقول. وغضب عليه: سخط عليه فطرده من
الرحمة. ويئس: قطع الأمل. والآخرة: الحياة بالبعث للحساب. ولعنادهم: يعني أن تكذيبهم مكابرةً وعنادًا حقق لهم اليأس من الثواب. والكفار: جمع
كافر. والأصحاب: جمع صاحب. والقبور: جمع قبر. وتعرض عليهم أي: يرغمون على المشاهدة للتبكيت والتحسر. والمقاعد: المنازل والقصور والنعم.
(٣) سأل الصحابة النبي ◌َّر عن أحب الأعمال إلى الله، فنزلت هذه السورة. المسند ٤٥٢:٥ ولباب النقول. وكان بعض المسلمين قد تمنوا مثل ذلك، ولما
فُرض عليهم الجهاد ظهر ضعفهم في غزوة أحد، فجاءت الآيات بالعتاب والتوبيخ. الدر المنثور ٢١٢:٦-٢١٣. وانظر الآية ١ من سورة الحديد. وآمن: عرف
قلبه التوحيد وما يلزمه. وتقولون أي: تتحدثون بألسنتكم. ولا تفعلون: لا تنفّذون. والمقت: أشد البغض. وعنده: في حكمه وقضائه. وفاعل كبر: يعني أن
المصدر المؤول من ((أن تقولوا)) في محل رفع، والتقدير: كبر قولُكم. ويحبه: يودّه بما يناسب جلاله وعظمته وييسر له الخير. ويقاتل: يجاهد العدو بالسلاح.
والسبيل: الطريق الواضح. وفي سبيله أي: لإعلاء كلمته وشأن دينه بما شرع من الجهاد. والبنيان: ما يبنى من القصور والسدود.
(٤) موسى: أعظم نبي لبني إسرائيل. وقومه: الجماعة التي ينتسب إليها. وتؤذونني: تسيئون إليّ بالمخالفة والمفاسد العظيمة. انظر ((المفصل)). وقد اتهموه
وبانتفاخ الخصية ذمًا، لأنهم كانوا يغتسلون عُراة مجتمعين، وهو ينفرد في اغتساله. انظر الأحاديث ٢٧٤ و٣٢٢٣ في البخاري و٣٣٩ في مسلم. وليس كذلك
أي: لم يكن موسى كما قالوا. وتعلمون أي: علمتم يقينًا. والرسول: المُرسَل لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر
والاعتقاد والانفعال. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤٦ من سورة الحج. وأمالها: صرفها وزادها ضلالًا. ولا يهديهم: لا يوجّه قدراتهم ولا يوفقهم في الهداية.
وفي علمه أي: فيما علم من أحوال الخلق واستعداداتهم.

٦١ - سورة الصَّفّ
٥٥٢
الجزء الثامن والعشرون
سُورَةِ الصََّفّف
وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِإِلَيْكُ مُصَدِّقًا
◌ِمَابَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَيَّةِ وَمُبَشِّرْ بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُ أَحْمَدٍ فَلَمَاً
جَآءَ هُمْ بِالْبَِّنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌمُبِينٌ (٢) وَمَنْ أَظْلَوُ مِمَّنِ أَفْتَرَى
عَلَى الَِّالْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللهُ لَهْدِى الْقَوْمَالَّلِينَ
يُرِدُونَ لِيْفِتُوانُورٌلَّهِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُ نُورِهِ، وَلَؤْكَرِةَ
اَلْكَفِرُونَ جَهُوَالَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ ◌ِيُظْهِرُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْكَرِهَالْمُشْرِكُونَ ﴿﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ
عَلَى تَجَوْنُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِ ﴿لَاتُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ
فِي سَبِيلِالَّهِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خٌَّلَّكُمْإِن كُ نَعَلَمُونَ ()
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْ خِكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلِكِنَ
طَيِبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمِ [٣] وَأَخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ
مِنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُونُواْ
أَنْصَارَ اللَّهِكَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِ يِّنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللّهِ
قَالَ الْحَوَارِيُونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَامَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِنْ بَنِّي إِسْرَِّيلَ
وَكَفَرَتْ ظَائِفَةٌ فَأَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ فَأَصْبَحُواْظَاهِينَ (١)
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قالَ عِيسَى بنُ مَريَمَ: يا بني إسرائيلَ﴾ - لَم يقلْ: ((يا قوم)) لأنه لم
يكن له فيهم قرابة - ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾: قَبَلي ﴿مِنَ
التَّوراةِ، ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يأْتِي مِن بَعدِيَ، اسمُهُ أحمَدُ﴾. قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُم﴾:
جاء أحمدُ الكُفّارَ ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: الآيات والعلامات ﴿قالُوا: هذا﴾ أي: المجيء به
﴿سِحرٌ﴾ - وفي قِراءة: ((ساحِرٌ)) أي: الجائي به - ﴿مُبِينٌ﴾ ٦: بيّنٌ. ﴿ومَن﴾ أي: لا
أحدَ ﴿أَظَلَمُ﴾ أشدّ ظُلمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾، بنسبةِ الشريك والولد إليه،
ووصفِ آياته بالسِّحر، ﴿وهْوَ يُدعَى إِلَى الإِسلامِ؟ واللهُ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ ٧ :
الكافرين.
٢ - ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا﴾ - منصوب بـ ((أن)) مُقدّرة، واللام: مزيدة - ﴿نُورَ اللهِ﴾: شرعَه
وبراهينه ﴿بِأفواهِهِم﴾: بأقوالهم: إنه سِحر وشِعر وكِهانة، ﴿واللهُ مُتِمٍّ﴾: مُظهرٌ
﴿نُورَهُ﴾، وفي قراءة بالإضافة، ﴿وَلَو كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ٨ ذلك. ﴿هُوَ الَّذِي أرسَلَ
رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ، لِيُظهِرَهُ﴾: يُعليَه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: جميع الأديان
المُخالفة له، ﴿وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾ ٩ ذلك.
٣- ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، هَل أدُلُّكُمْ عَلَى تِجارةٍ تُنجِيكُم﴾ - بالتخفيف والتشديد -
﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ١٠: مُؤلم؟ فكأنهم قالوا: نعم. فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾: تدومون على
الإيمان ﴿بِاللهِ وَرَّسُولِهِ، وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُم وأنفُسِكُم - ذُلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم،
إن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾ ١١ أنه خير فافعلوه، ﴿يَغْفِرْ﴾: جوابُ شرط مُقدّر، أي: إن تفعلوه
يغفرْ ﴿لَكُمْ ذُنُوبَكُم، ويُدخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، ومَساكِنَ طَيِّةً فِي جَنّاتِ عَدنٍ﴾: إقامةٍ، ﴿ذلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ١٢، و﴾ يُؤْتِكم نِعمةً
﴿أُخرَى تُحِبُّونَها، نَصرٌ مِنَ اللهِ وفَتحٌ قَرِيبٌ - وبَشِّرِ المُؤمِنِينَ﴾ ١٣ بالنصر والفتح.
٤ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا أنصارًا لِلّهِ﴾: لدِينه - وفي قراءة بالإضافة - ﴿كَما﴾ المعنى: كما كان الحواريّون كذلك، الدالِّ عليه: ﴿قَالَ
عِيسَى بنُ مَرَيَمَ لِلحَوارِيِّينَ: مَن أنصارِيَ إلَى اللهِ﴾ أي: مَن الأنصار الذين يكونون معي مُتوجّهًا إلى نُصرة الله؟ ﴿قَالَ الحَوارِيُّونَ: نَحنُ أنصارُ
اللهِ﴾. والحواريّون أصفياءُ عِيسَى، وهم أوّل من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلًا، من الحَوَر، وهو البياض الخالص. وقيل: كانوا قصّارين
يُحوّرون الثِّيابَ، أي: يُبيّضونها. ﴿فَآمَنَتْ طائفةٌ مِن بَنِي إسرائيلَ﴾ بعِيسَى، وقالوا: إنه عبد الله رُفِعَ إلى السماء. ﴿وَكَفَرَتْ طائفةٌ﴾ لقولهم: إنه
ابن الله رَفعه إليه. فاقتتلت الطائفتان، ﴿فَأيَّدْنا﴾: قوّينا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الطائفتين ﴿عَلَى عَدُوِّهِم﴾: الطائفة الكافرة، ﴿فأصبَحُوا
ظاهِرِينَ﴾ ١٤ : غالِينَ.
(١) عيسى: الرسول الذي أنزل عليه الإنجيل وزعم اليهود أنهم صلبوه. وبنو اسرائيل: نسل يعقوب وهم اليهود، بعضهم تنصر. ولم يكن له فيهم قرابة أي:
نسبٌ لأنه ولد من غير أب. والرسول: من بعث للدعوة والعمل. والمصدق: المؤكّد المحقق. والمبشر: من يبلّغ الخير. وأحمد: أكثر الناس حمدًا. وجاءهم
أي: أتاهم للدعوة. والعلامات: الأدلة على صدقه. والسحر: ما يخدع العقول والحواس ويخيل إليها غير الواقع. والجائي أي: الرسول. و((لا)) يعني أن
الاستفهام بـ ((من)) هو النفي والاستبعاد. والظلم: مجاوزة الحق. وافترى: اختلق. ويدعى: يطلب إقباله. والإسلام: الدين الإسلامي. وانظر آخر الآية ٥.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. ويريد: يطلب. ويطفئ: يُحمد ويُبطل. وزيادة اللام للتقوية والتوكيد. والأفواه: جمع فم. وبالإضافة يريد القراءة: ((مُتِمُّ
نُورِهِ)). وكره: أبغض. والكافر: من كذّب الله ورسوله. وهم بنو إسرائيل اليهود والنصارى. وأرسله: بعثه لتبليغ البشر مع العمل. والهدى: المرشد إلى طريق
الصواب. وهو القرآن. والدين: العقيدة والشريعة. والحق: الصادق الثابت. والمشرك: من جعل بعض المخلوقات شريكًا في الألوهية والطاعة. وذلك أي:
ما ذكر من إظهار دينه .
(٣) أدل: أَوجّه. والتجارة: العمل في الشراء والبيع، استعير هنا لفضائل الأعمال. وتنجي: تنقذ، وبالتشديد يريد القراءة (تُنَجِّيكُم)). انظر سبب النزول في
المفصل. والإيمان: الاعتقاد اليقيني. وتجاهد: تبذل كل ما تستطيع. وفي سبيل: انظر الآية ٤. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من النقد والمتاع
والزينة. والأنفس: جمع نفس. وخير: أكثر نفعًا. وتعلمون: تدركون. ويغفر: يستر ولا يعاقب. والذنوب: جمع ذنب. والجنة: البستان العظيم. وتحتها :
تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. والمساكن: جمع مسكن. والطيبة: ذات النعيم. والفوز: الظفر بالمطلوب. وتحب: تفضل وتتمنى. والنصر:
العون على العدو. والفتح: التمليك لبلاد الكافرين. وبشرهم: أبلغهم ما فيه السعادة.
(٤) كونوا أي: دوموا. والأنصار: جمع نصير. وبالإضافة يريد ((أنصارَ اللهِ)). وإلى الله: إلى نصرة دينه. وآمنت: صدّقت توحيد الله وما يلزمه. وبنو إسرائيل:
انظر الآيتين ٦ و٨. وكفرت: كذّبت التوحيد. والعدو: المعادي بخصام وقتال. وأصبح: صار. وغالبين: منتصرين بالحجة أو بالقتال، في ذلك الزمان على
الكافرين .

الجزء الثامن والعشرون
٥٥٣
٦٢ - سورة الجُمُعة
سورة الجُمُعة
مدنية، إحدى عشْرةَ آيَة .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
الحِربُ
١- ﴿يُسَبِّحُ لِهِ﴾: يُنزّهه، فاللام: زائدة، ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾
- في ذكر ((ما)) تغليب للأكثر - ﴿المَلِكِ القُدُّوسِ﴾: المُنزّهِ عمّا لا يليق به
﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ١ في ملكه وصُنعه.
٢- ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمَّيِّينَ﴾: العربِ - والأُمّيّ: من لا يكتب ولا يقرأ كتابًا -
﴿رَسُولًا مِنْهُم﴾ هو مُحمّد ◌ََّ، ﴿يَتْلُو عَلَيهِم آياتِهِ﴾: القُرآنَ، ﴿وَيُزَكِّيهِم﴾: يُطهّرُهم
من الشِّرك، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: القُرآن ﴿والحِكْمَةَ﴾: ما فيه من الأحكام، ﴿وإنْ﴾:
مُخفّفة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: وإنّهم ﴿كانُوا مِن قَبلُ﴾: قبلِ مجيئه ﴿لَفِي
ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢: بيِّنٍ، ﴿وَآخَرِينَ﴾: عطفٌ على ((الأُمِّينَ)) أي: الموجودين منهم،
وآتين ﴿مِنْهُم﴾ بعدهم، ﴿لَمّا﴾: لم ﴿يَلحَقُوا بِهِم﴾ في السابقة والفضل، ﴿وَهْوَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ﴾ ٣ في صُنعه. وهم التابعون. والاقتصار عليهم كافٍ في بيان فضل الصحابة
المبعوثِ فيهم النبيُّ على من عداهم، ممّن بُعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس
والجنّ إلى يوم القيامة، لأنّ كُلّ قرن خير ممّن يليه. ﴿ذُلِكَ فَضْلُ اللهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾
النبيَّ ومن ذُكر معه، ﴿واللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ﴾ ٤.
سُورَةُ الجَمُحَّةِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ
اْحَكِيمِ ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَ إَِهِ، وَيُزَكَيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ
مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلِ مُبِينٍ (٢)وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْبِهِمْ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ مَُّلَمْ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْبِتَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوْاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْأْ أَوْتَ إِن كُنْتُمُ صَدِقِينَ (٦) وَلَا يَنَّمَنَّوْنَهُ
أَبَدًابِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيهِمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿قُلْ إِنَّ
اُلْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُوَّترُدُونَ
إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٣- ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا النَّوراةَ﴾: كُلّفوا العملَ بها، ﴿ثُمَّ لَم يَحمِلُوها﴾: لم يعملوا بما
فيها من نعته وَّرَ فلم يُؤمنوا به، ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أسفارًا﴾ أي: كُتَّبًا، في عدم انتفاعه بها، ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾
المُصدّقةِ للنبيّ! والمخصوص بالذمّ محذوف تقديره: هذا المَثَلُ. ﴿واللهُ لا يَهِدِي القَومَ الظّالِمِينَ﴾ ٥: الكافرين.
٤- ﴿قُلْ: يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا، إن زعَمتُم أنَّكُمْ أَولِياءُ لِلهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوتَ، إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٦. تعلّقَ بتمنّه الشرطان، على أنّ
الأول قيد في الثاني، أي: إن صدقتُم في زعمكم أنكم أولياء لله، والوليُّ يُؤثِر الآخرة ومبدؤها الموت، فتمنَّه. ﴿ولا يَتَمَنَّونَهُ أَبَدًا، بِمَا قَدَّمَتْ
أيدِيهِم﴾ من كُفرهم بالنبيّ المستلزم لكذبهم، ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ٧: الكافرين. ﴿قُلْ: إِنَّ المَوتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فإنَّهُ﴾ - الفاء: زائدة -
﴿مُلاقِيكُم، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾: السِّرّ والعلانية، ﴿فَيُنَّكُم بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٨، فيُجازيكم به.
(١) انظر الآية ١ من سورة الحديد. خ: ((فاللام مزيدة)). والملك: المالكُ لكل الخلق، والنافذُ الأمر والتصرف فيه.
(٢) بعثه: كلفه بتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. ومنهم: مِن نسبهم وأمّيّ مثلهم. ويتلو: يبلّغ استظهارًا بدون كتاب. ويعلّم: يفهّم. والضلال: الخروج على
الحق. و((آتين)) تفسير لـ ((آخرين)). وتفسير (لمّا)) بـ ((لم)) يعني أن النفي بها مستمر دائمًا، لأن الصحابة لا يماثلهم أحد في الفضل. وهذا المعنى لـ (لمّا)) من
نادر بليغ الكلام. ويلحق به: يساويه. والسابقة: السبق إلى الإسلام. والعزيز: الغلاب لا يعجزه شيء. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان
الفعل وإتقان الأشياء. وهم التابعون يعني: آخرين. والقرن: الأمة. وذلك: ما ذكر من الرتبة العظيمة للنبي * وأصحابه. والفضل: التفضل. ويؤتيه: يعطيه.
ويشاء: يريد أن يكرمه. وذو الفضل: صاحبه يملكه ويتفرد به. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
(٣) المَثل: الصفة العجيبة تُذكر للناس عظة. وهي هنا صفة اليهود المعاصرين للنبوة ومن جاء بعدهم. والتوراة: الكتاب الذي أوحي إلى موسى. ونعته:
ماجاء من وصفه الثابت في التوراة، كما رأوه عيانًا. وكذلك لم يؤمنوا بكثير مما في التوراة، فحرفوه أو حذفوه. والحمار: الحيوان المعروف، يضرب ببلادته
وغبائه المثل. ويحملها: تثقل ظهره. والأسفار: جمع سِفر. وهو الكتاب الكبير جمعت أوراقه ونضّدت. وبئس: بلغ الغاية في الفساد والبؤس والشر. وكذبوا
بها: أنكروها. وفيما عدا الأصل وخ: ((للنبي (َّغ)). ولا يهديه: لا يوجّه قدراته إلى الحق ولا يوفقه فيه. والظالم: من جاوز الحد. والكافرين: الذين اختاروا
الكفر، لِما في نفوسهم من الفساد واستعدادهم من الخبث.
(٤) لما ظهرت الدعوة في المدينة كتب يهودها إلى يهود خيبر: إن اتبعتموه أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه. فأجابوهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ومنا الأنبياء.
ومتى كانت النبوة في العرب؟ نحن أحق بها. فنزلت الآيات. البحر ٢٦٧:٨. وهادَ: تدين باليهودية. وزعم: ادّعى. والأولياء: جمع ولي. وهو المخلص
المحبوب. وتمنوا: أي ادعُوا الله لتنتقلوا إلى الجنة التي تزعمونها لكم. والصادق: من يقول الحق. وتعلق بتمنيه: يعني أن تمني الموت مترتب على
الشرطين: إن زعمتم، وإن كنتم صادقين. وقيد فيه: يعني أن الثاني مترتب على الأول وشرط فيه. ويؤثرها: يفضلها. ومبدؤها: طريقها. وأبدًا: في كل
وقت. وقدمت: فعلته. والأيدي: جمع يد. وبالنبي أي: وغيره من الأحكام والآيات. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وانظر آخر الآية ٥. وتفرون منه:
تخافون أن تتمنوه. والملاقي: المقابل فجأة. وتردّ: تعاد. وإليه: إلى لقاء حسابه. وينبئ: يخبر. وتعملون: تكتسبونه.

٦٣ - سورة المنافقون
٥٥٤
الجزء الثامن والعشرون
نسورة المنافقون
يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِالَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنَ كُمْ
تَعْلَمُونَ ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ
وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ
(® وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْلَمُوا أَنْفَضُوْإِلَيْهَا وَتَرَكُوَ قَّبِمَاَقُلْ
مَاِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَرَّةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ
سُورَةُ الْمِنَافِقُونَ
إِذَا جَاءَ لَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُيَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ()
أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّ واْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْءَامَنُواْ ثُمّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿﴿﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ
وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يُحْسَبُونَ كُلَّ
صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُ فَاحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ()
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن﴾ بمعنى: في ﴿يَومِ الجُمُعةِ فاسعَوا﴾:
فامضُوا ﴿إِلَى ذِكرِ اللهِ﴾ أي: الصلاة، ﴿وَذَرُوا البَيعَ﴾ اتركوا عَقَدَه - ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُم، إن كُنتُمْ تَعلَمُونَ﴾ ٩ أنه خير فافعلوه - ﴿فإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانتَشِرُوا في
الأرضِ﴾: أمرُ إباحة، ﴿وابتَغُوا﴾: اطلبوا الرزقَ ﴿مِن فَضلِ اللهِ، واذكُرُوا اللهَ﴾:
ذكرًا ﴿كَثِيرًا، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١٠ : تفوزون.
٢- كان ◌َ﴿ يخطب يوم الجُمعة، فَقَدِمتْ عِير وضُرب لقُدومها الطبل على العادة،
فخرج لها الناس من المسجد غيرَ اثني عشرَ رجلًا، فنزل: ﴿وإذا رَأَوا تِجارةً أو لَهْوَا
انفَضُّوا إلَيها﴾ أي: التجارةِ، لأنها مطلوبهم دُون اللهو، ﴿وَتَرَكُوكَ﴾ فيِ الخُطبة
﴿قائمًا. قُلْ: ما عِندَ اللهِ﴾ من الثواب ﴿خَيرٌ﴾، للذين آمنوا، ﴿مِنَ اللَّهوِ ومِنَ
التِّجارةِ، واللهُ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ ١١. يقال: كُلّ إنسان يَرزق عائلته، أي: من رِزق الله
تعالی .
الخِدْ
٥٦
سورة المنافقون
مدنية، إحدى عشْرةَ آية .
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
٣- (إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا﴾ بألسنتهم، على خِلاف ما في قُلوبهم:
﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ. واللهُ يَعلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، واللّهُ يَشْهَدُ﴾: يعلم ﴿إِنَّ المُنافِقِينَ
لَكَاذِبُونَ﴾ ١ فيما أضمروه، مُخالفًا لما قالوه، ﴿اَّخَذُوا أيمانَهُم جُنَّةَ﴾: سُترة عن
أموالهم ودمائهم، ﴿فَصَدُّوا﴾ بها ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: عن الجهاد فيهم. ﴿إِنَّهُم ساءَ ما كانُوا يَعمَلُونَ ٢! ذلِكَ﴾ أي: سُوءُ عملهم ﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾
باللسان، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بالقلب، أي: استمرّوا على كُفرهم به، ﴿فَطُبعَ﴾: خُتم ﴿عَلَى قُلُوبِهِم﴾ بالكُفر، ﴿فَهُم لا يَفْقَهُونَ﴾ ٣ الإيمانَ.
٤- ﴿وإذا رأيتَهُم تُعجِبُكَ أجسامُهُم﴾ لجمالها، ﴿وإن يَقُولُوا تَسمَعْ لِقَولِهِم﴾ لفصاحته. ﴿كأنَّهُم﴾ من عِظم أجسامهم في ترك التفهّم ﴿خُشْبٌ﴾ -
بسكون الشين وضمّها - ﴿مُسَنَّدةٌ﴾: مُمالة إلى الجدار، ﴿يَحسِبُونَ كُلَّ صَيحةٍ﴾ تُصاحُ كنِداء في العسكر وإنشاد ضالّة ﴿عَلَيهِم﴾، لما في قلوبهم
من الرُّعب، أن ينزل فيهم ما يُبيح دماءهم. ﴿هُمُ العَدُوُّ. فاحذَرْهُم﴾ فإنهم يُفشون سِرّك للكُفّار. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: أهلكهم. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤:
كيف يُصرفون عن الإيمان، بعد قيام البُرهان؟
(١) رجعت تجارة إلى المدينة يوم جمعة، والنبي ولم يخطب، وخرج المسلمون للقائها من المسجد، فنزلت الآيات. فتح القدير ٣٢٤:٥. وانظر الآية ١١.
وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. ونودي: دُعي بالأذان عند قعود الخطيب على المنبر. والصلاة: صلاة الجمعة. والذكر: استحضار العظمة الإلهية بالقلب
والقول والعمل. والبيع أي: وما يلزمه من الشراء وما يكون من الأعمال. فالعقد يعم ذلك كله. وخير: أكثر نفعًا. وتعلم: تدرك وتعي. وقُضيت: أُدّيتْ.
وانتشروا: تفرقوا للتصرف في حاجاتكم. وفي النسختين: (واطلبوا من فضل الله الرزق)). وتفوزون أي: بما تحبون.
(٢) العير: القافلة تحمل تجارة من الشام، فيها ما يحتاج إليه الناس. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٩ والأحاديث ٨٩٤ و١٩٥٣ و١٩٥٨ و٤٦١٦ في البخاري
و٨٦٣ في مسلم وأحكام القرآن للشافعي ١: ٩٤-٩٥ والدر المنثور ٢٢١:٦ والواحدي ص ٤٥٥- ٤٥٦. ورأوا: أدركوا وعلموا بما يسمعون من الضجيج
والقرع. والتجارة: ما يتاجَر به في البيع والشراء من المتاع والزينة. واللهو: ما يكون فيه شغل عما يُهم الناس. وانفض: تفرق وانصرف. ومطلوبهم:
مقصّدهم للشراء، وإنما كان اللهو تابعًا للتجارة. وتركه: خلّاه وأهمله. وقائمًا أي: على المنبر. وعنده: في حكمه وتفضله. وخير: أكثر نفعًا. والرازق: من
يهيئ لغيره ما يحتاج إليه ويقدمه.
(٣) جاءك: قصدك وحضر مجلسك. والمنافق: من يظهر الإيمان ويضمر الكفر. ونشهد: نقرّ ونقسم على ذلك. ورسول الله أي: من أرسله بالدعوة إلى
العقيدة والشريعة مع العمل. ويعلم: يحيط علمًا ويقسم أيضًا. والكاذب: من يقول خلاف ما يعتقد. انظر سبب النزول في المفصل. واتخذ: جعل.
والأيمان: جمع يمين. وهي القسم. وصد: منع. والسبيل: الطريق الواضح. والجهاد فيهم: قتالهم وإذلالهم. وساء: بلغ الغاية في السوء والقبح والفساد.
ويعمل: يكتسب اختيارًا وقصدًا. وآمن: أقرّ وصدّق. وكفر: كذّب وأنكر. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن الاعتقاد والتدبر والانفعال، يمد الدماغ بذلك
مع ماء الحياة. ويفقه: يفهم بدقة ووضوح.
(٤) رأيتهم: أبصرتهم عِيانًا. وتُعجب: تُرضي مع الطمأنينة. والأجسام: جمع جسم. وهو الجسد الخالص. وتسمع: تنصت. والخشب: جمع خَشَب.
وبضمها يريد القراءة ((خُشُبٌ)). وقد كان المنافقون يتصدرون المجالس، ويستندون إلى الجدران بأجسامهم، فيُعجَب من حضر بهياكلهم، أشباحًا خاوية من
التدبر والوعي. ويحسب: يظن. وإنشاد ضالة أي: الدلالة على شيء مفقود بتعريفه وبيان مكانه. وانظر ((المفصل)). وعليهم أي: هم مقصودون بها، لكشف
فضائحهم. والعدو: الأعداء المخاصمون، مفرد يعبر به عن الجماعة. واحذرهم: احفظ أسرارك عنهم. وأهلكهم أي: بلعنهم والطرد من رحمته. والمراد أن
وقوع اللعن عليهم مقرَّر لا بد منه. والبرهان أي: على حقيقته ووجوبه.

الجزء الثامن والعشرون
٥٥٥
٦٣ - سورة المنافقون
١ - ﴿وإذا قِيلَ لَهُم: تَعالَوا﴾ مُعتذِرِينَ، ﴿يَستَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ، لَوَّوْا﴾، بالتشديد
والتخفيف: عطفوا ﴿رُؤُوسَهُم، ورأيتَهُم يَصُدُّونَ﴾: يُعرِضُونَ عن ذلك، ﴿وَهُم
مُستَكِرُونَ ٥. سَواءٌ عَلَيهِم أستَغْفَرتَ لَهُم﴾ - استُغني بهمزة الاستفهام عن همزة
الوصل - ﴿أَم لَم تَستَغْفِرْ لَهُم. لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم. إنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقِينَ﴾ ٦.
٢- ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ لأصحابهم من الأنصار: ﴿لا تُنفِقُوا عَلَى مَن عِندَ رَسُولِ اللهِ﴾
من المُهاجرين، ﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾: يتفرّقوا عنه. ﴿ولِلّهِ خَزائنُ السَّماواتِ والأرضِ﴾
بالرزق، فهو الرازق للمُهاجرين وغيرهم، ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ٧. يَقُولُونَ:
لَئِنْ رَجَعْنا﴾، أي: من غزوة بني المصطلق، ﴿إِلَى المَدِينةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ﴾: عنَوا به
أَنفُسَهم ﴿مِنها الأذَلَّ﴾: عنَوا به المُؤمنين. ﴿ولثهِ العِزّةُ﴾: الغلبةُ ﴿وَلِرَسُولِهِ ولِلمُؤمِنِينَ،
ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ ٨ ذلك.
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُلْهِكُم﴾: تَشْغَلْكم ﴿أَمْوالُكُم ولا أولادُكُم عَن ذِكرِ اللهِ﴾ :
الصلوات الخمس - ﴿ومَن يَفعَلْ ذُلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ٩ - وأنفِقُوا﴾ في الزكاة
﴿مِمّا رَزَقْناكُم، مِن قَبَلِ أن يأتِيَ أحَدَكُمُ المَوتُ، فَيَقُولَ: رَبِّ، لَولا﴾ - بمعنى: هلّا،
أو لا: زائدة ولو: للتمنّي - ﴿أَخّرتَنِيَ إِلَى أجَلٍ قَرِيبٍ فأصَّدَّقَ﴾، بإدغام التاء في
الأصل في الصاد: أَتَصَدّق بالزكاة، ﴿وَأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ١٠ بأن أحُجّ. قال ابن
عبّاس: ما قصّر أحد في الزكاة والحجّ إلّا سأل الرجعةَ عِند الموت. ﴿ولَن يُؤْخِّرَ اللهُ
نَفْسًا، إذا جاءَ أجَلُها، واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ ١١، بالتاء والياء.
◌ُودَة المنافقون
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْتَعَالَوَأْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِلَوَّوْرُءُوسَهُمُ
وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ
اللَّهَ لَهِدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ [®
لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُوْوَلِلَّهِ
خَزَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
يَقُولُونَ لَيِّن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ اُلْأَعَزّ
مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٦ ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُلْهِكُمْ
أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ وَأَنِفِقُواْ مِن ◌َارَزَقْنَكُمْ
مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخْرَنِىّ
إِلَىْ أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَلَن
يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (!
شُورَةُ النَّغَابْنُ
سورة التَّغابُن
٤- مكية أو مدنية، ثماني عشْرةَ آية .
(١) لما نزلت الآيات تفضح قبائح ابن أبيّ دعاه قومه أن يعتذر مما ادعى وشتم ونافق، فأبى واستكبر. وكان النبي يطمع في إيمانه مع أصحابه، ويستغفر لهم
ويدعو بالصلاح، فنزلت الآية ٨٠ من سورة التوبة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((سوفَ أستَغفِرُ لَهُم زِيادةٌ علَى السَّبعِينَ))، فجاءت هاتان الآيتان لتشنيع أفعالهم،
والتيئيس من قبولهم الهدايةَ. البحر ٢٧٣:٨. وتعالوا: أقبلوا على النبي ◌َّر. ويستغفرُ: يدعو بستر الذنوب والصفح عنها. وبالتخفيف يريد القراءة «لَوَوْا)).
وعطفوها أي: تكبرًا وعنادًا. والرؤوس: جمع رأس. ورأيت: أبصرت عيانًا. والمستكبر: من يطلب ما ليس له من العظمة والترفع. وسواء أي: متساويان في
النتيجة والعاقبة. واستغني بهمزة الاستفهام: يعني أن الأصل ((أاستغفرت))، فحذفت رسمًا همزة الوصل، للتمكن بهمزة القطع قبلها من النطق بالساكن،
ولدلالتها عليها أيضًا. ويغفر: يستر الذنب ويصفح عنه. ولا يهديه: لا يصرف قدراته ولا يرشده إلى الحق لِما في استعداده من الخبث والفساد، بل يتركه فيما
هو عليه ويمده بالزيادة. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. والفاسق: الخارج عن الهداية إلى الضلال.
(٢) يقولون: يجاهرون بالقول. ولا تنفقوا عليهم: لا تتكفلوا نفقاتهم ولا تعينوهم بأموالكم. و((رسول الله)) عبّر به إكرامًا لنبيّه، والمنافقون لا يقولونه بينهم.
ومَن عنده أي: أصحابه. ويتفرقوا عنه أي: إلى أعمالهم، ويدعوا صحبته وموافقته. والخزائن: جمع خزينة. وهي ما خُزن وجمع. والسماء: ما يحيط
بالأرض من عوالم علوية. والمنافق: من أظهر الإيمان وهو كافر. ولا يفقهون: لا يعلمون تفرد الله بالملكِ، والمنع والعطاء لجميع الخلق. ورجعنا: عدنا.
وغزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة للهجرة، حين جمع بنو المصطلق مَن حولهم لحرب المسلمين، والتقوا بهم في المريسيع قرب مكة،
وكانت لهم الهزيمة. والمدينة أي: المنورة. ويخرجه: يطرده. والأعز: من هو أكثر غلبة: والأذل: من هو أكثر هوانًا. وعزة الرسول: إظهار دينه على سائر
الأديان. وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على من عاداهم. ويعلم: يدرك ويعي.
(٣) آمن: صدّق الله ورسوله. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من النقد والمتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد. وذكر الله: استحضار عظمته وجلاله في
القلب واللسان والعمل. ويفعل: يكتسب باختيار وعزم. وذلك أي: الانشغال بالمال والولد عن الإخلاص في الإيمان. والخاسر: من يضيع ما كان لديه وما
ينتظر من الخير، لأنه فضّل الخسيس الفاني على العظيم الدائم. وأنفق: ابذل طاعة واحتسابًا. ورزقناكم: أعطيناكم. ويأتي: يجيء. والموت هنا: مقدماته
وعلاماته. ورب أي: يا ربي. حذف حرف النداء مبالغة في التعظيم، لِما فيه من معنى الأمر والتنبيه. وهلّ: حرف دعاء مع التمني. وأخرتني: أمهلتني بتأخير
الموت. والأجل: الوقت المعيّن. وأصدّق: أدفع ما وجب عليّ من المال. وأكون: أصير. وفيما عدا الأصل وخ وع وقرة العينين: ((وأكُنْ)). انظر
((المفصل)). والصالح: من يعمل ما يرضي الله. وما نسب إلى ابن عباس هنا تلفيق بين نصين، أحدهما حديث ضعيف. انظر ((المفصل)). وفيما عدا الأصل
والنسختين وقرة العينين: ((ابن عباس رضي الله عنهما)). والنفس: المخلوق الحي. وجاء: حضر وقضي. والأجل: آخر العمر المحدّد. والخبير: العليم
للأسرار والخفايا. وتعمل: تكتسب بالنية أو القول أو الفعل. وبالياء يريد القراءة ((يَعمَلُونَ)). والضمير فيها يعود على ((الخاسرون)).
(٤) كون السورة مدنية قول أكثر العلماء، والقول بمكيتها لبعضهم، يستثنى منه الآيات ١٤-١٨. فقد نزلت في المدينة، كما سيرد بعد. ولذا جاء في
التلخيص: ((مدنية أو مكية))، بتقديم ما هو راجح.

٦٤ - سورة التَّغابُن
٥٥٦
الجزء الثامن والعشرون
الجزء الثَّامِ وَالْعَشِرُمَّ
سُورَةِ الثَّغَابُن
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيُ (٤) هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ
وَمِنكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٤ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَاُلْأَرْضَ بِالحَقِّ وَصَوَّرَكُمْفَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا ◌ُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَوَ يَأْتِكُمْنَبُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ
فَذَا قُوا وَبَلَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥ْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَإِنَت تَأْنِهِمْ
رُسُلُهُمْ بِآلْبِسْتِ فَقَالُواْأَبْشٌَ بَهُ وَنَا فَكَفَرُواْ وَقَوَلَّأَ وَاسْتَغْنَى
اللَّوَاللَّهُ غَنِى حَمِيدٌ ﴿أَازَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْأَنْ لَّنْ يُبْعَنُواْقُلْبَلَى وَرِ
◌ُعَثُنَُّمَ ◌َُوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الَّهِيَسِيٌّ ◌َامِنُواْبِلّهِ
وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِالَّذِىّ أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (ْلاَيَوْمَ
يَجْمَعُكُوْلِيَوْمِ الْجَمِّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِوَيَعْمَلْ
صَلِحَا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبَِّانِهِ، وَيُدْسِهُ جَنَاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا
اْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿يُسَبِّحُ لِلهِ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ أي: يُنزّهُه - فاللام: زائدة، وأَتِيَ بـ
((ما)) دُون ((مَن)) تغليبًا للأكثر - ﴿لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ١. هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُم، فمِنكُمْ كافِرٌ ومِنكُم مُؤمِنٌ﴾، في أصل الخلقة، ثم يُميتهم ويُعيدهم على
ذلك، ﴿وَاللهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ ٢، خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بِالحَقِّ، وصَوَّرَكُم فأحسَنَ
صُوَرَكُم﴾، إذ جعل شكل الآدميّ أحسن الأشكال، ﴿وإِلَيْهِ المَصِيرُ ٣، يَعلَمُ ما في
السَّماواتِ والأرضِ، ويَعلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعلِنُونَ. واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٤ بما
فيها من الأسرار والمُعتقدات.
٢- ﴿أَلَم يأْتِكُم﴾ - يا كُفّارَ مكّةَ - ﴿نَبَأْ﴾: خبرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبلُ، فذاقُوا وَبالَ
أمرِهِم﴾: عُقوبةَ الكُفر في الدنيا، ﴿وَلَهُم﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥: مُؤلم؟
﴿ذلِكَ﴾ أي: عذاب الدنيا ﴿بِأَنَّهُ﴾ - ضميرُ الشأن - ﴿كانَتْ تأتِيهِم رُسْلُهُم
بِالْبَيِّناتِ﴾: بالحُجج الظاهرات على الإيمان، ﴿فقالُوا: أَبَشَرٌ﴾ - أُريد به الجِنس -
﴿يَهِدُونَنَا؟ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا﴾ عن الإيمان، ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ عن إيمانهم. ﴿واللهُ غَنِيٍّ﴾
عن خلقه، ﴿حَمِيدٌ﴾ ٦: محمود في أفعاله.
٣- ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ﴾ - مُخفّفةٌ واسمها محذوف - أي: أنّهم ﴿لَن يُبعَثُوا.
قُلْ: بَلَى، ورَبِّي لَتُبعَثُنَّ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُم. وذُلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ٧. فَآمِنُوا بِاللهِ
ورَسُولِهِ والنُّورِ﴾: القُرآن ﴿الَّذِي أَنزَلْنا. واللهُ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٨.
٤- اذكرْ ﴿يَومَ يَجمَعُكُمْ لِيَومِ الجَمعِ﴾: يوم القيامة. ﴿ذَلِكَ يَومُ الثَّغَابُنِ﴾: يَغْبِن
المُؤمنون الكافرين، بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنّة، لو آمنوا. ﴿ومَن يُؤْمِنْ بِاللهِ ويَعمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ويُدخِلْهُ﴾ - وفي قراءة بالنون في
الفعلين - ﴿جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها أبَدًا - ذُلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ٩ - والَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾: القُرآن ﴿أُولَئِكُ أصحابُ
النّارِ، خالِدِينَ فِيها، وبِئسَ المَصِيرُ﴾ ١٠ هي!
(١) يسبح ... والأرض: انظر الآية ١ من سورة الحديد. والفعل المضارع يفيد التجدد والاستمرار. والملك: تمام الاستيلاء والتمكن من التصرف، بالقهر
والغلبة. والحمد: الثناء بالجميل على فضله ونعمه. والقدير: المبالغ في القدرة بذاته. وخلقكم: أوجدكم من العدم. والكافر: من كذّب الله ورسوله.
والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وفي أصل الخلقة: يعني أن الإنسان يكون كافرًا أو مؤمنًا، حين يخلق في بطن أمه. وهذا خلافُ ما ذكره المحلي
في تفسير الآية ٣٠ من سورة الروم، من أن الله فطر الناس كلهم على الإيمان، وخلافُ ماصح من أن ((كل مولود يولد على الفطرة». وللخروج من هذا
الخلاف يكون المعنى، وهو أحسن الأقوال وعليه الأئمة والجمهور من الأمة، أن الله خلق الناس على الفطرة، وكفرُ الإنسان فعلٌ له وكسب مع أن الله هو
خالق الكفر وميسره، وإيمانُ الإنسان فعلٌ له وكسب مع أن الله هو خالقُ الإيمان وميسره. تفسير القرطبي ١٣٣:١٨. وهذا طريق أهل السُّنَّة والجماعة، مَن
سلكه أصاب الحق وسلم من الجبرية والقدرية، وهو أظهر وأوفق لِما في الآية من التوبيخ على الكفر. ومن يظن الكفر والإيمان جبرًا، أو اختيارًا بدون إرادة
الله، فهو جاهل بمعنى الخلق والتقدير والإرادة. انظر تفاسير البغوي ٣٥٢:٤ والخازن ١٠٣:٧ والآلوسي ١٧٧:٢٨ والقاسمي ص ٥٨١٨. وتعملون:
تكتسبونه. والبصير: المدرك للأحداث. والسماء والأرض: انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والحق: الحكمة البالغة. وصوّركم: قدّر صوركم
وأنشأها. وأحسنها: جعلها متناسقة، تناسب ما خلقت له. والصور: جمع صورة. وإليه: إلى ميعاد حسابه وجزائه. والمصير: الانتقال بالبعث بعد الموت.
ويعلم: يحيط بالغ الإحاطة جملة وتفصيلاً. وتسرون: تخفونه. وتعلنون: تظهرونه للآخرين. والصدور: جمع صدر. ويراد به القلب. وذاتها أي: ما يصاحبها
يضمر فيها ولا يفارقها .
(٢) يأتيكم: يبلغكم فتعلمونه. وكفار مكة أي: وغيرها. وذاقوه: عانَوا أهواله. والوبال: الضرر الشديد. والأمر: الشأن الخطير. والرسل: جمع رسول.
والجنس: الكثرة من أفراد البشر. ويهدي: يدل على الحق. وتولى: أعرض بدون تدبر. واستغنى: ظهر غِناه فلم يأبه لهم. والغني: المكتفي بذاته.
(٣) زعم: ادّعى. ويُبعث: تخلق فيه الحياة بعد الموت. وتنبأ: تخبر. وعملتم: اكتسبتم. وذلك أي: ما ذكر من البعث والحساب. واليسير: الهين. وآمنوا به
أي: صدِّقوه يقينًا. والنور: ما يضيء فيميز الحق من الباطل. وأنزلنا: أوحيناه وكلفنا بالدعوة إليه. والخبير: العليم بالخفايا والبواطن. وانظر آخر الآية ٢.
(٤) لا حاجة إلى تقدير ((اذكر))، ويوم: معمول لـ ((تُنبأ)). ويجمع: يَحشر بالقهر. والتغابن: الغَبن. وهو فقد النصيب. ومنازلهم وأهليهم: القصور والحور التي
كانوا يستحقونها. والأهلون: جمع أهل. والصالح: ما أقرّه الشرع. ويكفّرها: يسترها ولا يؤاخذ بها. والسيئة: الفعلة القبيحة تقتضي العقاب. وبالنون يريد
(نُكَفِّرْ)) و«نُدْخِلْهُ)). وهذه القراءة تقتضي أن الجملة الشرطية وما بعدها إلى نهاية الآية ليسا من مقول القول. فليكن ذلك في القراءة الأولى أيضًا. والجنة:
البستان العظيم. وتحتها: تحت قصورها. والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم كثيرًا. وأبدًا: دائمًا مدة الزمان كله. والفوز: النجاح. والعظيم: الذي لا
مثيل له. وكذب بها: أنكرها. والأصحاب: جمع صاحب. وبئس: بلغ الغاية في البؤس والسوء. والمصير: مكان النهاية. وهي أي: النار. يعني أن الضمير
هو المخصوص بالذم، أي: ما أسوأ عاقبتَهم!

الجزء الثامن والعشرون
٥٥٧
٦٤ - سورة التَّغابُن
١- ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبٍ إلّا بِإِذنِ اللهِ﴾: بقضائه، ﴿ومَن يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ في قوله: ((إنّ
المُصيبة بقضائه)) ﴿يَهدِ قَلِبَهُ﴾ للصبر عليها، ﴿والهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ ١١. وأَطِيعُوا اللهَ
وأطِيعُوا الرَّسُولَ. فإن تَوَلَّيْتُم فإنَّمَا عَلَى رَسُولِنا البلاغُ المُبِينُ﴾ ١٢ : البَيِّنُ. ﴿اللهُ لا إلّهَ
إلّا هُوَ، وعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ ١٣ .
٢- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إنَّ مِن أزواجِكُم وأولادِكُم عَدُوًّا لَكُم. فاحذَرُوهُم﴾ أن
تُطيعوهم في التخلّف عن الخير، كالجِهاد والهِجرة - فإنّ سبب نزول الآية الإطاعةُ في
ذلك - ﴿وإن تَعقُوا﴾ عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير، مُعتّين بمشقّة فِراقكم
عليهم، ﴿وَتَصفَحُوا وَتَغْفِرُوا، فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٤. إنَّما أمْوالُكُم وأولادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
لكم، شاغلة عن أمور الآخرة، ﴿واللهُ عِندَهُ أجرٌ عَظِيمٌ﴾ ١٥. فلا تُفوّتوه باشتغالكم
بالأموال والأولاد.
٣- ﴿فَاتَّقُوا اللهَ ما استَطَعْتُمِ﴾ - ناسخةٌ لقوله ((اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)) - ﴿واسمَعُوا﴾ ما
أُمرتم به سماعَ قَبول ﴿وأطِيعُوا، وأنفِقُوا﴾ في الطاعة، ﴿خَيرًا لِأَنفُسِكُم﴾: خبر (يكن))
مُقدّرة جواب الأمر. ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ١٦ : الفائزون.
﴿إِن تُقرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُم﴾ - وفي قِراءة ((يُضَعِّفْهُ)) بالتشديد. بالواحدةِ
عشرًا إلى سبعِمِائَةٍ وأكثرَ. وهو التصدّق عن طِيب قلب - ﴿وَيَغْفِرْ لَكُم﴾ ما يشاء.
﴿واللهُ شَكُورٌ﴾: مُجازٍ على الطاعة، ﴿حَلِيمٌ﴾ ١٧ في العِقاب على المعصية، ﴿عالِمُ
الغَيبِ﴾: السرّ ﴿والشَّهادةِ﴾: العلانية، ﴿العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ١٨ في
صُنعه .
◌ْ شُورَة التَّغَابُ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْوَكَذَّبُواْبِثَايَتِنَآ أُوْلَتِكَ أَصْحَبُ
النَّارِ خَلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ جَ مَآ أَصَابَ مِن
مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنْ بِلَهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ (١) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ فَإِنْ
تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ اللَّهُلَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَّ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْإِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا
لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيةُ ﴿ إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ
فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ فَأَنَّقُواْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ
يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣) إِن تُفْرِضُواْ
اللَّهَ فَرْضَا حَسَنَّا يُضَعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَالَهُ شَكُرُ
حَلِيمٌ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في
شُورَةُ الصَّلَاق
آياتها
سورة الطلاق
٤- مدنية، ثلاثَ عشْرةَ آية .
(١) روي أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا. فنزلت الآية. تفسير القرطبي ١٣٩:١٨. وأصاب: نال أحدًا.
والمصيبة: الرزية وما يسوء في النفس أو المال أو الولد أو البلد. وبقضائه أي: بعلمه وإرادته في حكمة عالية تشمل الوجود كله. ويؤمن به: يصدّق باليقين
وجوده ويعلم أن كل حادثة بقضائه وقدره. ويهديه: يرشده ويوفقه. والقلب: موطن الاعتقاد والتدبر والانفعال. والصبرِ عليها أي: الثباتِ أمام نزولها وقولِ:
إنّا لله وإنّا إليه راجعون. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وأطيعوه: الزموا تنفيذ أمره ونهيه. والرسول: من بعث وكلف الدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل.
وتوليتم: أعرضتم عن الطاعة. والخطاب لكل سامع أو قارئ. والبلاغ: التبليغ والدعوة. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود
المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. ويتوكل: يعتمد في جميع أحواله. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٢) الذين آمنوا: المؤمنون والمؤمنات. والأزواج: جمع زوج، أي: امرأة الرجل وزوج المرأة. والأولاد: جمع ولد. والعدو: المعادي يشغل عن الطاعة،
ويخاصم أو يكيد في أمور الدين والدنيا. واحذر: احفظ نفسك ولا تأمن. وفي ذلك أي: أن بعض الصحابة أراد الغزو مع النبي ◌َّ، فتبطه أهله ومنعوه،
وأن بعض من أسلم في مكة أراد الهجرة، فمنعه أهله كذلك. الحديث ٣٣١٤ في الترمذي والمستدرك ٢: ٤٩٠. والإطاعة: الطاعة. وتعفو: تترك العقاب.
والتثبيط: الشغل والمنع. وتصفح: تُعرض عن اللوم والتعبير. وتغفر: تستر الذنب وتقبل المعذرة. والغفور: الكثير الستر للذنوب وعدم المؤاخذة عليها .
والرحيم: العظيم العطف بالعفو. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من المتاع والزينة. والفتنة: ما يكون للاختبار بتمييز الصالح من الفاسد. وعنده: في
المنزلة الرفيعة المقربة. والأجر: المكافأة. والعظيم: ما لا مثيل له ولا يوصف قدره.
(٣) اتقوه أي: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه بالطاعة. وما استطعتم: مدة استطاعتكم وتمكنكم، بأقصى القدرة. وناسخة لقوله يعني: أن الحكم هنا ينسخ
الحكم في الآية ١٠٢ من سورة آل عمران، لأن التقوى الكاملة لا يستطيعها إلّا القليل. وقد روي أنه لما نزلت الآية المذكورة اشتد الأمر على الصحابة،
وقالوا ((ومن يعرف قدر الله، فيتقيه حق تقواه))؟ وأخذوا أنفسهم بكثرة العبادة والتحرج، حتى ضاقت بهم الحياة، فنزلت الآيات ١٦-١٨ للتخفيف والتيسير.
أحكام القرآن ص ١٨٢١ ولباب النقول. وأطيعوا: نفّذوا أمر الشرع ونهيه. وأنفقوا: أبذلوا المال احتسابًا. والخير: ما فيه نفع الدنيا والآخرة. والأنفس:
جمع نفس. وخبر يكن: يعني أن ((خيرًا)) خبر منصوب للفعل المحذوف. والتقدير: إن تتقوا وتسمعوا وتطيعوا وتنفقوا يكن ذلك، أي: التقوى والسمع والطاعة
والإنفاق، خيرًا لكم. ويوق: يحفظه الله ويكفِه. والشح: البخل الشديد. والنفس: الضمير والوجدان. والفائزون أي: بخير الدنيا والآخرة. وتقرضوه: تبذلوا
ما تستطيعون لوجهه الكريم إيمانًا واحتسابًا، من المال والجهد والوقت والقول والعلم والعمل، ليعوضكم الثواب الكريم. والحسن: المقرون بالإخلاص
والرضا. وفيما عدا الأصل وخ وع وقرة العينين: ((حسنًا بأن تتصدقوا عن طيب قلب يضاعفه)). وسقط منها ما يقابله بعد. ويضاعفُه: يضيف إليه أمثاله كرمًا .
وهو أي: القرض. ويغفر: يستر الذنوب ولا يؤاخذ بها. والحليم: ذو العفو المطلق والصفح عن الذنب، لا يستخفه عصيان ولا يعجل بالانتقام. والعالم:
المحيط بالظواهر والخفايا جملة وتفصيلاً. والعزيز: الغلاب يذل لعزته ما عداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية مع العلم والإتقان.
(٤) العدد المذكور غير مشهور. انظر ((المفصل)). والراجح ما في المنحة وبعض المطبوعات: ثنتا عشرة آية.

٦٥ - سورة الطلاق
٥٥٨
الجزء الثامن والعشرون
الجزء الثَّامِوَالْرَّ
سُورَةِ الطَّلَاق
◌ِسْمِلَهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
وَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ
اَلْعِدَّةَ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبِنَةٍ وَتَلْكَ حُدُودُ
اَللَّهِ وَ مَن يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ
اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (٥) فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُ واْذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ
وَأَقِيمُواْالشَّهَدَةَلِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَ مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ
بَلِغُ أَمْرِفَ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا لِّ وَالَّتِى بَيِسْنَ
مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ
وَأَلَّعِى لَمْ يَحِضْنَّ وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْسِ يُسْرَاِ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ:
إِلَيْكُمْوَ مَن يَنَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا لَهَـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرّحمةِ
١ - ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ المُراد هو وأُمّته، بقرينة ما بعده، أو قل لهم: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ
نظيف
الحزب
٥٦
النِّساءَ﴾: أردتُمُ الطلاق ﴿فِطَلِّقُوهُنَّ لِعِدّتِهِنَّ﴾: لأوّلها، بأن يكون الطلاق في
طُهر لم تُمسَّ فيه - لتفسيره : ﴿ بذلك، رواه الشيخان - ﴿وأحصُوا العِدّةَ﴾:
احفظوها، لتُراجعوا قبل فراغها، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُم﴾: أطيعوه في أمره ونهيه، ﴿لا
تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخرُجْنَ﴾ منها حتّى تنقضي عِدّتهنّ، ﴿إِلَّا أن يأتِينَ
بِفاحِشةٍ﴾: زنى ﴿مُبَيَّنَةٍ﴾، بفتح الياء وكسرها، أي: بُّنتْ أو بَيِّةٍ، فيخرجن لإقامة
الحدّ عليهنّ. ﴿وَتِلكَ﴾ المذكورات ﴿حُدُودُ اللهِ، ومَن يَتَعَذَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفسَهُ.
لا تَدرِي: لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعدَ ذُلِكَ﴾ الطلاقِ ﴿أمرًا﴾ ١: مُراجعةً، فيما إذا كان واحدة
أو ثِنتین.
٢- ﴿فإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾: قارَبْنَ انقضاء عِدّتهنّ ﴿فأمسِكُوهُنَّ﴾، بأن تُراجعوهن
﴿بِمَعُرُوفٍ﴾ من غير ضِرار، ﴿أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: اتركوهنّ حتّى تنقضي عِدّتهنّ
ولا تُضارّوهنّ بالمُراجعة، ﴿وأشهِدُوا ذَوَي عَدلٍ مِنكُم﴾ على المُراجعة أو الفِراق،
﴿وأقِيمُوا الشَّهادةَ للهِ﴾ لا للمشهود عليه أو له.
٣- ﴿ذَلِكُم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ
مَخْرَجًا﴾ ٢ من كرب الدنيا والآخرة، ﴿ويَرْزُقْهُ مِنَ حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾: يخطر بباله،
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ في أُموره ﴿فَهْوَ حَسْبُهُ﴾: كافيه. ﴿إِنَّ اللهَ بالِغُّ أمرَهُ﴾: مُرادَه -
وفي قراءة بالإضافة - ﴿قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ﴾ كرَخاءٍ وشِدّة ﴿قَدْرًا﴾ ٣: مِيقاتًا .
٤ - ﴿واللّائِي﴾ - بهمزة وياء، وبلا ياء، في الموضعين - ﴿يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ بمعنى: الحيض ﴿مِنِ نِسائكُم، إنِ ارتَبتُم﴾: شككتم في
عِدّتهنّ، ﴿فِعِدّتُهُنَّ ثَلاثةُ أشهُرٍ، واللّئِ لمَ يَحِضْنَ﴾ لصِغرهنّ فعِدّتهنّ ثلاثة أشهر - والمسألتان في غير المُتوفَّى عنهنّ أزواجُهنّ. أمّا هنّ فعِدّتهنّ
ما في آيَةِ ((يَتَرَبَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ أَرَبَعةَ أشهُرٍ وعَشْرًا)) - ﴿وَأُولاتُ الأحمالِ أجَلُهُنَّ﴾: انقضاء عِدّتهنّ، مُطلّقاتٍ أو مُتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ، ﴿أن يَضَعْنَ
حَمِلَهُنَّ. ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مِن أمرِهِ يُسرًا﴾ ٤، في الدنيا والآخرة. ﴿ذلِكَ﴾ المذكور في العِدّة ﴿أمرُ اللهِ﴾: حُكمه، ﴿أَنزَلَهُ إلَيكُم، ومَن يَتَّقِ
اللهَ يُكَفِّرْ عَنهُ سَيِّئَاتِهِ، ويُعظِمْ لَهُ أجرًا﴾ ٥.
(١) النداء بوصف النبوة تشريف وتكريم. وبقرينة ما بعده: يعني أن الأمر للجماعة بعدُ يبين ذلك ويوضحه. و((قل لهم)) يعني تفسيرًا آخر، فيكون الخطاب للنبي
« وحده، مأمورًا بتبليغ الحكم لأمته. انظر المحرر ٣٢٢:٥ والمفصل. وطلقها: حلّلها من عقد الزواج. والنساء: جمع نسوة. والنسوة: واحدته امرأة. وهي
هنا المدخول بها من ذوات الحيض. وطلقوا: ابدؤوا بإيقاع حكم الطلاق. والعِدّة: المدة الشرعية المعيَّنة، تقضيها المرأة عند زوال النكاح، لتَظهر براءة رحمها
من الحمل. ولأولها: عند أول وقت العِدّة. والطهر: عدم الحيض. ولم تمس: لم تجامَع. و((الشيخان)) انظر الحديثين ٤٦٢٥ في البخاري و١٤٧١ في مسلم.
ولا تخرجوهن: لا تحملوهن على الخروج. والبيوت: جمع بيت، مسكن الزوجية. ولا يخرجن أي: لا تأذنوا لهن بالخروج من دون عذر شرعي. ويأتي:
يفعل ويرتكب. والفاحشة: الفعلة القبيحة الشنيعة. وبكسرها يريد القراءة ((مُبَيِّنَةٍ)). والحدود: جمع حد. وهو الحكم القاطع لا تجوز مخالفته. ويتعدّى: يتجاوز
ويخالف. وظلمها: أضرّ بها. ولا تدري: لا تعلم أيها القاصد للطلاق. ويحدث: يوجد ويجدد. والمراجعة: الرجوعُ عن الطلاق، والرغبةُ في العودة إلى
الحياة الزوجية. وقول المحلي ((فيما إذا)) انظر فيه تعليقنا على تفسير الآية ١٦ من سورة الأنفال. وواحدة أو ثنتين يعني: الطلاق مرة واحدة أو مرتين.
(٢) بلغن: أدركن. والأجل: آخر العِدّة. وأمسكوهن: احتفظوا بهن على عقد النكاح مراجعة. والمعروف: حسن المعاملة والنفقة. وفارقوهن: أديموا الفراق
حتى انقضاء العِدة. واتركوهن أي: على نية الطلاق. وأشهدوا: أحضِروا من يشهد. ومنكم: من المسلمين. وأقيموها: أدّوها صادقة. ولله أي: خالصة
لوجهه الكريم دون مراعاة أحد.
(٣) ذلكم أي: ما ورد من أول السورة إلى هنا. ويوعظ: يرقَّق قلبه فيُنصح وينتفع. ويؤمن: يعترف قلبه يقينًا. واليوم: الوقت. والآخر: الذي يكون بالبعث
بعد الموت. ويتق الله: يلزم طاعته. ويجعل: يوجد. والمخرج: الفرج والخلاص. ويرزقه: يهيئ له ما يحتاج إليه. انظر سبب النزول في المفصل. ويتوكل
عليه: يفوض أموره إليه، مع السعي بجد وإحسان. وبالغ أمره أي: منفّذه دون تبديل أو مانع. وبالإضافة يريد ((بالِغُ أمرِهِ». وميقاتًا أي: وقتًا معينًا لا بد منه،
في قدره وزمنه وأحواله.
(٤) انظر سبب النزول في المفصل. واللائي: اللواتي. وبلا ياء يريد القراءة ((واللّاء)). وفي الموضعين أي: هنا وفيما بعد. ويئسن: بلغن انقطاع الحيض.
والمحيض: سيلان الدم من الرحم كل شهر غالبًا. والأشهر: جمع شهر. وهو مقدار الدورة الكاملة للقمر حول الأرض. والمسألتان أي: حكم العجوز
وحكم الصغيرة. وهن أي: المتوفّ عنهن أزواجهن. والآية المذكورة هي ذات الرقم ٢٣٤ من سورة البقرة. وأولات: صاحبات، واحدته: ذات. والأحمال:
جمع حَمل. وهو الجنين. ويضعن: يلدن. والأمر: الشأن. واليسر: التيسير. وأنزله: أوحاه. ويكفّرها: يسترها برحمته. والسيئة: العمل القبيح. ويعظمه:
يضاعفه ويكثّره. والأجر: الثواب.

الجزء الثامن والعشرون
٥٥٩
٦٥ - سورة الطلاق
١- ﴿أسكِنُوهُنَّ﴾ أي: المُطلّقاتِ ﴿مِن حَيثُ سَكَنتُمْ﴾ أي: بعضَ مساكنكم، ﴿مِن
وُجدِكُم﴾ أي: سَعتكم، عطفُ بيان أو بدلٌ ممّا قبله بإعادة الجارّ وتقدير مضاف، أي:
أمكنةِ سَعتكم لا ما دُونها، ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾ المساكنَ، فيحتجْنَ إلى
الخُروج، أو النفقةَ فيفتدين منكم، ﴿وإن كُنَّ أَولاتِ حَملِ فأنفِقُوا عَلَيهِنَّ، حَتَّى يَضَعْنَ
حَمِلَهُنَّ، فإن أرضَعْنَ لَكُمْ﴾ أولادكم منهنّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع،
﴿وَالْتَمِرُوا بَينَكُمْ﴾ وبينهنّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بجميل، في حقّ الأولاد، بالتوافق على أجر
معلوم للإرضاع، ﴿وإن تَعاسَرتُم﴾: تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأبُ من الأُجرة
والأُمُّ من فعله، ﴿فِسَتُرضِعُ لَهُ﴾: للأب ﴿أُخرَى﴾ ٦، ولا تُكرَهُ الأُمُّ على إرضاعه.
﴿لِيُنفِقْ﴾ على المُطلّقات والمُرضِعات ﴿ذُو سَعةٍ مِن سَعتِهِ، ومَن قُدِرَ﴾: ضُيّقَ ﴿عَلَيهِ
رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمّا آتَاهُ﴾: أعطاه ﴿اللّهُ﴾ على قدره. ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها .
سَيَجْعَلُ اللهُ بَعدَ عُسرٍ يُسرًا﴾ ٧. وقد جعله بالفتوح.
٢- ﴿وَكَأيِّنْ﴾ - هي كاف الجرّ دخلت على ((أيّ)) بمعنى: كم - ﴿مِن قَرْيةٍ﴾ أي:
وكثيرٌ من القُرى ﴿عَتَتْ﴾: عصَت، يعني أهلَها، ﴿عَن أمرِ رَبِّها ورُسُلِهِ، فحاسَبْناها﴾
في الآخرة، وإن لم تجئ لتحقق وقوعها، ﴿حِسابًا شَدِيدًا، وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ٨،
بسكون الكاف وضمّها: فظيعًا وهو عذاب النار، ﴿فذاقَت وَبالَ أمرِها﴾: عُقوبتَه،
﴿وكانَ عاقِبةُ أمرِها خُسرًا﴾ ٩: خسارًا وهلاكًا!
سُورَةِ الطَّلاق
الجزء الثَّامِ وَالْعَتِرُبَّ
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُ وهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ
عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَ هُنَّ وَأَتَمِرُ واْبَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن
تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىَ الِيُنفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنْ سَعَنِةٍ،
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلَيُنِفِقِ مِمَّآءَائَنَهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُنَفْسًا
إِلَّا مَآءَاتَّنَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِسْرًا ﴿ وَكَيْنِ مِن قَرْيَةٍ
عَنَتْ عَنْ أَمْسِرَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا
عَذَابَاتُكْرًا ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِ هَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِ هَا خُسْرًا فَـ
أَعَدَّالَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَتَّقُواْاللَّهَ يَّأُوْلِ آلْأَلْبِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قَدْ أَنزَلَ الهِلَّكُمْ ذِكْرًا(٥َرَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْكُمْءَتِ الَّهِ مُبِِّنَتٍ
لِيُخْرِجَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ مِنَ الْقُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِ حًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
آلْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا أَبَدَّا قَدْ أَ حْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا(١)اللَّهُ الَّذِى خَقَ
سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْأَنَّ
اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّاللَّهَ قَدْ أَ حَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمًا !
٣- ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُم عَذابًا شَدِيدًا﴾، تكرير للوعيد توكيدًا. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ، يا أُولِي
الألبابِ﴾: أصحابَ العقول ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نعتٌ للمنادى أو بيان له. ﴿قَد أَنزَلَ اللهُ
إِلَيْكُم ذِكرًا﴾ ١٠ هو القُرآن، ﴿رَسُولًا﴾ أي: محمدًا، منصوبٌ بفعل مقدّر، أي: وأرسلَ رسولًا، ﴿يَتْلُو عَلَيكُم آياتِ اللهِ مُبَيَّناتٍ﴾ - بفتح الياء
وكسرها كما تقدّم - ﴿لِيُخرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾، بعد مجيء الذكر والرسول، ﴿مِنَ الظَّلُماتِ﴾: الكُفر الذي كانوا عليه ﴿إِلَى
النُّورِ﴾: الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر. ﴿ومَن يُؤْمِنْ بِاللهِ ويَعمَلْ صالِحًا يُدخِلْهُ﴾ - وفي قراءة بالنون - ﴿جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ،
خالِدِينَ فِيها أبَدًا، قَد أحسَنَ اللهُ لَهُ رِزقًا﴾ ١١، هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها.
٤- ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ، ومِنَ الأرضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يعني سبع أَرَضِينَ، ﴿يَتَنَزَّلُ الأمرُ﴾: الوحيُ ﴿بَينَهُنَّ﴾ بين السماوات والأرض، ينزل به
جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة، ﴿لِتَعَلَّمُوا﴾: مُتعلّق بمحذوف، أي: أعلمَكم بذلك الخلق والتنزيل، ﴿أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ، وأنَّ اللهَ قَد أحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا﴾ ١٢ .
(١) أسكنوهن أي: أقرّوهن للإقامة الزوجية. وحيث سكنتم: منزلة سكناكم. والوجد: ما يُقدر عليه ويستطاع. وعطف بيان أي: لزيادة التوضيح مع التوكيد.
وما دونها: ما هو أرفع منها أو أدنى. وتضارها: تستعمل معها الإيذاء. وتضيق: تشدد وتقهر. والمساكن أي: والنفقة والمعاملة. ويفتدين أي: بتنازل عن
الحق. وأولات حمل: حاملات أجنة. وأنفقوا: ابذلوا واصرفوا لحاجاتهن. ويضعنه: يلدنه. وآتوا: أدّوا. والأجور: جمع أجر. وائتمروا: تناصحوا.
وأُخرى: امرأة مغايرة للأم. وذو سعة: صاحب غنى. والرزق: ما ييسر من المتاع والزينة. ويكلفها: يوجب عليها. ويجعل: يخلق. والعسر: الفقر. واليسر:
الغنى. والفتوح أي: فتوح بلاد الجزيرة وفارس والروم.
(٢) كم أي: كثير جدًا. والقرية: البلدة. وعصت: أعرضت. والأمر: ما أمر به. والرسل: جمع رسول. ولتحقق وقوعها: يعني أن الأفعال عُبِّرَ فيها
بالماضي عن المستقبل، لأن مضمونها واقع لامحالة. والظاهر أن الحساب مقصود به ما في الدنيا، وختام الآية هو عذاب الآخرة. البحر ٢٨٦:٨. والشديد:
القاسي لا عفو فيه. وبضمها يريد القراءة ((نُكُرًا)). وذاقته: قاسته بأهواله وفظاعته. والوبال: الضرر الثقيل. وأمرها: شأنها من الكفر. والعاقبة: النهاية.
وهلاكًا أي: في نار جهنم.
(٣) أعد: هيأ. واتقوه: تجنبوا غضبه والزموا رضاه. واللب: العقل السليم. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. ونعت أي: أن ((الذين)): صفة لـ («أولي)).
وبيان له أي: عطف بيان لـ ((أولي)). انظر تفسير الآية ٦. وأنزل: أوحى. والذكر: ما يذكّر بالخير. وقوله ((وأرسل)) فيه إقحام الواو زيادة تخل بالتفسير. انظر
((المفصل)). ويتلو: يقرأ ويوضح. وكما تقدم: يعني ما في الآية ١. ويخرجهم: ينقذهم. وعمل: اكتسب. والصالح: ما أقره الشرع. والظلمة: شدة السواد
تمنع من الرؤية والاهتداء. والنور: الضياء يهدي إلى الصواب. ويدخله: ييسر له الدخول. والجنة: البستان العظيم. وتحتها: تحت قصورها. والأنهار: جمع
نهر. والخالد: المقيم أمدًا طويلًا. وأبدًا: مدة الزمن كله. وأحسنَه: جعله عظيمًا. والرزق: ما يهيأ للمخلوق وييسر.
(٤) خلق: أوجد من العدم. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. وسبع أرضين: القارّات تعدّ سبعًا لا خمسًا، تفصل بينها البحار. وقيل: هي
الطبقات المكونة للأرض، كما تفيد عبارة المحلي. انظر ((المفصل)) وتفسير القرطبي ١٧٥:١٨-١٧٦. ويتنزل: يتنقل. والوحي: ما يُقضى من التصرف في
الكائنات. وإلى الأرض السابعة: يعني شمول القضاء لكل جزء من الكون. وتعلم: تدرك فتتعظ. والقدير: البالغ القدرة والتمكن بذاته دون معين أو منازع.
وأحاط: علم كامل العلم.

٦٦ - سورة التحريم
٥٦٠
الجزء الثامن والعشرون
الحرة القَّامِ وَالْخَشِرُبَّ
سُوَة الآخرين
آيات
شُورَةُ التَّجْرِبُ
◌ِسْبِلّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
وَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُلَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَّ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥َقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُمَوْلَنْكُمْ
وَهُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿وَ إِذْأَسَرَّالنَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِينًا
فَلَمَّا نَبَّأَتِْهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِّ
فَلَمَّا نَّأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَّا قَالَ نَّأَنِى الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
(٢) إِن نُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ
فَإِنَّاللَّ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِيِنِّ وَالْمَلَتِكَةُ
بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ جَ عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّأَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجًا
خَيْرً مِّنكُنَّ مُسْلِمَتِ مُؤْمِنَاتٍ قَئِكَتٍ تَبِّبَكْتٍ عَنِدَاتٍ سَِّحَتٍ
ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا[ْ يََّتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْوَأَهْلِيكُمْ
نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلَاظُ شِدَادٌ
لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( يََأَيُّهَا
اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُ وْاُلْيَوْمِ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ◌َ
سورة التحريم
مدنية، اثنتا عشْرةَ آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
ثلاثة ارباع
الخِزب
١- ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ، لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ من أمَتِكَ مارِيَةَ القِبطيّة، لمّا
واقَعَها في بيت حفصةَ وكانت غائبة، فجاءت وشقّ عليها كون ذلك في بيتها وعلى
فراشها، حيثُ قلتَ: هي حرام عليَّ، ﴿تَبْتَغِي﴾ بتحريمها ﴿مَرضاةَ أزواجِكَ﴾ أي:
رِضاهنّ؟ ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ غفرَ لك هذا التحريم، ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ﴾: شَرَعَ ﴿لَكُم
تَحِلّةَ أَيمانِكُم﴾: تحليلَها بالكفّارة المذكورة في سورة ((المائدة)) - ومن الأيمان تحريم
الأمَة. وهل كفَّرَ بََّ؟ قال مُقاتل: أعتقَ رقبة في تحريم ماريَةَ، وقال الحسن: لم يكفِّر
لأنه مغفور له - ﴿واللهُ مَولاكُم﴾: ناصركم، ﴿وَهْوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ٢. و﴾ اذكرْ ﴿إِذ
أسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعضٍ أزواجِهِ﴾ - هي حفصةُ - ﴿حَدِيثًا﴾ هو تحريم ماريَةَ، وقال لها :
لا تُفشِيه. ﴿فَلَمّا نَبّأتْ بِهِ﴾ عائشةَ، ظنًّا منها أن لا حرج في ذلك، ﴿وأظهَرَهُ اللهُ﴾:
أطلعه ﴿عَلَيهِ﴾: على المُنبّأ به، ﴿عَرَّفَ بَعضَهُ﴾ لحفصةَ، ﴿وأعرَضَ عَن بَعضٍ﴾ تكرّمًا
منه، ﴿فَلَمّا نَبَأها بِهِ قالَتْ: مَن أَنْبَأْكَ هذا؟ قالَ: نَبَأْنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ٣ أي: اللهُ.
٢- ﴿إِن تَتُوبا﴾، أي حفصةُ وعائشةُ، ﴿إِلَى اللهِ فقَد صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾: مالت إلى
تحريم ماريةً، أي سرَّكما ذلك مع كراهة النبيّ له، وذلك ذنب - وجواب الشرط
محذوف أي: تُقْبَلا. وأُطلِقَ ((قلوب)) على قلبين ولم يُعبَّر به، لاستثقال الجمع بين
تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة - ﴿وإن تَظّاهَرا﴾، بإدغام التاء الثانية في الأصل في
الظاء، وفي قراءة بدونها: تَتعاونا ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: النبيِّ فيما يكرهه ﴿فإنَّ اللهَ هُوَ﴾ - فصلٌ - ﴿مَولاءٌ﴾: ناصرُهُ ﴿وجِبرِيلُ، وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبو
بكرٍ وعُمرُ: معطوف على محلّ اسم ((إنّ)) فيكونون ناصريه، ﴿والملائكةُ بَعدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد نصر الله والمذكورين ﴿ظَهِيرٌ﴾ ٤: ظُهراء، أعوان له
في نصره عليكما .
٣- ﴿عَسَى رَبُّهُ، إن طَلَّقَكُنَّ﴾ أي: طلّق النبيُّ أزواجَه، ﴿أن يُبَدِّلَهُ﴾، بالتشديد والتخفيف، ﴿أزواجًا خَيرًا مِنكُنَّ﴾: خبرُ ((عسى)) - والجملة:
جواب الشرط. ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط - ﴿مُسلِماتٍ﴾: مُقرّاتٍ بالإِسلام، ﴿مُؤمِناتٍ﴾: مُخلصاتٍ ﴿قانتاتٍ﴾: مُطيعات، ﴿تائباتٍ
عابِداتٍ سائحاتٍ﴾: صائماتٍ أو مُهاجرات، ﴿فَيِّياتٍ وأبكارًا﴾ ٥.
٤- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، قُوا أَنفُسَكُم وأهلِيكُم﴾ بالحمل على طاعة الله ﴿نارًا، وَقُودُها النّاسُ﴾ الكفّار ﴿والحِجارةُ﴾ كأصنامهم منها - يعني أنها
(١) انظر الآية ١ من سورة الطلاق. وتحرّمه: تمنع نفسك منه. وأحلّ: جعله حلالًا. ومارية: بنت شمعون، وهبها المقوقِس للنبي صل9، فكانت أم ولده
إبراهيم. وواقع: ضاجعَ. وهذه القصة لم ترد في الصحيحين. والصواب أن النبي ◌ّر كان يحب العسل، ويشربه عند زوجته زينب، فادعت عائشة وحفصة أن
في فمه من ذلك رائحة غير طيبة، حتى أقسم ألا يذوق العسل. الأحاديث ٤٦٢٨ و٤٩٦٦ و٦٣١٣ في البخاري و١٤٧٤ في مسلم. فليصحح كل ما سيرد بعد
من قصة مارية. والغفور: الكثير الستر والتجاوز. والرحيم: العظيم العطف بالعفو. والأيمان: جمع يمين. وهو القسم. والكفارة هي في الآية ٨٩ من تلك
السورة. ومقاتل هذا: ابن حيان البلخي مفسر ومحدث. والحسن: ابن يسار البصري. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. والحكيم: ذو الحكمة البالغة.
وأسر إليها: أعلمها ما يجب كتمانه. والحديث هنا: الخبر. ونبأت: أخبرت. وأطلعه أي: على لسان جبريل. وأعرض عنه: أغفله. والخبير: العليم بما هو
خفي. (٢) القلوب: جمع قلب. وتُقَبَلا: تُقْبَلْ توبتُكما. وانظر ((المفصل)). وفي الأصل وع: ((وأَطلَقَ)). وبدونها يريد القراءة ((تَظاهرا)). وفصل: يعني أن
((هو)): ضمير فصل وتوكيد. والصالح: من أخلص إيمانه وعمله. وعلى محل اسم إنّ أي: قبل دخول ((إنّ)) على الاسم. فجبريل وصالح: مرفوعان بالعطف.
والملائكة: جمع ملَك، مخلوقات نورانية مطهرة. (٣) انظر سبب النزول في المفصل. وعسى ربه أي: واجب من الله وحق. وطلق المرأة: فسخ عقد
نكاحها. ويبدله: يعوضه. وبالتخفيف يريد القراءة (يُبْدِلَهُ)). وخيرًا: أكثر نفعًا وفضلًا. وخبر عسى أي: المصدر المؤول من ((أن)) في محل نصب خبر.
والجملة: جملة ((عسى)). والجواب المحذوف. انظر (المفصل)). ولعدم وقوع الشرط أي: لعدم وقوع الطلاق، وهو فعل الشرط هنا. والتائبة: الراجعة عن
الهفوة. والعابدة: المتذللة لطاعة الله ورسوله. والثيب: غير العذراء لزواج سابق. والأبكار: جمع بكر. وهي العذراء. وثيبات وأبكارًا أي: بعضهن ثيبات
وأُخر أبكار. (٤) قُوها: احفظوها واحموها. والأنفس: جمع نفس. وهي ذات الإنسان بروحه وجسده. والأهل: من يتولى الإنسان أمره. والوقود: ما توقد
به. والحجارة: جمع حجر. وعليها أي: يتولى تعذيب من يدخلها. والملائكة: ملائكة العذاب. وفي المدثر: يعني الآية ٣٠ من تلك السورة. والغلاظ:
جمع غليظ. وهو القاسي لا يرحم. والشداد: جمع شديد. وهو القوي العنيف. ويعصون: يخالفون أو يقصرون. وأمرهم: أوجب عليهم. وبدل أي: المصدر
المؤول من ((ما)) بدل. وتأكيد أي: الجملة المعطوفة تفيد توكيد التي عطفت عليها. والتخويف: الردع. وتعتذر: تحتج طالبًا العفو. واليوم: وقت القيامة.
وتجزى: تكافأ. وتعملون: تكتسبونه باختيار وقصد بنية أو قول أو فعل. وجزاءه أي: جزاء ما كنتم تعملون.