النص المفهرس

صفحات 301-320

الجزء الخامس عشر
٣٠١
١٨ - سورة الكهف
١- ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذلك المكان، بالسير إلى وقت الغداء من ثاني يوم، ﴿قَالَ﴾ موسى
﴿لِفَتَاهُ: آتِنَا غَداءَنا﴾ هو ما يُؤكل أوّل النهار. ﴿لَقَد لَقِينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ ٦٢ :
تعبًا. وحصوله بعد المُجاوزة. ﴿قالَ: أَرَأَيتَ﴾ أي: تنبّهُ ﴿إِذ أوَينا إلَى الصَّخرةِ﴾
بذلك المكان. ﴿فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ - وما أنسانِيهِ إلّا الشَّيطانُ﴾، يُبدل من الهاء:
﴿أن أذكُرَهُ﴾ بدل اشتمال أي: أنساني ذِكرَه - ﴿وَاتَّخَذَ﴾ الحوتُ ﴿سَبِيلَهُ فِي البَحرِ
عَجَبًا﴾ ٦٣ مفعول ثان، أي یتعجّب منه موسی وفتاه، لِما تقدّم في بيانه.
٢- ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذُلِكَ﴾ أي: فقدُنَا الحوتَ ﴿ما﴾ أي: الذي وكُنَا نَبَغِي﴾:
نطلبه. فإنه علامة لنا على وُجود من نطلبه. ﴿فارتَدًا﴾: رجَعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ يقُصّانها
﴿قَصَصًا﴾ ٦٤، فأتيا الصخرة، ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرِ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً
مِن عِندِنا﴾ نُبُوّةً في قولٍ، وولايةً في آخَرَ وعليه أكثر العلماء، ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنَا﴾: من قِبَلِنَا ﴿عِلمًا﴾ ٦٥: مفعولٌ ثان، أي: معلومًا من
المُغيّبات.
٣- روى البخاريّ حديثَ ((أنّ مُوسى قامَ خَطِبًا في بَنِي إسرائيلَ فسُئلَ: أيُّ النّاسِ أعلَمُ؟ فقالَ: أنا. فعتَبَ اللهُ علَيهِ إذ لم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحَى
اللهُ إلَيْهِ: إِنّ ◌ِي عَبدًا بمَجَمَع البَحرَينِ، هُوَ أَعلَمُ مِنكَ. قالَ مُوسَى: يا رَبِّ، فَكَيفَ لِي بِهِ؟ قالَ: تأخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجعَلُهُ فِي مِكتَلٍ. فَحَيثُما فَقَدتَ
الحُوتَ فهوَ ثَمَّ. فَأَخَذَ حُوَتًا فَجَعَلَهُ في مِكتَلٍ، ثُمّ انطَلَقَ وانطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ حَتّى أَيَا الصَّخْرَةَ وَوَضَعا رُؤُوسَهُما فناما.
٤- واضطَرَبَ الحُوتُ في المِكتَلِ، فخَرَجَ مِنْهُ، فسَقَطَ في البَحرِ فانَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحرِ سَرَبًّا. وأمسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِريةَ الماءِ، فصارَ عَلَّيهِ
مِثْلَ الطّاقِ. فلمّا استَيقَظَ نَسِيَ صَاحِبُه أن يُخِرَهُ بالحُوتِ، فانطَلَقا بَقِيَةً يَومِهِما ولَيلِهِما. حَتَّى إذا كانا مِنَ الغَدَاةِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَداءنا،
إلى قوله: واتّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحرِ عَجَبًا. قَالَ: وكانَ لِلحُوتِ سَرَبًّا، ولِمُوسَى ولفَتَاهُ عَجَبًا)». إلى آخره.
٥- ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى: هَل أَتَّبِعُكَ، عَلَى أن تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلَّمَتَ رَشَدًا﴾ ٦٦ أي: صوابًا أُرشَدُ به؟ وفي قراءة بضمّ الراء وسكون الشين. وسأله ذلك
(١) جاوزه: غادره وانصرف عنه. وفتاه: الغلام يوشع بن نون. وآتنا: أعطنا وقدم لنا، ولقينا: تحملنا وعانينا. والسفر: الرحيل والتنقل. وبعد المغادرة:
يعني أن التعب حصل لهما بعد مغادرة مجمع البحرين، وكأنهما لم يجدا تعبًا في السفر الطويل قبل وتنبه: انتبه واستمع لِما أحدثك به من شأن الحوت.
وتفسير ((أرأيت)) بـ ((تنبه)) قول الأخفش - انظر معاني القرآن له ص ٢٧٥ والدر المصون ٥٢١:٧ - وهو بعيد وغير مناسب، لأنه لا يحسن بالخادم مثل هذا
الخطاب، والراجح أن يكون التقدير: أعلمتَ ما جرى؟ أي: أتذكر إذ أوينا؟ فالهمزة هنا استفهامية لطلب التصديق معناه التعجب، أو يكون التقدير: أرأيت
أمرنا ما عاقبته؟ انظر النهر الماد في حاشية البحر ٦: ١٤٢ والفتوحات ٣٤:٣ والآيتين ٤٠ و٤٦ من سورة الأنعام. ونسيتُه: نسيت ذكر الحوت وما جرى فيه
لك، وأنسانيه: شغلني بالوسوسة عنه فلم أذكره لك. وفي ط والمطبوعات: ((وما أنسانيهُ)). بضم الهاء على لغة بعض العرب. والشيطان: من نسل إبليس يغري
بالشر ويشغل عن الخير. وبدل اشتمال: يعني أن المصدر المؤول من ((أن أذكره)» هو لبيان المنسيّ وتوكيده لأنه مما اشتمل عليه. وبيانه: يعني ما ذكره من
إنجاء الله الحوت، وما جرى له في البحر.
(٢) نبغي: نقصده. وفيما عدا الأصل والنسخ: (تَبغ)) بحذف الياء للتخفيف، تبعًا لرسم المصاحف، وإثبات الياء جائز، كما ذكرنا في الآية ١٧. والآثار:
جمع أثر، أي: ما تركاه من تأثير في الأرض بمشيهما، يعني: رجعا على أدراجهما من حيث جاءا. ويقص: يتبع. والقصص: الاتباع. ووجد: لقي.
والعباد: جمع عبد، المملوك خلفًا وتصرفًا وتعبدًا. وهو الخضر، نبي من بني إسرائيل، واسمه إيليا بن ملكان والخضر لقب له، والرحمة: العطف بالإحسان.
وعلمناه: أوحينا إليه وألهمناه. ومن لدنا: مما يختص بنا ولا يعلمه أحد إلّا بتوقيفنا.
(٣) الرواية هنا ببعض الخلاف لما أخرجه الشيخان. انظر الحديثين ٤٤٤٨ في البخاري و٢٣٨٠ في مسلم وتفسير ابن كثير. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب من
اليهود في ذلك الوقت. وهم قوم موسى. وعتب عليه: لامه وخاطبه بالإدلال والتنبيه. وكيف لي به: كيف لي الظفر به؟ والحوت: السمكة. والمكتل: سلة
من خوص النخل. وثَمّ أي: فالعبد المذكور يكون هناك في ذاك المكان. ووضعا أي: على الأرض. ورؤوسهما: رأسيهما. وجاز التعبير بالجمع عن المثنى،
كما جاز في نحو ((صغت قلوبكما)) من الآية ٤ في سورة التحريم.
(٤) اضطرب: تحرك ودب فيه النشاط. والظاهر أنه كان ما يزال فيه بقية من حياة. والجرية: هيئة الجريان. والطاق: ماتقوس كالقنطرة. وهو هنا مسدود
الآخر لا منفذ له. وصاحبه: فتاه يوشع. وبالحوت: بما كان من ذهابه في البحر، والغداة: الصباح. وقال أي: قال النبي (، في تفسير الآية. وإلى آخره
أي: إلى آخر الحديث.
(٥) هل أتبعك أي: هل تسمح لي أن أصحبك. وفي هذا حسن تأدب وتلطف في طلب العلم. وتعلمني: تجعلني أتعلم. وفيما عدا الأصل والنسخ:
(تعلمنٍ))، بحذف ياء المتكلم للتخفيف، اتباعًا لرسم المصاحف، وإثباتها جائز كما ذكرنا في الآية ١٧. وعُلّمتَ أي: عُلِّمته. وأرشد: أُهدَى إلى الخير . =
١٨ - سورة الكهف
تتمة ٣٠١
الجزء الخامس عشر
سَتَجِدُفِ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا لََّ قَالَ
فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا
﴿ فَانطَلَقَا حَقّ إِذَا رَكِبًا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا
لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِنْتَ شَيْئًا إِمْرَالََّ قَالَ أَلَوْ أَ قُلْ إِنَّكَ
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٦) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا
تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (٣٦) فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمَا فَقَتَلَهُ.
قَالَ أَقْذَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِنَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا(٦ّ]
لأنّ الزيادة في العِلم مطلوبة. ﴿قالَ: إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا ٦٧. وكَيفَ تَصِرُ
عَلَى ما لَم تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ٦٨؟ في الحديث السابق، عقِبَ هذه الآيةِ: ((يا مُوسَى. إنّي
عَلَى عِلمٍ مِن ◌ِلمِ اللهِ عَلّمَنْهِ لا تَعلَّمُه، وأنتَ علَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلّمَكَهُ اللهُ لا
أَعلَمُهُ)). وقوله ((خُبرًا)) مصدر، لمعنى ((لم تُحط)) أي: لَم تَخُر حقيقته.
١- ﴿قَالَ: سَتَجِدُنِيَ، إن شاءَ اللهُ، صابِرًا ولا أعصِي﴾ أي: وغيرَ عاصٍ ﴿لَكَ
أمرًا﴾ ٦٩ تأمرني به. وقيّد بالمشيئة لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزمَ. وهذه
عادة الأنبياء والأولياء ألّا يثقوا إلى أنفسهم طَرْفَةً عين. ﴿قَالَ: فإنِ اتَّبِعتَنِي فلا
تَسأَلْنِي﴾ - وفي قراءة بفتح اللام وتشديد النون - ﴿عَنْ شَيءٍ﴾ تُنكره منّي في عِلمك،
واصبرْ ﴿حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكرًا﴾ ٧٠ أي: أذكرَه لك بعِلّته. فقبل مُوسَى شرطه،
رعايةً لأدب التعلّم من العالِم.
٢- ﴿فَانطَلَقًا﴾ أي: يمشيانِ على ساحل البحر. ﴿حَتَّى إذا رَكِبًا فِي السَّفِينَةِ﴾ التي مرّت بهما ﴿خَرَقَها﴾ الخَضِرُ، بأن اقتلع لوحًا أو لوحين منها،
من جهة البحر بفأس، لمّا بلغَتِ اللَّجَّ. ﴿قَالَ﴾ له مُوسَى: ﴿أَخَرَفَتَها لِتُغْرِقَ أهلَها﴾؟ وفي قراءة بفتح التحتانيّةِ والراءِ ورفع ((أهلُها)». ﴿لَقَد جِئتَ
شيئًا إمرًا﴾ ٧١ أي: عظيمًا مُنكرًا. رُوي أنّ الماء لم يدخلها. ﴿قَالَ: أَلَّم أقُلْ: إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا ٧٢؟ قالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾
أي: غفَّلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك، ﴿ولا تُرهِقْني﴾: تُكلّفني ﴿مِن أمرِي عُسْرًا﴾ ٧٣: مشفّة في صُحبتي إياك، أي: عاملني فيها
بالعفو واليُسر.
٣- ﴿فَانطَلَقًا﴾ بعد خُروجهما من السفينة يمشيان. ﴿حَتَّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ لم يبلغِ الحِنثَ، يلعبُ مع الصّبيان أحسنَهم وجهًا، ﴿فَقَتَلَهُ﴾ الخَضِر
بأن ذبحه بالسكّين مُضطجعًا، أو اقتلع رأسه بيده، أو ضرب رأسه بالجدار، أقوالٌ - وأتَى هنا بالفاء العاطفة لأنّ القتل عقب اللَّقيّ - وجواب
((إذا)»: ﴿قَالَ﴾ له مُوسَى: ﴿أَقَتَلتَ نَفسًا زاكِيةً﴾ أي: طاهرة لم تبلغ حدّ التكليف - وفي قراءة ((زَكِيَّةٌ)) بتشديد الياء بلا ألف - ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي:
لم تقتلْ نفسًا؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾ ٧٤ بسكونِ الكاف وضمِّها أي: منكرًا. ﴿قَالَ: أَلَم أقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾ ٧٥؟ زاد «لك»
=وبالضم يريد القراءة ((رُشْدًا)). وهو الهداية. وتستطيع: تقدر وتحتمل. أي: لن تصبر معي، لأنك سترى أمورًا ظاهرُها ينكرها الرجل الصالح. فكيف بالنبي،
لا يشمتز ويبادر بالإنكار؟ والصبر: التحمل بدون اعتراض. وتحيط به: تعلم حقيقته، والخُبر: العلم اليقيني. والسابق: يعني الحديث الذي رواه في تفسير
الآية ٦٥ عن البخاري. ومن علم الله أي: مما يختص بالله، ولا يعلمه أحد إلّا بوحي أو توقيف رباني. وفيما عدا الأصل: بمعنى لم تحط .
(١) تجدني: تبصرني وتراني، وشاء: أراد لي الصبر والطاعة. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد
ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. وفي هذا الشرط تقييد بمشيئة الله - عز وجل - وتعليم لآداب التوكل والاستعانة. انظر الآية ٢٣. والتقدير: إن شاء
الله فستجدني صابرًا وغير عاص. وإذا جعلت جملة ((لا أعصي)) معطوفة، على جملة ((ستجدني) فالتقييد للوجدان والطاعة معًا. وأعصي: أخالف ولا أنفّذ.
والأمر: التكليف بشيء مهما كان. والتزم: تعهد وتكفل، و((إلى أنفسهم)) كذا من التلخيص، جعل ((يثق)) بمعنى: يميل ويركن، فعدّاه بـ ((إلى))، وعدى ((ثقة))
أيضًا بـ (من)) و((في)). والصحيح أن تكون التعدية بالباء، فيقول: ألا يثقوا بأنفسهم، وطرفة العين: الزمن الحاصل في فتح العين وإغلاقها. واتبعتني: صحبتني
وسرت معي. ولا تسألني: لاتفاتحني بالاستعلام عن سبب، فضلًا عن المناقشة والاعتراض. وبفتح اللام وتشديد النون يريد القراءة "فلا تَسألَنِّي». والنون هذه
تفيد المبالغة في توكيد النهي، والشيء: ما يحصل من قول أو فعل، وأحدثه: آتي به وأفعله بنفسي. و((حتى)) هنا: استثنائية للاستدراك والتحقيق، بمعنى:
لكن، أي: ((لكن أنا أفاتحك بذكر ما يبين الأمر». وعلته أي: سببه الذي يبين وجه الحق فيه. وفيما عدا الأصل والنسخ: المتعلم مع العالم. (٢) انطلق:
ذهب وتابع السفر. وركبها: علاها وصار فيها. والسفينة: سفينةٌ ما. وخرقها: ثقبها. واللج: موج الماء ومعظمه. يعني وسط البحر. خ: ((بلغ اللج)). وفي ط
والصاوي والمنحة والمطبوعات: ((بلغت اللجج)). وتغرقهم: تميتهم خنقًا بالماء. وأهلها: أصحابها الراكبون فيها. ويفتح التحتانية والراء يريد القراءة «لِيَغْرَقَ
أهلُها)». والتحتانية: الياء بدلًا من التاء، لأن النقطتين من تحتها، وجئته: أتيت به وفعلته، والشيء: ما هو حاصل بالفعل. و((لم يدخلها)) كذا من التلخيص،
وزاد فيه: ((رقعها الخضر بقّدَح زجاج)). والظاهر أن الخرق كان من أعلى السفينة، لا يدركه ماء البحر، هو يفسدها ولا يسبب دخول الماء إليها. وألم أقل
أي: لقد قلت لك حقًا. وتؤاخذ: تعاقب وتجزي. والأمر: الشأن والحال.
(٣) لقي: صادف ورأى، والغلام هنا: الشاب من أبناء إحدى القرى، والحنث: العصيان للتكليف، ولم يبلغ الحنث: لم يبلغ سن التكليف، ليؤمر فيعصي
ويجرم. وهذا التفسير للغلام من التلخيص وقول جمهور المفسرين، وهو مشكل مع قوله تعالى ((بغير نفس))، إذ يدل على كبره، ليؤاخذ بجريمة عملها. ولوكان
طفلًا لم يجب قتله بنفس أو بغير نفس، البحر ٦: ١٥٠. وقد روي أنه كان بالغًا كافرًا، أو قاطعًا للطريق. فتح القدير ٣: ٤٣٠، وانظر الآية ٨٠. ومع ذلك فإن
هذه التفصيلات أخبار إسرائيلية مصنوعة، ليس لها سند موثق. فلا اعتداد بها. والمضطجع هو الغلام، أي: ذبحه بعد أن أضجعه. وقتله: أزهق روحه. وفي
قرة العينين والمنحة وبعض المطبوعات: ((اللقاء)». والنفس: الإنسان. والزاكية: التي لم تذنب. وذلك لأن موسى لم ير للغلام ذنبًا يوجب قتله، والزكية: أبلغ
في الطهارة والصفاء. ويضم الكاف يريد القراءة «نُكُرًا)). خ: ((أي منكرًا بسكون الكاف وضمها»، كما في الوجيز والتلخيص. وبغير نفس: بدون قتل نفس
أخرى مظلومة. و((زاد لك)) يعني: سببُ ورود («لك)) في هذه الآية، دون الآية ٧٢، هو أن عذر موسى بالنسيان ليس له هنا قبول، بعد تذكيره بوجوب الصبر
وعدم الإنكار. وهذه الزيادة تعني تحاملًا في الخطاب وتقريعًا وزجرًا، مع وسم بقلة الصبر، لتكرر الاعتراض والإنكار. خ: ((ههنا)). وسألتك: بادرتك بسؤال
أو اعتراض. وشيء: عمل أو قول تقوم به. وبلغتّ عذرًا أي: وجدتَ بالغ الحجة والدليل القاطع. وبالتخفيف يريد القراءة ((لَدُنِي)).
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ ءَإِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا
هَذَا نَصَبَالِهَا قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَبِنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ
الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلََّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ وَالنَّخَذَ سَبِيلَهُ.
فِ الْبَحْرِعَبَ ◌ََقَالَ ذَلِكَ مَا كُتَّانَبْغَ فَارْتَدًا عَلَىّءَاثَارِهِمَا
قَصَصًا [®] فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَاْءَ انَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ
عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمَالِيَُّقَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ
عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا () قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَعِىَ صَبْرًا () وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَالَ تُحِطْ بِهِ خَبْرً ◌ََّ قَالَ

الجزء السادس عشر
٣٠٢
١٨ - سورة الكهف
على ما قبله لعدم العذر هنا. ولهذا ﴿قالَ: إن سألتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها﴾، أي:
بعد هذه المرّة، ﴿فلا تُصاحِبْنِي﴾: لا تتركْني أتبعُك. ﴿قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّ﴾،
بالتشديد والتخفيف: من قِبَلي ﴿عُذْرًا﴾ ٧٦ في مُفارقتك لي.
الجزء ١٦
الجزء ٣١
١- ﴿فَانطَلَقا. حَتَّى إذا أتَيا أهلَ قَرْيةٍ﴾ هي أنطاكيةُ ﴿استَطعَما أهلَها﴾: طلبا
منهم الطعام ضيافةً، ﴿فأبَوا أن يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾ ارتفاعُه مِائَة ذراع،
﴿يُرِيدُ أن يَنقَضَّ﴾ أي: يقرُبُ أن يسقط لميلانه، ﴿فَأَقامَهُ﴾ الخَضِر بيده. ﴿قَالَ﴾ له
مُوسَى: ﴿لَو شِئتَ لَتَخِذْتَ﴾ - وفي قراءة: ((لاتَّخَذتَ)) - ﴿عَلَيهِ أجرًا﴾ ٧٧ : جُعْلًا
حيثُ لم يضيّقونا، مع حاجتنا إلى الطعام. ﴿قَالَ﴾ له الخَضِر: ﴿هذا فِراقُ﴾ أي:
وقتُ فراقٍ ﴿بَيْنِي وَبَينِكَ﴾. فيه إضافة (بين)) إلى غير متعدّد، سوّغها تكريره بالعطف
بالواو. ﴿سأُنْبِّكَ﴾ قبل فراقي لك، ﴿بِتَأْوِيلِ ما لَم تَستَطِعْ عَلَيْهِ صَبرًا﴾ ٧٨.
٢- ﴿أمّا السَّفِينَةُ فكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ عشَرةٍ، ﴿يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾ بها مُؤاجرةً لها طلبًا
للكسب، ﴿فَأَرَدتُ أن أَعِيبَها، وكانَ وَراءَهُم﴾ إذا رجَعوا، أو أمامَهم الآنَ ﴿مَلِكٌ﴾
كافر، ﴿يأخُذُ كُلَّ سَفِينةٍ﴾ صالحةٍ ﴿غَصْبًا﴾ ٧٩. نصبُه على المصدر المُبيّن لنوع
الأخذ. ﴿وأمّا الغُلامُ فكانَ أبَواهُ مُؤمِنَينٍ، فَخَشِينا أن يُرِهِقَهُما طُغْيانًا وكُفرًا﴾ ٨٠.
فإنه، كما في حديث مُسلم، طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهقهما ذلك، لمحبّتهما له يتبعانه
في ذلك. ﴿فَأَرَدْنا أن يُبَدِّلَهُما﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةٌ﴾ أي:
صلاحًا وتُقَّى، ﴿وأقرَبَ﴾ منه ﴿رُحْمًا﴾ ٨١، بسكون الحاء وضمّها، أي: رحمةً.
وهي البرّ بوالديه. فأبدلهما تعالى جارية تزوّجتْ نبيًّا، فولدتْ نبيًّا فهدى الله - تعالى -
سُورَةِ الْجَتَفْ
الحى العاشر عشر
* قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٥ثّ قَالَ إِن
سَأَلْتُكَ عَن شَىءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا
﴿ فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأ
أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَافِيهَا جِدَارَايُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ.
قَالَ لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٦﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ
وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعٍ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿ أَمَّا
السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا
وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٨) وَأَمَّا الْغُلَمُ
فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا
﴿ فَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَءُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا
﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ
تَحْتَهُ، كَفْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَاَ
أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِحَاكَنَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْنُهُ.
عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْتَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا ◌ْلْوَيَسْشَلُونَكَ
عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا فـ
به أُمّةً. ﴿وأمّا الجِدارُ فكانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ في المَدِينةِ، وكانَ تَحتَهُ كَنزٌ﴾: مال مدفون من ذهب وفضّة ﴿لَهُما، وكانَ أُوهُما صالِحًا﴾، فحُفِظا
بصلاحه في أنفسهما ومالهما، ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أن يَبلُغا أَشُدَّهُما﴾ أي: إيناسَ رُشدهما، ﴿وَيَستَخرِجا كَنزَهُما، رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾: مفعول له عامله
((أراد)). ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ أي: ما ذُكر، من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، ﴿عَن أمرِي﴾ أي: اختياري، بل بأمر إلهام من الله. ﴿ذُلِكَ
تأوِيلُ ما لَم تَسطِعْ علَيهِ صَبْرًا﴾ ٨٢. يقال: اسطاعَ واستطاعَ بمعنى: أطاقَ. ففي هذا وما قبله جمعٌ بين اللغتين. ونُؤْعَتِ العبارةُ في: فأردتُ،
فأردنا، فأرادَ رَبُّكَ.
٣- ﴿وَيَسألُونَكَ﴾ أي: اليهودُ ﴿عَن ذِي القَرِنَينِ﴾ اسمه الإسكندر، ولم يكن نبيًّا. ﴿قُلْ: سأتلُو﴾: سأقُصُّ ﴿عَلَيْكُم مِنْهُ﴾: من حاله
﴿ذِكرًا﴾ ٨٣: خبرًا. ﴿إِنّا مَكَّنَا لَهُ في الأرضِ﴾ بتسهيل السير فيها، ﴿وآتَيناهُ مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ يَحتاج إليه ﴿سَبَبًا﴾ ٨٤: طريقًا يُوصله إلى مُراده،
﴿فَاتَّبَعَ سَبَيًا﴾ ٨٥: سلك طريقًا نحو المَغْرِب. ﴿حَتَّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمسِ﴾: موضع غُروبها ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾: ذات حمْأة وهي
(١) أتياهم: دخلا بلدهم. وقرية أي: بلدة. وأهلها: جميع أهلها واحدًا واحدًا. وأبى: امتنع. ويضيفه: ينزله عنده ضيفًا. ووجد: رأى. والجدار: الحائط.
و((مائة ذراع)) قد تبارى القصاصون في المبالغات لوصفِ الجدار، وكل ذلك من خرافات الإسرائيليات التي لا يدركها الخيال. وأقامه: رده قائمًا كما كان. وشئت:
أردت أخذ الأجر. وتخذت: تناولت. فهو اعتراض ملطّف. والفراق: ترك الصحبة. وأنبئك: أعلمك وأبيّن لك. والتأويل: إظهار ما كان خفيّا ببيان حقيقته.
(٢) المساكين: جمع مسكين. وهو الذي يملك ما لا يكفيه. ويعملون: يشتغلون بأجر. وبها: بالسفينة. والمؤاجرة: أخذ الأجر. وأردت: قصدت. وأعيبها:
أجعلها ذات نقص. و((إذا رجعوا)) يعني أن الملك خلفهم، فهم يخشونه إذا رجعوا. وأمامهم أي: أن ((وراء)) يراد به: أمام، لأنه جهة تقابل أُخرى، فكل منهما
وراء الثانية. والملك: الحاكم المستبد. ويأخذ: ينتزع. والغصب: القهر والظلم. ونصبه: يعني أن ((غصبًا)): مفعول مطلق. وأبواه: أبوه وأمه. وخشينا:
خفنا. فقد أعلم اللهُ الخَضِرَ بما عليه الغلام من الشر، وهو شاب قاطع طريق. ويرهقهما: يكلفهما بشدة. والطغيان: مجاوزة الحد بالفساد والشر. وطبع على
الكفر: كان مجبولًا عليه في أخلاقه وعمله. وأردنا: قصدنا. وبالتخفيف يريد القراءة ((يُبْدِلَهُما)) أي: يرزقهما بديلًا. وخيرًا منه: ولدًا نفعه أكثر. وأقرب
رحمًا: رحمته أشد. وبضمها يريد القراءة ((رُحُمًا)). والغلام هنا: الطفل الصغير. واليتيم: الذي فقد أباه. والصالح: من كان في نيته وقوله وفعله ما يرضي الله
وينفع الناس. وأراد: قضى. ويبلغه: يصير فيه. والأشُد: كمال القوة والاقتدار. وإيناس رشدهما أي: علمه لدى الناس. والرحمة: العطف بالإحسان. ومن
ربك: من عنده وبفضله. وفعلته: قمت به. وحذفت التاء من ((تستطيع)) للتخفيف. وفي تنويع العبارة ضرب من البيان بأنواع التبليغ.
(٣) يسألونك: يطلبون الجواب. والإسكندر: ملك أعجمي من الصالحين، هو غير المقدوني عاش قبل موسى، وكان الخضر وزيره، وله سدّ عظيم مشهور.
ومكنا: ثبّتنا ملكه. وآتيناه: أعطيناه. واتّبعه: سار فيه. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فأ تُبَعَ)). وتغرب: تغيب. وعين: ينبوع ماء. يعني البحر غرب إفريقية.
وفي العين أي: في ذلك الينبوع المنصب في البحر. ورأي عين أي: عين الإنسان. وتتخذ: تجعل. والحُسن: العمل فيه الخير. وبالأسر أي: مع الإرشاد.
وظلم: أصرّ على الظلم. ويرد: يصير في الآخرة. وبضم الكاف يريد القراءة ((نُكُرًا)). والتفسير: التمييز. وللنسبة أي: التمييز لنسبة الخبر إلى المبتدأ في
الجملة، إذ التقدير: فالحسنى كائنة له جزاءً.

١٨ - سورة الكهف
٣٠٣
الجزء السادس عشر
سُورَةِ الْجَمَفْ
الجزء التهناشِ عَة
إِنَّا مَكَتَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا (٥) فَأَنْعَسَبَبًا
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَیْنٍ حَمِنَّةٍ
وَوَجَدَ عِندَ هَا قَوْمَا قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ نَنَّخِذَ
فِيهِمْ حُسْنَا لَ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّيُرَدُّإلَىِرَبِّهِ،
فَيُعَذِّبُهُ عَذَابَا تُكْرًا (٦َ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَآءً
حَّة
واْحُسْنِى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [ثَّثُمَ أَنْبَعَ سَبَبًا:(بَ
إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَوْنَجْعَل لَّهُمْ مِن
دُونِهَا سِتْرً [® كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً ا ثُمَ أَنْبَعَ
سَبَبًا ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّذَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا
لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلَ (بَ قَالُوْيَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّيَأْجُوَ وَمَأْجُوجَ
مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجَعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَاوَبَيْنَهُمْ
سَدَّا (®َّ قَالَ مَامَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَ عِنُونِبِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمَا [٥َءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
◌َ فَمَا أَسْطَعُوْأَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَعُوْلَهُ نَقْبَالـ
الطين الأسود - وغروبها في العَين في رأي العين. وإلّا فهي أعظم من الدنيا -
﴿وَوَجَدَ عِندَها﴾ أي: العَينِ ﴿قَومًا﴾ كافرين. ﴿قُلْنا: يا ذا القَرنَينِ﴾ بإلهام، ﴿إِمّا أن
تُعذِّبَ﴾ القومَ بالقتل، ﴿وإمّا أن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسنًا﴾ ٨٦ بالأسر. ﴿قالَ: أمّا مَن ظَلَمَ﴾
بالشِّرك ﴿فِسَوفَ نُعَذِّبُهُ﴾: نقتله، (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ ٨٧، بسكون
الكاف وضمّها أي: شديدًا في النار. ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسنَى﴾
أي الجنّةُ - والإضافةُ للبيان. وفي قراءة بنصبِ ((جَزاءً)) وتنوينِه. قال الفراء: نصبُه
على التفسير أي: لجهة النِّسبة - ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمرِنا يُسْرًا﴾ ٨٨ أي: نأمره بما
يسهل عليه.
١ - ﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ ٨٩ نحو المَشرِق. ﴿حَتَّى إذا بَلَغَ مَطلِعَ الشَّمسِ﴾: موضعَ طُلوعها
﴿وَجَدَها تَطْلُعُ علَى قَومِ﴾ هم الَّنجِ، ﴿لَم نَجعَلْ لَهُم مِن دُونِها﴾ أي: الشمسِ
[سِتْرًا﴾ ٩٠ من لباس ولًا سقف، لأنّ أرضهم لا تحمل بناء، ولهم سُروب يغيبون
فيها عِند طُلوع الشمس، ويظهرون عِند ارتفاعها. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: الأمرُ كما قلنا.
﴿وَقَد أَحَطْنا بِمَا لَدَيْهِ﴾ أي: عِندَ ذي القرنينِ، من الآلات والجُند وغيرهما،
﴿خُبْرًا﴾ ٩١: عِلمًا.
٢- ﴿ِثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا ٩٢. حَتَّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّينِ﴾، بفتح السين وضمّها هنا وبعدُ:
هما جبلان بمُنقطَع بلاد الترك، سدّ الإسكندر ما بينهما كما سيأتي، ﴿وَجَدَ مِن
دُونِهِما﴾ أي: أمامَهما ﴿قَومًا، لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَولًا﴾ ٩٣ أي: لا يفهمونه إلّا بعد
بُطء. وفي قراءة بضمّ الياء وكسر القاف. ﴿قَالُوا: يا ذا القَرنَينِ، إنَّ يأُجُوجَ ومأجُوجَ﴾ - بالهمز وتركه: هما اسمان أعجميّان لقبيلتين، فلم
ينصرفا - ﴿مُفسِدُونَ في الأرضِ﴾ بالنهب والبغي، عند خروجهم إلينا. ﴿فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾: جُعلًا من المال - وفي قراءة: ((خَراجًا)) -
﴿عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَينَهُم سَدًّا﴾ ٩٤ حاجزًا، فلا يَصِلون إلينا؟
٣- ﴿قَالَ: ما مَكَّنِّي﴾ - وفي قراءة بنونين من غير إدغام - ﴿فِيهِ رَبِّي﴾، من المال وغيره، ﴿خَيرٌ﴾ من خرجكم الذي تجعلونه لي. فلا حاجة بي
إليه، وأجعلُ لكم السدّ تبرّعًا. ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوّةٍ﴾: لِما أطلبه منكم، ﴿أجعَلْ بَينَكُم وبَينَهُم رَدمًا﴾ ٩٥: حاجزًا حصينًا. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾:
قِطَعه على قَدْر الحِجارة التي يُبنى بها. فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم. ﴿حَتَّى إذا ساوَى بَيْنَ الصُّدُفَينِ﴾ - بضمِّ الحرفين وفتحِهما، وضمِ
الأول وسكونِ الثاني - أي: جانبَي الجبلين بالبناء، ووضع المنافخ والنار حول ذلك، ﴿قالَ: انفُخُوا﴾. فنفخوا. ﴿حَتَّى إذا جَعَلَهُ﴾ أي: الحديدَ
(١) المشرق: جهة الشروق. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ثم أتْبَعَ)). وموضع طلوعها: البلاد التي تشرق الشمس عليها أولًا من الهند وما حولها. والمراد
بالزنج: الأقوام السود يعيشون في الشرق. ونجعل: نصيّر. ومن دونها أي: بينها وبينهم. ولا تحمل البناء أي: لكثرة الزلازل. والسروب: جمع سَرَب. وهو
السِّرداب. وارتفاع الشمس: غيابها عنهم. وفي تفسير الرازي: ((ويظهرون عند غيبوبتها)). وأحطنا به أي: علمنا كل شيء فيه.
(٢) اتبع سببًا: سلك طريقًا نحو الشرق شماليّ إيران. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ثم أتْبَعَ سبًا)). وبين السدين: ما يفصل كلًّا من الجبلين عن الآخر.
وبضمها يريد قراءة ((السُّدَّينِ)) في هذه الآية، و((سُدًّا)) في الآية ٩٤. وبمنقطعه: في مكان انتهائه. والمراد: بعد بلاد قدماء الترك من جهة الشمال الشرقي.
والسد المذكور قيل: هو في الصين. وقيل: بين أرمينية وأذربيجان. ومن أمامهما أي: من جهة القوم المذكورين. وبكسر القاف يريد القراءة ((يُفْقِهُونَ)) أي:
لا يُفهمون غيرهم قولًا. ويأجوج ومأجوج هما هنا قومان حقيقيان، مشهوران بالبدائية والعدوان والخِلقة الشوهاء، وذكرت في أوصافهما أساطير تفوق الخيال.
وبتركه يريد القراءة ((ياجُوجَ وماجُوجَ)). ولم ينصرفا: مُنعا من التنوين للعلمية والعجمة. والمفسد: الذي عمله الشر ومجانبة الصواب ويشيع ذلك. ونجعل:
نصيّر. وفي المنحة: فلا يصلوا إلينا .
(٣) بنونين يريد القراءة ((ما مَكَّنَنِي)) أي: ما بسط لي ويسر. وخير: أكثر فائدة. وأعينوني: ساعدوني. والقوة: ما يُتقوى به من عمال وآلات ومواد. وما ذُكر
عن رجل من المدينة أنه رأى هذا الردم في عهد النبوة، ثم وصفه للنبي ومؤ، هو حديث مرسل والرجل مجهول لا يحتج به في مثل هذا المقام. انظر تفسير ابن
كثير ١٠١:٣-١٠٢ والدر المنثور ٤: ٢٥٠-٢٥١ والكشاف ٧٤٧:٢-٧٤٨ وحاشية ابن حجر عليه. وآتوني: أحضروا لي. وساواه: ملأه وجعله مساويًا
للجبلين. وما ذكره المحلي هنا يريد به ثلاث قراءات: ما أثبتناه و((الصَّدَفَينِ)) و((الصُّدْفَينِ)). وجانبا الجبلين: طرفاهما المتقابلان. وجعل: صيّر. والمنافخ:
جمع مِنفَخ. وأفرغ: أصبّ. ولاعمال الثاني يعني أن ((قطرًا)): مفعول به للفعل الثاني: أَفْرغْ، وحذف المفعول الثاني للفعل الأول ((آتوا)). واسطاع واستطاع:
أطاق. وحذفت التاء في الأول للتخفيف. وجاء: قضي. والوعد الأول: وقت المقدَّر الموعود به. والثاني: ما وُعد الخلق به مما سيكون. والرحمة: العطف
بالإحسان. ومن ربي: من عنده وبأمره. وجعله: صيّره. وكان أي: وما يزال دائمًا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وفيما عدا الأصل
والنسخ: ((دَكّاءَ)). وكائنًا أي: واقعًا لاشك فيه.

الجزء السادس عشر
٣٠٤
١٨ - سورة الكهف
﴿نارًا﴾ أي: كالنار ﴿قالَ: أَتُونِيَ، أُفرِغْ عَلَيهِ قِطرًا﴾ ٩٦. هو النحاس
المُذاب، تنازعَ فيه الفعلان، وحُذف من الأوّل لإعمال الثاني. فأفرَغَ النحاسَ
ربع
المُذاب على الحديد المُحمَى، فدخل بين زُبره فصارا شيئًا واحدًا - ﴿فما
اسطاعُوا﴾ أي: يأجوجُ ومأجوج ﴿أن يَظهَرُوهُ﴾: يعلوا ظهره، لارتفاعه
وملاسته، ﴿وما استَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ٩٧: خَرقًا، لصلابته وسُمكه - ﴿قالَ﴾ ذو
القرنين: ﴿لهذا﴾ أي السدُّ، أي: الإقدارُ عليه ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّ﴾: نِعمةٌ، لأنه مانع من
خُروجهم. ﴿فإذا جاءَ وَعدُ رَبِّي﴾. بخُروجهم القريبِ من البعثِ، ﴿جَعَلَهُ دًَّا﴾:
مدكوكًا مبسوطًا. ﴿وَكانَ وَعدُ رَبِّي﴾ بخُروجهم وغيرِهِ ﴿حَقًّا﴾ ٩٨: كائنًا .
١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعضَهُم يَومَئذٍ﴾: يومَ خُروجهم ﴿يَمُوجُ في بَعضٍ﴾: يختلط به
لكثرتهم، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: القرنِ للبعث، ﴿فَجَمَعْناهُم﴾ أي: الخلائقَ في
مكان واحد يوم القيامة ﴿جَمعًا ٩٩، وعَرَضْنا﴾: قرّبنا ﴿جَهَنَّمَ يَومَئذٍ لِلكافِرِينَ
عَرْضًا ١٠٠، الَّذِينَ كانَتْ أعيُنُهُم﴾: بدلٌ من ((الكافرين)) (في غِطاءٍ عَن ذِکرِي﴾ أي:
القُرآنِ - فهم عُميٌّ لا يهتدون به - ﴿وكانُوا لا يَستَطِيعُونَ سَمعًا﴾ ١٠١ أي: لا يقدرون
أن يسمعوا من النبيّ ما يتلو عليهم، بُغضًا له، فلا يؤمنون به. ﴿أفحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أن يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾، أي: ملائكتي وعِيسَى وعُزيرًا، ﴿مِن دُونِيَ أَولِياءَ﴾: أربابًا؟
مفعول ثان لـ ((يتّخذوا))، والمفعول الثاني لـ ((حسب)) محذوف. المعنى: أظنّوا أنّ
الاتّخاذ المذكور لا يُغضِبني ولا أُعاقبهم عليه؟ كلّا. ﴿إِنّا أعتَدْنا جَهَنَّمَ لِلكافِرِينَ﴾
هؤلاء وغيرِهم ﴿نُزُلًا﴾ ١٠٢، أي: هي مُعدّة لهم كالمَنزلِ المُعدّ للضيف.
سُّوْرَةِ الْكِتَفْ
القوة الجناشر عشر
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُرَبِ جَعَلَهُ ذَكَّةَ وَكَانَوَعْدُرَقٍ
حَقَّا هَ * وَتَرَكْتَبَعْضَهُمْ يَوْمَیٍِيَمُوُ فِبَعْضِ وَنُفِخَ فِالصُّورِ
تَجَمَعْنَهُمْ بَمْعَا وَعَرَضْنَاجَهَنَّمَيَوْمَيِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا ◌ْـ
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَاءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ
سَمْعًا لَأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوْأَنْ يَتَّخِذُ واْ عِبَادِى مِنْ دُونِّ
أَوْلِيَءَإِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَنَّ ◌ِلَّكَفِنَ نُلَا (٦) قُلْ هَلْ نُنَّئُكُبِالْأَخْسَرِينَ
أَعْمَلًا: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا (٢٩) أُوْلَتِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْبِنَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآبِهِ،
فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا (٤٦) ذَلِكَ جَزَاؤُهُ
جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُ وَاْءَايَتِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٢) إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُلًا (١٦ خَالِدِينَ
فِيَ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (٤) قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادَّالْكَلِمَتِ رَبِ
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا (٤٦) قُلْ
إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَحِدٌ فَ كَانَ يَرَحُواْ
لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَ لَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحْدَالَّ
٢ - ﴿قُلْ: هَل نُنَّكُم بِالأخسَرِينَ أعمالًا﴾ ١٠٣ : تمييزٌ طابَقَ المُميَّزَ، وبيَّنَهم بقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا﴾: بَطَلَ عملهم، ﴿وَهُم
يَحْسِبُونَ﴾: يظنّون ﴿أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾ ١٠٤ : عملًا، يُجازَون عليه؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم): بدلائل توحيده، من القُرآن وغيره،
﴿ولِقائِهِ﴾ أي: وبالبعث والحِساب والثواب والعقاب، ﴿فَحَبِطَتْ أعمالُهُم﴾: بَطَلتْ، ﴿فلا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيامةِ وَزنًا﴾ ١٠٥، أي: لا نجعل لهم
قدرًا - ﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمرُ ذلك الذي ذكرتُ من حُبوطِ أعمالهم وغيرِه - وابتدأ: ﴿جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا، وانَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤَا﴾ ١٠٦
أي: مهزوءًا بهما. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ كانَتْ لَهُم﴾، في عِلم الله، ﴿جَنّاتُ الفِردَوسِ﴾ هو وسَط الجنّة وأعلاها - والإضافة إليه
للبيان - ﴿نُزْلًا﴾ ١٠٧ منزلًا، ﴿خالِدِينَ فِيها، لا يَبِغُونَ﴾: يطلبون ﴿عَنها حِوَلًا﴾ ١٠٨ تحوّلًا إلى غيرها.
٣- ﴿قُلْ: لَو كانَ البَحرُ﴾ أي: ماؤه ﴿مِدادًا﴾، هو ما يُكتب به، ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الدالّة على حِكَمه وعجائبه بأن تُكتب به، ﴿لَنَفِدَ البَحرُ﴾ في
كتابتها، ﴿قَبَلَ أن تَنْفَدَ﴾، بالتاء والياء: تَفرُغَ ﴿كَلِماتُ رَبِّي، ولَو جِئْنا بِمِثلِهِ﴾ أي: البحرِ ﴿مَدَدًا﴾ ١٠٩ زيادةً فيه لنفِدَ إذًا، ولم تَفرُغ هي. ونصبُه
على التمييز. ﴿قُلْ: إِنَّما أنا بَشَرٌ﴾ آدميّ ﴿مِثْلُكُم، يُوحَى إِلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ﴾. أنّ: المكفوفة بـ ((ما)) باقيةٌ على مصدريّتها. والمعنى: يُوحَى
إليَّ وحدانيّةُ الإِلّه. ﴿فَمَن كانَ يَرجُو﴾: يأمُلُ ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، بالبعث والجزاء، ﴿فَلْيَعمَلْ عَمَلًا صالِحًا، ولا يُشرِكْ بِعِبادةِ رَبِّهِ﴾ أي: فيها بأن يُرائيَ
﴿أَحَدًا﴾ ١١٠.
(١) تركنا: جعلنا. وبعضهم: بعض الناس. وخروجهم: تجاوزهم السد ودكه. ويختلط أي: ويصطدم، لتنتهي الحياة الدنيا. ونفخ: دُفع الهواء ليكون صوت
يبعث الموتى. وهي النفخة الثانية. وجمعناهم: حشرناهم. والخلائق: الإنس والجن والملائكة. وقربناها: أبرزناها مع أنها قريبة. والأعين: جمع عين.
وبدل: يعني أن ((الذين)): بدل من: الكافرين. والغطاء: الحجاب. والسمع: إدراك المسموعات. وحسب: ظن. ويتخذ: يجعل. والعباد: جمع عبد. وعُزير:
زعمت يهود أنه ابن الله وسموه عَزرَى. ودوني: غيري. والأولياء: جمع ولي. وحذف المفعول الثاني يقتضي إسقاط ((أنّ)). وأعتدنا: هيأنا.
(٢) ننبئكم: نخبركم. وفي الأصل: ((أَنَّئُكُم)). والأخسر: الأشد خسارة. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسبه الإنسان. وطابق المميز: جاء مطابقًا لـ
((الأخسرين)) في الجمع. ويحسن: يتقن. وكفروا بها: كذّبوها. والقيامة: قيام الناس بالبعث. والجزاء: العقاب. واتخذ: جعل. والآيات: دلائل التوحيد.
والرسل: جمع رسول. والهزء: السخرية. وفيما عد الأصل والنسخ: ((هزوّا)). وعمل الصالحات: اكتسب ماحسنه الشرع. وكانت: قُدّرت. وفي علم الله:
بحسب علمه الأزلي. والجنة: الحديقة العظيمة. وخالدين: مقيمين دائمًا وأبدًا .
(٣) كان: صار. والبحر: ما يجتمع فيه الماء، من ينابيع وبحيرات وغيرها. ونفد: فني. انظر ((المفصل)). وبالياء يريد القراءة ((يَنفَدَ)). وجئنا به: خلقناه.
ويوحى: ينزل على لسان جبريل. والإله: المعبود بحق. والواحد: المتفرد لامثيل له. ويعمل: يكتسب. والصالح: ما رضيه الشرع. ويشرك: يجعل أحد
مخلوقات الله شريكًا له. ويرائي أي: بالعبادة والطاعة في معصية.

١٩ - سورة مريم
٣٠٥
الجزء السادس عشر
الجزءُ الصَاسِ عََّ
نُُّّورَة فِيْ
_ِلَّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
بِسْـ
كَهِيعَصَ بَا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّ@)
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًّا (®﴾ قَالَ رَبِّ إِنِ وَهَنَ الْعَظُمُ
مِنِّى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُّ ◌ِدُعَائِكَ رَبِّ
شَقِيًّا (® وَ إِنِى خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ
آَمْرَأَ تِ عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥ْ يَرِثُنِ وَبَرِثُ
مِنْءَالٍ يَعْقُوبِ وَأَجْعَلْهُ رَبٍ رَضِيًّا ﴿ يَذَكَرِيََّ
إِنَّا تُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ أُسْمُهُ يَحْيِى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَكَانَتِ آمْرَآَتِ
عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا ﴾ قَالَ كَذَلِكَ
قَالَ رَبِّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْتَكُ
شَيْئًا ؟ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ◌ِجْ لَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،
مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُو ◌ْبُكْرَةً وَعَشِيًّا(٩)
سورة مَرْیَم
١- مكية أو إلّا سجدتها فمدنية، أو إلّا ((فخلف من بعدهم خلف)) الآیتین فمدنیتان،
وهي ثمان أو تسع وتسعون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحَمَةِ
٢- ﴿كَهِيعَصَ﴾ ١ الله أعلم بمُراده بذلك. هذا ﴿ذِكرُ رَحْمةِ رَبِّكَ عَبدَهُ﴾: مفعولٌ
((رحمة)) ﴿زَكَرِيّا﴾٢: بيانٌ له، ﴿إِذ﴾: مُتعلّق بـ ((رحمة)) ﴿نادَى رَبَّهُ نِداءٌ﴾، مُشتملًا
على دعاء، ﴿خَفِيًّ﴾ ٣: سّرًا جوفَ الليل، لأنه أسرعُ للإجابة، ﴿قَالَ: رَبِّ، إنِّي
وَهَنَ﴾: ضعُفَ ﴿العَظمُ﴾ جميعه ﴿مِنِّي، واشتَعَلَ الرّأسُ﴾ منّي ﴿شَيبًا﴾: تمييزٌ محوَّل
من الفاعل، أي: انتشر الشيب في شعري، كما ينتشر شُعاع النار في الحطب، وإني
أريد أن أدعوَك، ﴿وَلَم أكُنْ بِدُعائكَ﴾ أي: بدعائي إياك - ﴿رَبِّ - شَقِيًّا﴾ ٤ أي:
خائبًا فيما مضى. فلا تُخيّبْني فيما يأتي. ﴿وإِنِّي خِفتُ المَوالِيَ﴾ أي: الذين يلوني في
النسب كبني العمّ، ﴿مِن وَرائي﴾ أي: بعدِ موتي، على الدِّين أن يُضيِّعوه، كما
شاهدته في بني إسرائيلَ من تبديل الدِّين، ﴿وكانَتِ امرأتِي عاقِرًا﴾: لا تلدُ. ﴿فَهَبْ
لِي مِن لَدُنْكَ﴾: من عِندِك ﴿وَلِيًّا﴾ ٥: ابنًا، ﴿يَرِثْنِي﴾ - بالجزم: جوابُ الأمر،
وبالرفع: صفةٌ ((وليًا)) - ﴿وَبَرِثْ﴾، بالوجهين، ﴿مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ جَدّي العلمَ
والنبوّةَ، ﴿واجعَلْهُ - رَبِّ - رَضِيًّا﴾ ٦ أي: مَرْضيًّا عِندك.
٣- قال تعالى، في إجابة طلبه الابنَ الحاصلَ به رحمتُه: ﴿يا زَكَرِيّاءُ، إنّا نُبَشِّرُكَ
بِغُلامِ﴾ يَرِثُ كما سألتَ، ﴿اسمُهُ يَحتَى، لَم نَجعَلْ لَهُ مِن قَبلُ سَمِيًّا﴾ ٧ أي: مُسمَّى يحيى. ﴿قَالَ: رَبِّ، أَنَّى﴾: كيفَ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ، وكانَتِ
امرأنَّي عاقِرًا، وَقَد بَلَغتُ مِنَ الكِبَرِ عُنِيًّا﴾ ٨؟ من عتا: يَبِسَ، أي: نهايةَ السنّ مِائَةً وعشرين سنة، وقد بلغَتِ امرأتُه ثمانيَ وتسعين سنة. وأصل
عُِيّ ((عُتُوْوٌ) كُسرت التاء تخفيفًا، وقُلبت الواو الأُولى ياء لمُناسبة الكسرة، والثانية ياء لتُدغم فيها الياء. ﴿قالَ﴾: الأمرُ ﴿كَذْلِكَ﴾ من خلق غلام
منكما. ﴿قَالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: بأن أردّ عليك قُوّة الجِماع، وافتق رَحِم امرأتك للعُلوق. ﴿وَقَد خَلَقُكَ مِن قَبْلُ، ولَم تَكُ شَيئًا﴾ ٩ قبلَ
خلقك. ولإظهار الله هذه القُدرةَ العظيمة، ألهمه السؤال، ليُجاب بما يدلّ عليها .
٤- ولمّا تاقت نفسه إلى سُرعة المُبشّر به ﴿قالَ: رَبِّ، اجعَلْ لِيَ آیةَ﴾ أي: علامةً على حمل امرأتي. ﴿قالَ: آيتُكَ﴾ عليه ﴿ألّا تُكَلَّمَ النّاسَ﴾
أي: تمتنعَ من كلامهم، بخِلاف ذكر الله - تعالى - ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ أي: بأيامها، كما في آل عمران «ثَلاثةَ أيّامٍ))، ﴿سَوِيًّا﴾ ١٠ : حالٌ من فاعل
(تُكلّم)) أي: بلا عِلّة. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ مِنَ المِحرابِ﴾ أي: المسجد، وكانوا ينتظرون فتحه ليُصلّوا فيه بأمره، على العادة، ﴿فأوحَى﴾: أشار
﴿إِلَيهِم: أن سَبِّحُوا﴾: صلُّوا ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ١١: أوائلَ النهار وأواخرَه على العادة. فعَلم بمنعه من كلامهم حَملَها بيحيى.
(١) سجدتها أي: الآية ٥٨. والآيتين: يعني ٥٩ و٦٠، وفيه نظر لأن ما بعدهما متصل بهما أكثر مما قبلهما. وانظر الإتقان ٢٩:١.
(٢) الذكر: الإيراد. والرحمة: العطف بالإحسان. وزكريا: أحد أنبياء بني إسرائيل، وهم قتلوه أيضًا. والمراد ذكر قصته. وبيان أي: توضيح وتوكيد
وتفخيم. وناداه: دعاه باسمه. ورب: ياربي. والعظم: عظام جسمه. وهو القصب الذي عليه اللحم. والرأس: رأسي. والدعاء: طلب العون بِذِلّة. وخفتهم:
خشيت الشر منهم. والموالي: العَصَبة بنو العم والقرابة، جمع مولى. وامرأته هي أشاعُ خالةُ مريم. وهب لي: ارزقني بفضلك. وبالرفع يريد القراءة ((يَرِثُنِي)).
وبالوجهين: بالجزم، والرفع: ((يَرِثُ)) عطفًا على ما قبله. وآل يعقوب: ذريته من أبنائه اليهود. واجعل: صيّر.
(٣) نبشرك: نبلغك الخبر السار. والغلام: الولد الذكر. ويحيى هو ابن خالة مريم، قتله ملك بني إسرائيل مهرًا للزواج. ونجعل: نصيّر. ويكون: يصير.
وقال أي: الملَك جبريل. والأمر: الشأن، أي: شأن خلق الغلام. و((هو)) أي: خلق الغلام منكما. والهين: اليسير لا عجب فيه ولا استبعاد له. والعلوق:
اتصال البيضة بنُطفة الزوج لتكوّن الجنين. وخلقتك: أوجدتك من العدم.
(٤) المبشر به: بدء حمل زوجته. واجعل: صيّر. وذكرُ الله: ترداد اسمه باللسان، مع الحمد والتسبيح والتمجيد والتضرع. والليالي: جمع ليلة. وآل عمران
أي: في الآية ٤١ من تلك السورة. وبلا علة يعني: أنه سليم الأعضاء لامرض فيه، وإنما منع من الكلام بقدرة الله. وخرج عليهم: فاجأهم وظهر لهم.
وقومه: بنو إسرائيل من اليهود. وكان المحراب عندهم اسمًا للمسجد. وبأمره: بإذنه. فهم لا يدخلون المسجد إلّا بسماح منه، لأنه كان يسكن فيه، ولا يفتحه
إلّا وقت الصلاة. وصلوا أي: وادعوا مع الحمد والتعظيم. والبكرة: ما بين الفجر وطلوع الشمس. والعشي: ما بعد العصر إلى غروب الشمس. وبيحيى أي:
حمل زوجة زکریاء به.

الجزء السادس عشر
٣٠٦
١٩ - سورة مريم
١- وبعد ولادته بسنتين قال تعالى له: ﴿يا يَحيَى، خُذِ الكِتابَ﴾ أي: التوراةَ ﴿بِقُوّةٍ﴾:
بجِدّ. ﴿وَآتَيناهُ الحُكمَ﴾: النبوّة ﴿صَبِيًّا﴾ ١٢ ابن ثلاث سنين، ﴿وحَنانًا﴾: رحمة
للناس ﴿مِن لَدُنّا﴾: من عِندِنا ﴿وَزَكاةٌ﴾: صدقة عليهم، ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ١٣ - رُوي أنه
لم يعمل خطيئة ولم يهمّ بها - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ أي: مُحسنًا إليهما، ﴿وَلَم يَكُنْ
جَبّارًا﴾: مُتكبّرًا ﴿عَصِيًّا﴾ ١٤ عاصيًا لربّه. ﴿وسَلامٌ﴾ منّا ﴿عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ، ويَومَ
يَمُوتُ، وبَومَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١٥ أي: في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره
قبلها، فهو آمِنٌ فيها .
٢ - ﴿واذكُرْ في الكِتابِ﴾: القُرآنِ ﴿مَريَمَ﴾ أي: خَبَرَها، ﴿إِذِ﴾: حينَ ﴿انْتَذَتْ مِن
أهلِها مَكانًا شَرقِيًّا﴾ ١٦ أي: اعتزلتْ، في مكانٍ نحو الشرق من الدار، ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن
دُونِهِم حِجابًا﴾: أرسلتْ سِترًا تَستتر به، لتَفلِي رأسها أو ثيابها، أو تغتسل من
حيضها، ﴿فأرسَلْنا إلَيها رُوحَنا﴾ جبريل، ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ بعد لُبسها ثيابَها ﴿بَشَرًا
سَوِيًّا﴾ ١٧ : تامّ الخَلق. ﴿قَالَتْ: إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحمنِ مِنكَ، إن كُنتَ تَقِيَّ﴾ ١٨
فتنتهي عنّي بتعوّذي. ﴿قَالَ: إِنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ، لِيَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ١٩
بالنبوّة.
٣- ﴿قَالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، ولَم يَمِسَسْنِي بَشَرٌ﴾ بتزوّج، ﴿وَلَم أكُ بَفِيًّا﴾ ٢٠:
زانية؟ ﴿قالَ﴾: الأمرُ ﴿كَذْلِكِ﴾، من خلق غُلام منكِ من غير أب. ﴿قَالَ رَبُّكِ: هُوَ
عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: بأن ينفخ بأمري جبريلُ فيكِ فتحملي به، ولكونِ ما ذُكر في معنى
العِلّة، عُطف عليه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ على قُدرتنا، ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ لمَن آمن به.
﴿وكانَ﴾ خلقه ﴿أمرًا مَقضِيًّا﴾ ٢١ به في عِلمي.
سُورَة فِرَّيْ
الحزمة الناس عيش
يَيَحْيِى خُذِ اُلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
وَحَنَانَامِّنْ لَّدُنَّا وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا [٣] وَبَرَّابِوَ لِدَيْهِ وَلَمْ
يَكُنْ جَبَّارًاعَصِيًّا ﴿ وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا ﴿ وَأَذَكُرُ فِى الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ
مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُ وحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَّاسَوْبًّا قَالَتْ إِنِّ
أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (٥) قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْرَسُولُ
◌َرَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُلِ
عُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا ﴿ قَالَ كَذَلِكِ
قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُءَايَةٌ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً
أَ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ
﴿مِّنَّأَوَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا
بِهِ، مَكَانَا قَصِيًّا ﴿ فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ
قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا
فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَخْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا ؟
وَهُزِّىَّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًاجَنِيًّا
٤- فنفخ جبريل في جيب دِرعها، فأحسّت بالحمل في بطنها مُصوّرًا، ﴿فَحَمَلَتْهُ، فانتَبَذَتْ﴾: تَنَجَّت ﴿بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ٢٢: بعيدًا من أهلها،
﴿فأجاءَها﴾: جاءَ بها ﴿المَخاضُ﴾: وجعُ الولادة ﴿إِلَى جِذع النَّخْلةِ﴾ لتعتمد عليه، فولدتْ والحمل والتصوير والولادة في ساعة. ﴿قالَتْ: يا﴾
للتنبيه ﴿لَيَتَنِي مُتُّ قَبَلَ لهذا﴾ الأمرِ، ﴿وكُنتُ نِسْيَا مَنسِيًّا﴾ ٢٣: شيئًا متروكًا، لا يُعرف ولا يُذكر.
٥- ﴿فناداها مَن تَحتَها﴾ أي: جِبريلُ، وكان أسفل منها: ﴿أن لا تَحزَنِ - قَدَ جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا﴾ ٢٤: نهرَ ماءِ كان انقطع - ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ
بِجِذعِ النَّخْلةِ﴾ كانت يابسة - والباء: زائدة - ﴿تَسّاقَطْ﴾، أصله بتاءين قُلبت الثانية سِينًا وأُدغمت في السين، وفي قراءة تركُها، ﴿عَلَيْكِ رُطَبًا﴾:
تمييزٌ ﴿جَنِيًّا﴾ ٢٥: صفته. ﴿فكُلِي﴾ من الرُّطب، ﴿واشرَبِي﴾ من السريّ، ﴿وَقَرِّي عَيْنَا﴾ بالولد: تمييزٌ مُحوّل من الفاعل، أي: لِتَقَرَّ عينُك به
أي: تسكنْ، فلا تطمح إلى غيره. ﴿فإمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطية في ((ما)) الزائدة - ﴿تَرَيِنَّ﴾، حُذفت منه لام الفعل وعينه وأُلقيت حركتها
على الراء وكُسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين، ﴿مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ فيسألْكِ عن ولدك، ﴿فَقُولِي: إنِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمُنِ صَومًا﴾ أي: إمساكًا عن
(١) خطاب الله ليحيى كان على لسان الملَك. وخذه: اشتغل به حفظًا وفهمًا وعملًا. وآتيناه: وهبنا له. والصبي: الشاب. وذكر السنتين والثلاث غير محقق.
والزكاة: الطهارةُ من الآثام والزيادةُ في الخير. والتقي: من يطلب رضا الله بامتثال الأمر والنهي. والوالدان: الأم والأب. والسلام: الأمان والطمأنينة من
الشر. ومقتله شهادة له تقربه من ربه، ولا يناقض الأمان والطمأنينة. وولد: وضعته أمه. ويموت: يفارق الحياة. ويبعث: يقوم من قبره حيًا. وفيها أي: وفيما
بينها أيضًا. (٢) اذكر: اقرأ على قومك ومن بعثت إليهم. ومريم: ابنة عمران. وأهلها: الذين تعيش بينهم من اليهود الأقرباء والمتعبدين. واتخذت: جعلت.
ومن دونهم: بينها وبينهم. وتفليه: تنظفه بالغسل والتنقية. وأرسلنا: بعثنا. وتمثل: تحول وتصور. والبشر: الإنسان. وأعوذ به: التجئ إليه. والرحمن: الكثير
العطف بالإحسان. وتنتهي عني أي: لأن التقي يخاف الله وتردعه الاستعاذة. والرسول: المرسل بمُهِمّة. ويهب: يرزق. وفي المنحة: ((الأهب)). والغلام:
الصبي. والزكي: الصالح الطاهر من الآثام والذنوب. (٣) أنَّى أي: كيف. ولم يمسس: لم ينكِح. وبشر: رجل. والأمر: شأن الغلام. وكذلك: كما
ذكرتُ. وهو أي: خلقه. وانظر الآية ٩. وعطف عليه أي: من قبيل العطف على المعنى. انظر فتح القدير ٤٦٤:٣ والمفصل. ونجعله: نصيّره. والآية: الحجة
القاهرة. فخلقُه من غير أب معجزة ربانية تدل على القدرة والوحدانية. ورحمة أي: عطفًا بالتكرم وطريق هداية لبشر كثير. والأمر: الشيء المأمور به.
والمقضي: المحقّق. (٤) جيب الدرع: طوق القميص يدخل منه الرأس. وحملته: علقت به في رحمها ليتكوّن جنينًا. وانتبذت: انظر الآية ١٦. والجذع:
الساق. و((في ساعة)) وقيل: تسعة أشهر. وذكر المفسرون في هذا أقوالًا مضطربة متناقضة ليس لها سند علمي موثق، فيجب الإعراض عنها اكتفاء بما جاء في
القرآن الكريم والسنّة الشريفة من دون تفصيل. انظر البحر ٦: ١٨١. وكنت: صرت. والنِّسي: ما يُنسى لأنه لاقيمة له. (٥) لا تحزني: لا تغتمي، وجعل:
صيّر. وتحتك: قربك في أسفل من مكانك. وانقطع أي: الماء من قبلُ وجفَّ النهر. وهزيه إليك: حركيه وقربيه منك. وتساقط: تسقط بكثرة. وبتركها يريد
قراءة ((تَساقَطْ)). والرطب: ثمر النخل إذا لان وحلا. والجني: الطري طاب واستحق أن يُجنى. وقري عينًا: طيّبي نفسَك ودعي ما يُحزن. وترين: تصادفِنّ.
و((حذفت ... الساكنين)): انظر ((المفصل)). وقولي أي: في نفسك. ونذرت: أوجبت على نفسي. والأناسي: الناس.

١٩ - سورة مريم
٣٠٧
الجزء السادس عشر
سُورَة فِرَيْه
فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِى عَيْئًا فَإِمَّاتَرَيِّنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدَا فَقُولِّ
﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا
فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، قَالُواْيَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا
فَرِيًّا (®] يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوُكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ
أُمُكِ بَغِيًّا (٧) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنكَانَ فِى
اٌلْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ قَالَ إِنِى عَبْدُ اللَّهِءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى
نَبِيَّا جَا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوة
وَالزَّكَوَةِ مَادُمْتُ حَيَّا ﴿ وَبَرَّابِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ
جَبَارً ا شَقِيًّا ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى يَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ
﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا ﴿ ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ
﴿الَّذِىِ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدِ سُبْحَتَهُ؟
إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ ﴿ وَإِنَّ اللَّهَرَبِ وَرَبُّكُمْ
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَاخْتَلَفَ اُلْأَحْزَابُ مِنْ
بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٦) أَسْمِعْ بِهِمْ
وَأَبَصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ
الكلام، في شأنه وغيره، مع الأناسيّ، بدليل ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا﴾ ٢٦ أي: بعد
ذلك .
١- ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَومَها تَحمِلُهُ﴾: حالٌ، فرأوه. ﴿قالُوا: يا مَريَمُ، لَقَد جِئتِ شَيئًا
فَرِيًّا﴾ ٢٧: عظيمًا، حيثُ أتيتِ بولد من غير أب. ﴿يا أُختَ هارُونَ﴾ هو رجل
صالح، أي: يا شَبيهتَه في العِفّة، ﴿ما كانَ أبوكِ امرَأَ سَوءٍ﴾ أي: زانيًا، ﴿وما كانَت
أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ٢٨ أي: زانية. فمِن أين لكِ هذا الولدُ؟ ﴿فأشارَتْ﴾ لهم ﴿إِلَيهِ﴾: أن
كلّموه. ﴿قَالُوا: كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ﴾ أي: وُجد ﴿فِي المَهدِ صَبِيًّا﴾ ٢٩؟
٢- ﴿قالَ: إِنِّي عَبدُ اللهِ، آتَانِيَ الكِتابَ﴾ أي: الإنجيل، ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠، وجَعَلَنِي
مُبارَكًا، أينَما كُنتُ﴾ أي: نفّاعًا للناس - إخبارٌ بما كُتب له - ﴿وأوصانِي بِالصَّلاةِ
والزّكاةِ﴾: أمرني بهما، ﴿ما دُمتُ حَيَّا ٣١، وبَرًّا بِوالِدتِي﴾: منصوبٌ بـ ((جعلني))
مُقدّرًا، ﴿وَلَم يَجعَلْنِي جَبّارًا﴾: مُتعاظمًا ﴿شَفِيًّا﴾ ٣٢: عاصيًا لربّه، ﴿والسَّلامُ﴾ من
الله ﴿عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ، ويَومَ أَمُوتُ، ويَومَ أَبعَثُ حَيَّا﴾ ٣٣. يقال فيه ما تقدّم في السيد
یحیی .
٣- قال تعالى: ﴿ذُلِكَ عِيسَى بنُ مَريَمَ، قَولُ الحَقِّ﴾ - بالرفع: خبرُ مبتدأ مُقدّر أي:
قولُ ابنِ مريم، وبالنصب بتقدير: قلتُ - والمعنى: القولُّ الحقّ ﴿الَّذِي فِيهِ
يَمْتَرُونَ﴾ ٣٤ من المِرية أي: يشكّون. وهم النصارى، قالوا: إنّ عيسى ابنُ الله.
كذبوا. ﴿ما كانَ لِلِهِ أن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ، سُبحانَهُ﴾: تنزيها له عن ذلك! ﴿إذا قَضَى أمرًا﴾
أي: أراد أن يُحدثه ﴿فإنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ﴾ ٣٥، بالرفع بتقدير: هو، وبالنصب بتقدير: أنْ. ومن ذلك خلقُ عيسى من غير أب. ﴿وأنَّ اللهَ
رَبِّي وَرَبُّكُم، فاعبُدُوهُ﴾. بفتح ((أنّ)) بتقدير: اذكرْ، وبكسرها بتقدير: قلْ. بدليل ((ما قُلتُ لَهُم إلّا ما أمَرَتَنِي بِهِ، أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ)).
﴿هُذا﴾ المذكور (صِراطٌ﴾: طريق، ﴿مُستَقِيمٌ﴾ ٣٦: مُؤدِّ إلى الجنّة.
٤- ﴿فاختَلَفَ الأحزابُ مِن بَينِهِم﴾ أي: النصارى، في عيسى: أهو ابن الله، أو إلّه معه، أو ثالث ثلاثة؟ ﴿فويلٌ﴾: فشِدّةُ عذاب ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
بما ذُكر أو غيره، ﴿مِن مَشهَدِ يَومٍ عَظِيمٌ﴾ ٣٧ أي: حُضورِ يوم القيامة وأهواله. ﴿أسمِعْ بِهِم وأبصِرْ﴾ بهم: صِيغتا تعجّب بمعنى: ما أسمَعَهم!
وما أبصَرَهم، ﴿يَومَ يأْتُونَنَا﴾ في الآخرةَ! ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ﴾ - من إقامة الظاهر مَقام المُضمَر - ﴿اليَومَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣٨
أي: بيّن، به صمّوا عن سماع الحقّ وعمُوا عن إبصاره. أي: اعجَبْ منهم - يا مُخاطب - في سمعهم وإبصارهم في الآخرة، بعد أن كانوا في
الدنيا صُمَّا عُميًا. ﴿وأنذِرْهُم﴾: خَوِّفْ - يا مُحمّد - كُفّارَ مكّة ﴿يَومَ الحَسْرةِ﴾، هو يوم القيامة، يتحسّر فيه المُسيء على ترك الإحسان في
(١) جئتِ: ارتكبت. وهارون: إسرائيلي يُضرب به المثل في العفاف. وامرؤ السوء: مصاحبُه وفاعله. والسوء: الشر والفحش. وأشارت أي: بيدها أو
برأسها. ووجد: حصل واستقر. والمهد: ما يمهد كالسرير للطفل. والصبي: الطفل الذي لم يفطم.
(٢) العبد: المملوك خلقًا وتصرفًا وتعبدًا. وآتاني: سيعطيني. وجعل: صيّر. والنبي: من كلف بالدعوة إلى التوحيد مع العمل. وكنت: وجدت. وإخبار أي:
نبوءة بما قُدّر عليه. والصلاة: العبادة المعروفة مع الدعاء. والزكاة: تطهير النفس والمال من كل حرام. ودمت: بقيت. وحيًا أي: في الدنيا. والوالدة: الأم.
وما تقدم: يعني ماذكر في الآية ١٥.
(٣) الإشارة بـ ((ذا)) إلى المولود، كما وصف نفسه حقيقة. و((ابن مريم)) يعني ثبوتَ بُنوّته منها خاصة دون أب. والحق: الصدق الثابت. وقولُ ابن مريم أي:
كلامه الذي تقدم في الآيات ٣٠-٣٣. فالتقدير اللفظي: قولُه القولُ الحقُّ. وبالنصب يريد القراءة ((قَولَ)). وما كان: لا يصح. ويتخذ: يصنع لنفسه بحمل أنثى
أو غيرها. وذلك: ما زعموه من اتخاذ الولد. والأمر: الشيء. ويقول له أي: يأمره أمر تكوين بلا كلام. وكن فيكون أي: احدُث فيحدث. وبالنصب يريد
القراءة (فَيَكُونَ)). انظر الآية ١١٧ من سورة البقرة. واعبدوه: خصوه وحده بالتقديس. وبالكسر يريد القراءة ((إنّ)). والصراط: الطريق الواضح. والمستقيم:
المعتدل .
(٤) اختلفوا: اختصموا واقتتلوا. والأحزاب: جمع حزب. وهو الجماعة على مذهب. وذكر المحلي أقوالًا ثلاثة: النسطورية، واليعقوبية - قولهم أنه الله
نفسُه لا إلهٌ معه - والإسرائيلية ملوك النصارى. وهناك فرقة رابعة قالت: المسيح عبدُ الله وكلمتُه وروحٌ منه. فالذين كفروا هم الأحزاب الثلاثة. واليوم:
الوقت. والعظيم: لامثيل له في الشدة. ويأتوننا: يحضرون للحساب. والظالم: من يتجاوز الحق. والضلال: الضياع والانحراف. والحسرة: الندامة. وقضي
الأمر: انتهى الحساب. والغفلة: الانشغال بالدنيا. ولا يؤمن: لا يصدق. ونرثها: ننفرد بملكها ظاهرًا وحقيقة. وإلينا: إلى لقاء حسابنا. ويرجعون: يرد جميع
الناس.

الجزء السادس عشر
٣٠٨
١٩ - سورة مريم
الدنيا، ﴿إِذْ قُضِيَ الأمرُ﴾ لهم فيه بالعذاب، ﴿وَهُم﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلةٍ﴾ عنه، ﴿وَهُم
لا يُؤمِنُونَ﴾ ٣٩ به. ﴿إِنّا نَحنُ﴾: تأكيدٌ ﴿فَرِثُ الأرضَ ومَن علَيها﴾، من العُقلاء
وغيرهم بإهلاكهم، ﴿وإِلَينا يُرجَعُونَ﴾ ٤٠ فيه للجزاء.
١ - ﴿واذكُرْ﴾ لهم ﴿في الكِتابِ إِبراهِيمَ﴾ أي: خَبَرَه - ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾: مُبَالِغًا في
الصدق ﴿نَبِيَّ﴾ ٤١ - ويبدل مِن ((خبرَه)): ﴿إِذ قالَ لِأبِيهِ﴾ آزرَ: ﴿يَا أَبَتِ﴾ - التاء
عوض عن ياء الإضافة، ولا يُجمع بينهما. وكان يعبد الأصنام - ﴿لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ
ولا يُبْصِرُ، ولا يُغنِي عَنكَ﴾: لا يكفيك ﴿شَيئًا﴾ ٤٢ من نفع أو ضُرّ؟ ﴿يا أبَتِ، إنِّي قَد
جاءَنِي مِنَ العِلمِ ما لَم يأتِكَ. فاتَّبِعْنِي، أهدِكَ صِراطًا﴾: طريقًا ﴿سَوِيًّا﴾ ٤٣:
مستقيمًا. ﴿يَا أَبَتِّ، لا تَعْبُدِ الشَّيطانَ﴾ بطاعتك إياه، في عبادة الأصنام. ﴿إِنَّ الشَّيطانَ
كانَ لِلرَّحمنِ عَصِيًّا﴾ ٤٤: كثير العِصيان. ﴿يا أبَتِ، إنِّيَ أخافُ أن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ
الرَّحمنِ﴾، إن لم تتب، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطانِ وَلِيًّا﴾ ٤٥: ناصرًا وقرينًا في النار.
٢- ﴿قالَ: أراغِبٌ أنتَ عَن آلِهِتِي، يا إبراهِيمُ﴾، فتعيبَها؟ ﴿لَئِنْ لَم تَنْتَهِ﴾ عن التعرّض
لها ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالحجارة، أو بالكلام القبيح. فاحذرْني ﴿وَاهجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ٤٦ :
دهرًا طويلًا. ﴿قَالَ: سَلامٌ عَلَيكَ﴾ منّي أي: لا أُصيبك بمكروه. ﴿سأستَغْفِرُ لَكَ
رَبِّيَ - إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ٤٧، من: حَفِيَ، أي: بارًّا فُيُجيب دعائي. وقد وفى بوعده،
بقوله المذكور في الشعراء ((واغفِرْ لأبِيَ)). وهذا قبل أن يتبيّنَ له أنه عدوّ لله، كما ذُكر
في (براءة)) - ﴿وأعتَزِلُكُم وما تَدعُونَ﴾: تعبدون، ﴿مِن دُونِ اللهِ، وأدعُو﴾: أعبدُ
﴿رَبِّي. عَسَى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي﴾: بعبادته (شَقِيًّا﴾ ٤٨، كما شقيتم بعبادة الأصنام.
اخوة الحناشيشة
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرُوَهُمْ فِىِ غَفْلَةٍ وَهُمْلَا يُؤْمِنُونَ
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ جْ وَأَذَكُرْ
فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقَائِّيًّا ﴿ إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ
لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِىِ عَنْكَ شَيْئًا (٥) يَأَبَتِ
إِى قَدْ جَآءَ نِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعِى أَهْدِلَ صِرَطًا
سَوِيًّا يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ
عَصِيًّا (٦) يَأَبَتِ إِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا (٥) قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْءَالِهَتِى
يَإِزَهِيْمِ لَإِنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِى مَلِيًّا لِجََّ قَالَ
سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرْلَكَ رَبِ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا لـ
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْرَبِّ عَسَىّ
أَلََّ أَكُونَ بِدُ عَاءِ رَبِ شَقِيًّا (٨) فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌّ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا لَ
وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (9)
وَاذَكُرْ فِى الْكِتَبِ مُوسَىَ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّالْـ
٣- ﴿فَلَمّا اعتَزَلَهُم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾، بأن ذهب إلى الأرض المُقدّسة، ﴿وَهَبْنا لَهُ﴾ ابنَيْنِ يأنس بهما ﴿إسحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلَّ﴾ منهما
﴿جَعَلْنا نَبِيًّا ٤٩، ووَهَبْنا لَهُم﴾: للثلاثة ﴿مِن رَحْمتِنا﴾ المالَ والولد، ﴿وَجَعَلْنا لَهُم لِسانَ صِدقٍ عَلِيًّا﴾ ٥٠: رفيعًا، هو الثناء الحسن في جميع
أهل الأديان.
٤- ﴿واذكُرْ في الكِتابِ مُوسَى. إنَّهُ كانَ مُخلِصًا﴾ - بكسر اللام وفتحها من: أخلص في عبادته، وأخلصه الله من الدنس - ﴿وكانَ رَسُولًا
نَبِيًّا ٥١، ونادَيناهُ﴾ بقول: ((يا مُوسَى إِنِّيَ أنا الله))، ﴿مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ اسمُ جبلٍ ﴿الأيمَنِ﴾ أي: الذي يلي يمين مُوسَى، حين أقبل من مَدْيَنَ،
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ٥٢: مناجِيًا بأن أسمعه الله - تعالى - كلامه، ﴿ووَهَبْنا لَهُ، مِن رَحْمتِنا﴾: نعمتِنا، ﴿أخاهُ هارُونَ﴾: بدلٌ أو عطف بيان،
﴿نَبِيًّا﴾ ٥٣: حال. هي المقصودة بالهبة إجابةً لسُؤاله أن يُرسل أخاه معه. وكان أسنَّ منه.
(١) اذكر: اقرأ للتذكير. والكتاب: القرآن. وإبراهيم: أبو الأنبياء، كان في كونَى من العراق. ويبدل أي ((إذ)»: بدل من ((خبرَ)). وتعبد: تقدس. وجاءني:
أوحي إليّ. والعلم: المعرفة اليقينية. ولم يأتك: لم تعلمه. واتبعني: وافقني بالتوحيد. وأهديك: أرشدك. والشيطان: إبليس وأتباعه. وكان أي: ولا يزال.
والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والعصيان: مخالفة الأمر والنهي. وأخاف: أتوقع. ويمسّك: ينزل بك. ومن الرحمن: من عنده وبأمره.
(٢) راغب عنها: تارك عبادتها. والآلهة: الأصنام المعبودة، جمع إله. وتنتهي: تسكت. وأرجمك: أقذفك. واهجرني: فارقني. والسلام: الوعد بالموادعة.
وكان أي: وما يزال. وفي الشعراء: الآية ٨٦ من سورة الشعراء. وفي براءة: في سورة التوبة. انظر الآية ١١٤ منها. وأعتزلكم: أفارقكم بترك بلدكم. ودونه:
غيره مما خلق. وعسى أي: أترجَّى. وأكون: أصير. والشقي: الضائع السعي.
(٣) الأرض المقدسة: فلسطين. ووهبنا: يسرنا. ويعقوب: ابن إسحاق حفيدٌ لإبراهيم. وجعلنا: صيّرنا. والرحمة: العطف بالإحسان. واللسان: ما يصدر
عنه من الذكر الحميد والخير. والصدق: الفضل ظاهرًا وباطنًا. والأديان أي: السماوية.
(٤) بفتحها يريد القراءة ((مُخلَصًا)). وأخلص: توجّه إلى الله وحده. وأخلصه: طهره. والرسول: من أرسله الله وأوحى إليه كتابًا. والنبي: من يخبر عن الله
التزام التوحيد والشريعة. وناديناه: دعوناه باسمه تشريفًا وتنبيهًا. و((بقول)) يعني الآية ٣٠ من سورة القصص. والجانب: الطرف. وجبل الطور في سيناء.
والأيمن: المبارك. انظر ((المفصل)). ومدين: بلدة على ساحل البحر الأحمر محاذية لتبوك، أقبل منها عائدًا إلى مصر. انظر الآيات ٢٩-٣٥ من سورة
القصص. وقربناه: رفعنا منزلته. والمناجاة: المسارة في الكلام. وفي الأصل وع: ((مناجّى)). ووهبنا له: أعنّاه ونصرناه. و((بدل أو عطف البيان)) يعني أن
((هارون)): بدل من ((أخا)) أو عطف بيان له، للتبيين مع التوكيد والتعظيم. وأسن أي: هارون أكبر سنًا .

١٩ - سورة مريم
٣٠٩
الجزء السادس عشر
سُورَة فِيَيْ
الجزء الهاشِ عَة
وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اٌلْطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا (﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن
رَّحْمِنَاآَخَاهُ هَرُونَ فِيًّا (®] وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ
صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا تَّبِيًّا (٥) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ
وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَرَيِّهِ، مَرْضِيًّا (١٧) وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِنَبِ إِدْرِيسَ
إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا (*) وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَتِهِم مِنَ النَِّنَ مِنْ ذُرِيَّةٍ ،َآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحِ
وَمِنْ ذُرِّيَّةِإِبْزَهِيِمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَيْنَا إِذَانَتْلَى عَلَيْهِمْ
ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُ واْسُجَّدًا وَبِّكِيًّاً ا (٥) * فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ
خَلْفَ أَضَاعُواْالصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْالشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَبِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
جَنَّتِ عَدْنٍ اَلَّتِى وَعَدَالرَّحْمَنُ عِبَادَهُ.
وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا وي)
يَلْغَيَّبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا (١) لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّسَلَمَّاً
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَ بُّكْرَةَ وَعَشِيًّا ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى تُورِثُ مِنْ
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِرَبِكَ لَهُ مَابَيْنَ
عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ◌ّ
أَيْدِينَا وَمَاخَلْفَنَا وَمَابَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَرَبُّكَ نَسِيًّا
١ - ﴿واذكُرْ في الكِتابِ إسماعِيلَ - إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعدِ﴾ لم يَعِد شيئًا إلّا وفی به،
وانتظر مَن وعده ثلاثة أيام أو حولًا، حتّى رجَع إليه في مكانه، ﴿وكانَ رَسُولًا﴾ إلى
جُرُهُمَ ﴿نَبِيًّا ٥٤، وكانَ يأمُرُ أهلَهُ﴾ أي: قومه ﴿بِالصَّلاةِ والزَّكَاةِ، وكانَ عِندَ رَبِّهِ
مَرْضِيًّا﴾ ٥٥. أصله ((مَرضُوٌْ)) قُلبت الواوان ياءين والضمّة كسرة - ﴿واذكُرْ في
الكِتابِ إدرِيسَ﴾، هو جدّ أبي نُوح. ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِيقًا نَبِيًّا ٥٦، ورَفَعْناهُ مَكانًا
عَلِيًّا﴾ ٥٧، هو حيّ في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة، أو في الجنّة، أُدخلَها
بعد أن أُذيق الموت وأُحيي، ولم يخرج منها .
٢- ﴿أُوْ لِكَ﴾: مبتدأ ﴿الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم﴾: صِفةٌ له ﴿مِنَ النَّبِّينَ﴾: بيانٌ
ثلاثة أرباع
مَجْدَة
لهم - وهو في معنى الصفة، وما بعده إلى جملة الشرط صفة لـ ((النبيين)) -
فقوله ﴿مِن ذُرِّيّةِ آدَمَ﴾ أي: إدريسُ، ﴿وَمِمَّن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة أي:
إبراهيمُ ابنُ ابنه سام، ﴿وَمِن ذُرِّيّةِ إِبراهِيمَ﴾ أي: إسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ، ﴿و﴾
مِن ذُرّيّة ﴿إِسرائيلَ﴾ - وهو يعقوب - أي: موسى وهارون وزکریاءُ ویحیی وعيسى،
﴿وَمِمَّن هَدَينا واجتَبَينا﴾ أي: من جُملتهم، وخبر ((أولئك)): ﴿إذا تُتْلَى عَلَيهِم آيَاتُ
الرَّحمنِ خَرُوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ ٥٨: جمع ساجد وباك. أي: فكونوا مِثلهم. وأصل
بُكيّ (بُكُوْيِّ)) قُلبت الواو ياء والضمة كسرة.
٣- ﴿فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلْفٌ، أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ بتركها، كاليهود والنصارى،
﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ من المعاصي، ﴿فَسَوفَ يَلِقَونَ غَيًّا﴾ ٥٩ هو وادٍ في جهنّم، أي:
يقعون فيه، ﴿إلّا﴾: لكن ﴿مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا. فَأُولَئِكَ يُدخَلُونَ الجَنّةَ، ولا يُظلَمُونَ﴾: يُنقَصون ﴿شَيئًا﴾ ٦٠ من ثوابهم، ﴿جَنّاتِ
عَدْنٍ﴾: إقامةٍ، بدلٌ من ((الجنّةَ)) ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحمُنُ عِبادَهُ بِالغَيبِ﴾: حالٌ، أي: غائبين عنها - ﴿إِنَّهُ كانَ وَعدُهُ﴾ أي: موعوده ﴿مأْتِيًّا﴾ ٦١
بمعنى: آتيًا، وأصله ((مأتُوي))، أو موعودُه هنا الجنّةُ يأتيه أهله - ﴿لا يَسمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ من الكلام، ﴿إِلّ﴾ لكن يسمعون (سَلامًا﴾ من
الملائكة عليهم، أو من بعضهم على بعض، ﴿وَلَهُم رِزقُهُم فِيها بُكْرَةَ وعَشِيًّا﴾ ٦٢ أي: على قدرهما في الدنيا. وليس في الجنّة نهار ولا ليل، بل
ضوء ونور أبدًا. ﴿تِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾: نُعطي ونُنزِل، ﴿مِن عِبادِنا، مَن كانَ تَقِيًّا﴾ ٦٣ بطاعته.
٤- ونزل، لمّا تأخّر الوحي أيامًا، وقال النبيّ لجبريل: «ما يَمنَعُكَ أن تَزُورَنا أكثَرَ مِمّا تَزُورُنا)»؟: ﴿ وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمرِ رَبِّكَ، لَهُ مَا بَيْنَ أيدِينا﴾
أي: أمامَنا من أُمور الآخرة، ﴿وما خَلفَنَا﴾ من أُمور الدنيا، ﴿وما بَينَ ذُلِكَ﴾ أي: ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة، أي: له علم ذلك
جميعِه، ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ٦٤ بمعنى: ناسيًا، أي: تاركًا لك بتأخير الوحي عنك. هو ﴿رَبُّ﴾: مالكُ ﴿السَّماواتِ والأرضِ وما بَينَهُما.
فاعبُدْهُ واصطَبِرْ لِعِبادِهِ﴾ أي: اصبر عليها. ﴿هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٦٥ أي مُسمَّى بذلك؟ لا.
(١) اذكر: انظر الآية ١٦. وإسماعيل: ابن إبراهيم من زوجته هاجر، تركه مع أمه في وادي مكة. ورسولًا: مكلفًا بتبليغ شريعة أبيه. وجرهم: قبيلة من عرب
اليمن، عاش بينها إسماعيل وتزوج فيها فتعرب. ويأمرهم: يحضهم. والصلاة والزكاة: المفروضتان شرعًا في جميع الأديان السماوية. والمرضي: المقبول
سعيُه وعمله. وعند ربه: في حكمه ورحمته. وإدريس: من ذرية شيث بن آدم، اسمه أُخنُوخ، وهو أول رسول جاءه جبريل بالوحي، وأُنزل عليه ثلاثون
صحيفة. والصديق: المبالغ في الصدق. ورفعناه: أعلينا منزلته بالرسالة. والقصص عن إدريس غفيرة جدًا، وهي من الإسرائيليات المنكرة.
(٢) أنعم: تفضل بالإكرام. والذرية: النسل والسلالة. وهدينا أي: أرشدناه إلى الحق ووفقناه فيه. واجتبينا: اخترناه للنبوة. وتتلى: تقرأ. والآيات: آيات
الكتب المنزلة. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. وخروا: سقطوا سراعًا. والساجد: من يضع جبهته على الأرض ذلة وانكسارًا. والضمة أي: الضمة
الثانية .
(٣) خلف من بعدهم: جاء عقبَ موتهم. وأضاعوها: شُغلوا عن أوقاتها وأهملوها. واتبعوها: انصرفوا إليها. ويقعون فيه أي: يوم القيامة. وتاب: اعترف
بذنبه وطلب المغفرة. وعمل صالحًا: قام بالأعمال التي حسّنها الشرع. ويُدخلون: يقضى لهم الدخول. والجنة: الحديقة العظيمة. وفسر المحليُّ المأتيَّ بأنه:
واقع فعلًا. وبمعنى: يَحضره مَن وُعد به. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والعباد: جمع عبد. والغيب: الغياب. واللغو: ما لا يفيد. والسلام: التحية
بالأمان ودوام النعيم. وبكرة وعشيا: صباحا ومساء، أي: على الدوام أبدًا. والتقي: من يخاف الله فيلزم الطاعة.
(٤) قول النبي هو في الحديث ٣٠٤٦ من البخاري. والآيتان أمرَ الله جبريل أن يقولهما جوابًا. ونتنزل: ننزل دون مواصلة. والأمر: الإرادة. والأيدي: جمع
يد. واعبده: أخلص له التقديس. واصبر: دم وتحمل. وتعلم: تعرف. والسمي: مَن له اسمُ غيرِهِ. و((لا)) أي: ليس له شريك في هذا الاسم، لتعلمه أنت أو
غيرك.

الجزء السادس عشر
٣١٠
١٩ - سورة مريم
١ - ﴿وَيَقُولُ الإِنسانُ﴾ المُنكِرِ للبعث، هو أَبيُّ بن خلف أو الوليدُ بن المغيرة، النازلُ
فيه الآيةُ: ﴿أإذا﴾ - بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها، وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين
الأُخرى - ﴿ما مُتُّ لَسَوفَ أُخرَجُ حَيَّ﴾ ٦٦ من القبر، كما يقول محمد؟ فالاستفهام
بمعنى النفي أي: لا أحيا بعد الموت. وما: زائدة للتأكيد، وكذا اللام. ورُدّ عليه
بقوله تعالى: ﴿أُوَلا يَذَّكَّرُ الإنسانُ﴾ - أصله ((يَتَذَكَّرُ)) أُبدلت التاء ذالًا وأُدغمت في
الذال. وفي قراءة تركُها وسكونُ الذال وضمُّ الكاف - ﴿أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبَلُ، ولَم يَكُ
شَيْئًا﴾ ٦٧، فيستدلَّ بالابتداء على الإعادة؟
٢- ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُم﴾ أي: المُنكرينَ للبعث ﴿والشَّيَاطِينَ﴾ أي: نجمعُ كُلّ منهم
وشيطانَه في سلسلة، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُم حَولَ جَهَنَّمَ﴾ من خارجها، (جُنِيًّا﴾ ٦٨ على
الرُّكَب جمعُ جِاثٍ - وأصله ((جُثُووٌ)) أو ((جُنُويٌ)) من: جَئا يَجِثُو ويَجِئِي، لغتانِ - ﴿ثُمَّ
لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعةٍ﴾: فِرقةٍ منهم ﴿أَيُّهُم أشَدُّ عَلَى الرَّحْمُنِ عُنِيًّا﴾ ٦٩ : جراءةً، (ثُمَّ
لَنَحْنُ أعلَمُ بِالَّذِينَ هُم أَولَى بِها﴾: أحقُّ بجهنّم، الأشدِّ وغيرِهِ منهم، ﴿صُلِيًّا﴾ ٧٠:
دخولًا واحتراقًا، فنبدأ بهم - وأصله ((صُلُوْيٌ)) من: صَلي، بكسر اللام وفتحها -
﴿وإن﴾ أي: ما ﴿مِنكُم﴾ أحدٌ ﴿إِلّ وارِدُها﴾ أي: داخلٌ جهنّمَ - ﴿كانَ علَى رَبِّكَ
حَتْمًا مَقضِيًّا﴾ ٧١: حتَمَه وقضَى به لا يتركه - ﴿ثُمَّ تُنَجِّي﴾، مُشدّدًا ومُخفّفًا، ﴿الَّذِينَ
اتّقُوا﴾ الشِّرك والكُفر منها، ﴿وَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ بالشّرك والكُفر ﴿فِيها جُئِيًّا﴾ ٧٢ على
الرُّكَب .
سُورَةِ هُرَ سْع
رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُوَأَصْطَبِرْلِعِبَدَتِ."
◌ُهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا هُ وَيَقُولُ اَلْإِنسَنُ أَءِذَا مَامِتُّ لَسَوْفَ
أُخْرَجُ حَيَّا جَ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ
أَوَلَمْيَكُ شَيْئًا جَّ
◌َنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا (٨َا ثُمَّلَنَفْزِعَ مِنْ كُلِّ
٤ ◌َُّحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ
شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًّاً ®
هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ﴿ وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ
حَتْمَا مَّقْضِيًّا ﴿٩ ثُمَّ ◌َُجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ
فِيَهَاِيًّا [٨َّ وَ إِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَابَيِّنَتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّالثَّوَكَةْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَشَّا وَرِهْ يَا (٨ قُلْ مَن
وَكَانَ فِ الضَّلَكَةِ فَلْيَمْدُ دْلَهُ الرَّحْمَنُ مَّدًّا حَقَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ
إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَّكَانًا
وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَّىٌّ
وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ تَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا
٣- ﴿وإذا تُتْلَى عَلَيهِم﴾، أي: المؤمنين والكافرين، ﴿آياتُنا﴾ من القُرآن، ﴿بَيِّناتٍ﴾:
واضحاتٍ حالٌ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أُّ الفَرِيقَينِ﴾ نحن وأنتم ﴿خَيرٌ مَقامًا﴾: منزلًا ومسكنًا، بالفتح مِن: قامَ، وبالضم مِن: أقامَ،
﴿وأحسَنُ نَدِيًّا﴾ ٧٣ بمعنى النادي؟ وهو مجتمع القوم يتحدّثون فيه. يعنون: نحن، فنكون خيرًا منكم. قال تعالى: ﴿وكَم﴾ أي: كثيرًا ﴿أهلَكْنا
قَبَلَهُم مِن قَرنٍ﴾ أي: أُمّة، من الأُمم الماضية، ﴿هُم أحسَنُ أثاثًا﴾: مالًا ومتاعًا ﴿ورِثْيًا﴾ ٧٤ مَنظرًا! من الرؤية. فكما أهلكناهم لكُفرهم نُهلِكُ
هؤلاء.
٤- ﴿قُلْ: مَن كانَ في الضَّلالةِ﴾: شرطٌ جوابه: ﴿فَلْيَمدُدْ﴾، بمعنى الخبر، أي: يَمُدُّ ﴿لَهُ الرَّحمُنُ مَدَّا﴾ في الدنيا يستدرجه - ﴿حَتَّى إذا رأَوا ما
يُوعَدُونَ، إمّا العَذابَ﴾ كالقتل والأسر، ﴿وإمّا السّاعَةَ﴾ المُشتملةَ على جهنّم فيدخلونها، ﴿فَسَيَعلَمُونَ: مَن هُوَ شَرِّ مَكانًا وأضعَفُ جُندًا﴾ ٧٥ :
أعوانًا هم أم المؤمنون؟ وجُندهم الشياطينُ وجُند المؤمنين عليهم الملائكةُ - ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا﴾ بالإيمان ﴿هُدَى﴾، بما يُنزّل عليهم من
الآيات. ﴿والباقياتُ الصّالِحَاتُ﴾، هي الطاعة تبقى لصاحبها، ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا، وخَيرٌ مَرَدًّا﴾ ٧٦ أي: ما يُردّ إليه ويُرجع، بخلاف أعمال
الكُفّار. والخيريّة هنا في مُقابلة قولهم: ((أيُّ الفَرِيقَينِ خَيْرٌ مَقامًا))؟
(١) أُبيّ والوليد: من جبابرة قريش. انظر ((المفصل)). وبتحقيق ... والأُخرى: انظر الآية ٥ من سورة الرعد. وأخرج: أبعث من القبر. وكذا اللام: يعني أن
اللام: زائدة أيضًا للمبالغة في التوكيد. والتذكر: استحضار الأمر للاستدلال. وتركها: يريد القراءة ((أوَلا يَذْكُرُ)). وخلقنا: أوجدنا من العدم. والإعادة أي: إلى
الحياة بالبعث.
(٢) نحشر: نجمع بعد الموت. والشياطين: جمع شيطان. وهو من سلالة إبليس. ونحضرهم: نأتي بهم. والجاثي: القائم على ركبتيه. ولغتان: يعني أن لام
الكلمة واو أو ياء، لهجتان عند العرب. وننزع: نقتلع ثم نطرح في النار. وأشد: أكثر شِدة. وأعلم: أكثر إحاطة. والأشدِّ تفسير لـ ((الذين)). ويكسر اللام
وفتحها يعني: صَلِيَ وصَلَى. والضمير في ((منكم)) للناس عدا الأنبياء والرسل. فالمؤمن الصالح تكون جهنم بردًا وسلامًا عليه، ثم يُنجَّ منها. فدخوله مرور
بها. وكان أي: ولا يزال الورود. ومخففًا يريد القراءة ((نُنْجِي)) أي: ننقذ من جهنم. واتقوه: تجنبوه بالتوحيد والصلاح. ونذرهم: نتركهم.
(٣) الكافرون: مشركو مكة. والفريق: الجماعة. وخير: أفضل. وبالضم يريد القراءة ((مُقامًا)). وهو موضع الإقامة. وأحسن: أجمل. يعني أنهم لجؤوا إلى
الافتخار بالمال والمظهر، مدعين أن ذلك يدل على كرامتهم. وأهلكنا: استأصلنا بالعذاب. وأحسن أي: أفضل من مشركي مكة وأجمل. ومنظرًا: صورة
وهيئة يراهما الناظر عيانًا .
(٤) الضلالة: الكفر. ويمده: يزيده مُتَعًا ويمهله. والرحمن: العظيم العطف بالإحسان. ورأوه: أبصروه عِيانًا. وما يوعدون: ما هددوا به. والساعة: يوم
القيامة. ويعلم: يدري باليقين. وشر: أحقر. والمكان: المنزلة. وأضعف: أقل قدرة. والجند: واحده جندي. وعليهم: على المشركين. ويزيدهم: يضيف
إليهم. واهتدوا: اتبعوا الحق. والهدى: البصيرة. والباقيات: انظر الآية ٤٦ من سورة الكهف. وخير أي: أفضل. والثواب: الأجر. وعنده: في حكمه
وقضائه. ويرجع: إلى الجنة.

١٩ - سورة مريم
٣١١
الجزء السادس عشر
◌ُسِوَرَةِ فِيَيْ
أَفَرَءَ يْتَ الَّذِى كَفَرَ بَايَتِنَا وَقَالَ لَأُ وتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدَ الثَّكَلَّا
﴿ وَنَرِثُهُ
سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّلَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا
مَا يَقُولُ وَيَأْنِيْنَا فَرْدًا ﴿ وَأَخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةً
لِيَكُونُواْلَهُمْ عِزَّا (٨) كَلََّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿ أَلَوْتَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ
فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا فَ)
تَؤُزُّهُمْ أَزَّا لَهَّ
يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ
لََّ يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلََّ مَنِ أَّخَذَعِندَ
إِلَى جَهَتََّ وِرْدًا لَّهَا
الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٦) وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا فَقَالَّقَدْ
جِثْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (٨َ تَكَادُالسَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْلِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَنَّخِذَ وَلَدًّا (١) إِن كُلُ مَنْ فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (بَلَقَدْ أَحْصَنهُ
وَعَدَّهُمْ عَذَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ؟
١- ﴿أفَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا﴾ القائل - هو العاصِ بنُ وائل - ﴿وقالَ﴾ لخبّابِ بنِ
الأرتّ القائل له: (تُبعَثُ بَعدَ المَوتِ)) والمطالبِ له بمال: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾، على تقدير
البعث، ﴿مَالَّا وَوَلَدًا﴾ ٧٧ فأقضِيَنْكَ؟ قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغَيبَ﴾ أي: أعلِمَه وأن
يُؤتى ما قاله - واستُغني بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل فحُذفت - ﴿أم اتَّخَذَ عِندَ
الرَّحمنِ عَهِدًا﴾ ٧٨ بأن يُؤتى ما قاله؟ ﴿كَلّا﴾ أي: لا يُؤتى ذلك، ﴿سَنَكتُبُ﴾: نأمر
بكتب ﴿ما يَقُولُ، ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدَّا﴾ ٧٩: نزيده بذلك عذابًا فوق عذاب كُفره،
﴿وَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من المال والولد، ﴿ويأتِينا﴾ يوم القيامة ﴿فَردًا﴾ ٨٠ لا مال له ولا
ولد.
٢- ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: كُفّارُ مكّة، ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾، الأوثانَ ﴿آلِهةَ﴾ يعبدونهم،
﴿لَيَكُونُوا لَهُم عِزَّا﴾ ٨١: شُفعاءَ عِند الله بألّا يُعذّبوا. ﴿كَلّا﴾ أي: لا مانعَ من
عذابهم، ﴿سَيَكْفُّرُونَ﴾ أي: الآلهةُ ﴿بِعِبادِهِم﴾ أي: ينفونها، كما في آية أُخرى: ((ما
كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ))، ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِم ضِذًّا﴾ ٨٢: أعوانًا أو أعداء. ﴿أَلَم تَرَ أنّا
أرسَلْنا الشَّيَاطِينَ﴾: سَلّطْناهم ﴿عَلَى الكافِرِينَ، تَؤُزُّهُم﴾: تُهيّجهم إلى المعاصي
﴿أَزَّا ٨٣؟ فلا تَعَجَلْ عَلَيهِم﴾ بطلب العذاب. ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم﴾ الأيام والليالي أو
الأنفاس ﴿عَذَّا﴾ ٨٤ إلى وقت عذابهم.
٣- اذكرْ ﴿يَومَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ بإيمانهم، ﴿إِلَى الرَّحمن وَفدًا﴾ ٨٥: جمع وافد
بمعنى: راكب، ﴿وَنَسُوقُ المُجرِمِينَ﴾ بكُفرهم، ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِردًا﴾ ٨٦: جمع وارد
بمعنى: ماش عطشان، ﴿لا يَملِكُونَ﴾ أي: الناسُ ﴿الشَّفَاعَةَ، إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ
الرَّحمنِ عَهدًا﴾ ٨٧ أي: شهادةَ أنْ لا إله إلّا الله، ولا حول ولا قُوّة إلّا بالله.
٤ - ﴿وَقالُوا﴾ أي: اليهودُ والنصارى ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمُنُ وَلَدًا﴾ ٨٨. قال تعالى لهم: ﴿لَقَد جِئْتُمْ شَيئًا إذًا﴾ ٨٩
أي: مُنكرًا عظيمًا، ﴿تكادُ﴾ - بالتاء والياء - ﴿السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ﴾ - بالنون. وفي قراءة بالتاء وتشديد الطاء - بالانشقاق ﴿مِنْهُ، وتَنشَقُّ
الأرضُ، وتَخِرُّ الچِبالُ هَذَّا﴾ ٩٠ أي: تنطبق عليهم، من أجل ﴿أن دَعَوا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ ٩١. قال تعالى: ﴿وما يَنْبَغِي للرَّحمُنِ أن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٩٢
أي: ما يليق به ذلك. ﴿إِن﴾ أي: ما ﴿كُلُّ مَن فِي السَّماواتِ والأرضِ إلّا آتِي الرَّحمنِ عَبدًا﴾ ٩٣ ذليلاً خاضعًا يوم القيامة، منهم عُزِير وعيسَى.
﴿لَقَد أحصاهُم وعَدَّهُم عَدَّا﴾ ٩٤، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم، ولا واحد منهم، ﴿وَكُلَّهُم آتِيهِ يَومَ القِيامَةِ فَردًا﴾ ٩٥: بلا مال ولا نصير
يمنعه .
(١) أرأيت: أخبرني. وكفر: كذّب. والآيات: دلائل التوحيد والعبودية والبعث. والعاص: بالكسر محذوف الياء. انظر تهذيب الأسماء واللغات ٢: ٣٠.
وهو أحد حكام الجاهلية، مات على الشرك. انظر الأحاديث ١٩٨٥ و ٤٤٥٥- ٤٤٥٧ في البخاري. وأوتَى: أُعطَى. والمال: ما يملك من المتاع والزينة.
والولد بمعنى الأولاد. وأقضينك أي: أردّنّ إليك مالك. واطّلَعَه: أدركه. والغيب: ماكان في علم الله. واتخذ: نال. والعهد: الوعد المؤكد. وكلّا: حرف
ردع وزجر وإنكار وتنبيه على الخطأ فيما تصور وتمنى. والكتب: التسجيل في صحيفة العمل. ونمد له: نطوّل له. ونرثه: نكون كالوارث له، ولا يكون له ما
زعم. ويأتينا: يحضر للحساب. وفردًا: وحيدًا.
(٢) اتخذوا: جعلوا. والآلهة: جمع إله. وعزًا: عونًا به ينتصرون في الشفاعة. ولا مانع أي: لاعز لهم ولا شفيع. والعبادة: التقديس والطاعة. وينفونها:
ينكرون يوم القيامة أنها كانت لأجلهم، ويثبتون كونها تلبية لأطماع العابدين في المستلذات. وفي آية: يعني الآية ٦٣ من سورة القصص. والضد: المضاد
المعادي. وترى أي: أنت تعلم حقًّا. والشياطين: جمع شيطان. وهو من يغري بالشر من الإنس والجن. وتؤزهم أي: بالوسوسة وتزيين الكفر والشهوات.
ولا تعجل: لا تطلب التعجيل. ونعد: نحسبه فلا يزيد ولا ينقص. والأيام: جمع يوم. وهو النهار. والأنفاس: جمع نفَس.
(٣) نحشر: نجمع من القبور. والمتقي: من يخاف الله فيمتثل الأمر والنهي. والوفد: القادمون على من يكرمهم ويُعزهم. انظر ((المفصل)). ونسوق: ندفع
بالذلة. والمجرم: من يقترف الشر. ولا يملكون الشفاعة: لا يستطيع أحد طلب العفو عنه أو عن غيره. واتخذ: جعل لنفسه. وعنده: في حكمه وقضائه.
والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والعهد: الوعد المؤكد. وتفسير العهد بالشهادة يعني التوحيد.
(٤) من زعم أي: بعض العرب من المشركين. واتخذ ولدًا: صنع لنفسه أولادًا. وجئتم: قلتم. وبالياء يريد القراءة ((يَكادُ)) أي: يقارب. والسماوات: ما
يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. وينفطرن: يتفتتن. وبالتاء يريد القراءة ((يَتَفَطَّرْنَ)). وهي واردة مع ((يَكادُ)) فقط. ومنه: من القول المزعوم. وتنشق: تتزلزل
وتتفسخ. وتخر: تسقط وتتداعى. والجبال: جمع جبل. وهو ما علا وصلب من الأرض. وهدًا أي: مهدَّمة. ومن أجل أي: بسبب. ودعوا: سَمَّوا. وما يليق
أي: لايمكن، لأن التوالد لا يكون إلّ فيما هو مخلوق ومن جنس واحد، والله ليس كذلك. و((ما)) يعني أن ((إن)): حرف نفي. والأرض: موطن الحياة الدنيا.
والمراد بـ (مَن)) الإنس والجن والملائكة. والآتي: الحاضر بالبعث. وعزير: ألّهه اليهود. وعيسى: ألّهه بعض النصارى. وأحصاهم: أحاط علمه بهم وبكل
شيء منهم. وعدهم: علم عددهم وأعمالهم وأنفاسهم. وانظر آخر الآية ٨٠.

الجزء السادس عشر
٣١٢
٢٠ - سورة طه
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحْمُنُ وُدًّا﴾ ٩٦ فيما بينهم،
يتوادّون ويتحابّون، ويُحبّهم الله، تعالى. ﴿فإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي: القُرآنَ ﴿بِلِسانِكَ﴾
العربيّ، ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ النارَ بالإيمان، ﴿وَتُنذِرَ﴾: تُخوّفَ ﴿بِهِ قَومًا لُذًّا﴾ ٩٧:
جمعُ ألَّدَّ، أي: جَدِلٍ بالباطل. وهم كُفّار مكّة. ﴿وكَم﴾ أي: كثيرًا ﴿أهلَكْنا قَبَلَهُم مِن
قَرِنٍ﴾ أي: أُمّةٍ من الأُمم الماضية، بتكذيبهم الرسل! ﴿هَل تُحِسُّ﴾: تَجِدُ ﴿مِنْهُم مِن
أحَدٍ، أو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا﴾ ٩٨: صوتًا خفيًّا؟ لا. فكما أهلكنا أُولئك نُهلك
هؤلاء.
سورة طه
مكية، مِائَة وخمس وثلاثون، أو وأربعون، أو وثنتان [وثلاثون] آية .
ـحِزْبُ
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ
٢- ﴿طه﴾ ١ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿مَا أَنزَلْنا عَلَيكَ القُرآنَ﴾ - يا مُحمّد -
﴿لِتَشْقَى﴾ ٢: لتتعب بما فعلتَ بعد نُزوله، من طُول قِيامك بصلاة الليل، أي: خفّفْ
عن نفسك. ﴿إلّ﴾: لكن أنزلناه ﴿تَذْكِرَةَ﴾ به ﴿لِمَن يَخْشَى﴾ ٣: يخافُ الله،
﴿تَنزِيلًا﴾: بدلٌ من اللفظ بفعله الناصبِ له، ﴿مِمَّن خَلَقَ الأرضَ والسَّماواتِ
العُلَى﴾ ٤: جمعُ عُليا، ككُبْرَى وكُبَر.
◌ُوَةِ ظُلَهُ
الجزء الهناش شين
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ
الرَّحْمَنُ وُدَّا جَا فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِّرَ بِهِ
اٌلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمَ لُّدًّا (®] وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم
مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
آياتها
شُورَةُ طب
◌ِلَلَّهِ الرَّحْمِالرَّحِبـ
طِهِ جَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىِ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةُ
لِّمَنْ يَخْشَى تَزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى لـ
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ٥َ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِ وَمَابَتْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى ﴿ وَإِنِ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى: ﴿ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ
اْحُسْنَى: ﴿ وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ إِذْرَءَانَارًا
فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُتُواْ إِّ ءَانَسْتُ نَارًالَعَلِّءَانِكُمْ مِنْهَ بِقَبَسٍ
أَوْأَجِدُ عَلَى النَّارِهُدَّى ﴿ فَلَمَّآ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ
إِّ أَنْرَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعَلَيْكٌ إِنَّكَ بِأَلْوَادِالْمُقَدَّسِ طُوَّى
٣- هو ﴿الرَّحْمُنُ عَلَى العَرشِ﴾، وهو في اللغة سرير المُلك، ﴿استَوَى﴾ ٥ استواءً
يليق به، ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ، وما بَينَهُما﴾ من المخلوقات، ﴿وما
تَحتَ الثَّرَى﴾ ٦ هو التراب النديّ - والمراد الأرَضُونَ السبعُ لأنها تحته - ﴿وإن تَجهَرْ بِالقَولِ﴾، في ذِكرِ أو دُعاء، فالله غنيّ عن الجهر به، ﴿فإنَّهُ
يَعلَمُ السِّرَّ وأخفَى﴾ ٧ منه، أي: ما حدّثتَ به النفس وما خطر ولم تُحدِّث به - فلا تُجهد نفسك بالجهر - ﴿اللهُ لا إلَّهَ إلّا هُوَ، لَهُ الأسماءُ
الحُسنَى﴾ ٨ التسعةُ والتسعونَ الواردُ بها الحديثُ. والحسنى: مُؤنّث الأحسن.
٤- ﴿وَهَل﴾: قد ﴿أتاكَ حَدِيثُ مُوسَى ٩، إذ رأَى نارًا، فقالَ لِأهلِهِ﴾ لا مرأته: ﴿امكُثُوا﴾ هنا. وذلك في مسيره من مَدْيَنَ طالبًا مِصرَ. ﴿إِنِّيَ
آنَستُ﴾: أبصرت ﴿نارًا، لَعَلِّيَ آتِيكُم مِنها بِقَبَسٍ﴾: شعلة في رأس فتيلةٍ أو عودٍ، ﴿أو أجِدُ عَلَى النّارِ هُدَى﴾ ١٠ أي: هاديًا يدلّني على الطريق؟
وكان أخطأها لظُلمة الليل. وقال ((لعلّ)) لعدم الجزم بوفاء الوعد.
٥- ﴿فَلَمّا أتاها﴾، وهي شجرةُ عَوسَج، ﴿نُودِيَ: يا مُوسَى ١١، إنِّيَ﴾ - بكسر الهمزة بتأويل (نودي)) بـ ((قيل))، وبفتحها بتقدير الباء - ﴿أنا):
تأكيدٌ لياء المُتكلّم ﴿رَبُّكَ - فاخلَعْ نَعَلَيكَ، إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾: المُطهّر أو المُبارك ﴿طُوَى﴾ ١٢: بدل أو عطف بيان. بالتنوين وتركه،
مصروفٌ باعتبار المكان، وغيرُ مصروف للتأنيث باعتبار البقعة مع العَلميّة - ﴿وأنا اختَرْتُكَ﴾ من قومك. ﴿فاستَمِعْ لِما يُوحَى﴾ ١٣ إليك منّي،
(١) آمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب. والصالحات: الأعمال التي يرضاها الله. ويجعل: يخلق. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والود:
المحبة. ويسرناه: جعلناه سهلًا ميسَّرًا للعرب وغيرهم، بخلاف الكتب التي قبله، كانت خاصة بمن نزلت عليهم. واللسان: اللغة. وتبشرهم: تبلغهم ما
يَسرّهم. والمتقي: الذي يتجنب الشيء. والقوم: الجماعة من الناس. وكفار مكة أي: وكل من تلقاه من الناس. وأهلكنا: أفنينا بالعذاب. وتسمع: تدرك
وتتلقى. و((لا)) أي: لم يبق من الكافرين أحد ولا أثر مفيد. (٢) أنزلنا: أوحينا. ونزلت هذه الآيات بيانًا للغاية من التكليف بالرسالة، ودفعًا لما يعانيه النبي
وَ* والمؤمنون من تعنت المشركين. الدر المنثور ٢٨٨:٤. والتذكرة: التذكير بالحق. والتنزيل: الوحي. وخلقها: أوجدها من العدم. والأرض والسماوات:
انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والعليا: العظيمة الارتفاع. (٣) الرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والعرش: مخلوق عظيم يحيط بالكون كله لا
يعرف حقيقته إلّا الله. ويليق به أي: يناسب عظمته وجلاله من دون تمثيل أو تعطيل. و((السبع) مستفاد من أحاديث، روى بعضها ابن كثير في تفسيره ١٣٩:٣،
وقال عنه: ((هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب)). انظر تعليقنا على الآية ١٢ من سورة الطلاق. والصواب أن ما تحت الثرى هو ما في باطن الأرض.
وتجهر به: تظهره بصوت مسموع. ويعلمه: يحيط به. ولم تحدث به أي: نفسك. وهذا تفسير لـ ((أخفى)). والحديث: انظر تفسير الآية ١١٠ من سورة الإسراء.
(٤) أتاك: وصل إليك. وحديث موسى: قصته مع فرعون. ورأى: أبصر عيانًا. والنار: شجرة خضراء تتقد بنور رباني. وامكثوا: أقيموا. والخطاب لا مرأته
وولديه والخادم أيضًا. ومدين: موطن شعيب، بلدة على ساحل البحر الأحمر محاذية لتبوك. والإيناس: إبصار بيّن واضح. وآتيكم: أُحضر لكم. وأجد:
أرى. وعلى النار: قربها. (٥) أتاها: دنا منها. والعوسج: شجر ثمره أحمر مدور كالخرز العقيق. ونودي أي: قيل. وبفتحها أي: الهمزة، يريد القراءة
((أنّيَ)). والواد: الوادي. وطوى: اسم مكان بين مَدْيَنَ ومصر. وتركه يريد القراءة ((طُوَى)). واخترتك: خصصتك بالرسالة. ويوحى: يلقى. والإله: المعبود
بحق وحده. واعبد: قدّس وأطع. وأقم الصلاة: أدِّها كاملة. ولذكري: لتذكرني وتسبحني. والساعة: يوم القيامة. وآتية: حاصلة لا محالة. وأكاد أخفيها:
أقارب سترها. وتُجزى: تكافأ. والنفس: المخلوق المكلف من البشر والجن. وتسعى: تعمل من نية أو قول أو فعل. واتبع هواه: أطاع ما تزينه له نفسه.

٢٠ - سورة طه
٣١٣
الجزء السادس عشر
سُورَةِ طَلَهُ
الجزء الحائرعشر
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿ إِنَّنِى أَنَا اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ.
فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ﴿﴿ إِنَّ السَّاعَةَ ءَائِيَةٌ
﴿أَ كَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿ فَلَا يَصُدَّنَكَ
عَنْهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى ﴿ وَمَاتِلْكَ
بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ؟ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَوُاْ عَلَيْهَا
وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى ﴾ قَالَ أَلْقِهَا
يَمُوسَى [® فَأَلْقَنهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾ قَالَ خُذْهَا
وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُ هَاسِيرَتَهَا الْأُوْلَى ﴿ وَأَضْمُمْ يَدََ
إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِسُوْءٍ ءَايَّةً أُخْرَى (٦) لِتُرِيَكَ
مِنْءَ ايَتِنَا الْكُبْرَىَ ﴿ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (﴾ قَالَ
رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى ﴿ وَيَسِّرْلِ أَمْرِى ﴿ وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ
لِسَانِ هَيَفْقَهُواْقَوْلِ [٨َوَأَجْعَل ◌ِلِّ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ هَرُونَ
بكىْ نُسَبِحَكَ
أَخِى ◌َ أَشْدُدْبِهِ: أَزْرِى جَ وَأَشْرِكُهُ فِىّ أَمْرِى
كَثِيرً الَبَا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٦) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴿ قَالَ قَدْ
أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىَ لـ
﴿إِنَّنِيَ أنا اللهُ، لا إِلّهَ إلّا أنا. فاعبُدْنِ، وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِيَ﴾ ١٤ فيها. ﴿إِنَّ السّاعَةَ
آتِيَةٌ، أَكادُ أُخفِيها﴾ عن الناس ويَظهر لهم قربُّهَا بعلاماتها، ﴿لِتُجِزَى﴾ فيها ﴿كُلُّ نَفْسٍ
بِما تَسعَى﴾ ١٥ به، من خير وشرّ. ﴿فلا يَصُدَّنَّكَ﴾: يصرِفَنَّكَ ﴿عَنها﴾ أي: عن
الإيمان بها ﴿مَن لا يُؤمِنُ بِها، واتَبَعَ هَواهُ﴾ في إنكارها، ﴿فَتَرْدَى﴾ ١٦: فَتَهلِكَ إن
صددتَ عنها .
١- ﴿وما تِلكَ﴾ كائنةً ﴿بِيَمِينِكَ؟ يا مُوسَى﴾ ١٧. الاستفهام للتقرير، ليرتِّب عليه
المُعجزةَ فيها. ﴿قالَ: هِيَ عَصائيَ، أَتَوَكَأُ﴾: أعتمد ﴿عَلَيها﴾ عِند الوُثوب والمشي،
﴿وأهُشُّ﴾: أخبِطُ ورق الشجر ﴿بِها﴾، ليسقطَ ﴿عَلَى غَنَمِي﴾ فتأكلَه، ﴿ولِيَ فِيها
مآرِبُ﴾: جمع مأربة، مُثُلّث الراء، أي: حوائجُ ﴿أُخرَى﴾ ١٨، كحمل الزاد والسقاء
وطرد الهوامّ. زاد في الجواب بيان حاجاته بها. ﴿قالَ: ألقِها، يا مُوسَى ١٩.
فألقاها، فإذا هِيَ حَيّةٌ﴾: ثعبان عظيم، ﴿تَسعَى﴾ ٢٠: تمشي على بطنها سريعًا،
كُرعة الثُّعبان الصغير المُسمَّى بالجانِّ، المُعبَّرِ به فيها في آية أُخرى.
٢- ﴿قالَ: خُذْها ولا تَخَفْ﴾ منها - ﴿سَنُعِيدُها سِيرتَها﴾: منصوبٌ بنزع الخافض،
أي: إلى حالتها ﴿الأُولَى﴾ ٢١. فأدخلَ يده في فمها فعادت عصًا، وتبيّنَ أنّ موضعَ
الإدخال موضعُ مسكها بين شُعبتيها. وأُرِيَ ذلك السيّدُ مُوسَى، لئلّا يجزع إذا انقلبتْ
حيّةً لدى فِرِعَونَ - ﴿وَاضِمُمْ يَدَكَ﴾ اليُمنى، بمعنى الكفّ، ﴿إِلَى جَناحِكَ﴾ أي:
جنبك الأيسر، تحت العضُد إلى الإبط، وأخرجْها ﴿تَخْرُجْ﴾ خِلافَ ما كانت عليه من
الأدمة ﴿بَيضاءَ، مِن غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: بَرَص، تُضيء كشُعاع الشمس تُعشي البصر، ﴿آيَةً أُخرَى﴾ ٢٢ - وهي و ((بيضاءَ)) حالان من ضمير ((تَخْرِجْ))
- ﴿لِنُرِيَكَ﴾ بها، إذا فعلتَ ذلك لإظهارها، ﴿مِن آيَاتِنا﴾ الآيةَ ﴿الكُبرَى﴾ ٢٣ أي: العُظمى على رسالتك. وإذا أراد عَودَها إلى حالتها الأُولى
ضمّها إلى جناحه، كما تقدّم، وأخرجها. ﴿اذهبْ﴾ رسولًا ﴿إِلَى فِرِعَونَ﴾، ومن معه. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ ٢٤: جاوزَ الحدّ، في كُفره، إلى ادّعاء
الالهية.
٣- ﴿قَالَ: رَبِّ، اشرَحْ لِي صَدرِي﴾ ٢٥: وَسِّعْه لتحمّلِ الرسالة، ﴿وَيَسِّرْ﴾: سَهِّل ﴿لِيَ أمرِي﴾ ٢٦ لأُبلّغها، ﴿واحلُلْ عُقْدةً مِن لِسانِي﴾ ٢٧،
حدَثتْ من احتراقه بجمرة وضعها، وهو صغير، بفيه ﴿يَفْقَهُوا﴾: يفهموا ﴿قَولي﴾ ٢٨ عِند تبليغ الرسالة، ﴿واجعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: مُعِينًا عليها ﴿مِن
أهلِي ٢٩، هارُونَ﴾: مفعولٌ ثان ﴿أخِي﴾ ٣٠: عطفُ بيان. ﴿آشدُدْ بِهِ أَزرِي﴾ ٣١: ظهري، ﴿وأشرِكُهُ في أمرِي﴾ ٣٢ أي: الرسالة - والفِعلان
بصيغتَي الأمر والمضارع المجزوم، وهو جواب للطلب - ﴿كَي نُسَبِّحَكَ﴾ تسبيحًا ﴿كَثِيرًا ٣٣، ونَذكُرَكَ﴾ ذِكرًا ﴿كَثِيرًا ٣٤. إنَّكَ كُنتَ بِنا
بَصِيرًا﴾ ٣٥: عالمًا، فأنعمتَ بالرسالة.
٤ - ﴿قَالَ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ - يا مُوسَى﴾ ٣٦ - مَنَّا عليك، ﴿وَقَد مَنَّا عَلَيكَ مَرّةً أُخرَى ٣٧، إذ﴾: للتعليل ﴿أَوحَينا إِلَى أُمِّكَ﴾ منامًا أو إلهامًا،
(١) اليمين: اليد اليمنى. وتكرار النداء هنا بعد الآية ١١ وما سيلي في الآيات ١٩ و٣٦ و٤٠ للإيناس والتلطف. وليرتب أي: إنما يقرره ليعترف بأنها عصا،
ويتنبه إلى ما سيكون، ولا يعتريه شك إذا انقلبت ثعبانًا، لتحقَّقه أن ذلك معجزة. والوثوب: القفز والنهوض للقيام. والغنم: القطيع من المعز والضأن.
والأخرى: المغايرة. والهوام: جمع هامّة. وهي الحشرة المؤذية. وألقها: اطرحها في الأرض. والثعبان: ذكر الأفاعي. والجانّ: الصغير منها. وآية: يعني
الآيتين ١٠ من سورة النمل و٣١ من سورة القصص.
(٢) خذها: أمسكها. ونعيدها سيرتها: نرد هيئتها ونصيّرها سيرتها الأولى، بوضع يدك في فمها. وعادت: رجعت وصارت. وتبين: علم موسى. واضممها :
أدخلها من فتحة العنق من القميص. وأخرجها: اسحبها. وتخرج: تظهر. والأدمة: السُّمرة. وبيضاء: مُبَيَضّة. ومن غير: بدون. والسوء: القبح والأذى.
وتُعشي البصر: تضعفه عن الرؤية. وآية: معجزة بينة. ونريك: نطلعك عيانًا. و((الآية)) الراجح أن العصا واليد هما بعض الآيات العظمى. البحر ٦: ٢٣٧.
(٣) رب: ياربي. وأمري: ما كلفتني به. واحلل: ارفع. والعقدة: الثقل عن التعبير. وبفيه: في فمه. انظر ((المفصل)). واجعل: صيّر. وأهل الإنسان: أسرته
والأقربون من عشيرته. واشدد: ادعمْ وثبّتْ. وأشركه أي: اجعله مشاركًا في العمل. وبالمضارع المجزوم يريد القراءة ((أَشدُدْ ... وأَشْرِكُهُ)). ونسبحك: ننزهك
عما لا يليق بجلالك. وكنت أي: ولا تزال.
(٤) أوتيت: أعطيت. والسؤل: المطلوب. ومننا: أنعمنا. ومرة أُخرى: منّة غير ما أنت عليه الآن. وأوحينا إليها: أعلمناها. انظر ((المفصل)). وأمرك:
شأنك. والتابوت: صندوق من الخشب. ويلقيه: يضعه. وألقيت: جعلت. ومني: من عندي. وعلى عيني: على مرأى مني رعايتي. والعين صفة وصف الله
بها نفسه كما يليق بجلاله.

الجزء السادس عشر
٣١٤
٢٠ - سورة طه
لمّا ولدتك وخافت أن يقتلك فِرعون، في جُملة من يُولد، ﴿ما يُوحَى﴾ ٣٨ في أمرك،
ويُبدل منه: ﴿أنِ اقذِفِيهِ﴾: ألقيه ﴿في التّابُوتِ، فاقذِفِيهِ﴾ بالتابوت ﴿فِي الْيَمِّ﴾: بحر
النيل، ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أي: شاطئه - والأمر بمعنى الخبر - ﴿يأخُذْهُ عَدُوٌّ لِي
وعَدُوٌّ لَهُ﴾. وهو فِرِعون. ﴿وَألقَيتُ﴾، بعد أن أخذَكَ، ﴿عَلَيْكَ مَحبّةً مِنِّي﴾، لتُحَبّ في
الناس، فأحبّك فِرعونُ وكُلّ من رآك، ﴿وَلِتُصنَعَ علَى عَيني﴾ ٣٩: تُربَّى على رِعايتي
وحفظي لك.
١- ﴿إِذَ﴾: للتعليل ﴿تَمْشِي أُختُكَ﴾ مريم، لتتعرّف خبرَك، وقد أحضروا مَرَاضِعَ،
وأنتَ لا تقبل ثديَ واحدةٍ منها، ﴿فَتَقُولُ: هَل أدُلُّكُم عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾؟ فأُجيبتْ
فجاءت بأُمّه، فقبل ثديها، ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ، كَي تَقَرَّ عَينُها﴾ بلقائك، ﴿ولا
تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ. ﴿وَقَتَلتَ نَفْسًا﴾، هو القِبطيّ بمِصر، فاغتممتَ لقتله من جهة فِرعون،
﴿فَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ، وفَتَنّاكُ فُتُونًا﴾: اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك، وخلّصناك منه،
﴿فَلَبِثِتَ سِنِينَ﴾ عشْرًا ﴿في أهلِ مَذْيَنَ﴾، بعد مجيئك إليها من مِصر عِند شُعيبِ النبيّ
وتزوُّجك بابنته، ﴿ثُمَّ جِئتَ علَى قَدَرٍ﴾ في عِلمي بالرسالة، وهو أربعون سنة من عُمرك
- ﴿يَا مُوسَى ٤٠ - واصطَنَعتُكَ﴾: اختَرتك ﴿لِنَفْسِيَ﴾ ٤١ بالرسالة.
نُقَدَةِ ظُلَهُ
الجُزءُ الْهَاشِ عَشَر
إِذْأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ﴿٨َّ أَنِ آَقْدِ فِيهِ فِ النَّبُوتِ فَاقْذِفِهِ
فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِآلْيَّمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُّلِ وَعَدُوٌّلَهُ، وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ (٦) إِذْتَمْشِىَّ أُخْتُكَ
فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْنَكَ إِلَ أُمِّكَ كَىْنَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسَا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَنَّكَ فُونَاً
فَبِئْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى ◌ّ
وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِشَايَتِى وَلَانِيَا
فِ ذِكْرِى ﴿ أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٦) فَقُولَا لَهُ قَوْلا ◌َِّناً
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْيَخْشَى (٥) قَالَ رَبَّنَا إِنَّانَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآَ
أَوْأَنْ يَطْغَى: ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
أَ فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّارَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ
وَلَتُعَذِّبُهُمّ قَدْجِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِكٌ وَالسَّلَكُمُ عَلَى مَنْ أَتَّبَعَ
اَلْهُدَىِ ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّب
وَتَوَلَّى ◌ََّقَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى (٦ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى
كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَ هَدَى ◌ّا قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى
٢- ﴿اذهَبْ أنتَ وأخُوكَ﴾ إلى الناس، ﴿بِآيَاتِي﴾ التسع، ﴿وَلا تَنِيا﴾: تَفْتُرا ﴿في
ذِكرِيَ﴾ ٤٢ بتسبيح وغيره. ﴿اذهَبا إِلَى فِرِعَونَ - إِنَّهُ طَغَى﴾ ٤٣ بادعائه الربوبية -
﴿فَقُولا لَهُ قَولَا لَيِّنَا﴾ في رجوعه عن ذلك، ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يتّعظ، ﴿أو يَخْشَى﴾ ٤٤
اللهَ فيرجِعَ. والترجي بالنسبة إليهما لعلمه - تعالى - بأنه لا يرجع. ﴿قالا: رَبَّنَا، إِنَّنا
نَخافُ أن يَفرُطَ عَلَينا﴾ أي: يَعجل بالعُقوبة، ﴿أو أن يَطفَى﴾ ٤٥ علينا أي: يتكبّر. ﴿قالَ: لا تَخافا، إنَّنِي مَعَكُما﴾ بعوني، ﴿أَسمَعُ﴾ ما يقول،
﴿وَأَرَى﴾ ٤٦ ما يفعل، ﴿فامُتِيَاهُ فَقُولا: إِنّا رَسُولا رَبِّكَ - فأرسِلْ مَعَنا بَنِي إسرائيلَ﴾ إلى الشام، ﴿ولا تُعَذَّبْهُم﴾ أي: خلِّ عنهم، من استعمالك
إياهم في أشغالك الشاقّة، كالحفر والبناء وحمل الثقيل - ﴿قَد جِئناكَ بِآيَةٍ﴾: بِحُجّة ﴿مِن رَبِّكَ﴾، على صِدقنا بالرسالة. ﴿والسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
الهُدَى﴾ ٤٧ أي: السلامة له من العذاب. ﴿إِنّا قَد أُوحِيَ إِلَينا أنَّ العَذابَ علَى مَن كَذَّبَ﴾ ما جئنا به، ﴿وَتَوَلَّى﴾ ٤٨ أعرض عنه.
٣- فأتَياه وقالا جميع ما ذُكر. ﴿قَالَ: فَمَن رَبُّكُما، يا مُوسَى﴾ ٤٩؟ اقتصر عليه لأنه الأصل، ولإدلاله عليه بالتربية. ﴿قالَ: رَبُّنَا الَّذِي أعطَى كُلَّ
شَيءٍ﴾ من الخلق (خَلْقَهُ﴾ الذي هو عليه، فتميّز به عن غيره، ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ ٥٠ الحيوانَ منه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه، وغير ذلك.
٤ - ﴿قالَ﴾ فِرعون: ﴿فما بالُ﴾: حالُ ﴿القُرُونِ﴾: الأُمم ﴿الأُولَى﴾ ٥١، کقوم نوح وهود ولوط وصالح، في عبادتهم الأوثانَ؟ ﴿قالَ﴾ موسی:
﴿عِلمُها﴾ أي: عِلم حالهم محفوظ ﴿عِندَ رَبِّي في كِتابٍ﴾، هو اللوح المحفوظ، يُجازيهم عليها يوم القيامة. ﴿لَا يَضِلَّ﴾: يغيبُ ﴿رَبِّي﴾ عن
شيء، ﴿وَلا يَنسَى﴾ ٥٢ رَبّي شيئًا. هو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ في جُملة الخلق ﴿الأرضَ مِهادًا﴾: فِراشًا، ﴿وسَلَكَ﴾: سهّل ﴿لَكُم فِيهَا سُبْلًا﴾:
طُرقًا، ﴿وأنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: مطرًا .
(١) تمشي: تتنقل بين المنازل. ومريم هذه ليست أم عيسى. وهل أدلكم: هل تريدون أن أرشدكم. ويكفله: يرضعه ويربيه. ورجعناك: أعدناك. وتقر عينها:
تطمئن ويهدأ قلبها. ولا تحزن: يزول عنها الغم. والقبطي قصته في الآية ١٥ من سورة القصص. ونجيناك: انقذناك. والغم: الحزن. والفتون: المحن
الشديدة. ولبثت: أقمت. ومدين: مدينة النبي شعيب. وقدر: وقت معين قدّرناه. ولنفسي أي: موضع الصنيعة، ومقر الإكمال والإحسان وتبليغ رسالتي وإقامة
حججي.
(٢) الناس: فرعون ومن حوله. والآيات: المعجزات. والتسع: يعني ما ورد في الآية ١٠١ من سورة الإسراء. وما أرسلا به في هذه المناجاة كان العصا
واليد فقط، وليس التسع. وطغى: تجاوز الحد. ويخشى: يتهيب. ونخاف: نخشى. ولاتخافا: كونا مطمئَين. وأسمع وأرى أي: وأحفظكما. وائتياه:
احضُرا مجلسه. وأرسلهم: أطلقهم من التحكم ودعهم يذهبون. والشام: بيت المقدس. وجئناك بآية: أتيناك ومعنا حجة. ومن ربك: من عنده وبأمره.
والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. واتبع الهدى: استجاب للحق وأسلم. وأوحي إلينا: أعلمَنا الله وأمرنا بالتبليغ. وكذب: أنكر وجحد.
(٣) اقتصر عليه أي: أن فرعون خص موسى بالتوجّه والنداء، لأنه الأصل في الرسالة، وليمنّ عليه بنشأته في قصره. وأعطاه: جعل فيه. وخلقه: تكوينه وما
يناسبه من الإتقان. وهدى: عرّفه كيف ينتفع بما أعطاه. والحيوان: مافيه حياة من المخلوقات.
(٤) القرون: جمع قرن. وفي عبادتهم أي: إن كان الحق ما وصفتَ فلِمَ كانت تلك الأمم على عبادة الأوثان؟ وماذا تقول في ذلك؟ وعند ربي: في علمه.
واللوح المحفوظ: السجل فيه كل ما كان وماسيكون في الوجود. ولا ينسى: لايذهل عن شيء. وجعل: صيّر. والسبل: جمع سبيل. وأنزل: أسقط إلى
الأرض. والسماء: السحاب.

٢٠ - سورة طه
٣١٥
الجزء السادس عشر
◌ُّوْرَة ◌َطَابُ
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِى فِ كِتَبْ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (@)
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ
٥٣
كُلُواْ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، أَزْوَجَامِن ◌َّبَاتٍ شَتَّى
أُمِنْهَا
٥٤
وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّأَوْلِى النُّهَى
خَلَقْنَكُمْ وَفِيَهَا تُعِدُّكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ®] وَلَقَدْ
أَرَبِّنَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ ﴾ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا
مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى * فَلَنَأَتِيَتَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ.
فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لََّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَناً
سُوَى (*)قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى
ج فَتَوَلَى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّأَتَى جَ قَالَ لَهُم
مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا فَيُسْحِتَّكُم بِعَذَابٍ
وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى (٦) فَزَعُوْاْأَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ
النَّجْوَى ؟ قَالُواْإِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ
مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِ هِمَا وَيَذْ هَبَا بِطَرِيِفَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴿فَأَ حْمِعُواْ
كَيْدَكُمْ ثُمَآَنْتُواْ صَفًا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ أَسْتَعْلَى (١)
١- قال تعالى، تتميمًا لما وصفه به مُوسَى، وخطابًا لأهل مكّة: ﴿فأخرَجْنا بِهِ
أزواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَبَاتٍ شَتَّى﴾ ٥٣: صفةُ «أزواجًا)) أي: مُختلفةَ الألوانِ
والطعوم وغيرِهما - وشتّى: جمع شَتيت كمريض ومرضَى، من: شَتَّ الأمرُ:
تفرّقَ - ﴿كُلُوا﴾ منها، ﴿وارعَوا أنعامَكُم﴾ فيها: جمع نَعَم. هي الإبل والبقر
والغنم. يقال: رَعَتِ الأنعامُ ورَعَيتُها. والأمر للإباحة وتذكيرِ النعمة.
والجملة حال من ضمير ((أخرجنا))، أي: مبيحين لكم الأكلَ ورعي الأنعام.
﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ منّا ﴿لَآيَاتٍ﴾: لَعِبَرًا ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ ٥٤: لأصحاب
العُقول، جمع نُهيةٍ كغُرفة وغُرَف، سُمّي به العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب
القبائح. ﴿مِنها﴾ أي: الأرض ﴿خَلَقْناكُم﴾ بخلق أبيكم آدم منها، ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ)
مقبورين بعد الموت، ﴿ومِنها نُخرِجُكُم﴾ عند البعث ﴿تارةً﴾: مرّة ﴿أُخرَى﴾ ٥٥،
كما أخرجناكم عِند ابتداء خلقكم. ﴿وَلَقَد أَرَبناهُ﴾ أي: أبصرْنا فِرِعونَ ﴿آياتِنا كُلَّھا﴾
التسعَ، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها وزعم أنها سِحر، ﴿وأبَى﴾ ٥٦ أن يُوحّد الله، تعالى.
٢- ﴿قالَ: أجِئْتَنا لِتُخرِجَنا مِن أرضِنا﴾ مِصرَ، ويكونَ لك المُلك فيها، ﴿بِسِحرِكَ، یا
مُوسَى ٥٧؟ فَلَنأتِيَنَّكَ بِسِحِرٍ مِثلِهِ﴾ يُعارضُه. ﴿فَاجِعَلْ بَيْتَنا وَبَينَكَ مَوعِدًا﴾ لذلك، ﴿لا
نُخلِفُهُ نَحنُ ولا أنتَ، مَكانًا﴾: منصوبٌ بنزع الخافض ((في))، ﴿سِوَى﴾ ٥٨ بكسر أوله
وضمّه، أي: وَسَطًا تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفينِ. ﴿قَالَ﴾ موسى:
﴿مَوعِدُكُمْ يَومُ الزِّينِةِ﴾: يوم عِيد لهم يتزيّنون فيه ويجتمعون، ﴿وأن يُحشَرَ النّاسُ﴾:
يُجمعَ أهل مِصر ﴿ضُحَى﴾ ٥٩ وقْتَه للنظر فيما يقع. ﴿فَتَوَلَّى فِرِعَونُ﴾: أدبر، ﴿فِجَمَعَ
كَيدَهُ﴾ أي: ذوي كيده من السَّحَرَة، ﴿ثُمَّ أتَى﴾ ٦٠ بهم الموعدَ. ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى﴾، وهم اثنان وسبعون مع كُلّ واحد حبلٌ وعصًا: ﴿وَيَلَكُم﴾
أي: ألزمَكُمُ اللهُ الويلَ. ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بإشراك أحد معه، ﴿فيُسِتَكُم﴾ - بضمّ الياء وكسر الحاء وبفتحهما - أي: يُهلِكَكم
﴿بِعذابٍ﴾ من عِنده، ﴿وقَد خابَ﴾: خسر ﴿مَنِ افْتَرَى﴾ ٦١: كذب على الله.
٣- ﴿فَتَنَازَعُوا أَمَرَهُم بَينَهُم﴾ في مُوسَى وأخيه، ﴿وأسَرُّوا النَّجَوَى﴾ ٦٢ أي: الكلامَ بينهم فيهما، ﴿قالُوا﴾ لأنفسهم: ﴿إِنَّ هُذَينٍ﴾ - لأبي
عَمرو. ولغيرِهِ: (هذانِ))، وهو مُوافق للغة مَن يأتي في المُثنّى بالألف في أحواله الثلاث - ﴿لَساحِرانِ، يُرِيدانِ أن يُخرِجاكُم مِن أرضِكُم
بِسِحِرِهِما،، ويَذهَبا بِطَرِيقتِكُمُ المُثلَى﴾ ٦٣: مُؤنّث أمثل بمعنى أشرف أي: بأشرافكم، بميلهم إليهما لغلبتهما. ﴿فاجمَعُوا كَيدَكُم﴾ من السِّحر -
بهمزة وصل وفتح الميم، من: جَمَعَ أي: لَمَّ، وبهمزة قطع وكسر الميم مِن: أجمَعَ: أحكَمَ - (ثُمَّ اثْتُوا صَفًّا﴾: حالٌ أي: مصطفِين، ﴿وقَد
أفْلَحَ﴾: فاز ﴿اليَومَ مَنِ استَعلَى﴾ ٦٤: غلب.
(١) الظاهر أن حكاية كلام موسى تمت في آخر الآية ٥٢، خلافًا لما ذكر المحلي هنا، والخطاب بعدُ للناس جميعًا. البحر ٦: ٢٥١. وأخرجنا: أبرزنا من
الأرض. وبه: بسبب الماء. والأزواج: جمع زوج. وتفرق: تنوع. وارعوها: دعوها تسرح لتتغذى. وأنعامكم أي: وغيرها من الحيوانات، كالخيل والحمير.
والنعمة أي: بالنعمة. والجملة أي: كلوا. انظر ((المفصل)). والقبائح: الأعمال الفاسدة. وخلقنا: أوجدنا. والأرض أي: ترابها. ونعيدكم: نردكم
ونرجعكم. ونخرجكم: نبرزكم ونخلقكم. والتارة الأخرى: الإخراجة الثانية المغايرة. وفي إيراد الآية ٥٦ ما ييسر الرجوع إلى قصة موسى مع فرعون، بعد
الاعتراض بالآيات ٥٣-٥٥. والآيات: المعجزات الدالة على صدق موسى. والتسع: انظر تفسير الآية ٤٢. وكذب بها: أنكر أنها من عندنا. وأبى: رفض
وامتنع .
(٢) قال أي: فرعون بعد مارأى آيتَي العصا واليد. وتخرجنا أي: توهم الناس أنك نبي، فتخرجني مع أتباعي. والسحر: ما يخدع الحواس والعقول
الساذجة، ويخيل لها غير الواقع. ومثله: مماثل إياه في الخصائص والتأثير. واجعل: صيّر. وموعدًا: مكان وعد نتعهد بحضوره. ولا نخلفه: لانخل الوفاء به.
وبضمه يريد القراءة ((سُوّى». والجائي: الآتي. ومن الطرفين أي: على الذين يأتون إليه من طرفيه. وموعدكم: وقت لقائكم. والزينة: التزين. وأدبر: انصرف
من المجلس. والكيد: الاحتيال بما يخدع الناس. وأتى: جاء. واثنان وسبعون أي: ساحرًا، وأكثرهم من بني إسرائيل، أحدهم السامري اللعين. والويل:
العذاب والهلاك. وألزمكم: أوجب عليكم. ولا تفتروا: لا تكذبوا. وبفتحهما يريد القراءة ((فَيَسحَتَكُم)). والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة.
(٣) تنازعوا: تشاوروا فكان لهم آراء مختلفة، قبل أن يتفقوا على قولهم في الآيتين التاليتين. وأسر: أخفى وكتم. والنجوى: الكلام الخفي. ولأنفسهم أي:
بعضهم لبعض سرًا. ولغيره هذان أي: أن هذه القراءة الثانية هي لغير أبي عمرو بن العلاء، والأولى هي لأبي عمرو. انظر ((المفصل)). والساحر: من يخدع
الحواسّ والعقول الساذجة، ويخيِّل إليها غير الواقع. ويريد: يطلب. ويذهب: يغادر مصر. والمثلى: الأكثر جودة من غيرها. وبهمزة قطع يريد القراءة
((فأجمِعُوا)). والمراد إحكام السحر وإتقانه، لتكون له الغلبة. وغلب: تغلب على خصمه في المقابلة والمعارضة.

الجزء السادس عشر
٣١٦
٢٠ - سورة طه
١- ﴿قالُوا: يا مُوسَى﴾، اختَرْ ﴿إِمّا أن تُلقِيَ﴾ عصاك أي: أوّلًا، ﴿وإمّا أن نَكُونَ أوَّلَ
مَن ألقَى﴾ ٦٥ عصاه. ﴿قَالَ: بَل ألقُوا﴾. فألقَوا، ﴿فإذا حِبِالُهُم وعِصِيُّهُم﴾ - أصله
((عُصُوْوٌ)) قُلْبَتِ الواوان ياءين، وكُسرَتِ العينُ والصاد - ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحِرِهِم أنَّهَا﴾
حيّاتٌ ﴿تَسعَى﴾ ٦٦ على بُطونها، ﴿فأوجَسَ﴾: أحسّ ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفةً مُوسَى﴾ ٦٧
أي: خاف، من جهة أنّ سِحرهم يكون من جِنس مُعجزته، أن يلتبس أمره على الناس
فلا يؤمنوا به .
٢- ﴿قُلْنا﴾ له: ﴿لا تَخَفْ. إنَّكَ أنتَ الأعلَى﴾ ٦٨ عليهم بالغلبة. ﴿وألقِ ما في
يَمِينِكَ﴾ - وهي عصاه - ﴿تَلَقَّفْ﴾: تبتلعْ ﴿مَا صَنَعُوا. إنَّ ما صَنَعُوا كَيدُ ساحِرٍ﴾ أي:
جِنسُه، ﴿ولا يُفِلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أتَى﴾ ٦٩ بسِحره. فألقى مُوسَى عصاه فتلقّفتْ كُلّ ما
صنعوه، ﴿فَأُلِقِيَ السَّحَرةُ سُجَّدًا﴾: خرّوا، ساجدين لله - تعالى - ﴿قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ
هارُونَ ومُوسَى﴾ ٧٠.
٣- ﴿قَالَ﴾ فِرعون: ﴿أآمَنْتُم﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا - ﴿لَهُ قَبلَ أن
آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ؟ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ﴾: مُعلّمُكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحرَ. فَلَأُقَطَّعَنَّ أيدِيَكُم
وأرجُلَكُم مِن خِلافٍ﴾: حالٌ بمعنى: مُختلفةً، أي: الأيديَ اليُمنى والأرجُلَ اليُسرى،
﴿وَلَأَصَلِّبَنَّكُم في جُذُوعِ النَّخلِ﴾ أي: عليها، ﴿وَلَتَعلَّمُنَّ: أيُّنَا﴾ - يعني نفسَه وربَّ
مُوسَى - ﴿أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبقَى﴾ ٧١: أدوَمُ، على مخالفته؟
سُورَةَ طَّلهُ
الزُ الهَاشِ عَة
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (9﴾ قَالَ
بَ أَلْقُواْ فَإِذَاِحِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِم ◌َّا تَسْعَى
﴿ فَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ
أَنْتَ الْأَعْلَى: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُواْ
كَيْدُ سَحٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى (٣) فَأَلْفِى السَّحَرَةُ مُعَدًاً
قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى: ﴿ قَالَ ءَامَنْتُمْلَهُ قَبْلَ أَنّ ◌َاذَنَ
لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّخْرٌ فَلَأُ قَطِعَننَّ أَيْدِيَّكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِ جُدُوع ◌ِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿ قَالُواْلَن نُؤْثِرَكَ عَلَى مَاجَآءَ نَامِنَ
الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ
اَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا (٣) إِنَّآءَامَنَّابِرَ بِنَا لِيَغْفِرَلَنَا خَطَيَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا
عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا
فَإِنَّلَهُ جَهََّلَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى () وَ مَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنَّاقَدْ
عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّرَحَتُّ الْعُلَى ◌ِثَجَنَّتُ عَدْنٍ
تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا اُلْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَى
٤ - ﴿قَالُوا: لَن نُؤْثِرَكَ﴾: نختارك ﴿عَلَى ما جاءَنا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ الدالّة على صِدق
مُوسَى، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾: خلقنا. قسمٌ أو عطفُ على ((ما)). ﴿فاقضِ ما أنتَ قاضٍ﴾ أي: اصنعْ ما قلتَه. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الُّنيا﴾ ٧٢ -
النصبُ على الاتّساع - أي: فيها، ونُجزَى عليه في الآخرة. ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا، لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾، من الإشراك وغيره، ﴿وما أكرَهتَنا عَلَيهِ مِنَ
السِّحرِ﴾ تعلّمًا، وعملًا لمُعارضة موسى. ﴿واللهُ خَيرٌ﴾ منك ثوابًا إذا أُطيع، ﴿وأبقَى﴾ ٧٣ منك عذابًا إذا عُصي.
٥- قال تعالى ﴿: إِنَّهُ مَن يأْتِ رَبَّهُ مُجرِمًا﴾: كافرًا، كفِرِعَونَ، ﴿فإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ، لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريحَ، ﴿ولا يَحْيا﴾ ٧٤ حياة تنفعه، ﴿ومَن يأْتِهِ
مُؤمِنَا، قَد عَمِلَ الصّالِحَاتِ﴾: الفرائض والنوافل، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلَى﴾ ٧٥: جمع عُليا مُؤنّث أعلى، ﴿جَنّاتُ عَدنٍ﴾ أي: إقامةٍ،
بيانٌ له، ﴿تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها. وذْلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكَّى﴾ ٧٦: تطهّر من الذنوب.
(١) قالوا أي: السحرة. وتلقي: تُسقط على الأرض. والأول: الأسبق. والحبال: جمع حبل. والعصي: جمع عصا. ويخيل: يصوّر. وتسعى: تتحرك
وتنتقل بسرعة. والنفس: الضمير. والخيفة: خوف شديد مفاجئ. ويلتبس أمره: يختلط شأن معجزته بما ظهر من سحرهم، لأن ظاهر الأمرين أنهما أفاع
متوثبة من جنس واحد.
(٢) لا تخف: اطمئن. والأعلى: الأكثر ظهورًا. وصنعوا: أتقنوه ممالا حقيقة له. والكيد: الحيلة بما يخدع. واليمين: اليد اليمنى. وتبلعه: تمحقه وتبطله.
والساحر: من يقوم بالسحر. ويفلح: يظفر ببغيته. وأتى بسحره أي: فَعله. والسحرة: جمع ساحر. والسجّد: جمع ساجد خضوعًا. وآمن به: صدّقه وعرف
قلبه التوحید له.
(٣) آمنتم له: صدّقتموه. وفي المنحة: ((أأمنتم)). وبالإبدال يريد القراءة: ((آمَنْتُم)) بمد مطول. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٢٣ من سورة الأعراف. وآذن:
أسمح. وأقطع: أمزق. والأيدي: جمع يد. والأرجل: جمع رِجل. والخلاف: مخالفة العضو لغيره في الجهة. وأصلبنكم: أجعلنكم مصلوبين. والجذوع:
جمع جذع. وهو الساق. والنخل: الشجر ثمره البلح. وتعلم: تتيقن. والأشد: الأقوى. والعذاب: التعذيب. وعلى أي: بسبب.
(٤) جاءنا: أتانا ورأيناهُ عيانًا. وقسم أو عطف: يعني أن الواو: حرف جر معناه القسم، أو حرف عطف. وقاض: حاكم. وتقضي: تصنع. وعلى الاتساع:
انظر ((المفصل)). والدنيا: القريبة من البشر لأنهم فيها. ونجزى: نكافأ. وآمنا به: اعتقدنا وحدانيته. ويغفرها: يسترها ولا يؤاخذ بها. والخطايا: جمع خطيئة.
وهي ما كان من الذنب عن عمد. وأكرهتنا: أجبرتنا. وخير: أفضل وأنفع. وأبقى: أدوَم وأثبت.
(٥) يأتي ربه: يحضر حسابه يوم القيامة. وجهنم: التعذيب الذي فيها. ولا يموت: لا يكون فيه الموت. ولا يحيا: لا تكون فيه الحياة. والمراد أنه يقارب
الموت، ولا يُجهَز عليه. والمؤمن: الذي عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وعمل: اكتسب وتحمل. والدرجة: الرتبة والمنزلة. والجنة: الحديقة فيها الشجر
والقصور والنعيم. وبيان له: يعني أن ((جنات)): عطف بيان لقوله تعالى ((الدرجات))، يفيد التوضيح مع التوكيد والتعظيم. انظر فتح القدير ٥٣٣:٣. وتجري:
تسيل وتتدفق. وتحتها: تحت قصورها. والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا بلا تعرض للفساد. وذلك: ماذكر من الثواب. والجزاء: المكافأة. ومن
الذنوب يعني: بالتوبة والصلاح والتقوى.

٢٠ - سورة طه
٣١٧
الجزء السادس عشر
نُورَةَ طَعَهُ
المجرم الهائ عشر
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا
(بّ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ
فِ الْبَحْرِبَسَا لَاتَخَفُ دَرَكَاوَلَا تَخْشَى
(٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ
بُجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ
وَمَا هَدَىْ ٦َا يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يَلَ قَدْ أَنْجَنَكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ وَوَعَدْ نَكُمـ
◌َانِبَ الُّورِالْأَثْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَّ اكُواْ
مِن طَيْبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْفِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْغَضَبِىّ
وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى (١) وَإِّ ◌َغَفَّارُ لِّمَنْ تَابَ
وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّأَهْتَدَى ﴾﴾ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن
قَوْمِكَ يَمُوسَى: ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
رَبِّ لِتَرْضَى ◌َ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ
السَّامِرِىُّ هَافَرَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَقَالَ
◌َقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدَا حَسَنَا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ
اُلْعَهْدُ أَمْ أَرَدْ تُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ
مَّوْعِدِى جَقَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَلَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَا حُمِّلْنَا
أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْنَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِئُ ﴾
١- ﴿وَلَقَد أَوحَينا إلَى مُوسَى: أَنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ - بهمزة قطع من: أسرَى، وبهمزة
وصل وكسر النون من: سَرَى. لُغتانِ - أي: سِر بهم ليلًا من أرض مصر،
﴿فاضرِبْ﴾: اجعل ﴿لَهُم﴾، بالضرب بعصاك، ﴿طَرِيقًا في البَحرِ يَبَسًا﴾ أي:
يابسًا - فامتثلَ ما أُمر به وأيبسَ الله الأرض فمرّوا فيها - ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ أي: أن
يُدركك فِرعون ﴿وَلا تَخْشَى﴾ ٧٧ غرقًا. ﴿فَأَتْبَعَهُم فِرِعَونُ بِجُنُودِهِ﴾، وهو معهم،
﴿فَشِيَهُم مِنَ الَمِّ﴾ أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٧٨ فأغرقهم! ﴿وأضَلَّ فِرِعَونُ قَومَهُ﴾،
بدُعائهم إلى عِبادته، ﴿وما هَدَى﴾ ٧٩، بل أوقعهم في الهلاك، خِلافَ قوله
((وما أهدِيكُم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ)).
٢ - ﴿يَا بَنِي إسرائيلَ، قَد أنجَيناكُم مِن عَدُوِّكُم﴾ فِرِعَونَ بإغراقه، ﴿ووَعَدْناكُم
جانِبَ الطُّورِ الأَيمَنَ﴾، فنُؤْتِي مُوسَى التوراةَ للعمل بها، ﴿ونَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ
والسَّلَوَى﴾ ٨٠ هما التُّرَنْجِبِينُ والطيرُ السُّمانَى، بتخفيف الميم والقصر. والمُنادى مَن
وُجِد من اليهود، زمنَ النبيّ وَ ﴿. وخُوطبوا بما أنعم الله به على أجدادهم، زمنَ النبيّ
مُوسَى - عليه السلام - توطئةً لقوله تعالى لهم: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ ما رَزَقْناكُم﴾ أي:
المُنعَمِ به عليكم، ﴿ولا تَطْغَوا فِيهِ﴾ بأن تكفروا النِّعمة به، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾،
بكسر الحاء أي: يَجِبَ، وبضمّها أي: يَنزِلَ. ﴿ومَن يَحِلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ - بكسرٍ
اللام وضمِّها - ﴿فقَد هَوَى﴾ ٨١: سقط في النار، ﴿وإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ﴾ من
الشِّرك، ﴿وآمَنَ﴾: وحَّد اللهَ، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَصدُق بالفرض والنفل، (ثُمَّ
اهتَدَى﴾ ٨٢ باستمراره على ما ذُكر إلی موته.
٣- ﴿وما أعجَلَكَ عَن قَومِكَ﴾، لمجيء مِيعاد أخذ التوراة؟ ﴿يا مُوسَى ٨٣. قالَ: هُم أُولاءِ﴾ أي: بالقرب منّي يأتون ﴿عَلَى أَثَرِي، وعَجِلتُ
إِلَيكَ - رَبِّ - لِتَرضَى﴾ ٨٤ عنّي أي: زيادةً على رضاك. وقَبلَ الجوابِ أتى بالاعتذار بحسَب ظنّه، وتخلّفَ المظنون لِما ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿فإنّا
قَدْ فَتَّا قَومَكَ مِن بَعدِكَ﴾ أي: بعدِ فراقك لهم، ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ٨٥ فعبدوا العِجلَ.
٤- ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَومِهِ غَضبانَ﴾ من جِهتهم، ﴿أَسِفًا﴾: شديد الحُزن. ﴿قالَ: يَا قَومِ، أَلَم يَعِدْكُم رَبُّكُم وَعدًا حَسَنًا﴾ أي: صِدقًا أنه
يُعطيكم التوراة؟ ﴿أَفطالَ عَلَيْكُمُ العَهدُ﴾: مُدّةُ مُفارقتي إياكم؟ ﴿أم أرَدْتُم أن يَحِلَّ﴾: يجَبَ ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِن رَبَّكُم﴾ بعِبادتكم العجلَ،
﴿فأخلَفْتُم مَوعِدِي﴾ ٨٦ وتركتم المجيء بعدي. ﴿قالُوا: ما أخلَفْنا مَوعِدَكَ بِمِلكِنا﴾، مُثلّث الميم أي: بِقُدرتنا أو أمرنا، ﴿ولَكِنّا حَمَلْنا﴾ - بفتح
الحاء مُخفّفًا وبضمها وكسر الميم مُشدّدًا - ﴿أوزارًا﴾: أثقالًا ﴿مِن زِينةِ القَومِ﴾ أي: حُليّ قوم فرعون، استعارها منهم بنو إسرائيل بعِلّة عُرس
فبقيتْ عندهم، ﴿فقَذَفْناها﴾: طرحناها في النار بأمر السامريّ. ﴿فَكَذْلِكَ﴾: كما ألقَينا ﴿ألقَى السّامِرِيُّ﴾ ٨٧ ما معه من حُليّهم، ومن التراب
الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل، على الوجه الآتي:
(١) أوحينا إليه: أمرناه. والعباد: جمع عبد. وبهمزة وصل يريد القراءة: ((أنِ اسْرِ)). والطريق: المسلك تطؤه الأقدام. انظر تعليقنا على الآية ٦٣ من سورة
الشعراء. والبحر معروف الآن باسم الأحمر. وتخاف: تتوقع. وتخشى: ترهب. وأتبعهم: أرسل وراءهم. والجنود: واحده جندي. وغشيهم: طمرهم.
وأغرقهم أي: البحر. وقومه: الأقباط العرب. وما هدى: ما أرشدهم إلى الصواب. وقوله في الآية ٢٩ من سورة غافر.
(٢) بنو إسرائيل: سلالته اليهود من ذريته. وأنجينا: أنقذنا. ووعدناكم: حددنا لكم وقتًا. وفيما عدا الأصل وخ: ((وواعَدْناكُم)). والجانب: الطرف. والطور:
جبل في سيناء. والأيمن: ما فيه الخير والبركة. ونزلنا: أسقطنا. والترنجبين: نوع من الحلوى كالثلج. والتوطئة: التمهيد. والطيب: الحلال المستلذ.
ورزقناكم: أنعمنا به عليكم. ولا تطغوا: لاتتجاوزوا بالإسراف ومنع الحقوق وعدم الشكر. والغضب: السخط العظيم. وبضمها يريد القراءة ((فَيَحُلَّ)). وبضمها
أيضًا يريد القراءة ((يَحْلُلْ)). والغفار: الكثير الستر للذنوب والتجاوز عنها. والصالح: ما شرعه الله. واهتدى: استقام على الحق.
(٣) أعجلك: أوجب سبقك. وعجلت: سبقتهم. ورب: ياربي. حذف حرفُ النداء مبالغة في التعظيم، لِما فيه من معنى الأمر والتنبيه، وياءُ المتكلم
للتخفيف. ولما قال تعالى أي: لقول الله. يعني أن هذه الآية دليل على تخلف المظنون. وفتناهم: ابتليناهم بما يمتحن إخلاصهم. والسامري: صائغ منافق
من بني إسرائيل اسمه موسى بن ظفر، أحد سحرة فرعون.
(٤) رجع: عاد من موقف المناجاة. والغضبان: الشديد السخط. ويعدكم: يؤمّلكم خيرًا. ومن ربكم: من عنده. وأخلفتم موعدي: نقضتم ما تعهدتم به.
ومثلث الميم يعني قراءات ثلاثًا، بتحريك الميم ثلاث حركات: إحداها ما أثبتنا، و((بِمَلكِنا))، و((بِمُلكِنا))، أي: ونحن مالكون لزمام أمرنا. ومشددًا يريد القراءة
(حُمِّلْنا)). والأوزار: جمع وِزر. والزينة: ما يُتزين به من مصوغات. وبعلة عرس أي: بادعاء أنهم يحتفلون بعرس، استعاروا تلك الحلي. وألقى: رماه في
النار. وذكر حافر فرس جبريل كلام باطل لا أصل له. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٩٦.

الجزء السادس عشر
٣١٨
٢٠ - سورة طه
١- ﴿فَأخرَجَ لَهُم عِجلًا﴾، صاغه من الحُليّ، ﴿جَسَدًا﴾ لحمًا ودمًا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أي:
صوت يُسمع، أي: انقلبَ كذلك بسبب التراب الذي أثره الحياةُ فيما يُوضع فيه،
ووضعَه بعد صوغه في فمه، ﴿فقالُوا﴾ أي: السامريّ وأتباعه: ﴿هذا إلَهُكُم وإلّهُ
مُوسَى، فَسِيَ﴾ ٨٨ مُوسَى ربّه هنا وذهب يطلبه.
٢- قال تعالى: ﴿أفلا يَرَونَ أنْ﴾ - مُخفّفَةٌ من الثقيلة واسمها محذوف - أي: أنّه ﴿لا
يَرجِعُ﴾ العِجلُ ﴿إِلَيهِم قَولًا﴾ أي: لا يردّ لهم جوابًا، ﴿ولا يَملِكُ لَهُم ضَرًّا﴾ أي:
دَفْعَه ﴿ولا نَفعًا﴾ ٨٩ أي: جَلْبَه؟ أي: فكيف يُتّخذ إلّهًا؟ ﴿ولَقَد قالَ لَهُم هارُونُ، مِن
قَبلُ﴾ أي: من قبلِ أن يرجع مُوسَى: ﴿يَا قَومِ، إِنَّمَا فُتِتُم بِهِ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمُنُ.
فاتَِّعُونِي﴾ في عِبادته، ﴿وأَطِيعُوا أمرِي﴾ ٩٠ فيها. ﴿قَالُوا: لَن نَبَرَحَ﴾: نزالَ ﴿عَلَيهِ
عاكِفِينَ﴾: على عِبادته مُقيمين، ﴿حَتَّى يَرجِعَ إلَينا مُوسَى﴾ ٩١.
٣- ﴿قَالَ﴾ موسى بعد رُجوعه: ﴿يا هارُونُ، ما مَنَعَكَ، إذ رأيتَهُم ضَلُوا﴾ ٩٢ بعبادته،
﴿أَّا تَتَّبِعَنِيَ﴾؟ لا: زائدة. ﴿أَفْعَصَيتَ أمرِي﴾ ٩٣ بإقامتك بين مَن يعبد غير الله؟
﴿قَالَ﴾ هارون: ﴿يا بنَ أُمّ﴾، بكسر الميم وفتحها أراد: أُمّ. وذِكرها أعطفُ لقلبه.
﴿لا تأخُذْ بِلِحْيتِي﴾، وكان أخذها بشِماله، ﴿ولا بِرأسِيَ﴾. وكان أخذ شعره بيمينه
غضَبًا. ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ - لو اتّبعتك، ولا بُدّ أن يتبعني جمع ممّن لم يعبد العِجل -
﴿أن تَقُولَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسرائيلَ﴾، وتغضبَ عليَّ، ﴿وَلَم تَرَقُبْ﴾: تنتظر
﴿قَولِي﴾ ٩٤ فيما رأيتُه في ذلك.
سُورَةِ طَلبُ
البة الخناشعشر
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ
وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا
يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (٦) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ
يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ، وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَانَبِعُونِ وَأَطِيعُواْ
أَمْرِىِ ﴿ قَالُواْ لَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَإِلَيْنَا مُوسَى
(١) قَالَ ينَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْرَأَيْنَهُمْ ضَلُّوْاْ ( أَلَّاتَتَّبِعَنِّ
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (٣) قَالَ يَبْنَؤُمَ لَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَ بِرَأْسِّ
إِنِى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ وَلَمْ تَرْقُبْ
قَوْلِ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ ﴾ قَالَ بَصُرْتُ
بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْبِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى ﴾ قَالَ
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّلَكَ
مَوْعِدًا لَن تُخْلَفَةٌ وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ
عَاكِمَا تَتُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّلَنَنَسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفًا ﴾ إِنَّهَا
إِلَهُكُمُ اللهُالَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَالَّ
٤- ﴿قالَ: فما خَطِبُكَ﴾: شأنك الداعي إلى ما صنعتَ؟ ﴿يا سامِرِيُّ ٩٥. قالَ: بَصُرتُ بِما لَم يَبْصُرُوا بِهِ﴾ - بالياء والتاء - أي: علمتُ ما لم
يعلموه، ﴿نقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنِ﴾ تُرابِ ﴿أَثَرِ﴾ حافرِ فرسِ ﴿الرَّسُولِ﴾ جِبرِيلَ، ﴿فنَذْتُها﴾: ألقيتها في صورة العجل المصوغ. ﴿وكَذْلِكَ سَوَّلَتْ﴾:
زيّنت ﴿لِي نَفْسِي﴾ ٩٦، وأُلقي فيها أن آخذَ قبضة من تُراب ما ذُكر، وأُلقيَها على ما لا روح له، فيصير له روح. ورأيتُ قومك طلبوا منك أن
تجعل لهم إلّهَا، فحدّثْني نفسي أن يكون ذلك العِجل إلّههم. ﴿قَالَ﴾ له مُوسَى: ﴿فاذهَبْ﴾ من بيننا. ﴿فإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ أي: مُدّةٍ حياتك
﴿أَن تَقُولَ﴾ لمن رأيتَه: ﴿لا مِساسَ﴾ أي: لا تقرَبْني - فكان يهيم في البرّيّة، وإذا مسّ أحدًا أو مسّه أحد حُمّا جميعًا - ﴿وإنَّ لَكَ مَوعِدًا﴾
العذابك ﴿لَنْ تُخِلِفَهُ﴾، بكسر اللام، أي: لن تَغيبَ عنه، وبفتحها أي: بل تُبعَث إليه. ﴿وانظُرْ إلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ﴾ - أصله ((ظَلِلْتَ)) بلامين
أُولاهما مكسورة حُذفت تخفيفًا - أي: دُمت ﴿عَلَيهِ عاكِفًا﴾ أي: مُقيمًا تعبده. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنار، (ثُمَّ لَنَسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسفًا﴾ ٩٧ نُذْرِيَتّه في هواء
البحر. وفعلَ مُوسَى بعد ذبحه ما ذَكره. ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إلَّهَ إلّا هُوَ، وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلمًا﴾ ٩٨ : تمييز مُحوّل من الفاعل، أي: وسع
علمُه كُلّ شيء.
(١) عجلًا: صنمًا في صورة العجل. وهو ولد البقرة، جثة جامدة من المعادن، وكانت الريح تجري في جوفه، فيصدر ما يشبه الخوار. وانظر تعليقنا على
الآية ٩٦ وعلى تفسير الآية ١٤٨ من سورة الأعراف. والإله: المعبود بحق. ونسي: نسيه، أي: غفل عنه وتركه.
(٢) يرون: يعلمون. ولا يملك: لا يقدر. والضر: الأذى. والنفع: ما فيه الخير. وفتنتم: ابتليتم بمحنة تصرفكم عن الإيمان. وبه: بالعجل وعبادته.
والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. واتبعوني: استجيبوا لي. وأطيعوا أمري: امتثلوا ما آمركم به. ويرجع: يعود من المناجاة.
(٣) منعك: صدك. ورأيتهم: بصرت بهم. وضلوا: خرجوا عن الإيمان. وتتبعني: تلحقني إلى الجبل لتخبرني بما حصل. وفيما عدا الأصل والنسخ:
(تَتَّبِعَنِ))، بحذف ياء المتكلم تبعًا لرسم المصاحف. وزيادة ((لا)) في ((ألّا)): للتوكيد. وعصيت: خالفت. والأمر: الطلب بما يجب. وبفتحها يريد القراءة ((يا
بنَ أُمَّ)). انظر الآية ١٥٠ من سورة الأعراف. وأعطفُ: أدخل في الرقة. وتأخذ بها: تمسكها وتجرها. وخشيت: خفت. وفرقت بينهم: جعلتهم يختصمون.
ورأيته: اجتهدتُه من البقاء بينهم.
(٤) بالتاء يريد القراءة ((لَم تَبْصُرُوا بِهِ)). والقبضة: ما يملأ الكف. والأثر: ما يَتركه المشي على التراب. وبنو إسرائيل اليهود يكفرون بجبريل، ولا يقبلون منه
شيئًا. فكيف يؤمنون بتراب حافر فرسه؟ وجبريل مخلوق نوراني، لا يحتاج إلى فرس. والرسول هنا هو موسى - عليه السلام - خاطبه السامري بذلك، كما
يخاطب الإنسان صاحبه بقوله: ما يقول الأخ في كذا؟ البحر ٢٧٤:٦ والمفصل. ولم يكن للعجل روح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٨٨. والمساس: اللمس
باليد أو غيرها، أي: لا تَمَسَّني ولا أمَسَّك. وحُم: أصابته الحمّى. وبفتحها يريد القراءة ((لَن تُخلَفَهُ)). والذبح والإحراق بالنار مبنيان على أن العجل له لحم
ودم. وقد ذكرنا أن هذا من أساطير الإسرائيليات، وأن العجل ليس كذلك، وهو جماد مصوغ من الحلي. ونحرّقنّه: نَبرُدَنّه بالمبرد بردًا نمحقه به. البحر
٦ :٢٧٦. وإلهك: معبودك. ونذريه: نلقيه بتفرقة وتشتيت. والإله: المعبود بحق وحده. ووسعه: احتواه وحفظه. والعلم: الإحاطة المطلقة.

٢٠ - سورة طه
٣١٥
الجزء السادس عشر
سُورَةِ طَلَهُ
كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَاقَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن ◌َّدُنَّا
ذِكْرًا ®ـ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٨) يَوْمَ يُنْفَخُ
١٠٠
فِي الصُّورِّ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَبِذٍ زُرْقًا [٨] يَتَخَفَتُونَ
◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ
لَهُمْ إِن أَبِئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا
أَمْثَلُهُمْ طَرِيِقَةً إِن ◌َبِئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (٢٦) وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ
فَيَذَرُهَاقَاعَا صَفْصَفًا لـ
فَقُلْ يَنْسِفُهَارَبِنَسْفًا
يَوْمَئِذٍ يَتَّعُونَ الدَّاعِىَ
لَا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَّا لَا
لَاعِوَجَ لَهُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلََّّهَمْسًا
﴿ يَوْمَيِذٍ لَّا نَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُالرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ.
يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ هِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَبِهِ،
قَوْلَا رَبَّ
عِلْمًا ﴾﴾ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيُّوهُ وَقَدْ خَابَ مَنْ
حَمَلَ ظُلْمًا () وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا
يَخَافُ ظُلْمًا وَلَاهَضْمًا (٣) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا
وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (٦ها
١ - ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: كما قصصنا عليك - يا مُحمّد - هذه القِصّة ﴿نَقُصُّ عَلَيكَ مِن
أنباءٍ﴾: أخبارِ ﴿مَا قَد سَبَقَ﴾ من الأُمم، ﴿وَقَد آتَيناكَ﴾: أعطيناك ﴿مِن لَدُنّا﴾: من
عِندنا ﴿ذِكرًا﴾ ٩٩: قرآنًا، ﴿مَن أعرَضَ عَنهُ﴾ فلم يُؤمن به ﴿فإنَّهُ يَحمِلُ يَومَ القِيامَةِ
وِزْرًا﴾ ١٠٠: حِملًا ثقيلًا من الإثم، (خالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: في عذاب الوزر، ﴿وساءَ
لَهُم يَومَ القِيامةِ حِملًا﴾ ١٠١! تمييزٌ مُفسِّر للضمير في ((ساء)» - والمخصوص بالذمّ
محذوف تقديره: وِزرُهم. واللام: للبيان - ويبدل من «يومَ القيامة)): ﴿يَومَ يُنْفَخُ في
الصُّورِ﴾: القرنِ النفخةَ الثانية، ﴿ونَحشُرُ المُجرِمِينَ﴾: الكافرين ﴿يَومَئذٍ زُرقًا﴾ ١٠٢
عيونُهم، مع سواد وجوههم، ﴿يَتخافَثُونَ بَيْنَهُم﴾: يتسارّون ﴿إِن﴾: ما ﴿لَبِثُم﴾ في
الدنيا ﴿إِلّا عَشْرًا﴾ ١٠٣ من الليالي بأيامها. ﴿نَحنُ أعلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ في ذلك، أي:
ليس كما قالوا، ﴿إِذ يَقُولُ أمْثَلُهُم﴾: أعدلُهم ﴿طَرِيقَةٌ﴾ فيه: ﴿إِن لَبِثُم إلّا
يَومًا﴾ ١٠٤. يستقلّون ◌َبثهم في الدنيا جِدًّا، لما يُعاينونه في الآخرة من
أهوالها .
ثلاثة أنواع
٢- ﴿وَيَسألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾: كيف تكون يوم القيامة؟ ﴿فقُلْ﴾ لهم:
﴿يَنْسِفُها رَبِّي نَسفًا﴾ ١٠٥، بأن يُفتّتها كالرمل السائل ثمّ يُطيّرَها بالرياح،
﴿فَيَذَرُها قامًا﴾: مُنبسطًا ﴿صَفصَفًا﴾ ١٠٦: مُستويًا، ﴿لا تَرَى فِيها عِوَجًا﴾:
انخفاضًا، ﴿ولا أمْتًا﴾ ١٠٧ : ارتفاعًا .
٣- ﴿يَومَئذٍ﴾ أي: يوم إذ نُسفَتِ الجبالُ، ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أي: الناسُ، بعد القِيام من
القُبور، ﴿الدّاعِيَ﴾ إلى المحشر بصوته - وهو إسرافيل يقول: هلمّوا إلى عرض
الرحمن - ﴿لا عِوَجَ لَّهُ﴾ أي: لاتّباعهم، أي: لا يقدرون ألّا يتّبعوا، ﴿وخَشَعَتِ﴾: سَكنَتِ ﴿الأصواتُ لِلرَّحْمنِ، فلا تَسمَعُ إلَّا هَمسًا﴾ ١٠٨ :
صوتَ وطء الأقدام، في نقلها إلى المحشر، كصوت أخفاف الإبل في مشيها، ﴿يَومَئذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ﴾ أحدًا (إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمُنُ﴾، أن يُشفع
له، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَولًا﴾ ١٠٩ بأن يقول: لا إله إلّا اللهُ، ﴿يَعلَمُ ما بَينَ أيدِيهِم﴾ من أمور الآخرة، ﴿وما خَلفَهُم﴾ من أمور الدنيا، ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ
عِلمًا﴾ ١١٠ لا يعلمون ذلك، ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾: خضعتْ ﴿لِلحَيِّ القَيُّومِ﴾ أي: الله، ﴿وَقَد خابَ﴾: خسر ﴿مَن حَمَل ظُلمًا﴾ ١١١ أي: شِركًا،
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾: الطاعات، ﴿وَهُوَ مُؤمِنٌ، فلا يَخافُ ظُلَمًا﴾ بزيادة في سيّئاته، ﴿ولا هَضمًا﴾ ١١٢ بنقص من حسناته.
٤ - ﴿وَكَذْلِكَ﴾ معطوف على ((كَذلِكَ نَقُصّ))، أي: مثلَ إنزال ما ذُكر ﴿أَنزَلْناهُ﴾ أي: القُرآنَ ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا، وصَرَّفْنا﴾: كرّرنا ﴿فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ،
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرك، ﴿أو يُحدِثُ لَهُم﴾ القُرآنُ ﴿ذِكرًا﴾ ١١٣، بهلاكِ مَن تقدّمهم من الأُمم، فيعتبرون. ﴿فتَعالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ عمّا يقول
المُشركون! ﴿ولا تَعجَلْ بِالقُرآنِ﴾ أي: بقراءته، ﴿مِن قَبلِ أن يُقضَى إِلَيكَ وَحيُّهُ﴾ أي: يَفْرغَ جبريل من إبلاغه، ﴿وقُلْ: رَبِّ، زِدْنِي عِلمًا﴾ ١١٤
(١) نقص: نسرد. والأنباء: جمع نبأ. وسبق: مضى. والذكر: مافيه تذكير ووعظ. وأعرض: انصرف. ويحمل: يكلف بالحمل ونيل الجزاء. واليوم:
الوقت. والقيامة: بعث الناس للحساب. والمراد بالوزر: عقوبته. والخالد: المقيم أبدًا. وساء: بلغ الغاية في السوء والقبح. والضمير: الفاعل، أي:
الحملُ. والمخصوص: المبتدأ خبره جملة ((ساء)). وللبيان أي: لبيان الموجّه إليه الذم والتشنيع. وينفخ: يدفع الريح من فم إسرافيل. ونحشر: نُخرج من
القبور. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وقصد. والزرق: جمع أزرق. والمراد زرقة الجلود، لا العيون، من مكابدة الشدائد. ولبثتم: أقمتم. وأعلم:
أكثر إحاطة منهم. والطريقة: الرأي. واليوم: ليل ونهار. (٢) يسأل: يطلب جوابًا. انظر ((المفصل)). والجبال: جمع جبل. وهو ما علا وصلب من الأرض.
وينسفها: يدكّها ويفجّرها. والرب: الخالق المالك المتصرف يرعى مصالح ملكه. ويذرها: يجعلها. ولا ترى: لاتبصر. والخطاب لكل سامع أو قارئ.
يعني: لا يكون فيها شيء من ذلك لتراه أنت أو غيرك. (٣) يتبعونه: يتوجهون إليه. والداعي: جبريل لا إسرافيل. والنافخ في الصور: إسرافيل. وعرض
الرحمن: العرض عليه للحساب. والعوج: الزيغ. وللرحمن: لهيبته وجلاله. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والأصوات: جمع صوت. والهمس:
الصوت الخفي. وتنفع: تفيد. والشفاعة: طلب التجاوز عن الذنب. وأذن: سمح. وله: لأجله. ورضي: قبل. والقول المذكور هو عبارة التوحيد التي كان
يقولها في الدنيا. ويعلمه: يحيط به بالغَ الإحاطة. وما بين أيديهم: ما سيحصل لهم. وما خلفهم: ما مضى قبل. ويحيط به: يدركه. والعلم: الدراية اليقينية.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والوجوه: جمع وجه. وللحي: لعظمته وجلاله. وهو الدائم الوجود. والقيوم: الدائم القيام بتدبير الخلق. وحمل:
اكتسب بالنية والقول والعمل. (٤) ما ذكر أي: القصص المتقدمة. وأنزلناه: أوحيناه. وعربيًا: بلغة المخاطبين. والوعيد: التهديد بالانتقام. ويتقون: يتجنبون
العصيان ويلزمون الطاعة. ويحدثه: يوجده. والذكر: الاتعاظ. وتعالى: تعظم وتنزه. والملك: المالك للخلق. والحق: الثابت في ذاته وصفاته. ولا تعجل:
تمهل في التلاوة والحفظ. والوحي: التنزيل. وفي لباب النقول أن النبي وَ ل * كان، إذا نزل عليه جبريل بالوحي، يُتعب نفسه في ترداده وحفظه، قبل أن ينتهي
جبريل. فنزلت الآية. ورب أي: ياربي. وزدني: أضف إليّ. والعلم: المعرفة. ومن قبلُ: من قبلِ أن نعهد إليك بما ذكرنا، لا كما ذكر المحلي. انظر
((المفصل)). ونجد: نعلم، أي: لم يكن له في علمنا عزم. وعما نهيناه أي: قبل نبوته.

الجزء السادس عشر
٣٢٠
٢٠ - سورة طه
أي: بالقُرآن. فكُلّما نزل عليه شيء منه زاد به علمه. ﴿وَلَقَد عَهِدْنا إلَى آدَمَ﴾: وصّيناه
ألّا يأكل من الشجرة، ﴿مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِ أكله منها، ﴿فَنَسِيَ﴾: ترك عهدنا، ﴿وَلَم
نَجِدْ لَهُ عَزمًا﴾ ١١٥ حزمًا وصبرًا عمّا نهيناه عنه.
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قُلْنا لِلمَلائكةِ: اسجُدُوا لِدَمَ. فَسَجَدُوا إلّا إِبِلِيسَ﴾ - وهو أبو
الجِنّ، كان يصحب الملائكة ويعبد الله معهم - ﴿أَبَى﴾ ١١٦ عن السجود لآدم، «قالَ:
أنا خَيرٌ مِنْهُ))، ﴿فَقُلْنا: يا آدَمُ، إنَّ هُذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوجِكَ﴾: حوّاءَ بالمد. ﴿فلا
يُخرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنّةِ، فَتَشقَى﴾ ١١٧ : تتعبَ بالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز
وغير ذلك. واقتُصر على شقاه، لأنّ الرجل يسعى على زوجته. ﴿إِنَّ لَكَ أَلَا تَجُوعَ
فِيها ولا تَعَرَى ١١٨، وأنَّكَ﴾ - بفتح الهمزة وكسرِها، عطفٌ على اسم ((إنّ)) وجملتِها
- ﴿لَا تَظْمَأُ فِيها﴾: تعطشُ ﴿ولا تَضَحَى﴾ ١١٩: لا يحصُلُ لك حرّ شَمس الضُّحى،
لانتفاء الشمس في الجنّة .
٢- ﴿فَوَسوَسَ إِلَيْهِ الشَّيطانُ، قالَ: يا آدَمُ، هَل أدُلَّكَ عَلَى شَجَرةِ الخُلِدِ﴾ أي التي يخلد
من يأكل منها، ﴿ومُلْكٍ لا يَبلَى﴾ ١٢٠: لا يفنى. وهو لازم الخلود؟ ﴿فأكَلاَ﴾ أي:
آدم وحواءُ ﴿مِنها، فَبَدَتْ لَهُما سَوءاتُهُما﴾ أي: ظهر لكُلّ منهما قُبُلُه وقُبُلُ الآخَرِ ودُبُرُه
- وسُمِّيَ كُلِّ منهما سَوءةٌ لأنّ انكشافه يسوء صاحبه - ﴿وطَفِقا يَخصِفانٍ﴾: أخذا
يُلزِقان ﴿عَلَيهِما مِن وَرَقِ الجَنّةِ﴾ ليستترا به، ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ١٢١ بالأكل من
الشجرة.
نُودَةِظَلَهُ
الجزء الهَاشِعِشَة
أَفَتَعَلَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ
يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا [٨] وَلَقَدْ عَهِدْنَا
إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (9) وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَتِكَةِ اسْجُدُ واْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوْا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ
فَقُلْنَ يَتََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّلَّكَ وَلِزَوْحِكَ فَلَا يُخْرِ جَنَُّها
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١٦) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَىَّ لَـ
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأُفِيهَا وَلَا تَضْحَى [٩] فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ
الشَّيْطَانُ قَالَ يَغَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ
إلَّا يَبْلَى: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبّهُ فغوى (!)
ثُمَّأَجْنَبَّهُ رَبّهُ، فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (٢) قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا
جَمِيعً بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ فَإِمَا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى
فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى ( قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِيَّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا (٦
٣- ﴿ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: قرّبه، ﴿فتابَ عَلَيهِ﴾: قَبِلَ توبتَه، ﴿وهَدَى﴾ ١٢٢ أي: هداه إلى المُداومة على التوبة. ﴿قالَ: اهبِطا﴾ - أي آدمُ وحوّاء -
بما اشتملتما عليه من ذُرّيّتكما، ﴿مِنها﴾: من الجنّة (جَمِيعًا، بَعضُكُم﴾: بعضُ الذرّيّة ﴿لِبعضِ عَدُوٌّ﴾ من ظُلم بعضهم بعضًا. ﴿فإمّا﴾ - فيه
إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) المزيدة - ﴿يأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدَى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ أي: القُرآنَ ﴿فلا يَضِلَّ﴾ في الدنيا، ﴿ولا يَشْقَى﴾ ١٢٣ في
الآخرة، ﴿ومَن أعرَضَ عَن ذِكِرِي﴾ أي: القُرآنِ، فلم يُؤمن به، ﴿فإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، بالتنوين مصدرٌ بمعنى: ضَيّقة - وفُسّرت في حديث
بعذاب الكافر في قبره - ﴿وَنَحشُرُهُ﴾ أي: المُعرِضَ عن القُرآن ﴿يَومَ القِيامةِ أعمَى﴾ ١٢٤ أي: أعمى البصر. ﴿قالَ: رَبِّ، لِمَ حَشَرتَنِيَ أعمَى،
وقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ ١٢٥ في الدنيا وعِند البعث؟ ﴿قَالَ﴾: الأمرُ ﴿كَذْلِكَ، أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَها﴾: تركتها، ولم تُؤمن بها، ﴿وكَذْلِكَ﴾ أي: مِثلَ
نِسيانك آيَاتِنا ﴿اليَومَ تُنسَى﴾ ١٢٦: تُتركُ في النار.
(١) قلنا لهم: أمرناهم. والملائكة: جمع ملَك. واسجدوا أي: سجود انحناء للإكرام. و((أبو الجن)) الصواب أن إبليس واحد من الجن، وهو أب للشياطين
منهم، لا لجميع الجن. انظر الآية ٥٠ من سورة الكهف. وأبى: امتنع. و((قال)) في الآية ١٢ من سورة الأعراف. والعدو: المعادي. والزوج: الزوجة.
ولا يخرجنكما أي: لاتفعلا أسباب الخروج بطاعته. والجنة: الحديقة العظيمة. والشقا: الشدة والعسر. وفيما عدا الأصل والنسخ والفتوحات: ((شقائه)).
وعلى زوجته: لأجلها. يعني أن الرجل مكلف بالسعي لتأمين حاجات الزوجة والأسرة، والمرأة راعية في بيت زوجها. وتجوع: تشعر بالحاجة إلى الطعام.
وفيها: في الجنة. وتعرى: تكون بدون ما يقي بدنك من الضرر. وبكسرها يريد القراءة ((وإنّكَ)). فالعطف على جملة ((إنّ)) في الآية ١١٨، كما قال ((جملتها)).
وعطف: يعني أن المصدر المؤول من ((أنّ)) معطوف على المصدر المؤول من ((ألّا تجوع».
(٢) وسوس إليه: أسرّ إليه إغراء بالعصيان. والشيطان: إبليس. وأدلك: أرشدك. والشجرة: ما ينبت مما له ساق وجذور وثمر. والخلد: البقاء وعدم
الموت. والملك: التملك والتصرف. والخلود أي: أن الملك الذي لا يبلى مسبَّب عن الخلود الذي أعرضه عليك. فأنت تخلد ويكون لك ما يصحب ذلك.
وفيماعدا الأصل والنسخ: ((وهو لازم الخلد)). ومنها: من ثمر الشجرة. وبدت: انكشفت لسقوط ما كان يسترها. والقبل: الفرج من الذكر والأنثى. وورق
الجنة: ورق أشجارها. وعصاه: خالف أمره. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح خلقه. وغوى: ضل عن الحق. وكان هذا كله قبل نبوته.
(٣) قربه أي: إلى رحمته، واختاره للنبوة. وهداه: أرشده. واهبط: اخرج وانزل. والعدو: المعادي. وزيادة ((ما)) لتوكيد الشرط. ويأتيكم: يصل إليكم.
ومني: من عندي وبأمري. والهدى: ما يرشد إلى التوحيد. وهو أعم من أن يكون بالقرآن وحده، خلافًا لما ذكر المحلي. واتبعه: أطاع أمره ونهيه. ويضل:
يخرج عن الحق. ويشقى: تسوء حاله. وعن ابن عباس أن الآية ١٢٤ نزلت في الأسود بن عبد الأسد المخزومي. وهو من كبار مشركي مكة، قتله حمزة يوم
بدر. وهذا يعني أنها نزلت قبل الهجرة. البحر ٢٨٦:٦ والمعارف ص ١٥٦. وأعرض: انصرف. والمعيشة: العيش والحياة. والحديث أخرجه الحاكم في
مسنده ٣٨١:٢ وصححه. ونحشره: نخرجه من مقره. واليوم: الوقت. والقيامة: بعث الناس للحساب. ورب: ياربي. والبصير: ذو البصر. والأمر: شأنك
في العمى. وأتتك: جاءت إليك وكُلّفت باتباعها. والآيات: الأدلة على التوحيد من الوحي على الرسل. وتُنسى أي: نُسيت. وتترك أي: وتكون أعمى.