النص المفهرس
صفحات 401-420
الجزء العشرون
٤٠١
٢٩ - سورة العنكبوت
١ - ﴿فَكُلَّا﴾ من المذكورين ﴿أَخَذْنا بِذَنْبِهِ - فمِنْهُم مَن أرسَلْنا عَلَيهِ حاصِبًا﴾: ريحًا
عاصفة فيها حصباءُ كقوم لُوط، ﴿ومِنْهُم مَن أخَذَتْهُ الصَّيحةُ﴾ كثمود، ﴿ومِنْهُم مَن
خَسَفْنا بِهِ الأرضَ﴾ كقارون، ﴿ومِنْهُم مَن أَغْرَقْنَا﴾ كقوم نُوح وفِرعون وقومه - ﴿وما
كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُم﴾ فَيُعذّبهم بغير ذنب، ﴿ولُكِن كانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ٤٠ بارتكاب
الذنب.
٢- ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَولِياءَ﴾، أي: أصنامًا يرجون نفعها، ﴿كَمَثَلِ
العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسها تأوي إليه، ﴿وإنَّ أَوهَنَ﴾: أضعفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْثُ
العَنْكَبُوتِ﴾، لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا. كذلك الأصنام لا تنفع عابديها. ﴿لَو كانُوا
يَعلَّمُونَ﴾ ٤١ ذلك ما عبدوها. ﴿إِنَّ اللهَ يَعلَمُ ما﴾ بمعنى: الذي ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون -
بالياء والتاء - ﴿مِن دُونِهِ﴾: غيرَه ﴿مِن شَيءٍ، وهْوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٤٢
في صُنعه.
٣- ﴿وَتِلكَ الأمثالُ﴾ في القُرآن ﴿نَضرِبُها﴾: نجعلها ﴿لِلنَّاسِ، وما يَعِقِلُها﴾ أي:
يفهمها ﴿إِلّ العالِمُونَ﴾ ٤٣: المُتدبِّرون. ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ بِالحَقِّ﴾ أي:
مُحقًّا. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً﴾: دلالة على قُدرته - تعالى - ﴿لِلمُؤمِنِينَ﴾ ٤٤. خُصّوا
بالذكر لأنهم المنتفعون بها، في الإيمان، بخلاف الكافرين.
٤ - ﴿اتلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾: القُرآن، ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ - إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ
الفَحشاءِ والمُنكَرِ﴾ شرعًا، أي: من شأنها ذلك ما دام المرء فيها، ﴿ولَذِكرُ اللهِ أكبَرُ﴾
سُورَةِ الْعَنمى
وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَ هُم ◌ُوسَى
بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْسَِقِينَ
﴿ فَكُلَّا أَخَذْنَابِذَتِةٍ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَابِهِ
الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُوَأْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ
﴿اَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ
أَتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ
لَوْكَانُوايَعْلَمُونَ (٨) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَايَدْعُونَ مِن
دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ
الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ أَتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ
وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِأَكْبَرٌ وَلَهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
(١) أخذنا: عاقبنا وأهلكنا. والذنب: المعصية تقتضي العقاب. وأرسلنا: أطلقنا وبعثنا. والحصباء: الحجارة. والصيحة: الصرخة العظيمة تزلزل الأرض وما
فيها. وخسفناها: أغَرناها وأخفيناها تحت الأنقاض. والأرض: المكان الذي يعيشون فيه. وأغرقناه: أمتناه خنقًا بالماء. ويظلم: يتجاوز الحق والعدل.
والأنفس: جمع نفس. وهي حقيقة الإنسان بروحه وجسده. ويظلمونها: يسببون لها الشر والضرر. فعقابنا لهم هو الحق والعدل. وبارتكاب الذنب أي:
بإصرارهم على الكفر والعصيان.
(٢) المثل: الصفة والحال. واتخذوا: جعلوا. ومن دونه أي: غيره. والأولياء: جمع ولي. وهو ما يتولاه الإنسان ويعتمد عليه. والعنكبوت: دُوَيْبَة تنسج في
الهواء من لعابها بيتًا رقيقًا تسكن فيه وتصيد به ما تأكله. واتخذت: صنعت. والبيوت: جمع بيت. ويعلم: يدرك ويدري. و((ذلك)) أي: مثلهم المذكور وأن
أمر دينهم بالغ من الوهن هذه الغاية. ويعلمه: يحيط به بالغّ الإحاطة. وبالتاء يريد القراءة ((تَدعُونَ)) أي: تدعونه. ومن دونه أي: المخلوقات كالأصنام والجن
والملائكة والبشر والحيوانات. والعزيز: الغالب القهار يذل له ماعداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٣) تلك أي: هذا المثال وغيره. والأمثال: جمع مَثَل. وهو الأمر العجيب يُذكر لبيان ما يشبهه من الأحوال للعظة والاعتبار. ونضربها: نذكرها ونوضحها.
والناس: البشر. ويفهمها: يدرك فائدتها. والمتدبرون: الذين يدركون ما يذكره الله، فيعملون بطاعته ويتجنبون سخطه. فقد كان مشركو قريش يقولون: ((إن رب
محمد يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت))! وخلقها: أوجدها من العدم. والسماء: ما يحيط بالأرض من أجرام ومغيبات عُلوية. والأرض: موطن الحياة
الدنيا. والمراد: وغيرهما أيضًا وما في ذلك كله. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والحق: الواجب للخير والصلاح. ومحقًا: قاصدًا ما يجب
بالحكمة، لإفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته، لا عابثًا أو لاعبًا. وذلك أي: الخلق المذكور. ودالة: تدل وتبين. والمؤمن: الذي صدّق الله ورسوله
وعرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٤) اتل: اقرأ تقربًا إلى الله وتذكرًا للمعاني، وتذكيرًا للمؤمنين بالعمل. وأوحي: أُنزل على لسان جبريل ويُسّر حفظه وتبليغه. وأقم الصلاة: دم على تأديتها
كما يجب. والصلاة: العبادة المكتوبة. وتنهى: تصرف وتمنع. والفحشاء: العمل الذي قبحه الشرع. والمنكر: ما أنكره الشرع. وذكر الله: استحضار عظمته
وجلاله بالقلب واللسان والعمل. وأكبر: أعظم أثرًا في النهي. ويعلمه: يحيط به إحاطة بالغة. وتصنعون: تكتسبونه من خير وشر. ويجازيكم به أي: في الدنيا
والآخرة. ولا تجادلوا: لا تناقشوا. والكتاب: الكتب الإلهية، كالتوراة والإنجيل. والأحسن: الأجمل في الأسلوب والتعبير، ملاطفة للترغيب. وظلموا:
اعتدوا عليكم بالكيد والإيذاء. وفي الأصل: ((فإن حاربوا)). وفي الأصل والنسخ والفتوحات والصاوي وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((فجادلوهم)).
والتصويب مما في تفسير ابن كثير ٤٠١:٣. وذكر الحرب والجزية يقتضي أن الآية مدنية. وهذا خلاف ماجاء في مستهل تفسير السورة من أنها مكية. والراجح
قول جمهور المفسرين، أي: فإن أفرطوا في المجادلة، ولم يتأدبوا معكم، فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم. فتح القدير ٢٧٨:٤. والجزية:
ما يدفعه المحارب أو المواطن من غير المسلمين، لحمايته بذمة الله ورسوله. وآمنا به: صدقناه. وأنزل: أوحي من عند الله. وإليكم: إلى آبائكم القدماء.
ولا تصدقوهم أي: إلّا فيما أقره الإسلام. ولا تكذبوهم أي: إلّا فيما أنكره الإسلام أو الواقع أو العقل السليم. وذلك أي: ما يخبرونكم به من القصص
والأحكام، مما لاتعرفونه ولم يكن فيه موافقة أو مخالفة للإسلام أو الحق. فهذا هو الذي لايصدَّق ولا يكذّب، من جميع الملل والشرائع والمقولات.
والإله: المعبود بحق. وواحد: متفرد لا شريك له ولا مثيل.
٢٩ - سورة العنكبوت
٤٠٢
الجزء الحادي والعشرون
سُورَة الْعَنكُ
﴿ وَلَا تُحَدِلُواْأَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمٌّ وَقُولُوَاْءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَتَخْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَتِنَآ
إِلَّا الْكَفِرُونَ (*) وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْكِنَبٍ
وَلَا تَخُلُهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ {بَلْ هُوَ
ءَايَتُ بَيِّنَتُّ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ
◌ِكَايَئِنَآ إِلََّ الظَّالِمُونَ ﴿ وَقَالُواْلَوْلَا أُنْزِلَـ عَلَيْهِ
ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْنَذِيرٌ
◌ُّبِينٌ ﴾َ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ
يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمِ
يُؤْمِنُونَ (٨) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاً
يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
٥٢
بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُواْبِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
من غيره من الطاعات، ﴿واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعُونَ﴾ ٤٥، فيُجازيكم به - ﴿ولا
الجزء١
الحرب ؟
تُجَادِلُوا أهلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي﴾ أي: بالمُجادلة التي ﴿ِهِيَ أحسَنُ﴾، کالدعاء
إلى الله بآياته والتنبيه على حُججه، ﴿إِلّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾، بأن حاربوا
وأبَوا أن يُقرّوا بالجِزية، فجالِدوهم بالسيف، حتّى يُسلموا أو يُعطوا الجِزية،
﴿وَقُولُوا﴾ لمن قَبِلَ الإقرار بالجِزية، إذا أخبروكم بشيء ممّا في كُتبهم: ﴿آمَنّا بِالَّذِي
أُنزِلَ إِلَينا وأُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ - ولا تُصدّقوهم ولا تُكذّبوهم في ذلك - ﴿وَإِلَّهُنا وإِلّهُكُم
واحِدٌ، ونَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾ ٤٦ : مُطيعون.
١- ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنا إلَيكَ الكِتابَ﴾: القُرآن، كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها .
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتابَ﴾: التوراة، كعبدالله بن سلام وغيره، ﴿يُؤمِنُونَ بِهِ﴾:
بالقرآن، ﴿ومِن هُؤُلاءِ﴾ أي: أهل مكّة ﴿مَن يُؤمِنُ بِهِ، وما يَجِحَدُ بِآيَاتِنا﴾ بعد ظهورها
﴿إِلّ الكافِرُونَ﴾ ٤٧ أي: اليهودُ. وظهر لهم أنّ القُرآن حقّ والجائي به مُحِقّ،
وجحدوا ذلك. ﴿وما كُنتَ تَتَلُو مِن قَبِلِهِ﴾ أي: القُرآنِ ﴿مِن كِتابِ، ولا تَخُطُّهُ
بِيَمِينِكَ. إذًا﴾ أي: لو كنت قارئًا كاتبًا ﴿لَارتابَ﴾: شكّ ﴿المُبطِلُونَ﴾ ٤٨ اليهودُ
فيك، وقالوا: ((الذي في التوراة أنه أُمّيّ لا يقرأ ولا يكتب)). ﴿بَل هُوَ﴾ أي: القُرآن
الذي جئتَ به ﴿ آياتٌ بَيِّناتٌ، في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ﴾ أي: المؤمنين يحفظونه،
﴿وما يَجِحَدُ بِآيَاتِنا إلّ الظّالِمُونَ﴾ ٤٩: اليهودُ. وجحدوها بعد ظهورها لهم.
٢ - ﴿وقالُوا﴾ أي: كُفّارُ مكّة: ﴿لَولا﴾: هلّ ﴿أُنزِلَ عَلَيهِ﴾: على مُحمّدٍ ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ - وفي قراءةٍ: «آياتٌ)» - كنافةِ صالح وعصا موسى ومائدة
عيسى. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّما الآياتُ عِندَ اللهِ﴾ يُنزِلِها كما يشاء، ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٥٠: بيّنُ الإنذار بالنار. ﴿أَوَلَم يَكفِهِم﴾، فيما طلبوا، ﴿أَنّا
أَنزَلْنَا عَلَيكَ الكِتابَ﴾: القُرآن، ﴿يُتْلَى عَلَيهِم﴾. فهو آية مُستمرّة لا انقضاء لها، بخلاف ما ذُكر من الآيات. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ الكتابِ ﴿لَرَحْمَةً
وذِكرَى﴾: عِظّةً، ﴿لِقَومِ يُؤمِنُونَ ٥١. قُلْ: كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَينَكُمْ شَهِيدًا﴾ بصدقي، ﴿يَعلَمُ ما فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾، ومنه حالي وحالكم!
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ - وهو ما يُعبد من دون الله - ﴿وَكَفَرُوا بِاللّهِ﴾ منكم، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ٥٢ في صفقتهم، حيثُ اشتَرَوُا الكُفر
بالإيمان.
(١) أنزلنا: أوحينا وكلفنا بالدعوة والعمل. وآتينا: أعطينا. والكتاب: الكتب، أي التوراة والإنجيل والزبور. وعبد الله أسلم في المدينة، وذكره هنا يعني أن
الآية مدنية خلافًا لما جاء في مستهل تفسير السورة. والصواب أن المراد من كانوا قبل عصر النبوة يؤمنون بما سيأتي في القرآن. وأهل مكة أي: ومن حولها
من أهل الكتاب. ويجحدها: ينكرها مع أنه يعلم صحتها. وظهورها: ثبوت أنها من عند الله. والكافر: من توغل في تكذيب الله ورسوله. وكان بعض
النصارى كاليهود أيضًا. وقال مجاهد: ((كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدًاً مَّ لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابًا، فنزلت)) يعني الآية ٤٨. الدر المنثور
١٤٧:٥-١٤٨. وتتلو: تقرأ. وقبله: قبل نزوله. وتخط: تكتب. واليمين: اليد اليمنى. والمراد: بيدك. فهو لا يعرف القراءة والكتابة ولا يستطيعهما.
والمبطلون: المصرّون على الباطل وإنكار الحق، وهم النصارى أيضًا والمشركون، لأن ماجاء في القرآن من أخبار الأمم والأمور الغيبية والبلاغة أعظم دليل
على أنه من عند الله. والآيات: النصوص الإلهية. والبينة: الواضحة الإعجاز والدلالة على صدق الرسالة. والصدور: جمع صدر. والمراد به القلب يعي
ويحتفظ بالعلم. وأوتوه: أُعطوه. والعلم: الدراية اليقينية لما جاء بالوحي والسُّنّة. و((المؤمنين)) تفسير لـ ((الذين)). ويحفظونه أي: عن ظهر قلب. فهو مثبت في
الصدور، مع كتابته في الصحف، لا يمكن تحريفه خلافًا التوراة والإنجيل وغيرهما. والظالم: من تجاوز الحق. وإنكارُ الأدلة الظاهرة ظلم كبير للنفس
والحق. واليهود أي: والنصارى والمشركون.
(٢) كان بعض اليهود يعلّمون كفار قريش اقتراح المعجزات تعنتًا ومكابرة. فالقول هنا للفئتين، لا لكفار مكة فقط. وأنزل عليه: يوحى إليه. والآية: المعجزة
تَحمل على الإيمان. ومن ربه أي: من عند الله. ولم يذكروا لفظ الجلالة تهكمًا واستهزاء. خ: ((آيات من ربه وفي قراءة آية)). وعنده: في قدرته وقضائه،
ولست أملكها لآتيكم بما تقترحون. وكما يشاء أي: من غير تدخل لأحد في ذلك. والنذير: المخوّف لمن عصى. ويكفيهم: يغنيهم عن تطلب المعجزات.
ويتلى: يقرأ. والرحمة: العطف بالإحسان. ويؤمنون: يصدقون الحق ويقرّون به. أما المكابرون المتعنتون فلا ينفعهم هذا ولا المعجزات المقترحة. وقل أي:
المشركين وأهل الكتاب الذين يقترحون المعجزات. فقد روي أنهم قالوا أيضًا: يامحمد، من يشهد بأنك رسول الله؟ فنزلت الآية. البحر ١٥٦:٧. وكفى: بلغ
الغاية في الكفاية والإغناء عن كل شيء. والشهيد: من يشهد بالعلم اليقيني للفصل في الخلاف. ويعلمه: يحيط به إحاطة بالغة. والسماوات والأرض أي:
ومابينهما ومافي غيرهما من العوالم الخفية. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وآمنوا به: اعتقدوا ألوهيته وقدسوه. والباطل: ماليس له أصل في
الواقع. وكفروا به: جحدوا وحدانيته. والخاسر: الكامل الخسارة، أضاع ما يطلبه وآذى نفسه وغيره.
الجزء الحادي والعشرون
٤٠٣
٢٩ - سورة العنكبوت
١- ﴿وَيَسْتَعجِلُونَكَ بِالعَذَابِ، ولَولا أجَلٌ مُسَمَّى﴾ له ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ عاجلًا،
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً، وهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ٥٣ بوقت إتيانه. ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ في
الدنيا، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ٥٤، يَومَ يَغْشَاهُمُ العَذابُ مِن فَوقِهِم ومِن تَحتِ
أرجُلِهِم، ونَقُولُ﴾ فيه، بالنون أي: نأمر بالقول، وبالياء أي: ((يَقُولُ)) أي: المُوكَّلُ
بالعذاب: ﴿ذُوقُوا ما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٥٥ أي: جزاءه. فلا تفوتوننا .
٢- ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، إنَّ أرضِي واسِعَةٌ. فإيّايَ فاعبُدُونِ﴾ ٥٦ في أيّ أرض
تيسَّرت فيها العبادة، بأن تهاجروا إليها من أرض لم تتيسّر فيها. نزل في ضُعفاء مسلمي
مكّة، كانوا في ضيق من إظهار الإسلام بها. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ المَوتِ، ثُمَّ إِلَينا
تُرجَعُونَ﴾ ٥٧ - بالتاء والياء - بعد البعث.
٣- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَنُوْئِنَّهُم﴾: نُنزِلِنّهم - وفي قراءة بالمُثلّثة بعد
النون من الثُّوِيّ: الإقامة. وتعديتُه إلى ((غرفًا)) بحذف (في)) - ﴿مِنَ الجَنّةِ غُرَفَا، تَجرِي
مِن تَحتِها الأنهارُ خالِدِينَ﴾: مُقدِّرين الخُلود ﴿فِيها، نِعمَ أجرُ العامِلِينَ ﴾ ٥٨ هذا
الأجرُ! هم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى المشركين، والهِجرة لإظهار الدِّين، ﴿وعلَى
رَبِّهِمٍ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٥٩، فيرزقهم من حيثُ لا يحتسبون. ﴿وكَأيِّنْ﴾: كم ﴿مِن دايّةٍ لا
تَحمِلُ رِزقَها﴾ لضعفها ﴿اللهُ يَرِزُقُها وإيّاكُم﴾ - أيها المُهاجرون - إن لم يكن معكم زاد
ولا نفقة! ﴿وَهْوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم، ﴿العَلِيمُ﴾ ٦٠ بضميركم.
سُورَة الجنكُ
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى ◌َجَآءَ هُمُ الْعَذَابُ
وَلَيَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِرِينَ (®ّا يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ
مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْمَا كُمُ تَعْمَلُونَ
﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّأَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ
كُلُّنَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْنِّ ثُمَّإِلَيْنَا تُرْ جَعُونَ * وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ لَنُبَوِّنَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى
مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَأَ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ { الَّذِينَ
صَبَرُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَُّونَ (٢٦) وَكَأَبِن مِّنِ دَابَةٍ لَا تَحْمِلُ
رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَلَيِنِ
سَأَلْتَّهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَرَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١٦) وَلَبِنِ سَأَلْتَهُم
مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا
لَيَقُولُنَّاللَّهَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِبَلْ أَكْثَرُ هُمْ لَا يَعْقِلُونَ (
٤ - ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿سألتَهُمِ﴾ أي: الكُفّارَ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ،
وسَخَّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ. فَأنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٦١: يُصرفون عن توحيده، بعد إقرارهم بذلك؟ ﴿اللهُ يَبسُطُ الرِّزقَ﴾: يُوسّعه ﴿لِمَن يَشاءُ مِن
عِبادِهِ﴾ امتحانًا، ﴿ويَقدِرُ﴾: يُضيّقه ﴿لَهُ﴾ بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاءً. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦٢، ومنه محلّ البسط والتضييق.
٥- ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿سألتَهُم: مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فأحيا بِهِ الأرضَ مِن بَعدِ مَوتِها؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾. فكيف يُشركون به؟ ﴿قُلِ﴾ لهم:
﴿الحَمدُ لِهِ﴾ على ثُبُوت الحُجّة عليكم. ﴿بَل أكثَرُهُم لا يَعْقِلُونَ﴾ ٦٣ تناقُضَهم في ذلك، ﴿وما هذهِ الحَياةُ الدُّنيا إلّا لَهوٌ وَلَعِبٌ﴾، وأمّا
القُرَب فمن أُمور الآخرة لظُهور ثمرتها فيها، ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهْيَ الحَيَوانُ﴾ بمعنى: الحياة. ﴿لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ ٦٤ ذلك ما آثروا الدنيا
عليها .
(١) في التلخيص أن هذه الآيات نزلت في المشركين، كانوا يكذّبون مايهددون به من العذاب، في الدنيا والآخرة، ويطلبون تعجيل إنزاله بهم، تعجيزًا
واستهزاء. وانظر الآية ٣٢ من سورة الأنفال. ويستعجلونك به: يطلبون إنزاله قبل أوانه. والعذاب: التعذيب المستأصِل. والأجل: وقت وقوع الشيء.
والمسمى: المحدد. وجاءهم: نزل بهم. ويأتيهم: يقع بهم. والبغتة: الفجأة. ويشعر: يحس. وجهنم: اسم علم لدار العذاب المهيأة للكافرين. واليوم:
الوقت. ويغشى: يغمر. والأرجل: جمع رِجل. وذوقوا: تحسسوا وقاسوا. وتعمل: تكتسب من نية أو قول أو فعل. وتفوتوننا: تتخلصون منّا.
(٢) العباد: جمع عبد. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والأرض: موطن الحياة الدنيا. والواسعة: الفسيحة. واعبدون أي: قدسوني وأطيعوني وحدي.
ونزل يعني: الآيات ٥٦-٦٢. وكل: الاستغراق أفراد النكرة. والنفس: المخلوق الحي. وذائقة: مقاسية بجميع جوارحها. وإلينا أي: إلى حسابنا والجزاء.
وترجعون: تردون. وبالياء يريد القراءة ((يُرجَعُونَ)).
(٣) عملوا: اكتسبوا بنية أو قول أو فعل. والصالحات: مايرضاه الله. والمثلثة: الثاء. والمراد (لَنْوِيَنَّهُم). ونُثوي: نُنزل. والجنة: الحديقة العظيمة.
والغرف: جمع غُرفة. وهي القصر. وتجري: تسيل بسرعة. وتحتها: تحت الغرف. والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا. ومقدرين: معتقدين ما
سيكون. ونعم: بلغ الغاية في الخير والنعيم. والأجر: المكافأة. والعاملون: الذين يكتسبون الصالحات. وصبر: تجلد. ويتوكل: يعتمد في جميع أموره.
ولا يحتسبون: لا يتوقعون. انظر (المفصل)). والدابة: ما يدب أويتحرك. وتحمل: تجمع. والرزق: النصيب من الحاجات. ويرزقها: يقدّر لها. والسميع:
المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المبالغ في الإحاطة.
(٤) لام قسم: انظر ((المفصل)). وخلق: أوجد من العدم. وسخره: ذلّله للمصالح. وأنَّى: كيف. ويشاء: يريد أن يوسع له. ويضيقه: يقلّله. ولما قال
المشركون لبعض المؤمنين: ((لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء» نزلت هذه الآية. فتح القدير ٢٩٦:٤. ومنه أي: من الشيء المذكور.
(٥) نزّل: أسقط. والسماء: السحاب. وأحياها: خلق فيها الحياة. وبه: بالماء. وموتها أي: الجدب والقحط. والحمد: الثناء بالجميل على النعم.
ولا يعقلون: لا يستخدمون عقولهم للتفكير فيما هم عليه. والحياة أي: مافيها من المتع والزينة. واللهو: الاستمتاع باللذات. واللعب: العبث بما هو باطل.
والقُرَب: ما يُتقرَّب به إلى الله، جمع قُربة. والحياة أي: المستمرة لا تنقطع. ويعلمون: يدركون الحق من الباطل بتدبر الأدلة والآيات.
٢٩ - سورة العنكبوت
٤٠٤
الجزء الحادي والعشرون
سُورَةِ الْعَنكُ
وَمَا هَذِهِالْحَيَوَةُ الدُّنْيَاِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَالْآَخِرَةَ
لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْكَانُو ◌ْيَعْلَمُونَ (١) فَإِذَا رَكِبُواْ فِي
اَلْفُلْكِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا فَجَنْهُمْ إِلَى الْبَرِ إِذَا
هُمْ يُشْرِكُونَ ﴿ لِيَكْفُرُ واْبِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ﴿ أُوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمَاءَإِمِنَّا وَيُنَخَطَّفُ
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِاَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِيَكْفُرُونَ
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِالْحَقِّ
لَمَّا جَآءَهٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنََّ مَثْوَى لِّلْكَفِرِينَ ﴿ وَالَّذِينَ
جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّاللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ◌ّـ
شُورَةَ الُوفِ
الّمَ جْ عُلِبَتِ الرُّوُ جَا فِ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ
غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِىِ بِضْعِ سِنِينٌلِلَّهِ الْأَمْرُ
مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِدٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
١- ﴿فإذا رَكِبُوا في الفُلكِ دَعَوا اللهَ، مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدعاءَ، أي: لا
يدعون معه غيره، لأنهم في شدة لا يكشفها إلّا هو، ﴿فَلَمّا نَجَاهُم إِلَى البَرِّ إذا هُم
يُشْرِكُونَ﴾ ٦٥ به، ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيناهُم﴾ من النِّعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتماعهم على
عِبادة الأصنام. وفي قراءة بسكون اللام: أمرُ تهديد. ﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ ٦٦ عاقبةً
ذلك. ﴿أُوَلَم يَرَوا﴾: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنا﴾ بلدهم مكّة ﴿حَرَمًا آمِنَا، ويُتَخَطَّفُ النّاسُ
مِن حَولِهِمْ﴾ قتلاً وسبيًا دونهم؟ ﴿أفبِالباطِلِ﴾: الصنم ﴿يُؤمِنُونَ، وبِنِعْمَةِ اللهِ
يَكْفُرُونَ﴾ ٦٧ بإشراكهم؟
٢ - ﴿ومَن﴾ أي: لا أحدَ ﴿أظلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بأن أشرك به، ﴿أو كَذَّبَ
بِالحَقِّ﴾: النبيِّ أو الكتابِ ﴿لَمّا جاءَهُ؟ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوَى﴾: مَأْوَى
﴿لِلكافِرِينَ﴾ ٦٨؟ أي: فيها ذلك، وهو منهم. ﴿والّذِينَ جاهَدُوا، فِينا﴾: في
حقّنا، ﴿لَنَهِدِيَنَّهُم سُبْلَنَا﴾ أي: طُرق السير إلينا، ﴿وإنَّ اللّهَ لَمَعَ المُحسِنِينَ﴾ ٦٩ :
المُؤمنين، بالنصر والعون.
ربع
الخزن
٤١
سورة الرُّوم
مكية، وهي ستون أو تسع وخمسون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمَةِ
٣- ﴿الَّمَّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ٢ - وهم أهل الكِتاب - غلبتْها
فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كُفّار مكّة بذلك، وقالوا للمُسلمين: ((نحن نغلبكم كما غَلبتْ فارسُ الرومَ))، ﴿في أدنَى
الأرضِ﴾ أي: أقربِ أرض الروم إلى فارسَ بالجزيرة، التقى فيها الجيشان والبادي بالغزو الفرسُ، ﴿وهُم﴾ أي: الروم ﴿مِن بَعدِ غَلَبِهِم﴾.
أُضيفَ المصدر إلى المفعول - أي: غلبةِ فارسَ إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ ٣ فارسَ، ﴿في بِضِعٍ سِنِينَ﴾ هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر. فالتقى
الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول، وغَلَبَتِ الرومُ فارسَ - ﴿لِلِ الأمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ﴾ أي: من قبلِ غَلَبِ الروم ومن بعده. المعنى:
أنّ غلبةَ فارسَ أوّلًا وغلبةَ الرومِ ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته - ﴿وَيَومَئذٍ﴾ أي: يومَ تغلب الرومُ ﴿يَفرَحُ المُؤْمِنُونَ ٤، بِنَصرِ اللهِ﴾ إياهم على فارسَ.
وقد فرحوا بذلك، وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر، بنزول جبريل بذلك فيه، مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه. ﴿يَنصُرُ مَن يَشاءُ، وَهْوَ
العَزِيزُ﴾: الغالب، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٥ بالمؤمنين.
(١) ركب فيها: صار فيها. والفلك: السفن. انظر ((المفصل)). ودعاه: استغاث به. والمخلص: من يجرد قوله من كل شائبة. ونجاه: أنقذه. والبر: الأرض
اليابسة. ويشرك: يعبد بعض المخلوقات ويطيعها. وآتينا: أعطينا. ويتمتع: يتلذذ. وسكون اللام أي: في القراءة ((ولْيَتَمَتَّعُوا)). ويعلم: يدرك باليقين. وجعل:
صيّر. والحرم: ما يمنع فيه كثير مما يحل في غيره. والآمن: ذو الأمن يَطمئن من فيه. ويتخطف: يسلب وينزع بسرعة. ومن حولهم أي: من حول أهل مكة.
والباطل: ما لا يثبت عند الاختبار، ومنه الأصنام المعبودة. ويؤمن به: يعتقد استحقاقه للعبادة والطاعة ويقدسه. والنعمة: التفضل بالخير. ويكفر: ينكر.
وبإشراكهم يعني: يجحدون بإشراكهم، أي: بعبادة المخلوقات، نعمةَ الله.
(٢) أظلم: أكثر مجاوزة للحق. وافترى: اختلق وادعى. والكذب: ما ليس له أصل في الواقع. وكذب به: أنكر صدقه وتنكر له. وجاءه: وصل إليه مبلغًا
ونذيرًا. وجهنم: نار الله الموقدة لعقاب المصرين على الكفر والعصيان. والكافر: الجاحد المنكر للتوحيد والبعث والرسالة. وهو منهم أي: المفتري هو من
أصحاب جهنم. وجاهدوا: بذلوا أقصى مالديهم من الصحة والمال والعلم والقوة والجاه والوقت والإمكانات. وفي حقنا أي: لأداء حقنا عليهم، من كف
للعدو والنفس، ومقاومة الفتن والمنكرات والظلم. ونهديهم: نزيدهم إرشادًا وتوفيقًا. والسبل: جمع سبيل. وهو الطريق المستقيم إلى طاعة الله. ومعهم أي:
يؤيدهم ويحفظهم. والمحسن: من أخلص في عمله، وجعله حسنًا كما حدده الشرع، مع الرقابة الدائمة لرضا الله .
(٣) غزا الفرس بلاد الروم وانتصروا عليهم، وحاصروا هرقل في القسطنطينية - والمسلمون في مكة قبل الهجرة - فنزلت الآيات تبشر بقرب تغلب الروم على
الفرس. الواحدي ص ٣٦٠. وغلبت: هزمت. والروم: من النصارى. وفارس هم الفرس عبدة النار. وبالجزيرة أي: الجزيرة الفراتية بين النهرين. والغلَب:
التغلب والانتصار. والمفعول: يعني نائب الفاعل في المعنى، لأن الغلَب هنا مصدر الفعل المبني للمجهول. والسابعة من الالتقاء الأول أي: في السنة
السابعة بعد انتصار الفرس على الروم، فكان ذلك بضع سنين. والأمر: الإرادة والقضاء. ومن قبل ومن بعد أي: وبين ذلك أيضًا. والمراد: في جميع
الأوقات. ويومئذ أي: يومَ إذْ. ويفرح: يُسَرّ ويَسعد. والمؤمن: من صدق الله ورسوله. والنصر: العون والتقوية للتغلب على العدو. فقد غزا قيصر حينذاك
بلاد الفرس وتغلب عليهم وحاصر المدائن. وبنزول جبريل بذلك أي: بتبليغه للنبي ◌َ﴿ خبرَ انتصار الروم، وحيًا من عند الله. وفيه: في يوم بدر. ويشاء: يريد
نصره. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والإحسان.
الجزء الحادي والعشرون
٤٠٥
٣٠ - سورة الروم
١- ﴿وَعْدَ اللهِ﴾: مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل: وَعَدَهم اللهُ النصرَ، ﴿لا
يُخْلِفُ اللهُ وَعدَهُ﴾ به، ﴿ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: كُفّارٍ مكّة ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٦ وعده -
تعالى - بنصرهم، ﴿يَعلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنيا﴾ أي: معايشَها، من التجارة
والزراعة والبناء والغرس وغير ذلك، ﴿وهُم عَنِ الآخِرَةِ هُم غافِلُونَ﴾ ٧. أعاد ((هم))
تأكيدًا. ﴿أَوَلَم يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم﴾، ليرجِعوا عن غفلتهم: ﴿مَا خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ
والأرضَ وما بَينَهُما إلّا بِالحَقِّ، وأجَلِ مُسَمَّى﴾؟ لذلك تفنى عِند انتهائه، وبعده
البعثُ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾، أي: كُفّارٍ مكّة، ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِم لَكافِرُونَ﴾ ٨ أي: لا
يؤمنون بالبعث بعد الموت.
٢- ﴿أُوَلَم يَسِيرُوا في الأرضِ، فَيَنظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبَلِهِم﴾ من الأُمم،
وهي إهلاكهم بتكذيبهم رُسلَهم؟ ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُم قُوّةً﴾ كعادٍ وثمودَ، ﴿وأثارُوا
الأرضَ﴾: حرثوها، وقلبوها للزرع والغرس، ﴿وعَمَرُوها أكثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أي:
كُفّارُ مكّة، ﴿وجاءَتُهُم رُسْلُهُم بِالْبَيِّناتِ﴾: بالحُجج الظاهرات، ﴿فما كانَ اللهُ
لَيَظْلِمَهُمِ﴾ بإهلاكهم بغير جُرم، ﴿ولَكِن كانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ٩ بتكذيبهم رُسلَهم،
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساؤُوا السُّوءَى﴾: تأنيث الأسوأ: الأقبح، خبرُ ((كان)) على رفع
((عاقِبةُ)) واسمُ ((كان)) على نصب ((عاقِبةَ))، والمُراد بها جهنّم، وإساءتُهم ﴿أَنْ﴾ أي:
بأن ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾: القُرآن، ﴿وكانُوا بِها يَستَهْزِئُونَ﴾ ١٠ .
شُّوَةِ الرُّومِنْ
ـدُونَ
وَعْدَ اللَّهِلَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَّمُونَ
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِهُمْ غَفِلُونَ
٤ أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُ واْفِىَّ أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ الَهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَابَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىَّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْدِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
وَأَثَارُ واْالْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَا عَمَرُوهَا وَجَاءَ تْهُم
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ا ثُمَّكَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَأَىّ
أَنْ كَذَّبُواْبِشَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ اللَّهُ
وَيَوْمَ تَقَوَمُ
يَبْدَؤُ أْخَلْقَ ثُمَّ ◌ُعِيدُهُ ثُمَّإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ (شـ
السَّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّنْ شُرَكَآَ بِهِمْ
شُفَعَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَبِهِمْ كَفِرِينَ (١٣] وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبٍِّ يَنَفَرَّقُونَ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
٣- ﴿اللّهُ يَبْدَأُ الخَلقَ﴾ أي: يُنشئ خلق الناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: خَلْقَهم بعد موتهم،
﴿ثُمَّ إِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ١١ بالتاء والياء، ﴿ويَومَ تَقُومُ السّاعةُ يُبلِسُ المُجرِمُونَ﴾ ١٢ : يسكتُ المُشركون لانقطاع حُجّتهم، ﴿وَلَم يَكُنْ﴾ أي: لا يكون
﴿لَهُم مِن شُرَكائِهِم﴾ ممّن أشركوهم بالله - وهم الأصنام ليشفعوا لهم - ﴿شُفَعاءُ، وكانُوا﴾ أي: يكونون ﴿بِشُرَكائهِم کافِرِينَ﴾ ١٣ أي: مُتَبرّئين
منهم.
٤ - ﴿وَيَومَ تَقُومُ السّاعةُ يَومَئذٍ﴾: تأكيد ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ١٤ أي: المؤمنون والكافرون، ﴿فأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فهُم في رَوضَةٍ﴾: جنّة
﴿يُحَبَرُونَ﴾ ١٥: يُسَرّون، ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾: القُرآنِ، ﴿ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾: البعث وغيره، ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحضَرُونَ﴾ ١٦ .
(١) الوعد: التعهد والبشارة. وبدل منه أي: مفعول مطلق نائب عنه. والبدل هنا يفيد التوكيد للفعل المحذوف. والتقدير: موعودين وعدَ الله. ويُخلفه: يهمل
تحقيقه أو يخل به. وكفار مكة أي: وغيرها أيضًا، هنا وفي الآية ٨. ولا يعلمون: يجهلون لعدم إيمانهم وإهمال التفكير السوي. والظاهر: مايبدو لكل طائش،
ولا يقتضي التدبر للحقائق. والحياة: العيش بالروح والجسد. والآخرة: الحياة يوم القيامة بعد الموت. والغافل: الذاهل الساهي لا يدري ما يحيط به. وفيما
عدا الأصل والنسخ: ((إعادة هم تأكيد)). يعني أن تكرار ((هم)) توكيد لفظي للأول. ويتفكروا في أنفسهم: يشغلوا قلوبهم وعقولهم بالتدبر والاعتبار. والأنفس:
جمع نفس. وهي العقل والضمير. وخلقه: أوجده من العدم. والسماء: ما يحيط بالأرض من الجو والأجرام والغيبيات. والحق: الحكمة البالغة. والأجل:
مدة بقاء المخلوق. والمسمى: المحدد. وتفنى: تضمحل وتتلاشى. خ وع: (يفنى)). والكثير: العدد الوافر. ولقاؤه: الحضور لحسابه وجزائه.
(٢) يسير: يمشي للتنقل والتجارة. وينظر: يتأمل ويفكر. والعاقبة: العقوبة والنهاية العجيبة. والأشد: الأكثر شِدة. والقوة: التمكن من العمل. وعمروها:
أقاموا فيها وأنشؤوا العمارات. وجاءتهم: حضرت مجالسهم للتبليغ. والرسل: جمع رسول. وهو المكلف بتبليغ التوحيد والشريعة مع العمل. ويظلمه: يجور
عليه ويغبنه حقه. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان بروحه وجسده. وكان أي: يكون يوم القيامة. وأساء: اقترف الشر وقبيح القول والفعل. والسوءى:
أقبح العقوبات. والمراد بها أي: بالعاقبة. وكذبوا بها: أنكروها ولم يصدقوها. ويستهزئ: يسخر .
(٣) يبدؤه: يفعله ابتداء على غير مثال سابق. والخلق: الإيجاد من نطفة. ويعيده: يحدثه مرة ثانية. وإليه: إلى موعده يوم القيامة. وترجعون: تردّون
وتحضرون للحساب والجزاء. وبالياء يريد القراءة ((يُرجَعُونَ))، أي: الناس. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((يُرجَعُونَ بالياء والتاء)). وتقوم الساعة: يكون يوم
القيامة. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وعزم، والشرك أشنع ذلك. ولا يكون: يعني أن معنى الماضي في ((لم يكن)) مراد به المستقبل، وعُبِّرَ به للدلالة
على تحقق الوقوع. وكذلك شأن: كانوا. والشركاء: جمع شريك. وهي الأصنام وغيرها من المخلوقات تقدَّس وتطاع. وأضيفت إليهم لأنهم عبدوها مع الله.
والشفعاء: جمع شفيع. وهو من يتوسط ليدفع الضرر. وكانوا أي: المشركون. ومنهم: من ألوهيتهم واستحقاقهم العبادة والطاعة.
(٤) يومئذ أي: يوم إذْ تقوم الساعة. فالتنوين عوض من الجملة المحذوفة. وتوكيد: يعني أن ((يومئذ)»: توكيد لفظي لـ ((يوم تقوم الساعة)). ويتفرقون: ينفصلون
ويمتاز بعضهم من بعض. وآمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالحات: ما يرضاه الله. وكفروا: أنكروا الرسالة والتوحيد
والبعث. وكذبوا بها: أنكروها. واللقاء: المقابلة والحضور. والآخرة: يوم القيامة. والعذاب: التعذيب في جهنم عقوبة وإهانة. ومحضرون أي: مجموعون
لا يغيب أحد منهم.
٣٠ - سورة الروم
٤٠٦
الجزء الحادي والعشرون
سُوَرَةِ الرُّوم
وَمَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِثَايَتِنَا وَلِقَآٍ اُلْآَخِرَةِ فَأُوْلَِّكَ
فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿ فَسُبْحَنَ اْللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِخُ
وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ لَ
الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَّجُونَ
(١) وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ
تَنْتَشِرُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةً
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٨) وَمِنْءَايَتِهِ، خَلْقُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَنِكُمَّ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِلْعَلِمِينَ ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُمُ بِأَلَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَا ؤُكُمْ مِّنْ فَضْلِهِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ
لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ
خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحِى بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ
١- ﴿فَسُبحانَ اللهِ﴾ أي: سبِّحوا اللهَ بمعنى: صلُّوا ﴿حِينَ تُمِسُونَ﴾ أي: تدخلون في
المساء، وفيه صلاتان: المغربُ والعِشاء، ﴿وَحِينَ تُصبِحُونَ﴾ ١٧ تدخلون في
الصباح، وفيه صلاة الصُّبح - ﴿وَلَّهُ الحَمدُ فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾: اعتراض ومعناه
يحمده أهلهما - ﴿وعَشِيًّا﴾: عطف على ((حينَ)) وفيه صلاة العصر، ﴿وحِينَ
تُظهِرُونَ﴾ ١٨: تدخلون في الظهيرة. وفيه صلاة الظهر!
٢- ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيْتِ﴾، كالإنسانِ من النُّطفة والطائرِ من البيضة، ﴿ويُخرِجُ
المَيْتَ﴾: النُّطفةَ والبيضة ﴿مِنَ الحَيِّ، ويُحيِي الأرضَ﴾ بالنبات ﴿بَعدَ مَوتِها﴾ أي:
يُبسها - ﴿وَكَذْلِكَ﴾ الإخراجِ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ ١٩ من القُبور، بالبناء للفاعل والمفعول -
﴿ومِن آيَاتِهِ﴾ - تعالى - الدالّةِ على قُدرته ﴿أنْ خَلَقَكُم مِن تُرابٍ﴾ أي: أصلَكم آدمَ،
﴿ثُمَّ إذا أنتُم بَشَرٌ﴾ من دم ولحم، ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ٢٠ في الأرض.
٣- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِن أنفُسِكُم أزواجًا﴾، فخُلقت حوّاءُ من ضِلَع آدَمَ،
وسائرُ الناس من نُطف الرجال والنساء، ﴿لِتَسكُنُوا إِلَيها﴾ وتألفوها، ﴿وَجَعَلَ بَينَكُم﴾
جميعًا ﴿مَودّةً وَرَحْمَةً - إنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١ في صُنع
الله تعالى - ﴿ومِن آياتِهِ خَلقُ السَّماواتِ والأرضِ، واختِلافٌ ألسِنِتِكُم﴾ أي: لُغاتِكم
من عربيّة وعجميّة وغيرهما، ﴿وألوانِكُم﴾ من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد
رجل واحد وامرأة واحدة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: دلالاتٍ على قُدرته تعالى
﴿لِلِعالَمِينَ﴾ ٢٢ - بفتح اللام وكسرِها - أي: ذوي العُقول وأُولي العِلم.
٤ - ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكُم بِاللَّيلِ والنَّهارِ﴾، بإرادته راحةً لكم، ﴿وابتِغَاؤُكُمْ﴾ بالنهار ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تصرّفُكم في طلب المعيشة بإرادته - ﴿إِنَّ في
ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومِ يَسمَعُونَ﴾ ٢٣ سماعَ تدبّر واعتبار - ﴿وَمِن آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ أي: إراءتُكُم ﴿البَرَقَ، خَوفَا﴾ للمُسافر من الصواعق، ﴿وطَمَعَا﴾
للمُقيم في المطر، ﴿وَيُنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فيُحيِي بِهِ الأرضَ بَعدَ مَوتِها﴾ أي: يُبْسِها، بأن تُنبت. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَومِ
يَعقِلُونَ﴾ ٢٤ یتدبّرون.
(١) صلوا أي: أن التسبيح هنا مراد به الصلاة المفروضة. والأولى أن المراد به تنزيه الله عما يصفه البشر من النقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله. ويكون ذلك
بالقلب واللسان والعمل، فالصلاة بعضه. انظر الآية ١ من سورة الإسراء. وله أي: يحق له ويجب على الخلق. والحمد: الثناء بالجميل على الفضل.
والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا .. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. واعتراض: يعني أن ((له ... والأرض)):
اعتراض بين المتعاطفين. والعشي: آخر النهار. وعلى حين أي: على الذي قبل ((تمسون)). وفيه: في ذلك الوقت. خ: وهي صلاة العصر.
(٢) يخرج: يُظهِر ويخلق. والحي: ما فيه حياة. والميت: ما ليس فيه حياة، أي: قدرة على النماء. والمراد: أن الموت والحياة يتعاقبان في الوجود، ويولّد
الله أحدهما من الآخر مع أنهما متناقضان. ويحيي الأرض: يخلق فيها الحيوية والنشاط والقدرة على العطاء. وتخرجون: تبعثون وتنشرون أحياء بعد الموت.
وبالمفعول يريد القراءة «تُخرَجُونَ». والآية: العلامة والبرهان القاطع. وخلقكم: أوجدكم. والتراب: ما تفتت من وجه الأرض. وإذا: حرف مفاجأة، أي:
فاجأت البشريةُ والانتشارُ آخرَ تلك الأطوار. وتنتشرون: تتصرفون في أغراضكم، من فكر وتدبر واختيار وإرادة وقول وعمل.
(٣) خلق: أوجد. وأنفسكم أي: جنس ذواتكم البشرية. ونفس الإنسان حقيقته بروحه وجسده. والأزواج: جمع زوج، وهو الذكر والأنثى، تولّدا من الرجل
والمرأة، وكان كل منهما سكنًا للآخر. و((خلق حواء من ضلع آدم)) قول غير مسلّم به. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١ من سورة النساء. وسائر الناس: بقية
البشر عدا آدم وعيسى. والنطف: جمع نطفة. وهي القطرة الدقيقة. وتسكن: تميل وتطمئن. وجعل: خلق. والمودة: ميل النفس. والرحمة: العطف والشفقة.
والمذكور أي: في الآيات ١٩- ٢١. ويتفكر: يستعمل عقله وتفكيره لمعرفة الحق من الباطل. والسماوات والأرض أي: ومافيهما. والاختلاف: عدم الاتفاق
أو التماثل. والألسنة: جمع لسان. والعجمية: المنسوبة إلى العجم. وهم الفرس. وفي الصاوي وقرة العينين وبعض المطبوعات: ((وغيرها)). والألوان: جمع
لون. وهو يكون أيضًا للهيئة المميزة للفرد من غيره. وبكسرها يريد القراءة ((لِلعالِمِينَ)). وهم أولو العلم. والقراءة الأولى فسرها بذوي العقول.
(٤) المنام: النوم. والابتغاء: الطلب والسعي. والفضل: التفضل بالنعم. ويسمعون: يدركون المسموعات. ويريكم: يبصّركم عيانًا. والبرق: اللهب الخاطف
من اصطدام السحب بعضها ببعض. والخوف: الفزع. وللمسافر أي: والمقيم أيضًا. والطمع: الشهوة وطلب المزيد. والمقيم: المستقر في بلده. خ:
((للمقيمين)). وينزل: يسقط. وفي الفتوحات والصاوي: ((يُنَزِّلُ)). والسماء: السحاب. والماء: المطر والبرد والثلج والندى. وانظر الآية ١٩. والمذكور أي:
في هذه الآية. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. ويتدبرون: يعني أن العقل به يكون التدبر، وهو المؤدي إلى العلم والمعرفة.
الجزء الحادي والعشرون
٤٠٧
٣٠ - سورة الروم
١- ﴿وَمِن آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّماءُ والأرضُ بِأمرِهِ﴾: بإرادته من غير عَمَد، (ثُم إذا دَعاكُم
دَعْوَةً مِنَ الأرضِ﴾، بأن ينفخ إسرافيل في الصُّور للبعث من القُبور، ﴿إذا أنتُم
تَخْرُجُونَ﴾ ٢٥ منها أحياء. فخُروجكم منها بدعوة من آياته تعالى، ﴿وَلَهُ مَن في
السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ٢٦: مُطيعون، ﴿وَهْوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الخَلقَ﴾ للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد هلاكهم، ﴿وَهْوَ أهوَنُ عَلَيهِ﴾ من البدء،
بالنظر إلى ما عِند المُخاطَبينَ من أنّ إعادة الشيء أسهلُ من ابتدائه - وإلّا فهما عِند
الله، تعالى، سواء في السُّهولة - ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعَلَى فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي:
الصفةُ العليا، وهي أنه لا إله غيره، ﴿وَهْوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٢٧ في
خلقه .
٢ - ﴿ضَرَبَ﴾: جعل ﴿لَكُم﴾ - أيها المُشركون - ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا ﴿مِن أَنفُسِكُم﴾، وهو
﴿هَل لَكُم مِمّا مَلَكَتْ أَيمانُكُم﴾ أي: من مماليككم ﴿مِن شُرَكَاءَ﴾ لكم، ﴿فِيما
رَزَقْنَاكُم﴾ من الأموال وغيرها، ﴿فأنْتُم﴾ وهم ﴿فِيهِ سَواءٌ، تَخافُونَهُم
كَخِيفِتِكُمْ أَنفُسَكُم﴾ أي: أمثالكم من الأحرار؟ والاستفهام بمعنى النفي.
نظيف
الْخِزْبُ
٤١
المعنى: ليس مماليككم شُركاءَ لكم، إلى آخره، عندكم. فكيف تجعلون بعض
مماليك الله شُركاء له؟ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾: نُبِيّنها مِثلَ ذلك التفصيل،
﴿لِقَومٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢٨ : يتدبّرون. ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالإشراك ﴿أهْواءَهُم، بِغَيْرِ
عِلمٍ. فَمَن يَهدِي مَن أَضَلَّ الهُ﴾؟ أي: لا هادي لهم، ﴿وما لَهُم من ناصِرِينَ﴾ ٢٩:
مانعين من عذاب الله.
سُورَة التُّومِ
وَمِنْ ءَنِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِوٍِّ ثُمَإِذَا دَعَاكُمْ
دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (١٩) وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ * وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ
ثُمَّيُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ
ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلَا مِّنْ
وَاُلْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أَنْفُسِكُمْ هَل ◌َّكُمْ مِنْ مَامَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِنْ شُرَڪَآءَ فِى
مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءُتَّخَافُونَهُمْ كَخِفَتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ (@
بَلِ أَتَّبَعَالَّذِينَ ظَلَمُوْ أَهْوَآءَ هُمْ بِغَيْرِ عِلّهِ فَمَنْ يَهْدِى
مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَالَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ
حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢﴾ مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَلَ تَكُونُواْمِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ
دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣- ﴿فَأَقِمْ﴾ - يا مُحمّد - ﴿وَجِهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: مائلًا إليه، أي: أخلِصْ دِينك الله أنت ومن تبعك. ﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾: خِلقتَه ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ
عَلَيها﴾ وهي دِينه، أي: الزموها، ﴿لا تَبَدِيلَ لِخَلقِ اللهِ﴾: لدِينه أي: لا تُبدّلوه بأن تُشركوا - ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾: المُستقيم توحيدُ الله، ﴿ولَكِنَّ
أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: كُفّارٍ مكّة ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٣٠ توحيد الله - ﴿مُنِينَ﴾: راجعين ﴿إِلَيهِ﴾ تعالى، فيما أمر به ونهى عنه، حالٌ من فاعل ((أقم)) وما
أريد به، أي: أقيموا، ﴿واتَّقُوهُ﴾: خافوه، ﴿وأُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولا تَكُونُوا مِنَ المُشرِكِينَ ٣١، مِنَ الَّذِينَ﴾: بدلٌ بإعادة الجارّ ﴿فَرَّقُوا دِينَهُم﴾
باختلافهم فيما يعبدونه، ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾: فِرِقًا في ذلك، ﴿كُلُّ حِزِبٍ﴾ منهم ﴿بِما لَدَيهِم﴾: عِندَهم ﴿فَرِحُونَ﴾ ٣٢: مسرورون. وفي قراءةٍ
«فارَقُوا)) أي: تركوا دينهم الذي أُمروا به.
(١) تقوم: تدوم ماشاء الله لها ذلك. والسماء: ما يحيط بالأرض من جو وأجرام ومغيبات. ودعاكم: ناداكم. وتخرجون: تنطلقون. وفي لباب النقول أن
الكافرين كانوا يتعجبون من إحياء الموتى منكرين مكذبين، فنزلت الآية ٢٧ بالحجة عليهم. وكل أي: كل من في السماوات والأرض. ومطيعون أي: طاعة
انقياد في تنفيذ إرادته، ومنها الحياة والموت والبعث والحساب والجزاء، وإن كانوا قد يعصُونه في التوحيد والعبادة. ويبدؤه: انظر الآية ١١. والخلق:
الإيجاد. وهو أي: إنشاء الخلق ثانية. وأهون: أيسر. والمَثَل: الصفة العجيبة تذكر للاتعاظ. و((لا إله غيره)) أي: عبارة التوحيد. والعزيز: الغلاب لا يعجزه
شيء ويذل لعزته ماعداه. والحكيم: ذو الحكمة البالغة بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٢) في لباب النقول: كان أهل الشرك يقولون في التلبية: ((لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبيك لاشريك لك لبّيك، إلّا شريكًا هو لك، تملكه وماملك))، فنزلت الآية
لإثبات الحجة عليهم بالضلال. والمَثَل: الأمر الواضح يذكر لبيان ما يشبهه من الأحوال. والأنفس: جمع نفس. وملكتْه: كان لها حق التسلط عليه.
والأيمان: جمع يمين. وهي اليد اليمنى. والشركاء: جمع شريك. وهو من يساوي غيره في حق التسلط. ورزق: يسر وأعطى. وفيه: في تملّكه. وسواء:
متساوون. وتخافونهم: تخشون أن ينازعوكم في المال. والآيات: الأدلة وما يوحى من القرآن. واتبعها: انقاد إليها. والظلم: مجاوزة الحق. والأهواء: جمع
هوى. وهو ما تشتهيه النفس. والعلم: الدراية بالدليل اليقيني. ويهدي: يرشد إلى الحق. وأضله: صرف قدراته إلى ما يناسب اختياره الفاسد. ولهم أي: لمن
أضلهم الله .
(٣) أقم وجهك أي: دُم على التوجه والإقبال بالقلب واللسان والعمل. والدين: الإسلام. وخِلقته: ما خَلَق من القابلية للحق والتمكن من إدراكه. وفطر:
أنشأ. و((دينه)) في الموضعين تفسير آخر للفطرة، ذكره البيضاوي مع الأول، فلفق المحلي بينهما دون بيان. والتبديل للشيء: إزالته ووضع غيره في محله.
وخلق الله: ما جبل الناس عليه، من سلامة الفطرة والقابلية للحق، أي: لا يقدر أحد أن يغير ذلك الأصل الخَلْقي، وإن كان قد يفسده شياطين الإنس والجن
بالتضليل والعدوان، فيما ينشّأ الإنسان عليه بعد. والدين: العقيدة والشريعة. وكفار مكة أي: وغيرها أيضًا. ولا يعلمون: لا يعرفون لأنهم لا يميزون الحق من
الباطل. وأقيموها: أدوها بشروطها وأركانها وواجباتها. ولا تكونوا أي: لاتصيروا. والمشرك: من جعل مع الله شريكًا، في الألوهية والتقديس والطاعة. وهو
يعم كفار مكة وغيرهم من أهل الكتاب والوثنية. وبدل يعني أن ((من الذين)): بدل من ((من المشركين)) للبيان والتوكيد. وفرقوه: جعلوا دين التوحيد أديانًا
مختلفة، لاختلاف أهوائهم. والشيع: جمع شيعة. والحزب: الجماعة من الناس تتبع وجهة واحدة.
٣٠ - سورة الروم
٤٠٨
الجزء الحادي والعشرون
سُوَةِ التُّوم
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّدَ عَوْاْرَهُمْ مُنِيِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَا قَهُم
مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَيِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٣) لِيَكْفُرُواْبِمَآ
ءَنَّيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٩) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا
سُلْطَنَّا فَهُوَ بَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْبِهِ يُشْرِكُونَ
النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْبِهِّ وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ
إِذَاهُمْ يَقْنَطُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ
وَيَقْدِرَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ فَاتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ
وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨) وَمَآءَاتَّيْتُممِّن رِّبًا
◌ِيَرَّبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَاللّهِ وَمَآءَانَيْتُمِّن ذَكَوْقٍ
تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴿٦َ الَهُالَّذِى
خَلَقَكُمْ ثُمَّرَزَقَكُمْ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّيُحْبِيكُمْ هَلْ مِن
شُرَّكَآَيِكُمْ مَّنْ يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ (٥ ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّوَاَلْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْلَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ(١)
١- ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾، أي: كُفّارَ مكّة، ﴿ضُرٍّ﴾: شِدّة ﴿دَعَوا رَبَّهُم، مُنِيِينَ﴾:
راجعين ﴿إِلَيْهِ﴾ دُون غيره، ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهُم مِنهُ رَحْمةً﴾ بالمطر ﴿إِذا فَرِيقُ مِنْهُم بِرَبِّهِم
يُشْرِكُونَ ٣٣. لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْنَاهُم﴾ - أُريد به التهديد - ﴿فَتَمَتَّعُوا. فَسَوفَ
تَعلَّمُونَ﴾ ٣٤ عاقبة تمتّعكم. فيه التفات عن الغيبة. (أم) - بمعنى همزة الإنكار -
﴿أَنزَلْنَا عَلَيهِم سُلطانًا﴾: حُجّة وكِتَابًا، ﴿فَهْوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تكلُّمَ دلالةٍ، ﴿بِما كانُوا بِهِ
يُشرِكُونَ﴾ ٣٥ أي: يأمرهم بالإشراك؟ لا .
٢- ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ﴾: كُفّارَ مكّة وغيرَهم ﴿رَحْمةً﴾: نعمةٌ ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فَرَحَ بطرٍ،
﴿وإن تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ﴾: شِدّة، ﴿بِما قَدَّمَتْ أيدِيهِم، إذا هُم يَقِطُونَ﴾ ٣٦: ييأسون من
الرحمة. ومن شأن المؤمن أن يشكر عِند النعمة، ويرجو ربّه عِند الشِّدّة. ﴿أُوَلَم
يَرَوا﴾: يعلموا ﴿أَنَّ اللهَ يَبسُطُ الرِّزقَ﴾: يُوسّعُه ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ امتحانًا، ﴿ويَقْدِرُ﴾:
يُضيّقُه لمن يشاء ابتلاء؟ ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ، لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣٧ بها .
٣- ﴿فَآتِ ذا القُربَى﴾: القرابةِ ﴿حَقَّهُ﴾ من البرّ والصِّلة، ﴿والمِسكِينَ وابنَ السَّبِيلِ﴾:
المُسافرَ من الصدقة. وأُمّةُ النبيّ تبعٌ له في ذلك. ﴿ذُلِكَ خَيرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجهَ اللهِ﴾
أي: ثوابَه بما يعملون، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٣٨: الفائزون. ﴿وما آتَيْتُم مِن رِبًا ﴾
بأن يُعطِيَ شيئًا هِبَةً أو هديّة، ليطلب أكثر منه - فسُمّي باسم المطلوب من الزيادة في
المُعاملة - ﴿لِيَربُوَ في أَمْوالِ النّاسِ﴾: المُعطَينَ أي: ليزيد، ﴿فلا يَربُو﴾: يزكو ﴿عِندَ
اللهِ﴾ أي: لا ثواب فيه للمُعطِينَ، ﴿وما آتَيْتُم مِن زَكاةٍ﴾: صدقة، ﴿تُرِيدُونَ﴾ بها
﴿وَجهَ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ المُضعِفُونَ﴾ ٣٩ ثوابَهم بما أرادوه. فيه التفات عن الخِطاب.
﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُم، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحيِيكُم - هَل مِن شُرَكائِكُم﴾: ممّن أشركتم بالله ﴿مَن يَفْعَلُ مِن ذُلِكُم مِن شَيءٍ﴾؟ لا - ﴿سُبحانَهُ
وتَعالَى عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ٤٠ به!
٤ - ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ﴾ أي: القِفارِ بقحط المطر وقِلّة النبات، ﴿والبَحرِ﴾ أي: البِلادِ التي على الأنهار بقلّة مائها، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النّاسِ﴾
من المعاصي، ﴿لِنُذِيقَهُم﴾ - بالنون والياء - ﴿بَعضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: عُقوبته، ﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ ٤١: يتوبون. ﴿قُلْ﴾ لكُفّار مكّة: ﴿سِيرُوا
في الأرضِ، فانظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ؟ كانَ أكثَرُهُم مُشرِكِينَ﴾ ٤٢ فأُهلكوا بإشراكهم، ومساكنُهم ومنازلهم خاوية.
(١) مسهم: نزل بهم. وكفار مكة أي: وغيرهم أيضًا. ودعوه: نادوه استغاثة. وأذاقهم: رزقهم. ومنه: من عنده وبأمره. والرحمة: العطف بالإحسان والنعم.
والمطر بعض ذلك. والفريق: الجماعة. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ويشركون به: يجعلون له مشاركًا في الألوهية والتقديس، ينسبون
إليه كشف الضر. ويكفر: ينكر التوحيد والنبوة. وما آتيناهم: ما أعطيناهم من النعم. وتمتع: انتفع بالنعم وتلذذ. وتعلمون: تدركون باليقين. وأنزلنا: أوحينا.
وفي التلخيص: ((برهانًا أو كتابًا)). وتكلّم دلالةٍ أي: يدل بما فيه من البيان والبراهين. وبه أي: بالله. و((لا)) يعني أن الإنكار المذكور قبلُ معناه النفي، أي:
لم ننزل عليهم سلطانًا يأمر بما يزعمون.
(٢) أذقنا: رزقنا. وفرح: سعد وسُرّ. وتصيبهم: تنزلُ بهم. وقدمت: اكتسبته من قبل باختيار وقصد. والأيدي: جمع يد. والرزق: ما يهيأ للخلق وييسر من
المتاع والزينة. ولمن يشاء: للذي يريد بسط رزقه. وحذف ما يقابله في الجملة التالية لدلالته عليه. وامتحانًا أي: لاختباره أيشكر أم يطغى؟ وابتلاء أي:
لاختباره أيصبر أم ييأس؟ وذلك أي: المذكور من التوسعة والتضييق. والآيات: العلامات القاطعة الدلالة. ويؤمن: يصدق ما يرى من الأدلة اليقينية ويستجيب
لما تقتضيه. وبها أي: يستدلون بها على أن الله هو الباسط القابض، فيشكرون ويصبرون مع التوبة، ولا يبطرون ولا ييأسون.
(٣) آته: أعطه. وذو القربى: صاحبها. وحقه: ما يحتاج إليه. والمسكين: من يملك ما لا يكفي حاجاته. والسبيل: الطريق. وابنه: من كان في سفر واحتاج
إلى ما يوصله إلى بلده. وتبع له أي: مكلفة بهذا الأمر. وخير أي: يضاعف الأجر وينمي المال. ويريد: يطلب. والفائزون أي: برضا الله. وآتيتم: أعطيتم.
والربا هنا: طلب الزيادة المكروهة. وهو غير الربا المحرم قطعًا. ويعطي أي: يؤتي الطامعُ في الزيادة أحدًا من الناس. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك
من المتاع والزينة. وعند الله: في حكمه. والزكاة هنا هي ما يدفع بدون قدر معين. والمضعف: المضاعف للشيء بالزيادات. وخلقكم: أوجدكم من العدم.
ورزقكم: أعطاكم. والشركاء: جمع شريك. وسبحانه أي: تنزُّهًا له. وتعالى: تعظم وتكبر. ويشركون أي: يجعلون شريكًا من المخلوقات في العبادة
والطاعة .
(٤) ظهر: حصل وانتشر بعد أن لم يكن له وجود. والفساد: الشر والأذى. والبر والبحر أي: الأرض كلها. وكسبت: ربحت واستمتعت واقترفت باختيار
وقصد. والأيدي: جمع يد. ونذيقهم: ننزل بهم. وبالياء يريد القراءة ((لِيُذِيقَهُم))، أي: ليُنزِل اللهُ بهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم في الآخرة. وفيما عدا الأصل
والنسختين: ((ليذيقهم بالياء والنون)). وعمل: اقترف واكتسب. وعقوبته: عقوبة بعض الذي عملوا. ويتوبون أي: عما هم فيه من الكفر والعصيان، ويعودون
إلى الإيمان والصلاح، فينكشف عنهم ما ظهر من الفساد. وسيروا: امشوا وتنقلوا للتأمل والاعتبار. وانظروا: تفكروا وتدبروا. والعاقبة: النهاية. ومن قبل:
من قبلكم. والمشرك: من يجعل مع الله ندًا له في الألوهية والعبادة والطاعة. وأهلكوا أي: المشركون والكافرون.
الجزء الحادي والعشرون
٤٠٩
٣٠ - سورة الروم
١- ﴿فَأَقِمْ وَجهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ دين الإسلام، ﴿مِن قَبَلِ أن يأْتِيَ يَومٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ
اللهِ﴾، هو يوم القيامة. ﴿يَومَئذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ٤٣، فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد:
يتفرّقون بعد الحِساب إلى الجنّة والنار، ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ﴾: وبالُ كُفره وهو النار،
﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فِلِأَنفُسِهِمِ يَمْهَدُونَ﴾ ٤٤: يُوطّئون منازلهم في الجنّة، ﴿لِيَجزِيَ﴾:
مُتعلّق بـ (يصّدّعون)) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضِلِهِ﴾: يُثِبَهم. ﴿إِنَّهُ لا
يُحِبُّ الکافِرِينَ﴾ ٤٥ أي: يُعاقبُهم.
٢- ﴿وَمِن آيَاتِهِ﴾ - تعالى - ﴿أن يُرسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ بمعنى: لتُبشّركم بالمطر،
﴿وَلِيُذِيقَكُم﴾ بها ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾: المطرِ والخِصب، ﴿ولِتَجِرِيَ الفُلكُ﴾ السفن بها
﴿بِأمرِهِ﴾: بإرادته، ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾: تطلبوا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الرزقَ بالتجارة في البحر،
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٤٦ هذه النِّعمَ - يا أهل مكّة - فتوحدونه. ﴿ولَقَد أرسَلْنا مِن قَبِلِكَ
رُسُلَا إِلَى قَومِهِم، فجاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحُجج الواضحات، على صِدقهم في
رِسالتهم إليهم فكذّبوهم، ﴿فانتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجرَمُوا﴾: أهلكنا الذين كذّبوهم.
﴿وكانَ حَقًّا عَلَينا نَصرُ المُؤمِنِينَ﴾ ٤٧ على الكافرين، بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين.
سُورَةِ الرُّومُ
قُلْ سِيْرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلٌ
كَانَ أَكْثَرُهُمُشْرِكِينَ ﴿٢َ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ الْقَيِِّ مِن
قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لََّ مَرَدَّلَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَيِذٍ يَصَدَّعُونَ (٢) مَن
كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌَّ، وَمَنْ عَمِلَ صَلِحَا فَلَأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ()
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْكَفِينَ (®ّ وَ مِنْ ءَايَلِهِ: أَنْ يُرْسِلَ الرَِّاحَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم
مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلَِبْتَغُوْمِن فَضْلِهِ، وَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلَى قَوْمِفَاءُ وهُم
بِالْبَِّنَتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَ هُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ (٦ اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَنُشِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ
فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدَّقَ يَخْرُجُ مِنْ
خِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَّمُبْلِسِينَ
(١) فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا إِنَ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٣- ﴿اللهُ الَّذِي يُرسِلُ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحابًا﴾: تُزعجه، ﴿فَيَسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيفَ
يَشاءُ﴾ من قِلّة وكثرة؟ ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾، بفتح السين وسكونها: قِطَعًا مُتفرّقة، ﴿فَتَرَى
الوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أي: وسْطِهِ، ﴿فإذا أصابَ بِهِ﴾: بالودق ﴿مَن
يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هُم يَستَبَشِرُونَ﴾ ٤٨: يفرحون بالمطر، ﴿وإنْ﴾: وقد ﴿كانُوا، مِن
قَبلِ أن يُنْزَل عَلَيهِم مِن قَبِهِ﴾: تأكيد، ﴿لَمُبِسِينَ﴾ ٤٩ آَيِسِينَ من إنزاله. ﴿فَانظُرْ إلَى أَرِ﴾ - وفي قراءةٍ: ((آثارِ)) - ﴿رَحْمَةِ اللهِ﴾ أي:
نِعمته بالمطر: ﴿كَيفَ يُحِي الأَرضَ بَعدَ مَوتِها﴾ أي: يُبسِها بأن تُنبِتَ؟ ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ المُحييَ الأرضَ ﴿لَمُحيِي المَوتَى، وهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ﴾ ٥٠.
(١) أقم وجهك للدين القيم: انظر الآية ٣٠. ويأتي: يقع ويحصل. واليوم: الوقت والزمن. والمرد: الرد والمنع. ومن الله: من أمره وقضائه. ويومئذ: يوم
إذْ يأتي ذلك اليوم. وذكر الإدغام يقتضي أن الأصل ((يَتَصَدْدَعُونَ)) سكنت التاء وأبدلت صادًا وأدغمت في الصاد الثانية، وأدغمت الدال الأولى أيضًا في
الثانية. والضمير المتصل للناس جميعًا. وكفر: كذّب الله ورسوله. وعمل: اكتسب وتحمل بنية وعزم. والصالح: ما يرضاه الله. والأنفس: جمع نفس. وهي
حقيقة الإنسان وذاته. ومتعلق: يعني حرف الجر، وهو لام التعليل. وآمن: صدّق الله ورسوله، وعرف قلبه التوحيد وما يلزمه من الطاعة. والفضل: التفضل
والإحسان بالنعم. و((يثيب)) تفسير ((يجزي)). ولا يحبه أي: لايوده ويكرهه فلا يريد له الخير ولا يرحمه. ويعاقبهم أي: بالعدل والحق، ولا يغفر لهم شيئًا،
لإصرارهم على الكفر.
(٢) الآية: العلامة والدلالة. يعني الدلالات على بديع قدرته ورحمته. ويرسل: يطلق ويحرك. والرياح: جمع ريح، أنواع الهواء المتحرك من الجهات
المختلفة، وفيها منافع المطر وغيره أيضًا. والمبشرة: التي تبلّغ ما فيه الخير والسعادة. ويذيقكم: ييسر لكم ما تنالونه. والرحمة: العطف بالإحسان والنعم.
وتجري: تسير مسرعة. والفلك: اسم جمع واحدته من لفظه. وبها: بسبب الرياح. وتشكرونها: تستحضرونها وتثنون على خالقها، بالقلوب والألسنة والعمل.
والخطاب هو لأهل مكة وغيرهم من المكلفين. وتوحدونه أي: وتمتثلون أمره ونهيه. وفي المنحة وبعض المطبوعات: ((فتوحدوه)). وفي الآية ٤٧ تسلية
للرسول 8﴿ ولأصحابه، وتأنيس بالعون والنصر، ووعيد للكافرين بالعذاب، في الدنيا والآخرة. وأرسلنا: بعثنا. والرسل: جمع رسول. وهو من يكلفه الله
بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والقوم: الجماعة رجالاً ونساء. وجاؤوهم بها: أتوهم بها وأحضروها لهم عيانًا. وأجرم: اقترف الجرائم والمعاصي
باختيار وعزم. والحق: الثابت. والنصر: العون والتأييد. والمؤمن: من صدّق الله ورسوله قلبًا وعملًا.
(٣) الله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. ويرسل: انظر الآية
٤٦. والسحاب: واحدته سحابة. وهو الغيم فيه الماء. ويبسطه: ينشره متواصلاً. والسماء: ما يحيط بالأرض من الجو. ويشاء: يريد أن يبسطه. ويجعل:
يصيّر. وبسكونها يريد القراءة ((كِسْفًا)). وهي مفرد جمعه كِسَف. وترى: تبصر بعينك. والخطاب لكل سامع أو قارئ. ويخرج: يظهر وينفذ. وأصابه به: أنزله
في أرضه. ويشاء: يريد إصابته بالمطر. والعباد: جمع عبد. وهو المخلوق المملوك تعبدًا وقهرًا. وينزل: يسقط. وتأكيد: يعني أن ((من قبله)): توكيد لفظي لـ
((من قبل أن ينزل عليهم))، للدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد، فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك. وآيسين:
يائسين من ذلك، لشدة القحط وفقد أدلة المطر وأسبابه. وانظر إليه: تأمله وتفكر فيه باستبصار واعتبار، لِما فيه من دلالات على التوحيد وعجيب القدرة. وأثر
الشيء: حصول ما يترتب عليه ويُنتج منه. والآثار: جمع أثر. والرحمة: العطف بالإحسان. ويحييها: يخلق فيها الحياة. والأرض: القسم اليابس من موطن
الحياة الدنيا. و((المحيي الأرضَ)) تفسير لاسم الإشارة ((ذلك))، وسقط التفسير من ط وبعض المطبوعات. والموتى: جمع ميت. وكل: لاستغراق أفراد
النكرة. والشيء: ما هو موجود أو ممكن وجوده. والقدير: البالغ القدرة بذاته.
٣٠ - سورة الروم
٤١٠
الجزء الحادي والعشرون
◌ُِّوَةِ الرُّوم
وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ
أَفَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُسْمِعُ الصَُّّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
٥١
مُدْبِينَ ﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَن ضَلَئِهِمِّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا
﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ
مَنْ يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَافَهُمْ مُسْلِمُونَ
٤١
مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلٍ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَايَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَّبِئُواْ غَيْرَسَاعَةٍ
كَذَلِكَ كَانُوْيُؤْفَكُونَ [®) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِ كِنَبِ الَّهِإِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَـذَا يَوْمُ الْبَعْثِ
وَلَكِنَّكُمْ كُمْلَا تَعْلَمُونَ (٧) فَيَوْمَهِدٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ
ظَلَمُو ◌ْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَاهُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [®] وَلَقَدْضَرَبْنَا
لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَيِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ
يَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُبْطِلُونَ (٥) كَذَلِكَ
يَطَّبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٦) فَأَصْبِرْ إِنَ
وَعْدَ اللَّهِحَقُّ وَلَا يَسْتَحِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
١ - ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿أرسَلْنا رِيحًا﴾ مُضرّةً على نبات، ﴿فَرَأَوهُ مُصفَرًّا،
لَظَلُّوا﴾: صاروا - جوابُ القسم - ﴿مِن بَعدِهِ﴾ أي: بعدِ اصفراره ﴿يَكْفُرُونَ﴾ ٥١:
يجحدون النعمة بالمطر. ﴿فإنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى، ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
إذا﴾ - بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء - ﴿وَلَّوا
الخزن
مُدِبِرِينَ ٥٢. وما أنتَ بِهِادِي العُمىٍ عَن ضَلالتِهِم. إنْ﴾: ما ﴿تُسمِعُ﴾ سماعَ
إفهام وقَبول ﴿إِلّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا﴾: القُرآن، ﴿فَهُم مُسلِمُونَ﴾ ٥٣: مُخلصون
بتوحيد الله، تعالى.
٢ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن ضُعفٍ﴾: ماء مَهين، (ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضُعفٍ﴾ آخَرَ -
وهو ضعفُ الطفوليّة - ﴿قُوّةَ﴾ أي: قُوّة الشباب، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوّةٍ ضُعفًا
وشَيبةً﴾: ضعفَ الكِبَرِ وشيبَ الهرم - والضعف في الثلاثة بضمّ أوله وفتحه - ﴿يَخلُقُ
ما يَشاءُ﴾ من الضعف والقُوة، والشباب والشيبة، ﴿وهْوَ العَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه،
﴿القَدِيرُ﴾ ٥٤ على ما يشاء.
٣- ﴿وَيَومَ تَقُومُ السَّاعةُ، يُقْسِمُ﴾: يَحلف ﴿المُجرِمُونَ﴾: الكافرون، ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في
القُبور ﴿غَيْرَ ساعةٍ﴾ - قال تعالى: ﴿كَذْلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ٥٥: يُصرَفون عن الحقّ
البعث، كما صُرفوا عن الحقّ الصدق في مُدّة اللبث - ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ
والإيمانَ﴾، من الملائكة وغيرهم: ﴿لَقَد لَبِثُم، في كِتابِ اللهِ﴾: فيما كتبه في سابق
عِلمه، ﴿إِلَى يَومِ الْبَعْثِ. فَهُذا يَومُ البَعثِ﴾ الذي أنكرتموِهِ، ﴿ولَكِنَّكُمْ كُنتُم لا
تَعلَّمُونَ﴾ ٥٦ وقوعه. ﴿فَيَومَئذٍ لا يَنفَعُ﴾ - بالياء والتاء - ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعذِرتُهُمْ﴾
في إنكارهم له، ﴿ولا هُم يُستَعتَبُّونَ﴾ ٥٧: لا يُطلب منهم العُتبى، أي: الرجوعُ إلى ما يُرضي الله.
٤ - ﴿وَلَقَد ضَرَبْنا﴾: جعلنا ﴿لِلنّاسِ في هذا القُرآنِ مِن كُلِّ مَثَلِ﴾ تنبيهًا لهم، ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿جِئْتَهُم﴾ يا مُحمّد ﴿بِآيَةٍ﴾ مِثل العصا واليد
لُمُوسَى ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، حُذف منه نونُ الرفع لتوالي النونات، والواوُ ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم: ﴿إِنْ﴾: ما ﴿أَنتُم﴾ أي:
مُحمّد وأصحابه ﴿إِلّا مُبطِلُونَ﴾ ٥٨: أصحاب الأباطيل. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ ٥٩ التوحيدَ، كما طبع على قُلوب
هؤلاء. ﴿فَاصِرْ - إنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بنصرك عليهم ﴿حَقٌّ - ولا يَستَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٦٠ بالبعث، أي: لا يحملُنَّك على الخِفّة والطيش بترك
الصبر، أي: لا تتركنّه.
(١) قول المحلي ((لام قسم)) صوابه: لام موطئة لجواب القسم المحذوف. والتقدير: واللهِ - لئن أرسلنا ريحًا ظلوا يكفرون - لظلوا يكفرون. ورأوه: أبصروا
النبات. والمصفر: الذي تغير لونه ليبسه. وتسمعه: تبلغه المسموعات. والموتى: جمع ميت. وهو الذي مات قلبه فلا يدرك الحق. والصم: جمع أصم.
والدعاء: النداء. وبالتسهيل يريد القراءة ((الدُّعاءَ إِذا)). وولوا: أعرضوا. والمدبر: الذي يوجه ظهره استصغارًا. والهادي: الصارف إلى الحق بالفعل. وفيما
عدا الأصل والنسخ: ((بِهادِ العُمي)) بحذف الياء للتخفيف، اتباعًا لرسم المصاحف. والعمي: جمع أعمى. والضلالة: الخروج على الصواب والرشاد. ويؤمن
بها : يصدقها .
(٢) خلقكم: أنشأكم وأوجدكم. والضعف الأول أي: شيء ضعيف هزيل لا قوة فيه. والثاني والثالث بمعنى العجز والقصور. وجعل: خلق. والآخر:
المغاير. والقوة: القدرة المؤثرة. والشيبة: بياض شعر الإنسان، غالبًا ما يبدأ مع سن الأربعينات، ويزداد إلى الهرم. وبفتحه يريد القراءة: ((مِن ضَعفٍ))، و((مِن
بَعدٍ ضَعفٍ))، و((ضَعفًا وشَيبةً)). ويشاء أي: يريده ويقضيه. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وما يشاء أي: ومتى يشاؤه. وانظر آخر الآية ٥٠.
(٣) اليوم: الوقت والزمن. وتقوم: تحصل وتقع. والساعة: القيامة. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وعزم. ولبث: بقي. وساعة: قطعة يسيرة من
الزمن. ويصرفون أي: أنهم كانوا يمتنعون في الدنيا من الإقرار بالبعث، لجهلهم وطيشهم وإصرارهم على الكفر، كما مُنعوا من صدقهم في تحديد مدة
الموت، للذهول والحيرة. وأوتوا: أعطوا. والعلم: الدراية اليقينية. والإيمان: إقرار القلب بالتوحيد وما يلزم عنه. وفي كتابه: في اللوح المحفوظ وأُمّ
الكتاب، بحسب ما علمه وقدّره. والبعث: الخروج بعد الموت من القبور، حيثما كان فتات الميت. ولا تعلمون وقوعه: لا تعترفون ولا تقرون بأنه سيكون.
ويومئذ: يوم إذْ تقوم الساعة. وينفع: يفيد بتقديم خير ودفع شر، وبالتاء يريد القراءة: ((لا تَنْفَعُ)). وظلم: تجاوز حد الحق. والمعذرة: الاعتذار وطلب العفو.
ويُرضي الله أي: عنهم ليقبل عذرهم ويغفر ما قدموا.
(٤) المَثَل: الأمر العجيب يذكر للعظة والإرشاد. و((لام قسم)): انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥١. والتقدير: واللهِ - لئن جئتهم بآية يقول الذين كفروا -
ليقولُنّ. وجئتهم بها: أحضرتها لهم. والآية: المعجزة للدلالة على صدق الرسالة. و((حذف ... الساكنين)) خطأ ظاهر، انظر ((المفصل)). والأباطيل: جمع
أبطولة. وهي ما لا يثبت عند الامتحان. ويطبع: يختم ويقدّر في الأزل بعلمه وإرادته، إمدادًا للكافرين بما يناسب اختيارهم واستعدادهم الفاسدين. والقلوب:
جمع قلب. ولا يعلم: لا يدري ولا يدرك. واصبر: استمر على التجلد. والخطاب للنبي وَ لّه وكل مسلم. والوعد: ما تعهد به وبشّر. والحق: الثابت لا شك
فيه. ويوقن به: يصدقه ويطمئن إليه. ولا تتركنه: لا تتركنّ الصبر الذي أنت تلازمه. وفي ع وبعض المطبوعات: لا تتركه.
الجزء الحادي والعشرون
٤١١
٣١ - سورة لقمان
سورة لقمان
١- مكية أو إلّا ((ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام)) الآيتين فمدنيتان، وهي أربع
وثلاثون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
٢ - ﴿الَّمَّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿ آياتُ الكِتابِ﴾: القرآن
﴿الحَكِيمِ﴾ ٢: ذي الحكمة - والإضافة بمعنى: مِن - هو ﴿هُدَى وَرَحْمةٌ﴾، بالرفع،
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ - وفي قراءة العامّة بالنصب حالًا من الآيات، العاملُ فيها ما في
((تلك)) من معنى الإشارة - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: بيان للمُحسنين، ﴿وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ، وَهُم بِالآخِرِةِ هُم يُوقِنُونَ﴾ ٤. ((هم)) الثاني: توكيد. ﴿أُولَئِكَ علَى هُدَى مِن
رَبِّهِم، وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٥: الفائزون.
٣- ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشتَرِي لَهوَ الحَدِيثِ﴾ أي: ما يُلهي منه عمّا يَعني، ﴿لِيَضِلَّ﴾ -
يفتحِ الياء وضمِّها - ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: طريق الإِسلام ﴿بِغَيرِ عِلمٍ، وَيَتَّخِذَها﴾،
بالنَصَب عطفًا على ((يضلّ))، وبالرفع عطفًا على ((يشتري))، ﴿هُزُؤَا﴾: مهزوءًا بها -
﴿أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٦: ذو إهانة - ﴿وإذا تُتَلَى عَلَيهِ آيَاتُنا﴾ أي: القُرآنُ ﴿وَلَّى
مُستَكبِرًا﴾: مُتكبّرًا، ﴿كَأنْ لَم يَسمَعْها، كَأنَّ في أُذُنَيِهِ وَقْرًا﴾: صمَمًا. وجُملتا التشبيه:
حالان من ضمير ((ولَّى))، أو الثانيةُ بيان للأُولى. ﴿فَبَشِّرْهُ﴾: أعلِمه ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٧:
مُؤلم. وذِكر البِشارة تهكّم به. وهو النضر بن الحارث، كان يأتي الحِيرةَ يَتجُر فيَشتري
كُتب أخبار الأعاجم، ويُحدّث بها أهل مكّة، ويقول: إنّ مُحمّدًا يُحدّثكم أحاديث عادٍ
وثمودَ، وأنا أُحدّثكم أحاديث فارسَ والروم. فيستملحون حديثه ويتركون استماع القُرآن.
سُورَة لِقَتْمَان
سُورَةٌ لْقُشَمَانُ
الْمَ أْ تِلْكَءَيْتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴾ هُدَى وَرَحْمَةً
◌َاُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم
لِلْمُحْسِنِينَ فِ
بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَّهِبِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌمُهِينٌ ﴾ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًاً
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَنَّفِىْ أُذُنَّهِ وَقْرَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَّمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَخَلَقَ
السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْنَا فِيهَا
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا
مِن كُلِّ زَوْجٌ كَرِيمٍ
خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَالِمُونَ فِ ضَلَلِ تُبِينٍ
٤- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُم جَنّاتُ النَّعِيم ٨، خالِدِينَ فِيها﴾: حالٌ مُقدّرة أي: مُقدَّرًا خلودُهم فيها إذا دخلوها، ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾
أي: وعَدَهم اللهُ ذلك وحقَّه حقًّا، ﴿وَهْوَ العَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيء، فيمنعَه عن إنجاز وعده ووعيده، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٩ الذي لا يضع شيئًا إلّا في
محلّه، ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ، تَرَونَها﴾ أي العمدَ: جمع عماد وهو الأُسطوانة، وهو صادق بأن لا عمد أصلًا، ﴿وألقَى في الأرضِ
رَواسِيَ﴾: جِبالا مُرتفعة لـ ﴿أن﴾ لا ﴿تَمِيدَ﴾: تتحرّك ﴿بِكُم، وبَثَ فِيها مِن كُلِّ دابّةٍ، وأنزَلْنا﴾ - فيه التفات عن الغَيبة - ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً،
فأنبتنا فِها مِنِ كُلِّ زَوجِ کَرِيمٍ﴾ ١٠ : صِنف حسن.
٥- ﴿هُذَا خَلقُ اللهِ﴾ أيّ: مخلوقه. ﴿فَأَرُونِي﴾: أخبروني - يا أهل مكّة - ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ غيره، أي: آلهتكم حتّى أشركتموها به،
(١) ما ذكر هنا يعني قولين: أن السورة كلها مكية، وأنها مكية عدا الآيتين ٢٧ و٢٨. وروي أن قريشًا سألتْ عن قصة لقمان مع ابنه، فنزلت السورة. البحر
١٨٣:٧. (٢) الآيات: النصوص الإلهية. وبمعنى من: يعني أن التقدير: آيات من الكتاب. والهدى: الإرشاد إلى الحق. والرحمة: العطف بالفضل.
والمحسن: الذي يعبد الله بإخلاص. والعامّة: جمهور القراء المشهورين. وبالنصب يريد القراءة ((ورَحْمةً)). ويقيمونها: يؤدونها كاملة. وبيان: يعني أن
((الذين)): عطف بيان. فالاسم الموصول والصلة وما عطف عليها توضيح لمعنى الإحسان وتوكيد. ويؤتونها: يؤدونها إلى مستحقيها. ويوقن بها: يصدق بها
ويطمئن إليها. وتوكيد: يعني أنه توكيد لفظي للذي قبله. وذكر ((هم)) الأول يفيد التوكيد أيضًا. والهدى: الهداية والتوفيق في الصلاح. ومن ربهم: من عنده
وبأمره. (٣) انظر آخر تفسير الآية ٧. فالآيتان نزلتا في النضر هذا، وهو أحد صناديد قريش ومضلليها. ويشتريه: يختاره بدلًا من القرآن الكريم. والحديث:
الكلام. ويعني أي: يخص الإنسان ليدرك الإيمان والصلاح. وفي الأصل وع: ((يُغني)). ويَضل: يثبت ويستمر على الضلال. وبضمها يريد القراءة ((لِيُضِلَّ))،
أي: ليصد الناس. والعلم: الدراية اليقينية. وبالرفع يريد القراءة ((ويَتَّخِذُها))، أي: يجعل سبيل الله. والهزء: السخرية والتهكم. وفي المنحة: ((هزوًا)). وتتلى:
تقرأ. وولى: أعرض. و((التشبيه)) فيه نظر، لأن الجملتين هنا للشك والظن، وليس فيهما مشبه ولا مشبه به. وبيان أي: بدل فيه معنى البيان والتوكيد. وبشره:
أعلمه مهدِّدًا. (٤) آمن: اعترف قلبه بالتوحيد وما يلزمه. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالحات: ما يرضي الله. والجنة: البستان العظيم.
والنعيم: الخير الكثير. والخالد: المقيم أبدًا. والوعد: التعهد بشارة. والحق: الوقوع الثابت. وخلقها: أنشأها. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم
عُلوية. وترونها: تبصرونها عيانًا. والعماد: ما يعمد به. وهو صادق أي: نفي العمد المرئي أمر حقيقي، لأنه ليس هناك عمد مادي يرى. وإنما هو القدرة
الإلهية. وألقى: أثبت. والرواسي: جمع الراسي. وهو الراسخ. وبث: فرق. والدابة: ما يمشي أو يتحرك. وأنزل: أسقط. والسماء: السحاب. وأنبت:
أخرج. (٥) الإشارة في أول الآية إلى ما تعدد في الآية قبلها. وخلقَ: أوجد من العدم. و((آلهتكم)) تفسير لـ ((الذين)). وإنكار أي: للتوبيخ والإلزام بالحجة.
وبصلته أي: مع جملة: خلق الذين. والخبر هو الاسم الموصول وحده. ومعلق عن العمل أي: لا يعمل لفظًا فيما بعده، وعمله في محل الجملة الاستفهامية.
والصواب أن المعلَّق هو الفعل وحده. والمفعولين أي: الثاني والثالث، لأن الياء في محل نصب مفعول به أول. وللانتقال أي: للإضراب الانتقالي.
والظالم: من يتجاوز الحق. والضلال: البعد عن الحق.
٣١ - سورة لقمان
٤١٢
الجزء الحادي والعشرون
شُوَرَة لِقَان
وَلَقَدْءَانَيْنَا لُقْمَنَ اَلْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْلِلَّهِ وَ مَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا
يَشْكُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّالَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ (*) وَإِذْقَالَ
ثُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّلَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ
وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ.
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لَّا
وَهْنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْلِ وَلِوَلِدَيْكَ
(١٤) وَإِن جَهَدَ اكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ
إِلَّالْمَصِيرُ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ
خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِيَأْتِ
يَبُنَّأَقِهِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ
◌ِهَا اللَّهُإِنَّاللَّهُلَطِيفُ خَبِيرٌ
◌ِاَلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ (®] وَلَا تُصَعِرْ خَذََّ لِلنَّاسِ وَلَ نَّمْشِ فِى الْأَرْضِ
مَرَحِّ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٨) وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ
وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ :
تعالى؟ وما: استفهام إنكار مبتدأ، وذا: بمعنى ((الذي)) بصلته خبره، وأروني: مُعلَّق
عن العمل، وما بعده سدّ مسدّ المفعولَين. ﴿بَلِ﴾: للانتقال ﴿الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ﴾ ١١ : بيّنٍ بإشراكهم، وأنتم منهم.
١- ﴿وَلَقَد آتَينا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾، منها العِلم والدِّيانة والإصابة في القول - وحِكَمُه
كثيرة مأثورة، كان يُفتي قبل بَعث داودَ، وأدرك زَمنه وأخذ عنه العِلم وترك الفُتيا،
وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كُفيتُ؟ وقيل له: أيُّ الناس شرّ؟ قال: الذي لا يُبالي أن
رآه الناس مُسيئًا - ﴿أنِ﴾ أي: وقلنا له: أنِ ﴿اشكُرْ لِثِهِ﴾ على ما أعطاك من الحِكمة.
﴿ومَن يَشكُرْ فإِنَّما يَشكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لأنّ ثواب شُكره له، ﴿ومَن كَفَرَ﴾ النِّعمة ﴿فَإِنَّ اللهَ
غَنِيٌّ﴾ عن خلقه، ﴿حَمِيدٌ﴾ ١٢ محمود في صُنعه. ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إذا قالَ لُقمانُ لِابنِهِ،
وهُوَ يَعِظُهُ: يا بُنَيِّ﴾ - تصغيرُ إشفاق - ﴿لا تُشرِكْ بِاللهِ. إِنَّ الشِّركَ﴾ بالله ﴿لَظُلمٌ
عَظِيمٌ﴾ ١٣. فرجَعَ إليه وأسلم.
٢- ﴿وَوَصَّينا الإنسانَ بِوالِدَيهِ﴾: أمرناه أن يَبَرّهما - ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ فوَهَنَتْ ﴿وَهْنَا عَلَى
وَهْنٍ﴾ أي: ضعُفتْ للحمل، وضعُفت للطلق، وضعُفت للولادة، ﴿وفِصالُهُ﴾ أي:
فِطامه ﴿في عامَينِ﴾ - وقلنا له: ﴿أنِ اشكُرْ لِي ولِوالِدَيكَ - إِلَيَّ المَصِيرُ﴾ ١٤ أي:
المَرجِع - ﴿وإن جاهداكَ علَى أن تُشْرِكَ بِي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾، مُوافقةٌ للواقع،
﴿فلا تُطِعْهُما، وصاحِبُهُما في الدُّنيا مَعرُوفًا﴾ أي: بالمعروف: البِرّ والصِّلة، ﴿واتَّبِعْ
سَبِيلَ﴾: طريق ﴿مَن أنابَ﴾: رجَع ﴿إِلَيَّ﴾ بالطاعة. ﴿ثُمَّ إليَّ مَرجِعُكُم، فأُنَبَّكُم بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ١٥ فأُجازيكم عليه. وجملة الوصيّة وما
بعدها اعتراض.
٣- ﴿يَا بُنَيّ، إنَّها﴾ أي: الخَصلةَ السيّئة ﴿إِن تَكُ مِثقالَ حَبّةٍ مِن خَردَلٍ، فتَكُنْ في صَخْرةٍ أو في السَّماواتِ أو في الأرضِ﴾ أي: في أخفى مكان
من ذلك، ﴿يأتِ بِها اللهُ﴾ فيحاسبْ عليها. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ ١٦ بمكانها. ﴿يَا بُنَيِّ، أقِم الصَّلاةَ، واؤْمُرْ بِالمَعْرُوفِ، وانْهَ
عَنِ المُنكَرِ، واصِرْ عَلَى ما أصابَكَ﴾ بسبب الأمر والنهي - ﴿إِنَّ ذُلِكَ﴾ المذكورَ ﴿مِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ ١٧ أي: معزوماتها التي يُعزم عليها
لوجوبها - ﴿ولا تُصَعِّرْ﴾، وفي قراءة: ((تُصاعِرْ))، ﴿خَذَّكَ لِلّاسِ﴾: لا تُمِل وجهك عنهم تكبّرًا، ﴿ولا تَمشِ في الأرضِ مَرَحًا﴾ أي: خُيلاءَ -
﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختالٍ﴾: متبختر في مشيه، ﴿فَخُورٍ﴾ ١٨ على الناس - ﴿واقصِدْ فِي مَشِكَ﴾: توسّطْ فيه بين الدبيب والإسراع، وعليك
السكينة والوقار، ﴿واغضُضْ﴾: اخفِض ﴿مِن صَوتِكَ. إِنَّ أنكَرَ الأصواتِ﴾: أقبحَها ﴿لَصَوتُ الحَمِيرِ﴾ ١٩، أوّلُه زفير وآخِرُه شهيق.
(١) آتينا: أعطينا. ولقمان: حكيم لم يكن نبيًا، واختلف القصاصون في أوصافه بأوهام وأساطير، لا سند لها. والحكمة: إتقان المعرفة والقول والعمل.
وأكتفي: أستريح بترك الفتيا لداود. واشكر له أي: استحضر نعمه وأثن عليه بالقلب واللسان والعمل. وكفرها: لم يشكر عليها. والغني: المستغني لا يحتاج
إلى شيء. ومحمود: حقيق بأن يُحمد. ويعظه: يوجهه إلى الصواب. وتصغير: يعني أن ((بني)) مصغّر ((ابن)). والإشفاق: التودد والتحبب. ولا تشرك به:
لا تجعل له مشاركًا في الألوهية. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والعظيم: الذي لامثيل له. ورجع أي: إلى دين أبيه.
(٢) روي أنه لما أسلم سعد بن أبي وقاص أقسمت أمه الكافرة أن تترك الطعام والشراب حتى يرجع إلى الكفر، فنزلت الآيتان. انظر الآية ٨ من سورة
العنكبوت. ووصيناه: أوجبنا عليه. والوالدان: الأب والأم. وحملته أي: في رحمها. والبر: حسن الطاعة وطلب الرضا. والوهن: الضعف. وعامين: مدة
الرضاعة. والمرجع: الرجوع يوم القيامة. وجاهدك: طلب إرغامك. والعلم: الدراية اليقينية. وموافقة للواقع أي: لا مفهوم لهذا القيد، إذ الواقع محال أن
يكون فيه شريك معلوم أو غير معلوم. فالنهي هو عن الإشراك مطلقًا. ولا تطعه: لا توافقه. وصاحبه: عاشره. وفي الدنيا أي: في أمور الحياة عامة. واتبعه:
سر فيه. وإليّ: إلى طاعتي. وأنبّئ: أخبر. وتعملون: تكتسبونه بالقلب واللسان والجوارح. واعتراض أي: أن الآيتين ١٤ و١٥ اعتراض بين كلام لقمان.
(٣) الخصلة: الفَعلة. يعني السيئة أو الحسنة. ومثقال الحبة: مقدار ثقلها. والخردل: ثمر نباتٍ يضرب به المثل في الدقة. والسماوات: ما يحيط بالأرض
من عوالم. ويأتي بها: يحضرها يوم القيامة. واللطيف: الذي يتوصل علمه إلى كل خفي. والخبير: العليم ببواطن الأشياء ودقائقها. وأقم الصلاة: أدِّها
بشروطها وواجباتها وآدابها. واؤمر بالمعروف: حُثَّ الناس على ما يرضي الله. وانه عن المنكر: ازجرالناس وامنعهم من عمل ما حرمه الشرع. واصبر: تجلد.
وأصابك: نزل بك. والمذكور: ما كان من الأمر والنهي في الآيتين ١٣ و١٧. والعزم على الأمور: الضبط والمراعاة لصلاحها. ولا يحبه: يبغضه فلا يرحمه.
والفخور: المتبجح بما لديه من النعم، فلا يشكر عليه. والأصوات: جمع صوت. والحمير: جمع حمار. وهو الحيوان الأهلي المعروف. والزفير: إخراج
الهواء من الرئة بصوت قوي. والشهيق: عكسه بصوت ضعيف.
الجزء الحادي والعشرون
٤١٣
٣١ - سورة لقمان
١- ﴿أَلَم تَرَوا﴾ تعلموا - يا مُخاطَبِين - ﴿أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم ما في السَّماواتِ﴾، من
الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها، ﴿وما في الأرضِ﴾ من الثمار والأنهار
والدواب، ﴿وأسبَغَ﴾: أوسع وأتمَّ ﴿عَلَيْكُم نِعَمَهُ ظاهِرةً﴾ - وهي حُسن الصورة
وتسوية الأعضاء وغير ذلك - ﴿وباطِئةً﴾ هي المعرفة وغيرها؟ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾
أي: أهلِ مكّة ﴿مَن يُجادِلُ في اللهِ، بِغَيرِ عِلمٍ ولا هُدَى﴾ من رسول، ﴿ولا
كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ ٢٠ أنزله الله، بل بالتقليد، ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا ما أَنزَلَ اللهُ،
قالُوا: بَلَ نَشَبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيهِ آبَاءَنا﴾. قال تعالى: ﴿أ) يتّبعونه ﴿وَلَو كانَ
الشَّيطانُ يَدْعُوهُم إلَى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ٢١ أي: مُوجباته؟ لا .
الحربُ
٢- ﴿ومَن يُسلِمْ وَجهَهُ إلَى اللهِ﴾ أي: يُقبِلْ على طاعته، ﴿وهْوَ مُحسِنٌ﴾: مُوحّد،
﴿فَقَدِ اسْتَمسَكَ بِالعُرْوةِ الوُثْقَى﴾: بالطرف الأوثق الذي لا يُخاف انقطاعه - ﴿وإلَى اللهِ
عاقِبةُ الأُمُورِ﴾ ٢٢: مَرجِعها - ﴿ومَن كَفَرَ فلا يَحِزُنْكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿كُفرُهُ﴾: لا
تهتمَّ بكُفره. ﴿إِلَيْنا مَرجِعُهُم، فتُنَّهُم بِما عَمِلُوا. إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢٣ أي:
بما فيها كغيره، فمُجازٍ عليه، ﴿نُمَتِّعُهُم﴾ في الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾ أيام حياتهم، ﴿ثُمَّ
نَضطَرُهُم﴾ في الآخرةِ ﴿إِلَى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ٢٤. وهو عذاب النار، لا يجدون عنه
محیصًا .
شٌُوَةِ لِقْتَار:
أَوْتَرَوْ أَنَّاللَّهَ سَخَّرَلَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ آلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِىِ اُللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى ◌َلَ كِنَبِ مُنِيرٍ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهٌأَتَّبِعُواْ
مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْبَلْ نَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَآبَاءَنَا أَوَلَوْكَانَ
﴿ وَمَن يُسْلِمْ
الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَيّ
چ
.(4) وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كَفْرُهُ
وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأمُورِ
إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُقُِّهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
بربعودة
﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ
وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ قُلِ
اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىّ ◌ُلْحَمِيدُ ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
مَّانَفِدَتْ كَلِمَتُ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيُّحَكِيمٌ ﴿ مَا خَلْقُكُمْ
وَلَبَعْتُكُمْإِلَّ كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ الَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾
٣- ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿سألتَهُم: مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾.
حُذف منه نونُ الرفع لتوالي الأمثال، وواوُ الضمير لالتقاء الساكنين. ﴿قُلِ: الحَمْدُ لِثِ﴾
على ظُهور الحُجّة عليهم بالتوحيد. ﴿بَل أكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ٢٥ وجوبه عليهم. ﴿لِلِ ما في السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، فلا
يستحقّ العِبادة فيهما غيره. ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ﴾ عن خلقه، ﴿الحَمِيدُ﴾ ٢٦ المحمود في صُنعه.
٤ - ﴿وَلَو أنَّ ما في الأرضِ مِن شَجَرةٍ أقلامٌ، والبَحرَ﴾: عطفٌ على اسم ((أنّ))، ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعدِهِ سَبعةُ أبحُرٍ﴾ مِدادًا، ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾
المُعبَّرُ بها عن معلوماته، بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد، و بأكثرَ من ذلك، لأنّ معلوماته - تعالى - غير مُتناهية. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: لا يُعجزه
شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٢٧ لا يخرج شيء عن عِلمه وحِكمته. ﴿ما خَلقُكُم ولا بَعنُّكُمْ إِلّا كَنَفْسٍ واحِدةٍ﴾ خلقًا وبعثًا، لأنه بكلمة (كُنْ فِيَكُونُ)). ﴿إِنَّ اللهَ
سَمِيعٌ﴾: يسمع كُلّ مسموع، ﴿بَصِيرٌ﴾ ٢٨ يُبصر كُلّ مُبصَر، لا يَشغله شيء عن شيء.
(١) سخره لكم: جعله منقادًا لمنافعكم. والنعم: جمع نعمة. وهي الحال الحسنة. والظاهرة: تدرك بالحواس وتشاهد. والباطنة: خفية تدرك بالعقول، فمنها
ما يعلم ومنها ما لا يعلم. ويجادل: يخاصم. والعلم: ما كان بدليل يقيني. والهدى: الرشاد بقول رسول أو نبي. والكتاب: ما يقرأ. والمنير: المضيء بما فيه
من العلم. واتبعوه: اعملوا به. وأنزل: أوحى على لسان جبريل. ووجدنا: رأينا. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والشيطان: من يغري
بالباطل من الإنس والجن. ويدعوهم: يحث الآباء. والسعير: نار جهنم الموقدة. و((لا)) أي: لا ينبغي لهم هذا الاتباع ولا يليق بهم ولا يجوز.
(٢) يسلم وجهه: يتوجه بنفسه وعمله. واستمسك: ارتبط. والعروة: ما يكون في الحبل من مستمسك. والأوثق: الأشد قوة. وإلى الله: إلى حكمه وقضائه.
والأمور: جمع أمر. وهي شؤون الخلق. وكفر: كذّب الله ورسوله. ويحزنك: يسبب لك الألم. والمرجع: العودة يوم القيامة للحساب. وننبئ: نخبر.
وعملوا: اكتسبوه من نية أو قول أو فعل. والعليم: المبالغ في الإحاطة. والصدور: جمع صدر. والمراد هو القلب. وهو يغذي الدماغَ بما يحتاج إليه،
والجسمَ كله بماء الحياة صافيًا. ونمتعهم: نمدهم بالنعم، إيهامًا أنهم مكرمون. ونضطرهم: نلزمهم. والغليظ: الشديد الثقيل. ومحيصًا أي: مهربًا.
(٣) لام قسم: انظر ((المفصل)). وسألتهم: طلبت منهم الجواب. وخلقها: أوجدها. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود
المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. ومنه أي: من (ليقولن)). فاللام واقعة في جواب القسم المحذوف قبل ((لئن)). والتقدير:
واللهِ- لئن سألتهم يقولوا - ليقولنّ. والحمد: الثناء بالجميل على الفضل. ولا يعلم: لا يدرك. وانظر آخر الآية ١٢ .
(٤) احتج يهود على النبي ◌َّر، بأن لديهم التوراة وفيها علم كثير، فكيف يقول ((وما أوتيتم من العلم إلّا قليلًا))؟ فقال: ((هيَ في عِلم اللهِ قَلِيلٌ)). فأنكروا أن
يوصف علمهم بذلك، فنزلت الآيتان ٢٧ و٢٨. الواحدي ص ٣٦٣-٣٦٤. والشجرة: ما يكون له جذع وساق من النبات. والأقلام: جمع قلم. وهو آلة
الكتابة. والبحر: ما يجتمع فيه الماء الكثير، كالنهر والبحيرة والمحيط. ط: ((والبَحرُ)). ويمده: ينصبّ فيه. والأبحر: جمع بحر. والمراد بالسبعة المبالغة في
الكثرة. والمداد: مايكتب به. ونفدت: انتهت. وكلماته: كلامه القديم. والعزيز: الغالب قهرًا لكل ماعداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم
وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. والخلق: الإيجاد من العدم. والبعث: الإحياء بعد الموت. وكنفس أي: كخلق نفس أو بعثها. فقد روي أن بعض الكافرين
قالوا للنبي : إن الله خلقنا أطوارًا، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا. ثم تقول: إنا نُبعث خلقًا جديدًا، جميعًا في ساعة واحدة. فنزلت الآية. تفسير
القرطبي ٧٨:١٤. والكلمة أي: ((كن)).
٣١ - سورة لقمان
٤١٤
الجزء الحادي والعشرون
سُورَة لقمان
أَوْتَ أَنَّاللَّهَ يُولِيعُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ
وَسَخَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلِّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّ وَأَنَّ اللَّهَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٦) ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَالْحَقُّ وَنَّ مَا يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّاللَّهَ هُوَ الْعَلِىّالْكَبِيرُ ( أَلَتَرَنَ
اٌلْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اَللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَتِهِ إِنَّ
﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ
فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّكُلِّ صَبَّارِشَكُورٍ
كَلُلَلِ دَعَوْا ◌َللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَمَّا تَجَنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ
فَمِنْهُمْ مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَحْحَدُ بِعَايَدِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَارٍ كَفُورٍ
﴿ يَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْبَوْمَا لَّا يَجْرِى وَالِدَّ
عَنٍ وَلَدِهِ، وَلَمَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
اُلْغَرُورُ ﴿ إِنَّاللَّهِ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا
وَمَاتَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
٣٤
شُورَةُ السَّجْدَة
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تعلمْ - يا مُخاطَبًا - ﴿أنَّ اللهَ يُولِجُ﴾: يُدخِل ﴿اللَّلَ في النَّهارِ،
ويُولِجُ النَّهارَ﴾: يُدخِله ﴿فِي اللَّيلِ﴾، فيزيد كُلٌّ منهما بما نقص من الآخَر، ﴿وسَخَّرَ
الشَّمْسَ والقَمَرَ، كُلِّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ في فلكه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾: يومِ القيامة،
﴿وأنَّ اللهَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ ٢٩؟ ذلِكَ﴾ المذكور ﴿بِأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ﴾: الثابتَ، ﴿وأنَّ
ما يَدْعُونَ﴾، بالياء والتاء: يعبدون ﴿مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾: الزائل، ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ﴾
على خلقه بالقهر، ﴿الكَبِيرُ﴾ ٣٠: العظيم.
٢- ﴿أَلَمْ تَرَ أنَّ الفُلكَ﴾ السُّفنِ ﴿تَجرِي في البَحرِ بِنِعْمَةِ اللهِ، لِيُرِيَكُم﴾ - یا مُخاطَبِین -
بذلك ﴿مِنْ آيَاتِهِ؟ إنَّ في ذُلِكَ لَآيَاتٍ﴾: عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عن معاصي الله،
﴿شَكُورٍ﴾ ٣١ لنِعمته. ﴿وإذا غَشِيَهُم﴾ أي: علا الكُفَّارَ ﴿مَوجُ كالظُّلَلِ﴾: كالجِبال
التي تُظِلّ مَن تحتها ﴿دعَوُا اللهَ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاءَ بأن يُنجيهم، أي: لا
يدعون معه غيره، ﴿فَلَمّا نَجّاهُم إلَى الْبَرِّ فِمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾: مُتوسّط بين الكُفر
والإيمان، ومنهم باق على كفره. ﴿وما يَجِحَدُ بِآيَاتِنا﴾، ومنها الإنجاءُ من الموج،
﴿إلّا كُلُّ خَتّارٍ﴾: غَدّار ﴿كَفُورٍ﴾ ٣٢ لنعم الله، تعالى.
٣- ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أي أهلَ مكّة، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُم واخشَوا يَومًا، لا يَجزِي﴾: يُغني
﴿والِدِّ عَن وَلَدِهِ﴾ فيه شيئًا، ﴿ولا مَولُودٌ هُوَ جازٍ عَن والِدِهِ﴾ فيه ﴿شَيئًا! إنَّ وَعدَ اللهِ﴾
بالبعث ﴿حَقٌّ. فلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنيا﴾ عن الإسلام، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ﴾ في حِلمه
وإمهاله ﴿الغَرُورُ﴾ ٣٣: الشيطانُ.
٤- ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلمُ السّاعةِ﴾: متى تقومُ، ﴿وَيُنْزِلُ﴾ - بالتخفيف والتشديد -
﴿الفَيْثَ﴾ بوقت يعلمه، ﴿وَيَعلَمُ ما في الأرحام﴾ أذكرٌ أم أنثى؟ ولا يعلم واحدًا من الثلاثة غيرُ الله، تعالى - ﴿وما تَدرِي نَفْسٌ: ماذا تَكسِبُ
غَدًا﴾ من خير أو شرّ؟ ويعلمه الله - تعالى - ﴿وما تَدرِي نَفسٌ: بِأيِّ أرضٍ تَمُوتُ﴾؟ ويعلمه الله، تعالى - ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ﴾ بكُلّ شيء،
﴿خَبِيرٌ﴾ ٣٤ بباطنه كظاهره. روى البخاريّ عن ابن عُمرَ حديثَ: ((مَفاتِيحُ الغَيبِ خَمسةٌ: إنَّ اللهَ عِندَهُ عِلمُ السّاعةِ)) إلى آخِرِ السُّورة.
سورة السجدة
مکیة، ثلاثون آية .
(١) ألم تعلم أي: قد علمت حقًا. وفي ث وع وقرة العينين والمطبوعات: ((يا مخاطب)). والليل: ما بين الغروب والفجر. والنهار عكسه. وسخرها: ذللها
النفع الخلق، وجعلها في نظام دقيق متقن. ويجري: يتحرك ويدور. والأجل: مدة حياة الكائن. والمسمى: المحدد في علم الله. وتعملون: تكتسبونه بالقلب
واللسان والجوارح. والخبير: المحيط علمًا. و((المذكور)): في الآيات ٢٠-٢٩ من سعة العلم، وشمول القدرة عجائب الصنع، واختصاص الباري بها.
والثابت أي: الثابتة ألوهيته وحده. وبالتاء يريد القراءة ((تَدعُونَ)) بالخطاب للمشركين. ومن دونه أي: غيره. والعلي: المتكبر المتعظم.
(٢) الفلك: واحدته بلفظه. وتجري: تسير مسرعة. والبحر: ما اجتمع فيه الماء الكثير، كالنهر والبحيرة والمحيط ... والنعمة: الإحسان بتهيئة أسباب
الجري. ويريكم: يعرّفكم. وآياته: دلائله على التفرد بالألوهية. والصبار: الكثير الاحتمال. والشكور: الكثير الاعتراف بالنعم، يستحضرها ويثني على ميسّرها
بالقلب واللسان والعمل. وعلا الكفار: أحاط بهم وهم في السفن بالبحر. والموج: ما يعلو من سطح الماء ويتتابع، واحدته موجة. والظلل: جمع ظُلّة.
ودعوه: نادوه مستغيثين. والمخلص: من يتجرد من كل شرك. ونجاهم: أنقذهم. والمقتصد: المقيم على التوحيد والإخلاص. ويجحد بها: ينكرها. وختار:
كثير الغدر. ط: (خَتّالٍ)). والكفور: الكثير الستر والإنكار.
(٣) الناس: بنو آدم. وأي: حرف نداء. واتقوه: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه. واخشوه: اعملوا ما ينجيكم من عذابه ويدخلكم نعيمه. واليوم: الوقت.
والوالد: الأب. والمولود: الولد. والجازي: الدافع. والوعد: ما تعهد به. وحق: واقع في حينه لا يتخلف. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((إنّ وعد الله حق
بالبعث)). وتغر: تصرف وتشغل. والحياة أي: ما فيها من المتع والزينة. والغرور: الكثير الإغراء بالشر.
(٤) سأل أعرابي النبي بَله، عن وقت قيام الساعة، ونزول المطر، وما الذي ستلد زوجته، وبأي أرض سيموت؟ فنزلت الآية. الواحدي ص ٣٦٤ -٣٦٥.
وعنده أي: مختص به وحده. وعلم الساعة: الإحاطة التامة بوقت حصول يوم القيامة. وينزله: يرسله. وبالتشديد يريد القراءة ((يُنَزِّلُ)). والغيث: المطر. ويعلم
أي: قبل تخلق الجنين وبعده، من جميع الأحياء. والأرحام: جمع رَحِم. وهو ما يستقر فيه الجنين. وتدري: تعرف معرفة اليقين. والنفس: الإنسان أي: كل
إنسان. وتكسب: تعمل وتُرزق. والغد: الوقت القادم بعد لحظة أو أكثر. والأرض: المكان. وتموت: تفارق الحياة. والعليم: البالغ الإحاطة. والخبير:
البالغ الخبرة والاطلاع. والمفاتيح: جمع مفتاح. وهو ما يتوصل به إلى الأشياء. والغيب: ما غاب عن إدراك الخلق وحواسهم. ولفظ الحديث من الوجيز.
وانظر الأحاديث ٩٩٢ و٤٣٥١ و٤٤٢٠ و٤٥٠٠ و٦٩٤٤ في البخاري، والمسند ٥ :٢٤٢.
الجزء الحادي والعشرون
٤١٥
٣٢ - سورة السَّجدة
بِسْمِ الَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَيَةِ
١- ﴿الَّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿تَنزِيلُ الكِتابِ﴾: القُرآنِ مبتدأ ﴿لا رَيبَ﴾: شكّ
﴿فِيهِ﴾: خبرٌ أوّل ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٢: خبر ثان. ﴿أم﴾ بل ﴿يَقُولُونَ: افتَراهُ﴾
مُحمّد؟ لا ﴿بَل هُوَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ، لِتُنذِرَ﴾ به ﴿قَومًا ما﴾: نافية ﴿أتاهُم مِن نَذِيرٍ مِن
قَبِلِكَ، لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ﴾ ٣ بإنذارك.
٢- ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما، في سِنّةِ أيّامٍ﴾ أوّلها الأحد
وآخرها الجمعة، (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ﴾، هو في اللغة سرير المُلك، استواءً يليق
به، ﴿مَالَكُم﴾ - يا كُفّار مكّة - ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مِن وَلِيٍّ﴾: اسم ((ما) بزيادة
(من)) أي: ناصر ﴿ولا شَفِيعٍ﴾ يدفع عذابه عنكم. ﴿أفلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤ هذا فتؤمنون به؟
﴿يُدَبِّرُ الأمرَ مِنَ السَّماءِ إِلَىَ الأرضِ﴾ مُدّةَ الدنيا، (ثُمَّ يَعرُجُ﴾ يرجع الأمر والتدبير
﴿إِلَيْهِ فِي يَوم، كانَ مِقْدَارُهُ ألفَ سَنةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ ٥ في الدنيا. وفي سورة ((سألَ)):
((خَمسِينَ ألفِّ سَنةٍ))، وهو يوم القيامة لشِدّة أهواله بالنسبة إلى الكافر. وأمّا المؤمن
فيكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة، يُصلّيها في الدنيا، كما جاء في الحديث.
سُورَةِ التَّخَدَة
الّ ◌َ تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
جَ أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا
◌َّا أَتَنَّهُمْ مِّن نَّذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ
ثُمَاُ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ، مِن وَلِّ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا
تَتَذَكَّرُونَ ( يُدَبِرُ اْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أُمَ يَعْرُجُ
إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿ ذَلِكَ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِبِزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ الَّذِىَّ أَحْسَنَ
كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ (٥) ثُمَجَعَلَ
نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءِمَّهِينٍ (٨)ثُوَّسَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِهِ
مِن رُوحِةٍ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَليلًا
مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ وَقَالُوَاْأَءِذَا ضَلَلْنَا فِ اُلْأَرْضِ أَعِنَالَفِى
خَلْقٍ جَدِيدٍ بَّ هُمْ بِقَاءِ رَبِهِمْ كَفِرُونَ * قُلْ يَنَوَقَّنَّكُمْ
مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ؤُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
٣- ﴿ذَلِكَ﴾ الخالق المدبِّر ﴿عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾، أي: ما غاب عن
الخلق وما حضر، ﴿العَزِيزُ﴾: المنيع في مُلكه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٦ بأهل طاعته،
ربع
الحزب
٤٢
﴿الَّذِي أحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ - بفتح اللام فعلًا ماضيًا: صفة، وبسكونها :
بدل اشتمال - ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسانِ﴾ آدَمَ ﴿مِن طِينٍ ٧، ثُمَّ جَعَلَ نَسِلَهُ﴾: ذُرّيّته
﴿مِن سُلالةٍ﴾: عَلَقَةٍ، ﴿مِن ماءِ مَهِينٍ﴾ ٨: ضعيف هو النُّطفة، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أي: خَلَقَ
آدَمَ، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أي: جعله حيًّا حسّاسًا بعد أن كان جمادًا، ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ أي: لِذُرّيّته ﴿السَّمعَ﴾ بمعنى الأسماع، ﴿والأبصارَ
والأفئِدةَ﴾: القُلوب. ﴿قَلِيلًا ما تَشكُرُونَ﴾ ٩ ما: زائدة مؤكّدة للقِلّة.
٤ - ﴿وقالُوا﴾ أي: منكرو البعث: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرضِ﴾: غبنا فيها، بأن صِرنا تُرابًا مُختلطًا بتُرابها، ﴿أَإِنّا لَفِي خَلقٍ جَدِيدٍ﴾؟ استفهام إنكار،
بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين، في الموضعين. قال تعالى: ﴿بَل هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِم﴾: بالبعث ﴿كافِرُونَ ١٠.
قُلْ﴾ لهم: ﴿يَتَوَفَاكُم مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، أي: بقبض أرواحكم، (ثُمَّ إِلَى رَبَّكُمْ تُرجَعُونَ﴾ ١١ أحياءً، فيُجازيكم بأعمالكم.
(١) التنزيل: الإيحاء على لسان جبريل. وفيه: في التنزيل. ومنه: من عنده وبأمره. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. والعالَم: مجموع
الجنس من الخلق. وافتراه: اختلقه وزعم أنه من عند الله. و((لا)) أي: لا ينبغي ولا يليق بهم هذا القول. يعني أن ((أم)) بمعنى ((بل)) وهمزةِ الاستفهام للإنكار
التوبيخي. وهو أي: القرآن الكريم. والحق: الثابت قطعًا. ومن ربك: من عنده وبأمره. وتنذرهم: تخوفهم انتقام الله. وما أتاهم: ما جاءهم. والنذير:
الرسول المنذر بالعذاب لمن كفر. ومن قبلك أي: في الفترة بعد عيسى، عليه السلام. انظر تعليقنا على الآية ١٦ من سورة سبأ ومروج الذهب ١ : ٧٨ - ٩٠.
ويهتدي: يسترشد إلى الحق. (٢) خلقها: قدّر إيجادها من العدم. والسماوات: ما يحيط بالأرض من العوالم العُلوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا.
والأيام: جمع يوم. ومقدار كل واحد منها ألف سنة وأكثر من سنوات الدنيا. انظر الآية ٥. وتعيين أسماء الأيام هنا غير صحيح مصدره الإسرائيليات. انظر
تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة هود. واستوى: علا يُحكِم بقدرته ويخلق. والعرش: مخلوق عظيم يحيط بالعالم كله. ويليق به: يناسب جلاله وعظمته
ولا يجوز التعرض لوصفه بتكييف أو تمثيل أو تعطيل. وكفار مكة أي: وغيرها أيضًا. وتتذكرون: تتفكرون لترتدعوا. ويدبره: يقضيه وينفذه بإرادته الأزلية
للكون. والأمر: شؤون الخلق. وإليه: إلى قضائه يوم القيامة. واليوم: الوقت، وقت القضاء بين البشر، ومقداره: مدته. وتعدون: تحسبونه. و((سأل)) يعني
الآية ٤ سورة المعارج. والحديث في المسند ٣: ٧٥. وانظر الحديث ٩٨٧ في مسلم. (٣) ذلك الخالق: يعني ما ذكر في الآيتين ٤ و٥. والعالم: المحيط
إحاطة بالغة ودائمة. وما حضر: ما شاهده الخلق. والرحيم: العظيم العطف بالمغفرة. وأحسنه: أتقنه. وخلقه: أوجده من العدم. وصفة أي: أن جملة
((خلقه)»: في محل جر صفة لـ ((شيء)». وبسكونها يريد القراءة ((خَلْقَهُ))، أي: إيجاده. وبدأه: أحدثه أول مرة. والطين: التراب المجبول بالماء. وجعله: صيّره.
والسلالة: ما يُسل ويُنزع من الشيء. والنطفة: القطرة الدقيقة من منيّ الرجل وبُوَيضة المرأة. وسواه: قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغي. ونفخ فيه من روحه:
جعل فيه الروح التي خلقها. وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى - دلالة على أنه خلق عجيب، لا يعلم حقيقته إلّا هو. وهي إضافة خلق إلى خالق. وجعل:
خلق. والأبصار: جمع بصر. والأفئدة: جمع فؤاد. وهو القلب، موطن التدبر والاعتقاد والانفعال. وهو يغذي الدماغ والجسم كله بماء الحياة. وتشكر:
تستحضر النعمة وتثني على منعمها، بالقلب واللسان والعمل. ومؤكدة للقلة يعني: ما في ((قليلًا)) من معنى القلة والنفي. فالبشر غالبًا ما ينسَون هذه النعم،
ولا يشكرون منعمها كما ينبغي، فيكونون كمن ينكر ويجحد. (٤) الخلق: الوجود والنشأة. والجديد: الثاني بالبعث بعد الموت. وتسهيل الهمزة: جعلُها بين
الهمز والياء. وفي الموضعين يعني ((أإذا)) و((أإنّا)). انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥ من سورة الرعد. ولقاؤه: لقاء حسابه وجزائه يوم القيامة. والكافر: الجاحد
المكذب. ويتوفاكم: يسترد أرواحكم. وملك الموت هو عزرائيل، ومعناه: عبد الله. وله أعوان من الملائكة. ووكل بكم: فوض إليه أمر موتكم. والمتوفي
حقيقة هو الله بخلق الموت. وإلى ربكم: إلى لقاء حسابه وعقابه. وترجعون: تعودون بالبعث.
٣٢ - سورة السَّجدة
٤١٦
الجزء الحادي والعشرون
سُورَةِ التَجَدَة
وَلَوْتَرَىّ إِذِالْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَ نَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُذَنْهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوَّلُ
مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (®
فَذُوقُواْبِمَا نَسِبِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ
وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤) إِنَّمَا يُؤْمِنُ
◌ِشَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ
عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةً
بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًاً
لَا يَسْتَوُونَ ﴿٨َ أَمَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَلَهُمْ
جَنَّكُ الْمَأْوَى نُزْلٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦] وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ
فَمَأْوَنَّهُمُ النَُّ كُلَّمَا أَرَدُوْأَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُ واْفِيهَا وَقِيلَ
لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُمِيِهِ، ثُكَذِّبُونَ ﴿
١- ﴿وَلَو تَرَى إِذِ المُجرِمُونَ﴾: الكافرون ﴿ناكِسُو رُؤُوسِهِم، عِندَ رَبِّهِم﴾: مطأطئوها
حياءً، يقولون: ﴿رَبَّنا، أبصَرْنا﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿وسَمِعْنا﴾ منك تصديق
الرُّسل فيما كذّبناهم فيه. ﴿فارجِعْنا﴾ إلى الدنيا، ﴿نَعَمَلْ صالِحًا﴾ فيها. ﴿إِنّا
مُوقِنُونَ﴾ ١٢ الآن. فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون. وجواب ((لو)): لرأيت أمرًا فظيعًا .
٢- قال تعالى: ﴿وَلَو شِئنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار
منها، ﴿وَلَكِن حَقَّ القَولُ مِنِّي﴾، وهو: ﴿لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنّةِ﴾: الجِنّ ﴿والنّاسِ
أجمَعِينَ﴾ ١٣. وتقول لهم الخزنة، إذا دخلوها: ﴿فَذُوقُوا﴾ العذابَ ﴿بِما
نَسِيتُم لِقاءَ يَومِكُم لهذا﴾، أي: بترككم الإيمان به - ﴿إِنّا نَسِيناكُمِ﴾: تركناكم
في العذاب - ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلدِ﴾ الدائمِ، ﴿بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ١٤ من
سَجْدَة
الكفر والتكذيب.
٣- ﴿إِنَّما يُؤمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: القُرآنِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا﴾: وُعِظوا ﴿بِها خَرُّوا سُجَّدًا،
وسَبَّحُوا﴾ مُلتبسين ﴿بِحَمدِ رَبِّهِم﴾ أي: قالوا: سُبحانَ الله وبحمده، ﴿وَهُم لا
يَستَكْبِرُونَ﴾ ١٥ عن الإيمان والطاعة، ﴿تَتَجافَى جُنُوبُهُم﴾: ترتفعُ ﴿عَنِ المَضاجِعِ﴾:
مواضعِ الاضطجاع بفُرُشها، لصلاتهم بالليل تهجّدًا، ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم خَوفًا﴾ من
عِقابه، ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته، ﴿وَمِمّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ﴾ ١٦ يتصدّقون. ﴿فلا تَعلَمُ
نَفْسٌ ما أُخفِيَ﴾: خُبّئ ﴿لَهُم مِن قُرّةِ أعيُنٍ﴾: ما تقرّ به أعينهم - وفي قراءة بسكون
الياء: مضارع - ﴿جَزاءَ بِما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٧ .
٤- ﴿أفمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا؟ لا يَستَؤُونَ﴾ ١٨ أي: المؤمنون والفاسقون.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُم جَنّاتُ المَأْوَى نُزُلًا﴾ - هو ما يُعَدّ للضيف - ﴿بِما كانُوا يَعمَلُونَ ١٩، وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ بالكُفر
والتكذيب ﴿فمأواهُمُ النّارُ، كُلَّما أرادُوا أَن يَخرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ لَهُم: ذُوقُوا عَذَابَ النّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ٢٠. ولَنُذِيقَنَّهُم مِنَ
العَذابِ الأدَنَى﴾، عذابِ الدنيا بالقتل والأسر والجدب سِنِينَ والأمراض، ﴿دُونَ﴾: قبلَ ﴿العَذابِ الأكبَرِ﴾ عذاب الآخرة، ﴿لَعَلَّهُم﴾ أي: مَن
بقي منهم ﴿يَرجِعُونَ﴾ ٢١ إلى الإيمان، ﴿ومَن أظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: القُرآن، ﴿ثُمَّ أعرَضَ عَنها﴾؟ أي: لا أحدَ أظلم منه. ﴿إِنّا مِنَ
المُجرِمِينَ﴾ أي: المُشركين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ ٢٢ ..
(١) ترى: تبصر عيانًا. والخطاب لكل قارئ أو سامع. انظر الآية ٢٧ من سورة الأنعام. والمجرمون: من يقترفون الجرائم باختيار وعزم. والرؤوس: جمع
رأس. وعند ربهم: في موقف حسابه. والمطأطئ: الخافض. وأبصرنا وسمعنا: حصل لنا الاستعداد للإبصار والسمع كاملين، بعد أن كنا عُميًا وصُمًا عن
التدبر والاتعاظ. وارجعنا: أعدنا. ونعمل: نكتسب. والصالح: ما يرضاه الله. وموقنون: مؤمنون مصدقون لِما كنا نكذب وننكر. وفي هذا اعتراف، بأنهم
كانوا يجحدون نعم السمع والبصر والفؤاد، المذكورة في الآية ٩، لتعطيلها عن وظائفها الحقيقية.
(٢) شئنا: أردنا هداية جميع الناس. وآتينا: أعطينا. والنفس: الإنسان المكلف. وحق القول: ثبَتَ وعيدي. وأملؤها: أضع فيها بقدر ما تسع. وجهنم: اسم
علم لنار الله الموقدة. والخزنة: ملائكة العذاب في جهنم. وذوقوه: تحسسوه وتحملوا أهواله. والذوق يكون باللسان وجميع الحواس، وفي تكراره معنى
التوكيد. واللقاء: الحضور والمشاهدة بالبعث. واليوم: الوقت. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. وتعملون: تكتسبونه بنية أو قول أو فعل.
(٣) نزلت الآيات فيمن يصلي المغرب، من المؤمنين، وينتظر صلاة العشاء، وهو في ذكر ودعاء. انظر الحديث ٣١٩٤ في الترمذي. ويؤمن بها: يصدّقها
ويعمل بموجبها. وخر: سقط ملاصقًا وجهه للأرض. والسجد: جمع ساجد. وسبح: نزه الله عما لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله. والحمد: الثناء بالجميل على
النعم. ويستكبر: يتكبر. وترتفع أي: وتبتعد. والجنوب: جمع جنب. وهو طرَف الإنسان. والمضاجع: جمع مَضجع. ويدعونه: ينادونه ملتجئين مستغيثين.
والخوف: الفزع. والطمع: طلب الزيادة. ورزقناهم: أعطيناهم. ولا تعلم: لا تعرف بالتفصيل. والأعين: جمع عين. وتقر: تطمئن وتسر. وبالمضارع يريد
القراءة ((ما أُخفِي)). والفاعل هو الله، تعالى.
(٤) في لباب النقول أن الوليد بن عقبة نازع علي بن أبي طالب، مفتخرًا بالبيان والشجاعة والسيادة، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق. فنزلت الآيات،
والمراد تعميم ذلك في المؤمنين والكافرين. وانظر الواحدي ص ٣٦٧-٣٦٨. ولا يستوون أي: يتفاوتون في المرتبة والمثوبة. يعني تفوُّق المؤمن. والجنة:
البستان العظيم. والمأوى: ما يُلجأ إليه. وأراد: حاول. ويخرج: يتخلص. وأعيد: رُدّ. وقيل لهم أي: تقول لهم ملائكة العذاب. وبه تكذبون: تنكرون
وقوعه. ونذيقهم: ننزل بهم. والعذاب: التعذيب عقوبة وتنكيلًا. والأدنى: الأصغر والأيسر. والأكبر: الأعظم والأشد. ولعلهم أي: ليكون لهم رجاء
الصلاح. ويرجعون: يتوبون ويرتدون عن الكفر، ليصيروا مؤمنين مطيعين. وقول المحلي ((إلى الإيمان)) يوهم أنهم كانوا مؤمنين قبل كفرهم، وهو غير صحيح.
فهم في الكفر ومازالوا كذلك، ويُترجى لهم الرجوع عن الكفر للدخول في الإيمان. والأظلم: الأكثر مجاوزة للحق بوضع الشيء في غير محله. والكفر أشنع
ذلك. وذكر: وُعظ بالأدلة القاطعة. وأعرض: انصرف مستخفّا. ولا أحد: يعني أن الاستفهام بـ ((مَن)) هو للإنكار الإبطالي، أي: للنفي والاستبعاد. ومن
المجرمين أي: ممن ذكر. والمجرم: من يقترف الفساد باختيار وعزم. والمنتقم: المعاقب بالعذاب.
الجزء الحادي والعشرون
٤١٧
٣٢ - سورة السَّجدة
١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة - ﴿فلا تَكُنْ في مِرْبةٍ﴾: شكّ ﴿مِن لِقائِهِ﴾.
وقد التقيا ليلة الإسراء - ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أي: مُوسَى أو الكتابَ ﴿هُدَى﴾ هاديًا ﴿لِبَني
إسرائيلَ ٢٣، وجَعَلْنا مِنْهُم أئمّةً﴾، بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: قادةً،
﴿يَهِدُونَ﴾ الناس ﴿بِأمرِنا، لَمّا صَبَرُوا﴾ على دِينهم وعلى البلاء من عدوّهم، ﴿وكانُوا
بِآياتِنا﴾ الدالّة على قُدرتنا ووحدانيّتنا ﴿يُوقِنُونَ﴾ ٢٤. وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف
الميم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفصِلُ بَيْنَهُم، يَومَ القِيامةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢٥ من أمر
الدِّين.
٢- ﴿أُوَلَم يَهدِ لَهُم كَم أهلَكْنا مِن قَبِلِهِم﴾ أي: يَتَبيَّنْ لكُفّار مكّة إهلاكُنا كثيرًا، ﴿مِنَ
القُرُونِ﴾: الأُمم بكُفرهم، ﴿يَمِشُونَ﴾: حالٌ من ضمير ((لهم)) ﴿في مَساكِنِهِم) في
أسفارهم إلى الشام وغيرها، فيعتبروا؟ ﴿إِنَّ في ذُلِكَ لَآيَاتٍ﴾: دلالات على قُدرتنا .
﴿أفلا يَسمَعُونَ﴾ ٢٦ سماعَ تدبّر واتّعاظ؟ ﴿أَوَلَم يَرَوا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلَى الأرضِ
الجُرُزِ﴾: اليابسة التي لا نبات فيها، ﴿فنُخرِجُ بِهِ زَرعًا، تأكُلُ مِنهُ أنعامُهُم وأنفُسُهُم؟
أفلا يُبْصِرُونَ﴾ ٢٧ هذا، فيعلمون أنّا نقدر على إعادتهم؟
٣- ﴿وَيَقُولُونَ﴾ للمؤمنين: ﴿مَتَى هذا الفَتحُ﴾ بيننا وبينكم، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ ٢٨؟
قُلْ: يَومَ الفَتحِ﴾، بإنزال العذاب بهم، ﴿لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُم، ولا هُم
يُنظَرُونَ﴾ ٢٩: يُمهلون لتوبة أو معذرة. ﴿فَأعرِضْ عَنْهُم، وانتَظِرْ﴾ إنزال العذاب بهم.
﴿إِنَّهُم مُنتَظِرُونَ﴾ ٣٠ بك حادثَ موتٍ أو قتلٍ، فيستريحون منك. وهذا قبل الأمر بقتالهم.
سُورَة السّحدة
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذِكْرِ بِنَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ
أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٦) وَلَقَدْءَانَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن ◌ِقَابِهِ، وَحَعَلْنَهُ
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ
هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ
◌ِأَقِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِثَايَتِنَا يُوقِنُونَ (٤) إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ
﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ
يَمْشُونَ فِى مَسَلِكِينِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَ يَتٍّ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ اَلْجُرُرِ فَنُخْرِجُ
بِهِ، زَرْعَاتَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [®
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ـ
قُلْ يَوَّمَ الْفَتْحِ لَيَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوْإِيمَانُهُمْ وَلَهُنَظَرُونَ
(١) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُم مُنْتَظِرُونَ اللَّ
شُورَةُ الأَجْزَابِ
سورة الأحزاب
مدنية، ثلاث وسبعون آية .
(١) آتينا: أعطينا وحمّلنا مكلفين بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. واللقاء: المقابلة والمصادفة لموسى، عليه السلام. وجعل: صيّر. والهدى:
المرشد إلى الحق والخير. وبنو إسرائيل: سلالة يعقوب من أبنائه. والأئمة: جمع إمام. وبالياء يريد ((أيِمّةً)). وهي قراءة ثابتة، خلافًا لما زعمه صاحب
الفتوحات ٤١٩:٣. وانظر الفتوحات ٢٦٦:٣ والآية ٤١ من سورة القصص والنشر ٣٧٨:١-٣٧٩. ويهدي: يرشد إلى الحق. والناس: من تبع بني إسرائيل.
والأمر: الإرادة والتوفيق. وصبر: تجلد. والآيات: النصوص الإلهية والمعجزات. ويوقن: يصدق يقينًا. وبالكسر يريد القراءة ((لِما صَبَرُوا))، أي: لصبرهم.
وفي المنحة وبعض المطبوعات: ((من عدوهم وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف الميم وكانوا ... يوقنون)). ويفصل: يحكم. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام
الناس بالبعث للحساب. ويختلفون: يختصمون.
(٢) أولم يهد: انظر الآية ١٢٨ من سورة طه. ويتبين: يظهر ويتضح. خ: ((نبين)). وكفار مكة أي: وغيرهم من الكافرين. والقرون: جمع قرن. ويمشي: يسير
ويتنقل. وحال: يعني أن جملة ((يمشون)): في محل نصب حال. والمساكن: جمع مسكن. وذلك أي: كثرة إهلاكنا. ويسمع: يدرك ما يقال. ويروا أي:
يبصروا عيانًا. ونسوق: نرسل وندفع. والماء: المطر والينابيع والأنهار. والأرض: البر. ونخرج: نظهر. والزرع: ما يُزرع ويَنبت. وتأكل: تتغذى وتستمتع.
ومنه: من بقاياه وأوراقه وأغصانه وثماره وحبوبه. والأنعام: جمع نعم. وهي الإبل والبقر والغنم. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان. ويبصر: يتبصر
ويتفكر. وفي المنحة وبعض المطبوعات: فيعلموا .
(٣) في الوجيز أن الصحابة قالوا لمشركي مكة: إن لنا يومًا يحكم الله فيه بيننا. يريدون يوم القيامة. فقال المشركون: متى هذا الفتح؟ فنزلت الآيات. و((متى))
معناه الاستهزاء والاستعجال والتكذيب. يعني: أيّ وقت يكون ذلك؟ والفتح: الفصل بالحكم القاطع، أي: أعلمونا متى يكون؟ واستعجِلوا حصوله.
والصادق: من يقول الحق. والمراد: إن كنتم صادقين في ذكر الفتح. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. والتقدير: فأخبرونا. وفي هذا إيجاز بليغ،
وتوكيد بتكرار الجملة مذكورة ومقدرة. وقل أي: للمشركين. وهذا يعني أن المأمور رسول مكلف، لا كما يزعم الكافرون. وتكراره قبل وبعدُ يفيد المبالغة في
التوكيد. وينفع: يفيد ويقدم الخير. ولا ينفعهم إيمانهم أي: لا يُقبل منهم لأنه كان بعد الموت على كفر. وكفر: كذّب الله ورسوله ومات على ذلك. والإيمان:
التصديق والإقرار بالتوحيد والبعث وصدق الرسل. وأعرض عنهم: انصرف عن تكذيبهم وعصيانهم صابرًا محتسبًا، ولا تقابلهم بالجدال. وانتظر: ترقب
وتوقع. والأمر للنبي ◌َّ، وصحابتُه مشمولون به. و((هذا ... بقتالهم)) العبارة مقتبسة من الوجيز، حيث قال الواحدي عن الأمر بالإعراض والانتظار: ((منسوخ
بآية السيف)»، يريد آيات الأمر بقتال المشركين في أوائل سورة التوبة. وهو قول ضعيف، لأن ذلك الأمر هنا خاص بترك الجدال، ولا ينافيه القتال بعد. انظر
الناسخ والمنسوخ ٥٨١:٢ .
٣٣ - سورة الأحزاب
٤١٨
الجزء الحادي والعشرون
◌ُِّوَرَةِ الْأَجزاب
بِسِْلهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
يَتُهَا النَّبِىُّ ◌َتَّقِ الَّهَوَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَّإِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٢ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍمِّن قَلْبَيْنِفِى
جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ
وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِّكُمْ قَوْلُكُم ◌ِأَفْوَهِكُمٌ وَاللَّهُ
يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ﴾ آدْعُوهُمْ لَّبَآِبِهِمْ
هُوَ أَقْسَطُ عِندَاللَّهِ فَإِ لَمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ
فِى الَّذِينِ وَمَوَلِكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم
◌ِهِ مَوَلَكِن مَّاتَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَّحِيمًا
® النَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌ وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَدُهُمُّ
وَأُوْلُواْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ الَهِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّ أَن تَفْعَلُواْإِلَى أَوْلِيَآبِكُمْ
مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا ()
بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ، اتَّقِ اللهَ﴾: دُم على تقواه، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ
نصف
الخرب
٤٢
والمُنافِقِينَ﴾، فيما يُخالف شريعتك - ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل
كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ ١ فيما يخلقه - ﴿واتَّبِعْ ما يُوحَى إِلَيكَ مِن رَبِّكَ﴾ أي:
القُرآنَ - ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما يَعمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ٢. وفي قراءة بالفوقانيّة - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللهِ﴾ في أمرك. ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٣ حافظًا لك! وأُمّتُه تبعٌ له في ذلك كُلّه.
٢- ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَينِ فِي جَوفِهِ﴾، ردًّا على من قال من الكُفّار: ((إنّ له
قلبينٍ، يعقِل بكُلّ منهما أفضلَ من عقلِ مُحمّد))، ﴿وما جَعَلَ أزواجَكُمُ اللّائي) -
بهمزة وياء وبلا ياء - ﴿تَظََّّرُونَ﴾، بلا ألف قبل الهاء وبها، والتاء الثانية في الأصل
مُدغمة في الظاء، ﴿مِنْهُنَّ﴾ - يقول الواحد مثلًا لزوجته: ((أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمّي)) -
﴿ أُمَّهاتِكُم﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك، المُعَدّ في الجاهليّة طلاقًا، وإنّما
تجب به الكفّارة بشرطه، كما ذُكر في سورة ((المُجادَلة))، ﴿وما جَعَلَ أدعِياءَكُم﴾:
جمع دعيّ - وهو من يُدعى لغير أبيه ابنًا له - ﴿أبناءَكُم﴾ حقيقة. ﴿ذلِكُم قَولُكُم
بِأفواهِكُم﴾ أي: اليهودِ والمنافقين، قالوا لمّا تزوج النبيّ مَ ◌ّ زينبَ بنت جحش،
التي كانت امرأة زيد بن حارثةَ، الذي تبنّاه النبيّ ◌ََّ، قالوا: تزوّج مُحمّد امرأةً
ابنِهِ .
٣- فأكذبهم الله - تعالى - في ذلك: ﴿واللهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهْوَ يَهدِي
السَّبِيلَ﴾ ٤ سبيل الحقّ. لكن ﴿ادعُوهُم ◌ِآبائهِم - هُوَ أَقَسَطُ﴾: أعدل ﴿عِندَ اللهِ - فإن لَم تَعلَمُوا آبَاءَهُم فإخوانُكُم في الدِّينِ، ومَوالِيكُم﴾: بنو
عمّكم، ﴿وَلَيسَ عَلَيْكُم ◌ُنَاحٌ فِيما أخطأْتُم بِهِ﴾ في ذلك، ﴿ولكِن ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم﴾ فيه. وهو بعد النهي. ﴿وكانَ اللهُ غَفُورًا﴾، لِما كان من
قولكم قبل النهي، ﴿رَحِيمًا﴾ ٥ بكم في ذلك.
٤ - ﴿النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم﴾، فيما دعاهم إليه، ودعتهم أنفسهم إلى خِلافه، ﴿وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم﴾ في حُرمة نكاحهنّ عليهم، ﴿وَأُولُو
الأرحام﴾: ذَوو القراباتِ ﴿بَعضُهُم أولَى بِبَعضٍ﴾ في الإرث، ﴿في كِتابِ اللهِ، مِنَ المُؤمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ أي: منَ الارث بالإيمانِ والهِجرةِ
الذي كان أوّل الإسلام فنُسخ. ﴿إِلّ﴾ لكنْ ﴿أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَولِيائُكُم مَعرُوفًا﴾ بوصيّة فجائز. (كانَ ذُلِكَ﴾ أي: نَسخُ الإرثِ بالإيمان والهجرة
بإرث ذوي الأرحام، ﴿في الكِتابِ مَسطُورًا﴾ ٦. وأريد بالكتاب في الموضعين اللوح المحفوظ.
(١) انظر سبب النزول في ((المفصل)). والتقوى: تجنب الغضب وطلب الرضا أي: دُم على ذلك. وتطيعهم: توافقهم. والكافرون: المشركون وأهل الكتاب.
والمنافق: من أظهر الإسلام بلسانه وهو كافر. والعليم: المحيط إحاطة بالغة. والحكيم: ذو الحكمة العالية. واتبعه: الزمه. ويوحي: ينزل على لسان جبريل.
ومن ربك: من عنده وبأمره. ويعملون: يدبره الكافرون والمنافقون. وخبير به: يعلمه ويحفظك منه. والفوقانية يريد القراءة «تَعمَلُونَ)). وتوكل عليه: اعتمد
عليه وحده. وكفى: بلغ الغاية في الكفاية .
(٢) ((جعل)) الأول: وضع وخلق. والثاني والثالث بمعنى: صيّر. والرجل: الذكر من البشر. والأنثى تدخل في هذا الحكم، إذ هي أقل قدرة على الاحتمال.
والقلب: موطن التدبر والاعتقاد والشعور. والجوف: باطن الصدر. والقائل المذكور أبو مَعمر، كان يدّعي ذلك، ولما هزم في بدر طاش لبه، فنزلت الآية
تهزأ به. تفسير القرطبي ١١٦:١٤-١١٩. فما جمع الله قلبين في جوف إنسان، ولا الأمومة والزوجية للابن في امرأة، ولا الادعاء والبنوة في أحد.
والأزواج: جمع زوج، أي: الزوجة. وبلا ياء يريد القراءة ((اللّاءِ)). وتظّهّرون: تحرمون نكاحهن. وفي قرة العينين: ((تَظَهَّرُونَ)). وبها يريد القراءة «تَظّاهَرُونَ)).
ومثلًا أي: في حرمة النكاح. والأمهات: جمع أَمّهة. وهي الأمّ. والمجادلة: يعني الآية ٢ منها. ولما طلق زيد زوجته تزوجها النبي ◌َّ، فقال المرجفون ما
قالوا، للتشهير والإيذاء. انظر الآية ٣٧. وأدعياء: جمع دعيّ. وهو من يتبنّاه غير أبيه. والأبناء: جمع ابن. وذلكم أي: ادعاء التبنّي. والأفواه: جمع فم.
(٣) الحق: ما يوافق العدل. ويهدي: يرشد الخلق. وادعوهم لآبائهم أي: انسبوهم إلى والديهم. والآباء: جمع أب. وهو أي: دعاؤهم لآبائهم. وعند الله:
في حكمه. والإخوان: جمع أخ. والمراد أن تقولوا لمن لم تعرفوا أباه: يا أخي. والموالي: جمع مولى. والجناح: الإثم. وأخطأ: غلط عن غير قصد.
وتعمدت: قصدت. والقلوب: جمع قلب. والغفور: الكثير السترِ للذنوب والتجاوزِ عنها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان.
(٤) أولى: أرأف. وأزواجه: من عقد عليهن. وأولو: واحده: ذو، أي: صاحب. والأرحام: جمع رحِم، وهم من يكون لهم حق الإرث. انظر الآية ١ من
سورة النساء. والأولى: ذو الحق الشرعي. والمهاجر: من ترك بلده هربًا بدينه إلى المدينة المنورة. وأول الإسلام أي: في المدينة. ونسخُ إرث أخوّة الإيمان
والهجرة كان بالآية ٧٥ من سورة الأنفال، وجاءت هذه الآية تؤكد ذلك. وتفعل: تقدِّم. والأولياء: جمع ولي. وهو من تتولاه من المؤمنين. والمعروف: ما
حسّنه الشرع. والمسطور: المثبت كتابة .
الجزء الحادي والعشرون
٤١٩
٣٣ - سورة الأحزاب
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذا أَخَذْنا مِنَ النَِّّينَ مِيثاقَهُم﴾، حين أُخرجوا من صُلب آدم كالذرّ
جمع ذَرّة - وهي أصغر النمل - ﴿ومِنكَ ومِن نُوحِ وإبراهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى بِنِ
مَرَيَمَ﴾، بأن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته - وذِكر الخمسة من عطف الخاصّ على
العامّ - ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ٧: شديدًا، بالوفاء بما حُمِّلوه - وهو اليمينُ بالله
تعالى، ثمّ أخذُ المِيثاق - ﴿لِيَسألَ﴾ الله ﴿الصّادِقِينَ عَن صِدقِهِم﴾، في تبليغ الرسالة،
تبكيتًا للكافرين بهم، ﴿وَأَعَدَّ﴾ - تعالى - ﴿لِلكافِرِينَ﴾ بهم ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ ٨: مُؤلمًا .
هو عطف على ((أخذنا)).
٢- ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ، آمَنُوا، اذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم، إذ جاءَتْكُم جُنُودٌ﴾ من الكُفّار
متحزّبون، أيام حفر الخندق، ﴿فأرسَلْنا عَلَيهِم رِيحًا، وجُنُودًا لَم تَرَوها﴾: ملائكةً -
﴿وكانَ اللهُ بِما تَعمَلُونَ﴾، بالتاء من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين،
﴿بَصِيرًا ٩ - إذا جاؤُوكُم مِن فَوقِكُم، ومِن أسفَلَ مِنكُم﴾: من أعلى الوادي وأسفله من
المشرق والمغرب، ﴿وإذ زاغَتِ الأبصارُ﴾: مالتْ عن كُلّ شيء إلى عدوّها من كُلّ
جانب، ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾: جمع حَنجَرة - وهي منتهى الحُلقوم - من شِدّة
الخوف، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَ﴾ ١٠ المُختلفة بالنصر واليأس. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ
المُؤمِنُونَ﴾: اختُبروا، ليتبيّن المُخلص من غيره، ﴿وزُلزِلُوا﴾: حُرّكوا ﴿زِلزالًا
شَدِيدًا﴾ ١١، من شِدّة الفزع.
سُورَةِ الأَجْزاب
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحِ وَإِبْزَهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْ نَامِنْهُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا
لَيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
﴿َ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَاءَ تْكُمْ
جُنٌُّ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودَّالَّمْ تَرَوْهَاً وَكَانَ اللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٥) إِذْجَآءُوَكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَتَظُونَ بِاللَّهِالْقُظُنُونَاْ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ
زِلْزَالَ شَدِيدًا ® وَإِذْ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (٢٣) وَإِذْ قَالَت ◌َطَّابِفَةٌ
مِنْهُمْ يُكَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ هُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ
مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَاعَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا
فِرَارًا (٣٦) وَلَوْدُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْالْفِتْنَةَ
لَ تَوْهَا وَمَا تَلَبَّئُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ
اللَّهَ مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ الَّهِ مَسْئُولًا
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقاد: ﴿مَا وَعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلّا غُرُورًا﴾ ١٢ : باطلًا. ﴿وإذ
قالَتْ طائفةٌ مِنْهُم﴾ أي: المنافقين: ﴿يا أهلَ يَثِرِبَ﴾ - هي أرض المدينة، ولم تنصرف للعلميّة ووزن الفعل - ﴿لا مُقَامَ لَكُم﴾، بضمّ الميم
وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة. ﴿فارجِعُوا﴾ إلى منازلكم من المدينة. وكانوا خرجوا مع النبيّ إلى سَلعٍ، جبلٍ خارج المدينة للقتال.
﴿وَيَستأذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ في الرُّجوع، ﴿يَقُولُونَ: إنَّ بُيُوتَنَا عَورةٌ﴾: غيرُ حصينة نخشى عليها. قال تعالى: ﴿وما هِيَ بِعَورةٍ. إنْ﴾: ما
﴿يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ ١٣ من القِتال، ﴿وَلَو دُخِلَتْ﴾ أي: المدينةُ ﴿عَلَيهِم مِن أقطارِها﴾: نواحيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سألهم الداخلون ﴿الفِتْنَةَ﴾:
الشِّركَ، ﴿لَا تَوها﴾ - بالمدّ والقصر - أي: أعطَوها وفعلوها، ﴿وما تَلَبِّئُوا بِها إلّا يَسِيرًا ١٤، ولَقَد كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبَلُ، لا يُؤَلُّونَ الأدبارَ.
وكانَ عَهِدُ اللهِ مَسؤُولاً﴾ ١٥ عن الوفاء به.
(١) أخذنا ميثاقهم: أمرناهم وحمّلناهم. و((حين أخرجوا ... )) يُحمل على التمثيل لا على الحقيقة. وإنما أُخذ منهم الميثاق عند إرسالهم. انظر تعليقنا على
تفسير الآية ١٧٢ من سورة الأعراف. وأخذنا ميثاقًا غليظًا: حصّلنا وأثبتنا العهد المؤكد بالأيمان. فالميثاق هذا غير الأول، لأنه قَسَم للوفاء به، مع أن في
تكرار ((أخذنا)) معنى التوكيد أيضًا. ث: ((وأخذ الميثاق)). وفي قرة العينين: ((تَمَّ أخذُ الميثاق)). ويسأل: يطلب الجواب. والتبكيت: التقبيح والتعبير. وأعد:
هيأ. والكافرين بهم أي: المكذبين للأنبياء.
(٢) لما أجلي يهود بني النَّضير، من منازلهم، ذهب زعماء اليهود يحرضون مشركي مكة وغطفان وقيس عيلان على قتال المسلمين، ويجمعونهم لغزوة
الخندق، في شوال سنة خمس هجرية. وقد بلّغ بنو خُزاعة النبيَّ ◌َ ل* بتحزب المشركين واليهود، فكان حفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي. وذكر حُذيفة بن
اليمان أن النبي 8* كلفه بأخبار العدو يومئذ، فرجع إليه بأنهم تنازعوا واختلفوا ونقض يهودُ قُريظة عهدَهم للمشركين، وشردتهم الرياح والحجارة والملائكة.
فنزلت الآيات ٨-٢٥. السيرة ٢٤٥:٢-٢٤٧. واذكروها: استحضروها في نفوسكم، واشكروا منعمها بالقلب واللسان والعمل. والنعمة: الرحمة والإحسان
بالنصر والنجاة من العدو. وجاءتكم: أحاطت بكم. والجنود: جمع جند. والجند واحده جندي. وكانوا قرابة ١٥ ألفًا، والمسلمون ٣ آلاف. وأرسلنا:
أطلقنا. ولم تروها: لم تبصروها عيانًا. وما تعملون: ما تتحملون مشاقه. وبالياء يريد القراءة ((يَعمَلُونَ)). والتحزيب: التجميع. والبصير: المحيط بالغَ
الإحاطة. والأبصار: جمع بصر. يعني: عيونكم. وبلغت: وصلت. والقلوب: جمع قلب. وهذا مبالغة في الاضطراب والوجيب. وتظنون: تُحدِثون
التوقعات. والظنون: جمع ظنّ. وفيما عدا النسخ: ((الظنونا)) انظر الآية ٦٦. وهنالك: في ذلك الوقت. والمؤمن: من اعترف قلبه بالتوحيد وما يلزمه
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. والمنافق: من أظهر الإيمان وهو كافر. ووعدنا: تعهد لنا. والنصر: الغلبة. وباطلًا: وعدًا غير صادق. وأهل يثرب:
أصحابها وسكانها. ولم تنصرف أي: جُرَّت بالفتحة عوضًا من الكسرة. والمُقام: مكان الإقامة. وبفتحها يريد القراءة ((لامَقامَ)). وارجعوا: انصرفوا وعودوا.
ويستأذن: يطلب السماح بترك المرابطة. والأقطار: جمع قُطر. وسئلوها: طلبت منهم. وبالقصر يريد القراءة ((لَأَتَوها)). وما تلبثوا بها: ما ثبتوا في اجتناب
الفتنة، بل أسرعوا إليها راغبين. ويسيرًا: تلبثًا قليلًا. وعاهدوه: أقسموا معاهدين. ولا يولون الأدبار: لا يهربون.
٣٣ - سورة الأحزاب
٤٢٠
الجزء الحادي والعشرون
نُسُورَةِ الأَجْابُ
قُل لَّن ◌َنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرَّتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِالْقَتْلِ وَإِذَا
لََّ تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُمْمِنَ اللَّهِ إِنْ
أَرَادَ بِكُمْ سُوءٌ أَوْ أَرَادَ بِكُمْرَحْمَةٌ وَلَ يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ
﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَلْقَآيِلِينَ
وَلِيَّاوَلَا نَصِيرًا
لِإِخْوَبِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( أَشِحَةً
عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ
كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم
يَأَلِّنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُوْ فَأَحْبَطَ
اللّهُأَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرًا (٨)يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ
لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن بَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْأَنَّهُمْ بَادُونَ
فِ اُلْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيِكُمْ
مَّا قَسَلُواْإِلَّا قَلِيلًا (٢)الَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ
حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوْللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (١)
وَلَمَّارَءَالْمُؤْمِنُونَ آلْأَحْزَابَ قَالُواْهَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ، وَمَازَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنًا وَتَسْلِيمًا
١- ﴿قُلْ: لَن يَنفَعَكُمُ الفِرارُ، إن فَرَرْتُم مِنَ المَوتِ أوِ القَتلِ، وإذَا﴾ إن فررتم ﴿لا
تُمَتَّعُونَ﴾، في الدنيا بعد فِراركم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١٦: بقيّة آجالكم. ﴿قُلْ: مَن ذا الَّذِي
يَعْصِمُكُم﴾: يُجيركم ﴿مِنَ اللهِ، إن أرادَ بِكُم سُوءًا﴾: هلاكًا وهزيمة، ﴿أو﴾
يُصيبُكم بسوء، إن ﴿أرادَ﴾ الله ﴿بِكُم رَحْمَةَ﴾ خيرًا؟ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُم مِن دُونِ
ثلاثة أرباع
الخِزْب
اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿ولا نَصِيرًا﴾ ١٧ يدفع الضُّرّ عنهم.
٢- ﴿قَد يَعلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ﴾: المُنبِّطين ﴿مِنكُم، والقائِلِينَ لإِخوانِهِم:
هَلُمَّ﴾: تعالَوا ﴿إِلَينا. ولا يأْتُونَ البأسَ﴾: القِتال ﴿إِلّا قَلِيلًا﴾ ١٨ رياءً وسُمعة،
﴿أَشِحّةً عَلَيكُم﴾ بالمُعاونة - جمع شحيح وهو حال من ضمير ((يأتون)) - ﴿فإذا جاءَ
الخَوفُ رأيتَهُم يَنظُرُونَ إِلَيكَ، تَدُورُ أعيُنُهُم كالَّذِي﴾: كنظرٍ أو كدَورانِ الذي ﴿يُغْشَى
عَلَيْهِ مِنَ المَوتِ﴾ أي: سَكَراته، ﴿فإذا ذَهَبَ الخَوفُ﴾ وحِيزَتِ الغنائم ﴿سَلَقُوكُم﴾ :
آذَوكم أو ضربوكم ﴿بِألسِنٍ حِدادٍ، أشِحَّةً عَلَى الخَيرِ﴾ أي: الغنيمةِ يطلبونها -
﴿أُولَئِكَ لَم يُؤمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحَبَطَ اللهُ أعمالَهُم. وكانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللهِ
يَسِيرًا﴾ ١٩ بإرادته - ﴿يَحْسِبُونَ الأحزابَ﴾ من الكُفّار ﴿لَم يَذْهَبُوا﴾ إلى مكّة لِخوفهم
منهم، ﴿وإن يأتِ الأحزابُ﴾ كرّة أُخرى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنَّوا ﴿لَو أنَّهُم بادُونَ في
الأعرابِ﴾ أي: كائنون في البادية، ﴿يَسألُونَ عَن أنبائكُم﴾: أخبارِكم مع الكُفّار،
﴿وَلَو كَانُوا فِيكُمِ﴾ هذه الكرّةَ ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ ٢٠ رِياءً وخوفًا من التعبير.
٣- ﴿لَقَد كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوةٌ﴾ - بكسر الهمزة وضمّها - ﴿حَسَنةٌ﴾: اقتداءٌ
به، في القِتال والثبات في مواطنه، ﴿لِمَن﴾: بدلٌ من ((لكم)) ﴿كانَ يَرْجُو اللّهَ﴾: يخافُهُ ﴿واليَومَ الآخِرَ، وذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ ٢١ بخلاف من ليس
كذلك. ﴿وَلَمّا رَأَى المُؤمِنُونَ الأحزابَ﴾ من الكُفّار ﴿قالُوا: هذا ما وَعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ﴾، من الابتلاء والنصر، ﴿وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾ في
الوعد. ﴿وما زادَهُم﴾ ذلك ﴿إلّا إيمانًا﴾: تصديقًا بوعد الله، ﴿وتَسلِيمًا﴾ ٢٢ لأمره.
(١) قل أي: للمنافقين ومن يفر من القتال. وينفع: يفيد بتأخير وفاة، لأن وقتها محدد في قضاء الله. والفرار: هربكم. وفررتم: هربتم وحاولتم النجاة.
والموت: فراق الروح للجسد. والقتل: فراق الروح في الحرب. وتُمتع: تُمنح ما تَستلذ به. وقليلًا: قدرًا يسيرًا. ويجيركم من الله: يمنعكم من قضائه
وعذابه. وأراد بكم: قضى عليكم. والسوء: ما فيه ضرر. والهلاك: الموت. وفي الأصل: ((إهلاكًا)). والرحمة: العطف بالإحسان والنعم. ويجد: يرى.
والولي: من يتولى أمور غيره ويرعى مصالحه.
(٢) هذه الآيات في بعض المنافقين، كانوا متخلفين عن الخندق، ويُغرون الأنصار بالفرار، يقولون: ما محمد وأصحابه إلّا أكْلة رأس - أي: جماعة قليلة -
ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأحزابه. فخلّوهم وتعالَوا إلينا. تفسير البغوي ٥١٨:٣. ويَعلمهم أي: أحاط بأحوالهم إحاطة تامة. والمثبط: من يشغل
غيره عن الأمر ويمنعه تخذيلاً. والإخوان: جمع أخ. وهو الجار والصديق كالأخ في المعاملة والتقدير. ويأتونه: يحضرونه ويقومون به. والشحيح: الشديد
البخل. وجاء: حضر. والخوف: خشية بطش العدو. ورأيتهم: أبصرتهم عيانًا. وينظرون إليك: يحدّقون النظر إليك فزعًا من القتال، لعلك تعفيهم منه.
وتدور: تضطرب وتجول يمنة ويسرة. والأعين: جمع عين. وهو عضو البصر. والمراد وصف المنافقين بالجبن والفزع. وكدوران الذي يعني: دورانًا مثل
دوران عين الذي. ويُغشى عليه: يُغمى عليه فيشخص بصره، ويفقد الإدراك والتفكير والإحساس. وسكراته أي: معالجتها حذرًا وخورًا. وذهب: مضى وانتهى
بنصر المؤمنين، فحل محل الخوف سرور ونشوة ظفر. والألسنة: جمع لسان. ذكرت الألسنة والمراد أفواهها المتكلمة، لأن اللسان أظهر ما يذكر في التكلم.
والحداد: جمع حديد. وهو السليط المؤذي. وأشحة عليه: بخلاء حريصون على حيازته دون غيرهم. وفسر الخير بالغنيمة لما فيها من المال والمنافع.
وأولئك أي: الموصوفون بما مضى من الآيتين. ولم يؤمن: لم يعترف قلبه بالتوحيد والبعث. وأحبطها: أظهر بطلانها لفساد عقيدة صاحبها، أي: أبطل تصنّع
أصحابها فلم يبق مستتبعًا لمنفعة دنيوية أصلًا. واليسير: الهين السهل لا يبالى به، ولا أثر له في دفع خير ولا عليه شر. ويحسبون: يتوهمون لجبنهم.
والأحزاب: قريش واليهود وغطفان وقيس عيلان، جمع حزب. والأعراب: مفرده أعرابي. وهو من يقيم في البادية من العرب. ويسألون: يستخبرون.
والأنباء: جمع نبأ. وكانوا فيكم أي: بقوا معكم يوم الخندق.
(٣) لكم: الخطاب للمؤمنين. والإسوة: ما يؤتسَى به ويقتدى. وهذا الاقتداء واجب في أحكام الدين، ومستحب في أمور الدنيا. وبضمها يريد القراءة
((أُسْوةٌ)). والحسنة: الصالحة من حقها أن تقلَّد. و((اقتداء)) تفسير لـ ((إسوة)). وبدل: يعني أن ((لمن)) بدل من ((لكم)). وذكرَه: ردّد اسمه ووعْده الجميل.
ورأوها: أبصروها عيانًا. وهذا: إشارة إلى الخطب بمجيء العدو وحصاره. ووعدَنا: بلّغَنا إياه وأعلمَناه. وفي هذا تفصيل لما ذكر في الآية ١٠ من ظن
المؤمنين. والابتلاء والنصر في الآية ٢١٤ من سورة البقرة. ووعدُ الرسول: إعلامهم، حين حفر الخندق، أن الأحزاب سيحضرون ويشتد بهم الأمر. وصدق
أي: ظهر صدق خبره. وتكرار لفظ الجلالة والرسول إقامة للاسم الظاهر مَقام المضمر للتعظيم وتثبيت الإيمان. وزاده: أضاف إليه. وذلك أي: الخطب.
وبوعد الله أي: بما وعد من النصر. والتسليم: التفويض والتوكل بإخلاص.