النص المفهرس

صفحات 341-360

٢٢ - سورة الحَجّ
٣٤١
الجزء السابع عشر
سُورَة التح.
يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهٌ.
وَإِنْ يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿ مَا قَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ
اَللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ ®َّ اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَِكَةِ
رُسُلَّا وَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ لايَعْلَمُ
مَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَهُمُ وَ إِلَى اللَّهِتُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُوا وَأَسْجُدُ واْ وَاعْبُدُواْ
رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أَّ
وَجَهِدُ واْ فِ اَللَّهِ حَقَ جِهَادِهِ، هُوَاجْتَبَكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِ الدّينِ مِنْ حَجْ مِلَّةَ أَبِكُمْ إِنْرَهِيمٌ هُوَ سَمَّنْكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ وَفِ هَذًا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ
وَتَكُونُواْشُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
١- ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أي أهلَ مكّة، ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ. فاستَمِعُوا لَهُ﴾. هو ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ﴾: تعبدون ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه - وهم الأصنام - ﴿لَن يَخلُقُوا ذُبابًا﴾ -
اسم جنس، واحده ذبابة يقع على المُذكّر والمُؤنّث - ﴿وَلَوِ اجتَمَعُوا لَهُ﴾: لخلقه،
﴿وَإِن يَسْلُبُهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ ممّا عليهم، من الطِّيبِ والزعفرانِ الملطَّخون به، (﴿لا
يَستَقِذُوهُ﴾: لا يستردوه ﴿مِنْهُ﴾ لعجزهم. فكيف يُعبدون شركاءَ للهِ تعالى؟ هذا أمر
مستغرب، عُبّر عنه بـ ((ضُرِبَ مَثَلٌ)). (ضَعُفَ الطّالِبُ﴾: العابد ﴿والمَطْلُوبُ﴾ ٧٣ :
المعبود! ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ﴾: عظّموه ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾: عظمتِه، أن أشركوا به ما لم يمتنع
من الذباب ولا ينتصف منه. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٧٤: غالب.
٢- ﴿اللهُ يَصطَفِي مِنَ المَلائكةِ رُسُلًا، ومِنَ النّاسِ﴾ رُسلًا. نزل لمّا قال
سَجْدَة
هند الشافعي
المشركون: ((أأُنزِلَ عَلَيهِ الذِّكرُ مِن بَيْنِنا)»؟ ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم،
﴿بَصِيرٌ﴾ ٧٥ بمن يتّخذه رسولًا، كجبريل وميكائيلَ، وإبراهيمَ ومُحمّدٍ
وغيرهم - صلّى الله عليهم وسلّم - ﴿يَعلَمُ ما بَينَ أيدِيهِم وما خَلفَهُم﴾، أي: ما قدَّموا
وما خلّفوا، أو ما عملوا وما هم عاملون بعدُ، ﴿وإلَى اللهِ تُرجَعُ الأُمُورُ﴾ ٧٦.
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، اركَعُوا واسجُدُوا﴾ أي: صلّوا، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُم﴾:
وحّدوه، ﴿وافعَلُوا الخَيرَ﴾ كصلة الرحم ومكارم الأخلاق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٧٧ :
وَأَعْتَصِمُوْبِلَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيُرُ
٧٨
تفوزون بالبقاء في الجنّة، ﴿وجاهِدُوا في اللهِ﴾ لإقامة دِينه ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾، باستفراغ
◌ُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
الطاقة فيه. ونُصب ((حقَّ)) على المصدر. ﴿هُوَ اجَتَباكُم﴾: اختاركم لدِينه، ﴿وما جَعَلَ
عَلَيْكُم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ أي: ضيقٍ، بأن سهّله عِند الضرورات، كالقصر والتيمّم
وأكل الميتة، والفِطر للمرض والسفر، ﴿مِّةَ أبِيكُم﴾ - منصوبٌ بنزع الخافض الكّاف - ﴿إِبراهِيمَ﴾: عطفُ بيان.
٤- ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿سَمّاكُمُ المُسلِمِينَ مِن قَبلُ﴾، أي: قبلِ هذا الكتاب، ﴿وفي هذا﴾ أي: القُرآنِ، ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُم﴾ يوم
القيامة أنه بلَّغكم، ﴿وتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَداءَ علَى النّاسِ﴾ أنّ رسلهم بلَّغَتْهم. ﴿فأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: داوموا عليها ﴿وآتُوا الزَّكَاةَ، واعتَصِمُوا
بِاللهِ﴾: ثقوا به. ﴿هُوَ مَولاكُم﴾: ناصركم ومُتولّي أُموركم. ﴿فَنِعمَ المَولَى﴾ هو! ﴿ونِعمَ النَّصِيرُ﴾ ٧٨ أي: الناصر هو لكم!
سورة المؤمنون
مكية، وهي مِائَة وثماني أو تسعَ عشْرةَ آيَة .
(١) الخطاب في الآية يعم كل مشرك. وأي: حرف نداء وتنبه للقريب. وضرب: وُضّح. والمثل: قصة عجيبة فيها العظة والاعتبار. وفي بيان العجز تدرُّج من
عدم القدرة على الخلق، إلى القصور عن حماية النفس، فنيل المراد من أضعف المخلوقات. واستمعوا له: تنبهوا له وتدبروه. ويخلق: ينشئ من العدم.
والذباب: حشرات معروفة. واجتمعوا: احتشدوا وتعاونوا. ويسلب: يختطف بسرعة. و((الملطخون به)) الصواب: ((الملطخين بهما)). وكان المشركون يطلون
الأصنام بالطيب والعسل. وضعف: بلغ الغاية في العجز والقصور. والمعبود أي: المطلوب منه إيصال الخير ودفع الشر. وحق قدره: ما يستحقه من التقدير
والإجلال. وأن أشركوا أي: بإشراكهم. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد وجميع المحامد بذاته
وصفاته وأفعاله. والقوي: الكامل القوة والمتمكن من كل شيء. وغالب أي: قاهر لجميع الخلق.
(٢) يصطفي: يختار. ومن الملائكة أي: بعضهم كجبريل وميكائيل. والملائكة: جمع مَلَك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. والرسل: جمع رسول. وهو
من يكلف بعمل. والقائل لما ذكر هو الوليد بن المغيرة، ووافقه بعض المشركين حسدًا منهم، أي: قالوا عن النبي ◌َّ: ((ليس بأكبرنا ولا أشرفنا)). والسميع:
المدرك للمسموعات والأسرار. والبصير: الخبير بكل شيء، فاختياره عن حكمة وتقدير لمصالح الكون. ويتخذه: يجعله. ويعلمه: يحيط به. وإلى الله: إلى
حكمه وقضائه. وترجع: تردّ في تقديرها وقضائها. والحساب أي: في الدنيا والآخرة، فلا يُسأل عما يفعل. والأمور: جمع أمر. وهي شؤون الخلق كلهم.
(٣) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وعُبِّرَ بالركوع والسجود عن الصلاة لأنهما أظهر مافيها. وافعلوه: قوموا به بنية أو قول أو عمل. والخير: ما حسنه
الشرع. ولعلكم: ليُترجَّى لكم. وجاهدوا: ابذلوا الجهد من كل ما تملكون. وحق جهاده: جهاده الصادق بنية خالصة. واستفراغ الطاقة: بذل القدرة كلها .
والنصب على المصدر أي: مفعول مطلق لتوكيد فعل مقدر من لفظه. وجعل: وضع. والدين: العقيدة والشريعة. وأكل الميتة: عند الاضطرار. والملة: عقيدة
التوحيد. وإبراهيم: أبو الأنبياء انتقل من العراق إلى القدس ومصر ومكة. وعطف البيان يكون لتوضيح المراد مع التوكيد.
(٤) سماكم أي: فضلكم واختار لكم اسمًا تتميزون به. والمسلم: المنقاد لأمر الله في جميع شؤونه. وتكون: تصير، والشهيد: الشاهد يبلّغ ماعلمه بحق.
وشهادة المسلمين على غيرهم لِما أعلمهم الله، بنصوص القرآن والسُّنّة. وبلغتْهم: أعلمتْهم وأخبرتهم بوجوب التوحيد والامتثال بالطاعة لله. وأقيموها: أدّوها.
وداوموا عليها أي: بشروطها وأركانها وآدابها. وآتوها: أعطوها مستحقيها. والزكاة: ما فرض على المال لتطهيره وتطهير صاحبه. ونعم أي: بلغ الغاية في
الخير والفضل والإنعام. وهو: يعود على ((مولى))، وممدوح مرتين في الموضعين.

الجزء الثامن عشر
٣٤٢
٢٣ - سورة المؤمنون
بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحِيمِ
بجزء١٨
لجزئه ٣
١- ﴿قَد﴾: للتحقيق ﴿أفلَحَ﴾: فاز ﴿المُؤمِنُونَ ١، الَّذِينَ هُم فِي صَلاتِهِم
خَاشِعُونَ﴾ ٢: متواضعون، ﴿والَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغْوِ) مِن الكلامِ وغيره
﴿مُعرِضُونَ ٣، والَّذِينَ هُم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ٤: مُؤدّون، ﴿والَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم
حافِظُونَ﴾ ٥ عن الحرام، ﴿إِلّا عَلَى أزواجِهِم﴾ أي: من زوجاتهم، ﴿أو ما
مَلَكَت أَيمانُهُم﴾ أي: السراريّ - ﴿فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ﴾ ٦ في إتيانهنّ. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى
وَراءَ ذُلِكَ﴾ من الزوجات والسراريّ، كالاستمناء بيده، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ٧ :
المُتجاوزون إلى ما لا يحلّ لهم - ﴿والَّذِينَ هُم لِأماناتِهِم﴾، جمعًا ومفردًا،
﴿وعَهدِهِم﴾ فيما بينهم أو فيما بينهم وبين الله من صلاة وغيرها ﴿راعُونَ﴾ ٨:
حافظون، ﴿والَّذِينَ هُم عَلَى صَلَواتِهِم﴾، جمعًا ومفردًا، (يُحافِظُونَ﴾ ٩ : يُقيمونها في
أوقاتها. ﴿أُوْلِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ١٠ لا غيرهم، ﴿الَّذِينَ يَرِئُونَ الفِردَوسَ﴾، هو جنّة
أعلى الجِنان، ﴿هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ١١. في ذلك إشارة إلى المَعاد، ويُناسبه ذِكر
المبدأ بعده .
المُرُ القَصِ عِشَرّ
سُورَة المؤمنُونَ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (هـ
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ
فَعِلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَّ
أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ﴾
فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ () وَالَّذِينَ هُمْ
◌ِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِ هِمْ رَعُونَ (﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
يُحَافِظُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ
﴿اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن
سُلَلَةٍ مِن طِينٍ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ( نُزَ
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّأَ نشَأْنَهُ خَلْقًا
ءَا خَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ (١٥) ثُمَّإِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ
لَمَسُِّونَ ﴿ ثُمَّإِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [® وَلَقَدْ
خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَابِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
٢ - ﴿و﴾ اللهِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسانَ﴾ آدَمَ ﴿مِن سُلالةٍ﴾، هي من: سللتُ الشيء من
الشيء، أي: استخرجتُه منه - وهو خُلاصته - ﴿مِن طِينٍ﴾ ١٢: مُتعلّقٌ بـ ((سلالة))،
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أي: الإنسانَ نسلَ آدَمَ ﴿نُطْفةً﴾: مَنِيًّا، ﴿فِي قَرارِ مَكِينٍ﴾ ١٣ هو الرَّحِم،
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفةَ عَلَقةً﴾: دمًا جامدًا، ﴿فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾: لحمة قدرَ ما يُمضغ،
﴿فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا، فَكَسَونا العِظامَ لَحمًا﴾، وفي قراءة: (عَظْمًا)) و((العَظْمَ)) في الموضعين، و((خلقنا)) في المواضع الثلاثة بمعنى: صيّرنا،
﴿ِثُمَّ أنشأُنَاهُ خَلقَا آخَرَ﴾ بنفخ الروح فيه - ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أحسَنُ الخالِقِينَ﴾ ١٤ أي: المُقدِّرين. ومميِّز ((أحسَنُ)) محذوف للعِلم به، أي: خَلقًا -
﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذُلِكَ لَمَيُّونَ ١٥، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ تُبعَثُونَ﴾ ١٦ للحِساب والجزاء.
٣- ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوقَكُمْ سَبعَ طَرائقَ﴾ أي: سماواتٍ: جمع طريقة لأنها طُرق الملائكة، ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلقِ﴾ تحتها ﴿غافِينَ﴾ ١٧ أن تسقط
عليهم فتُهلكهم - بل نُمسكها كآيَةٍ: ((ويُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ عَلَى الأرضِ)) - ﴿وَأنزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءَ بِقَدَرٍ﴾ من كِفايتهم، ﴿فأَسَكَنّاهُ في الأرضِ،
وإنّا عَلَى ذَهابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ ١٨، فيموتون مع دوابهم عطشًا، ﴿فأنشأَنا لَكُم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعنابٍ﴾، هما أكثر فواكه العرب، ﴿لَكُم فِيها
(١) انظر سبب النزول في المفصل. والمؤمن: من صدق الله ورسوله، وعرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وهو يشمل الذكور والإناث. والصلاة: العبادة المكتوبة
كل يوم خمس مرات. واللغو: ماكان حرامًا أو مكروهًا، أو مباحًا ولم تدعُ إليه حاجة. والمعرض عن الشيء: من يتجنبه ويبتعد عنه وينكره. والزكاة: ما يجب
على المال لتطهيره وتطهير صاحبه. والفروج: جمع فرج. وهو عورة ما بين الرِّجلين من أمام. والحافظ للشيء: من يمنعه. والأزواج: جمع زوج. وهو
المرأة المتزوجة أو الرجل المتزوج. وملكته: حازته تملكًا شرعيًا. والأيمان: جمع يمين. وهي اليد اليمنى. والسراري: جمع سُرّيّة. وهي المملوكة تُنكح
سِرًا. وحكم التسرّي خاص بالرجال. والملوم: المؤاخذ بمعصية. وإتيانهن: مضاجعة الزوجة والسُّرّيّة. وابتغى: قصد بشهوته. ووراء ذلك: غير ما استُثني.
والاستمناء باليد: استخراج المني عبئًا باليد. والأمانة: ما تعهد الإنسان برعايته أو القيام به، مع ربه أومع الناس. ومفردًا يريد القراءة (لأمانتِهِم)). والعهد: ما
وُعد به الغيرُ. والحفظ: الوفاء والأداء. ومفردًا يريد القراءة ((صَلاتِهِم)). وأولئك أي: الموصوفون في الآيات ١-٦ و٨ و٩. والوارثون: المستحقون أن يسمَّوا
وارثين لنعيم الآخرة. والخالد: المقيم أبدًا. والمعاد: العودة إلى الحياة بعد الموت.
(٢) خلقنا: أنشأناه من العدم. وجعلناه: صيّرناه. والطين: التراب المجبول بالماء. والنطفة: القطرة الدقيقة جدًا. والقرار: المستقَرّ. والمكين: المتمكن
المحوط بالوقاية. وكسوناه: غطيناه. وفي الموضعين أي: من الآية هذه. وآخر أي: مغاير يمتاز به البشر. وتبارك: تعالى شأنه في جميع ما يقدر وما يخلق.
وأحسن: أعظم لامثيل له. واليوم: الوقت. والقيامة: القيام من القبور، أي: حيثما كانت بقايا الجسد. وتبعثون: تخرجون أحياء بالبعث.
(٣) فوقكم: فوق أرضكم. وما كنا أي: ولانزال من دون قيد زماني. والخلق: المخلوقات. والغافل: الساهي لا يتنبه للأمور ولا يرعاها. وكآية: يعني الآية
٦٥ من سورة الحج. وأنزلنا: أسقطنا. والسماء: السحاب. والماء: المطر والثلج والبرد والندى. والقدر: المقدار المعين بحسب مصلحة الكون. وأسكناه:
جعلناه يستقر أو يجري من مكان إلى آخر. والذهاب: الإفناء والإبادة. والقادر: المتمكن مما يريد. وأنشأ: خلق وأوجد. والجنة: الحديقة فيها النبات.
والنخيل: شجر ثمره التمر. والأعناب: جمع عنب. وفيها: في الجنات. والفواكه: جمع فاكهة. وهي الثمار المستلذة. وتأكل: تتناول طعامًا وشرابا للتغذية
والمتعة. وتخرج: تنبت. وسيناء: مِنطقة في جنوب غربي فلسطين. وبفتحها يريد القراءة ((سيناء)). والرباعي: أنبَتَ. انظر ((المفصل)). والثلاثي: نَبَتَ، والقراءة
به («تَنْبُتُ)) أي: تنمو وتُثمر. والدهن: عصارة كل شيء دسم. وزائدة أي: للتقوية والتوكيد. ومعدية أي: تتعلق بالفعل. والصبغ: ما يؤتدم به.

٢٣ - سورة المؤمنون
٣٤٣
الجزء الثامن عشر
سُورَة المؤمنُونَ
الحرةُ التَّحِبَ عِيشَ
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِ وَإِنَاعَلَىذَهَاپٍ
◌ِ لَقَدِرُونَ ﴿٨َ فَأَنشَأْنَا لَكُ بِهِ جَنَاتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ
الَّكُمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ (٦﴾ وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن
طُورِ سَيْنَآءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعِ لِلَّكِينَ ﴿ وَإِنَّلَكُ فِ
الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيَكُمْ مِمَّا فِ بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿﴿ وَعَلَيَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (*) وَلَقَدْ
(أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَهِ
غَيْرُهُمْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿ فَقَالَ الْمَلُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَآ
إِلَّابَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَاللَّهُ لَأَنْزَلَ
مَلَتِكَةً مَّاسَمِعْنَا بِهَذَا فِىّءَابَآمِنَا الْأَوَّلِينَ جْ إِنْ هُوَ إِلَّا
أَرَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْبِهِ، حَتَّ حِينٍ ﴿ قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى
بِمَا كَذَّبُونِ ﴿ فَأَوْحَيْنَآإِلَيْهِ أَنْ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ نَا وَفَارَ التَّتُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن
كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ
مِنْهُمَّ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَمُواْإَِهُمْ مُغْرَقُونَ
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ، ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ١٩ صيفًا وشتاء، ﴿و﴾ أنشأنا ﴿شَجَرةً، تَخْرُجُ مِن طُورِ
سِيناءَ﴾ جبل، بكسر السين وفتحها ومنعُ الصرفِ للعلميّةِ والتأنيثِ للبقعة، ﴿تُنْبِتُ﴾ -
من الرباعيّ والثلاثيّ - ﴿بِالدُّهْنِ﴾ الباء: زائدة على الأوّل، ومُعدّية على الثاني،
وهي شجرة الزيتون، ﴿وصِبغٍ لِلآكِلِينَ﴾ ٢٠: عطف على ((الدهن)) أي: إدامٍ يَصبغ
اللَّقمة بغمسها فيه. وهو الزيت.
١- ﴿وإنَّ لَكُم في الأنعامِ﴾: الإبلِ والبقرِ والغنمِ ﴿لَعِبْرةً﴾: عِظة تعتبرون بها،
﴿نَسِقِيكُمْ﴾ - بفتح النون وضمّها - ﴿مِمّا في بُطُونِها﴾ أي: اللبنَ، ﴿وَلَكُم فِيها مَنافِعُ
كَثِيرةٌ﴾ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك، ﴿ومِنها تأكُلُونَ ٢١، وعلَيها﴾
أي: الإبلِ ﴿وَعَلَى الفُلْكِ﴾ أي: السُّفنِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ ٢٢.
٢- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا نُوحًا إِلَى قَومِهِ، فقالَ: يا قَومِ، اعْبُدُوا اللهَ﴾: أطيعوه ووحّدوه.
﴿مَالَكُم مِن إلَهِ غَيْرُهُ﴾. وهو اسم ((ما))، وما قبله: الخبر، ومن: زائدة. ﴿أفلا
تَتَّقُونَ﴾ ٢٣: تخافون عُقوبته بعِبادتكم غيرَه؟ ﴿فقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَومِهِ﴾
لأتباعهم: ﴿ما هذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُم، يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ﴾: يتشرّف ﴿عَلَيكُم﴾، بأن يكون
متبوعًا وأنتم أتباعه. ﴿وَلَو شاءَ اللهُ﴾ ألّا يُعبَدَ غيرُه ﴿لَأَنزَلَ مَلائكةَ﴾ بذلك لا بشرًا .
﴿مَا سَمِعْنا بِهِذا﴾ الذي دعانا إليه نوح من التوحيد، ﴿في آبائنا الأوَّلِينَ﴾ ٢٤ أي:
الأُمم الماضية. ﴿إِن هُوَ﴾: ما نوحٌ ﴿إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنّةٌ﴾: حالة جُنون. ﴿فَتَرَبَّصُوا
بِهِ﴾: انتظروه، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ٢٥: إلى زمن موته. ﴿قالَ﴾ نوح: ﴿رَبِّ، انصُرْنِي﴾
عليهم ﴿بِمَا كَذَّبُونٍ﴾ ٢٦ أي: بسبب تكذيبهم إياي، بأن تُهلكهم.
٣- قال تعالى مُجِيبًا دُعاءه: ﴿فَأَوحَينا إلَيهِ: أنِ اصنَعِ الفُلْكَ﴾ السفينة، ﴿بِأعيُنِنا﴾: بمرأى منّا وحِفظنا ﴿ووَحيِنا﴾: أمرنا، ﴿فإذا جاءَ أمُرُنا)
بإهلاكهم، ﴿وفارَ التَُّورُ﴾ للخبّاز بالماء - وكان ذلك علامة لنوح - ﴿فاسلُكْ فِيها﴾ أي: أدخِلْ في السفينة ﴿مِن كُلِّ زَوجَينٍ﴾، أي: ذكرٍ وأُنِى
أي: من كُلّ أنواعهما، ﴿اثنَينِ﴾: ذكرٌ وأنثى - وهو مفعول، ومِن: متعلّقة بـ ((اسلُكْ)). وفي القِصّة أن الله - تعالى - حشر لنوح السِّباع والطَّير
وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كُلّ نوع، فتقع يده اليُمنى على الذكر، واليُسرى على الأُنثى، فيحملهما في السفينة. وفي قراءةٍ: ((كُلِّ))
بالتنوين، فزوجين: مفعول، واثنين: تأكيد له - ﴿وأهلَكَ﴾ أي: زوجته وأولاده، ﴿إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيهِ القَولُ مِنْهُم﴾ بالإهلاك - وهو زوجته وولده
كنعان، بخلاف سامٍ وحام ويافثَ فحملهم وزوجاتهم ثلاثة. وفي سورة هود: ((ومَن آمَنَ. وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ)). قيل: كانوا سِتّةَ رِجال
ونساءَهم. وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون، نِصفهم رِجال، ونصفهم نِساء - ﴿ولا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَّمُوا﴾: كفروا: بترك
إهلاكهم. ﴿إِنَّهُم مُغرَقُونَ﴾ ٢٧ .
(١) تعتبرون بها: للاستدلال على عظمة الخالق ووحدانيته. وبضمها يريد القراءة (نُسقِيكُم))، أي: نيَسّر الشرب. والمنافع: جمع منفعة. وهو ما يفيد.
وتأكلون: تتناولون الطعام والشراب. وخص الإبل بالضمير في ((عليها)»، لأنها غالبًا ما تركب، وتناسب ذكر الفُلك. وتحملون: تُرفعون للركوب في السفر
والانتقال.
(٢) نوح: نبي بعد آدم وشيث وإدريس. وأرسلناه: بعثناه وكلفناه بالدعوة إلى التوحيد مع العمل. والقوم: الجماعة يعيش فيها الإنسان. وفي المنحة وبعض
المطبوعات: ((أطيعوا الله)). والإله: المعبود بحق وحده. و((هو)) أي: إله. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. والملأ: الأشراف والزعماء. وكفر: كذّب
الله ورسوله. وبشر: إنسان. ومثلكم أي: في الصفات. ويريد: يطلب. وشاء: أراد. وأنزل: أرسل. والملائكة: جمع مَلَك. وسمعنا: علمنا. والآباء: جمع
أب. ويطلق على الجد أيضًا. والحين: الوقت. ورب أي: ياربي. وانصرني: أعِنّي. وكذبون: أنكروا رسالتي.
(٣) أوحينا أي: على لسان جبريل. واصنعها: اعملها متقنة محكمة. والأعين: جمع عين للتعظيم. وجاء: ابتدأ ظهوره. وفار: نبع الماء. والمراد بالتنور هنا
وجه الأرض. انظر تعليقنا على تفسير الآيات ٣٦-٤٧ من سورة هود. والتفصيلات التي هنا في تفسير قصة نوح أكثرها من الإسرائيليات التي لاسند لها .
والزوج: ما له مقابل من جنسه للتزاوج. والأهل: الأسرة، أي: من يعولهم الرجل. وسبق عليه القول: وقع عليه حكم الله من الأزل، لإصراره على الكفر
والعصيان. ومنهم: مِن أهلك. وزوجته أي: الكافرة. وكنعان هذا كافر أيضًا، وهو غير جد الكنعانيين العرب. و((ثلاثة)) كذا في الأصل وخ وع وبعض النسخ
والمطبوعات. ث: ((الثلاثة)). والثأنيث بالتاء صحيح فصيح، لأن العدد لم يضف إلى المعدود، خلافًا لما جاء في قرة العينين ص ٤٤٨. انظر حاشية الخضري
٢: ١٣٥. والأمم المعروفة في العالم هي ذرية أبناء نوح والرجالِ المذكورين أيضًا، خلافًا لما هو شائع في التاريخ. انظر تعليقنا على تفسير الآيتين ٤٠ من
سورة هود - وهي الآية التي ذكرها المحلي هنا - و٣ من سورة الإسراء. وتخاطبني: تراجعني في الكلام داعيًا لهم بعدم الإهلاك. وظلم: تجاوز الحد.
والكفر أفظع ذلك. والمغرق: الذي يختنق غرقًا بالماء.

الجزء الثامن عشر
٣٤٤
٢٣ - سورة المؤمنون
١- ﴿فإذا استَوَيتَ﴾: اعتدلتَ ﴿أَنتَ ومَن مَعَكَ عَلَى الفُلكِ فَقُل: الحَمدُ للهِ الَّذِي
نَجّانا مِنَ القَومِ الظّالِمِينَ﴾ ٢٨: الكافرين وإهلاكهم. ﴿وقُلْ﴾ عِند نزولك من الفُلك:
﴿رَبِّ، أَنزِلْنِي مُنزَلًا﴾، بضمّ الميم وفتح الزاي: مصدرٌ أو اسم مكان، وبفتح الميم
وكسر الزاي: مكانُ النزول ﴿مُبَارَكًا﴾ ذلك الإنزالُ أو المكان، ﴿وأنتَ خَيرُ
المُنزِلِينَ﴾ ٢٩ ما ذُكر.
٢- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ، من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكُفّار، ﴿لَآياتٍ﴾:
دلالات على قُدرة الله - تعالى - ﴿وإنْ﴾: مُخفّفةٌ من الثقيلة واسمها ضمير الشأن
﴿كُنّا لَمُبِتَلِينَ﴾ ٣٠: مُختبرِين قومَ نُوح، بإرساله إليهم ووعظه. ﴿ثُمَّ أنشَأْنا مِن بَعدِهِم
قَرْنًا﴾: قومًا ﴿آخَرِينَ﴾ ٣١ هم عاد، ﴿فأرسَلْنَا فِيهِم رَسُولًا مِنْهُم﴾ هُودًا :
﴿أنٍ﴾ أي: بأنِ ﴿اعْبُدُوا اللهَ، مالَكُم مِن إِلَهِ غَيْرُهُ. أفلا تَتَّقُونَ﴾ ٣٢ عِقابه
فتُؤمنون؟
رضيع
الخرب
٣٥
سُورَةِ المُؤمِنُونَ
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِاَلْحَدُ لِلَّهِالَّذِى تَلْنَ
مِنَ الْقَوْمِ الََّالِمِينَ (١) وَقُل رَّبِّ أَنْزِلِ مُنْزَ لَّا مُّبَارَكَا وَأَنْتَ خَيْرُ
الْمُنْزِلِينَ ﴿ إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِنْ كُنَّ لَمُبْتَكِنَ ◌َّثُمَّأَشَأْنَ
مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ ﴿٦ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَتَّقُونَ ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
مَا هَذَآإِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيَأْ كُلُ مِمَّاتَأْ كُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا
تَشْرَبُونَ (٣٦) وَلَيِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
أَيَعِدُ كُمْأَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
٣٤
◌ُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ هِىَ إِلََّ حَيَانُنَا
٣٥
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٦) إِنْ هُوَ إِلََّ رَجُلُّ
اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿قَالَ رَبِّ
انْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ (٦) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّصْبِحُنَّنَدِمِينَ (٥)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُتَاءَ فَبُعْدً الِلْقَوْمِ
٣- ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَومِهِ، الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أي: بالمصير
إليها، ﴿وَأتْرَفناهُم﴾: نعمناهم ﴿في الحَياةِ الدُّنيا: ما هذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُم، يأكُلُ مِمّا
تَأْكُلُونَ مِنْهُ، ويَشرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ٣٣، و﴾ اللّهِ ﴿لَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ - فيه قسم
وشرط، والجواب لأوّلهما وهو مُغنِ عن جواب الثاني - ﴿إِنَّكُمْ إِذَا﴾ أي: إذا
أطعتموه ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ ٣٤ أي: مَغبونون. ﴿أَيَعِدُكُم أنَّكُم إذا مُتُم، وكُنتُم تُرابًا
الظَّالِمِينَ * ثُمَ أَنشَأَنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قُرُونَاءَآخَرِينَ()
وعِظامًا، أنَّكُم مُخرَجُونَ﴾ ٣٥؟ هو خبر ((أنكم)) الأُولى، و(أنكم)) الثانية تأكيد لها لمّا
طال الفصل. ﴿هَيهاتَ هَيهاتَ﴾: اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى مصدر، أي: بَعُدَ بَعُدَ ﴿لِما
تُوعَدُونَ﴾ ٣٦ من الإخراج من القُبور! واللام: زائدة للبيان. ﴿إِن هِيَ﴾ أي: ما الحياة ﴿إِلّا حَياتُنا الدُّنيا، نَمُوتُ ونَحيا﴾ بحياة أبنائنا، ﴿وما
نَحنُ بِمَبِعُوثِينَ ٣٧. إن هُوَ﴾ أي: ما الرسول ﴿إِلّا رَجُلٌ، افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا، وما نَحنُ لَهُ بِمُؤمِنِينَ﴾ ٣٨: مُصدّقين في البعث بعد الموت.
٤- ﴿قَالَ: رَبِّ، انصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ٣٩. قالَ: عَمّا قَلِيلٍ﴾ من الزمان - وما: زائدة - ﴿لَيُصبِحُنَّ﴾: لِيَصِيرُنّ ﴿نادِمِينَ﴾ ٤٠ على كُفرهم
وتكذيبهم. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحةُ﴾: صيحة العذاب والإهلاك، كائنةً ﴿بِالحَقِّ﴾ فماتوا، ﴿فَجَعَلْنَاهُم غُثاءً﴾ وهو نبت يَبِس، أي: صيّرناهم مِثله في
اليُيس. ﴿فُعدًا﴾ من الرحمة ﴿لِلقَومِ الظّالِمِينَ﴾ ٤١: المكذبين.
٥- ﴿ثُمَّ أنشأُنا مِن بَعدِهِم قُرُونًا﴾ أيَ: أُممًا ﴿آخَرِينَ ٤٢، ما تَسْبِقُ مِن أُمّةِ أجَلَها﴾ بأن تموت قبله، ﴿وما يَستأخِرُونَ﴾ ٤٣ عنه - ذُكِّر الضمير بعد
(١) الفلك: السفينة. والحمد: الثناء بالجميل على الفضل والإنعام. ونجانا: أنقذنا. والظالم: من يتجاوز الحق ويُغرِق في الباطل. ورب: ياربي. حذف
حرف النداء مبالغة في التوكيد، لِما فيه من معنى الأمر والتنبيه. وأنزلني: هيئ لي النزول ويسره لي. وبكسر الزاي يريد القراءة ((مَنزِلًا)). وخير المنزلين:
أفضلهم في التقدير والتوفيق. وما ذكر أي: منزلًا مباركًا.
(٢) مخففة: يعني أنها للتوكيد. والشأن: القصة والموضوع. وانظر ((المفصل)). وكنا أي: ولانزال. وقوم نوح أي: وغيرهم. وأنشأنا: أوجدنا. وآخرين: غير
قوم نوح، أناسًا من ذريته وذرية المؤمنين الذين كانوا معه. وعاد: من العرب العاربة. والرسول: من يكلّف بالدعوة إلى التوحيد والشريعة مع العمل. انظر
الآية ٢٣. وفي المنحة والمطبوعات: فتؤمنوا.
(٣) انظر الآية ٢٤. وكذب: أنكر. ويأكل: يتغذى بالطعام. ويشرب: يرتوي بالشراب. وأطعتموه: استجبتم لدعوته. والجواب لأولهما: يعني أن جواب
الشرط محذوف، و((إنكم إذًا لخاسرون)) هو جواب القسم يدل على المحذوف، والتقدير: نُقسم - لئن أطعتموه فإنكم إذًا لخاسرون - إنكم إذًا لخاسرون.
ويعدكم: يهددكم. وكنتم: صرتم. والتراب: ما تفتت من وجه الأرض. والعظام: جمع عظم. ومخرجون أي: بالبعث للحساب. والاستبعاد: الاستحالة.
وما توعدون: ما تهدَّدون به. وبحياة أبنائنا أي: يخلّفنا أبناؤنا في الحياة، وتستمر بدون نهاية. وفي النسخ: ((بحياة آبائنا)). والمبعوث: المخرج من قبره حيًا .
وافترى: كذب. والبعث أي: وغير ذلك من التوحيد والإيمان.
(٤) انظر الآية ٢٦. والنادم: من يتحسر على ما فات دون جدوى. وأخذتهم: تناولتهم بالعقاب. والصيحة: الصوت الهائل يدمر ويقتل. والحق: الوجوب،
لأنهم استحقوا العذاب بكفرهم. وجعلنا: صيّرنا. والبعد: النفي والطرد، كما نَفَوا البعث والحساب. والقوم: الجماعة من الناس. والظالم: المجاوز للحق
بتكذيبه وتعنته.
(٥) أنشأنا: خلقنا وأوجدنا. والقرون: جمع قرن. وهو الأمة. والآخرون: المغايرون، أي: أمم غير التي مضت بالهلاك، يعني أقوام لوط وشُعيب وأيوب
ويونس ... وتسبقه: تتقدمه. والأجل: المدة المحددة لنهاية حياة المخلوق. ويستأخر: يتأخر فيكون بعد الموعد المعيّن. وانظر الآية ٥ من سورة الحِجر.
والرسل: جمع رسول. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((تَتْرًا)). وبعدمه يريد القراءة ((تَتْرَى)). والأمة: الجماعة من الناس. وجاءها أي: أتاها. وبتسهيل الثانية يريد
القراءة ((جاءَ أُمّةً)). وكذبوه: أنكروا ما جاء به. وأتبعنا بعضهم بعضًا: ألحقنا المتأخرين بالمتقدمين وجعلناهم مثلهم. وجعلنا: صيّرنا. وأحاديث: جمع
أُحدوثة. وهي ما يُتحدث به عجبًا. وانظر آخر الآية ٤١ .

٢٣ - سورة المؤمنون
٣٤٥
الجزء الثامن عشر
الجزء التَّعِ عِشَرُ
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ (١) ثُمَأَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْراً
كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ
أَحَادِيثٌ فَبُعْدًا لِّقَوْمِلَّا يُؤْمِنُونَ (٥) ثُمَّأَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
هَرُونَ بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ،
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُو ◌ْقَوْمًا عَالِينَ جَفَقَالُواْأَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا
وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ [® فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْمِنَ الْمُهْلَكِينَ
(٨) وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِشَبَ لَعَلَّهُمْ يَهَنَدُونَ ﴿ وَحَعَلْنَا
أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ: ءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَوِذَاتِ قَرَارٍ وَ مَعِينٍ
٥٠َ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَّيّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥) وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَّتِّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ
فَأَنَّقُونِ ﴿ فَتَقَطّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ
فَرِحُونَ ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٦) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا
تُمِدُّهُرِهِ، مِن ◌َّالٍ وَبَنِنَ ﴿٥ ◌ُارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَّا يَشْعُرُونَ
﴿ إِنَّالَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ (*) وَالَّذِينَ هُم
◌ِشَّايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ (®) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾
8
تأنيثه رِعاية للمعنى - ﴿ثُمَّ أرسَلْنا رُسْلَنا تَتْرَى﴾، بالتنوين وعدمِه أي: مُتتابعين، بين
كُلّ اثنين زمان طويل، ﴿كُلَّمَا جاءَ أُمّةً﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ الثانية بينها وبين
الواو - ﴿رَسُولُها كَذَّبُوهُ، فَأَتَبَعْنا بَعضَهُم بَعضًا﴾ في الهلاك، ﴿وجَعَلْناهُم أحادِيثَ.
فُبُعدًا لِقَوم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٤٤.
١- ﴿ثُمَّ أَرسَلْنا مُوسَى وأخاهُ هارُونَ، بِآيَاتِنا وسُلطانٍ مُبِينٍ﴾ ٤٥: حُجّة بيّنة - وهي
اليد والعصا وغيرهما من الآيات - ﴿إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ، فاستكبَرُوا﴾ عن الإيمان بها
وبالله - ﴿وكانُوا قَومًا عالِينَ﴾ ٤٦: قاهرين بني إسرائيل بالظلم - ﴿فقالُوا: أنُؤْمِنُ
لِيَشَرَينِ مِثْلِنا، وقَومُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ٤٧: مطيعون خاضعون؟ ﴿فَكَذَّبُوهُما فكانُوا مِنَ
المُهَلَكِينَ ٤٨. ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿لَعَلَّهُم﴾ أي: قومَه بني إسرائيل
﴿يَهتَدُونَ﴾ ٤٩ به من الضلالة - وأُوتيها بعد هلاك فِرِعونَ وقومِه، جُملةً واحدة -
﴿وَجَعَلْنا ابنَ مَرَبَمَ﴾ عيسى ﴿وَأَمَّهُ آيَةً﴾ - لم يقل ((آيتين)) لأنّ الآية فيهما واحدة:
ولادته من غير فحل - ﴿وآوَيناهُما إلَى رُبْوةٍ﴾: مكان مرتفع وهو بيت المقدس أو
دِمشق أو فلسطين، أقوال، ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي: مُستوية يستقرّ عليها ساكنوها،
﴿ومَعِينٍ﴾ ٥٠ أي: ماء جار ظاهر تراه العيون.
٢ - ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الحلالات، ﴿واعمَلُوا صالِحًا﴾ من فرض
ونفل - ﴿إِنِّي بِما تَعمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٥١، فأُجازيكم عليه - ﴿وَ﴾ اعلموا ﴿أنَّ هُذِهِ﴾ أي:
مِلّةَ الإِسلام ﴿أَمْتُكُم﴾: دِينكم، أيها المُخاطبون، أي: يجب أن تكونوا عليها ﴿أُمّةً
واحِدةٌ﴾: حالٌ لازمة - وفي قراءة بتخفيف النون، وفي أُخرى بكسر همزة ((إنَّ)
مُشدّدة استئنافًا - ﴿وأنا رَبُّكُم فاتَّقُونِ﴾ ٥٢: فاحذرونِ. ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ أي: الأتباعُ ﴿أمرَهُم﴾: دِينَهم ﴿بَيْنَهُم زُبُرًا﴾: حالٌ من فاعل ((تقطّعوا))،
أي: أحزابًا مُتخالفين كاليهود والنصارى وغيرهما، ﴿كُلِّ حِزبٍ بِما لَدَيهِم﴾ أي: عِندَهم من الدِّين ﴿فَرِحُونَ﴾ ٥٣: مسرورون.
٣- ﴿فَذَرْهُم﴾: اتركْ كُفّار مكّة، ﴿فِي غَمْرتِهِم﴾: ضلالتهم، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ٥٤ أي: حين موتهم. ﴿أَيَحسِبُونَ أنَّ ما نُمِدُهُم بِهِ﴾: نُعطيهم، ﴿مِن
مالٍ وَبَنِينَ﴾ ٥٥ في الدنيا، ﴿نُسَارِعُ﴾: نُعجّل ﴿لَهُم في الخَيراتِ﴾؟ لا ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ ٥٦ أنّ ذلك استدراج لهم.
٤- ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِن خَشْبةِ رَبِّهِم﴾: خوفهم منه ﴿مُشفِقُونَ﴾ ٥٧: خائفون من عذابه، ﴿والَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِم﴾: القُرآن ﴿يُؤمِنُونَ﴾ ٥٨:
يُصدّقون، ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِم لا يُشرِكُونَ﴾ ٥٩ معه غيره، ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾: يُعطُون (ما آتَوا﴾: أعطَوا، من الصدقة والأعمال الصالحة،
﴿وَقُلُوبُهُم وَجِلةٌ﴾: خائفة ألّا تُقبل منهم، ﴿أَنَّهُم﴾ - يُقدّر قبله لام الجرّ - ﴿إِلَى رَبِّهِم راجِعُونَ ٦٠، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الخَيراتِ، وهُم لَها
سابِقُونَ﴾ ٦١ في عِلم الله.
(١) موسى: من أعظم أنبياء بني إسرائيل. وهارون: أخوه. والسلطان: التسلط يحمل على التصديق. والملأ: السادة الأشراف يملؤون المجالس بأجسامهم
والنفوس مهابة. واستكبر: تكلف ما ليس له من التعالي. والعالون: المتطاولون على الناس. ونؤمن له: نصدّقه. والبشر: الإنسان. انظر الآية ٢٤. وقومهما
هم بنو إسرائيل. والمهلكين: المحكوم عليهم بالإهلاك. وآتيناه: كلفناه بالدعوة والعمل. ويهتدون: يسترشدون إلى الحق. وجملة واحدة أي: دُفعة واحدة.
وجعلنا: صيّرنا. وعيسى: من أعظم أنبياء بني إسرائيل أيضًا، زعموا أنهم صلبوه. والآية: المعجزة الخارقة للعادة. وآويناه: ألجأناه، أي: يسّرنا له ذلك.
والقرار: الاستقرار والوقاية من العدوان.
(٢) النداء خطاب لجميع الرسل، وُجّه إلى كل منهم في حينه. وكلوا: تغذّوا وتمتعوا. والحلال: ما أحله الشرع. واعملوا: اكتسبوا بالنية والقول والفعل.
والصالح: ما يرضاه الله. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وملة الإسلام: ملتكم جميعًا على مر الزمن والشرائع المنزلة. وحال: يعني أن ((أمةً): حال من
أمتكم. ويريد بتخفيف النون قراءة ((أنْ)). وتقطعوه: قطعوه وجزؤوه. والأتباع: أتباع الرسل. وأمرهم: أمر دينهم الواحد. والزبر: جمع زُبْرة. وهي الفئة.
وغيرهما: غير الفئتين المذكورتين. والحزب: الجماعة من الناس يؤلف بينهم دين أو زعامة. وفرحون أي: مغتبطون بما هم فيه، ويسفّهون ماعليه غيرهم.
(٣) الغمرة: الماء يغمر القامة، استعيرت للجهالة والضلال. انظر آخر الآية ٢٥. ويحسبون: يظنون. ونمدهم به: نجعله لهم متاعًا وزينة. والمال: ما يملك
من النقد والمتاع والزينة. والبنون: الأولاد. والخيرات: ما ينفع. و((لا)) يعني: ليس الأمر كما يزعمون، ولسنا نسارع لهم بذلك إكرامًا. ولا يشعرون:
لا يحسون ولا يستفيدون من حواسهم لمعرفة الخير من الشر. فهم أحط من البهائم التي تستخدم حواسها في شؤونها .
(٤) الخوف: الفزع. والإشفاق يتضمن مع الخشية والفزع زيادة رقة وحذر وضعف. ومعه غيره أي: في العبادة والتقديس والطاعة. يعني أنهم يوحدونه
ويخلصون له. والقلوب: جمع قلب. وألّا تقبل أي: الأعمال الصالحة. وراجعون: مردودون بالبعث للحساب والجزاء، وهو يعلم ما يخفى عليهم من
مفسدات الأعمال. والخيرات: الأعمال الصالحة يرضاها الله مع النية الخالصة. ويسارعون فيها: يرغبون فيها أشد الرغبة فيبادرونها. ولها سابقون أي: إلى
نيلها يتقدمون غيرهم من الناس. وفي علم الله يعني: ماعلمه منذ الأزل قبل وقوعه، لما لديهم من إيمان وصلاح .

الجزء الثامن عشر
٣٤٦
٢٣ - سورة المؤمنون
١- ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسعَها﴾ أي: طاقتها، فمن لم يستطع أن يُصلّي قائمًا فليصلّ
جالسًا، ومن لم يستطع أن يصوم فليأكل، ﴿وَلَدَينا﴾: عِندنا ﴿كِتابٌ، يَنطِقُ بِالحَقِّ﴾
بما عملتْه - وهو اللوح المحفوظ تُسطّر فيه الأعمال - ﴿وهُم﴾ أي: النُّوس العاملة
﴿لا يُظلَّمُونَ﴾ ٦٢ شيئًا منها، فلا يُنقص من ثواب أعمال الخيرات، ولا يُزاد في
السيّئات. ﴿بَل قُلُوبُهُم﴾ أي: الكُفّارِ ﴿فِي غَمْرةٍ﴾: جهالة ﴿مِن هذا﴾ القُرآن، ﴿وَلَهُم
أعمالٌ مِن دُونِ ذُلِكَ﴾ المذكور للمُؤمنين، ﴿هُم لَها عامِلُونَ﴾ ٦٣ فيُعذّبون عليها .
٢- ﴿حَتَّى﴾: ابتدائيّةٌ ﴿إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِم﴾: أغنياءهم ورؤساءهم، ﴿بِالعَذابِ﴾:
أي: السيف يوم بدر، ﴿إِذا هُم يَجْأَرُونَ﴾ ٦٤: يضِجّون، ويقال لهم: ﴿لا تَجْأَرُوا
اليَومَ. إِنَّكُم مِنّا لا تُنصَرُونَ﴾ ٦٥: لا تُمنعون. ﴿قَد كانَتِ آياتِي﴾ من القُرآن ﴿تُتَلَى
عَلَيْكُم، فَكُنتُم عَلَى أعقابِكُم تَنكِصُونَ﴾ ٦٦: ترجِعون الفَهقَرى، ﴿مُستَكِبِرِينَ﴾ عن
الإيمان، ﴿بِهِ﴾ أي: بالبيت أو الحَرَم، بأنهم أهله في أمن، بخلاف سائر الناس في
مواطنهم، ﴿سامِرًا﴾: حالٌ أي: جماعةً، تتحدثون في الليل حول البيت
﴿تَهِجُرُونَ﴾ ٦٧، من الثلاثيّ: تتركون القرآن، ومن الرباعيّ أي: تقولون غير الحقّ
في النبيّ والقُرآن.
٣- قال تعالى: ﴿أَفَلَم يَدَّبَّرُوا﴾ - أصله ((يتدبّروا)) فأَدغمت التاء في الدال - ﴿القَولَ﴾
أي: القُرآن الدالّ على صِدق النبيّ؟ ﴿أم جاءَهُم ما لَم يأتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ ٦٨؟ أم لَم
يَعرِفُوا رَسُولَهُم، فهُم لَهُ مُنكِرُونَ ٦٩؟ أم يَقُولُونَ: بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ الاستفهام فيه للتقرير
بالحقّ، من صِدق النبيّ، ومجيء الرسل للأمم الماضية، ومعرفة رسولهم بالصِّدق
والأمانة، وأن لا جنون به.
◌ُّوَدَة المؤمنُونَ
الَّةُ الدَّصِبعَشِير
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ أَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ()
أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَّرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ (٦) وَلَا تُكَلِّفُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَتِنَ كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(١)
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةِ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا
عَمِلُونَ (٦) حَتَّى إِذَا أَخَذْ نَا مُتْرَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْتَّرُونَ
﴿ لَا تَجْتَرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُ مِنَّا لَاتَصَرُونَ (٥) قَدْكَانَتْءَايَتِى
نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْتَنكِصُونَ (٥) مُسْتَكْبِينَ
بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ ﴿ أَفَلَمْ يَذَّبَرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُممَّا لَمْيَأْتِ
ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٨َ أَمْلَمْ يَعْرِفُوْرَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكُرُونَ
(جَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَآءَ هُمْ بِآلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْلِْحَقِّ
كَزِهُونَ ﴿ وَلَوَ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ
وَاْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِرتَّ بَلْ أَنَيْنَهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنِ
ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴿٨َّأَمْنَسْئَلُهُمْ خَرْحَا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ
وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِرَاطِ لَتَكِبُونَ (®
٤ - ﴿بَل﴾: للانتقال ﴿جاءَهُم بِالحَقِّ﴾ أي: القُرآنِ المُشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام، ﴿وَأكثَرُهُم لِلحَقِّ کارِهُونَ ٧٠ - ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ﴾
أي: القُرآنُ ﴿أَهْواءَهُم﴾، بأن جاء بما يهوَونه من الشريك والولد لله - تعالى الله عن ذلك - ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أي:
خرجتْ عن نظامها المُشاهَد لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدّد الحاكم - ﴿بَل أتَيناهُم بِذِكرِهِم﴾ أي: بالقُرآن الذي فيه ذِكرهم وشرفهم،
﴿فَهُم عَن ذِكرِهِم مُعرِضُونَ﴾ ٧١.
٥- ﴿أم تَسأَلُهُم خَرْجًا﴾: أجرًا على ما جئتهم به من الإيمان؟ ﴿فخَراجُ رَبِّكَ﴾: أجره وثوابه ورِزقه ﴿خَيرٌ﴾ - وفي قراءة: ((خَرْجًا)» في
الموضعين، وفي قراءة أُخرى، ((خَراجًا)» فيهما - ﴿وَهْوَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ ٧٢: أفضل من أعطى وآجَرَ، ﴿وإنَّكَ لَتَدعُوهُم إلَى صِراطٍ﴾: طريق
﴿مُستَقِيمٍ﴾ ٧٣ أي: دِين الإسلام، ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾: بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أي: الطريق ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ ٧٤ :
عادلون .
(١) نكلف: نلزم ونحمّل. والنفس: الإنسان. وطاقتها: ما تطيق القيام به دون مشقة. وذكر الصلاة والصوم تمثيل للبيان. وينطق: يبين ويظهر. والحق: الصدق
والعدل مما حصل. واللوح المحفوظ كتاب عظيم فيه ما كان وما يكون في الوجود. ويظلم: يجار عليه في الحكم والحساب. والقلوب: جمع قلب. والغمرة:
ما يغمر ويمنع من التدبر، كالموج الطاغي. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسبه الإنسان بالقلب أو اللسان أو الجوارح. ودونه أي: مضاد له. ولها عاملون
أي: لها معتادون ولا يُفطمون عنها. (٢) أخذناهم: عاقبناهم. وكان على المحلي أن يفسر العذاب بما في الآخرة لا بالسيف، لأن الآية مكية. ويضجون أي:
بالدعاء والاستغاثة. انظر تعليقنا على تفسير الآيات ٩٥-٩٧. واليوم: هذا الوقت. وتتلى: تقرأ. والأعقاب: جمع عَقِب. وهو الدبر. والقهقرى: المشي إلى
جهة الخلف. والمستكبر: من يظهر ماليس له من الترفع. وسامرًا أي: سامرين. وتهجرون: تُعرِضون عنه وتكذبونه. والرباعي: أهجَرَ. يريد القراءة «تُهجِرُونَ)).
انظر ((المفصل)). (٣) يتدبره: يفكر فيه ليستدل على صحته وصدق ناقله. وجاءهم: بلغهم من الوحي. ويأتيه: يصل إليه ويكلف به. والآباء: جمع أب. ويطلق
على الجد أيضًا. والأولون: الأقدمون من العرب. فقد روي أن بعض القدماء، من مثل عدنان ومعد وربيعة ومضر وخُزيمة وأسد وتُبّع، كانوا مسلمين على مِّة
إبراهيم. فتح الباري ٢٠٨:٧. ولم يعرفوه: لا يعلمون مكانته فيهم وصدقه وأمانته. والمنكر: المكذب. والجنة: حالة من الجنون. (٤) الانتقال أي: من جملة
إلى أخرى من دون إبطال لما قبل. وجاءهم: أتاهم وبلّغهم. واتبعها: وافقها واستجاب لها في مزاعمها. والأهواء: جمع هوى. وهو ميل النفس إلى الشهوة.
وفسدت: اضطربت وتدمرت. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والمراد جميع عوالم الكون. ومن فيهن: المخلوقات كلها، غُلّب فيه العاقل على
غيره. وأتيناهم: أنزلنا إليهم الوحي والتكليف. والمعرض: المتولي نفورًا وعداوة. (٥) تسألهم: تطلب منهم وتريد. والخراج أبلغ من الخرج، لأنه يلزم دفعه
مرارًا، في حين أن الخرج يدفع مرة واحدة. وخير: أكثر نفعًا. وفي الموضعين يعني: بسكون الراء، أي: القراءة ((خَرْجًا. فخَرْجُ)). وفي قراءة أخرى يعني:
بألف بعد الراء، أي: ((خَراجًا. فخَراجُ)». وهو أي: الله تعالى. والرازق: من يعطي غيره. وتدعوهم: تحثهم وتحضهم. والمستقيم: المعتدل لا اضطراب فيه
ولا زيغ. ولا يؤمن: يكذّب وينكر. وعادلون: خارجون عن الطريق المستقيم الذي هو الإسلام، لأن إنكار البعث كفر صراح.

٢٣ - سورة المؤمنون
٣٤٧
الجزء الثامن عشر
سُورَة المُؤمِنُونَ
٠
وَلَوْرَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنِ ضُرِ لَّلَجُوا فِي طُغْيَنِهِمْ
يَعْمَهُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوْلِرَبِهِمْ
وَمَا يَنَضَرَّعُونَ (٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًاذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ
إِذَاهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَلَكُمُالسَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ
وَالْأَفْئِدَةُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿ وَهُوَالَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِ الْأَرْضِ
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يُحِى، وَيُمِيتُ وَلَهُ أُخْتِلَفُ
اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَاقَالَ
اُلْأَوَّلُونَ ﴾ قَالُواْ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَعِنَا
لَمَّبْعُوُثُونَ ﴿ لَقَدْ وُ عِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآَ
إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن
كُنتُمُ تَعْلَمُونَ (٥٩) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
١٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ،
مَلَكُوتُ كُلِّشَىْءٍ وَهُوَ يُجِبُرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِإِن
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إَِّ
١- ﴿وَلَوَ رَحِمْنَاهُم، وكَشَفْنا ما بِهِم مِن ضُرِّ﴾ أي: جُوع أصابهم بمكّة سبعَ
سنين، ﴿لَلَجُوا﴾: تمادَوا ﴿فِي طُغيانِهِم﴾: ضلالتهم ﴿يَعمَهُونَ﴾ ٧٥ :
يتردّدون. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُم بِالعَذابِ﴾: الجُوعِ، ﴿فَما استكانُوا﴾: تواضعوا
﴿لِرَبِّهِم، وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ٧٦: يرغبون إلى الله بالدعاء. ﴿حَتَّى﴾: ابتدائيّةٌ ﴿إذا فَتَحْنا
عَلَيهِم بابًا ذا﴾: صاحبَ ﴿عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، هو يوم بدر بالقتل، ﴿إِذا هُم فِيهِ
مُبِلِسُونَ﴾ ٧٧ : آيسون من كُلّ خير.
٢- ﴿وَهْوَ الَّذِي أَنشَأَ﴾: خلق ﴿لَكُمُ السَّمعَ﴾ بمعنى الأسماعِ، ﴿والأبصارَ
والأفئِدةَ﴾: القُلوب - ﴿قَلِيلًا ما﴾: تأكيد للقِلّة ﴿تَشْكُرُونَ ٧٨ - وَهْوَ الَّذِي ذَرَأَكُم﴾:
خلقكم ﴿في الأرضِ، وإِلَيهِ تُحشَرُونَ﴾ ٧٩ : تُبعثون، ﴿وهْوَ الَّذِي يُحيِي﴾ بنفخ الروح
في المُضغة ﴿وَيُمِيتُ، ولَهُ اختلافُ اللَّيلِ والنَّهارِ﴾ بالسوادِ والبياض، والزيادةِ
والنُّقصان. ﴿أفلا تَعقِلُونَ﴾ ٨٠ صُنعه تعالى فتعتبرون؟
٣- ﴿بَل قالُوا مِثْلَما قالَ الأَوَّلُونَ ٨١، قالُوا﴾ أي: الأوّلون: ﴿أإذا مُتْنا، وكُنّا تُرابًا
وعِظامًا، ألّا لَمَبِعُوثُونَ﴾ ٨٢؟ لا. وفي الهمزتين التحقيقُ في الموضعين، وتسهيلُ
الثانية، وإدخالُ ألف بينهما على الوجهين. ﴿لَقَد وُعِدْنا نَحنُ وآبَاؤُنا هذا﴾ أي:
البعثَ بعد الموت، ﴿مِن قَبلُ. إن﴾: ما ﴿هذا إلّا أساطِيرُ﴾: أكاذيبُ ﴿الأوَّلِينَ﴾ ٨٣
كالأضاحيك والأعاجيب، جمع أسطورة بالضمّ.
٤- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لِمَنِ الأرضُ ومَن فِيها﴾ من الخلق، ﴿إِن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾ ٨٤
خالقها ومالكها؟ ﴿سَيَقُولُونَ: لِلّهِ. قُلْ﴾ لهم: ﴿أفلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ٨٥، بإدغام التاء في الذال: تتّعظون، فتعلمون أنّ القادر على الخلق ابتداءً قادرٌ
على الإحياء بعد الموت؟ ﴿قُلْ: مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبعِ، وَرَبُّ العَرشِ العَظِيمِ﴾ ٨٦: الكرسيّ؟ ﴿سَيَقُولُونَ: اللهُ. قُلْ: أفلا تَتَّقُونَ﴾ ٨٧ :
تحذرون عِبادة غيره؟ ﴿قُلْ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ﴾: مُلكُ ﴿كُلِّ شَيءٍ﴾ - والتاء للمُبالَغَة - ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ علَيهِ﴾: يَحمي ولا يُحمَى عليه،
﴿إِن كُنتُم تَعلَمُونَ ٨٨؟ سَيَقُولُونَ: اللهُ﴾. وفي قراءة: ((لِ)) بلام الجرّ في الموضعين، نظرًا إلى أنّ المعنى: مَن له ما ذُكر؟ ﴿قُلْ: فأَنَّى
تُسحَرُونَ﴾ ٨٩: تُخدَعون وتُصرَفُون عن الحقّ، عِبادةِ الله وحده؟ أي: كيف يُخيّل لكم أنه باطل؟
(١) رحمناهم: عطفنا عليهم فأكرمناهم. وكشف: أزال. والضر: ما يؤذي. وجوع: انظر ((المفصل)). والمناسب لكون الآيات مكية أن يراد بالضر عذاب
الآخرة، أي: لو رحمناهم يوم القيامة، ورددناهم إلى الدنيا ليتوبوا، لعادوا إلى شدة لجاجهم. والعَمَه: تردّد مع حيرة واضطراب. وأخذناهم: عاقبناهم.
وفتحنا الباب: أزلنا إغلاقه وأطلقنا ما وراءه. والشديد: القوي الفظيع. وذكر يوم بدر هنا يشبه ماعلقنا عليه في الآية ٦٤. فالمناسب لكون الآية مكية أن يكون
هذا العذاب الشديد في الآخرة. انظر الفتح القدير ٦٩٢:٣-٦٩٨ وتفسير الآلوسي ١٨ : ٨٢ -٨٤.
(٢) السمع: الحاسة التي تدرك الأصوات. والأبصار: جمع بصر، وهو العين. والأفئدة: جمع فؤاد. وقليلًا ما تشكرون أي: ما أقلّ شكرَكم له ! وتشكر:
تستحضر النعمة في نفسك وتُظهرها وتُثني على منعمها بالقلب واللسان والعمل. وإليه: إلى لقاء حسابه. والاختلاف: التعاقب والتباين والتضاد. وتعقل:
تستعمل عقلك للاستدلال والإيمان.
(٣) الأولون: آباؤهم وأجدادهم من الأمم المهلكة. وكنا: صرنا. وانظر الآية ٣٦. والمبعوث: الذي أحيي بعد الموت للحساب والجزاء. و((لا)) أي: هذا
محال لا يكون. والموضعان أي: ((أإذا)) و((أإنّا)). والثانية: همزة ((إذا)) وهمزة ((إن)). وعلى الوجهين أي: على تحقيق الثانية وعلى تسهيلها بين الهمزة والياء.
فالقراءات هنا أربع في الموضعين، وكل منها في الأول تكون مع نظيرتها في الثاني. وانظر الآية ٥ من سورة الرعد. ووُعدنا هذا: هُدّدنا به وأنذرنا، ولم
يتحقق ما فيه، لأن من مضى لم يعد إلى الحياة. والآباء: جمع أب. ويطلق على الجد أيضًا. والأسطورة: ما يُسطر في الكتب أو الأذهان من الترهات
والأباطيل .
(٤) الاستفهام في الآيات ٨٤ و٨٦ و٨٨ لتقرير الكافرين، والإجابات الثلاث إخبار من الله بما سيقع منهم قبل حصوله. والخلق: المخلوقات. وتعلمون:
تدرون يقينًا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. والسماوات: جمع سماء. وهي مايحيط بالأرض من عوالم علوية. والعرش غير الكرسي
وأعظم منه، مخلوق كريم يحيط بالسماوات والأرض وسائر الخلق، ولا يعلم حقيقته إلّا الله، عز وجل. والعظيم: الكبير الفخم لامثيل له. وتحذرون عبادة
غيره أي: وتخلصون العبادة له وحده. وبيده أي: في قبضته تحت تصرفه وقدرته وأمره وحده. واليد صفة من صفات المولى - تعالى - وصف بها نفسه كما
يليق بعظمته وجلاله، نذكرها من دون تمثيل أو تقريب أو تعطيل. والشيء: ما هو موجود أو محتمل الوجود. وفي الأصل وع وقرة العينين: ((ولا يحمى عنه)).
وفي الموضعين أي: الآيتين ٨٧ و٨٩. وأنه أي: الإيمان بالتوحيد والبعث.

الجزء الثامن عشر
٣٤٨
٢٣ - سورة المؤمنون
١ - ﴿بَل أتَيناهُم بِالحَقِّ﴾: بالصِّدق، ﴿وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ٩٠ في نفيه. وهو: ﴿ما اتَّخَذَ
اللهُ مِن وَلَدٍ، وما كانَ مَعَهُ مِن إِلَهِ. إذًا﴾ أي: لو كان معه إلّه ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَّهِ بِما
خَلَقَ﴾: انفرد به، ومنعَ الآخَرَ من الاستيلاء عليه، ﴿وَلَعَلا بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ﴾
مُغالبةً، كفعل مُلوك الدنيا. ﴿سُبحانَ اللهِ﴾: تنزيهًا له (عَمّا بِصِفُونَ﴾ ٩١» به ممّا ذُكر!
﴿عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾: ما غاب وما شُوهد. بالجرِّ: صفةٌ، والرفعِ: خبرُ ((هو))
مُقدّرًاَ، ﴿فَتَعالَى﴾: تعظّم ﴿عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ٩٩٢ معه.
٢ - ﴿قُلْ: رَبِّ، إمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) الزائدة - ﴿تُرِيَنِّي ما
يُوعَدُونَ﴾ ٩٣» من العذاب - هو صادق بالقتل ببدر - ﴿رَبِّ، فلا تَجعَلْنِي في القَومِ
الظَّالِمِينَ﴾ ٩٤ فأهلِكَ بهلاكهم. ﴿وإنّا عَلَى أن نُرِيَكَ ما نَعِدُهُم لَقَادِرُونَ﴾ ٩٥.
٣- ﴿ادفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسَنُ﴾ أي: الخَلّةِ، من الصفح والإعراض عنهم، ﴿السَّيِّئَةَ﴾
أذاهم إياك. وهذا قبل الأمر بالقتال - ﴿نَحنُ أعلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ ٩٦ أي: يكذبون
ويقولون، فنُجازيهم عليه - ﴿وقُلْ: رَبِّ، أعُوذُ﴾: أعتصم ﴿بِكَ مِن هَمَزاتِ
الشَّيَاطِينِ﴾ ٩٧: نزَغاتهم ممّا يُؤَسْوِسون به، ﴿وأعُوذُ بِكَ - رَبِّ - أن يَحضُرُونِ﴾ ٩٨
في أُموري، لأنهم إنما يحضرون بسوء.
سُورَةِ المُؤمِنُونَ
بَلْ أَنَّيْنَهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدِ
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا
ضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ لَّا عَلِمِ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِرَّ .
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿﴿ قُل رَّبِّ
إِمَّا تُرِيَنِّي مَايُوعَدُونَ ا رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِ فِىِ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ مَانَعِدُ هُمْ لَقَدِرُونَ (هـ
أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (ج)
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ
أُرَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿ حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ
أَرْجِعُونِ ﴿٣) لَعَلَّى أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَكْتُ كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِمْ بََّخُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ فَإِذَانُفِخَ
فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ لَّ
فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [َهُوَمَنْ
خَقَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْأَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ
خَلِدُونَ (٣٦) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُوَهُمْ فِهَا كَالِحُونَ ﴿
٤ - ﴿حَتَّى﴾: ابتدائيّةٌ ﴿إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوتُ﴾، ورأى مقعده من النار، ومقعده من
الجنّة لو آمن، ﴿قالَ: رَبِّ، ارجِعُونِ﴾ ٩٩ - الجمعُ للتعظيم - ﴿لَعَلَِّ أعْمَلُ
صالِحًا﴾، بأن أشهد أن لا إله إلّا الله، يكونُ ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: ضيّعتُ من عُمري،
أي: في مُقابلته. قال تعالى: ﴿كَلّ﴾ أي: لا رُجوعَ، ﴿إِنَّها﴾ أي «رَبِّ ارجِعُونِ)) ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قائلُها﴾، ولا فائدة له فيها، ﴿ومِن وَرائهِمِ﴾:
أمامِهم ﴿بَرَزَخٌ﴾: حاجز يصدّهم عن الرجوع ﴿إِلَى يَومٍ يُبعَثُونَ﴾ ١٠٠، ولا رُجوع بعده.
٥ - ﴿فإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾: القرنِ النفخةَ الأولى أو الثانيةَ ﴿فلا أنسابَ بَينَهُم يَومَئذٍ﴾ يتفاخرون بها، ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ١٠١ عنها، خِلافَ حالهم
في الدنيا، لما يشغلهم من عِظم الأمر عن ذلك، في بعض مواطن القيامة، وفي بعضها يُفيقون، وفي آية ((وأقبَلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ يَتَسَاءَلُونَ)) .
٦- ﴿فَمَن تَقْلَتْ مَوازِينُهُ﴾ بالحسنات ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ١٠٢: الفائزون، ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بالسيئات ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا
أنفُسَهُم﴾، فهم ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ١٠٣، تَلفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾: تُحرقها، ﴿وهُم فِيها كالِحُونَ﴾ ١٠٤ : شُمّرتْ شِفاههم العُليا والسُّفلى عن
أسنانهم، ويقال لهم: ﴿أَلَم تَكُنْ آيَاتِي﴾، من القُرآن، (تُتَلَى عَلَيْكُم﴾ تُخوَّفُون بها، ﴿فَكُنتُم بِها تُكَذِّبُونَ ١٠٥؟ قالُوا: رَبَّنَا، غَلَبَتْ عَلَينا شِقْوَتُنَا﴾
(١) أتيناهم: بلّغناهم. انظر الآية ٧١. وهو أي: التوحيد والبعث. واتخذ: صنع لنفسه. والولد: الذكر أو الأنثى. انظر ((المفصل)). والإله: المعبود بحق.
وخلق أي: أنشأه من العدم. وعلا: تسلط. وبعضهم: الواحد منهم أو الأكثر. وما يصفونه: ما يذكرونه من الصفات الباطلة. والعالم: المحيط بالشيء. وما
شوهد: ماتدركه الحواس أو العقول. وبالرفع يريد القراءة ((عالِمُ)). ويشركونه معه: يجعلونه ندًا في العبادة والطاعة.
(٢) رب أي: ياربي. وترينّي: تبصّرَنّ عِيانًا. وما يوعدون: ما يهددون به. ورب: توكيد لفظي لنظيره قبل. وتجعل: تصيّر. والظالم: الكافر. وقادرون:
متمكنون من ذلك ولا يمنعنا منه أحد.
(٣) ادفعها: قابلها وجازها. والأحسن: أفضل المعاملة. والنسخ المذكور بالقتال ليس لازمًا لأن المداراة محثوث عليها دائمًا، ما لم يكن فيها ثلم المروءة أو
دين أو حق للأمة. وأعلم: أكثر إحاطة ودراية من جميع الخلق. والهمْزة: الدفعة، أي: الإغراء بالشر. والشيطان: من يغري بالباطل من الإنس والجن.
ويحضرونِ: يجيئوني ويحوموا حولي.
(٤) جاءه: لابسه برؤية ملك الموت. وارجعون: أعيدوني إلى الحياة. وللتعظيم: يعني أن الواو في ((ارجعون)) هو ضمير العظمة. ولعلي أي: ليكون لي.
وأعمل: أكتسب. والصالح: ما يرضاه الله. ومقابلته: مقابل الكفر الذي ضيعت عمري به. والكلمة: العبارة الكاملة. ويبعثون: يخرجون من القبور للحساب
والجزاء.
(٥) نفخ: دفع الهواء ليكون صوت عظيم. والأولى حين يفنى الخلق، والثانية حين يبعثون للحساب. والأنساب: جمع نسب. وهو القرابة. وفي آية: يعني
الآيتين ٢٧ من سورة الصافات و٢٥ من سورة الطور. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فأقبل))، وهو في الآية ٥٠ من سورة الصافات.
(٦) ثقلت: كان لها وزن يرجح على السيئات. والموازين: جمع موزون. وهو ما يكون له قدر من النية والقول والفعل. وخفت: ضعُفت بتغلب السيئات.
وخسروها: ضيعوها بعدم الإيمان. والخالد: المقيم أبدًا. وفيها: في جهنم. وتتلى: تقرأ وتبين. وتكذب بها: تنكرها. وغلبت علينا: استبدت بنا. والشقوة
والشقاوة: التعاسة وسوء العاقبة. والضال: الخارج المنصرف. وأخرجْنا: أنقذنا. ومنها: من جهنم. وعدنا: رجعنا. وظالمون: متجاوزون الحد في
العدوان، حيث نكرر العصيان ونظلم أنفسنا ثانية.

٢٣ - سورة المؤمنون
٣٤٩
الجزء الثامن عشر
سُورَة المؤمنُون
الجزء القَّصَ احِشَر
أَلَمَّ تَكُنْ ءَايَتِى تُثْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٥) قَالُواْ
رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِيْنَ الَرَبَّنَآ
أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَا ظَلِمُونَ (١٦) قَالَ أَخْسَُواْ فِيهَا
وَلَ تُكَلِّمُونِ (١٦) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآَ
فَاتَّخَذْ تُمُوهُمْ
ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ (إِ
سِخْرِ يَّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمِ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [﴾
إِنّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآبِزُونَ [٤] قَلَ
كَمْ لِثْتُمْ فِىِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١٨) قَالُوْلَبِتْنَا يَوْمَا أَوْ بَعَّضَ
قَالَ إِ لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاً لَّوَأَنَكُمْ
يَوْمِ فَسَلِ الْعَآدِينَ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَيَثًا وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ؟ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكَ الْحَقَّ لَا إِلَهَ إِلَّا
وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا
هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَرَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اُلْكَفِرُونَ (٣) وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِمِينَ [َ)
سُورَةُ السَّنّورِ
- وفي قراءةٍ: ((شَقاوتُنا)) بفتح أوله وألفٍ، وهما مصدران بمعنَى - ﴿وَكُنّا قَومًا
ضالِينَ﴾ ١٠٦ عن الهِداية. ﴿رَبَّنا، أخرِجْنا مِنها. فإن عُدْنا﴾ إلى المُخالفة ﴿فإنّا
ظالِمُونَ﴾ ١٠٧ .
١- ﴿قَالَ﴾ لهم بلسان مالِكِ، بعد قَدْر الدنيا مرّتين: ﴿اخسَؤُوا فِيها﴾: ابعُدوا في
النار أذلاء، ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ١٠٨ في رفع العذاب عنكم. فينقطع رجاؤهم. ﴿إِنَّهُ كانَ
فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ - هم المهاجرون - ﴿يَقُولُونَ: رَبَّنا، آمَنًا. فاغفِرْ لَنا وارحَمْنا.
وأنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ ١٠٩. فانَّخَذْتُمُوهُم سُخرِيًّا﴾، بضمّ السين وكسرها: مصدرٌ
بمعنى الهُزء، منهم: بلال وصُهيب وعمّار وسلمان، ﴿حَتَّى أنسَوكُم ذِكرِي﴾،
فتركتموه لاشتغالكم بالاستهزاء بهم - فهم سبب الإنساء فنُسب إليهم - ﴿وكُنتُم مِنْهُم
تَضْحَكُونَ ١١٠. إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَومَ﴾ النعيمَ المُقيم، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على استهزائكم
بهم وأذاكم إياهم. ﴿إِنَّهُم﴾ - بكسرِ الهمزة - ﴿هُمُ الفائزُونَ﴾ ١١١ بمطلوبهم.
استئناف، وبفتحِها: مفعول ثان لـ ((جزيتهم)).
٢- ﴿قَالَ﴾ تعالى لهم بلسان مالكِ، وفي قراءةٍ ((قُلْ)): ﴿كَم لَبِثُم في الأرضِ﴾: في
الدنيا وفي قُبوركم، ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ ١١٢؟ تمييز. ﴿قالُوا: لَبِثْنَا يَومًا أو بَعضَ يَوم﴾.
شَكّوا في ذلك واستقصروه، لعِظم ما هم فيه من العذاب. ﴿فاسألِ العادِّينَ﴾ ١١٣ أَي:
الملائكةَ المُحصِينَ أعمالَ الخلق. ﴿قَالَ﴾ تعالى بلسان مالك، وفي قراءة ((قُلْ)»:
﴿إِن﴾ أي: ما ﴿لَبِثُم إلّا قَلِيلًا. لَو أنَّكُم كُنتُم تَعلَّمُونَ﴾ ١١٤ مِقدار لَبثكم، من الطول،
كان قليلاً بالنسبة إلى لَبثكم في النار. ﴿أفحَسِبتُم أنَّمَا خَلَقْنَاكُم عَبَثًا﴾ لا لحِكمة، ﴿وَأَنَّكُم إلَينا لا تَرجِعُونَ﴾ ١١٥ بالبناء للفاعل والمفعول؟ لا بل
لِنَتعبّدَكم بالأمر والنهي، وتَرجِعوا إلينا، ونُجازيَ على ذلك: ((وما خَلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ)).
٣- ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ عن العبث وغيره، ممّا لا يليق به، ﴿المَلِكُ الحَقُّ، لا إلهَ إلَّا هُوَ رَبُّ العَرشِ الكَرِيمِ﴾ ١١٦: الكرسيّ، هو السرير الحَسَن،
﴿ومَن يَدِعُ مَعَ اللهِ إِلَّهَا آخَرَ، لا بُرهانَ لَهُ بِهِ﴾: صفةٌ كاشفة لا مفهوم لها، ﴿فإنَّما حِسابُهُ﴾: جزاؤه ﴿عِنَدَ رَبِّهِ. إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ١١٧ : لا
يَسعدون. ﴿وَقُلْ: رَبِّ، اغفِرْ وارحَمْ﴾ المؤمنين. في الرحمة زِيادة على المغفرة. ﴿وأنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ١١٨: أفضلُ رحمةَ راحمٍ.
سورة النُّور
مدنيّة، وهي ثنتان أو أربع وستون آية .
(١) مالك: اسم خازن جهنم. ولا تكلمون: لا تعودوا إلى سؤالي. والفريق: الجماعة. والعباد: جمع عبد. والمهاجرون أي: قبل هجرتهم حين كانوا في
مكة. واغفر لنا: استر ذنوبنا ولا تؤاخذنا بها. وارحمنا: اعطف علينا بالعفو. وخيرهم: أفضلهم لأن رحمتك واسعة ودائمة. واتخذ: جعل. وبكسرها يريد
القراءة ((سِخرِيًّا)). وذكرُ سلمان سهو، لأنه أسلم في المدينة، ولا يناسب ذكره بين المهاجرين. وأنسوكم: شغلكم الاستهزاء بهم. وذكري: أن تذكروني
وتخافوني في أوليائي. وتضحك: تستهزئ. وجزاه: قابل عمله وأثابه. واليوم: في هذا الوقت. وصبر: تحمل. وبفتحها يريد القراءة ((أنّهُم)).
(٢) الأمر بـ ((قل)) هنا وفي الآية ١١٤ موجه إلى مالك، أي: سلهم. وفي المنحة: ((وفي قراءة أيضًا قل لهم)). ولبث: بقي. والعدد: مايعد. والتمييز هو
((عددَ)). وبعض اليوم: جزء منه. واسأل: استخبر واستفهم. والعاد: الذي يضبط الحسبة. وتعلمون: تدرون باليقين. وحسب: ظن. وخلق: أنشأ من العدم.
والعبث: اللهو بما لاغرض له. وإلينا: إلى ما هدّدناكم به. وللمفعول يريد القراءة ((لا تُرجَعُونَ)) أي: لا تعادون بالبعث. ونتعبدكم أي: نكلفكم العمل. وما
خلقت: انظر الآية ٥٦ من سورة الذاريات.
(٣) تعالى: تعاظم في ذاته وصفاته وأفعاله. والملك: المالك لكل الخلق. والحق: الثابت أزلًا وأبدًا في تملكه، لأن غيره مملوك له ومالك لبعض الأمور
عرَضًا. والكريم: المكرّم المعظّم. والعرش أعظم من الكرسي وأشمل. انظر الآية ٨٦. ويدعو: يعبد ويطيع. والإله: المعبود المطاع. والآخر: المغاير.
والبرهان: الدليل القطعي. ولا مفهوم لها أي: ليست للاحتراز من أن يكون هناك إله آخر يقوم عليه برهان. بل المراد: لا يكون الإله، المدعو من دون الله،
إلّا بدون برهان. فمحال وجود الشريك. والكافر: من كذّب الله ورسوله بقلبه أو قوله أو عمله. ورب أي: ياربي. حذف حرفُ النداء مبالغة في التعظيم، لِما
فيه من معنى الأمر والتنبيه، وياءُ المتكلم للتخفيف. واغفر: امح الذنوب ولا تؤاخذ عليها. وارحم: أوصل العطف بالتسديد، والتوفيق في القول والعمل. وفي
المنحة وبعض المطبوعات: ((زيادة عن المغفرة)). وفي الأصل: ((أفضل رحمةٍ)). ث: ((أفضل رحمةً)). وسقط ((رحمة)) من ع وقرة العينين والمنحة والمطبوعات.

الجزء الثامن عشر
٣٥٠
٢٤ - سورة النُّور
بِسْمِ اللَّهِ الََِّ الرَّحِيمِ
ثلاثة أرباع
الخرب
٣٥
١- هذه ﴿سُورَةٌ، أَنزَلْناها وفَرَضْناها﴾ - مُخفّفًا، ومُشدّدًا لكثرة المفروض فيها
- ﴿وَأَنزَلْنَا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: واضحاتِ الدلالة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّتَّرُونَ﴾ ١،
بإدغام التاء الثانية في الذال، أي: تتّعظون. ﴿الزّانِيةُ والزّانِي﴾ أي: غيرُ
المحصَنَينِ لرجمهما بالسُّنّة، ((وأل)) فيما ذُكر: موصولة، وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط
دخلت الفاء في خبره، وهو: ﴿فاجلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدةٍ﴾ أي: ضربةٍ -
يقال: جَلَدَه: ضَرَبَ جِلدَه. ويُزاد على ذلك بالسُّنّةِ تغريبُ عام، والرقيقُ على النّصف
ممّا ذُكر - ﴿ولا تأخُذْكُم بِهِما رأْفَةٌ في دِينِ اللهِ﴾ أي: حُكمِه، بأن تتركوا شيئًا من
حدّهما، ﴿إِن كُنتُم تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ﴾ أي: يوم البعث - في هذا تحريض على
ما قبلَ الشرط، وهو جوابه أو دالٌ على جوابه - ﴿وَلْيَشهَدْ عَذَابَهُما﴾ أي: الجَلدَ
﴿طائفةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ٢. قيل: ثلاثةٌ، وقيل: أربعةٌ عدَدُ شهود الزنى.
٢- ﴿الزّانِي لا يَنكِحُ﴾: يتزوّجُ ﴿إِلّا زانِيةً أو مُشرِكةً، والزّانِيةُ لا يَنكِحُها إلّا زانٍ أو
مُشرِكٌ﴾ أي: المناسبُ لكُلّ منهما ما ذُكر. ﴿وَحُرِّمَ ذُلِكَ﴾ أي: نِكاحُ الزواني ﴿عَلَى
المُؤمِنِينَ﴾ ٣ الأخيار. نزل ذلك، لمّا همَّ فُقراء المُهاجرين أن يتزوّجوا بَغايا
المشركين، وهنّ مُوسرات، ليُنفِقْنَ عليهم. فقيل: التحريم خاصّ بهم، وقيل: عامّ
ونُسخ بقوله: ((وأنكِحُوا الأيامَى مِنكُم)).
الجزء التَحَّ عَشِير
سُورَة النّا
بِسِْلَهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْتَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَآءَايَتٍ بَيْنَتِ لَّعَلَّكُمْنَذَّكَّرُونَ
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِ فَاجْلِدُ واْكُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَدْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ
بِمَارَأْفَةٌ فِ دِنِالَّهِإِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّوَليَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٥الَِّلَ يَنْكِحُ إِلَّا زَائِبَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّزَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْيَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ
فَأَجْلِدُ وهُمْثَنِينَ جَدْدَةً وَلَنَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدَّا وَأُوْلَكَ هُمُ
اَلْفَاسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّيْنَتَابُوْمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُإِلَّ أَنفُسُهُمْ
فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ
وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَيَدْرَؤُأ
عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ
﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
٣- ﴿وَالَّذِينَ يَرِمُونَ المُحصَناتِ﴾: العفيفات بالزنى، ﴿ثُمَّ لَم يأْتُوا بِأَربَعةِ شُهَداءَ﴾
على زناهنّ برؤيتهم، ﴿فاجلِدُوهُم﴾ أي: كُلَّ واحد منهم ﴿ثَمانِينَ جَلْدةَ، ولا تَقبَلُوا
لَهُم شَهادةً﴾ في شيء ﴿أَبَدًا، وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾؛ لاتيانهم كبيرةً، ﴿إِلّ الَّذِينَ تابُوا مِن بَعدِ ذُلِكَ وأصلَحُوا﴾ عملهم. ﴿فإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم
قذفَهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٥ بهم بإلهامهم التوبةَ. فبها ينتهي فِسقهم، وتُقبل شهادتهم. وقيل: لا تُقبل، رُجوعًا بالاستثناء إلى الجُملة الأخيرة.
٤- ﴿وَالَّذِينَ يَرِمُونَ أزواجَهُم﴾ بالزنى، ﴿وَلَم يَكُن لَهُم شُهَداءُ﴾ عليه ﴿إلّا أَنفُسُهُم﴾ - وقع ذلك لجماعة من الصحابة - ﴿فشَهادةُ أحَدِهِم﴾:
مبتدأ ﴿أُربَعَ شَهاداتٍ﴾: نصبٌ على المصدر ﴿بِاللهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٦ فيما رمى به زوجته من الزنى، ﴿والخامِسُ أنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيهِ، إن كانَ
مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ٧ في ذلك - وخبر المبتدأ: تدفع عنه حدَّ القذف - ﴿ويَدْرأْ﴾: يدفع ﴿عَنها العَذابَ﴾، أي: حدَّ الزنى الذي ثَبَتَ بشهاداته، ﴿أن
تَشْهَدَ أربَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ٨ فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيها، إن كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ٩ في ذلك.
(١) السورة: آيات لها بدء وختام محددة بالسُّنّة. وأنزلناها: أوحيناها على لسان جبريل إلى النبي ليبلغكم إياها. وفرضناها: أوجبنا ما فيها من أحكام إيجابًا
قطعيًا. ومشددًا يريد القراءة ((وفَرَّضْناها)). والآيات: آيات القرآن. وتكرار الإنزال، مع استلزام نزول السورة لنزول آياتها، هو لكمال العناية بشأنها. والدلالة:
البيان. وفي المطبوعات: ((الدلالات)). والزانية: التي ترتكب فاحشة الزنى برضا. والمحصن: المتزوج. يعني أن السُّنّة ميّزت حكم الزاني المتزوج، بأنه
الرجم حتى الموت. ولشبهه بالشرط أي: لشبه الموصول بالشرط في معنى العموم والترتب. وخبره أي: جملة ((اجلدوا)): في محل رفع خبر للمبتدأ. ومنهما :
من الزاني والزانية. وعلى ذلك: على الجلد. وتغريب عام: إبعاد عن البلد مدة عام. والرقيق: المملوك من الذكور أو الإناث. ومما ذكر أي: من الجلد
والتغريب. وتأخذكم: تؤثر فيكم. والرأفة: الرحمة. أي: لا تعطلوا الحدود، ولا تتهاونوا في إقامتها كاملة. وتؤمن به: تصدّقه وتقر بقلبك ما يوجبه. واليوم:
الزمن. ويشهده: يراه عيانًا. والطائفة: الجماعة ما فوق الاثنين. (٢) المشرك: الذي يقدس ويطيع غير الله. والمناسب لكل منهما ما ذكر: يعني أن المراد
بالحصر هنا هو الحكم الأعم الأغلب، لأن الزاني غالبًا ما لا يرغب في نكاح الصالحة، وإنما يرغب في نكاح من هي مثله. وكذلك شأن الزانية. وحرم:
جعل محرمًا تحريمًا قطعيًا. ونزل: انظر الواحدي ص ٣٢٦-٣٢٧ والدر المنثور ١٩:٥. وبقوله يعني: الآية ٣٢. والأيامى: جمع أيّم. ويطلق على الرجل
والمرأة غير المتزوجَين. (٣) يرميها: يشتمها بنحو: يازانية. والمحصنة: الأنثى المسلمة المكلفة الحرة العفيفة. ويأتي به: يحضره. والشهداء: جمع شهيد.
وبرؤيتهم أي: بأنهم رأوا الزنى بالمعاينة البليغة. وتقبل: ترضى. والشهادة: الخبر والقول للقضاء في الأمور. وأبدًا: مدة حياة المذكور أو مدة إصراره على
عدم التوبة. والفاسق: الخارج عن الشرع. وتاب: أقر بذنبه واستغفر وتعهد ألّا يعود إليه. وذلك أي: الرمي بالزنى. وأصلحه: جعله كما أمر الله. والغفور:
الكثير الستر والعفو. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. وبها أي: بالتوبة. والجملة الأخيرة أي: أولئك هم الفاسقون. (٤) الأزواج: جمع زوج. والمراد
هنا الزوجة. أما المرأة التي تقذف زوجها فحكمها في الآيتين ٤ و٥. ويرميها: يقول عنها: زنتْ، أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني. وشهداء أي:
أربعة. وعليه: على الرمي بالزنى. وإلّا أي: غير. والأنفس: جمع نفس. وهي ذات الإنسان وحقيقته. و(الجماعة)) كذا. والمشهور أن ذلك كان مرة واحدة.
انظر ((المفصل)). والشهادة: الإقرار المؤكد. و((نصب)) يعني أن ((أربع)): مفعول مطلق للمصدر: شهادة. والصادق: من يقول الحق. والخامسة: الشهادة
الخامسة. واللعنة: الطرد من الرحمة. وعنها: عن الزوجة المتهمة، زوجة ((أحدهم)). والكاذب: من يقول خلاف الواقع. والغضب: السخط الشديد مع إرادة
الانتقام. والفضل: التفضل بالخير. والرحمة: العطف بالإحسان. والتواب: الكثير المغفرة والعفو. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل
وإتقان الأشياء. وبيَّن: أظهر وأوضح.

٢٤ - سورة النُّور
٣٥١
الجزء الثامن عشر
إِنَّالَّذِينَ جَاءُ و بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُوْلَا تَّحْسَبُوهُ شَرَّالَّكُمْ بَلْ هُوَ
خَيْرٌ لَّكُمْلِكُلِ أَمْرٍِ مِنْهُمْ مَّ أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى
كِبْرَمُمِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)النَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواأَهَذَا إِنْكٌ مُّبِينٌ (﴿ لَوْلَا
جَاءُوعَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهْدَآءَ فَإِذْلَمْ يَأْتُواْبِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَتِكَ
عِنْدَ الَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ (٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.
فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ لَمَشَّكُمْفِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)
﴿وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ، وَرَحْمَتُهُ﴾ بالسَّتر في ذلك، ﴿وَأَنَّ اللهَ تَوَابٌ﴾ بقَبوله التوبةَ
في ذلك وفي غيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ ١٠ فيما حكم به في ذلك وغيره، لبَيْنَ الحقّ في ذلك
وعاجل بالعُقوبة من يستحقّها.
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفكِ﴾: أسوأِ الكذب، على عائشةً أُمَّ المؤمنين بقذفها،
﴿عُضيةٌ مِنكُم﴾ : جماعة من المؤمنين. قالتْ: حسّانُ بن ثابتٍ، وعبدُ الله بنُ أُبيِّ،
ومِسطحٌ، وحَمنَةُ بنتُ جحشٍ. ﴿لا تَحْسِبُوهُ﴾ - أيّها المؤمنون غيرَ العُصبة - ﴿شَرًّا
لَكُم. بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ يأجركم الله به، ويُظهِرُ براءة عائشة ومَن أتى معها، منه. وهو
صفوانُ. فإنها قالت:
٢- ((كنتُ معَ النبيّ ﴿ في غزوةٍ، بعدَ ما أُنزِلَ الحِجَابُ، فَفَرَغَ منها. ورجَعَ ودَنا من
المَدِينةِ، وآذَنَ بالرَّحِيلِ ليلةٌ فمشَيتُ وقضَيتُ شأني، وأقبلتُ إلى الرَّحلِ فإذا عِقدي انقطعَ - هو بكسر المهملة: القلادة - فرجَعتُ ألتمِسُه،
وحَملوا هَودَجي - هو ما يُركب فيه - على بعيري يَحسِبونني فيه، وكانتِ النساءُ خِفافًا إنّما يأكلْنَ العُلقةَ - هو بضمّ المُهملة وسكون اللام - من
الطعام أي: القليلَ، ووجدتُ عِقدي وجئتُ بعدَ ما ساروا، فجلستُ في المنزلِ الذي كنتُ فيه، وظننتُ أنّ القوم سيَفقِدوني، فيرجِعون إليَّ.
فَغَلَبتْني عيناي فيِمتُ، وكان صفوانُ قد عرّسَ من وراء الجيش فادّلجَ - هما بتشديد الراء والدال، أي: نزلَ من آخِر الليل للاستراحة، فسار منه -
فأصبحَ في منزِله فرأى سَوادَ إنسانٍ نائم، أي: شخصَه، فعرَفني حينَ رآني - وكان يَراني قبلَ الحِجابِ - فاستيقظتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني، أي :
قولِه: إنّا للهِ وإنّا إليه راجِعُونَ. فحمّرَتُ وجهي بجِلبابي، أي غطّيْتُه بالمُلاءة. واللهِ ما كلّمني بكلمة ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه، حين
أناخَ راحلته ووطِئَ على يدها فركبتُها، فانطلقَ يقودُ بي الراحلة حتّى أتَينا الجيشَ بعد ما نزلوا مُوغِرينَ في نحرِ الظهيرة، أي مِن: أوغرّ، واقعِينَ
في مكانٍ وَغْرِ، في شِدّة الحرّ، فَهَلَكَ من هَلَكَ فيَّ. وكان الذي تَوَلَّى كِبْرَه منهم عبدُاللهِ بِنُ أَبِيِّ بنِ سَلُولَ)). انتهى قولها، رواه الشيخانِ.
٣- قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امرِئٍ مِنْهُم﴾ أي: عليه ﴿ما اكتَسَبَ مِنَ الإِثمِ﴾ في ذلك، ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ أي: تحمّل مُعظمه، فبدأ بالخوض فيه
وأشاعه - وهو عبدالله بن أبيِّ - ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١١، هو النار في الآخرة. ﴿لَولا﴾: هلّا، ﴿إِذ﴾: حينَ ﴿سَمِعْتُمُوهُ، ظَنَّ المُؤمِنُونَ
(١) جاء به: اختلقه وافتراه. وعلى عائشة أي: المكذوب عليها. وزاد فيما عدا الأصل والنسختين: ((رضي الله عنها)). والقذف: الشتم والرمي بالفاحشة.
والعصبة: من الثلاثة إلى العشرة، أي: هم مجموعة لا واحد ولا اثنان. ومن المؤمنين أي: ولو ظاهرًا. فإنّ منهم من كان صادق الإيمان، كحسان بن ثابت
الشاعر المشهور، ومنهم رأس النفاق عبد الله بن أبيّ. وقالت أي: عائشة في تعيين أهل الإفك. انظر الحديث ٤٤٧٩ في البخاري. وفي النسختين: ((قال)).
ع: ((قالت أي عائشة)». والمذكورون في نص الحديث هنا هم رؤوس الفتنة الأربعة، ساعدهم بعض المنافقين بنشر الافتراء. ومسطح: عوف بن أثاثة بن عبّاد
ابن المطلب القرشي، وحمنة: أخت زوجة النبي ( زينب، ولا تحسبوه: لاتظنوا الإفك وتتوهموه، والشر: مازاد ضره على نفعه. والخير: مازاد نفعه على
ضره. ومنه هنا نزول الآيات ١١-٢٦. فهي ١٦ آية، يجعلها بعض المفسرين ١٨ آية للاختلاف في تحديد موضع الفواصل. ومنه: من الإفك. وأتى معها:
رجع مع عائشة يومذاك. وفيما عدا الأصل: ((ومن جاء معها منه)). وصفوان: ابن المعطّل صحابي جليل استُشهد في خلافة معاوية، وكان في الغزوات يتخلف
بعد الصحابة، ليلتقط لهم ما سقط منهم.
(٢) الغزوة: خروج جيش المسلمين بقيادة النبي 38، لردع المعتدين من الكافرين أو قتالهم. وهي هنا غزوة بني المصطلق، كانت سنة ست من الهجرة.
وتعني بالحجاب الآية ٥٣ من سورة الأحزاب، وفي إحدى النسخ: ((بعدما نزلت آية الحجاب)». وآذن بالرحيل: أعلم به وأمر بعد استراحة. والشأن: الحاجة
كالتبوّل، والرحل: ما يوضع على ظهر البعير، ويكون فوقه الهودج، وليس المنزلَ خلافًا لِما جاء في الفتوحات ٢١١:٣ والمنحة. فهي تعني أنها تريد دخول
الهودج. والمهملة هنا هي العين. وألتمسه: أطلبه وأفتش عليه. ويحسبونني: يظنونني. وفي الأصل: ((يحسبوني)) بحذف نون الإعراب للتخفيف، والمنزل:
مكان النزول في تلك الليلة. ويفقدونني: يطلبونني فلا يجدونتي. وواقعين: نازلين. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة العينين: ((واقفين)). وفي شدة الحر: تفسير
لـ (في مكان وغر). وفيما عدا الأصل والنسخ والقرة: ((من شدة الحر». وهلك: تكلم بما هو سبب لهلاكه. وفيّ أي: في شأني وبسببي. وكبره: معظم
الإفك. وسلول: جدة عبد الله لأبيه وليست أمه. وكان يعيَّر بها فيقال له: ابن سلول. و((الشيخان)) كذا، والنص مختصر من ابن كثير ٢٦٠:٣ مع زيادات
بتفسير الغريب. ورواه ابن كثير عن المسند ٦: ١٩٥-١٩٧. واللفظ يخالف كثيرًا ما رواه الشيخان. انظر الأحاديث ٢٥١٨ و٤٤٧٣ من البخاري و٢٧٧٠ من
مسلم و٣١٧٩ من الترمذي وص ١٤٥- ١٥٠ في الصحيح المسند من أسباب النزول. وما أحيل عليه في المنحة ص ٤٥٨، أي: الأول مما ذكرنا عن
البخاري، هو أكثر مخالفة. فليُتنبّه. خ: ((رواه البخاري ومسلم)). ع: ((رواه البخاري)). وفي ط والمطبوعات: اهـ قولها رواه الشيخان.
(٣) المرء: الإنسان. ومنهم أي: من العصبة. عُبُرَ عنها بضمير جماعة الذكور نظرًا إلى معناها. وما اكتسب أي: جزاء ما اقترف وتحمل بقصد وتصميم.
والإثم: ما يستحق العقوبة من القول والعمل. ومعظمه: معظم الإفك، والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والعظيم: الكبير لامثيل له. وفي الآخرة أي: مع
العقاب والهوان في الدنيا. والمخاطبون هنا مَن نقلوا خبر الإفك وأشاعوه، وهم غير من في الآية ١١، و((هلّاء يعني أن ((لولا)): حرف توبيخ وزجر.
وسمعتموه أي: بلغ أسماعكم. وظن: اعتقد وتيقن، أي: دام ظنه واعتقاده. والخير: الاستقامة والصلاح والتقوى. والمراد: كان ينبغي لكم عند سماع الإفك
أن تستمروا على حسن الظن في أمّ المؤمنين وصفوان، فضلًا عن التمادي في السماع والنقل. والمؤمن: الذي عرف قلبه التوحيد وما يلزمه من الصلاح.
والأنفس: جمع نفس. ونفس الإنسان: حقيقته بروحه وجسده. وهذا أي: ما يشاع وينقل من التهم. وفيه: في فاعلي ((ظن وقال))، لعدم المواجهة بتوبيخ
المخاطبین وزجرهم، مع وصفهم بالإيمان.
٢٤ - سورة النُّور
تتمة ٣٥١
الجزء الثامن عشر
والمؤمناتُ بِأَنفُسِهِم﴾ أي: ظنّ بعضهم ببعض ﴿خَيرًا، وقالُوا: هذا إفكٌ مُبِينٌ﴾ ١٢ :
كذبٌ بِيِّن. فيه التفات عن الخِطاب، أي: ظننتم - أيها العُصبةُ - وقلتم.
١- ﴿لَولا﴾: هلّ (جاؤُوا﴾ أي: العُصبة ﴿عَلَيهِ بِأَرَبَعةِ شُهَداءَ﴾ شاهدوه. ﴿فإذ لَم
يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ، فَأُولَئِكَ عِندَ اللهِ﴾ أي: في حُكمه ﴿هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ ١٣ فيه، ﴿وَلَولا
فَضِلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمتُهُ، في الدُّنيا والآخِرةِ، لَمَسَّكُم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ﴾ - أيها العُصبة
- أي: خُضتم ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١٤ في الآخرة، ﴿إِذْ تَلَقُّونَهُ بِألسِنِتِكُم﴾ أي: يرويه
بعضكم عن بعض - وحُذف من الفعل إحدى التاءين. وإذ منصوب بـ (مسّكم)) أو بـ
((أفضتم)» - ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُم ما لَيسَ لَكُم بِهِ عِلمٌ، وتَحْسِبُونَهُ هَيِّنَا﴾ لا إثم فيه،
﴿وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ ١٥ في الإثم.
عنوزارة القوى
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَ هِكُرُ مَّالَيْسَ لَكُمْ بِدِ عِلْمٌ
وَتَحْسَبُونَهُهَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ () وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ
قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُبْتَنُّ عَظِيمٌ
﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُدُ واْلِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنَ كُمْ مُؤْمِينَ (9)
وَيُبَيِنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ (٥) إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤) وَلَوْلًا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ))
٢- ﴿وَلَولا﴾: هلّا، ﴿إِذَ﴾: حينَ ﴿سَمِعتُمُوهُ، قُلْتُم: ما يَكُونُ﴾: ما ينبغي ﴿لَنا أن نَتَكَلَّمَ بِهُذا - سُبحانَكَ﴾! هو للتعجب هنا - ﴿هذا بُهتانٌ﴾:
كذبٌ ﴿عَظِيمٌ ١٦. يَعِظُكُمُ اللهُ﴾: ينهاكم ﴿أَن تَعُودُوا لِمِثِهِ أَبَدًا، إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ ١٧ تتعظون بذلك، ﴿وَيُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمر
والنهي، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بما يأمر به وينهى عنه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ١٨ فيه.
٣- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أن تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ باللسان، ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بنسبتها إليهم - وهم العُصبة - ﴿لَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ في الدُّنيا﴾ بالحدّ للقذف،
﴿والآخِرَةِ﴾ بالنار لحقّ الله. ﴿وَاللهُ يَعلَمُ﴾ انتفاءها عنهم، ﴿وأنتُم﴾ - أيها العُصبة - ﴿لَا تَعَلَّمُونَ﴾ ١٩ وجودها فيهم، ﴿وَلَولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾
- أيها العُصبة - ﴿وَرَحْمَتُهُ، وأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٠ بكم، لعاجلكم بالعُقوبة.
(١) لولا: حرف توبيخ وزجر أيضًا. وجاء به: أتى به وأحضره عيانًا. وشاهدوه: عاينوه حقًّا، ويأتي به: يحضره عيانًا. وإذ: حرف سبية، أي: لأنهم لم
يأتوا بالشهداء. وأولئك أي: القائلون للإفك. وفي حكمه: في شرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة، لافي علمه الذي لا يقبل المحال. فلو جاؤوا بالبيّنة
المعتبرة كان الحكم أنهم صادقون ظاهرًا، وإن كانت الشهادة زورًا. وفي هذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك، ولم ينكروه. والكاذب: من يقول الكذب
الذي لا أصل له. وفيه: فيما زعموا من القذف. وانظر الآية ١٠. والدنيا: الحياة القريبة من الناس وهم فيها. والآخرة: الحياة المتأخرة تكون بالبعث يوم
القيامة، ومسكم: خصكم ونزل بكم. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فيما أفضتم أيها العصبة أي خضتم فيه». والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والعظيم:
الضخم الفظيع لا مثيل له. و ((في الآخرة)) كذا من التلخيص. وكان على المحلي أن يزيد بعده: ((وفي الدنيا يستحقر دونه اللوم والجلد»، كما تفيد عبارة
البيضاوي، ليصح له تعليق ((إذا بعد، والألسنة: جمع لسان. والمراد باللسان هنا جهاز النطق كله. والتلقي باللسان يعني القول للكلام نقلًا، دون صدور عن
علم أو تدبر بالقلب والتقوى. وحذف: يعني أن أصل التركيب: ((تَتَلَقْقَيُونَ)) حذفت التاء الثانية للتخفيف، وأدغمت القاف الأولى في الثانية، وقلبت الياء ألفًا:
تَلَقَّى. ولما اتصل بواو الجماعة حذفت الألف لالتقاء الساكنين، والأفواء: جمع قلة للفُوه، أي: الفم، مراد به الكثرة لإضافته إلى ضمير الجماعة. والعلم:
الدراية اليقينية. وتحسب: تظن وتتوهم، والهين: السهل اليسير من الذنب، وعند الله أي: في حكمه وعلمه. والعظيم: الخطير من الكبائر، والإثم: ما يكون
عليه عقوبة.
(٢) روي أن زوجة أبي أيوب الأنصاري أخبرته بقول أهل الإفك، فقال: ((مايكون لنا أن تتكلم بهذا - سبحانك - هذا بهتان عظيم)»، فنزل لفظ الآية بمثل
قوله. الواحدي ص ٣٣٥ وتفسير القرطبي ٢٠٢:١٢. ولولا: حرف توبيخ وزجر أيضًا. وسمعتموه: بلغ سمعكم. ونتكلم: نلفظ بألسنتنا. وللتعجب أي: من
عظم الأمر. والأصل في التسبيح تنزيه الله عما لا يليق به، ويذكر غالبًا عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل أمر متعجب منه. فهنا
يلاحظ تنزيهه - تعالى - عن أن يكون لحُرمة نبيه مايفترون. وانظر الآية ١ من سورة الإسراء. ث وط: ((للتعجيب)). والبهتان: ما يَبهت سامعَه ويُدهشه
لفظاعته. وعظيم أي: لعظمة من تقوّلوا عليه، واستحالة صحته. وتعودوا له: تقعوا فيه مرة ثانية وتكرروه. ومثله: مماثل إياه وشبيه في تلقي القذف للمحصنات
وغيرها. وأبدًا أي: مدة حياتكم. والمؤمن: من صدق الله ورسوله، وعرف قلبه التوحيد وما يلزمه من الصلاح. وبذلك أي: الوعظ وما كان معه من الزجر
والتبكيت. يعني أن الاتعاظ ثمرة الإيمان، وأن ما في الشرط من إشعار بالنفي موجَّه إلى هذه الثمرة، لا إلى الإيمان نفسه. وفي هذا حث على الامتثال
وتهييج. انظر الآية ٢. وفي الأصل: ((تتعظوا بذلك)). ويبين: يوضح ويفصل. والآيات: النصوص القرآنية الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب. والعليم:
المحيط بالغّ الإحاطة. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء، وفيه أي: فيما يأمر به وينهى عنه. والتعميم هنا أولى، أي:
في الأحوال کلها .
(٣) تخصيص المحلي الآية بالعصبة والإفك من التلخيص، وهو قول بعض المفسرين. والظاهر أنها تعم كل قاذف ومروّج للفواحش باللسان وغيره من وسائل
الإغراء والضغط والإعلانات، والخطابُ لكل مكلف. فلا حاجة إلى تقييد الشيوع باللسان، والبراءة بمن اتهم بالافك، والعلم بانتفاء التهمة. وتعليق الوعيد
على محبة الشيوع دليل على أن محبة الفسق فسق أيضًا، ويحب: يريد ويتمنى، وتشيع: تنتشر وتفشو. والفاحشة: الزنى ومايشبهه من الفساد أو اتهام الناس
بذلك. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة وردعًا للغير. والأليم: المؤلم، والدنيا: الحياة التي هم فيها لقربها إليهم. والحد للقذف هو جلد كل قاذف ثمانين
جلدة. وقد روي أن الأربعة الآفكين جُلِدوا جميعًا. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((بحد القذف)). والآخرة: الحياة يوم القيامة. وحق الله لا يكفّره إلّ قبول
التوبة. ويعلم: يحيط كامل الإحاطة، ولا تعلمون: تجهلون ما يعلمه المولى، سبحانه. ووجودها فيهم أي: وجود الفاحشة في عائشة وصفوان، بل تعلمون
براءتهما والصلاح فيهما يقينًا. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أيها العصبة بما قلتم من الإفك لا تعلمون وجودها فيهم)). وانظر آخر الآية ١٠. والرؤوف:
الكثير التعطف بالتوبة والعصمة، والرحيم: العظيم العطف بالإحسان والمغفرة. و((لعاجلكم بالعقوبة)) هذه الجملة جواب ((لولا)).

٢٤ - سورة النُّور
٣٥٢
الجزء الثامن عشر
شُورَة النّور
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ وَمَن ◌َِّعْ
الحزب
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدَّا وَلَكِنَّاللَّهَ يُزَِّ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿ وَلَا يَأْثَلِّ أُوْلُواْفَضْلِ مِنْكُمْ
وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَاَلْمُهَجِرِينَ فِى
سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْأَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَكُمْ
◌َ إِنَّالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لـ
الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
وَيَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِفَتُهُمْ وَأَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(﴿ يَوْمَِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
الْمُبِينُ ® الْخَبِيشَتُ لِلْخَبِشِينَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَتِّ
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَِّبُونَ لِلطَِّّبَتِّ أُوْلَكَ مُبَّءُونَ
مِمَا يَقُولُونَّ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُو ◌ْبُنَّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَاأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ (®
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَشَبِعُوا خُطُواتِ الشَّيطانِ﴾ أي: طُرقَ تزيينه.
﴿ومَن يَتَّبَعْ خُطُواتِ الشَّيطانِ فإنَّهُ﴾ أي: المتَبعَ ﴿يأمُرُ بِالفَحشاءِ﴾ أي القبيح،
﴿والمُنكَرِ﴾ شرعًا، باتباعهما، ﴿وَلَولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ ما زَكا
مِنكُم﴾ - أيها العُصبةُ - بما قلتم من الإفك ﴿مِن أحَدٍ أَبَدًا﴾، أي: ما صلَحَ
وطَهُرَ من هذا الذنب بالتوبة منه، ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي﴾: يُطهّرُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ من الذنب،
بقَبول توبته منه، ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِما قلتم، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢١ بما قصدتم.
٢- ﴿ولا يأتَلِ﴾: يَحلفْ ﴿أُولُو الفَضلِ﴾ أي: أصحاب الغِنى ﴿مِنكُم والسَّعةِ، أن﴾
لا ﴿يُؤْتُوا أُولِي القُربَى والمَساكِينَ، والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ - نزلتْ في أبي بكر،
حلفَ ألّا يُنفقَ على مِسطح، وهو ابن خالته مِسكين مُهاجر بدريّ، لمّا خاض في
الإفك بعد أن كان يُنفق عليه، وناسٍ من الصحابة أقسموا ألّا يتصدّقوا على من تكلّم
بشيء من الإفك - ﴿وَلْيَعِفُوا ولْيَصفَّحُوا﴾ عنهم في ذلك. ﴿ألا تُحِبُّونَ أن يَغْفِرَ اللهُ
لَكُم؟ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٢ للمؤمنين. قال أبو بكر: ((بلَى أنا أُحبُّ أن يغفر الله لي)).
ورَجَعَ إلى مِسطح ما كان يُنفقه عليه.
٣- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرِمُونَ﴾ بالزنى ﴿المُحصَناتِ﴾: العفائفَ، ﴿الغافِلاتِ﴾ عن
الفواحش بألّا يقع في قلوبهن فِعلُها، ﴿المُؤمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنيا
والآخِرةِ، ولَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ ٢٣، يَومَ﴾ - ناصبُه الاستقرارُ الذي تعلق به ((لهم)) -
﴿َتَشْهَدُ﴾، بالفَوقانيّة والتحتانيّة، ﴿عَلَيهِم ألسِنْتُهُم وأيدِيهِمٍ وأرجُلُهُم، بِما كانُوا
يَعمَلُونَ﴾ ٢٤ من قول وفعل - وهو يوم القيامة - ﴿يَومَئذٍ يُوَفِيهِمِ اللهُ دِينَهُم الحَقَّ﴾:
يُجازيهم جزاءه الواجب عليهم، ﴿وَيَعلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ﴾ ٢٥، حيثُ حقّق لهم جزاءه الذي كانوا يشكّون فيه. ومنهم عبدالله بن أُبيّ.
والمحصناتُ هنا أزواج النبيّ وَّة، لم يُذكر في قذفهنّ توبةٌ، ومَن ذُكر في قذفهنّ أولَ السورة التوبةُ غيرُهنّ.
٤ - ﴿الخَبِيثاتُ﴾ من النساء ومن الكلمات ﴿لِلخَبِيثِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالخَبِيْثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلخَبِيثاتِ﴾ ممّا ذُكر، ﴿وَالطََِّّاتُ﴾ ممّا ذُكر
﴿الِطَّيِِّينَ﴾ من الناس، ﴿والطَّبُونَ﴾ منهم ﴿لِلطَِّّباتِ﴾ ممّا ذُكر، أي: اللائق بالخبيث مِثْلُه، وبالطيّب مِثلُه. ﴿أُولَئِكَ﴾ الطيّبون والطيّبات من
النساء والرجال، ومنهم عائشة وصفوان، ﴿مُبَرَّؤُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ أي: الخبيثون والخبيثات من الرجال والنساء فيهم، ﴿لَهُم): للطيّبين والطيّبات
من النساء ﴿مَغْفِرَةٌ، ورِزقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢٦ في الجنّة. وقد افتخرت عائشة بأشياءَ، منها أنها ((خُلقتْ طيّبةً، ووُعِدَتْ مغفرةً ورِزقًا كريمًا)).
٥- ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا، لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيَرَ بُيُوتِكُم، حَتَّى تَستَأْنِسُوا﴾ أي: تستأذنوا، ﴿وتُسَلَّمُوا عَلَى أهلِها﴾، فيقولَ الواحد: ((السَّلامُ
(١) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وتتبعها: تأتمر بها. والخطوات: جمع خُطْوة. والشيطان: من يوسوس بالشر والضلال من الإنس والجن. ويأمر:
يغري ويحبب. و((المتبع)) يعني أن الضمير في ((إنه)) يعود على ((مَن)). والمنكر: مانهى عنه الشرع والعقل السليم. واتباعهما أي: الفحشاء والمنكر. وفيما عدا
الأصل: ((باتباعها)». والتعميم بالخطاب للمؤمنين أولى من تخصيصه بالعصبة أيضًا. وأبدًا: آخر الدهر. ويشاء: يريد تزكيته. والسميع: المدرك للمسموعات
والأسرار. والعليم: المحيط بالغ الإحاطة. (٢) الفضل: التفضل والسخاء. والسعة: الرفاهية بالمال. ويؤتي: يعطي. والقربى: القرابة. والمساكين: جمع
مسكين. وهو الفقير المحتاج. والمهاجر: الذي هاجر بدينه من مكة إلى المدينة. وسبيل الله: دينه. والبدري: من حضر غزوة بدر من المسلمين. ويعفو:
يتجاوز عن الذنب ويستره. ويصفح: يُعرض عن اللوم ويتناسى الجرم. وتحب: تتمنى. ويغفر: يستر الذنب ولا يؤاخذ عليه. والرحيم: الكثير العطف بالعصمة
والإكرام. ورجع إلى مسطح أي: ردّ إليه العطاء. (٣) في ((الذين)) تغليب للذكور على الإناث، إذ المراد هو الرجال والنساء. ويرمي: يشتم. والمحصنات:
الأنفس المحصنة من ذكور وإناث. والغافلة: السليمة الصدر المشغولة بالتقى والصلاح. ولعن: أبعد عن رحمة الله. والعظيم: لامثيل له. والاستقرار أي:
الخبر المقدم المحذوف للمبتدأ: عذاب. وتشهد: تعترف بما علمته يقينًا. والفوقانية: التاء. وبالتحتانية يريد القراءة ((يَشْهَدُ)). والألسنة: جمع لسان. والأيدي
والأرجل: مفردهما يد ورجل. ويعملون: يكتسبونه اختيارًا وقصدًا. ويومئذ أي: يوم إذْ تشهد عليهم ألسنتهم. ويوفيه: يؤديه كاملًا. والجزاء: تفسير للدين.
والواجب عليهم: تفسير للحق. ويعلم: يدرك باليقين. والحقُّ: الثابت الذي يحق أن يثبت في ذاته وصفاته وأفعاله. والمبين: المظهر للأشياء كما هي حقيقة.
وغيرهن: انظر ((المفصل)). (٤) الخبيث: الخسيس الحقير. والطيب: المتحلي بالخير والصلاح. ومما ذكر أي: من النساء والكلمات. والمبرأ: الطاهر
المنزَّه. والمغفرة: السترُ للذنوب، مما لا يخلو عنه البشر، والعفو عنها. والرزق: ما يعطيه الله عباده. والكريم: العظيم لامثيل له. وقول عائشة هو من حديث
لها، أخرجه ابن مردويه. الدر المنثور ٣٧:٥. (٥) روي أن امرأة من الأنصار قالت: يارسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها
أحد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي. فنزلت الآيتان ٢٧ و٢٨. الواحدي ص ٣٣٧. وآمن: صدّق الله ورسوله. وتدخله: تبدأ الدخول فيه. والبيوت:
جمع بيت. وتسلم: تدعو بالسلامة. وأهلها يعني: المقيمين فيها. وحديث: انظر الأحاديث ١٠٨١ في الأدب المفرد و٥١٧٦-٥١٧٩ في سنن أبي داود
و٢٧١١ في الترمذي. وخير: أفضل وأنفع. ولم تجدوا فيها أي: لم يكن فيها فلم تروا. ويؤذن: يسمح. وتعملون: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة. والجناح: الإثم. والاستكنان: الالتجاء طلبًا لستر أو حفظ من الحر والبرد. والربط: جمع رباط. وهو مكان المرابطة=

الجزء الثامن عشر
٣٥٣
٢٤ - سورة النُّور
عَلَيكُم. أأدخُلُ))؟ كما ورد في حديث - ﴿ذُلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ من الدخول بغير استئذان،
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّرُونَ﴾ ٢٧، بإدغام التاء الثانية في الذال: خيريّتَه فتعملون به - ﴿فإن لَم
تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾، يأذنُ لكم، ﴿فلا تَدخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُم، وإن قِيلَ لَكُمُ﴾ بعد
الاستئذان: ﴿ارجِعُوا. فارجِعُوا. هُوَ﴾ أي: الرجوع ﴿أزكَى﴾ أي: خيرٌ ﴿لَكُم﴾ من
القُعود على الباب، ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ﴾ من الدخول بإذنٍ وغيرِ إذن ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٨،
فيُجازيكم عليه. ﴿لَيسَ عَلَيْكُم ◌ُناحٌ أن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسكُونَةٍ، فِيها مَتَاعٌ﴾ أي:
منفعة ﴿لَكُم﴾، باستكنان وغيره، كبيوت الرُّبط والخانات المُسبَّلة. ﴿واللهُ يَعلَمُ ما
تُبُدُونَ﴾: تُظهِرون، ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾ ٢٩: تُخفون، في دُخول غير بُيُوتكم من قصد
صلاح أو غيره. وسيأتي أنه إذا دخلوا بيوتهم يُسلّمون على أنفُسهم.
١- ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ، يَغُضُّوا مِن أبصارِهِم﴾ عمّا لا يحِلُّ لهم نظره - ومِن: زائدةٌ -
﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم﴾ عمّا لا يحلّ لهم فِعِله بها. ﴿ذُلِكَ أزكَى﴾ أي: خيرٌ ﴿لَهُم. إنَّ
اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصنَعُونَ﴾ ٣٠ بالأبصار والفُروج، فيُجازيهم عليه.
سُورَة النّوك
فَإِ لَّمْ تَجِدُ وافِيهَا أَحَدًا فَلَنَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُرْوَإِنِ
قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُوا فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ ◌ْالَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَدْخُلُواْبُيُوتًّا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيَهَا مَتَعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَاتُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْفُرُوجَهُمْ
ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّاللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَى حُيُوبِهِنَ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَآْبِهِنَّ أَوْ
ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْأَبْنَابِهِنَّ أَوْأَثْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ
أَوْإِخْوَنِهِنَّ أَوْبَنِيِّ ◌ِخْوَانِهِنَّ أَوْبَنِيِّ أَخَوَتِهِنَّأَوْنِسَابِهِنَّ
أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ
الرِّجَالِ أَوِالْطِفْلِ الَّذِينَ لَمَّ يَظْهَرُ واْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ
وَلَيَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (ّ
٢- ﴿وقُلْ لِلمُؤمِناتِ، يَغضُضْنَ مِن أبصارِ هِنَّ﴾ عمّا لا يحِلّ لهنّ نظره، ﴿وَيَحفَظْنَ
فُرُوجَهُنَّ﴾ عمّا لا يحِلّ لهنَّ فعله بها، ﴿ولا يُبدِينَ﴾: يُظهِرن ﴿زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾
- وهو الوجه والكفّانِ. فيجوز نظره لأجنبيّ إن لم يَخف فِتنةً في أحد وجهين، والثاني
يَحرمُ لأنه مَظِنّة الفِتنة، ورُجّح حسمًا للباب - ﴿وَلْيَضرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي:
يَسْتُرْنَ الرؤوس والأعناق والصدور بالمَقانع، ﴿ولا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفَّةَ - وهي ما
عدا الوجهَ والكفّينِ - ﴿إِلَّا لِيُعُولِهِنَّ﴾: جمع بعل أي: زوج، ﴿أو آبائهِنَّ أو آباءِ
بُعُولِتِهِنَّ، أو أبنائهِنَّ أو أبناءِ بُعُولِهِنَّ، أو إخوانِهِنَّ أو بَنِي إخوانِهِنَّ أو بَنِي أَخَواتِهِنَّ، أو نِسائهِنَّ أو ما مَلَكَتْ أيمانُهُنَّ﴾، فيجوز لهم نظره إلّا ما بين
الشُّرّة والرُّكبة فيحرم نظره لغير الأزواج - وخرج بـ (نِسائهِنّ)) الكافراتُ فلا يجوز للمسلمات التكشّف لهنَّ، وشمل (ما مَلَكَتْ أيمانُهُنَّ)) العبيدَ -
﴿أُوِ التّابِعِينَ﴾ في فضول الطعام ﴿غَيرٍ﴾، بالجرّ: صفةً، والنصبِ: استثناءً، ﴿أُولي الإرْبةِ﴾: أصحاب الحاجة إلى النساء ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ بأن لم
ينتشر ذَكرُ كُلِّ، ﴿أُوِ الطّفلِ﴾ بمعنى: الأطفال ﴿الَّذِينَ لَم يَظهَرُوا﴾: يطّلعوا ﴿عَلَى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ للجِماع، فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين
السرّة والركبة، ﴿ولا يَضرِبْنَ بِأرجُلِهِنَّ، لِيُعلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينِهِنَّ﴾ من خلخال يتقعقع. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا - أيُّها المُؤمِنُونَ﴾، ممّا وقع لكم
من النظر الممنوع منه ومن غيره - ﴿لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ﴾ ٣١: تنجون من ذلك بقَبول التوبة منه. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث.
=لجهاد العدو. والخان: الفندق. والمسبلة: التي أعدت للمسافرين وأبناء السبيل. ويعلمه: يحيط به بالغ الإحاطة. وسيأتي أي: في الآية ٦١. (١) يغض من
بصره: يحجبه ويخفض جفنه ليمنع الرؤية. والأبصار: جمع بصر. وهو العين. و((زائدة)) الصواب أن ((من)): للتبعيض تتعلق بصفة محذوفة للمفعول المقدر،
أي: يغضوا شيئًا كائنًا من أبصارهم. ويحفظه: يمنعه ويستره. والفروج: جمع فرج. وهو السوءة، أي: الذّكر وما حوله. والخبير: العالم ببواطن الأمور
ودقائقها. ويصنع: يتصرف بقصد واهتمام. (٢) في لباب النقول أن أسماء بنت مرثد الحارثية دخلت عليها بعض النساء، باديةً صدورُهن وذوائبُهن وبعضُ
أرجلهن، فقالت: ما أقبحَ هذا! فنزلت الآية، تفصل أمر الحجاب. والزينة: البدن يكون محل الزينة والفتنة. وما ظهر: ما جرت الحال على ظهوره ضرورة في
التصرف. والوجه أي: غير المزيَّن بما عدا الكحل. وكذلك الكفان غير المزيَّنتين بما عدا الخضاب. ونظره: رؤية الغير له. والثاني أي: من قولَىِ الشافعي.
وهو مذهب مالك أيضًا. ويحرم أي: إظهار الوجه والكفين. وحسمًا للباب: سدًا للذرائع في حصول الفجور. ويضرب: يلقي. والخُمر: جمع خِمَار. وهو ما
تُقنّع به المرأة رأسها. والجيوب: جمع جيب. وهو العنق والخفيّة: التي يسترها الخمار والجلباب. والآباء: جمع أب. وهو الوالد ومن قبله من الجدود.
والأبناء جمع ابن. وهو الذكر من الأولاد والحفدة. والإخوان: جمع أخ. وهو الشقيق وغيره. والأخوات: جمع أخت. وهي الشقيقة وغيرها. ويضاف إليها
الأعمام والأخوال كسائر المحارم. ثم تختلف مراتب المذكورين في الحرمة، إذ للأب والأخ مثلًا ما لا يجوز لابن الزوج. انظر المحرر ١٧٩:٤ والبحر
٤٤٨:٦. والتكشف: إظهار ما دون الوجه والكفين. ونساؤهن أي: الإناث من المسلمات، ومن في صحبتهن للخدمة من الكتابيات والكافرات. وملكته: كان
لها ملك شرعي له. والأيمان: جمع يمين. عُبِّر باليد اليمنى عن المرأة نفسها صاحبة اليد، أي: ما ملكْنَ. والكافرات: غير المسلمات من المملوكات
والملازمات. ولهم: للأصناف الاثني عشر المستثناة في الآية. ويضاف إليها الأعمام والأخوال كسائر المحارم. والعبيد أي: مع الإماء، مسلمين وغيرهم.
وأبو حنيفة وآخرون يرون أن العبيد ليسوا من المحارم، وإن كانوا خصيانًا. وهذا هو الصحيح. البحر ٤٤٨:٦. والتابع: من يكون مرافقًا للمرأة كالأجير.
وبالنصب يريد القراءة ((غَيْرَ)). وكل أي: كل من التابعين. والطفل: واحده طفل أيضًا. وهو مَن دون البلوغ. ولم يطلعوا أي: لعدم تمييزهم وبلوغهم حد
الشهوة. والعورة: ما يجب ستره من المرأة. والنساء: واحدته امرأة. ويضربن: يخبطن الأرض وما يمشين عليه. والأرجل: جمع رِجل. وعُبِّرَ به عن الأحذية
ونحوها. ويعلم: يلحظ ويرى بالتنبه والمراقبة. والنهي عن الضرب واجب، وإن لم يُرَد به الإعلام. فذكر الإعلام من باب الأغلبية. ويخفين: يسترن. والزينة:
ما يُتحلى به من ثياب ومصوغات وأصباغ. وتوبوا: ارجعوا إلى الطاعة في الأمر والنهي، مقرين بالخطأ وطالبين للمغفرة، ولا تعودوا إلى ما كنتم عليه. وغيره
أي: كالتكشف وضرب الأرض بالأرجل، وكل ما نهيتم عنه في الآيات الماضية من السورة. و((في الآية تغليب)) كذا. والمراد: في قوله ((توبوا)) فقط.

٢٤ - سورة النُّور
٣٥٤
الجزء الثامن عشر
سُورَة النّوز
الجزء القَصِ شَر
وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْإِن
يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُلَّهُ مِن فَضْلِهِ.
وَالَّذِينَ يَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ إِنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَمَا تُوهُمْ مِن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ وَلَا
تُكْرِ هُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَّ ◌ِنَبَغُواْ عَرَضَلْحَوَةِ
الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّاللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِ هِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَلَقَدْ أَنَزَلْنَا إِلَيْكُمْءَايَتٍ مُّبَيِّنَتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ
مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦) ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْفٍ فِيهَا مِصْبَاعِّ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ
الزُّجَاجَةٌ كَأَنَّهَا كَوَكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرْبِيَّةِ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىُّ وَلَوْلَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
تُورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ
لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿ فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُأَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ
١- ﴿وأنكِحُوا الأيامَى مِنكُم﴾: جمع أيِّم - وهي من ليس لها زوج بكرًا كانت أو
ئيًّا، ومن ليس له زوج. وهذا في الأحرار والحرائر - ﴿والصّالِحِينَ﴾ أي: المؤمنين
﴿مِن عِبادِكُم وإمائكُمْ﴾ - وعِباد من جُموع عبد. ﴿إِن يَكُونُوا﴾ أي: الأحرارُ ﴿فُقَراءَ
يُغْنِهِم اللهُ﴾ بالتزوّج ﴿مِن فَضِلِهِ. واللهُ واسِعٌ﴾ لخلقه ﴿عَلِيمٌ﴾ ٣٢ بهم - ﴿وَلْيَستَعِفِفِ
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أي: ما يَنكحون به من مَهر ونفقة، عن الزنى ﴿حَتَّى يُغنِيَهُمُ
اللهُ﴾: يُوسعَ عليهم ﴿مِن فَضِلِهِ﴾، فيَنكِحون.
٢- ﴿وَالَّذِينَ يَبتَغُونَ الكِتابَ﴾ بمعنى: المُكاتبة، ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيمانُكُم﴾ من العبيد
والإماء، ﴿فَكاتِبُوهُم، إن عَلِمتُم فِيهِم خَيرًا﴾ أي: أمانة، وقُدرة على الكسب
لأداء مال الكِتابة - وصيغتها مثلًا: كاتبتُك على ألفينِ في شهرين، كُلَّ شهر
رضع
ألف. فإذا أدَّيَتَها فأنت حُرّ. فيقول: قبلتُ ذلك - ﴿وآتُوهُم﴾ أمر للسادة،
﴿مِن مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُم﴾، ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم - وفي
معنى الإيتاء حطّ شيء ممّا التزموه - ﴿ولا تُكرِهُوا فَتَياتِكُم﴾ أي: إماءكم ﴿عَلَى
البِغاءِ﴾ أي: الزنى، ﴿إن أرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾: تعفّفًا عنه - وهذه الإرادة محلّ الإكراه فلا
مفهوم للشرط - ﴿لِتَبتَغُوا﴾ بالإكراه ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا﴾. نزلتْ في عبدالله بن أُبيِّ،
كان يُكرِهُ جواريَ له على الكسب بالزنى. ﴿ومَن يُكرِهْهُنَّ فإنَّ اللهَ، مِن بَعدِ إكراهِهِنَّ،
غَفُورٌ﴾ لهنّ ﴿رَحِيمٌ﴾ ٣٣ بهنّ.
٣- ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيَّنَاتٍ﴾ - بفتح الياء وكسرها - في هذه السورة، بُيِّن فيها ما
ذُكر أو بيَّنْه، ﴿ومَثَلًا﴾: خبرًا عجيبًا وهو خبر عائشة ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبَلِكُم﴾ أي:
من جِنس أمثالهم، أي: أخبارهم العجيبة، كخبر يُوسفَ ومريمَ، ﴿ومَوعِظةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣٤ في قوله تعالى ((ولا تأخُذْكُم بِهِما رأفةٌ فِي دِينِ اللهِ))، ((لَولا إذْ
سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤمِنُونَ)) إلى آخره، ((ولَو لا إذْ سَمِعتُمُوهُ قُلْتُمْ)) إلى آخره، ((يَعِظُكُمُ اللهُ أن تَعُودُوا)) إلى آخره. وتخصيصها بالمّقين لأنهم المنتفعون بها .
٤ - ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ والأرضِ﴾، أي: مُنوِّرهما بالشمس والقمر. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صِفتُهُ في قلب المؤمن ﴿كَمِشكاةٍ فِيها مِصباحٌ، المِصباحُ
في زُجاجةٍ﴾ هي القنديل - والمصباح: السِّراج أي: الفتيلة الموقودة، والمشكاة: الطاقة غير النافذة أي: الأنبوبة في القِنديل - ﴿الزُّجاجةُ
كَأَنَّها﴾ والنور فيها ﴿كَوكَبُ دِرِّيٌ﴾ أي: مُضيءٌ - بكسْرِ الدال وضمِّها: من الدرء بمعنى الدفع، لدفعه الظلامَ، وبضمّها وتشديد الياء: منسوب
إلى الدُّرّ: اللؤلؤ - ﴿تَوَقَّدَ﴾ المِصباحُ بالماضي، وفي قراءة بمضارع ((أوقَدَ)) مبنيًّا للمفعول بالتحتانيّة، وفي أُخرى بالفَوقانيّة، أي: الزجاجةُ،
﴿مِن﴾ زيتِ ﴿شَجَرةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونٍ، لا شَرقِيّةٍ ولا غَرِبِيّةٍ﴾ بل بينَهما، فلا يتمكّن منها حرّ ولا برد مُضِرَّينٍ، ﴿يَكادُ زَيتُها يُضِيءُ، ولَو لَم تَمسَسْهُ
نارٌ﴾ لصفائه. ﴿نُورٌ﴾ به ﴿عَلَى نُورٍ﴾ بالنار، ونور الله أي: هُداه للمؤمن نُور على نُور الإيمان، ﴿يَهدِي اللّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: دِينِ الإسلام ﴿مَن يَشاءُ،
ويَضرِبُ﴾: يُبيّنُ ﴿اللهُ الأمثالَ لِلنّاسِ﴾ تقريبًا لأفهامهم، ليعتبروا فيؤمنوا. ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣٥، منه ضربُ الأمثال.
٥- ﴿فِي بُيُوتٍ﴾: مُتعلّق بـ ((يسبّح)) الآتي، ﴿أَذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ﴾: تُعظّم، ﴿ويُذكَرَ فِيها اسمُهُ﴾ بتوحيده، ﴿يُسبَّحُ﴾ - بفتحِ المُوحَّدة وكسرِها -
(١) أنكحوا: زوّجوا. ومنكم: من المسلمين. ومن ليس له زوج: الرجل غير المتزوج. والعباد: العبيد. والعبد: المملوك. والإماء: جمع أمة، أي:
المملوكة. والفقير: من يحتاج إلى المساعدة المالية. ويغنيه: يوسع عليه. وبالتزوج: يعني أن الزواج يكون سببًا للغنى لما في الزواج من بركة. والفضل:
التفضل بالنعم. ولخلقه أي: هو ذو غنى لاحدّ له، يبسط منه للخلق ما يشاء. ويستعفّ: يجتهد في صون النفس. ويجدُه: يملكه. وينكحون: انظر ((المفصل)).
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. ويبتغى: يطلب. ومال الله يعني: أن ما يملكه الإنسان هو ملك الله. وآتى: أعطى. وحطّ شيء: إسقاط بعض المال
بالمسامحة. وتكرهها: تَضطرها. وأردن: طلبن. ولا مفهوم للشرط: يعني أن الشرط لا يراد به جواز الحمل على البغاء، إذا لم يردن التعفف ، بل المراد هو
المبالغة في النهي أصلًا. وتبتغي: تطلب. والعرض: ما يزول. وابن أبيّ هو رأس المنافقين. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم
العطف بالإحسان. (٣) أنزلنا: أوحينا. وبكسرها يريد القراءة ((مُبَيِّناتٍ)). وخلوا: مضوا. والموعظة: ما يزجر عن المحرمات. والمتقي: الذي يلزم الامتثال
للأمر والنهي. و((قوله تعالى)) انظر الآيات ٢ و١٢ و١٦ و١٧. (٤) السماوات والأرض أي: وغيرهما وما في ذلك كله. وتنويرهما بالشمس والقمر أي: وما
أفاضه المولى - تعالى - في الوجود من كواكب، وآيات تكوينية وتنزيلية دالة على الصفات العظمى، مع النعم التي هيأها للخلق، وإحكام أمور الكون،
وتيسير كل لِما خلق له، وإمداده بما يساعده على الحياة. فهذا بعض من نوره، عز وجل. والمثل: الصفة العجيبة الشأن. وكمشكاة: مِثلُ نور مشكاة.
والزجاجة: وعاء صاف شفاف. والموقودة: التي توقد باللهب. والطاقة: الكوّة. والأنبوبة: حديدة يكون فيها الفتيلة. والكوكب: النجم النيِّر. وبضمها يريد
القراءة ((دُرِّيٌ)). وبتشديد الياء («دُرِّيٌّ))، أي: كالدر. وبالتحتانية يريد القراءة ((يُوقَدُ)). وبالفوقانية (تُوقَدُ)). والمباركة: العميمة النفع. والشرقية: التي تصيبها
الشمس إذا شرقت. والغربية عكسها. ويكاد: يقارب. ويضيء: يتوقد. وتمسه: تتقرب منه. وبه: في الزيت وحده. ويهدي: يرشد. ويشاء: يريد هدايته.
والأمثال: جمع مَثَل، أي: الأمر العجيب. والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة. (٥) البيوت: جمع بيت. وهو هنا المسجد. وأذن: أمر. وتعظم أي: بالتطهير=

الجزء الثامن عشر
٣٥٥
٢٤ - سورة النُّور
أي: يُصلَّى ﴿لَهُ فِيها، بِالغُدُوِّ﴾: مصدرٌ بمعنى: الغُدوات أي: البُكَر،
﴿والآصالِ﴾ ٣٦: العشايا من بعد الزوال، ﴿رِجالٌ﴾: فاعلُ ((يسَبِّح)) بكسر الباء،
وعلى فتحها نائبُ الفاعل ((له))، ورجالٌ: فاعلُ فعل مُقدّر جواب سؤال مُقدّر، كأنه
قيل: مَن يُسبِّحُه؟ ﴿لا تُلهِيهِم تِجارةٌ﴾ أي: شِراء ﴿ولا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللهِ وإقام الصَّلاةِ﴾
- حذفُ هاء ((إقامة)) تخفيفٌ - ﴿وإيتاءِ الزَّكَاةِ، يَخافُونَ يَومًا تَتَقَلَّبُ﴾: تضطرب ﴿فِيهِ
القُلُوبُ والأبصارُ﴾ ٣٧ من الخوف - القلوبُ بين النجاة والهلاك، والأبصارُ بين
ناحيتَي اليمين والشِّمال - وهو يوم القيامة، ﴿لِيَجِزِيَهُمُ اللهُ أحسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي: ثوابَه
- وأَحَسنُ بمعنى: حَسَن - ﴿وَيَزِيدَهُم مِن فَضِلِهِ. واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيرِ
حِسابٍ﴾ ٣٨. يقال: فُلان يُنفق بغير حساب، أي: يُوسع كأنه لا يحسُب ما يُنفقه.
١- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أعمالُهُم كَسَرابٍ بِقِيعةٍ﴾: جمع قاع أي: في فلاة - وهو شُعاع
يُرى فيها نصفَ النهار في شِدّة الحرّ، يُشبه الماء الجاري - ﴿يَحْسِبُهُ﴾: يظنّه
﴿الظَّمَآَنُ﴾ أي: العطشان ﴿ماءً - حَتَّى إذا جاءَهُ لَم يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ممّا حسِبه، كذلك
الكافر يحسب أنّ عمله كصدقة ينفعه، حتّى إذا مات وقدِم على ربّه لم يجد عمله أي:
لم ينفعه، ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ﴾ أي: عِند عمله، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أي: جازاه عليه في
الدنيا. ﴿واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ٣٩ أي: المُجازاة - ﴿أو﴾ الذين كفروا أعمالهم
السيّئة ﴿كَظُلُماتٍ، فِي بَحرٍ لُجِّيٍّ﴾: عميق، ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوقِهِ﴾ أي: الموجِ
﴿مَوْجٌ، مِن فَوقِهِ﴾ أي: الموجِ الثاني ﴿سَحابٌ﴾ أي: غيم. هذه ﴿ظُلُماتٌ بَعضُها
فَوَقَ بَعضٍ﴾: ظُلمةُ البحر، وظُلمةُ الموج الأوّل، وظُلمةُ الثاني، وظُلمةُ السحاب،
﴿إذا أخرَجَ﴾ الناظر ﴿يَدَهُ﴾ في هذه الظلمات ﴿لَم يَكَذْ يَراها﴾ أي لم: يقرُب من رؤيتها. ﴿ومَن لَم يَجعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فما لَهُ مِن نُورٍ﴾ ٤٠ أي: مَن
لم يَهدِه الله لم يَهتدِ .
سُورَة النّور
رِجَالٌ لَا تُلْهِمْ بِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِالَّهِوَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَ إِنَآءِ
الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَشَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ [﴾
◌ِيَجْنِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ، وَالَهُيَرْزُقُ
مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَسْرَابِ
◌ِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْيَجِدْهُ شَيْئًا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّنْهُ حِسَابَةٌ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أَوَ كَظُلُمَتٍ فِىِ بَحِلُّجِيِ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوٌْ مِّن
فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُّمَتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ
يَكَدْيَرَهَا وَمَن ◌ََّّيَجْعَلِ اللَّهُلَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِن نُورٍ (١٢) أَمْتَرَأَنَّ
اللَّهَ يُسَبِعُ لَهُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَنَفَّتِ كُلُّ قَدْ
عَلِمَ صَلَنَهُ وَتَسْبِحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَايَفْعَلُونَ (٩) وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِالْمَصِيرُ ﴿ أَلَوْتَرَأَنَ الَّهَيُزْجِى
سَحَابَاتُمَ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ, ثُمَّيَجْعَلُهُ زَكَامًا فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ
خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالِ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ
وَبَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءٌ يَكَادُ سَنَا بَرَقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ
٢- ﴿أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾، ومن التسبيح صلاة، ﴿والطَّيرُ﴾: جمع طائر بين السماء والأرض ﴿صافَاتٍ﴾: حالٌ،
باسطاتٍ أجنحَتهنّ، ﴿كُلِّ قَد عَلِمَ﴾ الهُ ﴿صَلاتَهُ وَتَسِيحَهُ. واللّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ٤١. فيه تغليب العاقل، ﴿وللهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ﴾:
خزائنِ المطر والرزق والنبات، ﴿وإِلَى اللهِ المَصِيرُ﴾ ٤٢: المَرجِعُ.
٣- ﴿أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يُزجِي سَحابًا﴾: يسوقُه برِفق، (ثُمَّ يُؤَلَّفُ بَينَهُ﴾: يضمّ بعضه إلى بعض، فيجعل القِطع المُتفرّقة قِطعة واحدة، ﴿ثُمَّ يَجعَلُهُ
رُكامًا﴾: بعضَه فوق بعض - ﴿فَتَرَى الوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخرُجُ مِن خِلالِهِ﴾: مخارجِه - ﴿وَيُنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن﴾: زائدةٌ ﴿جِبالٍ فِيها﴾: في
السماء، بدلٌ بإعادة الجارّ، ﴿مِن بَرَدٍ﴾ أي: بعضَه، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصرِفُهُ عَمَّن يَشاءُ، يَكادُ﴾: يقرُب ﴿سَنا بَرقِهِ﴾: لمعانُه ﴿يَذْهَبُ
بِالأبصارِ﴾ ٤٣ الناظرة له، أي: يَخطَفها .
=والعبادة. ويذكر: يردد في القلوب والألسنة والأعمال. واسمه: أسماؤه الحسنى. والموحدة: الباء. وبكسرها يريد القراءة ((يُسَبِّحُ)). والبُكَر: جمع بُكْرة،
مابين الفجر وطلوع الشمس، يكون فيه صلاة الصبح. والآصال: جمع أصيل، والعشايا: جمع عَشّة. وتكون فيها صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
والزوال: تحول الشمس في منتصف النهار. والرجال: جمع رَجل. وفتحها أي: قراءة ((يُسَبَّحُ))، فيكون ((له)) في محل رفع نائب فاعل. وتلهي: تَشغل. وإقام
الصلاة: أداء الصلوات. والهاء: التاء المربوطة. وإيتاء الزكاة: أداء مافرض على المال لتطهيره وتطهير صاحبه. واليوم: الزمن. والقلوب: جمع قلب.
والأبصار: جمع بصر. ويجزي: يكافئ. ويزيدهم: يضيف إلى ثوابهم. والفضل: التفضل. ويرزقه: يعطيه. وبغير حساب أي: من غير أن يكون الرزق على
قدر الاستحقاق.
(١) الأعمال: جمع عمل. وجاءه أي: أتى الكافر إلى موضع عمله يوم القيامة. ووجد الله أي: رأى حكمه بالمرصاد. ووفاه حسابه: أعطاه جزاء عمله
كاملًا. والسريع: المعجِّل. والظلمة: السواد الدامس. والبحر: ما اجتمع فيه ماء كثير. واللجي: المنسوب إلى اللج. وهو الماء الغزير. ويغشاه: يغمره.
والموج: ما يعلو من الماء ويضطرب. وأخرجها: رفعها. ويرى: يبصر بعينه. ويجعل: يخلق ويقدّر. والنور: الهداية والتوفيق فيها.
(٢) ترى: تعلم بالوحي والاستدلال. ويسبح له: ينزهه بخضوعه للسلطان. والسماوات والأرض: انظر الآية ٥ من سورة آل عمران. والطير: ما يطير
بجناحين. وعَلِمها: أحاط بها بالغَ الإحاطة. والصلاة: الدعاء. ويفعل: يكتسبه في الحياة. وتغليب العاقل يعني التعبير بضمير جماعة العقلاء، وفيما ذكر
مخلوقات لا تعقل. والمُلك: الحيازة والتصرف. وإلى الله أي: إلى حكمه يوم القيامة. والمرجع: رجوع الإنس والجن والملائكة.
(٣) ألم تر: انظر الآية ٤١. والسحاب: واحدته سحابة. وبينه أي: بين أجزائه. ويجعل: يصيّر. وركامًا: متراكمًا. وترى: تبصر عيانًا. ويخرج: يظهر
ويسقط. والخلال: جمع خَلَل. وهو الشَّقّ. وينزل: يُسقط. والسماء: السحاب. وزائدة وبدل: انظر ((المفصل)). والجبال: جمع جبل. وهو الكتلة الضخمة
كجبال الدنيا. والبَرَد: حبات الماء الجامد. ويشاء: يريد إصابته به. ويصرفه: يبعده. والسنا: اللمعان. وبرقه: برق السحاب. والأبصار: جمع بصر.

٢٤ - سورة النُّور
٣٥٦
الجزء الثامن عشر
سُورَة النّور
الجزءُ القَصِ عشر
يُقَلِّبُّ الَهُالَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ اْأَنْصَرِ فِ
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم ◌َّن
يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَآءَايَتٍ مُّبِيِّنَاتٍّ
وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٦) وَيَقُولُونَ
ءَمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّيَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ
ذَلِكَّ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٢٦) وَإِذَادُعُوْإِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ،
لِيَحْكُمْ بََّهُمْ إِذَا فَرِيْقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٨) وَإِن يَكُن لَّهُالْحَقُّ
يَأْتُوَاْإِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٦ أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضَّ أَمِ آَرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ
أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولَةٌ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (@
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٨] وَمَن
يُطِعِ اللَّهَوَرَسُولَهُ, وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ
﴿ وَقْسَمُواْ بِالَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَإِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُنَّقُل
١- ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيلَ والنَّهَارَ﴾ أي: يأتي بكُلّ منهما بدلَ الآخَر - ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾
التقليبِ ﴿لَعِبْرَةَ﴾: دلالة ﴿لِأُولِي الأبصارِ﴾ ٤٤: لأصحاب البصائر، على قُدرة الله
تعالى - ﴿وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دابّةٍ﴾ أي: حيوانٍ ﴿مِن ماءٍ﴾ أي: نُطفة، ﴿فِمِنْهُم مَن يَمْشِي
عَلَى بَطنِهِ﴾ كالحيّات والهوامّ، ﴿وَمِنْهُم مَن يَمِشِي عَلَى رِجَلَينٍ﴾ كالإنسان والطير،
﴿ومِنْهُم مَن يَمْشِي عَلَى أربَع﴾ كالبهائم والأنعام. ﴿يَخلُقُ اللهُ ما يَشاءُ. إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ
شَيءٍ قَدِيرٌ ٤٥. لَقَد أَنزَلْنا آيَاتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أي: بيّنات هي القُرآن، ﴿واللهُ يَهِدِي مَن
يَشاءُ إلَى صِراطٍ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٍ﴾ ٤٦ أي: دِين الإسلام.
٢- ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون: ﴿آمَنّا﴾: صدّقْنا ﴿بِاللهِ﴾: بتوحيده، ﴿وبِالرَّسُولِ﴾
مُحمّد، ﴿وَأَطَعْنا﴾ هما فيما حكما به. (ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾: يُعرِضُ ﴿فَرِيقٌ مِنْهُم مِن بَعدِ
ذُلِكَ﴾ عنه، ﴿وما أُولَئِكَ﴾ المُعرضون ﴿بِالمُؤمِنِينَ﴾ ٤٧ المعهودين المُوافقِ قُلوبُهم
لألسنتهم، ﴿وإذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ المُبلّغ عنه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم، إذا فَرِيقٌ مِنْهُم
مُعرِضُونَ﴾ ٤٨ عن المجيء إليه، ﴿وإن يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ٤٩ :
مُسرعين طائعين.
٣- ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾: كُفر؟ ﴿أم ارتابُوا﴾ أي: شكّوا في نُبّته؟ ((أم
يَخافُونَ أن يَحِيفَ اللهُ عَلَيهِم ورَسُولُهُ﴾ في الحُكم أي: يُظلَموا فيه؟ لا. ﴿بَل
لَا تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةُ إِنَّاللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
6
أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ٥٠ بالإعراض عنه. ﴿إِنَّما كانَ قَولَ المُؤْمِنِينَ، إذا دُعُوا إِلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم،﴾ أي: القولَ اللائق بهم ﴿أن يَقُولُوا: سَمِعْنا وأْطَعْنا﴾
بالإجابة. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ حينئذ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٥١: الناجُون. ﴿ومَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، ويَخْشَ اللهَ﴾: يخافُهُ ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ - بسكون الهاء وكسرها -
بأن يُطيعه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائزُونَ﴾ ٥٢ بالجنّة.
٤- ﴿وأقسَمُوا بِاللّهِ جَهِدَ أَيمانِهِم﴾: غايتَها، ﴿لَئِنْ أمَرَتَهُم﴾ بالجِهاد ﴿لَيَخرُجُنَّ. قُلْ﴾ لهم: ﴿لا تُقْسِمُوا. طاعةٌ مَعْرُوفٌ﴾ للنبيّ خيرٌ من قسمكم
الذي لا تَصدُقون فيه. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ ٥٣، من طاعتكم بالقول، ومُخالفتكم بالفعل. ﴿قُلْ: أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ. فإن تَوَلَّوا)
عن طاعته - بحذف إحدى التاءين خطابٌ لهم - ﴿فإنَّمَا عَلَيهِ ما حُمِّلَ﴾ من التبليغ، ﴿وَعَلَيكُم ما حُمِّلتُم﴾ من طاعته، ﴿وإن تُطِيعُوهُ تَهتَدُوا، وما
علَى الرَّسُولِ إِلّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ٥٤ أي: التبليغ البِيِّن.
(١) الأبصار: جمع بصر، أي: قوة الإدراك والتدبر للدلائل. وخلقه: أوجده من العدم. والدابة: من يمشي أو يتحرك في الأرض أو الجو. وحيوان: حي
فيه روح. والظاهر أن الماء هنا هو الجنس خُلقتْ منه الأحياء المذكورة. ويمشي: ينتقل. والبطن: ما يقابل الظهر. والأربع: القوائم. ولم يُذكر من يمشي
على أكثر لقلته، فالندرة مشمولة بما فُصّل أمره. ويشاء: يريد خلقه. والقدير: المبالغ في التمكن مما يريد. وأنزل: أوحى على لسان جبريل. ويهدي: يرشد
ويوفق. ويشاء: يريد هدايته. والمستقيم: المعتدل.
(٢) اختصم منافق اسمه بشر ويهودي، وأراد اليهودي الاحتكام إلى النبي ◌َّل، وبشر يطلب الاحتكام إلى كعب بن الأشرف، فنزلت الآيات ٤٧-٥٤. البحر
٤٦٧:٦. ويقول أي: بلسانه خلاف ما في قلبه. وأطعناهما: امتثلنا الأمر والنهي. والفريق: الجماعة. وعنه: عن النبي ◌َّر، لأنه المباشر للحكم. ودُعوا:
طلب منهم الذهاب. ويحكم: يقضي. والمعرض: الممتنع. ويكن: يثبت. والحق: الحكم على الخصم. وإليه: إلى النبي ◌َّ.
(٣) القلوب: جمع قلب. وهو موطن الاعتقاد والتدبر والاتعاظ. والمرض هو الرذائل النفسية، وأشنعها النفاق. ويخاف: يتوقع. ويظلموا: يجار عليهم.
وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فيظلموا)). ويعني بـ ((لا)) إبطال خوفِهم من الحيف، أي: مضمون الجملة الأخيرة. فالمراد: لا يخافون ظلمًا، ولكنهم منافقون.
والظالم: الواضع للشيء في غير موضعه. فهم ظلموا الحقيقة وأنفسهم بالكفر والنفاق. وعنه: عن الحكم الشرعي. وسمعنا: أدركنا وفهمنا. والإجابة: العمل
بالأمر والنهي. والناجون أي: من العذاب إلى رحمة الله. ويطيعه: يجيبه إلى ما أمر ونهى. ويخافه: انظر ((المفصل)). ويتقيه: يخشى غضبه ويطلب رضاه
بالطاعة. وبكسرها يريد القراءة ((ويَتَّقِهِ)). والهاء في القراءتين: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. وإنما سكنت في الأولى على نية الوقف.
(٤) روي أن المنافقين كانوا يقولون للرسول *: أينما كنت نكن معك، ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. فجاءت الآيتان توجهانهم إلى العمل مع القول. تفسير
البغوي ٣٥٣:٣. وأقسم: حلف. والأيمان: جمع يمين. وهو القسم. انظر الآية ١٠٩ من سورة الأنعام. وأمرتهم: ألزمتهم. ويخرجون أي: يغادرون ديارهم
للقاء العدو. والطاعة: الاستجابة والانقياد. والمعروفة: المعلومة لاشك فيها ولا تردّد، كطاعة المخلصين الصادقين. والخبير: المطّلع المحيط بالغَ الإحاطة.
وتعملون: تكتسبونه وتتحملونه من نية أو قول أوفعل. وتولوا: تُعرضوا وتمتنعوا. وخطاب لهم أي: أن الفعل مضارع لاماض. خ: ((خطابًا لهم)). وحمل:
كلف به وأمر. وحملتم: كلفتم به وأمرتم بعمله. وتهتدوا: تصيبوا الحق والرشد في طاعته. والرسول: المرسل بالوحي لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل.

الجزء الثامن عشر
٣٥٧
٢٤ - سورة النُّور
١- ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأرضِ﴾ بدلًا عن
الكُفّار، ﴿كَما استَخلَفَ﴾ - بالبناء للفاعل والمفعول - ﴿الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ من بني
إسرائيل بدلًا عن الجبابرة، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم ◌ِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم) - وهو الإسلام -
بأن يُظهره على جميع الأديان، ويُوسّع لهم في البلاد فيملكوها، ﴿وَلَيُبْدِلَنَّهُم﴾ -
بالتخفيف والتشديد - ﴿مِن بَعدِ خَوفِهِم﴾ من الكُفّار ﴿أمنًا﴾. وقد أنجز الله وعده لهم
بما ذكره، وأثنى عليهم بقوله: ﴿يَعبُّدُونَنِي لا يُشرِكُونَ بِي شَيئًا﴾. هو مستأنف في حُكم
التعليل. ﴿وَمَنْ كَفَرَ، بَعدَ ذُلِكَ﴾ الإنعام منهم، به ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ٥٥. وأوّل
من كفر به قَتَلةُ عُثمانَ - رضي الله عنه - فصاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانًا .
◌ُودَة النّور
الجزء التَّصِعِشَرِ
قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَطِيعُوْ الرَّسُولٌ فَإِنْ تَوَلَّوْفَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ
وَعَلَيْكُمْ مَّا عُمِّلْتُهٍّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وَأْوَمَا عَلَى الرَّسُولِ
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
٥٤
إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّهُمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَايَعْبُدُونَنِلَا يُشْرِكُونَبِ
شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ()
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
وَ لَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِّ
تُرْحَمُونَ :
٢- ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ، لَعَلَّكُمْ تُرحَمُونَ﴾ ٥٦ أي: رجاءَ
الرحمة. ﴿لا تَحْسِبَنَّ﴾ - بالفَوقانيّة، والتحتانيّة والفاعل الرسول - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا
مُعجِزِينَ﴾ لنا ﴿في الأرضِ﴾ بأن يفوتونا، ﴿ومأواهُمُ﴾: مرجعهم ﴿النّارُ، وَبِئْسَ
المَصِيرُ﴾ ٥٧: المرجعُ هي!
وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ (®ّ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
لِيَسْتَعْدِنَّكُمْ الَّذِينَ مَكَتْ أَيْمَنْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْيَبْلُغُوْ اَلْحُلُمُ مِنْكُرْ
ثَلَثَ مَّتَّ مِنْ قَبْلِ صَلَوِالْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ الْتَّهِيَرَةِ
وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِالْعِشَاءِ تَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ
وَلَ عَلَيَّهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَ هُنََّفُونَ عَيْكُمْبَعْضُكُمْ عَى
بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لِيَستَأذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء،
﴿وَالَّذِينَ لَم يَبلُغُوا الحُلُمَ مِنكُم﴾ من الأحرار وعرَفوا أمر النساء، ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾: في
ثلاثة أوقات، ﴿مِن قَبِلِ صَلاةِ الفَجرِ، وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُم مِنَ الظَّهِيرةِ﴾ أي: وقتَ
الظهر، ﴿وَمِن بَعدِ صَلاةِ العِشاءِ. ثلاثُ عَوراتٍ لَكُم﴾ - بالرفع: خبرُ مبتدأٍ مُقدّرٍ،
بعده مُضافٌ، وقام المُضاف إليه مَقامه أي: هي أوقاتُ، وبالنصب بتقدير ((أوقاتَ))
منصوبًا بدلًا من محلّ ما قبله، قام المُضاف إليه مَقامه - وهي لإلقاء الثياب تبدو فيها العورات، ﴿لَيسَ عَلَيكُم ولا عَلَيهِم﴾ أي: المماليكِ
والصِّبيانِ ﴿جُنَاحٌ﴾، في الدخول عليكم بغير استئذان، ﴿بَعدَهُنَّ﴾ أي: بعد الأوقات الثلاثة. هم ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُم﴾ للخدمة، ﴿بَعضُكُم﴾ طائف
﴿عَلَى بَعضٍ﴾. والجملة مُؤكّدة لما قبلها. ﴿كَذْلِكَ﴾: كما بَيّن ما ذَكرَ، ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أي: الأحكامَ، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأُمور خلقه،
﴿حَكِيمٌ﴾ ٥٨ بما دبّره لهم. وآيةُ الاستئذان قيلَ: منسوخة، وقيل: لا ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان.
(١) كان بعض الصحابة شكّوا، في المدينة، ما يلقون من عداوة المشركين وأهل الكتاب، ومن دوام الحروب وحمل السلاح، فنزلت الآية. المستدرك
٢: ٤٠١ والواحدي ص ٣٤١-٣٤٢. ووعدهم: تعهد لهم بخير. وعمل: اكتسب بالنية أو اللسان أو الفعل. والصالحات: ما شرع من الفروض والسنن.
ويستخلفهم: يجعلهم خلفاء بالحكم والتصرف. والأرض: بلاد العرب والعجم. وبالمفعول يريد القراءة ((استُخلِفَ)). والجبابرة: العرب من العماليق
والفراعنة. ويمكّنه: يقويه ويجعل له مكانًا مستقرًا. وارتضاه: اختاره وقبله. وبالتشديد يريد القراءة ((وَلَيُبَدِّلَنَّهُم)). والتبديل والإبدال فيهما معنى إزالة الخوف،
وتثبيت الأمن مكانه. والخوف: الفزع. وبما ذكره أي: الاستخلاف والتمكين والطمأنة. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((بما ذكر)). ويعبد: يقدس ويطيع.
ولا يشركون أي: يوحدون ويخلصون. والشيء: ما هو موجود أو محتمل الوجود أو متخيل. وكفر: جحد النعمة ولم يقم بحقها من الشكر والإخلاص
والطاعة. وبه أي: بالإنعام المذكور. والفاسق: المخل بأحكام الشريعة. وقتلة عثمان أي: الفتنة بمقتل عثمان، رضي الله عنه. وفي الأصل: قتلهُ عثمانُ.
(٢) إقامة الصلاة: أداؤها كاملة. وإيتاء الزكاة: تأديتها إلى مستحقيها. وأطيعوه: استجيبوا لأمره ونهيه. وترحمون: يُعطف عليكم بالتوفيق والنعم. ولعلّ:
للترجي والتعليل. وتحسب: تظن. والفوقانية: التاء. وبالتحتانية يريد القراءة ((لا يَحسِبَنَّ)). ولا يلزم من النهي وقوع المنهي عنه قبل، لأنه يراد به طلب عدم
وقوعه أصلًا. وكون الضمير للرسول 18 يعني شمول الناس أيضًا، لأن النهي لكل سامع أو قارئ. وكفر: كذّب الله ورسوله. والمعجز: السابق لا يلحقه
العذاب ولا يدركه. والأرض: موطن الحياة الدنيا. ويفوتونا: يهربوا ويفروا من عذابنا. والمأوى: المكان الذي يلتجأ إليه. والنار: نار جهنم. وفي هذا تهكم
وسخرية. وبئس: بلغ الغاية في البؤس والشر والضرر. و((هي)) يعود على النار، مذموم مرتين: في جنسه ((المصير))، وفي اختصاصه هنا.
(٣) روي أن النبي ◌َّل بعث غلامًا إلى عمر، وقت الظهيرة، فرآى من عورته ما لا يجوز، فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا، عن الدخول علينا في
هذه الساعات، إلّا بإذن. ثم انطلق إلى الرسول وَ﴿، فوجد الآيات ٥٨-٦٠ قد نزلت، فخرّ ساجدًا. الواحدي ص ٣٤٢. ويستأذنكم: يطلب السماح بالدخول
عليكم. وملكت أيمانكم: حازتها أيديكم من العبيد والجواري. والأيمان: جمع يمين. وهي اليد اليمنى. ويبلغه: يصل إليه. والحُلم: القدرة على الجماع.
وأمر النساء أي: ما يميز الجميلة من غيرها. انظر الآية ٣١. والمرة: المدة من الوقت. والفجر أي: الصبح. وتضعونها: تنزعونها عنكم. والثياب: جمع
ثوب، أي: بعضها. والعشاء: مابعد صلاة المغرب. والعورة: اختلال التستر. وبعده أي: بعد المبتدأ. والتقدير: هي أوقاتُ ثلاثٍ عورات. وبالنصب يريد
القراءة (ثَلاثَ)). فالتقدير: أوقاتَ ثلاثِ عورات. وليس عليكم أي: في تمكينهم من الدخول. ولا عليهم أي: في الدخول. والجناح: الذنب. والطوّاف:
الذي يمضي ويجيء. ويبين: يوضح ويفصل. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان
الأشياء. و((قيل)) يعني أن في نسخ حكم الاستئذان قولين: أحدهما يقرّره ويثبته، والثاني ينفيه ويبين سبب عدم التزامه. وهو الراجح.

٢٤ - سورة النُّور
٣٥٨
الجزء الثامن عشر
سُورَة النّور
المجرةُ الَّصَدِ عِ
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ كَمَا أُسْتَنْذَنَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُلَكُمْ ءَايَتِهِ، وَالَهُ
عَلِيمٌحَكِيمٌ ﴾ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ
نِكَاحًا فَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ
غَيْرَ مُتَبَّرِّحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَهْ وَاللَّهُ
الَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ
حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ
مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْبُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْبُتِ أُمَّهَتِكُمْ
أَوْبُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْبُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ
أَعْمَمِكُمْ أَوْبُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْيُتِ أَخْوَ لِكُمْ
أَوْبُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْمَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ:
أَوْصَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ
جَمِيعًا أَوْأَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوْنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ
تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ
يُبَيِّبُ اللَّهُ لَكِكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (ّ
١- ﴿وإذا بَلَغَ الأطفالُ مِنكُمُ﴾ - أيها الأحرار - ﴿الحُلُمَ فَلْيَستأذِنُوا﴾ في جميع
الأوقات، ﴿كَما استأذَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ أي: الأحرارُ الكبار - ﴿كَذْلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ
لَكُمْ آيَاتِهِ، واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٥٩ - والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾: قعدْنَ عن الحيض والولد
لكِبَرَهنّ، ﴿اللِّي لا يَرِجُونَ نِكَاحًا﴾، لذلك، ﴿فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ
ثِيابَهُنَّ﴾ من الجِلباب والرداء والقِناع فوق الخِمارِ، ﴿غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾: مُظهرات
﴿بزِينةٍ﴾ خفيّة كقلادة وسِوار وخلخال، ﴿وأن يَستَعِفِفْنَ﴾ بألّا يضعنها ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ.
واللهُ سَمِيعٌ﴾ لقولكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٦٠ بما في قُلوبكم.
٢- ﴿لَيسَ عَلَى الأعمَى حَرَجٌ، ولا عَلَى الأَعَرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾، في
مُؤاكلة مُقابليهم، ﴿ولا﴾ حرجَ ﴿عَلَى أَنفُسِكُمَ أن تأكُلُوا مِن بُيُوتِكُم﴾ أي: بُيوت
أولادكم، ﴿أو بُيُوتِ آبائكُم أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكُم، أو بُيُوتِ إخوانِكُمْ أو بُيُوتٍ أُخَواتِكُم،
أو بُيُوتِ أعمامِكُم أو بُيُوتِ عَمّاتِكُم، أو بُيُوتِ أخوالِكُم أو بُيُوتِ خالاتِكُم، أو ما
مَلَكْتُم مَفاتِحَهُ﴾ أي: خزنتموه لغيركم، ﴿أو صَدِيقِكُم﴾ وهو مَن صَدَقكم في مودّته -
المعنى: يجوز الأكل من بُيوت من ذُكر، وإن لم يحضروا، أي: إذا عُلم رضاهم به -
﴿لَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تأكُلُوا جَمِيعًا﴾ أي: مُجتمعين، ﴿أو أشتاتًا﴾ أي: مُتفرّقين
جمع شتّ. نزل فيمن تحرّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يُؤاكله يترك
الأكل.
٣- ﴿فإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ لكم، لا أهل فيها، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أنفُسِكُم﴾ أي: قولوا: ((السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصّالِحِينَ)) - فإن الملائكة تردّ
عليكم - وإن كان بها أهل فسلّموا عليهم ﴿تَحِيّةً﴾: مصدرُ: حيّا، ﴿مِن عِندِ اللهِ مُباركةً طَيِّةً﴾ يُئاب عليها. ﴿كَذْلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أي:
يُفْصّل لكم معالمَ دِينكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦١: لكي تفهموا ذلك.
(١) بلغه: أدركه وصار فيه. والأطفال: جمع طفل. وهو الصبي الصغير. وفي جميع الأوقات أي: دائمًا، لافي الأوقات الثلاثة المذكورة في تلك الآية.
والذين من قبلهم: الذين كانوا بالغين قبلهم، وتبيَّن حكمهم في الآيات ٢٧- ٢٩. ويبين: انظر آخر الآية ٥٨. والقواعد: جمع قاعد، أي : المرأة انقطعت عن
الحيض والحمل. ولم تؤنث بالتاء لأنها صفة خاصة بالإناث. والنساء: جمع نسوة. والنسوة: واحدته امرأة. ويرجون: يرغبن. والنكاح: المضاجعة. ولذلك
أي: لكبرهن. ويضعن: يخلعن. والجلباب: الملحفة تستر البدن كله. والزينة: ما يُتزين به. ويستعفف: يطلب العفة بفعل ما هو أجمل. ولا يضعنها أي:
لا ينزعن بعض الثياب. وخير: أفضل. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. وفي هذا تهديد وحث على الصلاح. والعليم: المحيط كاملَ الإحاطة دائمًا .
(٢) روي أن بعض المسلمين كانوا بعد نزول الآية ٢٩ من سورة النساء يتحرجون من مؤاكلة المرضى، والمرضى يتنزهون عن مؤاكلتهم، وأن آخرين كانوا إذا
خرجوا من ديارهم، وتركوا مفاتيحها مع أقاربهم، تحرج الأقارب أن يأكلوا مما فيها، فنزلت الآية. تفاسير الطبري ١٢٨:١٨-١٢٩ والبغوي ٣٥٧:٣ وابن
كثير ٢٩٤:٣-٢٩٥ والخازن ٧٤:٥ والقرطبي ٣١٢:١٢ والواحدي ص ٣٤٣ -٣٤٤ ولباب النقول. والأعمى: الذي لا يبصر. والحرج: الإثم. والأعرج: من
في رجله عرج. والمريض: من فسدت صحته بعلة. ومقابليهم: الذين يأكلون معهم وهم من الأصحاء. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان بروحه وجسده.
وعلى أنفسكم: عليكم أنتم وأمثالكم. والخطاب للمسلمين. وتأكلوا أي: طعامًا أو شرابًا. والبيوت: جمع بيت. وهو مكان الإقامة والسكن. ومن بيوتكم:
مما في بيوتكم من الطعام. وفسّرها ببيوت الأولاد لأن بيوتهم من بيوت آبائهم. ويدخل فيها أيضًا بيوت الحفدة. وسقط ((أي)) مما عدا الأصل والنسخ، في
أكثر ما ورد هنا. والآباء: جمع أب. وهو الوالد ومن فوقه من الجدود. والأمهات: جمع أمهة. وهي الوالدة ومن فوقها من الجدات. والإخوان: جمع أخ.
وهو الشقيق وغيره. والأخوات: جمع أخت. وهي الشقيقة وغيرها. والأعمام: جمع عم. وهو أخو الأب. والعمات: جمع عمة. وهي أخت الأب.
والأخوال: جمع خال. وهو أخو الأم. والخالات: جمع خالة. وهي أخت الأم. وملكته: صار في حوزتك حق التصرف فيه. والمفاتح: جمع مِفتح. وهو
الآلة لفتح ما يغلق. وخزنته: حفظته من بيت ومال بتكليف أو توكيل. وصديقكم أي: بيوت أصدقائكم. والصديق: واحده صديق أيضًا. ومن ذكر أي:
الأصناف الأحد عشر. والجناح: الانصراف عن الحق. والشت: المنفرد. ونزل أي: الحكم الأخير ((ليس عليكم جناح)). فهو اعتراض لبيان حكم آخر، من
جنس ما قبله. وفي الوجيز أن الحكم متصل بما قبله، رخصة بالتفرق والاجتماع، وإن كان ثمة مريض وغيره فالجملة بدل من نظيرتها قبل. وفي النسختين:
نزلت .
(٣) دخلتم: بدأتم بالدخول. وجعل المحلي ((بيوتًا)) للمخاطبين بقوله ((لكم))، لأن بيوت الغير وردت في الآية ٢٧. والتعميم هنا أولى - وهو ما عليه جمهور
المفسرين - لورود ذكر بيوت الآخرين في الآية هذه. ولا أهل فيها أي: خالية من السكان. وفيما عدا الأصل وخ: ((لا أهل بها». وسلموا: ادعوا بالسلامة من
كل بلاء وضرر. وتحية: دعاء بالخير. ومن عنده أي: بأمره وحكمته. و((يثاب عليها)): تفسير لـ(مباركة)) أي: التي يرجى بها دوام الخير والثواب. والطيبة:
التي تطيب بها نفس السامع وتطمئن.

الجزء الثامن عشر
٣٥٩
٢٤ - سورة النُّور
١- ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وإذا كانُوا مَعَهُ﴾ أي: الرسولِ ﴿عَلَىِ أمرٍ
جامِع﴾، كخطبة الجُمعة، ﴿لَم يَذْهَبُوا﴾ لعُروض عُذر لهم ﴿حَتَّى يَستأذِنُوهُ. إنَّ الَّذِينَ
يَستأذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. فإذا استأذَنُوكَ لِبَعضِ شأنِهِم﴾: أمرهمِ
﴿فَالَّذَنْ لِمَن شِئتَ مِنْهُم﴾ بالانصراف، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ. إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٢.
٢ - ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعاءِ بَعضِكُمْ بَعضًا﴾، بأن تقولوا: يا مُحمّد. بل
قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله. في لِينٍ وتواضعٍ وخفض صوت. ﴿قَد يَعلَمُ اللهُ الَّذِينَ
يَتَسَلَّلُونَ مِنكُم لِواذًا﴾ أي: يخرجون من المسجد، في الخُطبة من غير استئذان خُفيةً
مستترين بشيء. وقد: للتحقيق. ﴿فَلْيَحذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَن أمرِهِ﴾ أي: اللهِ أو
رسولِهِ ﴿أَن تُصِيبَهُم فِتْنَةٌ﴾: بلاء، ﴿أو يُصِيبَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٦٣ في الآخرة.
٣- ﴿ألا إنَّ للهِ ما في السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وعبيدًا وخلقًا. ﴿قَد يَعلَمُ ما أنتُم﴾ -
أيها المُكلّفون - ﴿عَلَيْهِ﴾ من الإيمان والنفاق. ﴿و﴾ يعلم ﴿يَومَ يُرجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ - فيه
التفات عن الخِطاب - أي: متى يكون، ﴿فَيُنَبِّهُمِ﴾ فيه ﴿بِما عَمِلُوا﴾، من الخير
والشرّ. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ﴾ من أعمالهم وغيرها ﴿عَلِيمٌ﴾ ٦٤ .
سُورَة النّول
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ.
عَلَى أَمْرِ جَامِع لَّمْ يَذْ هَبُواْحَقَّى يَسْتَعْذِنُوْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ
أُوْلَبِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أَسْتَخْذَ نُوكَ
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْلَهُمُ
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُ عَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ
يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَلَّ إِنَّلِلَِّ
مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ
يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمْ
٦٤
شُورَةُ الفُرْقَان
تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
جَ الَّذِى لَهُوهُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ شَرِيٌ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍفَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا @
ثلاثة أرباع
الخزب
٣٦
سورة الفُرقان
٤- مكية إلّا ((والذين لا يدعون مع الله إلّهًا آخر)) إلى ((رحِيمًا)) فمدني، وهي
سبع وسبعون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَدِ
٥- ﴿تَبَارَكَ﴾: تعالى ﴿الَّذِي نَزَّلَ الفُرقانَ﴾: القرآن، لأنه فرق بين الحقّ والباطل، ﴿عَلَى عَبدِهِ﴾: مُحمّد، ﴿لِيَكُونَ لِلعالَمِينَ﴾ أي: الإنس
والجنّ ﴿نَذِيرًا﴾ ١: مُخوّفًا من عذاب الله، ﴿الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، ولَم يَتَّخِذْ وَلَدَا وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلكِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾
من شأنه أن يُخلَق، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٢: سوّاه تسوية، ﴿واتَّخَذُوا﴾ أي: الكُفَّارُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: اللهِ أي: غيرَه ﴿آلهةً﴾ هي الأصنام، ﴿لا
يَخلُقُونَ شَيْئًا وهُم يُخلَّقُونَ، ولا يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِمِ ضَرَّا﴾ أي: دَفْعَه ﴿ولا نَفعًا﴾ أي: جَرَّه، ﴿ولا يَملِكُونَ مَوتًا ولا حَياةَ﴾ أي: إماتة لأحد وإحياء
لأحد، ﴿ولا نُشُورًا﴾ ٣ أي: بعثًا للأموات.
(١) في لباب النقول أن المنافقين كانوا يتسللون، بدون إذن في غزوة الخندق، وبعضَ المسلمين يستأذن للضرورة القصوى، يقضيها ويعود، وآخرين ينادون
النبي وَ لّ باسمه أو كنيته، فنزلت الآيات ٦٢-٦٤. والمؤمن: الكامل الإيمان. والأمر: الشأن والحال. وجامع أي: سبَّبَ جمعهم. ويذهب: يغادر مكان
الاجتماع. ويستأذن: يطلب السماح بالذهاب. وشئت: أردت الإذن له. واستغفر: اطلب ستر الذنوب والعفو عنها، لأن الخروج باستئذان أيضًا تقصير عن
حضور الجماعة. والغفور: الكثير الستر للذنوب والتجاوز عنها. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة للمؤمنين. (٢) تجعلوا: تصيّروا. ودعاؤه:
نداؤه. وبعضكم: الواحد منكم أو الأكثر. ويَعلمهم: علمهم، أي: أحاط بأمرهم وعملهم. ومنكم: من جماعتكم. وفي الخطبة أي: وغيرها مما تجتمعون
له. و((مستترين)): تفسير لـ (لواذًا)). خ: ((متسترين)). وكون ((قد)»: للتحقيق، في الآيتين، يقتضي أن المضارع بعدها بمعنى الماضي، وعُبِّرَ عنهٍ بالمضارع للدلالة
على الاستمرار حينذاك. ويحذر: يتوقّى. وهو في الظاهر لتجنب الفتنة والعذاب، وحقيقته لتجنب العصيان المسبّب لهما. ويخالف: يُعرِض ويصد. والأمر:
طلب الفعل. وتصيبه: تنزل به. وفي الآخرة أي: والدنيا أيضًا. (٣) السماوات والأرض أي: وما بينهما. وخُصا بالذكر لأنهما منتهى ما يعرفه المخاطبون.
انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وإيراد المحلي ((عبيدًا)) بين الملك والخلق، بخلاف ما ألف من تعبيره، إشعار بأن ((ما)) هي للعاقل وغير العاقل.
وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ملكًا وخلقًا وعبيدًا)). واليوم: الوقت. ويرجع: يرد بالبعث للحساب والجزاء. وإليه: إلى قضائه وحكمه. والتفات أي: إلى الغَيبة
في (يُرجعون)) وما بعد، ليشمل المعنى جميع البشر. وينبئهم: يخبرهم ليكون الجزاء بعد التذكير والإقرار، أي: يخبرهم بأعمالهم يوم رجوعهم إلى حسابه.
والفاء: حرف زائد لتوكيد تعلق الفعل بمعموله ((يوم)) قبله. وهذا أولى مما ذكره المحلي جريًا على قول المعربين، وأنسب للوقف التام بعد ((عليه)) الوارد في
ص ٨٠٢ من إيضاح الوقف والابتداء. وعملوا: اكتسبوه من نية أو قول أو فعل. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده. والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة.
وفي هذا تهديد ووعيد للردع، والحث على الطاعة والإخلاص. (٤) مدني: يعني الآيات ٦٨- ٧٠. (٥) تعالى: ترفع وتسامى عما سواه، في ذاته وصفاته
وأفعاله. ونزله: أوحى به مفرَّقًا مفضَّلًا. وصيغة الماضي هنا تفيد ما مضى، وما سيكون من التنزيل أيضًا بعد هذه الآية، حتى يكتمل القرآن الكريم. والعبد:
المخلوق المملوك بالقهر والرعاية والتعبد. ويكون: يصير. والعالم: مجموع الجنس من المخلوقات. والمخوّف: المفزّع. والمُلك: الحيازة والقهر
والتصرف. والسماوات والأرض أي: وما فيهما وما بينهما وما في غيرهما من مخلوق. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ولم يتخذ: لم يصنع لنفسه
ولن يُنزِل أحدًا تلك المنزلة. والشريك: المشارك والمماثل. وخلق: أوجد من العدم. وسواه تسوية: جعله مستويًا تبعًا لما خُلق وميسَّرًا له. واتخذ: جعل.
والآلهة: جمع إله. وهو المعبود تقديسًا وطاعة. ويُخلقون: يُصنعون بأيدي الناس. ويملك: يستطيع. والأنفس: جمع نفس. وهي ذات الشيء وحقيقته.
والضر: ما فيه الأذى. ودفعه: منعه. والنفع: ما فيه الخير. وجرّه: جلبه. والإماتة: خلق الموت في الحي. والإحياء: خلق الحياة في الميت.

٢٥ - سورة الفرقان
٣٦٠
الجزء الثامن عشر
سُورَةِ الفُرْقِبَان
الجزءُ التَّصِ عِشْرِ
وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةٌ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا
وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْإِنْ هَذَاإِلََّ إِفُْ
اُفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُّ ءَآخَرُونَّ فَقَدْ جَاءُ وظُلْمًا وَزُورًا
﴿ وَقَالُواْأَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اُكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (®َا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورً ارَّحِيًّا (٦) وَقَالُواْ
مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ
لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْيُلْقَى
إِلَيْهِ كَنْزُ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ
الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّرَجُلًا مَّسْحُورًا (٥٦) أَنْظُرْ
كَيّفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلاً ﴾ْ تَبَارَكَ الَّذِىِ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورُ الرََّبَلْ
كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا
١- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هُذا﴾ أي: ما القرآنُ ﴿إِلّا إفكٌ﴾: كذِبٌ ﴿افَتَراهُ﴾
مُحمّد، ﴿وأعانَهُ عَلَيهِ قَومٌ آخَرُونَ﴾. وهم من أهل الكتاب - قال تعالى: ﴿فقَد جاؤُوا
ظُلمًا وَزُورًا﴾ ٤: كُفرًا وكذبًا، أي: بهما - ﴿وقالُوا﴾ أيضًا: هو ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾:
أكاذيبهم، جمع أُسطورة بالضم، ﴿اكتَتَبَها﴾: انتسخها من ذلك القوم بغيره. ﴿فھْيَ
تُملَى﴾: تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها، (بُكْرةً وأصِيلًا﴾٥: غُدوة وعشيًّا. قال تعالى ردًّا
عليهم: ﴿قُلْ: أَنزَلَهُ الَّذِي يَعلَمُ السِّرَّ﴾: الغيب، ﴿فِي السَّماواتِ والأرضِ. إنَّهُ كانَ
غَفُورًا﴾ للمؤمنين، ﴿رَحِيمًا﴾ ٦ بهم.
٢- ﴿وقالُوا: مالِهذا الرَّسُولِ، يأكُلُ الطَّعامَ، ويَمْشِي في الأسواقِ؟ لَولا﴾: هلّا
﴿أُنزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ٧: يُصدّقه، ﴿أو يُلقَى إِلَيْهِ كَنزٌ﴾ من السماء
يُنْفقه، ولا يحتاجُ إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، ﴿أو تَكُونُ لَهُ جَنَةٌ﴾:
بُستان، ﴿يأكُلُ مِنها﴾ أي: من ثمارها فيكتفي بها. وفي قراءة: ((نأكُلُ)) بالنون أي:
نحن، فيكون له مزيّةٌ علينا بها. ﴿وقالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين: ﴿إِن﴾:
ما ﴿تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسحُورًا﴾ ٨: مخدوعًا مغلوبًا على عقله.
٣- قال تعالى: ﴿انظُرْ: كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمثالَ﴾ بالمسحور، والمُحتاج إلى ما
يُنْفقه وإلى ملَك يقوم معه بالأمر، ﴿فضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فلا يَستَطِيعُونَ
سَبِيلًا﴾ ٩: طريقًا إليه؟ ﴿تَبَارَكَ﴾: تكاثر خيرُ ﴿الَّذِي إن شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذُلِكَ﴾
الذي قالوه، من الكنز والبُستان، (جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ﴾ أي: في الدنيا،
لأنه شاء أن يُعطيه إيّاها في الآخرة، ﴿ويَجعَلْ﴾ - بالجزم - ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ ١٠ أيضًا. وفي قراءة بالرفع استئنافًا.
٤ - ﴿بَلِ كَذَّبُوا بِالسّاعةِ﴾: القيامة، ﴿وأعتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعةِ سَعِيرًا﴾ ١١: نارًا مُستعرة أي مُشتدّة، ﴿إذا رأتْهُم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها
تَفَيُّظًا﴾: غليانًا كالغضبان، إذا غلى صدره من الغضب، ﴿وَزَفِيرًا﴾ ١٢: صوتًا شديدًا، وسماعُ التغيّظ: رؤيته وعِلمه، ﴿وإذا أُلِقُوا مِنها مَكانًا
ضَيِّقًا﴾ - بالتشديد والتخفيف، بأن يُضيّق عليهم، ومنها: حال من ((مكانًا)) لأنه في الأصل صفة له - ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: مُصفّدين قد قُرنت، أي:
(١) كفر: كذّب الله ورسوله. وافتراه: اختلقه وليس وحيًا من عند الله. وأعانه: قدّم له أخبار الأمم وبعض شرائعهم. والآخرون: المغايرون للنبي وَّ. وأهل
الكتاب: بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. فقد روي أن النضر بن الحارث وآخرين اتهموا النبي ول# باقتباس القرآن الكريم من أقوالهم. تفسير القرطبي
٣:١٣. وأيضًا: يعني أن القائلين هم مشركو قريش. وهو أي: القرآن الكريم. والأولون: الأمم الماضية. وانتسخها: طلب كتابتها له. وبغيره أي: بوساطة
من يكتب. وغدوة وعشيًا أي: في الأوقات المختلفة. وأنزله: أوحاه وأمر باتباعه. ويعلم: يحيط إحاطة كاملة. والغيب: ما غاب عن إدراك المخلوقات
وحواسهم. وفي السماوات والأرض أي: وفيما سواهما من الكون. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وكان أي: وما يزال دون قيد زماني. والغفور:
الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالصفح عن المؤمنين.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. والطعام: ما يؤكل. والأسواق: جمع سوق. وهي ما يكون فيه اجتماع للبيع والشراء. وأنزل: أرسل. والمَلَك: مخلوق
نوراني يوليه الله شيئًا من السياسات في الخلق. ويكون: يصير. والنذير: المهدِّد بالانتقام من العاصي. ويلقى: يسقط. والكنز: ما كثر من مال ومعادن ثمينة.
ويأكل: يتغذى. والظالم: من يتجاوز الحد. والكفر أشنعه. وتتبعون: تطيعون. ومغلوبًا أي: غلبته الجن وخبلته.
(٣) انظر: تدبّر وتأمل. وضرب: جعل. والأمثال: جمع مَثَل. وهو الأمر العجيب المخالف للمعقول يذكر للتنادر. وضل: خرج عن الحق. ولا يستطيعون
سبيلًا: لا يجدون وسيلة يهتدون بها إلى التكذيب. وإليه: إلى الطعن في الهدى، وهو يقتضي احتجاجًا معتبرًا، لا اقتراحات شاذة متوهمة. وشاء: أراد عطاءك
في الدنيا. وجعل: وهب. والخير: الأفضل. والجنة: الحديقة فيها أشجار ومنازل. وتجري: تسيل وتتدفق. وتحتها: تحت منازلها. والأنهار: جمع نهر.
ولأنه أي: الله تعالى. وإياها أي: الجنات. وفي الأصل: ((أن يعطيها له)). والقصور: جمع قصر. وهو البيت الرفيع الفخم. وتبارك: انظر الآية ١. وبالرفع
يريد القراءة ((ويَجعَلُ)).
(٤) بل: حرف استئناف معناه الإضراب الإبطالي، لإنكار ما زعموه، أي: ما منعهم من الإيمان أنك بشر تتصرف مثلهم، بل منعهم تكذيبهم بالساعة لما
سيلقون فيها. وكذبوا بها: أنكروا مجيئها. وأعتد: هيأ. وفيما عدا الأصل وث: ((مسعّرة)). ورأتهم أي: رأوها عيانًا. والمكان: الموضع. وبعيد أي: أقصى
ما يمكن أن يُرى منه الشيء. والتغيظ: إظهار الغضب بحركات وأصوات. وألقوا: قذفوا. والضيق: المنضم بعضه إلى بعض. وبالتخفيف يريد القراءة
((ضَيْقًا)). وحال أي: الجار والمجرور متعلقان بحال مقدمة محذوفة. والمصفد: المشدود الرجلين بالقيد. والأغلال: جمع غُلّ. والتشديد: التضعيف في:
مقرّنين. ودعَوه: نادَوه مستغيثين، أي: يا ثبوراه احضر. فهذا أوانك، وأنت أهون علينا مما نحن فيه. وهنالك: في ذلك المكان. واليوم: في هذا الوقت.
وادعُوا: اطلبوا. ولعذابكم أي: لأن عذابكم أنواع كثيرة، يحتاج إلى ثبور كثير، فيكون دعاؤكم موافقًا لقدره. وفيما عدا الأصل: ((كعذابكم)). والصواب من
التلخيص والبيضاوي.