النص المفهرس
صفحات 501-520
الجزء الخامس والعشرون
٥٠١
٤٥ - سورة الجاثية
١- ﴿أفرَأَيتَ﴾: أخبِرْني ﴿مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾: ما يهواه من حجر بعد حجر يراه
أحسنَ، ﴿وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلم﴾ منه - تعالى - أي: عالمًا بأنه من أهل الضلالة قبل
خلقه، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وقَلِهِ﴾، فلم يسمع الهدى ولم يعقله فلا يتفكر في الآيات،
﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشاوةَ﴾: ظُلمة فلم يُبصر الهُدى؟ ويُقدَّر هنا المفعول الثاني لـ
((رأيت)) أي: أيهتدي؟ ﴿فَمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ اللهِ﴾ أي: بعدِ إضلاله إياه؟ أي: لا
يهتدي. ﴿أفلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ٢٣ : تتّعظون؟ فيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
٢- ﴿وقالُوا﴾ أي: منكرو البعث: ﴿ما هِيَ﴾ أي: الحياةُ ﴿إِلّا حَياتُنَا﴾ التي في
﴿الدُّنيا، نَمُوتُ ونَحيا﴾ أي: يموت بعض ويحيا بعض بأن يُولدوا، ﴿وما يُهلِكُنا إلّا
الدَّهرُ﴾ أي: مرور الزمان. قال تعالى: ﴿وما لَهُم بِذْلِكَ﴾ المقولِ ﴿مِن عِلمِ. إِنْ﴾: ما
﴿هُم إلّا يَظُنُّونَ ٢٤. وإذا تُتْلَى عَلَيهِم آياتُنا﴾ من القُرآنِ، الدالّةُ على قُدرتنا على
البعث، ﴿بَيِّناتٍ﴾: واضحاتٍ حالٌ، ﴿ما كانَ حُجّتَهُم إلّا أن قالُوا: اثْتُوا بِآبائنا﴾
أحياءً، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٢٥ أنا نُبعث. ﴿قُلِ: اللهُ يُحْيِيكُم﴾ حين كنتم نُطفًا، (ثُمَّ
يُمِيتُكُم، ثُمَّ يَجمَعُكُم﴾ أحياء ﴿إِلَى يَومِ القِيامةِ، لا رَيبَ﴾: شكَّ ﴿فِيهِ، ولَكِنَّ أكثَرَ
النّاسِ﴾ وهم القائلون ما ذُكر ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٢٦.
سُورَة الخَانِيَة
أَفَرَءَ يْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ الَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ،
وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ (٣) وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلََّ حَيَانُنَالدُّنْيَانَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ
إِلَّا الدَّهْرُ وَّمَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلََّ يَظُنُونَ (٢٦) وَإِذَا تُتْلَى
عَلَيْهِمْ ءَهُنَا بِنَاتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْبِتَابَآيِنَآ إِن
كُمْ صَدِقِينَ جَ قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ ◌ُمِتُّكُمْتُمْ بَحْمَعُكُمْإِلَى يَوْم
اُلْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَرَّمَ
ضٍِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
وَتَرَى كُلّ أُمَّةٍ جَائِيَّةً كُلُّأُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُحْزَوَنَ مَاكُمُ
تَعْمَلُونَ ﴿٦َهَذَا كِتَبُنَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ إِنَّاكُنَّا نَسْتَنْسِخُ
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَالْفَوْزُ اَلْمُبِينُ (٢) وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْ تُمْ وَكُمْ قَوْمًا
تُجْرِمِينَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَاَرَيْبَ فِيَهَا قُلْتُ
مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلََّ ظَنّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْهِنِينَ
٣- ﴿ولِلّهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، ويَومَ تَقُومُ السّاعةُ﴾، يُبدل منه ﴿يَومَئِذٍ يَخْسَرُ
المُبطِلُونَ﴾ ٢٧: الكافرون، أي: يظهر خُسرانهم بأن يصيروا إلى النار، ﴿وَتَرَى كُلَّ
أُمّةٍ﴾ أي: أهلِ دِين ﴿جائِيةً﴾ على الرُّكَب أو مُجتمعةً، ﴿كُلُّ أُمّةٍ تُدعَى إِلَى كِتابِها﴾:
كِتاب أعمالها، ويقال لهم: ﴿اليَومَ تُجَزَونَ ما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٢٨ أي: جزاءه. ﴿لهذا كِتابُنا﴾: دِيوان الحَفَظة، ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالحَقِّ. إنّا كُنّا
نَستَنِخُ﴾: نُثبت ونحفظ ﴿ما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٢٩.
٤- ﴿فأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فِيُدخِلُهُم رَبُّهُم فِي رَحْمِهِ﴾: جنّته - ﴿ذُلِكَ هُوَ الفَوزُ المُبِينُ﴾ ٣٠: البيّن الظاهر - ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
فيقال لهم: ﴿أَفَلَم تَكُنْ آيَاتِيٍ﴾: القُرآنُ ﴿تُتْلَى عَلَيكُم، فاستكبَرتُم﴾: تكبّرتم، ﴿وكُنتُمْ قَومًا مُجرِمِينَ﴾ ٣١ كافرين؟ ﴿وإذا قِيلَ﴾ لكم أيّها الكُفّار:
﴿إِنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ، والسّاعةُ﴾ - بالرفع والنصب - ﴿لا رَيبَ﴾: شكَّ ﴿فِيها. قُلْتُم: ما نَدرِي: ما السّاعةُ؟ إنْ﴾: ما ﴿نَظُنُّ إلّا ظَنَّا﴾ -
قال المُبرّد: أصله: إن نحن إلّا نظنّ ظنًّا - ﴿وما نَحنُ بِمُستَيقِنِينَ﴾ ٣٢ أنها آتية .
(١) اتخذ: جعل. والإله: ما يعبد ويقدس ويطاع. والهوى: ميل النفس إلى ما تشتهيه. يعني أنه يأتمر بشهواته، فكأنه يعبد هواه. انظر ((المفصل)). وأضله:
صرف قدراته إلى مايناسب اختياره السيئ واستعداده الخبيث. والعلم: الإحاطة الكاملة. وختم عليه: حجبه عن التدبر وسد منافذه. والسمع: الأذن. والقلب:
موطن الإدراك والاعتقاد والعواطف. وجعل: خلق. والبصر: العين الباصرة. وفي الختم والغشاوة تمثيل للعناد والتعنت، والإصرار على الباطل. ويهديه:
يخلق فيه الرشاد والاستبصار. ومن بعد أي: غير. وتذكرون: تستحضرون الأدلة الكونية والقرآنية، لتتعظوا وتعتبروا بوجوب الإيمان.
(٢) الحياة: العيش بالروح والجسد. والدنيا هي التي يعيش فيها. ويُهلك: يُفني. والمقول أي: ما قالوه عن الحياة والموت. والعلم: المعرفة اليقينية.
ونموت: تفارق أرواحنا الأجساد. ويظن: يتوهم. وتتلى: تقرأ وتفسر. وحجتهم أي: الادعاء للاحتجاج. وائتوا بهم أي: ادعوا ربكم يعيدهم إلى الحياة،
لتثبتوا لنا صحة البعث. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والصادق: من يقول الحق. ويحييكم: يخلق فيكم الحياة. ويميتكم: يخلق فيكم
الموت. ويجمع: يحشر بعد الموت للحساب والجزاء. ويوم القيامة: زمن القيام بالبعث. فالعودة إلى الحياة بعد البعثة المحمدية لاتكون إلا يوم القيامة،
ولا يجوز أن يستجاب لطلبهم بإحياء آبائهم قبله. ولا يعلم: ليس عنده معرفة بعقل أو بنقل، فينكر المعاد وبعث الأموات.
(٣) الملك: الحيازة المطلقة والتصرف الكامل. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. واليوم: الوقت. وتقوم: تتحقق. والساعة: زمن الحشر
والحساب. ويبدل منه: يعني أن (يوم)): بدل من ((يوم)) قبله. ويخسر: يفقد ما له وما يتوقعه. والمبطل: المغرق في الباطل والضلال باختيار وقصد. وترى:
تبصر عيانًا. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والأمة: الجماعة من الناس على دين أو مذهب. وتدعى إليه: يطلب منها قراءته. واليوم: هذا الوقت. وتجزون:
تكافؤون. وتعملون: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والحفظة: الملائكة يسجلون ما لكل إنسان من خير أو شر. وينطق: يشهد بما عملتم. والحق: الصدق
والعدل بلا زيادة أو نقصان. ونستنسخ: نأمر الملائكة بالنسخ والحفظ.
(٤) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وعمل: اكتسب وتحمل. والصالح: مايرضاه الله. ويدخل: يجعل. والرحمة: العطف بالثواب. والفوز: الظفر.
وكفر: أنكر التوحيد والبعث. وتتلى: تقرأ. والمجرم: المغرق في الفساد باختيار وعزم. وقيل لكم أي: قال لكم المؤمنون. والوعد: التوعد بالشيء الجازم.
وحق: واجب وقوعه. والساعة: يوم القيامة. وبالنصب يريد القراءة ((والسّاعةَ)). وفيها: في مجيئها وحصولها. وما ندري: ما نعلم. ونظن: نتوهم مترددين غير
جازمين. والمستيقن: الثابت الاعتقاد.
٤٦ - سورة الأحقاف
٥٠٢
الجزء السادس والعشرون
سُورَةِ الأَحَافِ
وَبَالَمْ سَبِئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَسَنَكُمْ كَانَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُوَمَا
لَكُ مِن تَصِرِنَ ﴿٣) ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ تَّخَذْتُمْ،َيَتِ اَلَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ
اْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ
فَلَّهِ الْحَمْدُ رَبِ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ لْجَوَلَهُ
الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ
شُورَةُ الأَحْقَفِ
حَمَّ اتَنْزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ الَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ جَ مَاخَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَآ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ
كَفَرُ واْعَمَّا أَنذِرُ واْ مُعْرِضُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّاتَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْلَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِّ
أَثْتُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْأَثَرَقِ مِّنْ عِلْمِإِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن
لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ ﴾
١ - ﴿وَبَدا﴾: ظهر ﴿لَهُمِ﴾ في الآخرة (سَيِّئَاتُ ما عَمِلُوا﴾ في الدنيا أي: جزاؤها،
﴿وحاقَ﴾: نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ يَستَهْزِئُونَ﴾ ٣٣ أي: العذابُ، ﴿وقِيلَ: اليَومَ
نَنساكُم﴾: نترككم في النار، ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَومِكُم لهذا﴾ أي: كما تركتم العمل
للقائه، ﴿ومأواكُمُ النّارُ، ومالَكُم مِن ناصِرِينَ﴾ ٣٤ منها. ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ
اللهِ﴾: القُرآنَ ﴿هُزُؤَا، وغَرَّتَكُمُ الحَياةُ الدُّنيا﴾ حتّى قلتم: لا بعثَ ولا حساب.
﴿فاليَوَ لا يَخْرُجُونَ﴾ - بالبناء للفاعل والمفعول - ﴿مِنها﴾: من النار، ﴿ولا هُم
يُستَعتَبُونَ﴾ ٣٥ أي: لا يُطلب منهم أن يُرضُوا ربَّهم بالتوبة والطاعة، لأنها لا تنفع
يومئذ .
٢- ﴿فِلِلْهِ الحَمدُ﴾: الوصفُ بالجميل على وفاء وعده في المُكذّبين، ﴿رَبِّ
الجزء ٢٦
السَّماواتِ وَرَبِّ الأرضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٣٦: خالقِ ما ذُكر - والعالَمُ: ما
الحزب أو
سِوى الله. وجُمع لاختلاف أنواعه. ورَبِّ: بدل - ﴿وَلَهُ الكِبرِياءُ﴾: العظمة
﴿فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾: حالٌ، أي كائنةً فيهما، ﴿وَهْوَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ﴾ ٣٧. تقدّمَ.
سورة الأحقاف
٣- مكية إلّا ((قل أرأيتم إن كان من عند الله)) الآية، وإلّا ((فاصبر كما صبر أولو العزم))
الآية، وإلّا ((ووصينا الإنسان بوالديه)) الثلاثَ آيات، وهي أربع أو خمس وثلاثون
آیة .
بِسْمِ الَهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
٤ - (حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿تَنزِيلُ الكِتابِ﴾: القُرآنِ مُبتدأٌ ﴿مِنَ اللهِ﴾: خبرُه، ﴿العَزِيزِ﴾ في مُلکه ﴿الحَكِيم﴾ ٢ في صُنعه. ﴿مَا خَلَقْنا
السّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما إلّا﴾ خلقًا ﴿بِالحَقِّ﴾، ليدلّ على قُدرتنا ووحدانيّتنا، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمَّى﴾ إلى فنائهما يوم القيامة، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا
أُنذِرُوا﴾: خُوّفوا به من القرآن ﴿مُعرِضُونَ ٣. قُلْ: أَرَأَيْتُم﴾: أخبروني ﴿ما تَدْعُونَ﴾: تعبدون ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: الأصنامَ، مفعولٌ أول
﴿أَرُونِي﴾: أخبروني - تأكيدٌ - ﴿ماذا خَلَقُوا﴾: مفعولٌ ثانٍ ﴿مِنَ الأرضِ﴾؟ بيانُ ((ما)). (أم لَهُم شِركٌ﴾: مُشاركة ﴿في﴾ خلق ﴿السَّماواتِ﴾ مع
الله؟ وأم: بمعنى همزة الإنكار. ﴿الثُتُونِي بِكِتابٍ﴾ مُنزل ﴿مِن قَبلِ هذا﴾ القُرآن، ﴿أو أثارةٍ﴾: بقيّة ﴿مِن عِلمِ﴾ يُؤثر عن الأوّلين، بصِحّة دعواكم
في عبادة الأصنام أنها تُقرّبكم إلى الله، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٤ في دعواكم.
٥- ﴿ومَنْ﴾: استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد ﴿أَضَلَّ مِمَّن يَدعُو﴾: يعبد ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مَن لا يَستَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ القِيامَةِ﴾،
(١) السيئة: القبيحة. وعمل: اكتسب من نية أو قول أو فعل. ونزل أي: وأحاط من كل جانب. ويستهزئ: يسخر. وقيل أي: قالت لهم ملائكة العذاب.
واليوم: هذا الوقت. ونسيتم: تجاهلتم وأهملتم ما يوجبه. واللقاء: المقابلة. والمأوى: مكان اللجوء. والناصر: المعين المنقذ. وذلكم أي: ما ذكر من
العذاب والإهمال. وبأنكم: بسبب أنكم. واتخذ: جعل. وهزؤًا، أي: مهزوءًا بها. وفي المنحة: ((هزوّا)). وغرتكم: خدعتكم بمتاعها. والدنيا: التي كنتم
فيها. وللمفعول يريد القراءة ((لا يُخرَجُونَ)).
(٢) السماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والعالَم: مجموع الجنس من
الخلق. و((رب)) يعني الأول والثالث، لأن الثاني معطوف. وبدل أي: من لفظ الجلالة. وفي الثالث تعميم بعد تخصيص، لأن السماوات والأرض بعض
العالمين. وحال: يعني أن ((في)): تتعلق بحال محذوفة عن الكبرياء. وتقدم أي: التفسير للعزيز الحكيم في الآية ٢.
(٣) ذكر خمس آيات مدنية، هي ذوات الأرقام ١٠ و٣٥ و١٥- ١٧. و((الثلاث)) في الإتقان ٣٢:١: ((الأربع)). والظاهر أن الآيات ثلاث في الكوفي وهي أربع
في غيره. والخلاف في العدد مصدره اختلاف الروايات في تعيين أواخر بعض الآيات.
(٤) انظر الآية ٢ من سورة الجاثية. وخلقنا: أوجدنا من العدم. وانظر الآية ٣٦ من سورة الجاثية. والحق: ما تقتضيه الحكمة والعدل بالحساب. وأجل أي:
موعد ينتهي به عمر المخلوقات. والمسمى: المعين لا يتقدم ولا يتأخر. وكفر: أنكر التوحيد والبعث. ومعرضون: منصرفون. ومن دونه: غيره. والأصنام أي:
وغيرها من المخلوقات. ومفعول أول: يعني ((ما)). وتأكيد يعني أن ((أروني)): توكيد لـ ((أرأيتم)). ومفعول ثان أي: جملة ((ماذا)). وبيان ما أي: ((مِن)): للتبيين.
وائتوني به: أحضروه. والعلم: المعرفة اليقينية. والصادق: من يقول الحق.
(٥) الأضل: الأكثر ضلالًا. ويستجيب له: يجيب طلبه. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس للحساب. والأصنام أي: ومن عُبد من البشر والملائكة.
فإنهم لا يجيبون إلى شيء بدون إرادة الله، لأنهم خاضعون لها فيما يعملون. والغافل: الساهي. وحشر: جمع بالقهر للحساب. والأصنام أي: وغيرها من
المعبودات. والأعداء: جمع عدو. وهو المعادي يكون سببًا لعذابِ من ألّهه. والعبادة: التقديس والطاعة. والمشركون يعبدون في الحقيقة أهواءهم وما
توارثوه من المزاعم. ولذلك ينكر المعبودون ما يدعيه المشركون.
الجزء السادس والعشرون
٥٠٣
٤٦ - سورة الأحقاف
وهم أي: الأصنام لا يُجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبدًا، ﴿وهُم عَن دُعائِهِم﴾:
عِبادتهم ﴿غافِلُونَ﴾ ٥، لأنهم جماد لا يعقلون؟ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا﴾ أي:
الأصنامُ ﴿لَهُم﴾: لِعابديهم ﴿أعداءَ، وكانُوا بِعِبادِهِم): بعبادة عابديهم
﴿ کافِرِينَ﴾ ٦ : جاحدین.
١ - ﴿وإذا تُتَلَى عَلَيهِمٍ﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿آياتُنَا﴾: القُرآن، ﴿بَيِّناتٍ﴾: ظاهراتٍ حالٌ،
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم ﴿لِلحَقِّ﴾ أي: في القُرآن، ﴿لَمّا جاءَهُم: هذا ◌ِحرٌ
مُبِينٌ﴾ ٧: بيّنٌ ظاهر. ﴿أم﴾: بمعنى (بل)) وهمزةِ الإنكار ﴿يَقُولُونَ: افتَراهُ﴾ أي:
القرآنَ؟ ﴿قُلْ: إنِ افْتَرَيتُهُ﴾ فَرْضًا ﴿فلا تَملِكُونَ لِي مِنَ اللهِ﴾: من عذابه ﴿شَيئًا﴾، أي:
لا تقدرون على دفعه عنّي، إن عذّبني الله. ﴿هُوَ أَعلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: تقولون في
القرآن، ﴿كَفَى بِهِ﴾ - تعالى - (شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُم! وَهْوَ الغَفُورُ﴾ لمن تاب
﴿الرَّحِيمُ﴾ ٨ به، فلم يُعاجلكم بالعُقوبة .
◌ُّوْرَةِ الرَّحَافِن
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْلَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَ تِهِمْ كَفِرِنَ (® وَإِذَا
نُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَنُنَا بِيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّاجَآءَ هُمْ هَذَا
سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَُّ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ
لِ مِنَ الَّهِ شَيْئًاٌ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِىِ
وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْ عًامِنَ الرُّسُلِ
وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَِّعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَا
إِلَّاَنَّذِيْرٌ مُّبِينٌ جَاقُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْثُم بِ.
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِىِّ إِسْرَّهِيَلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأُسْتَكْبَرْتُمْ
إِنَّ ◌ُللَّهَلَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظِّلِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَءَامَنُواْ لَوْكَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْلَمْ يَهْتَدُواْبِهِ،
فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفٌَّ قَدِيمٌ ﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى
إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْرَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَدِمُوْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ (٣)
أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَالِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ()
٢- ﴿قُلْ: ما كُنتُ بِذْعًا﴾: بديعًا ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: أوّلَ مُرسَل. قد سبق قبلي كثير
منهم، فكيف تُكذّبونني؟ ﴿وما أدرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُم﴾ في الدنيا؟ أأُخرَجُ من بلدي
أم أُقتل كما فُعل بالأنبياء قبلي؟ أوَتُرمَونَ بالحِجارة أم يُخسَف بكم كالمُكذّبين قبلكم؟
﴿إِنْ﴾: ما ﴿أَتَبعُ إلّا ما يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: القرآنَ، ولا أبتدع من عندي شيئًا، ﴿وما أنا
إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٩: بيّن الإنذار. ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُم﴾: أخبروني ماذا حالُكم، ﴿إِن كانَ﴾
أي: القُرآن ﴿مِن عِندِ اللهِ، وكَفَرْتُم بِهِ﴾: جملةٌ حاليّة، ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسرائيلَ﴾
هو عبدالله بن سلام ﴿عَلَى مِثِلِهِ﴾ أي: عليه أنه من عند الله، ﴿فَآمَنَ﴾ الشاهد،
﴿واستَكبَرتُم﴾: تكبّرتم عن الإيمان؟ وجوابُ الشرط بما عطف عليه: ألستم ظالمين؟ دلّ عليه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمِينَ﴾ ١٠ .
٣- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: في حقّهم: ﴿لَو كانَ﴾ الإيمانُ ﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيهِ. وإذْ لَم يَهتَدُوا﴾ أي: القائلون ﴿بِهِ﴾ أي:
بالقُرآنِ. ﴿فَسَيَقُولُونَ: هذا﴾ أي: القُرآن ﴿إفكٌ﴾: كذب ﴿قَدِيمٌ ١١. ومِن قَبِلِهِ﴾ أي: القُرآنِ ﴿كِتابُ مُوسَى﴾ أي: التوراةُ ﴿إمامًا وَرَحْمةً﴾
للمؤمنين به حالان، ﴿وهذا﴾ أي: القُرآن ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ للكُتب قبله، ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾: حالٌ من الضمير في ((مُصدّق))، ﴿لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
أي: مُشرِكي مكّة، ﴿و﴾ هو ﴿بُشرَى لِلمُحسِنِينَ﴾ ١٢ : للمُؤمنين.
٤- ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ. ثُمَّ استَقَامُوا﴾ على الطاعة، ﴿فلا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنُونَ ١٣، أُولَئِكَ أصحابُ الجَنّةِ، خالِدِينَ فِيها﴾:
حال، ﴿جَزاءٌ﴾: منصوب على المصدر بفعله المُقدّر، أي: يُجزَون ﴿بِما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٤.
(١) تتلى: تقرأ وتفسر. وكفر: كذّب الله ورسوله. والحق: الصدق الثابت. ولما جاءهم أي: حين بُلّغوا به من غير نظر وتأمل. والسحر: ما يُخيِّل للعقول
والحواس غير الواقع. والإنكار: التوبيخ والزجر. وافتراه: صنعه بنفسه. وقل أي: لهم. وهذا يعني أن المأمور رسول مكلف، لا كما يزعم الكافرون.
وتكراره بعدُ يفيد المبالغة في التوكيد. وفرضًا أي: افتراضًا عقليًا كما تزعمون، تسليمًا بالجدال. وتملكون: تستطيعون. والشيء: ماهو موجود أو محتمل
وجوده. وأعلم به: أكثر إحاطة بحصوله وأنه كذب منكم. وتفيضون: تعجلون في التكذيب. وكفى: بلغ الغاية في الكفاية والإغناء عما سواه. والشهيد:
الحافظ المقرر للحق. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان والفضل. وقول المحلي ((به)) لوقال: ((الرحيم بعباده
التائبين وغيرهم)) لصح أن يترتب عليه قوله: ((فلم يعاجلكم بالعقوبة»، لأن الخطاب للمشركين المكذبين.
(٢) البدع: المتفرد ليس له مثيل. والرسل: جمع رسول. وما أدري: لا أعلم. وما يُفعل أي: الذي يقضيه الله في المستقبل. و((أوَتُرمَونَ)) الواو: حرف عطف
بعد همزة الاستفهام. وروي أن النبي ولو رأى في منامه هجرته إلى أرض فيها شجر وماء، وقص ذلك على أصحابه فاستبشروا، وكان المشركون يسألونه عن
المغيبات، فنزلت الآية ٩. الواحدي ص ٤٠١ وتفسير الآلوسي ١٤:٢٦. وأتّبعه أي: ألتزمه وحده. ويوحى إليّ: يبلغني جبريل محققًا حفظه وتبليغ الناس به.
والنذير: المهدد بالعذاب لمن كفر. ومن عند الله أي: بأمره وحيًا. وكفرتم به: كذّبتموه. وشهد: أقر بالحق. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب. والتقدير للجواب
غير مناسب. انظر ((المفصل)). ولا يهديه: يصرف قدراته إلى ما يناسب سوء اختياره واستعداده. والظالم: من يضع الشيء في غير موضعه.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. والخير: مافيه نفع ومكرمة. ويهتدي: يسترشد إلى الإيمان. وقديم أي: من أكاذيب الأقدمين. والإمام: ما يُقتدى به إلى
الخير. والرحمة : العطف بالإحسان من الله. ومصدق لها: يحقق صدقها. واللسان: اللغة. والعربي: المنسوب إلى العرب. فهو بلغتهم فصيح بيّن واضح،
كما هو مصدق وصادق. وينذرهم: يهددهم بالانتقام. ومشركي مكة أي: وغيرهم من الكافرين. والبشرى: البشارة والتبليغ بالسرور. والمحسن: من لزم
الإحسان في النية والقول والفعل.
(٤) قالوا أي: بألسنتهم أو بقلوبهم. والمراد أنهم يوحدون الله بالعبادة والطاعة. واستقام: لزم الطريق القويم في النية والقول والعمل. والخوف: الفزع في
الآخرة من مكروه. ويحزن: يغتم لفقد ما يحب. والأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء. والجنة: البستان العظيم. والخالد: المقيم أبدًا.
والجزاء: المكافأة. ويعملون: يكتسبونه.
٤٦ - سورة الأحقاف
٥٠٤
الجزء السادس والعشرون
سُورَةِ الأَخَافِ
وَوَضَّيْنَا ◌ُلْإِنسَنَ بَوْلِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
كُرُهَاً وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَابَغَ أَشُدَّهُ، وَبَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَةٌ قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ
عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَصَلِحًاتَرْضَنهُ وَأَصْلِحْ لِى فِ
ذُرِيَّتِىٌ إِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُعَن سَبِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحَدٍ
الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُو ◌ْيُوعَدُونَ ﴿ وَاُلَّذِى قَالَ
لِوَالِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَتِ الْقُرُونُ مِن
قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيْلَكَءَامِن إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ
مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ
اُلْقَوْلُ فِى أُمُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمِ مِنَ الْجِنِ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ
خَسِ ينَ ﴿٨َوَلِكُلِّ دَرَحَتٌ بِمَا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ
لَ يُظْلَمُونَ (١٦) وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِأَذْ هَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ
فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا فَأَلْيَّوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ
بِمَاكُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيِّ الْحَقِّ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ (@)
١- ﴿وَوَصَّينا الإنسانَ بِوالِدَيهِ حُسنًا﴾. وفي قراءة: ((إحسانًا)) أي: أمرناه أن يُحسن
إليهما. فنَصبُ ((إحسانّا)) على المصدر بفعله المُقدّر، ومثله ((حُسنًا)). ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
كَرْهًا، ووَضَعَتْهُ كَرْهًا﴾ أي: على مشقّة، ﴿وحَملُهُ وفِصالُهُ﴾ من الرِّضاع ﴿ثَلاثُونَ
شَهرًا﴾. ستّةُ أشهر أقلُّ مُدّة الحمل، والباقي أكثرُ مُدّة الرضاع. وقيل: إن حملتْ به
ستّة أو تِسعة أرضعته الباقيَ. ﴿حَتَّى﴾: غايةٌ لجملة مُقدّرة أي: وعاش حتّى ﴿إذا بَلَغَ
أَشُدَّهُ﴾ هو كمال قُوّته وعقله ورأيه، أقلُّه ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون، ﴿وبَلَغَ أربَعِينَ
سَنةً﴾ أي: تمامها وهو أكثر الأشُدّ، ﴿قالَ: رَبِّ﴾ إلى آخره - نزل في أبي بكر
الصِّدّيق، لمّا بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبيّ وَّ﴿ آمن به، ثمّ آمن أبواه ثم
ابنه عبد الرحمن ثم ابن عبد الرحمن أبو عَتيق - ﴿أَوزِغْنِيَ﴾: ألهِمني ﴿أن أشكُرَ
نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنعَمتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وعلَى والِدَيَّ﴾، وهي نعمةُ التوحيدِ، ﴿وأن أعمَلَ
صالِحًا تَرضاهُ﴾ - فأعتَقَ تِسعةً من المُؤمنين يُعذّبون في الله - ﴿وأصلِحْ لِي في ذُرِّيّتِيَ﴾
فكُلّهم مُؤمنون. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ، وإِنِّي مِنَ المُسلِمِينَ ١٥. أُولَئِكَ﴾ أي: قائلو هذا
القول، أبو بكر وغيره، ﴿الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهُم أحسَنُ﴾ بمعنى: حَسَنُ ﴿مَا عَمِلُوا،
ويُتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم في أصحابِ الجَنّةِ﴾: حال، أي: كائنين في جُملتهم، ﴿وَعْدَ
الصّدقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ١٦، في قوله تعالى: ((وَعَدَ اللهُ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ
جَنّاتٍ)).
٢ - ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ - أُريد به الجنس: ﴿أَنَّ﴾، بكسر الفاء وفتحها، بمعنى
مصدر، أي: نتنا وقُبحًا ﴿لَكُما﴾: أتضجّر منكما. ﴿أَتعِدانِيَ﴾ - وفي قراءة بالإدغام
- ﴿أن أُخرَجَ﴾ من القبر، ﴿وَقَد خَلَتِ القُرُونُ﴾: الأمم ﴿مِن قَبِي﴾، ولم تخرج من القبور، ﴿وَهُما يَستَغِيثانِ اللهَ﴾: يسألانه الغوث برجوعه،
ويقولان: إن لم ترجع ﴿وَيَلَكَ﴾ أي: هلاكَك بمعنى: هلَكتَ. ﴿آمِنْ﴾ بالبعث، ﴿إِنَّ وَعدَ اللهِ﴾ به ﴿حَقٌّ. فَيَقُولُ: ما هذا﴾ أي: القول بالبعث
﴿إِلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ١٧ : أكاذيبهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾: وجب ﴿عَلَيهِمِ القَولُ﴾ بالعذاب، ﴿في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبِلِهِم مِنَ الجِنِّ والإِنسِ.
إنَّهُم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ١٨ .
٣- ﴿وَلِكُلِّ﴾ من جِنسَي المُؤمن والكافر ﴿وَرَجَاتٌ﴾، فدرجات المُؤمن في الجنّة عالية، ودرجات الكافر في النار سافلة، ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أي:
المؤمنون من الطاعات، والكُفّارُ من المعاصي، ﴿وَلِيُوَفِّيَّهُم﴾ أي: اللهُ - وفي قراءة بالنون - ﴿أعمالَهُم﴾ أي: جزاءها، ﴿وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ ١٩
شيئًا يُنقص للمُؤمنين ويُزاد للكُفّار. ﴿وَيَومَ يُعرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ بأن تُكشف لهم، يقال لهم: ﴿أذهَبْتُم﴾ - بهمزة وبهمزتين، وبهمزة
ومدّة، وبهما وتسهيلِ الثانية - ﴿طَيِّبَاتِكُم﴾ باشتغالكم بلذّاتكم ﴿فِي حَياتِكُمُ الدُّنيا، واستَمتَعتُم﴾: تمتّعتم ﴿بِها. فاليَومَ تُجزَونَ عَذابَ الهُونِ﴾
أي: الهوان، ﴿بِما كُنتُمْ تَستَكِبِرُونَ﴾: تتكبّرون ﴿في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ، وبِما كُنتُمْ تَفسُقُونَ﴾ ٢٠ به. ويُعذّبون بها .
(١) وصى: أمر وفرض. والإنسان: كل إنسان. والوالدان: الأب والأم. غلب فيه المذكر على المؤنث. والحسن: البر والإكرام. وحملته: في بطنها.
ووضعته: ولدته. وفصاله: فطامه. وبلغه: صار فيه. ورب أي: يا ربي. وأبو عتيق اسمه محمد. انظر ((المفصل)). وأشكر النعمة: أستحضرها في نفسي
وأذكرها بالثناء عليك. وأنعمت: تفضلت بها. وأعمل: أكتسب بالنية أو القول أو الفعل. والصالح: ما أقره الشرع. وترضاه: تقبله وتثيبني عليه. وأصلح أي:
اجعل الإيمان وعمل الخير ثابتين. والذرية: الأولاد والحفدة. وتبت: اعترفت بذنبي وتعهدت بتركه وطلبت المغفرة. والمسلم: من أسلم أمره إلى الله.
ويُتقبل: يُرضى ويثاب. ويُتجاوز عنها: لا يعاقَب عليها. وفي ث وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: (نَتقبّل ... ونَتجاوز). والسيئة: العمل القبيح. وأصحاب
الجنة: انظر الآية ١٤. والوعد: التعهد بما هو خير. والصدق: ما هو واقع حتمًا. ويوعدون أي: يبلّغونه بشارة. وقوله تعالى في الآية ٧٢ من سورة التوبة.
(٢) قال لهما أي: عندما دعواه إلى الإيمان. والجنس أي: أن ((الذي)): متعدد المعنى يراد به كل من يقولون مثل هذا القول. وبفتحها يريد القراءة ((أُفَّ)).
وانظر ((المفصل)) للتعليق على عبارة المحلي. وتعد: تخبر وتتهدد. وبالإدغام يريد القراءة ((أتَعِداني)). وأخرج: أبعث حيًا. وخلت: مضت. والقرون: جمع
قرن. وهو الأمة. وتقدير ((إن لم ترجع)) يقتضي الفاء بعده. والحق: الأمر الثابت. والأساطير: جمع أسطورة. والقول: الحكم. والأمم: جمع أمة. والجن:
واحده جني. والإنس: واحده إنسي. والخاسر: من فقد ما لديه وما يؤمل.
(٣) الجنسان هما المذكوران في أول الآيتين ١٥ و١٧. والدرجات: المنزلات المتفاوتة. ويوفيهم أعمالهم: يكافئهم عليها كاملة. وبالنون يريد القراءة
((ولِنُوَفْيَّهُم)). والفاعل ضمير العظمة: نحن. ولايُظلم: لايُجار عليه. وأذهبتم: أفنيتم. وبهمزتين يريد القراءة ((أأذهَبْتُم))؟ وبهمزة ومدة ((آذهَبْتُم))؟ وبهما وتسهيل
الثانية ((آآذهَبْتُم))؟ بجعل لفظ الثانية بين الهمزة والألف. والطيب: ما يستلذ. واليوم: حين الجزاء. وتجزون: تعاقبون. والحق: ما يستحقه المخلوق. وتفسق:
ترتكب المعاصي.
الجزء السادس والعشرون
٥٠٥
٤٦ - سورة الأحقاف
١ - ﴿واذكُرْ أخا عادٍ﴾ هو هُود - عليه السلام - ﴿إِذ﴾ إلى آخره: بدل اشتمال
ربع
الخِزَّبْ
٥١
﴿أَنذَرَ قَومَهُ﴾: خوَّفهم ﴿بِالأحقافِ﴾ وادٍ باليمن به منازلهم - ﴿وَقَد خَلَتِ
النُّذُرُ﴾: مضَتِ الرسلُ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيهِ ومِن خَلفِهِ﴾ أي: من قَبلِ هُود ومن بَعدِه
إلى أقوامهم - ﴿أَنْ﴾ أي: بأن قال: ﴿لا تَعْبُدُوا إلّ اللهَ﴾. وجملة ((وقد خلت))
مُعترضة. (إِنِّيَ أخافُ عَلَيْكُمْ﴾، إن عبدتم غير الله، ﴿عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ ٢١. قالُوا:
أجِتَنا لِتَأفِكَنا عَن آلِهِتِنا﴾: لتصرفنا عن عِبادتها؟ ﴿فائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من العذاب على
عِبادتها، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٢٢ في أنه يأتينا. ﴿قَالَ﴾ هود: ﴿إِنَّما العِلمُ عِندَ
اللهِ﴾ هو الذي يعلم: متى يأتيكم العذاب؟ ﴿وأُبْلِفُكُم ما أُرسِلتُ بِهِ﴾ إليكم، ﴿وَلَكِنِّيَ
أراكُم قَومًا تَجْهَلُونَ﴾ ٢٣ باستعجالكم العذابَ.
٢- ﴿فَلَمّا رأَوهُ﴾ أي: ما هو العذاب ﴿عارِضًا﴾: سحابًا عَرَضَ في أُفق السماء،
﴿مُستَقِلَ أَودِيتِهِم، قالُوا: هذا عارِضٌ مُمطِرُنا﴾ أي: مُمطرٌ إيانا - قال تعالى: ﴿بَل
هُوَ ما استَعجَلتُم بِهِ﴾ من العذاب، ﴿رِيحٌ﴾: بدلٌ من ((ما)) ﴿فِيها عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٢٤ :
مؤلم، ﴿تُدَمِّرُ﴾: تُهلك ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ مرّت عليه، ﴿بِأمرِ رَبِّها﴾: بإرادته، أي: كُلَّ
شيء أراد إهلاكه بها. فأهلكتْ رِجالهم ونساءهم وصِغارهم وأموالهم، بأن طارت
بذلك بين السماء والأرض ومزّقته، وبقي هود ومن آمن معه - ﴿فأصبَحُوا لا تَرَى إلّا
مَساكِنَهُم. كَذْلِكَ﴾: كما جزَيناهم ﴿نَجِزِي القَومَ المُجرِمِينَ﴾ ٢٥ غيرَهم.
سُورَة الأقَافِ
﴿ وَأَذْكُرْأَخَاعَادٍ إِذْأَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُ وْاإِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١) قَالُواْأَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْءَالَمِّنَا فَأَئِنَا
بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللّهِ
وَأُبَلِغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّى أَرَبَّكُمْ فَوْمًا تَجْهَلُونَ (ّ
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مْطِرُنَا
بَلَ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهِّرِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿أَتُدَ مِّرُكُلَّ
شَىْءٍ بِأَمْرِرَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَأَ يُرَىَّ إِلَّ مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْرِى
اٌلْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿ وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ فِیمَآ إِمَگنّگُمْ فِیهِ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ
وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَآَ أَفْئِدَ تُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْيَجْحَدُونَ
بِشَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٦) وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا ◌ُلْأَنَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
فَلَوْلَا نَصَرَ هُمُ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَاءَ اِهَذَّ
بَلَّ ضَلُواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوْيَفْتَرُونَ ◌َ
٣- ﴿وَلَقَد مَكَّنَاهُمْ فِيماً﴾: في الذي ﴿إِنْ﴾: نافيةٌ أو زائدة ﴿مَكَّتّاكُم﴾ - يا أهل مكّة - ﴿فِيهِ﴾ من القُوّة والمال، ﴿وَجَعَلْنا لَهُم سَمعًا﴾ بمعنى:
أسماعًا ﴿وأبصارًا وأفئِدةً﴾: قُلوبًا، ﴿فما أغنَى عَنْهُم سَمعُهُم ولا أبصارُهُم ولا أفئِدتُهُم مِن شَيءٍ﴾ أي: شيئًا من الإغناء - ومِن: زائدة - ﴿إذ﴾:
معمولة لـ ((أغنى)) وأُشربت معنى التعليل (كانُوا يَجِحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ ﴾: حُججِه البيّنة! ﴿وحاقَ): نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ يَستَهزِئُونَ﴾ ٢٦ أي:
العذابُ، ﴿وَلَقَد أهلَكْنا ما حَولَكُم مِنَ القُرَى﴾ أي: من أهلها كثمودَ وعادٍ وقوم لوط، وصَرَّفْنا الآياتِ﴾: كرّرنا الحُججَ البيّاتِ، ﴿لَعَلَّهُم
يَرجِعُونَ﴾ ٢٧ .
٤- ﴿فَلَولا﴾: فهلّا ﴿نَصَرَهُمْ﴾، بدفع العذاب عنهم، ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا: مُتقرَّبًا بهم إلى الله ﴿ آلهةً﴾ معه. وهم الأصنام.
ومفعول («اتّخذ)) الأولُ ضمير محذوف يعود على الموصول أي: هم، وقربانًا: الثاني، وآلهة: بدل منه. ﴿بَل ضَلُّوا﴾: غابوا ﴿عَنْهُم﴾ عِند نُزول
العذاب. ﴿وذُلِكَ﴾ أي: اتّخاذُهم الأصنامَ آلهةً قُربانًا ﴿إفكُهُم﴾: كذبُهم، وما كانُوا يَفْتَرُونَ} ٢٨ : يَكذِبون. وما: مصدريّة، أو موصولة
والعائد محذوف، أي: فيه.
(١) أخوهم: واحد من قبيلتهم. وعاد: من العرب العاربة. وبدل يعني أن ((إذ)): بدل من ((أخا)). والأحقاف: جمع حِقّف. وهو ما استطال واعوجٌ من
الرمال. وباليمن أي: بين حضرموت وعُمان. والنذر: جمع نذير. وهو المهدد بالعذاب لمن كفر. وتعبد: تقدس وتطيع. وأخاف: أخشى. والعظيم: الهائل
لما يكون فيه من البلاء. والآلهة: جمع إله. وهو ما يعبد من المخلوقات. وائتنا به: أوقعه بنا. وتعدنا: تهددنا. والصادق: من يقول الحق. والعلم: الإحاطة
الكاملة بالكون والحياة. وأبلغكم: أعلمكم. وأرسلت به: كلفت بتبليغه. وأرى: أعلم باليقين. وتجهلون أي: صفتكم الجهل بالحقائق.
(٢) رأوه: أبصروه عيانًا. ومستقبلها: متوجهًا إليها. والأودية: جمع الوادي. وممطر إيانا: يكشف المخل. واستعجلتم به: طلبتم تعجيله. والريح: الهواء
المندفع بسرعة. والعذاب: التعذيب. وأصبح: صار. وفي ث وقرة العينين والمنحة: ((لا يرى)). والمساكن: جمع مسكن، أي: ماتبقى منه بعد الدمار.
ونجزي: نعاقب. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. والمجرم: المنهمك في الإجرام والعصيان باختيار وعزم.
(٣) مكناهم: أقررناهم. وزائدة أي: لتوكيد المعنى. وجعل: خلق. والأبصار: جمع بصر. والأفئدة جمع فؤاد، أي: ما يُدرك به كل محسوس أو مفهوم.
وما أغنى عنهم أي: لم ينفعهم. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. ويجحد: يكفر. ونزل أي: وأحاط من كل جانب. ويستهزئ: يسخر. وأهلك:
أفنى. وما حولكم: الخطاب لأهل مكة. والقرى: جمع قرية. وهي البلدة. وثمود: قوم النبي صالح، من العرب العاربة. ولوط: ابن أخي إبراهيم، كان نبيًا
قرب مدينة حمص. وصرفنا أي: لأهل تلك القرى. ويرجعون: يغادرون الكفر إلى الإيمان.
(٤) هلّ: حرف توبيخ لجميع المشركين. ونصر: حمى. واتخذ: جعل. و((الأصنام)) تفسير لـ ((الذين)). و((أي هم)) يعني أن التقدير: اتخذوهم. وعنهم: عن
إنقاذهم. وإلّا فقد كانت الأصنام معهم حين الإهلاك، وأصابها ما أصابهم. وكذبهم: ادعاء شفاعة الأصنام، وهو الذي أرداهم من غير شفيع. ومصدرية:
يعني أن المصدر المؤول معطوف على ((إفك))، أي: وكونُهم مفترين. وموصولة أي: اسم موصول معطوف على ((إفك)) أيضًا.
٤٦ - سورة الأحقاف
٥٠٦
الجزء السادس والعشرون
سُورَة الأحقَافِ
وَإِذْصَرَ فْنَآ إِلَيَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا
حَضَرُوهُ قَالُوَاْأَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ
(٦) قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّإِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقِ مُسْتَقِيمٍ
﴿ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْدَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْلَكُمْ مِّن
ذُنُوبِكُمْ وَبِّكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِمٍ ﴿ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَاللَّهِ
فَلَيْسَ بِمُعْجِزِ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ أُوْلَكَ
فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ (﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّاللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْنِىَ الْمَوْنَى بَلَّ
أْ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ
◌َإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (®)
أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوْاُلْعَذَابَ بِمَا
كُمْ تَكْفُرُونَ ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْالْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َّمْكَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَايُوعَدُونَ لَمْيَلْبَنُواإِلَّا
TO
سَاعَةٌ مِن ◌َّهَارٍ بَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلََّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ صَرَفْنا﴾: أمَلْنا ﴿إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ جِنِّ نَصِيِينِ اليمنِ أو جِنِّ
نِينَوَى - وكانوا سبعة أو تسعة ((وكانَ وَ﴿هَ بِبَطنِ نَخْلَةَ يُصلِّي بأصحابِهِ الفَجرَ)). رواه
الشيخان - ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ، فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض:
﴿أَنصِتُوا﴾: اصغَوا لاستماعه. ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾: فُرغ من قراءته ﴿وَلَّوا﴾: رجَعوا ﴿إِلَى
قَومِهِم مُنذِرِينَ﴾ ٢٩: مُخوّفين قومَهم العذابَ، إن لم يُؤمنوا. وكانوا يهودًا .
٢- ﴿قالُوا: يا قَومَنا، إنّا سَمِعْنا كِتابًا﴾ هو القُرآن، ﴿أُنزِلَ مِن بَعدِ مُوسَى، مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَيهِ﴾ أي: تقدّمه كالتوراة، ﴿يَهِدِي إِلَى الحَقِّ﴾: الإسلام، ﴿وإِلَى طَرِيقٍ
مُستقِيمٍ﴾ ٣٠ أي: طريقه. ﴿يا قَومَنا، أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ مُحمّدًا وَلَّه إلى الإيمان،
﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الله ﴿مِن ذُنُوبِكُم﴾ أي: بعضَها، لأنّ منها المظالمَ ولا تُغفر إلّا
برضا أربابها، ﴿ويُجِرْكُم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ٣١: مُؤلم. ﴿ومَن لا يُحِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيسَ
بِمُعجِزٍ في الأرضِ﴾ أي: لا يُعجِزُ اللهَ بالهرب منه فيفوتَه، ﴿وَلَيسَ لَهُ﴾: لمن لا
يُجِيبُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: اللهِ ﴿أَولِياءُ﴾: أنصارٌ يدفعون عنه العذاب. ﴿أُوْلْئِكَ﴾ الذين
لم يُجيبوا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣٢: بيِّنٍ ظاهر.
٣- ﴿أُوَلَم يَرَوا﴾: يعلموا، أي: منكرو البعث، ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
والأرضَ، ولَم يَعْيَ بِخَلقِهِنَّ﴾: لم يعجِز عنه، ﴿بِقادِرٍ﴾: خبرُ ((أنّ)) - وزيدت الباء فيه
لأنّ الكلام في قوّة: أليس الله بقادر - ﴿عَلَى أن يُحِيَ المَوِتَى؟ بَلَى﴾ هو قادر على
آياتها
إحياء الموتى. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ٣٣. ويَومَ يُعرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾،
سُورَةُ مُحَدٌ
بأن يُعذّبوا بها، ويقال لهم: ﴿أَلَيسَ لهذا﴾ التعذيب ﴿بِالحَقِّ؟ قالُوا: بَلَى، وَرَبِّنا.
قالَ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنتُمْ تَكفُرُونَ ٣٤. فاصبِرْ﴾ على أذى قومك، ﴿كَما صَبَرَ
أُولُو العَزم﴾: ذوو الثبات والصبر على الشدائد ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ قبلك، فتكونَ ذا عزم - ومن: للبيان فكُلّهم ذوو عزم. وقيل: للتبعيض فليس منهم
آدمُ لقوله تعالى: ((وَلَم نَجِدْ لَهُ عَزِمًا)»، ولا يونسُ لقوله تعالى: ((ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ)» - ﴿ولا تَستَعَجِلْ لَهُم﴾: لقومك نُزِولَ العذاب بهم.
قيل: كأنه ضجر منهم فأحبّ نُزول العذاب بهم، فأمر بالصبرِ وتركِ الاستعجال للعذاب. فإنه نازل بهم لا محالة. ﴿كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَ ما
يُوعَدُونَ﴾، من العذاب في الآخرة لطُوله، ﴿لَم يَلْبِثُوا﴾ في الدنيا في ظنّهم ﴿إلّا ساعةً مِن نَهارٍ﴾. هذا القُرآن ﴿بَلَاغْ﴾: تبليغ من الله - تعالى -
إليكم. ﴿فَهَلَ﴾ أي: لا ﴿يُهلَكُ﴾ عِند رُؤية العذاب ﴿إِلّ القَومُ الفاسِقُونَ﴾ ٣٥ أي: الكافرون؟
سورة محمّد
مدنية إلّا ((وكأيّن من قرية)) الآية، أو مكية، وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية.
(١) روي أن النبي ﴿ كان يقرأ القرآن ببطن نخلة، ولما سمعه بعض الجن أنصتوا إليه، فنزلت الآيات ٢٩-٣٢. المستدرك ٢: ٤٥٦. وكان هذا قبل الهجرة بسنتين،
وهو يصلي صلاة الفجر، مرجعَه من الطائف. انظر المسند ١٦٧:١. واذكر أي: لنفسك والصحابة بشارة، ولقومك تعنيفًا وتوبيخّا، لأنهم كانوا أولى من الجن
بالإيمان، إذ أنزل عليهم القرآن فكفروا به، وهم أهل اللسان الذي أنزل به، ومن جنس النبي وَ لّر، وهؤلاء جن ليسوا من جنسه، وقد أثر فيهم سماع القرآن، فآمنوا
به وبمن أنزل عليه، وعلموا أنه من عند الله. البحر ٦٧:٨. وأملنا أي: وجهنا. والنفر: الجماعة بين ثلاثة وعشرة. والجن: واحده جني. وهو مخلوق من النار.
ونصيبين: مدينة على طريق الموصل إلى الشام. ونينوى: مدينة النبي يونس بقرب الموصل. وبطن نخلة: مكان بين الطائف ومكة. والشيخان: الإمامان البخاري
ومسلم. وما ذكره المحلي هنا تلفيق، بين رواية المسند والمستدرك وما رواه الشيخان في سبب نزول سورة الجن. انظر الأحاديث ٧٣٩ و٤٦٣٧ في البخاري و٤٤٩
في مسلم والآية ١ من سورة الجن. ويستمعون: يبالغون في الإنصات والمتابعة والإدراك. ولما أي: حينما. وحضروه أي: صاروا معه وبمَسمع لِما يُتلى. وقراءته
أي: للقرآن. والقوم: الجماعة من الجن. والمشهور أن الجن فيهم اليهود والنصارى والمسلمون والمجوس وعبدة الأصنام. تفسير الرازي ٢٨:١٠. (٢) سمعناه:
سمعنا تلاوته. وأنزل: أوحي من عند الله. والمصدق: الموافق المحقق للعقيدة وأصول الشريعة. ويهدي: يرشد ويوصل. والحق: الأمر الثابت الصادق، يُعلَم
بطريق العقل السليم. والمستقيم: المعتدل. وأجيبوه: أطيعوه. وداعي الله: الرسول المبلِّغ. وآمنوا به: صدّقوه. ويغفرُها: يسترها ويعفو عنها. والذنوب: جمع
ذنب. وهو العمل السيئ. وبرضا أربابها أي: بعد عفو المظلومين. ويجير: يمنع ويحمي. ولا يجيبه؛ لا يطيعه. وفي الأرض أي: في هذه الحياة الدنيا حيثما توجه.
ويفوته: ينجو من سلطانه وعقابه. والأولياء: جمع وليّ. والضلال: الخطأ والضياع. (٣) أولم يروا أي: لقد علموا باليقين الثابت. وخلقها: أوجدها من العدم.
والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. والقادر: المستطيع المتمكن وحده. وخبر أنّ: يعني ((قادر)) وأنه مجرور لفظًا مرفوع محلًّا. ويحييهم: يخلق فيهم
الحياة بالبعث. والموتى: جمع ميت. والقدير: البالغ القدرة والتمكن لا يعجز عما يريد. ويوم أي: وقت. والحق: الواقع حتمًا. وذوقوه: قاسوا أهواله.
وتكفرون: تكذبون التوحيد والبعث. والصبر هو الوثوق بحكم الله مع الثبات على الشدائد. وأولو أي: أصحاب، واحده: ذو. والرسل: جمع رسول. وللبيان أي:
لتبيين الجنس المبهم في ((أولو العزم)) أي: كل منهم صاحبه وملازمه. وللتبعيض: يعني أنها بمعنى: بعض. والآية الخاصة بآدم هي ذات الرقم ١١٥ من سورة طه،
والخاصة بيونس هي ذات الرقم ٤٨ من سورة القلم. وتستعجله: تطلب بالدعاء تعجيل نزوله. ويرونه: يبصرونه عيانًا ويقاسون أهواله. ويوعدون: يهددون به.
ويلبث: يعيش. والساعة: القليل من الوقت. والنهار هنا بمعنى اليوم. ويهلك: ينزل به أشد العذاب. والفاسق: المنهمك في العصيان والكفر.
الجزء السادس والعشرون
٥٠٧
٤٧ - سورة محمّد
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمَةِ
١- ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكّة، ﴿وصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: الإيمان،
﴿أَضَلَّ﴾: أحبط ﴿أعمالَهُم﴾ ١، كإطعام الطعام وصلة الأرحام، فلا يرون لها في
الآخرة ثوابًا، ويُجزَون بها في الدنيا من فضله - تعالى - ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي:
الأنصارُ وغيرهم، ﴿وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ، وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ أي: القُرآنِ -
﴿وَهْوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِم - كَفَّرَ عَنْهُمٍ﴾: غفر لهم ﴿سَيِّئَاتِهِم، وأصلَحَ بالَّهُم﴾ ٢ أي:
حالهم فلا يعصُونه. ﴿ذلِكَ﴾ أي: إضلال الأعمال وتكفير السيئات ﴿بِأنَّ﴾: بسبب أنّ
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾: الشيطان، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا الحَقَّ﴾: القُرآنَ
﴿مِن رَبِّهِم. كَذْلِكَ﴾ أي: مِثْلَ ذلك البيان ﴿يَضرِبُ اللهُ لِلّاسِ أمثالَهُم﴾ ٣: يُبيِّنُ
أحوالَهم، فالكافر يُحبِط عملَه، والمُؤمن يَغفر زللَه.
٢- ﴿فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فضَرْبَ الرِّقابِ﴾: مصدرٌ بدل من اللفظ بفعله، أي:
فاضربوا رقابهم، أي: اقتلوهم. وعُبّر بضرب الرقاب لأنّ الغالب في القتل أن يكون
بضرب الرقبة. ﴿حَتَّى إذا أثخَنتُمُوهُم﴾: أكثرتم فيهم القتل ﴿فَشُدُّوا﴾ أي:
نصف
الْخِزْبْ
فأمسكوا عنهم واثْسِروهم وشُدّوا ﴿الوَثاقَ﴾: ما يُوثق به الأسرى - ﴿فإمّا مَنَّا
بَعدُ﴾: مصدرٌ بدل من اللفظ بفعله، أي: تمنّون عليهم بإطلاقهم من غير
شيء، ﴿وإمّا فِداءً﴾ تُفادونهم بمالٍ أو أسرَى مسلمين - ﴿حَتَّى تَضَعَ الحَربُ﴾
أي: أهلُها ﴿أوزارَها﴾: أثقالها من السلاح وغيره، بأن يُسلِمَ الكُفّار أو يدخلوا في
العهد. وهذه غاية للقتل والأسر.
سُورَةِ مُحَمَّد
بِسْبِلهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَنِ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ لَهُّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ
◌َّيِهِمْ كَفَّرْ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
◌ُتَبَعُواْالْبَطِلَ وَأَنَّالَّذِينَءَامَنُوْتَبَعُواْ الْحَقَّ مِن ◌َّيِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴿ فَإِذَا لَقِيْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى
إِذَا أَنْخَتُهُوُهُمْ فَشُدُّ واْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِدَآءُ حَتَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ
أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَ نَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنٍ لِيَبْلُوَأَبَعْضَكُمْ
يِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ جَسَيَهْدِيهِمْ
وَيُصْلِحُ بَلَمْ ﴿٤٥ وَيُدْ خِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْإِنْ تَنصُرُواْ اللَّهَيَصُرَّكُمْ وَيُنَبِّتْ أَقْدَا مَكُمَّْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
فَتَعْسَالَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الَهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ : ﴿ أَفَ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ واْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمََّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا
ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّاُلْكَفِرِينَ لَمَوْلَى لَهُمْ
٣- ﴿ذلِكَ﴾: خبرُ مُبتدأ مُقدّر، أي: الأمر فيهم ما ذُكر، ﴿وَلَو يَشاءُ اللهُ لا نتَصَرَ مِنْهُم﴾ بغير قِتال، ﴿ولكِن﴾ أمركم به ﴿لِيَبْلُوَ بَعضَكُم بِبَعضٍ﴾
منهم في القتال، فيصيرَ من قُتل منكم إلى الجنّة ومنهم إلى النار. ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ وفي قراءة ((قاتَلُوا)) - الآية نزلت يوم أُحد، وقد فشا في
المسلمين القتل والجراحات - ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلّ﴾: يُحبِط ﴿أعمالَهُم ٤، سَيَهدِيهِم﴾ في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم، ﴿ويُصلِحُ
بالَهُم﴾ ٥: حالهم فيهما، وما في الدنيا لمن لم يُقتل وأُدرجوا في ((قُتِلوا)) تَغليبًا، ﴿ويُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ، عَرَّفَها﴾: بَيِّنَها ﴿لَهُم﴾ ٦، فيهتدون إلى
مساكنهم منها وأزواجهم وخدمهم، من غير استدلال.
٤ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إن تَنصُرُوا اللهَ﴾ أي: دِينَه ورسوله ﴿يَنصُرْكُمْ﴾ على عدوّكم، ﴿ويُثَبِّتْ أقدامَكُمْ﴾ ٧: يُثبّتكم في المعترك. ﴿والَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ من أهل مكّة، مُبتدأ خبره: تَعِسُوا، يدلّ عليه: ﴿فَتَعْسًا لَهُم﴾ أي: هلاكًا وخيبة من الله، ﴿وأَضَلَّ أعمالَهُم﴾ ٨: عطف على ((تعسوا)).
﴿ذلِكَ﴾ أي: التعس والإضلال ﴿بِأنَّهُم كَرِهُوا ما أنزَلَ اللهُ﴾ من القُرآن المشتمل على التكاليف، ﴿فأحبَطَ أعمالَهُم ٩. أفلَم يَسِيرُوا في الأرضِ،
(١) كفر: أنكر التوحيد والبعث والرسالة. وصد: منع. والسبيل: الطريق شُرع للهداية. وأحبط: أفسد. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يقوم به الإنسان من
نية أو قول أو فعل. والأرحام: الأقرباء. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والأنصار: الذين آمنوا من أهل المدينة، ونصروا الإسلام والمهاجرين.
والصالح: العمل الذي يرضاه الله. وآمنوا به: صدّقوه. ونُزل: أوحي بلسان جبريل. والحق: الثابت أبدًا ينسخ غيره ولا يُنسخ. ومن ربهم: من عنده وبأمره.
والسيئة: القبيح من العمل. وأصلحه: وجّهه إلى الخير ووفقه فيه. والبال: واحده بالة، أي: حالة. و((لا يعصونه)) كذا. والصواب: إذا فعلوا السيئة تنبهوا
التوبة والاستغفار. واتبعوه: لازموه بقصد وعزم. والأمثال: جمع مَثَل. وهو الحال والشأن بما فيهما من العجب والغرابة. (٢) روي أن الآيات ٤-١٠ نزلت
يوم أحد، تبشر المسلمين أنه ستكون لهم الغلبة، ويكون لهم أسرى ومنّ وفداء. وذلك بعد أن خسر المسلمون المعركة، وتبجح المشركون وتغنوا بعزة
الأصنام. انظر لباب النقول. ولقيتموهم: قابلتموهم في الحرب. وكفر: كذّب الله ورسوله، أي: هو مشرك من العرب ولم يكن له عهد أو ذمة. والضرب
أي: بالسيف ونحوه. والرقاب: جمع رقبة. وشدوه: احزموه بقوة. والمن: التكرم بتحرير الأسير مجانًا. وبعد: بعد انتهاء الحرب. والفداء: إطلاق الأسير
بعوض. وتضعها: تنزعها عنها وتلقيها. والأوزار: جمع وِزر. وهو الثقل. وهذه غاية أي: أن المعنى: حتى لا يبقى للعدو المذكور شوكة، فيترك الحرب
ويسالم. وبعد ذلك يكون منّ أو فداء. (٣) يشاء: يريد أن ينتصر بالكوارث المستأصِلة. ويبلوه: يمتحنه ليظهر مافيه. ومنهم أي: ببعض من الكافرين.
وقُتلوا: قُدِّر عليهم أن يُستشهَدوا. وقاتلوا: قُدِّر لهم أن يجاهدوا. وسبيله: طريقه من العقيدة والشريعة. ويهديهم: يرشد الأحياء إلى الصلاح والموتى إلى
الجنان. ويدخلهم: يقدّر لهم الدخول. والجنة: البستان العظيم. (٤) تنصروا دينه: تدافعوا عنه وتغلّبوه على الكفر. وينصركم: يؤيدكم ويغلّبكم. ويثبتها :
يمكّنها من الثبات في اللقاء. والأقدام: جمع قدم. وأهل مكة أي: وغيرها. ومبتدأ خبره: يعني أن ((الذين)): مبتدأ، والجملة المقدرة ((تعسوا)): خبره.
وكرهوه: نفروا منه لأنه يخالف شهواتهم. وأنزل: أوحى. ويسيرون أي: يمشي الكافرون ويرحلون للتجارة وغيرها. وينظر: يتدبر ويفكر. والعاقبة: النهاية
العجيبة. والكافرون: المنهمكون في الكفر. والأمثال: جمع مِثل. وهو النظير المماثل في الهول والشدة. و((وليُّ وناصرُ)) فيه حذف المضاف إليه لدلالة ما
بعده عليه، وهو جائز في الشعر والنثر. ولا مولى لهم أي: لاناصر لهم ولا معين.
٤٧ - سورة محمّد
٥٠٨
الجزء السادس والعشرون
سُورَةِ مُحَمَّد
إِنَّاللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِىِ مِن
تَحْنِهَا أَلْأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأَكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ
وَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ ﴿ وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُقُوَّةً مِّنْ قَرْيَئِكَ
الَّتِى أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴿أَفَ كَانَ عَلَى بِنَةٍ
مِّن رَّبِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَبَعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ [٢٠]َثَلُ الْجَنَّةِ
الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِن ◌ٍَّ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهٌَ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ
يَغَرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍلَّذَّةٍ لِلشَّارِبِنَ وَأَنْهٌَ مِّنْ عَسَلِّمُصَفَّىّ
وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثََّرَتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِّنْ زَِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلِةٌ فِ أَنَّارِ
وَسُقُواْمَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَ هُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا
أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَاللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَنَّعُوْ أَهْوَاءُ هُمْ ثَ وَالَّذِينَ
أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَانَئُهُمْ تَّقْوَنُهُمْ ﴿﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَ تُهُمْ
ذِكْرَنَهُمْ شَّافَاعْلَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَّكُمْ وَمَتْوَلِكُمْ (3)
فِيَنظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبَلِهِم؟ دَمَّرَ اللهُ عَلَيهِم﴾: أهلك اللهُ أنفُسَهم
وأولادهم وأموالهم، ﴿ولِلكافِرِينَ أمثالُها﴾ ١٠: أمثال عاقبة مَن قبلهم. ﴿ذلِكَ﴾
أي: نصرُ المُؤمنين وقهر الكافرين ﴿بِأنَّ اللهَ مَولَى﴾: وليُّ وناصرُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا، وأنَّ
الكافِرِينَ لا مَولَى لَهُم﴾ ١١ .
١- ﴿إِنَّ اللهَ يُدخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ،
والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا، ﴿ويأْكُلُونَ كَما تأكُلُ الأنعامُ﴾ أي: ليس لهم همّة
إلّا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون إلى الآخرة، ﴿والنّارُ مَثوّى لَهُمٍ﴾ ١٢ : منزلٌ ومُقام
ومصير. ﴿وكَأَيِّن﴾: وكم ﴿مِن قَرْيةٍ﴾ أُريد بها أهلُها، ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوّةً مِن قَرْيتِكَ﴾ مكّةً
أي: أهلِها ﴿الَّتِي أخرَ جَتْكَ﴾، رُوعي لفظ ((قرية))، ﴿أهلَكناهُم﴾ - رُوعي معنى ((قرية)»
الأُولى - ﴿فلا ناصِرَ لَهُم﴾ ١٣ من إهلاكنا! ﴿أفمَن كانَ عَلَى بَيِّةٍ﴾: حُجّة وبُرهان
﴿مِن رَبِّهِ﴾ - وهم المؤمنون - ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فرآه حسنًا - وهم كُفّار مكّة
- ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُم﴾ ١٤ في عبادة الأوثان؟ أي: لا مُماثلة بينهما .
٢- ﴿مَثَلُ﴾ أي: صِفَةُ ﴿الجَنِّ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ المُشترَكُ بين داخليها، مبتدأ خبره:
﴿فِيها أنهارٌ مِن ماءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾ - بالمدّ والقصر كضارِب وحَذِر - أي غيرِ مُتغيّر،
بخِلاف ماء الدنيا فيتغيّر لعارض، ﴿وأنهارٌ مِن لَبَنٍ لَم يَتَغَيَّرْ طَعِمُهُ﴾، بخِلاف لبن
الدنيا لخروجه من الضروع، ﴿وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾: لذيذة ﴿لِلشّارِبِينَ﴾، بخِلاف
خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب، ﴿وأنهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾، بخلاف عسل الدنيا
فإنه بخروجه من بُطون النحل يخالطه الشمع وغيره، ﴿ولَهُم فِيها﴾ أصناف ﴿مِن كُلٌّ
الثَّمَراتِ، ومَغفِرةٌ مِن رَبِّهِم﴾. فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذُكر، بخِلاف سيّد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطًا
عليهم. ﴿كَمَن هُوَ خالِدٌ في النّارِ﴾: خبرُ مُبتدأ مُقدّر، أي: أم مَن هو في هذا النعيم، ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ أي: شديد الحرارة، ﴿فَقَطَّعَ
أمعاءَهُم﴾ ١٥ أي: مصارينهم فخرجت من أدبارهم؟ وهو جمع مِعَى بالقصر، وألفه عن ياء لقولهم: مِعَيانِ.
٣- ﴿ومِنهُم﴾ أي: الكُفّارِ ﴿مَن يَستَمِعُ إلَيكَ﴾ في خُطبة الجُمعة - وهم المنافقون - ﴿حَتَّى إذا خَرَجُوا مِن عِندِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ﴾ :
العُلماء الصحابة، منهم ابن مسعود وابن عبّاس، استهزاءً وسخرية: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ - بالمد والقصر - أي: الساعةَ؟ أي: لا يُرجَعُ إليه. ﴿أُولَئِكَ
الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمِ﴾ بالكُفر، ﴿واتَّبَعُوا أَهْواءَهُم) ١٦ في النِّفاق، ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوا﴾ - وهم المُؤمنون - ﴿زادَهُمْ﴾ الله ﴿هُدَى، وآتَاهُم
تَقْواهُم﴾ ١٧ : ألهمهم ما يتّقون به النار. ﴿فَهَل يَنظُرُونَ﴾: ما ينتظرون أي: كُفّارُ مكّة ﴿إِلّ السّاعةَ، أن تأتِيَهُم﴾: بدلُ اشتمال من ((الساعةَ))،
أي: ليس الأمر إلّا أن تأتيهم ﴿بَغْنَةً﴾: فجأة؟ ﴿فَقَد جاءَ أشراطُها﴾: علاماتها، منها بَعثُ النبيّ ◌َّهِ وانشقاقُ القمر والدخانُ. ﴿فَأَنَّى لَهُم، إذا
جاءَتْهُم﴾ الساعةُ، ﴿ذِكراهُم﴾ ١٨ : تذكّرُهم؟ أي: لا ينفعهم.
٤ - ﴿فاعلَمْ أَنَّهُ لا إِلَّهَ إلّا اللهُ﴾ أي: دُمْ - يا مُحمّد - على عِلمك بذلك النافع في القيامة، ﴿واستَغفِرْ لِذَنِكَ﴾ لأجله - قيل له ذلك مع عصمته
(١) آمن: اعترف قلبه بالتوحيد وما يلزمه. وعمل: اكتسب. والصالح: ما يرضاه الله. والجنة: البستان العظيم. وتجري: تسيل وتتدفق. والأنهار: جمع نهر.
ويتمتع: يتلذذ. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. وكم أي: كثير. والقرية: البلدة. وأشد: أعظم. وأخرجتك: حملك كُفّارها على الهجرة. انظر ((المفصل)).
وأهلكَ: أفنى. والناصر: المنقذ. ومن ربه أي: من عنده وبأمره. وزين: جُعل مغريًا. والسوء: القبيح. وكفار مكة أي: وغيرها. واتبعه: انقاد إليه.
والأهواء: جمع هوى، ميل النفس إلى ما تشتهيه.
(٢) وُعد المتقون أي: وَعد الله إياها من يتجنب غضبه ويلزم الطاعة. والمشترك: المَثل المذكور، وهو مشترك بين أعلى أهل الجنة وأدناهم. ومبتدأ خبره:
يعني أن ((مثل)): مبتدأ خبره جملة ((فيها أنهار)). وبالقصر يريد القراءة ((أَسِينٍ). وهو الذي يفسد. وفي المنحة: ((أسِنَ)). واللبن: ما يُشرب من حلب الماشية.
ويتغير: يتحول إلى فساد. والخمر: ما يكون به نشوة من الشراب. والعسل: الشراب الحلو. والمغفرة: الستر للذنوب والعفو عنها. والخالد: المقيم أبدًا.
وخبر: يعني أن الكاف: اسم في محل رفع خبر. انظر ((المفصل)). وسقوا: شربوا مضطرين. وألفه عن ياء أي: منقلبة عن ياء، وأصله ((مِعَيّ)). ومعيان أي:
في التثنية .
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. ويستمع: يصطنع السماع. وأُوتوه: أُعطوه. والعلم: الفهم الدقيق. وبالقصر يريد القراءة ((أَنِفًا)). والساعة أي: قُبيل
افتراقنا. وطبع: ختم. والقلوب: جمع قلب. واهتدى: استرشد إلى الحق. وزاده: أضاف إليه. والهدى: التوجيه إلى الحق. والتقوى: تجنب سخط الله
وطلب الرضا. وكفار مكة أي: وغيرها. والساعة: وقت القيامة. وتأتيهم: تفاجئهم. وبدل: يعني أن المصدر المؤول من ((أنْ)) بدل. وجاء: ظهر.
والأشراط: جمع شَرَط. وهو العلامة. والدخان: انظر الآية ١٠ من سورة الدخان. وأنى: من أين؟
(٤) الإله: المعبود بحق. واستغفرْ: استمرَّ على طلب العفو. وذنبك: تركك من العمل ما هو أولى. وتستن: تقتدي. والحديث من تفسير البغوي ٤: ١٨٣، =
الجزء السادس والعشرون
٥٠٩
٤٧ - سورة محمّد
لتَستنّ به أُمّتُه، وقد فعله قال مَّهِ: ((إنِّي لأستَغْفِرُ اللهَ في كُلِّ يَومٍ مِائَةَ مَرّةٍ)) -
﴿ولِلمُؤمِنِينَ والمُؤمِناتِ﴾. فيه إكرام لهم بأمر نبيهم بالاستغفار لهم. ﴿واللهُ يَعلَمُ
مُتَقَلَّبَكُم﴾: مُتصرَّفكم لأشغالكم بالنهار، ﴿ومَثواكُم﴾ ١٩: مأواكم إلى مضاجعكم
بالليل، أي: هو عالم بجميع أحوالكم لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه. والخطاب
للمؤمنين وغيرهم.
١- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ طلبًا للجِهاد: ﴿لَولا﴾: هلّ (نُزَّلَتْ سُورةٌ﴾ فيها ذِكر
الجِهاد. ﴿فإذا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحِكَمَةٌ﴾ أي: لم يُنسخ منها شيء، ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾
أي: طلبُه، ﴿رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ أي: شكّ - وهم المُنافقون - ﴿يَنظُرُونَ
إلَيكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ المَوتِ﴾ خوفًا منه وكراهية له، أي: فهم يخافون من القِتال
ويكرهونه. ﴿فَأَوَلَى لَهُمِ﴾ ٢٠: مُبتدأ خبرُه: ﴿طاعةٌ وقَولٌ مَعرُوفٌ﴾ أي: حَسَنٌ لك،
﴿فإذا عَزَمَ الأمرُ﴾ أي: فُرِضَ القِتال ﴿فَلَو صَدَقُوا اللهَ﴾، في الإيمان والطاعة، ﴿لَكانَ
خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٢١. وجملة ((لو)) جوابُ: إذا .
٢- ﴿فَلِ عَسَيْتُم﴾ - بفتح السين وكسرها، وفيه التفات عن الغَيبة - أي: لعلّكم،
﴿إِن تَوَلَّيتُم﴾: أعرضتم عن الإيمان، ﴿أن تُفسِدُوا في الأرضِ، وتُقَطّعُوا
أرحامَكُم﴾ ٢٢ أي: تعودوا إلى أمر الجاهليّة من البغي والقتال. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي:
المُفسدون ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ، فأصَمَّهُم﴾ عن استماع الحقّ، ﴿وأعمَى أبصارَهُم﴾ ٢٣
عن طريق الهداية. ﴿أفلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ﴾ فيعرفون الحقّ؟ ﴿أم﴾: بل ﴿علَى قُلُوبٍ﴾
لهم ﴿أقفالُها﴾ ٢٤، فلا يفهمونه.
سُنُودَة مُحَمَّد
وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ
جَطَاعَةُ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ اُلْأَمْرُ فَلَقْصَدَ قُواْ اللَّهَ
لَكَانَ خَيْ ا لَّهُمْ ﴿ فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴿﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (١) إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُ واْ عَلَىَ أَدْبَرِهِ
مِّنُ بَعْدِ مَانَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى
لَهُمْ ®ّا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ
اللّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِ بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ جَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ
وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (١٨) أَمْ حَسِبَ
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضُ أَن ◌َّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغََهُمْ
٣- ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارتَدُّوا﴾ بالنِّفاق ﴿عَلَى أدبارِهِم، مِن بَعدِ ما تَبَّنَ لَهُمُ الهُدَى، الشَّيطانُ سَوَّلَ﴾: زيَّنِ ﴿لَهُم وأُمْلِيَ لَهُم﴾ ٢٥، بضمِّ أوّله، وبفتحِه
واللامَ والمُملي: الشيطان بإرادته - تعالى - فهو المُضلّ لهم. ﴿ذلِكَ﴾ أي: إضلالهم ﴿بِأَنَّهُم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ أي للمُشركين:
﴿َسَنُطِيعُكُمْ فِي بَعضِ الأمرِ﴾ أمر المُعاونةِ على عداوة النبيّ وََّ، وتثبيط الناس عن الجِهاد معه. قالوا ذلك سرًّا، فأظهره الله تعالى. ﴿واللهُ يَعلَمُ
أسرارَهُم﴾ ٢٦. بفتح الهمزة: جمع سِرّ، وبكسرها مصدر. ﴿فَكَيفَ﴾ حالُهم، ﴿إذا تَوَقَّتْهُمُ المَلائكةُ، يَضرِبُونَ﴾: حالٌ من الملائكة ﴿وُجُوهَهُم
وأدبارَهُم﴾ ٢٧: ظُهورهم، بمقامع من حديد؟ ﴿ذُلِكَ﴾ التوفّي على الحال المذكورة ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسخَطَ اللهَ، وكَرِهُوا رِضوانَهُ﴾ أي: العملَ
بما يُرضيه، ﴿فَأَحَبَطَ أعمالَهُم﴾ ٢٨ .
٤- ﴿أَم حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أن لَن يُخرِجَ اللهُ أضغائَهُم﴾ ٢٩: يُظهرَ أحقادهم على النبيّ ◌َّه والمُؤمنين؟ ﴿وَلَو نَشاءُ لَأَرَيناكَهُمِ﴾:
=وهو بلفظ آخر في صحيح مسلم ص ٢٠٧٥ والمسند ٢١١:٤. والمؤمن: من صدّق الله ورسوله. ويعلمه: يحيط به مهما دق واختفى. والمتصرَّف:
التصرُّف.
(١) نُزّلت: أوحيت. والسورة: المجموعة من الآيات. وذكر: فُرض وأوجب. والقتال: جهاد العدو. ورأيت: أبصرت عيانًا. والقلوب: جمع قلب. وينظر:
يوجّه عينيه. والمغشي عليه: المُغمَى عليه. وأولى لهم: أجدرُ بهم. وعزم: وجب. وصدق: أخلص النية في الاستجابة. وكان: صار صدقُ النية. وخيرًا:
أفضل من المعصية والمخالفة .
(٢) عسيتم: يُتوقع منكم. وبكسرها يريد به القراءة ((عَسِيتُم)). وتفسد: تنشر المنكرات. والأرحام: جمع رَحِم. وهي القرابة وأسبابها. وتقطيعها: تمزيق ما
توجبه من المودة والتراحم. ولعنه: طرده من الرحمة. وأصمه: خلق فيه الصمم. وأعماها: أفقدها التبصر. والأبصار: جمع بصر. ويتدبره: يتفهم ما فيه.
والأقفال: جمع قفل.
(٣) روي أن هذه الآيات نزلت في أناس أسلموا، ثم نافقت قلوبهم. تفسير الآلوسي ١١١:٢٦. وارتدوا: رجعوا إلى ما كانوا عليه. والأدبار: جمع دبر.
وهو الظهر. وتبين: ظهر واتضح. والهدى: الهداية إلى الحق. والشيطان: من يوسوس بالشر من الجِنّة والناس. وأَملِيَ لهم أي: لم يُعجّلوا بالانتقام. وبفتحه
يريد القراءة ((وأَملَى)). انظر ((المفصل)). وكرهه: نفر منه. ونزّل: أوحى على محمد. ونطيعكم: نوافقكم. والأمر: شأنكم الذي أنتم فيه. ويعلم: يحيط بالغَ
الإحاطة. والأسرار: جمع سرّ. وهو ما يكتم. وبكسرها يريد القراءة ((إسرارَهُم))، أي: ما يُخفونه من كفر وكيد. وتوفته: استوفت روحَه. والملائكة: جمع
ملَك، ملائكة الموت. ويضرب: يصفع. والوجوه: جمع وجه. والمقامع: جمع مِقمعة. وهي قضيب رأسه مُعوَجّ. واتبعه: استجاب له. وأسخطه: أغضبه.
والرضوان: القبول في الرحمة. وأحبطها: أذهب ثوابها. والأعمال: جمع عمل. وهو ما اكتُسب من نية أو قول أوفعل.
(٤) المرض: ضعف الإيمان. والأضغان: جمع ضِغن. ونشاء: أردنا أن نريكهم. وعرفناكهم: عيّنًا لك أشخاصهم. وإنما لم يُفضحوا تألفًا لهم وإبقاء على
قراباتهم. وعرفت: أدركت وميزت. وعلامتهم: العلامات المميزة. و((الواو لقسم محذوف)) خطأ، والصواب أن الجملة جواب قسم محذوف، والواو: حرف
عطف. والقول: مايقال. ويعلمها: يحيط بها بالغَ الإحاطة ويحفظها للحساب والجزاء. والأعمال: جمع عمل بنية أو قول أو فعل.
٤٧ - سورة محمّد
٥١٠
الجزء السادس والعشرون
سُورَةِ مُحَمَّد
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَزَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ
لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
اٌلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُم ◌ْ إِنَّالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُّ وا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآتُواْالرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَنَ
لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ
* يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَأَنْبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ ﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَ مَا تُواْ
وَهُمَّ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَهُمْ ﴿ فَلَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوْ إِلَى السَّلْمِ
وَأَنْتُ أُلْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ (®إِنَّمَا
اٌلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَ إِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْيُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ
وَلَ يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ ﴿ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
تَبْخَلُواْ وَ يُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ جَ هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ
لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَمِنكُمْ مَن يَبْخَلُّ وَمَن يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنِ نَّفْسِِّ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن
تَتَوَّلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْأَمْثَلَكُمْ
عرّفناكهم، وكُرّرَتِ اللامُ في ﴿فَلَعَرَفَتَهُم بِسِيماهُم﴾: علامتهم، ﴿وَلَتَعرِ فَنَّهُم) -
الواو: لقسم محذوف، وما بعدها جوابه - ﴿في لَحنِ القَولِ﴾ أي: في معناه،
إذا تكلّموا عِندك، بأن يُعرّضوا بما فيه تهجينُ أمر المُسلمين. ﴿واللهُ يَعلَمُ
أعمالکُم﴾ ٣٠.
١- ﴿وَلَنَبَلُوَنَّكُمْ﴾: نختبرنَّكم بالجِهاد وغيره، ﴿حَتَّى نَعلَمَ﴾ عِلمَ ظُهورِ
﴿المُجاهِدِينَ مِنكُم والصّابِرِينَ﴾، في الجِهاد وغيره، ﴿وَنَبَلوَ﴾: نُظهِرَ
٥١
ثلاثة أرباع
الْخِزْنِ
﴿أخبارَكُم﴾ ٣١ من طاعتكم وعِصيانكم في الجِهاد وغيره. بالياء والنون في
الأفعال الثلاثة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ﴾: طريقِ ﴿اللهِ، وشاقُّوا
الرَّسُولَ﴾: خالفوه، ﴿مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى﴾ هو معنى: سبيل الله، ﴿لَن يَضُرُّوا
اللهَ شَيئًا! وسَيُحِطُ﴾ اللهُ ﴿أعمالَهُم﴾ ٣٢: يُبطلها من صدَقة ونحوها، فلا يرون لها في
الآخرة ثوابًا. نزلتْ في المُطعِمِينَ من أصحاب بدر، أو في قُريظةَ والنضيرِ .
٢- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ، ولا تُبطِلُوا أعمالَكُم﴾ ٣٣
بالمعاصي مثلًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: طريقه وهو الهُدى، ﴿ثُمَّ
ماتُوا وهُم كُفّارٌ، فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمِ﴾ ٣٤. نزلتْ في أصحاب القَليب. ﴿فلا تَهِنُوا﴾:
تَضعُفوا، ﴿وَتَدعُوا إِلَى السَّلمِ﴾ - بفتح السين وكسرها - أي: الصُّلحِ مع الكُفّار إذا
لقيتموهم، ﴿وأنْتُمُ الأعلَونَ﴾، حُذف منه واوٌ لام الفعل: الأغلبون القَاهرون، ﴿واللهُ
مَعَكُم﴾ بالعون والنصر، ﴿وَلَن يَتِرَكُم﴾: يَنقُصَكم ﴿أعمالَكُم) ٣٥ أي: ثوابها.
٣- ﴿إِنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا﴾ أي: الاشتغال فيها ﴿لَعِبٌ ولَهوٌ، وإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الله - وذلك من أُمور الآخرة - ﴿يُؤْتِكُم أُجُورَكُم، ولا يَسألُكُم
أموالَكُمْ﴾ ٣٦ جميعَها، بل الزكاةَ المفروضة فيها. ﴿إِن يَسألُكُمُوها فيُحفِكُم﴾: يبالغْ في طلبها ﴿تَبَخَلُوا، ويُخرِجْ﴾ البخلُ ﴿أضغانَكُم﴾ ٣٧ لدِين
الإسلام. ﴿ها أنتُم﴾ يا ﴿هَؤُلاءِ تُدعَونَ، لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ما فَرضَ عليكم، ﴿فَمِنكُم مَن يَبْخَلُ، ومَن يَبِخَلْ فإنَّما يَبْخَلُ عَن نَفْسِهِ﴾ - يقال:
بَخِلَ عليه وعنه. ﴿وَاللهُ الغَنِيُّ﴾ عن نفقتكم، ﴿وأنتُمُ الفُقَراءُ﴾ إليه - ﴿وإن تَتَوَلَّوا﴾ عن طاعته ﴿يَستَبدِلْ قَومًا غَيرَكُم﴾ أي: يجعلْهم بدلَكم، (ثُمَّ
لا يَكُونُوا أمثالَكُمْ﴾ ٣٨ في التولّي عن طاعته، بل مُطيعين له، عزّ وجلّ.
(١) نختبر: نمتحن. وعلم ظهور: علم بيان يكون عليه الحساب. والمجاهد: من يبذل ما يستطيع من المال والجهد والقول والصحة والوقت والعلم والجاه.
والصابر: من يَثبت على الشدائد. والأخبار: جمع خبر. وهو ما يخبر به عن العمل. وبالياء يريد القراءة ((ولَيَبْلُوَنَّكُمْ))، و((يَعلَمَ))، ((ويَبْلُوَ)). والنون أي: نون
المضارعة. وكان على المحلي أن يقول: بالنون والياء. وكفر: كذّب الله ورسوله. وصدوا: دفعوا الناس. وتبين: ظهر بالأدلة والمعجزات. ويضره: يسبب له
أو لدينه الضرر. وأعمالهم: ما قاموا به من الكيد. وأصحاب بدر: من أنفق لمحاربة المسلمين ببدر، علموا صدق الدعوة، وحاربوها تعنتًا ومكابرة. وقُريظة
والَّضير: اليهود علموا من التوراة صدق النبي وَ طير، وكادوا له وخانوا معاهداته. والآيات تشمل أيضًا كل كافر من أمثال الفريقين. البحر ٨٥:٨.
(٢) روي أن الصحابة كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت الآية ٣٣ تبين أن الذنوب تُذهب حسنات المؤمنين، كما أن
الحسنات يُذهبن سيئاتهم. الدر المنثور ٦٧:٦. وأطيعوه: استجيبوا لأمره ونهيه. وتُبطل: تُفسد. والأعمال: جمع عمل. وكفر: جحد الإيمان بالتوحيد
والبعث، وكذّب الله ورسوله. وصد: دفع. والكفار: جمع كافر. ويغفر: يستر الذنب ويعفو عنه. ونزلت: يعني أن الآية ٣٤ نزلت في شأن قتلى المشركين
ببدر، أُلقيتْ جئئهم في بئر هناك. والقليب: البئر. ولا تدعوا إلى السلم: لا تطلبوا الموادعة والصلح، ما دام عدوان على بعض حقوق المسلمين، في الدين
أو الوطن. يعني: لاتكونوا البادئين بذلك. والخطاب لجميع المسلمين، في كل زمان ومكان. وبكسرها يريد القراءة ((السِّلم)). وإذا لقيتموهم أي: في الحرب
والقتال، أو كنتم مقصودين بعدوان أو إذلال. ولام الفعل هي الحرف الأخير من العلوّ.
(٣) الحياة: العيش بالروح والجسد. واللعب: ما يشغل الإنسان عن واجباته، وليس فيه منفعة. فإن شغله ذلك عن مهمات نفسه أيضًا كان لهوًا. يعني أن
متاع الدنيا باطل يزول. فكيف يمنعكم من الجهاد؟ وتؤمنوا: تثبتوا على الإيمان. وتتقوه: تتجنبوا غضبه وتطلبوا رضاه. وذلك من أمور الآخرة أي: مع ما له
من خير في الدنيا. ويؤتي: يعطي. وأجور: جمع أجر. ويسألكم: يطلب منكم. وأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. وتبخل: تمتنع عن
البذل. ويخرجها: يكن سبب ظهورها. والأضغان: جمع ضِغن. وهو البغض. ولدين الإسلام أي: يسبب لكم حقدًا على دين يغصب أموالكم. وتدعى:
تُحض. وتنفق: تبذل. وفي سبيله: لإعلاء كلمته بالجهاد وغيره. والغني: المستغني لا يحتاج إلى شيء. والفقراء: جمع فقير. وهو من يحتاج إلى العون
والرزق. وتتولوا: تنصرفوا إلى الانشغال بالحياة. والأمثال: جمع مِثل. وهو الشبيه.
الجزء السادس والعشرون
٥١١
٤٨ - سورة الفتح
سورة الفتح
مدنية، تسع وعشرون آية.
١- ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ﴾: قضَينا بفتح مكّة وغيرها، المُستقبلَ عَنوةً بِهادك، ﴿فَتْحًا
مُّبِينًا﴾ ١: بيًّا ظاهرًا، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾، بجِهادك، ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِكَ وما تأخّرَ﴾
منه: لترغب أُمّتك في الجهاد - وهو مُؤوّل، لعِصمة الأنبياء بالدليل العقلي القاطع،
من الذنوب. واللام: للعِلّة الغائيّة فمدخولها مُسبَّب لا سبب - ﴿ويُتِمَّ﴾ بالفتح
المذكور ﴿نِعْمتَهُ﴾: إنعامه ﴿عَلَيكَ، ويَهدِيَكَ﴾ به ﴿صِراطًا﴾: طريقًا ﴿مُستَقِيمًا﴾ ٢
يُثْبّك عليه - وهو دِين الإسلام - ﴿وَيَنصُرَكَ اللهُ﴾ به ﴿نَصرًا عَزِيزًا﴾ ٣: ذا عِزّ، لا ذلّ
معه .
٢- ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾: الطُّمأنينة ﴿فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ، لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ
إيمانِهِم﴾ بشرائع الدين، كلّما نزَّل واحدة منها آمنوا بها، ومنها الجهاد، ﴿ولِثِ جُنُودُ
السَّماواتِ والأرضِ﴾ - فلو أراد نصر دِينه بغيركم لفعل - ﴿وكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه،
﴿حَكِيمًا﴾ ٤ في صُنعه، أي: لم يزل مُتّصفًا بذلك.
٣- ﴿لِيُدخِلَ﴾: مُتعلّق بمحذوف، أي: أمَرَ بالجِهاد، ﴿المُؤمِنِينَ والمُؤمِناتِ جَنّاتٍ،
تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها، ويُكَفِّرَ عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم - وكانَ ذُلِكَ عِندَ اللهِ فَوزًا
عَظِيمًا ٥- ويُعذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشرِكِينَ والمُشرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ
السَّوءِ﴾، بفتح السين وضمّها في المواضع الثلاثة، ظنّوا أنه لا ينصر مُحمّدًا وَّرَ والمُؤمنين. ﴿عَلَيهِم دائرةُ السَّوءِ﴾ بالذلّ والعذاب، ﴿وغَضِبَ
اللهُ عَلَيهِم، ولَعَنَهُم﴾: أبعدهم، ﴿وأعَدَّ لَهُم جَهَنَّمَ، وساءتْ مَصِيرًا﴾ ٦ أي: مَرجِعًا! ﴿ولِثِهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرضِ، وكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ في
مُلكه، ﴿حَكِيمًا﴾ ٧ في خلقه، أي: لم يزل مُتّصفًا بذلك.
٤ - ﴿إِنّا أرسَلْنَاكَ شاهِدًا﴾ على أُمّتك في القِيامة، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ لهم في الدنيا بالجنة، ﴿ونَذِيرًا﴾ ٨: مُنذرًا مُخوّفًا فيها مَن عَمِلَ سُوءًا بالنار،
﴿لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ - بالياء والتاء فيه وفي الثلاثة بعده - ﴿ويُعَزِّرُوهُ﴾: ينصروه، وقُرئ بزاءين مع الفَوقانيّة، ﴿وَيُؤَقِّرُوهُ﴾: يُعظّموه -
وضميرهما لله أو لرسوله - ﴿ويُسَبِّحُوهُ﴾ أي: اللهَ ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ٩: بالغداة والعشيّ.
(١) عن أنس بن مالك أن أوائل السورة نزلت في الرجوع من صلح الحديبية بشارة، فقال النبي وَلَّ: ((نَزَلَتْ عليَّ آيَةٌ، هِيَ أحَبُّ إلَيَّ منَ الدُّنيا جَمِيعًا)). تفسير
البغوي ١٨٨:٤. والمستقبل أي: في الزمن القادم. ويغفر: يعفو. وهو مؤول: يعني أن الذنب هنا مراد به خلاف الأولى من العمل. واللام أي: في ((ليغفر)).
والعلة الغائية: المحقّقة لا الباعثة، لأنه - تعالى - لايبعثه شيء على شيء. ومدخولها أي: الغفران وإتمام النعمة والهداية. والمسبَّب: ما يتحقق بوجود
السبب. ويتم: يكمل. ويهدي: يرشد. والمستقيم: المعتدل. وينصرك: يؤيدك.
(٢) أنزلها: خلقها. فقد اضطرب المؤمنون، لِما في صلح الحُديبية من إجحاف بهم ظاهر، حتى قال عمر بن الخطاب: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟
فلِمَ نُعطِي الدنيّةَ في ديننا؟ انظر الحديثين ٢٥٨١ في البخاري و١٧٨٥ في مسلم. والقلوب: جمع قلب. ويزداد: يتضاعف. والجنود: الملائكة وما في الكون
من مخلوقات، تقهر الإنسان. والعليم: المبالغ في الإحاطة. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. وبذلك أي: بما ذكر
من العلم والحكمة .
(٣) لما نزلت الآيات ١-٤ قال الصحابة: ((هنيئًا لك - يا رسول الله - ما أعطاك الله. فمالَنا))؟ أي: فماهو حظنا من هذا الفتح؟ فنزلت هذه الآية. انظر
الحديثين ٣٩٣٩ في البخاري و٣٢٥٩ في الترمذي. ويدخلهم: ييسر لهم الدخول. ومتعلق أي: حرف الجر في (ليدخل)). والجنة: البستان العظيم. والأنهار:
جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا. ويكفر: يستر. والسيئة: قبيح العمل. وعند الله: في علمه ورحمته. والفوز: النجاح. والعظيم: الضخم لامثيل له. ويعذبه
أي: بالقتل والذلة والخلود في جهنم. والمنافق: من أظهر الإيمان بلسانه. والمشرك: من يعبد مع الله بعض خلقه. والظن: التوهم. والسوء: المؤذي
للمؤمنين. وبضمها يريد القراءة ((السُّوءِ)). وفي المواضع الثلاثة أي: في هذه الآية والآية ١٢. والصواب أن القراءتين وردتا في الموضعين من هذه الآية، وما
في الآية ١٢ جاء بالفتح وحده. انظر معجم القراءات القرآنية ٢٠١:٦ و٢٠٥. والدائرة: مايحيط من كل جانب. وغضب عليه: سخط عليه فأراد له العذاب.
وأبعدهم: طردهم من رحمته. وأعد: هيأ. وساءت: بلغت الغاية من السوء والإيذاء. والعزيز: الغلّاب لماعداه.
(٤) أرسل: كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والشاهد: من يحضر الأمر ليقرّ بما علم وقت القضاء. والمبشر: المبلّغ بما يَسرّ. وبالتاء يريد
القراءة (لِتُؤمِنُوا))، و((تُعَزِّرُوهُ))، و((تُوَقِّرُوهُ))، و((تُسَبِّحُوهُ)). وينصروه: ينصروا دينه بالعمل والجهاد. وبزاءين مع الفوقانية يريد (وتُعَزِّزُوهُ))، أي: تغلّبوا دينه على
الكفر. وضميرهما: ضمير النصب في الجملتين الماضيتين. والأولى أن يكون الضمير الله فيكون الكلام على نسق واحد في النظم الكريم. ويسبحه: ينزهه عما
لا يليق به. وبالغداة والعشي أي: في جميع الأوقات.
سُوَرَةِ الفَُّ
آيات
شُورَةُ الفَتْح
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا : لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَئِكَ
وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ®
وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرَّاعَزِيزًا ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ اُلسَّكِينَةَ فِ قُلُوبٍ
اَلْمُؤْمِنِينَ لِّزْدَادُوّا إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ
وَاُلْأَرْضِ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِرَ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ
الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الّآنِينَ
◌ِاللَّهِ ظَنّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِرْ
وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنٌَّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٦ْ وَلِلَّهِ جُنُودُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزً ا حَكِيمًا ﴿ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ
شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴿ لَّتُؤْمِنُواْ بِاَلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾
٤٨ - سورة الفتح
٥١٢
الجزء السادس والعشرون
سُوْرَةِ الفَتْحُ
إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يهِمْ
فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَاعَهَدَ عَلَيْهُ
اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرَاً عَظِيمًا (٥ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ
مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَ لُنَا وَأَهْلُوْنَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ
بِأَلْسِنَتِهِم ◌َالَيْسَ فِ قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَنِ يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الَّهِ
شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْأَرَادَ بِّكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَاتَعْمَلُونَ
خَبِيرًا ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى
أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
وَكُنْتُمْ قَوْمَأُبُورًا (٢) وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّآ
أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا (٣) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى
مَغَانِمَ لِتَأْخُذُ وهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ
كَمَ اللَّهِ قُل لَن تَشَّبِعُونَأَ كَذَلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِن قَبْلٌ
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْشُدُ ونَأَبَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّ قَلِيلًا (@)
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ﴾، بَيعةَ الرِّضوانِ بالحُدَيبيةِ، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ - هو نحو
((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطاعَ اللهَ)) - ﴿يَدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهِم﴾ التي بايعوا بها النبيّ، أي:
هو - تعالى - مُطّلع على مُبايعتهم، فيُجازيهم عليها. ﴿فَمَن نَكَثَ﴾: نقض البيعة
﴿فإنَّما يَنْكُثُ﴾: يرجِعُ وبالُ نقضِه ﴿عَلَى نَفْسِهِ، ومَن أَوفَى بِما عاهَدَ عَلَيهِ اللهَ
فَسَيُؤْتِيهِ﴾ - بالياء والنون - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١٠ .
٢ - ﴿َسَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّقُونَ مِنَ الأعرابِ﴾ حولَ المدينة، أي: الذين خلّفهم الله عن
صُحبتك، لمّا طلبتَهم ليخرجوا معك إلى مكّة، خوفًا من تعرّض قُريش لك عام
الحُديبية، إذا رجعتَ منها: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهلُونا﴾ عن الخُروج معك. ﴿فاستَغْفِرْ
لَنا﴾ اللهَ مِن تَرك الخُروج معك. قال تعالى، مُكذّبًا لهم: ﴿يَقُولُونَ بِألسِنِتِهِم﴾، أي:
مِن طلبِ الاستغفار وممّا قبله، ﴿ما لَيسَ في قُلُوبِهِم﴾. فهم كاذبون في اعتذارهم.
﴿قُلْ: فَمَنِ﴾ - استفهام بمعنى النفي - أي: لا أحدَ ﴿يَملِكُ لَكُم مِنَ اللهِ شَيئًا، إن
أرادَ بِكُمْ ضَرَّا﴾ - بفتح الضاد وضمّها - ﴿أو أرادَ بِكُمْ نَفعًا؟ بَل كانَ اللهُ بِما تَعمَلُونَ
خَبِيرًا﴾ ١١ أي: لم يزل مُتّصفًا بذلك.
٣- ﴿بَل﴾ - في الموضعين للانتقال من غرض إلى آخر - ﴿ظَنَنتُم أن لَن يَنقَلِبَ
الرَّسُولُ والمُؤمِنُونَ إِلَى أهلِيهِم أَبَدًا، وزُيِّنَ ذُلِكَ فِي قُلُوبِكُم﴾ أي: أنهم يُستأصَلون
بالقتل فلا يرجعون، ﴿وَظَنَتُمْ ظَنَّ السَّوءِ﴾ هذا وغيرَه، ﴿وكُنتُم قَومًا بُورًا﴾ ١٢ : جمع
بائر، أي: هالكين عند الله بهذا الظنّ. ﴿ومَن لَم يُؤمِنْ بِاللهِ ورَسُولِهِ فإنّا أَعتَدْنا
لِلكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ ١٣: نارًا شديدة، ﴿ولِلهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٤ أي: لم يزل
مُتّصفًا بما ذُكر.
٤ - ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون، ﴿إذا انطَلَقتُم إلَى مَغانِمَ﴾ - هي مغانم خيبر - ﴿لِتَأخُذُوها: ذَرُونا﴾: اتركونا، ﴿نَِّعْكُم﴾ لنأخذَ منها.
﴿يُرِيدُونَ﴾ بذلك ﴿أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾. وفي قراءة: ((كَلِمَ اللهِ)) بكسر اللام، أي: مواعيدَه بغنائم خيبر أهلَ الحُديبية خاصّة. ﴿قُلْ: لَن تَتَّبِعُونا.
كَذَلِكُمْ قالَ اللهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: قبل عودنا. ﴿فسَيَقُولُونَ: بَل تَحسُدُونَنا﴾ أن نُصيب معكم من الغنائم، فقلتم ذلك. ﴿بَل كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ من
الدِّين ﴿إِلّا قَلِيلًا﴾ ١٥ منهم.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. ويبايع: يعاهد بمحاربة الكافرين. والحديبية قرية كانت على مسيرة يوم من مكة. و((هو نحو ... )) يعني الآية ٨٠ من سورة
النساء. والأولى أن تفسر اليد بالمعنى المعروف على ما يليق بجلاله، ويظهر من ذلك علوّ شأنه، وأنه هو المبايع في الحقيقة بوساطة رسوله. والأيدي: جمع
يد. وأوفى به: التزمه كاملًا. وفي الأصل: (عَلَيْهُ)). وهي قراءة على لغة أهل الحجاز. أنظر الآية ٦٣ من سورة الكهف. ويؤتي: يعطي. والأجر: المكافأة.
وبالنون يريد القراءة ((فسَنُؤْتِيهِ)). والعظيم: الضخم لا يقدر بشيء.
(٢) سيقول أي: معتذرًا مِن تخلفه. والأعراب: واحده أعرابيّ. وهو المقيم في البادية. ومنها: من مكة. وشغلتنا: ألهتنا. والأموال: جمع مال. وهو ما
يُملك من نقد ومتاع وزينة. والأهل: النساء والأولاد. انظر ((المفصل)). واستغفر: اطلب الستر للذنب والعفو عنه. والألسنة: جمع لسان. ومما قبله أي: من
اعتذارهم أيضًا. والقلوب: جمع قلب. وقل أي: خاطب الذين تخلفوا بالقول مجيبًا لهم، أجوبة ثلاثة على الترقي في التوبيخ. فأولها فيه تعريض بالمحقِّين
والمبطلين، والثاني فيه إبطال للعذر ووعيد على النفاق، والثالث فيه بيان لسبب التخلف. ويملكه: يقدر عليه. ومن الله أي: مما يريده بكم. وأراد: قدّر.
والضر: ما يؤذي. وبضمها يريد القراءة ((ضُرًّا)). والنفع: مافيه خير. وتعمل: تكتسب من النية والقول والفعل. والخبير: المحيط بالغّ الإحاطة.
(٣) للانتقال أي: حرف استئناف. والظن والسوء: انظر الآية ٦. وينقلب: يرجع من سفره. وزُين: جُمّل. وأعتدنا: هيأنا. والملك: الحيازة والتصرف.
والسماوات والأرض: انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ويغفر: يستر الذنب ويعفو عنه. والغفور: الكثير المغفرة. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة
والمغفرة للمؤمنين.
(٤) انطلق: ذهب. والمغانم: جمع مَغنم. وهو ما يحصل عليه المحارب من العدو. وخيبر: قرية قريبة من المدينة المنورة، كان فيها حصون ومزارع وبعض
اليهود. انظر ((المفصل)). وتأخد: تنال. ونتبعكم: ننطلق معكم ونحارب. ويريد: يقصد. ويبدل: يغير. وكلام الله: حُكمه وقضاؤه بما وعد. والكلم: واحدته
كلمة. وأهل الحديبية خاصة أي: الذين حضروا بيعة الرضوان يوم الحديبية، هم مخصوصون بالغنائم تلك، لأنهم بايعوا على حرب أهل مكة حتى الموت، ثم
رجعوا دون قتال أو مغانم. والنفي بـ ((لن)) معناه النهي المؤكد. وكذلكم قال الله أي: أخبرنا أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. وعودنا: رجوعنا من
الحديبة. وتحسدوننا أي: يعز عليكم أن نشارككم في الغنائم، فتدّعون أن الله أمر بمنعنا. ويفقه: يفهم فهم الحاذق الماهر. ومنهم أي: بعضهم. وهم
المؤمنون من المتخلفين. يعني أن أكثرهم في جهل مفرط، وسوء فهم لأمور الدين، حتى إنهم لا يدركون منها إلّا ما له علاقة بمتاع الدنيا .
الجزء السادس والعشرون
٥١٣
٤٨ - سورة الفتح
١- ﴿قُلْ لِلمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعرابِ﴾ المذكورين، اختبارًا: ﴿سَتُدعَونَ إلَى قَومٍ أُولِي»:
أصحابِ ﴿بأسٍ شَدِيدٍ﴾ - قيل: هم بنو حنيفةَ أصحاب اليمامة. وقيل: فارسُ والروم
- ﴿تُقاتِلُونَهُم﴾: حالٌ مُقدّرة، هي المدعوّ إليها في المعنى، ﴿أو﴾ هم ﴿يُسلِمُونَ﴾ فلا
يُقاتِلون. ﴿فإن تُطِيعُوا﴾ إلى قتالهم ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنَا، وإن تَتَوَلَّوا كَما تَوَلَّيْتُم مِن
قَبلُ يُعَذِّبْكُم عَذابًا ألِيمًا﴾ ١٦: مُؤلمًا. ﴿لَيسَ عَلَى الأعمَى حَرَجٌ، ولا عَلَى
الأعرَجِ حَرَجٌ، ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في ترك الجِهاد، ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ
الحزب
٥٢
ورَسُولَّهُ يُدخِلْهُ﴾ - بالياء والنون - ﴿جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، ومَن
يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ﴾ - بالياء والنون - ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١٧ .
.-
٢- ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنِينَ، إذ يُبابِعُونَكَ﴾ بالحُدَيبية ﴿ تَحتَ الشَّجَرةِ﴾ -
هي سَمُرةٌ، وهم ألف وثلثمِائَة أو أكثر، ثَمّ بايعهم على أن يناجزوا قريشًا وعلى ألّا
يفروا وعلى الموت - ﴿فَعَلِمَ﴾ الله ﴿ما في قُلُوبِهِم﴾ من الصّدق والوفاء، ﴿فَأَنزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَيهِم، وأثابَهُم فَتَحًا قَرِيبًا﴾ ١٨، هو فتح خيبرَ بعد انصرافهم من الحُديبية،
﴿ومَغَانِمَ كَثِيرَةً يأْخُذُونَها﴾ من خيبرَ. ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١٩ أي: لم يزل
مُتّصفًا بذلك.
سُوْرَةِ الفَخ
قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُّدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ
نُقَئِلُونَهُمْ أَوْيُسْلِمُونٌ فَإِن تُطِيعُواْيُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنَّاً
وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَاتَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّ بَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًاَلَّيْسَ
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْأَعْرَبِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ خَرٌ
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَرِّ
وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (٦* لَّقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ
اُلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيِبًا (٨) وَمَغَانِمَ
كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٦﴾ وَعَدَكُمُ اللَّهُ
مَغَانِمَ كَثِيرَةُ تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ
النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا (٢) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُ واْ عَلَيْهَا قَدْ أَ حَطَ اللَّهُ بِهَا
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا (٢) وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَوَلَّوُاْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّاوَلَا تَصِيرًا ( سُنَّةَ
اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِ يلاً إِّ
٣- ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً، تَأْخُذُونَها﴾ من الفتوحات، ﴿فِعَجَّلَ لَكُم هذِهِ﴾ غنيمةً
خيبرَ، ﴿وَكَفَّ أيدِيَ النّاسِ عَنكُم﴾ في عِيالكم، لمّا خرجتم وهمّت بهم اليهود، فقذف
الله في قلوبهم الرُّعب، ﴿وَلِتَكُونَ﴾ أي: المُعجّلةُ - عطفٌ على مُقدّر، أي: فعلَ ذلك
لتشكروه - ﴿آيَةٌ لِلمُؤمِنِينَ﴾ في نصرهم، ﴿ويَهدِيَكُم صِراطًا مُستَقِيمًا﴾ ٢٠ أي: طريق التوكّلِ عليه وتفويضِ الأمر إليه - تعالى - ﴿وأُخرَى﴾:
صفةُ ((مغانمُ)) مُقدَّرًا مُبتدأ، ﴿لَم تَقدِرُوا علَيها﴾ هي من فارس والروم، ﴿قَد أحاطَ اللهُ بِها﴾: عَلَمَ أنها ستكون لكم. ﴿وكانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرًا﴾ ٢١ أي: لم يزل مُتّصفًا بذلك.
٤- ﴿وَلَو قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالحُديبية ﴿لَوَلَّوُا الأدبارَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحرسهم، ﴿ولا نَصِيرًا ٢٢، سُنَّةَ اللهِ﴾: مصدرٌ مؤكِّد لمضمون
الجملة قبله، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي: سَنَّ اللهُ ذلك سُنّة، ﴿الَّتِي قَد خَلَتْ مِن قَبلُ، وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبدِيلاً﴾ ٢٣ منه. ﴿وَهْوَ
الَّذِي كَفَّ أيدِيَهُم عَنكُم وأيدِيَكُم عَنْهُم، بِبَطْنِ مَكّةَ﴾: بالحُديبية، ﴿مِن بَعدِ أن أظفَرَكُم عَلَيهِم﴾. فإنّ ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليُصيبوا منكم،
(١) اختبارًا أي: امتحانًا لإظهار ما في نفوسهم. وتُدعَون: تُستنفرون. والبأس: القوة. والشديد: العظيم. وبنو حنيفة ارتدوا في عهد أبي بكر، وذكرهم هنا
يُحمل على التمثيل. البحر ٩٤:٨. فالمراد المعتدون من العرب والفرس والروم. وتقاتل: تحارب بالسلاح. ويسلم: يستسلم لدين الله أو لدفع الجزية.
وتطيع: تستجيب. ويؤتي: يعطي. والأجر: الثواب. والحسن: الجميل. وتتولى: تمتنع. وقبل أي: قبل الحديبية. والعذاب: التعذيب في الدنيا والآخرة.
ولما نزلت الآية ١٦ قال ذوو العاهات: ((يارسول الله، كيف نصنع ولا طاقة لنا على الجهاد))؟ فنزلت الآية ١٧. تفسير القرطبي ٢٧٣:١٦. والحرج: الذنب.
والمريض: من فيه ضعف شديد. وانظر الآية ٥. وبالنون يريد القراءة («نُدخِلْهُ))، و(انُعَذِّبْهُ)). وانظر آخر الآية ١٦.
(٢) رضي عنه: تقبل عمله فأظهر نعمته عليه وأثابه. ويبايعون أي: بايعوا وعاهدوا. والسمرة: من شجر الطلح. وانظر الآية ١٠. ويناجز: يقاتل. وعلم:
أظهر علمه الأزلي، بصدقهم وثباتهم ، ليطلع عليه الملائكة والناس. والقلوب: جمع قلب. وأنزلها: خلقها ورسّخها. والسكينة: الطمأنينة. وأثابه: كافأه.
والفتح: النصر على العدو بملك دياره وأمواله. وانصرافهم: رجوعهم. ومغانم: جمع مغنم. وهو الغنيمة. ويأخذ: ينال ويملك. والعزيز: الغلّاب يذل لعزته
ما عداه. ومتصفًا بذلك: انظر آخر الآية ٤ .
(٣) وعد: تعهد بما يَسرّ. وعجلها: جعلها قبل غيرها. وكف أيديهم: صرفهم عن غزو المدينة. والناس: يهود خيبر. وخرجتم أي: إلى مكة للعُمرة أيام
الحديبية. وبهم: بالعيال في المدينة. وتكون: تصير. والمعجلة: غنيمة خيبر. والآية: الدلالة القاطعة والمعجزة. ويهدي: يمد بما يناسب الاختيار الطيب
والاستعداد الصالح. والمستقيم: المعتدل. والأخرى: المغايرة لما قبلها. ومقدرًا يعني أن التقدير: ومغانمُ أُخرى. ولم تقدروا عليها: لم تصلوا إليها بعد.
والقدير: المبالغ في القدرة. وانظر آخر الآية ٤ .
(٤) الذين كفروا: مشركو قريش ومن أراد عونهم. وبالحديبية: أيام الحديبية. وولوها: وجّهوها لكم. والأدبار: جمع دبر. وهو الظهر. ويجد: يرى.
والولي: من يتولى أمر غيره. والنصير: من يعين بالنصر. والسُّنّة: الطريقة النافذة. وخلت: مضت ونفذت في الأمم المحاربة للرسل. ومن قبل: انظر الآية
١٦. وتجد: تلقى. والتبديل: التغيير. وكف ... عنهم: انظر الآية ٢٠. وببطن مكة أي: بقرب بطحائها. وأظفركم: نصركم. والثمانون هؤلاء هبطوا من
جبل التنعيم للغدر بالمسلمين، فأسروا دون قتال، ثم أُطلق سراحهم. وفي ذلك نزلت الآية. الأحاديث ١٨٠٨ في مسلم و٣٢٦٠ في الترمذي و٢٦٨٨ في أبي
داود. ويعمل: يكتسب من نية وقول وفعل. والبصير: المدرك للأحداث. وفي ث وع والمنحة: ((تعملون)). وبالتاء يريد القراءة ((تَعمَلُونَ)). وانظر آخر الآية ٤ .
٤٨ - سورة الفتح
٥١٤
الجزء السادس والعشرون
سُورَةِ الفَتح
الية الرحار
وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ
بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٦) هُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ
مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسٌَ مُؤْمِنَتٌ
لَمْتَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
لِيُدْخِلَ الَهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ لَوْتَزَيَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ.
عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى
وَكَانُواْأَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
أَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ اَلُّءُ يَا بِالْحَقٌّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ
فَتْحًا فَرِيبًّا لَ هُوَالَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
اُلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (@
فأُخذوا وأُتي بهم إلى رسول الله وَّرَ، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم، فكان ذلك سبب
الصُّلح. ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢٤ - بالياء والتاء - أي: لم يزل مُتّصفًا
بذلك .
١- ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وصَدُّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ﴾ أي: عن الوصول إليه،
﴿وَالهَذْيَ﴾: معطوفٌ على ((كُم)) ﴿مَعُوفًا﴾: محبوسًا حَالٌ، ﴿أن يَبلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي:
مكانه الذي يُنحر فيه عادة - وهو الحَرم - بدلُ اشتمال، ﴿وَلَولا رِجالٌ مُؤمِنُونَ ونِساءٌ
مُؤمِناتٌ﴾ موجودون بمكّة مع الكفار، ﴿لَم تَعلَمُوهُم﴾ بصفة الإيمان، ﴿أَن تَطَؤُّوهُم﴾
أي: تقتلوهم مع الكُفّار لو أُذِنَ لكم في الفتح، بدلُ اشتمال من ((هم))، ﴿فَتُصِيبَكُم
مِنْهُم مَعَرّةٌ﴾: إثم ﴿بِغَيرِ عِلمٍ﴾ منكم به. وضمائر الغَيبة للصِّنفين بتغليب الذكور،
وجواب (لولا)) محذوف، أي: لأُذِنَ لكم في الفتح. لكن لم يُؤْذَن فيه حينئذ،
﴿لِيُدخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ كالمُؤمنين المذكورين.
٢- ﴿لَو تَزَيَّلُوا﴾: تميّزوا عن الكُفّارِ ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم﴾: من أهل مكّة
حينئذ، بأن نأذن لكم في فتحها، ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ ٢٥ مؤلمًا، ﴿إِذ جَعَلَ﴾، مُتعلّق بـ
(«عذّبنا))، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فاعلٌ ﴿فِي قُلُوبِهِمِ الحَمِيَّةَ﴾: الأنفةَ من الشيء، ﴿حَمِيَةَ
الجاهِلِيّةِ﴾: بدلٌ من ((الحميّة)) وهي صدّهم النبيَّ وأصحابه عن المسجد الحرام،
﴿فِأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وعلَى المُؤمِنِينَ﴾ فصالحوهم على أن يعودوا من قابلٍ،
ولم يَلحقهم من الحميّة ما لحق الكُفّارَ حتّى يقاتلوهم، ﴿وألزَمَهُم﴾ أي: المُؤمنين ﴿كَلِمَةَ التَّقوَى﴾: ((لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله)»، وأُضيفت
إلى التقوى لأنها سببها، ﴿وكانُوا أَحَقَّ بِها﴾: بالكلمة من الكُفّار، ﴿وأهلَها﴾: عطفٌ تفسيريّ. ﴿وكانَ الهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ ٢٦ أي: لم يزل
مُتّصفّا بذلك. ومن معلومه - تعالى - أنهم أهلها .
٣- ﴿لَقَد صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤيا بِالحَقِّ﴾. رأى رسول الله وَّه في النوم، عامَ الحُدَیبیةِ قبلَ خروجه، أنه يدخل مكّة هو وأصحابه آمنين ويُحلّقون
ويُقصّرون، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا. فلمّا خرجوا معه وصدّهم الكُفّار بالحُديبية، ورجعوا وشقّ عليهم ذلك وراب بعضَ المنافقين، نزلتْ.
وقوله ((بالحق)) مُتعلّق بـ ((صدق)) أو حال من الرؤيا، وما بعدها تفسير لها وهي: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرامَ، إنْ شاءَ اللهُ﴾ للتبرّك، ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ
رُؤُوسَكُم﴾ أي: جميع شُعورها، ﴿ومُقَصِّرِينَ﴾ بعضَ شُعورها - وهما حالان مُقدّرتان - ﴿لا تَخافُونَ﴾ أبدًا، ﴿فَعَلِمَ﴾ في الصُّلِحِ ﴿ما لَمِ
تَعلَّمُوا﴾ من الصلاح، ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذُلِكَ﴾ أي: الدخولِ ﴿فَتَحًا قَرِيبًا﴾ ٢٧ هو فتح خيبرَ، وتحقّقت الرؤيا في العام القابل. ﴿هُوَ الَّذِي أُرسَلَ
رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ، لِيُظهِرَهُ﴾ أي: دِينَ الحقّ ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: على جميع باقي الأديان. ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ٢٨ أنك مُرسَل بما ذُكر!
كما قال تعالى.
(١) كفر: كذّب الله ورسوله. وصد: دفع. والحرام: المحرّم فيه ما لا يُحرّم في غيره. والهدي: ما يُهدى إلى الكعبة للذبح، واحدته هدية. ويبلغه: يصل
إليه. والمراد بالحرم هنا المكان المخصص للذبح. وبدل اشتمال: يعني أن المصدر المؤول من ((أن)) بدل من ((الهدي)). انظر ((المفصل)). وتطأ: تدوس. ومن
هم أي: من الضمير المتصل. وتصيبكم: تنالكم. ومنهم: بسببهم. والمعرة: الملامة. وبغير: بدون. وضمائر الغيبة للصنفين: يعني أن هاء المفعول المكررة
في ((هم)) للمؤمنين والمؤمنات. وحينئذ أي: أيام الحُديبية. والرحمة: العطف بالإحسان. ويشاء: يريد أن يدخله في رحمته.
(٢) مؤلمًا أي: بالقتل والأسر والهوان. وجعل: صيّر. ومتعلق: يعني أن التقدير: لعذبنا الذين كفروا حين جعلهم الحميةَ ثابتة في قلوبهم. وفاعل أي: أن
((الذين)): فاعل: جعل. والجاهلية: النزعات المبنيّة على عدم الإذعان للحق. وبدل: يعني أن حمية: بدل للبيان والتوكيد. وأنزلها: خلقها ورسّخها.
والسكينة: الطمأنينة. وقابل أي: في الموسم القادم للعُمرة. وألزمه: خصه للتشريف. والكلمة هي عبارة التوحيد. والتقوى: تجنب سخط الله وطلبُ رضاه.
وأضيفت ... سببها: يعني أن كلمة التوحيد يترتب عليها التقوى. والأحق: الأجدر والأولى من غيرهم. وأهلها: المستأهلون لها. وتفسيريّ: يعني أن ((أهلها))
فيه تفسير ((أحق)) بـ ((أهل)). والعليم: المبالغ في الإحاطة. وانظر الآية ٤.
(٣) صدقه الرؤيا: أراه في النوم ما هو واقع لامحالة. والحق: الحكمة البالغة. وشق: عظم. انظر ((المفصل)). ورابهم: حملهم على الشك في كلام النبي ◌َّه.
والآمن: المطمئن من كل عدوان. والمحلق: المبالغ في قص الشعر. والرؤوس: جمع رأس. وحالان مقدرتان أي: مقدَّرًا لبعضكم التحليقُ وللآخرين التقصيرُ.
وفي قوله ذكر للإعراب الحُكمي لا الحقيقي. والصواب أن مقصرين: معطوف لاحال. وتخاف: تتوقع شرًا. وعلمه: أحاط به قبل وقوعه. وجعل: قدّر. والهدى:
ما يرشد إلى الخير. والحق: الأمر الثابت. ويظهره: يغلّبه ويُعليه. وكفى: بلغ الغاية في الكفاية والإغناء عن غيره. والشهيد: المقرر للحق يثبته ويزيل ما عداه.
الجزء السادس والعشرون
٥١٥
٤٩ - سورة الحجرات
١- ﴿مُحَمَّدٌ﴾: مُبتدأ ﴿رَسُولُ اللهِ﴾: خبرُه، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: أصحابه من
المُؤمنين، مبتدأ خبرُه: ﴿أَشِدّاءُ﴾: غِلاظٌ ﴿عَلَى الكُفّارِ﴾ لا يرحمونهم، ﴿رُحَماءُ
بَيْنَهُم﴾: خبرٌ ثانٍ أي: مُتعاطفون مُتوادّون كالوالد مع الولد، ﴿تَراهُم﴾: تُبْصِرهم
﴿رُكَّعَا سُجَّدًا﴾: حالان - ﴿يَبْتَغُونَ﴾: مُستأنف يطلبون ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ ورِضوانًا -
سِيماهُم﴾: علامتهم مبتدأ ﴿فِي وُجُوهِهِم﴾: خبرُه - وهو نور وبياض يُعرفون به في
الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا - ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾: مُتعلّق بما تعلّق به الخبر، أي:
كائنةٌ، وأُعرب حالًا من ضميره المنتقل إلى الخبر.
٢ - ﴿ذُلِكَ﴾ أي: الوصف المذكور ﴿مَثَلُهُم﴾: صفتهم ﴿فِي التَّوراةِ﴾: مبتدأ
وخبرُه، ﴿ومَثَلُهُم في الإِنجِيلِ﴾: مبتدأ خبرُه: ﴿كَزَرعٍ أخرَجَ شَطْأَهُ﴾، بسكون
الحزب
٥١
الطاء وفتحها: فِراخَه ﴿فَازَرَهُ﴾، بالمدّ والقصر: قوّاهَ وأعانه، ﴿فاستَغْلَظَ﴾:
غلُظ ﴿فاستَوَى﴾: قويَ واستقام ﴿علَى سُوقِهِ﴾: أُصوله جمع ساق، ﴿يُعجِبُ
الزّرّاعَ﴾ أي: زُرّاعه لحُسنه - مثّل الصحابة رضي الله عنهم بذلك، لأنهم بدؤوا في قِلّة
وضعف، فكثروا وقَوُوا على أحسن الوجوه - ﴿لِيَغِيظَ بِهِم الكُفَّارَ﴾: مُتعلّق بمحذوف
دلّ عليه ما قبله، أي: شُبّهوا بذلك. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحَاتِ مِنْهُم﴾:
للبيان، ﴿مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢٩: الجنّة. وهما لمن بعدهم أيضًا في آيات.
سورة الحُجُرات
مدنية، ثمانيْ عشْرةَ آية .
سُورَة الى عرات
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ الْهِوَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُ حَمَاءُ بَيْنَهُمّ
تَرَّهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًايَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَاْ سِيمَاهُمْ
فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِالسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَمَثَلُهُمْ
فِ آلْإِنِيلِ كَزَرَعِ أَخْرَجَ شَطَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى
عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيَطَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَلَهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٦)
◌ُورَةُ الجُعْرَانِ
◌َأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نُقَدِّ مُواْبَيْنَ يَدَىِ اُللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَأَنَّقُوا اللَّه
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦ ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَاتَرْفَعُواْأَصْوَتَكُمْ
فَوْقَ صَوّتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُ واْلَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضِكُمْ
لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْلَا تَشْعُرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ
يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اَلَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آَمْتَحَنَ اللَّهُ
قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُ ونَكَ مِن وَرَآءِ اُلْحُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (9)
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمَةِ
٣- ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُقَدِّمُوا﴾ - مِن: قَدَّمَ بمعنى تَقَدَّمَ - أي: لا تَقَدَّمُوا بقول أو فعل، ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ المُبلِّغِ عنه، أي: بغير
إذنهما، ﴿واتَّقُوا اللهَ. إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ ١ بفعلكم. نَزلتْ في مُجادلة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - على النبيّ وَّ في تأمير
الأقرعِ بن حابس أو القعقاعِ بن معبد. ونزل فيمن رفع صوته عند النبيّ ◌َّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَرفَعُوا أَصْواتَكُم﴾ إذا نطقتم، ﴿فَوقَ صَوتِ
النَّبِيِّ﴾ إذا نطق، ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾ إذا ناجَيتُموه، ﴿كَجَهرِ بَعضِكُمْ لِبَعضٍ﴾، بل دُونَ ذلك إجلالًا له، ﴿أن تَحبَطَ أعمالُكُم وأنتُم لا
تَشْعُرُونَ﴾ ٢ أي: خشيةً ذلك، بالرفع والجهر المذكورين. ونَزل فيمن كان يَخِفِض صوته عند النبيّ ◌َّه، كأبي بكر وعُمر وغيرهما، رضي الله
عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُم، عِندَ رَسُولِ اللهِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللهُ﴾: اختبر ﴿قُلُوبَهُم لِلنَّقْوَى﴾ أي: لتظهر منهم، ﴿لَهُم مَغفِرةٌ وأجرٌ
عَظِيمٌ﴾ ٣: الجنّة .
٤- ونزَل في قوم جاؤوا وقت الظهيرة، والنبيّ ◌َّ في منزله، فنادوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وَراءِ الحُجُراتِ﴾: حُجرات نسائه ◌َّ جمع حُجْرة،
(١) خبره: يعني أن ((رسول)): خبر للمبتدأ: محمد. ومبتدأ خبره أي: أن ((الذين)): مبتدأ خبره: أشداء. وهو جمع شديد، أي: كثير الغلظة والعنف.
والكفار: جمع كافر. والرحماء: جمع رحيم. والركع: جمع راكع. وهو الذي حنى ظهره لأداء الصلاة. والسجد: جمع ساجد. ومستأنف أي: أن جملة
(يبتغون)): استئنافية. والصواب أنها اعتراضية. والفضل: التفضل بالثواب. ومن الله: من عنده وبأمره. والرضوان: المبالغة في قبول العمل ورفيع الدرجات.
ومبتدأ: يعني أن ((سيما)): مبتدأ. والوجوه: جمع وجه. وخبره أي: أن ((في وجوه)): متعلقان بالخبر المحذوف. والأثر: ما يحدثه الشيء من علامات فيما
يلازمه. ومتعلق: يعني أن حرف الجر (من)): متعلق بالمحذوف الذي تعلق به ((في وجوه)). وأعرب: انظر ((المفصل)). (٢) المثل: الوصف العجيب الشأن
يجري مجرى الأمثال. ومبتدأ وخبر: يعني أن ((ذا)): مبتدأ خبره ((مثل)). ومبتدأ خبره أي: أن «مَثل)): مبتدأ، والكاف: خبر. وأخرج: أظهر. وبفتحها يريد
القراءة ((شَطَأَهُ)). والفراخ: جمع فَرْخ. وهو ما يخرج من الشجرة كالفروع والأغصان والأوراق والزهر والثمر. وآزره: آزر الشطءُ الزرعَ. وبالقصر يريد القراءة
((فأزَرَهُ». والزراع: جمع زارع. ويغيظ: يغضب. ومتعلق أي: بفعل محذوف، كما قدّر. وانظر ((المفصل)). ووعدهم: تعهد لهم. وعمل: اكتسب. والصالح:
ما حسّنه الشرع. والمغفرة: الستر للذنوب والعفو عنها. والأجر: المكافأة. والعظيم: الضخم لامثيل له. وآيات: يعني الآيات التي وعدَتِ المؤمنين عامة
بذلك، وهي كثيرة. (٣) آمن: صدّق الله ورسوله. وفِعل: عملٌ من أمور الدين. انظر ((المفصل)). وبين يديه: قبل إذنه. واتقوه: تجنبوا سخطه واطلبوا رضاه.
والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وعلى النبي أي: في مجلسه. وترفع: تعلي. والأصوات: جمع صوت. وتجهر:
تُظهر. وتحبط: تفسد. والأعمال: جمع عمل. ولا تشعر: لا تحس. ويغض: يُلين. واختبرها: وسّعها. والقلوب: جمع قلب. والمغفرة: ستر الذنوب والعفو
عنها. والأجر: المكافأة. والعظيم: الضخم لامثيل له. (٤) انظر سبب النزول في المفصل. وينادونك: يدعونك. والحجرة: البيت. ويحجر: يحاط. وفي
أيها: في أيِّ حجرة منها. ولا يعقل: موصوف بالطيش والجهل. ومحلك: مقامك ومنزلتك. وصبر: انتظر. وفي محل رفع: يعني المصدر المؤول من ((أنّ)).
وبالابتداء أي: مبتدأ خبره محذوف. وخيرًا: أفضل. والغفور: الكثير الستر للذنوب والتجاوز عنها. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة.
٤٩ - سورة الحُجُرات
٥١٦
الجزء السادس والعشرون
سُورَة إلى ◌ُراتِ
وَلَوْ أَّهُمْ صَبَرُ وْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ (٥َايَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَاٍفَتَبَيَنُواْ
أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ()
وَأَعْلَمُوْأَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْيُطِيعُكُمْفِ كَثِرٍ مِّنَ الْأَمِْلَعَنْتُمْ
وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرََّإِلَيْكُ
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُ أُوْلَتِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ ﴾
فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاَللَّهُ عَلِيُ حَكِيمٌ ﴾َا وَإِن طَيِفَنَانِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا
عَلَى الْأُخْرَى فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِالَّهِ فَإِن فَآءَتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَّ إِنَّالَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ أَخَوَيُّكُمْ وَأَنَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿َأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْقَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ
عَسَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّخَيْا
مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوَا أَنْفُسَكُمْ وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَ لْقَبٍ بِئْسَ الِاسْمُ
الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنَّ وَ مَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ
وهي ما يُحجَر عليه من الأرض بحائط ونحوه - كأنّ كُلّ واحد منهم نادى خلف
حُجرة، لأنهم لم يَعلموه: في أيُّها؟ مُناداةَ الأعراب بغِلظة وجفاء - ﴿أكثَرُهُم لا
يَعْقِلُونَ﴾ ٤، فيما فعلوه، محلَّك الرفيعَ وما يُناسبه من التعظيم، ﴿وَلَو أَنَّهُم صَبَرُوا﴾ -
أنهم: في محلّ رفع بالابتداء، وقيل: فاعلٌ لفعل مقدّر أي: ثَبَتَ - ﴿حَتَّى تَخْرُجَ
إِلَيهِم ◌َكانَ خَيرًا لَهُم. واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ لمن تاب منهم.
١- ونَزلَ في الوليد بن عُقبة، وقد بعثه النبيّ وَّهَ إلى بني المُصطلق مُصدِّقًا، فخافهم
ليرةٍ كانت بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع وقال: إنهم منعوا الصدقة وهمّوا بقتله.
فهمَّ النبيّ وَّ بغزوهم، فجاؤوا مُنكِرِين ما قاله عنهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إن
جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾: خبر ﴿فَتَبَيِّئُوا﴾ صِدقَه من كذِبه - وفي قِراءة: ((فَنَُّوا)) من
الثبات - ﴿أن تُصِيبُوا قَومًا﴾: مفعولٌ له أي: خشيةً ذلك، ﴿بِجَهالةٍ﴾: حالٌ من
الفاعل أي: جاهلين، ﴿فِتُصبِحُوا﴾: تصيروا ﴿عَلَى ما فَعَلتُم﴾ من الخطأ بالقوم
﴿نادِمِينَ﴾ ٦. فأرسل ◌َّه إليهم بعد عودتهم إلى بلادهم خالدًا، فلم يرَ فيهم إلّا
الطاعة والخير، فأخبر النبيَّ بذلك.
٢- ﴿واعلَمُوا أَنَّ فِيكُم رَسُولَ اللهِ﴾، فلا تقولوا الباطل، فإنَّ الله يُخبره بالحال، ﴿لَو
يُطِيعُكُم في كَثِيرٍ مِنَ الأمرِ﴾ الذي تُخبرون به على خِلاف الواقع، فيُرتّبُ على ذلك
مُقتضاه، ﴿لَعَنِثُم﴾: لأثِمتم دونه إثْمَ التسبّب إلى المُرتَّب، ﴿ولَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ
الإيمانَ، وَزَيََّهُ﴾: حسّنه ﴿فِي قُلُوبِكُم، وكَرَّهَ إلَيكُمُ الكُفرَ والفُسُوقَ والعِصيانَ﴾.
استدراكٌ من حيثُ المعنى دُون اللفظ، لأنّ مَن حُبِّبَ إليه الإيمان إلى آخره غايرتْ
صِفتُهُ صِفةً مَن تقدّم ذِكره. ﴿أُولَئِكَ هُمُ﴾ - فيه التفات عن الخِطاب - ﴿الرّاشِدُونَ﴾ ٧ الثابتون على دِينهم، ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ﴾: مصدر منصوب
بفعله المُقدّر أي: أفضَلَ، ﴿ونِعْمَةَ﴾ منه، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٨ في إنعامه عليهم.
٣- ﴿وإن طائفتانٍ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ - الآيَةُ نزلتْ في قضيّة، هي أنّ النبيّ ◌َّهُ ركب حِمارًا ومرّ على ابن أَبِيِّ، فبال الحِمار فسدّ ابن أُبيِّ أنفَه، فقال
ابنُ رَواحةَ: واللهِ لَبولُ حِماره أطيبُ رِيحًا من مِسكك. فكان بين قوميهما ضرب بالأيدي والنعال والسَّعف - ﴿اقْتَتَلُوا﴾، جُمِعَ نظرًا إلى المعنى،
لأنّ كُلّ طائفة جماعةٌ - وقُرئ: ((اقتَلَتَا)) - ﴿فَأَصلِحُوا بَيْنَهُما﴾. ثُنّيَ نظرًا إلى اللفظ، ﴿فإن بَغَتْ﴾: تعدّتْ ﴿إِحداهُما علَى الأُخرَى فقاتِلُوا الَّتِي
تَبَغِي، حَتَّى تَفِيءَ﴾: ترجع ﴿إِلَى أمرِ اللهِ﴾: الحقّ، ﴿فإن فاءَتْ فأصلِحُوا بَينَهُما بِالعَدلِ﴾: بالإنصاف، ﴿وأقسِطُوا﴾: اعدِلوا. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
المُقسِطِينَ ٩. إنَّما المُؤمِنُونَ إخْوةٌ﴾ في الدِّين. (فأصلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ إذا تنازعا - وقُرئ: ((إخوَتِكُمْ)) بالفَوقائيّة - ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في
الإصلاح، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرحَمُونَ﴾ ١٠ .
٤- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَسخَرْ﴾ - الآيةُ نزلتْ في وفدٍ تميم، حين سخروا من فُقراء المُسلمين، كعمّار وصُهيب. والسخرية: الازدراء
(١) الوليد بن عقبة صحابي أسلم يوم فتح مكة. وبنو المصطلق: أسلموا سنة خمس. والمصدق: الجابي للصدقات. والترة: العداوة. وجاءكم: أتاكم.
والفاسق: من أخل بحكم شرعي. فقد بنى الوليد هنا رأيه على الظن، دون التثبت والتحقيق. وتبينوا: تحققوا بالدليل القاطع. وتصيبه: تناله. والجهالة:
الطيش. وحال: يعني أن الباء: تتعلق بالحال المحذوفة: كائنين، أي: ملابسين الجهالة. وفعلتم: اكتسبتم وتحملتم. والنادم: المغتم غمًا لازمًا، يتأسف
ويكره ما فعل. (٢) اعلموا أي: لا تنسوا. وفيكم: بينكم. وبالحال: بالأمر الواقع. ويطيعكم أي: يعمل ما تطلبون. والأمر: الشأن. وعنتم: وقعتم في مشقة
وهلاك. ودونه: من دون النبي ◌َالر، يعني: هو بريء معذور. وحببه: جمّله. والإيمان: اليقين الكامل. والقلوب: جمع قلب. وكرّه: بغّض وقبّح. والكفر:
التكذيب للحق وتغطية نعم الله بالجحود. والفسوق: الخروج على أحكام الشرع. والعصيان: ارتكابُ المعاصي. ومن تقدم ذكره يعني: من خوطب قبل
((لكنّ))، فهو ضعيف الإيمان. والراشدون: الكاملو الهداية إلى الحق مع تصلب فيه. والفضل: الإفضال بالنعم. ومن الله: من عنده وبأمره. والنعمة: الإنعام
بالخير. والعليم: المبالغ في الإحاطة. والحكيم: ذو الحكمة بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. (٣) الطائفة: الجماعة من الناس. والجماعتان هما
الأنصار. والقضية هنا فيها زيادات لم تصح، ومنها ما يتعلق بذكر البول. انظر ((المفصل)). والسعف: عيدان النخل. وقرئ: يعني أن القراءة التالية شاذة.
وأصلحوا: اسعَوا بالصلح. وتعدت: اعتدت وأبت الصلح. والأخرى: الثانية. والأمر: الحكم. ويحبهم: يودهم فيريد لهم الخير. والإخوة: جمع أخ.
و((قرئ)) لايعني أن القراءة شاذة، وإنما القراءة الشاذة هي ((إخوانِكُم)). انظر المحتسب ٢٧٨:٢. والفوقانية: التاء. واتقوه: تجنبوا غضبه والزموا رضاه.
ولعلكم: ليكون لكم الترجي. وترحمون: ينالكم العطف بالإحسان لتقواكم. (٤) يسخر: يهزأ. ووفد تميم: انظر الآيات ١-٥. وعسى: يجوز. والخير:
الأفضل. والنساء: جمع نسوة. انظر ((المفصل)). واللمز يكون بالعين واليد واللسان والإشارة. والأنفس: جمع نفس. والألقاب: جمع لقب. وهو اسم بقصد
التعريف أو التفخيم أو التحقير. وبئس: بلغ الغاية في القبح والفساد. والاسم: الوصف لِما ذكر من السخرية واللمز والنبز. والمراد أن تلك التصرفات فسوق
مستقبح. وبدل أي: أن ((الفسوق)): بدل من ((الاسم)). ويتوب: يعترف بذنبه ويطلب العفو من الله ومن المتضررين. والظالم: من يتجاوز الحق.
الجزء السادس والعشرون
٥١٧
٤٩ - سورة الحُجُرات
والاحتقار - ﴿قَومٌ﴾ أي: رجال منكم ﴿مِن قَومٍ - عَسَى أن يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُم﴾ عند الله
- ﴿ولا نِساءٌ﴾ منكم ﴿مِن نِساءِ - عَسَى أن يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ - ولا تَلمِزُوا أنفُسَكُم﴾: لا
تَعيبوا فتُعابوا، أي: لا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألقابِ﴾: لا يدعو بعضكم
بعضًا بلقب يكرهه، ومنه: يا فاسقُ ويا كافرُ. ﴿بِئْسَ الاِسمُ﴾ أي: المذكورُ من السُّخريةِ
واللمزِ والتنابزِ ﴿الفُسُوقُ بَعدَ الإِيمانِ﴾! بدلٌ من الاسم، لإفادة أنه فِسق لتكرّره
عادةً، ﴿وَمَن لَمِ يَتُبْ﴾ من ذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١١ .
جِرْبُ
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ - إنَّ بَعضَ الظَّنِّ إثمٌ﴾ أي:
مُؤثِم. وهو كثير كظنّ السَّوء بأهل الخير من المُؤمنين وهم كثير، بخِلافه
بالفُسّاق منهم فلا إثم فيه، في نحو ما يظهر منهم - ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾، حُذف منه إحدى
التاءين: لا تَتَبَّعوا عوراتِ المُسلمين ومعايبَهم بالبحث عنها، ﴿ولا يَغتَبْ بَعضُكُم
بَعضًا﴾: لا يذكرْه بشيء يكرهه، وإن كان فيه - ﴿أَيُحِبُّ أحَدُكُم أن يأْكُلَ لَحمَ أخِيهِ
مَيْتًا﴾، بالتخفيف والتشديد، أي لا يُحسّ به؟ لا. ﴿فَكَرِ هِتُمُوهُ﴾ أي: فاغتيابه في
حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عُرض عليكم الثاني فكرهتموه. فاكرهوا الأوّل -
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: عِقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه. ﴿إِنَّ اللهَ تَوَابٌ﴾: قابلٌ توبةً
التائبین، ﴿رچِیمٌ﴾ ١٢ بھم.
سُورَة المُرات
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِنْهُ
أَوَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَّأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِ هْتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ لَه إِنَّاللَّهَ تَوَّابٌ
﴿ يَتُهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلَكُمْ
رَّحِيمٌ
شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَ إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ الَّهِأَنْقَكُمْ إِنَّالََّ
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَتَّاقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن
عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ
وَرَسُولَهُ لَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَ رَسُولِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْلَئِكَ هُمُ
الضَّدِقُونَ ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ يِدِينِكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لََّ تَمُنُّواْ عَلَىَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾ إِنَّاللَّهَ
٢- ﴿يا أيُّها النّاسُ، إنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثَى﴾ آدَمَ وحوّاءَ، ﴿وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾:
يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(3)
جمعُ شَعب بفتح الشين، هو أعلى طبقات النسب، ﴿وقَبائلَ﴾، هي دُون الشُّعوب
وبعدَها العمائر، ثمّ البطون ثمّ الأفخاذ، ثمّ الفصائل آخرُها - مثاله خُزيمةُ: شعبٌ،
كِنانةُ: قبيلة، قُريش: عِمارة بكسر العين، قُصيٍّ: بطن، هاشمٌ: فخِذ، العبّاسُ: فَصِيلة - ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، حُذف منه إحدى التاءين: لَيَعرِفَ بعضُكم
بعضًا لا لتتفاخروا بعلوّ النسب. وإنما الفخر بالتقوى، ﴿إِنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم. إنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بكم، ﴿خَبِيرٌ﴾ ١٣ ببواطنكم.
٣- ﴿قَالَتِ الأعرابُ﴾ نفرٌ من بني أسد: ﴿آمَنًا﴾: صدّقنا بقلوبنا. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَم تُؤمِنُوا، ولكِن قُولُوا: أسلَمْنا﴾ أي: انقَدنا ظاهرًا. ﴿وَلَمّا﴾
أي: لم ﴿يَدخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُم﴾ إلى الآنَ، لكنّه يُتوقّع منكم، ﴿وإن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإيمان وغيره ﴿لا يأُلِتْكُم)، بالهمز وتركِه
وبإبداله ألفًا: لا يَنقُصْكم ﴿مِن أعمالِكُم﴾ أي: من ثوابها ﴿شَيْئًا. إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ للمؤمنين، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٤ بهم. ﴿إِنَّما المُؤمِنُونَ﴾ أي: الصادقون
في إيمانهم، كما صرّح به بعدُ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَم يَرتابُوا﴾: لم يشكّوا في الإيمان، ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِم وأنفُسِهِم في سَبِيلِ اللهِ﴾.
فجِهادهم يُظهر صِدقَ إيمانهم. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ ١٥ في إيمانهم، لا مَن قالوا: آمنًا. ولم يُوجد منهم غيرُ الإسلام.
٤- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُم﴾ - مضعّفُ ((عَلِمَ)) بمعنى شَعَر - أي: أتُشعِرونه بما أنتم عليه في قولكم: آمنًا، ﴿واللهُ يَعلَمُ ما في
السَّماواتِ وما في الأرضِ؟ واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ ١٦. يَمُنُّونَ عَلَيكَ أن أسلَمُوا﴾ من غير قِتال، بخِلاف غيرهم ممّنِ أسلم بعد قِتال منهم. ﴿قُلْ:
لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسلامَكُم﴾: منصوبٌ بنزع الخافض الباء، ويُقدّر قبل ((أن)) في الموضعين، ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم أن هَداكُم لِلإِيمانِ، إِن كُنتُم
صادِقِينَ﴾ ١٧ في قولكم: آمنًا. ﴿إِنَّ اللهَ يَعلَمُ غَيبَ السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: ما غاب فيهما، ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعمَلُونَ﴾ ١٨ بالياء والتاء: لا
يخفى عليه شيء منه.
(١) انظر سبب النزول في المفصل. واجتنبوه: ابتعدوا عنه. والظن: التوهم. والبعض الآخر للظن مُثيب، وهو واجب في شؤون الحياة. والتاء المحذوفة هي
الثانية. وبشيء يكرهه أي: في غيابه. انظر الحديث ٢٥٨٩ في مسلم. والأخ: الموافق في الدين. وبالتشديد يريد القراءة ((مَيِّنًا)). ويعني بـ ((لا)) أن الاستفهام
للنفي، أي: لا يحبه. والرحيم: العظيم العطف بالمغفرة. (٢) سبب النزول في المفصل. وجعل: صيّر. وأعلى طبقات النسب: أكبر جماعة بعد الأُمّة من
جنس البشر تتفرع منها القبائل، ثم ما يليها من الفروع المذكورة بعد. والعمائر: جمع عمارة. والفصائل: جمع فصيلة. والأكرم: الأفضل. وعند الله: في
حكمه. والأتقى: الأكثر تجنبًا لسخط الله وطلبًا لرضاه. والخبير: البالغ العلم. (٣) الأعراب: واحده أعرابي، من يقيم في البادية. وبنو أسد: انظر
((المفصل)). ويدخل: يستقر. والإيمان: التصديق بالقلب. وتطيعه: تنفّذ أمره ونهيه. وبتركه يريد القراءة (لايَلِتْكُم)). وبإبداله يريد القراءة ((لا يالِتْكُم)).
والأعمال: جمع عمل. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. وآمنوا به: صدقوه تصديقًا ثابتًا. وجاهد: بذل
الجُهد والقدرات. والأموال: جمع مال. والأنفس: جمع نفس. وسبيله أي: طاعته لنصرة دينه. والصادق: من يقول الحق. (٤) روي أنه لما نزلت الآيتان
١٤ و١٥ جاء هؤلاء الأعراب، يحلفون إنهم مؤمنون صادقون، فنزلت هذه الآية. البحر ١١٧:٨. والدين: الاعتقاد والعمل. ويَعلمه: يحيط به كاملَ
الإحاطة. والسماوات: انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ويمن: يتطاول. ومنصوب أي: إسلامَ. ويقدر أي: الباء. فالمصدران المؤولان في محل
نصب بنزع الخافض. وإسلامكم: استسلامكم الظاهر. وهداكم: أرشدكم ووفقكم. وما غاب: ما لا يدركه الخلق. والبصير: المدرك للأحداث. وبالتاء يريد
القراءة «تَعْمَلُونَ)). ومنه: مما يعملون.
٥٠ - سورة قّ
٥١٨
الجزء السادس والعشرون
سُورَةٍ وَة
سُورَةُ قَ
بِسْـ
قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿بَلْ عَمِبُواْ أَنْ جَاءَ هُم ◌ُنْذِرٌ مِّنْهُمْ
فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ْ أَِ ذَامِتْنَا وَكُنَّانُرَابًا ذَلِكَ
رَجْعُ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمِنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِندَنَا كِتَبُ
حَفِيظٌ ﴿﴿ بَلْ كَذَّبُواْبِالْحَقِّ لَمَّاجَآءَ هُمْ فَهُمْ فِىِّ أَمْرٍ فَّرِيج
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُ وَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا
وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجِ ﴿﴿ وَاْأَرْضَ مَدَدْ نَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ
وَأَنْبَتْنَفِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَ بَهِيجِ ﴿لَا تَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ
مُنِيبٍ ﴿ وَنَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ مُّبَرَكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ
وَحَبَّ الْحَصِيدِ هَا وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَا طَلْعٌ نَضِيدٌ
رِزْقًا لِلْعِبَادِوَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةَ مَّيًّْا كَذَلِكَ الْخُرُوْجُ لَكَذَّبَتْ
قبَلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّسْ وَتَعُودُ (٤) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ
◌ُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ الْأَبْكَةِ وَقَوْمُ تُبَعَ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ
﴿ أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلَّبَلْ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ ﴿٥
سورة قَ
مكية إلّا ((ولقد خلقنا السماوات)) الآية فمدنية، خمس وأربعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿قَ﴾ الله أعلم بمُراده به. ﴿والقُرآنِ المَجِيدِ﴾ ١ : الكريم، ما آمنَ كُفّار مكّة
بِمُحمّد مَّ. ﴿بَل عَجِبُوا أن جاءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُم﴾: رسول منَ أنفُسهم، ينذرهم:
يخوّفهم بالنار بعد البعث، ﴿فقالَ الكافِرُونَ: هذا﴾ الإنذار (شَيءٌ عَجِيبٌ ٢. أإذا﴾ -
بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين - ﴿مُتنا وكُنّا
تُرابًا﴾ نرجعُ؟ ﴿ذَلِكَ رَجِعٌ بَعِيدٌ﴾ ٣: في غاية البُعد.
٢- ﴿قَد عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرضُ﴾: تأكل ﴿مِنْهُمِ، وعِندَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ٤ هو اللوح
المحفوظ، فيه جميع الأشياء المُقدّرة. ﴿بَل كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾: بالقُرآن ﴿لَمّا جاءَهُم،
فهُم﴾ في شأن النبيِّ والقُرآنِ ﴿في أمرٍ مَرِيجٍ﴾ ٥: مُضطرب. قالوا مرّةً: ساحر
وسِحر، ومرّةً: شاعر وشِعر، ومرّةً: كاهن وكِهانة.
٣- ﴿أَفْلَم يَنظُرُوا﴾ بعيونهم مُعتبرين بعقولهم، حينَ أنكروا البعثَ، ﴿إِلَى السَّماءِ﴾
كائنةٌ ﴿فَوقَهُم، كَيفَ بَنَيناها﴾ بلا عمدٍ، ﴿وَزَيَّنَاها﴾ بالكواكب، ﴿وما لَها مِن
فُرُوجِ﴾ ٦ شقوق تَعيبها؟ ﴿والأرضَ﴾: معطوف على موضع ((إلى السّماء))، كيف
[مَدَّدْناها﴾: دحَوناها على وجه الماء، ﴿وألقَينا فِيها رَواسِيَ﴾: جِبالًا تُثبتها،
﴿وَأَنبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوجِ﴾: صِنْفٍ ﴿بَهِيجِ﴾ ٧ يُبهَج به لحُسنه، ﴿تَبَصِرةٌ﴾: مفعولٌ له، أي: فعلنا ذلك تبصيرًا منا، ﴿وذِكرَى﴾: تذكيرًا ﴿لِكُلِّ
عَبدِ مُنِيبٍ﴾ ٨ رجّاع إلىّ طاعتنا؟ ﴿ونَزَّلْناَ مِنَ السَّماءِ ماءَ مُبَارَكًا﴾: كثيرَ البركة، ﴿فأنبَتْنا بِهِ جِنّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿وَحَبَّ﴾ الزرع ﴿الحَصِيدِ﴾ ٩
المحصود، ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾: طوالًا حالٌ مُقدّرة، ﴿لَها طَلِعٌ نَضِيدٌ﴾ ١٠: مُتراكب بعضُه فوق بعض، ﴿رِزْقًا لِلعِبادِ﴾ مفعول له، ﴿وأحيَينا بِهِ
بَلدةَ مَيْتًا﴾؟ يستوي في المُذكّر والمُؤنّث. ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: مِثلُ هذا الإحياءِ ﴿الخُرُوجُ﴾ ١١ من القُبور. فكيف يُنكرونه؟ والاستفهام للتقرير،
والمعنى أنهم نظروا وعلموا ما ذُكر.
٤- ﴿كَذَّبَتْ قَبَلَهُم قَومُ نُوحٍ﴾ - تأنيثُ الفعل لمعنى «قوم)» - ﴿وأصحابُ الرَّسُّ﴾ هي بئر كانوا مُقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيّهم
قيل: حنظلةُ بن صفوانَ، وقيل: غيره، ﴿وَثَمُودُ﴾ ١٢ قومُ صالح، ﴿وعادٌ﴾ قوم هُود، ﴿وفِرِعَونُ وإخوانُ لُوطٍ ١٣، وأصحابُ الأَيكةِ﴾ أي:
الغَيضة قومُ شُعيب، ﴿وَقَومُ تُبَع) هو ملك كان باليمن، أسلم ودعًا قومه إلى الإسلام فكذّبوه. ﴿كُلِّ﴾ من المذكورين ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كقُریش،
﴿فَحَقَّ وَعِيدٍ﴾ ١٤ : وجبَ نُزولَ العذاب على الجميع. فلا يَضِقْ صدرك من كُفر قُريش بك. ﴿أفعَيِينا بِالخَلقِ الأوَّلِ﴾؟ أي: لم نَعيَ به فلا نعيا
بالإعادة، ﴿بَل هُم فِي لَيْسٍ﴾: شكّ ﴿مِن خَلقٍ جَدِيدٍ﴾ ١٥ وهو البعث.
(١) عجب: دهش وتحير. وجاءهم: وصل إليهم. والشيء: الأمر والشأن. والعجيب: ما لا يصدَّق. وبتسهيل الثانية يريد القراءة ((أإِذا)). وعلى الوجهين يريد
القراءتين ((آإذا)) و((آإِذا)). ومتنا: فارقت أرواحنا الأجساد وفنينا. وكنا: صرنا. وترابًا: فتاتًا مختلطًا بالتراب. ونرجع: نعود إلى الحياة بالبعث. وذلك أي:
البعث المهدّدون به. (٢) علم: أحاط إحاطة بالغة جملة وتفصيلاً. والأرض أي: مافيها من الحشرات والتراب. وعندنا أي: في ملكنا. والكتاب: ما هو
مسجل مكتوب. وحفيظ: بالغ الحفظ والتثبيت. والمقدرة: التي ستكون في الوجود، من نية أوقول أوفعل أوحدث. وكذبوا به: أنكروه. وجاءهم: بُلِّغوه
وكلفوا الإيمان بما فيه. والأمر: الشأن والحال. (٣) ينظر: يوجه بصره. والسماء: ما يحيط بالأرض من العوالم العُلوية. وبنيناها: أحكمناها كالبناء في
الدنيا. وزين: جمّل. والفروج: جمع فَرج. ودحاها: وسعها وسهلها، مع ما لها من شكل خاص غير مسطح. وألقى: وضع. والرواسي: جمع الراسي.
وأنبت: أظهر. والبهيج: ما يُسَرّ به. ونزلنا: أسقطنا إلى الأرض. والسماء: السحاب. والبركة: الخير والنماء. والحب: واحدته حبة في نحو القمح
والشعير. والنخل: واحدته نخلة. وحال مقدرة: يعني أن الطول يقدَّر ليحصل بعد، أي: مقدَّرًا بُسوقُها. والطلع: أول ما يظهر من حمل النخل. والرزق:
العطاء. والعباد: الخلق. وأحياها: خلق فيها النشاط والنماء. والبلدة: الأرض. والميت: لانبات فيها ولانماء. (٤) كذبت: جحدت التوحيد والبعث.
وقبلهم: قبل كفار قريش. والقوم: جماعة الإنسان في النسب. وتأنيث الفعل صوابه: دخول الفعل على تاء التأنيث. وأصحاب ... وعاد: انظر الآية ٣٨ من
سورة الفرقان. وفرعون أي: وأتباعه من القبط. وإخوانه: الجماعة التي يعيش بينها. انظر الآية ٢٦ من سورة العنكبوت. وأصحاب الأيكة: انظر الآية ١٧٦
من سورة الشعراء. والغيضة: الشجر الكثير. وشعيب من مدين لا من أهل الأيكة. وتبع: انظر الآية ٣٧ من سورة الدخان. والرسل: جمع رسول. ووعيد:
تهديدي بالإهلاك. ولا يضق: ليبقَ واسعًا يحتمل ماتراه. وعيي به: عجز عنه فلم يستطع إتمامه. والخلق: الإيجاد للكائنات. وهم أي: كفار مكة وغيرها .
والجديد: المحدث المستأنف بعد.
٥٠ - سورة ق
٥١٩
الجزء السادس والعشرون
١- ﴿وَلَقَد خَلَقْنا الإنسانَ، ونَعلَمُ﴾: حالٌ بتقدير ((نحن)) ﴿ما﴾: مصدرية
﴿تُوَسوِسُ﴾: تُحدّث ﴿بِهِ﴾ - الباء: زائدة أو للتعدية، والضمير للإنسان -
﴿نَفْسُهُ، ونَحنُ أقرَبُ إِلَيْهِ﴾ بالعِلم ﴿مِن حَبلِ الوَرِيدِ﴾ ١٦ - الإضافةُ للبيان،
والوريدانِ: عِرقانِ بصفحتَيِ العُنق - ﴿إِذَ﴾: ناصبُه ((اذكرْ)) مُقدّرًا ﴿يَتَلَقَّى﴾: يأخذُ
ويُثبِتُ ﴿المُتَلَقِّيَانِ﴾: المَلكَانِ المُوكلان بالإنسان ما يعمله، ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ
الشِّمالِ﴾ منه ﴿قَعِيدٌ﴾ ١٧ أي: قاعدان - وهو مُبتدأ خبره ما قبله - ﴿ما يَلِفِظُ مِن قَولٍ
إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾: حافظ، ﴿عَتِيدٌ﴾ ١٨: حاضر. وكُلّ منهما بمعنى المُثنّى.
٢- ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوتِ﴾: غمرتُه وشِدّته، ﴿بِالحَقِّ﴾ من أمر الآخرة حتّى
يراه المُنكِرِ لها عِيانًا - وهو نفس الشِّدّة - ﴿ذُلِكَ﴾ أي: الموت ﴿ما كُنتَ مِنْهُ
أُجْزَبُ
تَحِيدُ﴾ ١٩ : تهرب وتفزع، ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ للبعث - ﴿ذلِكَ﴾ أي: يومُ
النفخ ﴿يَومُ الوَعِيدِ﴾ ٢٠ للكُفَّار بالعذاب - ﴿وجاءَتْ﴾ فيه ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ إلى
المحشر، ﴿مَعَها سائقٌ﴾: ملَك يسوقها إليه، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ ٢١ يشهد عليها بعملها - وهو
الأيدي والأرجُل وغيرها - ويقال للكافر: ﴿لَقد كُنتَ﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلةٍ مِن هذا﴾
النازلِ بك اليوم، ﴿فَكَشَفْنا عَنكَ غِطَاءَكَ﴾: أزلنا غفلتك بما تُشاهده اليوم، ﴿فِبَصَرُكَ
اليَومَ حَدِيدٌ﴾ ٢٢: حادّ تُدرِك به ما أنكرتَه في الدنيا .
سُورَةِ وَّة
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنْسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ, وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿ إِذْيَلَقَّ الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ
(٧) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (٨) وَجَآَتْ سَكْرَةُ
الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَاكُنْتَ مِنْهُ تَحِدُ (١٦) وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ذَلِكَ
يَوْمُ الْوَعِيدِ [٢] وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَعَهَا سَآَبِقٌ وَشَهِيدٌ هَالَّقَدْ
كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ
﴿ وَقَالَ فَرِنُهُ هَذَا مَالَدَىَّ عَبِهُ (®) أَلْفِيَافِ جَهََّكُلَّ كَفَّارٍ
عَنْدٍ ﴿امَنَّاعِ لِلْخَيْرِمُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴿ الَّذِى جَعَلَ مَعَاللَّهِإِلَهَا
ءَاخَرَ فَأَلَّقِيَاهُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ قَالَ قَيِنُهُ رَبَنَامَا أَطْغَيْتُهُ
وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلِ بَعِيدٍ ﴿ قَالَ لَا تَخْصِمُوْلَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ
إِلَيْكُمُ بِالْوَعِيدِ ﴿ مَايُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِيدِ
يَوْمَتَقُولُ لِجَهَنََّ هَلِ أَمْتَلَأَتِ وَقُولُ هَلْ مِن ◌َزِيدٍ ﴿ وَأُزْلِفَتِ
اَلْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿ هَذَامَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
جَ مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (٦) أُدْ خُلُوهَا
بِسَلَِّ ذَلِكَ يَوْمُ اْخُلُودِ (١٦) لَهُ مَايَشَآءُ ونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(
٣- ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ الملَك المُوكل به: (هذا ما﴾ أي: الذي ﴿لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ٢٣:
حاضر. فيقال لمالِكٍ: ﴿ألقيا في جَهَنَّمَ﴾ أي: ألقِ ألقٍ، أو ((ألْقِيَنْ)) - وبه قرأ
الحسن، فأُبدلَتِ النونُ ألفًا - ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ٢٤ : مُعانِد للحقّ، ﴿مَنّاعِ لِلخَيرِ﴾
كالزكاة، ﴿مُعتَدٍ﴾: ظالم ﴿مُرِيبٍ﴾ ٢٥: شاكٌ في دِينه. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَّهَا آخَرَ﴾: مُبتدأ ضُمِن معنى الشرط، خبرُه: ﴿فألقِياهُ﴾ - تفسيره
مِثْل ما تقدّم - ﴿فِي العَذابِ الشَّدِيدِ ٢٦. قالَ قَرِينُهُ﴾ الشيطان: ﴿رَبَّنَا، ما أطفَيتُهُ﴾: أضللته، ﴿ولَكِن كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ٢٧، فدعوته
فاستجاب لي. وقال: هو أطغاني بدعائه لي. ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: ما ينفع الخصام هنا، ﴿وَقَد قَدَّمتُ إلَيكُم﴾ في الدنيا
﴿بِالوَعِيدِ﴾ ٢٨ : بالعذاب في الآخرة لو لم تُؤمنوا، ولا بدّ منه. ﴿ما يُبَدَّلُ﴾: يُغيّرِ ﴿القَولُ لَدَيَّ﴾ في ذلك، ﴿وما أنا بِظَلَّم لِلعَبِيدِ﴾ ٢٩، فَأَعذّبَهم
بغير جُرم - وظلّام: بمعنى ذِي ظُلم لقوله ((لا ظُلمَ اليَومَ)) - ﴿يَومَ﴾ ناصبُه «ظلام)) ﴿نَقُولُ﴾ - بالنون والياء - ﴿لِجَهَنَّمَ: هَلِ امتَلأَتِ﴾؟ استفهامُ
تحقيقٍ لوعده بمَلئها، ﴿وَتَقُولُ﴾ بصورة الاستفهام كالسؤال: ﴿هَل مِن مَزِيدٍ﴾ ٣٠ أي: فيَّ؟ لا أسَعُ غير ما امتلأتُ به، أي: قد امتلأتُ.
٤ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنّةُ﴾: قُرّبتْ ﴿لِلمُتَّقِينَ﴾ مكانًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ٣١ منهم، فيرونها ويقال لهم: ﴿هذا﴾ المرئيُّ ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ - بالتاء والياء - في
الدنيا، ويُبدَل من (للمتّقين)) قوله: ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ﴾: رجّاع إلى طاعة الله، ﴿حَفِيظٍ﴾ ٣٢: حافظ لحُدوده، ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمُنَ بِالغَيبِ﴾: خافه ولم
يره، ﴿وجاءَ بِقَلبٍ مُنِيبٍ﴾ ٣٣: مُقبل على طاعته، ويقال للمثّقين أيضًا: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامِ﴾ أي: سالمين من كُلّ مخوف، أو مع سلام أي:
سَلِّموا وادخلوا. ﴿ذلِكَ﴾ اليوم الذي حصل فيه الدخول ﴿يَومُ الخُلُودِ﴾ ٣٤: الدوام في الجنّة. ﴿لَهُم ما يَشاؤُونَ فِيها، ولَدَينا مَزِيدٌ﴾ ٣٥: زيادة
على ما عملوا وطلبوا .
(١) خلقه: أوجده. ونعلمه: نعرفه جملة وتفصيلاً. وحال ... للإنسان: انظر ((المفصل)). والنفس: الفكر والعواطف. وأقرب: أدنى وألزم. وبالعلم أي: وبالقدرة
والتصرف. والحبل: العِرق. والصفحة: الجانب. وقبله أي: أن ((عن)): تتعلق بالخبر المحذوف. ويلفظ: ينطق. والملكان يكتبان كل شيء، فيُثبت الله الحسنات
والسيئات، ويمحو غيرها. ولديه: برفقته. وحاضر أي: ومُهيّأ لكتابة ما أُمر به. وبمعنى المثنى أي: رقيبان عتيدان. (٢) جاءت: حضرت. والحق: ما لا بد من
حدوثه. وتقديم ((نفس)) في مثل هذا سائغ صحيح، خلافًا لِما يزعمه بعض المعاصرين. ونفخ أي: نَفخ إسرافيل النفخة الثانية. والصور: ما يشبه القرن. والوعيد:
ما كان يذكره الأنبياء وتكفر به الأقوام. والنفس: الإنسان بروحه وجسمه. وإليه: إلى المحشر. والغفلة: الانهماك في الشهوات. (٣) لديّ أي: معي. ومالك:
سيد خزنة جهنم. والظاهر أن الخطاب لمَلَكَينٍ، ولاضرورة إلى توجيهات بعيدة. انظر ((المفصل)) والبحر ١٢٦:٨. والحسن هو البصري المشهور. والكَفّار:
المنهمك في التكذيب. والمنّاع: الدائم الصدّ. وجعل: صيّر. والإله: المعبود. ومبتدأ: يعني أن ((الذي)): مبتدأ خبره جملة: ألقيا. و((تفسيره مثل ما تقدم)) في قوله
هذا وهمٌ، لأن إبدال النون ألفًا هنا لايصح مع وجود الهاء. والشيطان من قُيض لمقارنة الكافر في حياته. ولديّ: في مقام حسابي. وقدمت: أوصلت على لسان
رسلي. والقول: الحكم. ولديّ أي: ماقضيت به لا يمكن تغييره. والعبيد: جمع عبد. والظلم: الجور. ولقوله يعني: الآية ١٧ من سورة غافر. انظر ((المفصل)).
وبالياء يريد القراءة ((يَقُولُ)). والمزيد: مكان للزيادة. وفيَّ أي: لم يبق فيَّ موضع لاستزادة. انظر (المفصل)). (٤) الجنة: البستان العظيم. والمتقي: من يتجنب
سخط الله ويطلب رضاه. وتوعدون: بُشّرتم به. وبالياء يريد القراءة ((ما يُوعَدُونَ)). والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والغيب: الغياب عن الحواس والقدرات،
أي: بغيابه. وجاء: أتى يوم القيامة. وسلموا أي: بعضكم على بعض. وذلك أي: هذا. واليوم: الوقت. ويشاء: يريد أن يناله. ولدينا: عندنا في ملكنا من نعيم
الجنة. والمراد بالزيادة هو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر. وأعلى ذلك رضا المولى - تعالى - ومشاهدة وجهه الكريم.
٥٠ - سورة قَ
٥٢٠
الجزء السادس والعشرون
سُورَةَ وَحَّةٌ
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّمِنْهُمْ بَطْشًا فَقَبُواْ فِى
اَلْبِلَدِ هَلْ مِن غَحِيصٍ (٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ
لَهُ قَلْبُ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا
مِنْ أُغُوبٍ ٨َّا فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [٣] وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
وَأَدْبَرَ السُّجُودِ ﴿ وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ فَرِيبٍ
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٢) إِنَّا
فَحْنُ نُّحِىءَ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ اْأَرْضُ
عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٥) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ
٤٥
وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِحَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ {
شُورَةُ الزّارِيَاتِ
وَالَّرِيَتِ ذَرْوًّا هَا فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا ؟ فَالْجَرِيَتِ يُسْرًا
فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا ﴿ إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴿ وَإِنَّالِدِينَ لَوَفِعٌ
١- ﴿وَكَم أهلَكْنا قَبَلَهُم مِن قَرٍ﴾ أي: أهلكنا قبل كُفّار قُريش قُرونًا، أي: أممًا كثيرة
من الكُفّار، ﴿هُم أشَدُّ مِنْهُم بَطشًا﴾: قُوّة، ﴿فَتَقَّبُوا﴾: فتّشوا ﴿في البِلادِ! هَل مِن
مَحِيصٍ﴾ ٣٦ لهم أو لغيرهم من الموت؟ فلم يجدوا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ
﴿لَذِكِرَى﴾: لِعِظةً ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ﴾: عقل، ﴿أو ألقَى السَّمعَ﴾: استمع الوعظ،
﴿وَهْوَ شَهِيدٌ﴾ ٣٧ : حاضر القلب. ﴿وَلَقَد خَلَقْنا السَّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما، في
سِتّةِ أيّامٍ﴾، أوّلها الأحدُ وآخرها الجمعة، ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ٣٨: تعب. نزلَ
ردًّا على اليهود في قولهم: ((إنّ الله استراح يوم السبت)). وانتفاءُ التعب عنه لتنزّهه -
تعالى - عن صفات المخلوقين، ولعدم المماسّة بينه وبين غيره: ((إنَّما أمرُهُ، إذا أرادَ
شَيْئًا، أن يَقُولَ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ)).
٢- ﴿فَاصْبِرْ﴾، خِطاب للنبيّ ◌َّ، ﴿عَلَى ما يَقُولُونَ﴾ أي: اليهودُ وغيرهم من التشبيه
والتكذيب، ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: صَلِّ حامدًا ﴿قَبَلَ طُلُوعِ الشَّمِسِ﴾ أي: صلاةَ
الصُّبح ﴿وَقَبَلَ الغُرُوبِ﴾ ٣٩ أي: صلاتَيِ الظُّهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي:
صلِّ العِشاءين، ﴿وأدبارَ السُّجُودِ﴾ ٤٠ - بفتح الهمزة: جمع دُبُر، وكسرِها: مصدر
أدبَر - أي: صلِّ النوافل المسنونة عقب الفرائض. وقيل: المراد حقيقة التسبيح في
هذه الأوقات، مُلابسًا للحمد.
٣- ﴿وَاستَمِعْ﴾ - يا مُخاطب، بقَولي - ﴿يَومَ يُنادِي المُنادِي﴾ هو إسرافيل، ﴿مِن
مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ٤١ من السماء - وهو صخرة بيت المقدس، أقرب موضع من الأرض
إلى السماء. يقول: أيّتها العِظامُ البالية، والأوصال المُتقطّعة، واللُّحوم المُتمزّقة،
والشُّعور المُتفرّقة. إنّ الله يأمركُنّ أن تجتمعْنَ لفصل القضاء - ﴿يَومَ﴾: بدلٌ من ((يومَ)) قبله ﴿يَسمَعُونَ﴾ أي: الخلقُ كُلّهم ﴿الصَّيحةَ بِالحَقِّ﴾:
بالبعث. وهي النفخة الثانية من إسرافيل. ويحتمل أن تكون قبل ندائه وبعده - ﴿ذلِكَ﴾ أي: يومُ النداء ويوم السماع ﴿يَومُ الخُرُوجِ﴾ ٤٢ من
القُبور. وناصبُ ((يومَ يُنادي)) مُقدّرٌ، أي: يعلمون عاقبة تكذيبهم. ﴿إِنّا نَحنُ نُحيِي ونُمِيتُ، وإلَينا المَصِيرُ ٤٣ - يَومَ﴾ بدل من ((يومَ)) قبله وما
بينهما اعتراض ﴿تَشَفَّقُ﴾، بتخفيف الشين، وتشديدها بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، ﴿الأرضُ عَنْهُم سِراعًا﴾: جمعُ سريع، حالٌ من مُقدّر
أي: فيخرجون مُسرعين. ﴿ذَلِكَ حَشرٌ عَلَينا يَسِيرٌ﴾ ٤٤. فيه فصل بين الموصوف والصفة بمُتعلِّقها للاختصاص. وذلك: إشارة إلى معنى الحشر
المُخبر به عنه، وهو الإحياءُ بعد الفناء والجمعُ للعرض والحساب. ﴿نَحنُ أعلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي: كُفّارُ قُريش، ﴿وما أنتَ عَلَيهِم بِجَبّارٍ﴾
تَجِبُرُهم على الإيمان. وهذا قبل الأمر بالجِهاد. ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرآنِ مَن يَخافُ وَعِيدٍ﴾ ٤٥. وهم المُؤمنون.
سورة الذاريات
مكية، ستون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الَرِ
٤ - ﴿والذّارِياتِ﴾: الرياح تَذْرو الترابَ وغيرَه ﴿ذَرْوًا﴾ ١ مصدرٌ - ويُقال: تَذْرِيه ذَرْيًا: تَهُبُّ به - ﴿فالحامِلاتِ﴾: الشُّحبِ تحمل الماء
﴿وِقْرًا﴾ ٢: ثِقْلًا مفعولُ الَحاملات، ﴿فالجارِياتِ﴾: السُّفنِ تجري على وجه الماء، ﴿يُسْرًا﴾ ٣: بسُهولة، مصدرٌ في موضع الحال، أي:
مُيسَّرةً، ﴿فالمُقَسِّماتِ أمرًا﴾ ٤: الملائكةِ تُقْسِّم الأرزاق والأمطار وغيرها بين البِلاد والعِباد، ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ - ما: مصدرية - أي: إن
(١) أهلك: أفنى بالعذاب. وأشد: أكثر. ومنهم: من كفار قريش. وفتشوا أي: عن ملجأ. والبلاد: جمع بلد. والمحيص: المهرب. وألقاه: وجّهه. وخلق:
أوجد من العدم. والأيام: جمع يوم. وهو الوقت، يعني: في أوقات متتابعة كالأيام المتواصلة. انظر الآية ٤ من سورة السجدة. وذكر الأحد والجمعة خلاف لما
جاء في الصحيح من الحديث. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف. ومس: أصاب. وعدم المماسة يعني الإنشاء بالإرادة دون مباشرة أو علاج.
انظر سبب النزول في المفصل، والآية ٨٢ من سورة يس. (٢) اصبر: اثبت على ما أنت فيه. والحمد: الثناء بالجميل على النعم. وذكر مشركي مكة هنا أولى
من ذكر اليهود، لأن الآية مكية. والمراد هنا هو الصلوات الخمس المفروضة. والدبر من الشيء: آخره ونهايته. وبكسرها يريد القراءة ((وإدبارَ)). والمسنونة: التي
سنّها النبي ◌َّ﴾. وحقيقة التسبيح أي: قول ((سبحان الله)). (٣) اليوم: الوقت. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ينادِ المنادِ)) بحذف الياءين للتخفيف. والصواب أن
المنادي هو جبريل لا إسرافيل. وقرب الصخرة خرافة يهودية. البحر ١٣٠:٨. وبتشديدها يريد القراءة ((تَشَّقَّقُ)). وللاختصاص أي: لا يتيسر ذلك إلّا علينا.
والنسخ يكون لما هو طلب، وليس في العبارة ذلك. فهو غير لازم. ووعيد: تهديدي للكافر. (٤) تذروه: تثيره. ومصدر أي: مفعول مطلق. والأمر: الشؤون
المختلفة. وبين البلاد والعباد أي: على ما هم مكلفون به من الأعمال، بتقدير الله وإرادته. انظر تعليقنا على الآية ٤ من سورة الدخان. ومصدرية أي: تؤوّل
بمصدر في محل نصب اسم ((إنّ)). وصادق: حقٌّ واقع في حينه. و((وعدهم)) صوابه ((وعدكم)). والواقع: الحاصل فعلًا بعنف وقوة. ولا محالة أي: لا بد منه.