النص المفهرس

صفحات 101-120

الجزء الخامس
١٠١
٤ - سورة النساء
١- ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ((الّذين)) قبله ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾: ينتظرون ﴿بِكُمْ﴾ الدوائرَ، ﴿فإنْ
كانَ لَكُمْ فَتَحٌ﴾: ظفرٌ وغنيمة ﴿مِنَ اللهِ قالُوا﴾ لكم: ﴿أَلَم نَكُنْ مَعَكُم﴾ في الدِّين
والجِهاد؟ فأعطُونا من الغنيمة. ﴿وإنْ كانَ لِلكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ من الظفر عليكم ﴿قالُوا﴾
لهم: ﴿أَلَم نَستَحْوِذُ﴾: نستَولِ ﴿عَلَيْكُم﴾، ونَقدِرْ على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم،
﴿و﴾ أَلَم ﴿نَمنَعْكُمْ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ أن يظفروا بكم، بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم؟
فلنا عليكم المِنّ. قال الله تعالى: ﴿فاللهُ يَحكُمُ بَيْنَكُم﴾ وبينهم ﴿يَومَ القِيامةِ﴾، بأن
يُدخلَكم الجنّة ويُدخلَهم النار، ﴿وَلَن يَجعَلَ اللهُ لِلكافِرِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١٤١ :
طريقًا بالاستئصال.
٢- ﴿إِنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾، بإظهار خِلاف ما أبطنوه من الكُفر، ليدفعوا عنهم
أحكامه الدُّنيويّة، ﴿وَهْوَ خَادِعُهُم﴾ فيُجازيهم على خِداعهم، فيُفضَحون في الدُّنيا
بإطلاع الله نبيّه على ما أبطنوه، ويُعاقبون في الآخرة، ﴿وإذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ مع
المُؤمنين ﴿قَامُوا كُسالَى﴾: مُتثاقِلينَ، ﴿يُراؤُونَ النّاسَ﴾ بصلاتهم، ﴿ولا يَذْكُرُونَ
اللّهَ﴾: يُصلّون ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١٤٢ رياء، ﴿مُذَبذَبِينَ﴾: مُتردِّدين ﴿بَينَ ذلِكَ﴾: الكفرِ
والإِيمان، ﴿لا﴾ منسوبين ﴿إِلَى هَؤُلاءِ﴾ أي. الكُفَّارِ، ﴿ولا إِلَى هُؤُلاءٍ﴾ أي:
المؤمنين. ﴿ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ١٤٣ : طريقًا إلى الهُدى.
سُورَة الَّسخاء
الَّذِينَ يَتَرَّبَُّونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوَأْأَلَمْ
تَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ
عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ
اٌلْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٣)
إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى
الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا
قَلِيلًا (٦) مُذَبِّذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلَاءِ
وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٣) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
لَنَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِيدُونَ
أَنْ تَجْعَلُواْلِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (٢٦) إِنَّ المُفِقِينَ
فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْبِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ
دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ
اَلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩) مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَا بِكُمْ
إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا الكافِينَ أولياءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ. أتُرِيدُونَ أنْ
تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُم﴾ بمُوالاتهم ﴿سُلطانًا مُبِينًا﴾ ١٤٤: بُرهانًا بيّنًا على نِفاقكم؟ ﴿إِنَّ
المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾: المكان ﴿الأسفَلِ مِنَ النّارِ﴾ - وهو قعرها - ﴿وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصِيرًا﴾ ١٤٥: مانعًا من العذاب. ﴿إِلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ من
النِّفاق، ﴿وأصلَحُوا﴾ عملهم، ﴿واعتَصَمُوا﴾: وثِقُوا ﴿بِاللهِ، وأخلَصُوا دِينَهُم لِلهِ﴾ من الرِّياء، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤمِنِينَ﴾ فيما يُؤْتَونه. ﴿وسَوفَ
يُؤتي اللهُ المُؤمِنِينَ أجرًا عَظِيمًا﴾ ١٤٦ في الآخرة، هو الجنّة. ﴿ما يَفعَلُ اللهُ بِعَذابِكُم، إنْ شَكَرْتُم﴾ نِعَمَه ﴿وَآمَنتُم) به؟ والاستفهام بمعنى النفي،
أي: لا يُعذّبكم. ﴿وكانَ اللهُ شاكِرًا﴾ لأعمال المُؤمنين بالإِثابة، ﴿عَلِيمًا﴾ ١٤٧ بخلقه.
(١) قبله أي: ما في الآية ١٣٩. والدوائر: جمع دائرة. وهي ما يقع في الزمان من المصائب. أي: ينتظرون وقوعها بكم. وكان: حصل. والفتح: الغلبة
على الكافرين. ومن الله أي: من عنده تفضلًا. والنصيب: الحظ المحدود. ولهم أي: للكافرين. وقوله ((ألم)) بعد الواو هو خلاف للفصيح من الكلام. وكان
عليه أن يقدم الهمزة على الواو: أوَلم. وإنما جاز له التأخير لأنه يفسر كلامًا ولا يصوغ عبارة. والمنة أي: الإحسان والإنعام، فأبقوا علينا وأشركونا في
الغنائم. ويحكم: يقضي بالثواب والعقاب. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث من القبور. ويجعل: يُوجِد. والاستئصال: إبادة المؤمنين ونزع دينهم
وشرعهم من الجذور.
(٢) يخادعون: يحاولون الكيد وهم واهمون. وخادعُهم أي: غالبهم في الخدع. وهو إظهار غير ما يَخفى على الآخرين كما يليق بجلاله وعظمته، وإرادة
المكروه بهم من حيث لايعلمون. وتفسير ((خادع)) بـ ((يجازي)) يعني أن الجزاء سمي خدعًا من باب المشاكلة. وهو تأويل بلازم المعنى، يحسن هنا تجنبه بذكر
المراد كما فسرنا. وقاموا: نهضوا وتوجهوا. والكسالى: جمع كسلان. ويراؤون أي: يُرُون المسلمين تجمُّلهم بالطاعات، والمسلمون يُرُونهم استحسان ذلك.
والناس: البشر من المسلمين. ويذكره: يستحضر عظمته وجلاله. ورياء أي: بحضور المسلمين تظاهرًا بالطاعة والصلاح. والمذبذب: من قلقله الشيطان
وحيّره، فهو يضطرب ولا يعرف الاستقرار ولا الطمأنينة. ويضله: يصرفه عن الهداية ويوجه قدراته بحسب استعداده السيئ واختياره الخبيث. وفيما عدا خ
والفتوحات: ((يضلله)). وهو مخلّ باللفظ القرآني، من كسر اللام الثانية لالتقاء الساكنين، وترقيقِ اللام من لفظ الجلالة. انظر آخر الآية ٨٨.
(٣) روي أنه كان للأنصار في بني قريظة رضاع وحلف ومودة، فقالوا: يا رسول الله، من نتولّى؟ فقال: ((المُهاجِرِينَ)). ونزلت الآيات تؤكد ذلك وتحذر من
خلافه. تفسير الخازن ٦١٣:١-٦١٤ والبحر ٣٧٩:٣. وحكمها عامّ أيضًا يشمل كل مكلف، حيثما كان. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. ويتخذ: يصيّر.
والأولياء: جمع ولي. وهو الصديق والنصير والمحب. ودون أي: غير. وتريد: تطلب. وتجعل: تصيّر. و((نفاقكم)) في هذا ما يعني أن موالاة الكافرين
والانقياد إليهم نفاق عملي، يجعل الإنسان قريبًا من نفاق الاعتقاد، ويعرضه للوعيد والهلاك. وتجد: ترى. وتاب: اعترف بذنبه وطلب العفو وتعهد بعدم
العصيان، أي: بعد أن صحح إيمانه. وأصلح العمل: جعله صالحًا كما أمر به الله. وأخلصه: جعله خالصًا صافيًا مما كان يخالطه. والدين: الطاعة والعبادة.
ومع المؤمنين أي: يرافقونهم ويصاحبونهم. ويؤتي: يعطي. وفيما عدا الأصل والنسختين والوجيز: ((يُؤتِ)) بحذف الياء لالتقاء الساكنين، وهو حذف واجب
في رسم المصاحف. وإنما أثبتتِ الياء هنا لأن النص في تفسير لا في مصحف، ولبيان القراءة التي اختارها السيوطي. والأجر: المكافأة. والعظيم: الضخم
جدًا لا يقدر قدره. ويفعل: يصنع ويخلق لنفسه. وشكر: اعترف بالنعمة وذكرها وأثنى على المنعم بالقلب واللسان والعمل. ولا يعذبكم أي: لأنكم أحسنتم
الشكر والإيمان والإخلاص. وكان: انظر الآية ١١. والشاكر: من يكافئ المحسن بأفضلَ مما فعل. والعليم: المحيط الإحاطة الكاملة بما يكون، لئلا يقع
غلط البتة في جزاء المحسن وعقاب المسيء.

٤ - سورة النساء
١٠٢
الجزء السادس
سُورَةِ النَّسجلة
﴿ لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءٍ مِنَ الْقَوْلِ إِلََّ مَنْ ظُلٍِّ وَكَانَ
اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (٤٨) إِن نُبْدُ واخَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْتَعْفُواْ عَن
سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا (٤٦) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ
أَنْ يَتَّخِذُ وابَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (® أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
حَقًّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٦ وَالَّذِينَءَامَنُواْ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيِّنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ
يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا (١٦) يَسْئَلُكَ
﴿أَهْلُ الْكِنَبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ
مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَ أْأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ
الصَّعِقَةُ بِظُلِّمِهِمْ ثُمَّ ا تَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ
الْبَيْنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًّا (٦
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الُْوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَالَهُ أَدْخُلُوْ الْبَابَ سُجَّدًا
وَقُلْنَالَمْ لَا تَعْدُواْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِشَقًّا غَالِيًا
١- ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ﴾ من أحد، أي: يُعاقِبُ علیه،
الجزء ٦
الجزء١١
﴿إِلَّ مَنْ ظُلِمَ﴾. فلا يُؤاخذه بالجهر به، بأن يُخبِرَ عن ظُلم ظالمه ويدعوَ
عليه. ﴿وكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ لما يُقال، ﴿عَلِيمًا﴾ ١٤٨ بما يُفعل. ﴿إِنْ تُبُدُوا﴾:
تُظهروا ﴿خَيرًا﴾ من أعمال البِرّ، ﴿أو تُخفُوهُ﴾: تَعملوه سِرًّا، ﴿أو تَعفُوا عَن
سُوءٍ﴾: ظُلمٍ، ﴿فإنَّ اللهَ كانَ عَفُوَّا قَدِيرًا﴾ ١٤٩ .
٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾، بأن يُؤمنوا
به دونهم، ﴿وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعضٍ﴾ من الرُّسلِ، ﴿ونَكفُرُ بِبَعضٍ﴾ منهم، ﴿ويُرِيدُونَ
أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ﴾: الكفرِ والإِيمانِ ﴿سَبِيلًا﴾ ١٥٠: طريقًا يذهبون إليه، ﴿أُولَئِكَ
هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾: مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجُملة قبله، ﴿وأعتَدْنا لِلكافِرِينَ عَذابًا
مُهِينَا﴾ ١٥١: ذا إهانة، هو عذاب النار، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ كلِّهم، ﴿وَلَم
يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُم، أُولَئِكَ سَوفَ نُؤْتِيهِم﴾ - بالنون والياء - ﴿أَجُورَهُم﴾: ثواب
أعمالهم. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمًا﴾ ١٥٢ بأهل طاعته.
٣- ﴿يَسأَلُكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿أهلُ الكِتابِ﴾: اليهودُ ﴿أنْ تُنْزِلَ عَلَيهِم كِتَابًا مِنَ
السَّماءِ﴾ جُملةً، كما أُنزل على مُوسى، تعنًّا. فإن استكبرتَ ذلك ﴿فَقَد سألُوا﴾ أي:
آباؤهم ﴿مُوسَى أَكْبَرَ﴾: أعظمَ ﴿مِن ذُلِكَ، فقالُوا: أرِنا اللهَ جَهْرةً﴾: عِيانًا.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقةُ﴾: الموت عِقابًا لهم (بِظُلمِهِم﴾، حيث تعنّتوا في السُّؤال، (ثُمَّ
اتَّخَذُوا العِجلَ﴾ إِلَهًا، ﴿مِن بَعدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾: المُعجزات على وحدانية الله، ﴿فَعَفَونا عَن ذُلِكَ﴾ ولم نستأصلهم، ﴿وآتَيْنا مُوسَى سُلطانًا
مُبِينًا﴾ ١٥٣: تسلُّطًا بيّنًا ظاهرًا عليهم، حيث أمرهم بقتل أنفُسهم توبة فأطاعوه، ﴿ورَفَعْنا فَوقَهُمُ الطَّورَ﴾: الجبل، ﴿بِمِيثاقِهِم): بسبب أخذ
الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه، ﴿وقُلْنا لَهُم﴾ وهو مُظِلٌّ عليهم: ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾ أي: باب القرية ﴿سُجَّدًا﴾ سُجودَ انحناءٍ. ﴿وَقُلْنا لَهُم: لا
تَعدُوا﴾ - وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال، وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال - أي: لا تعتدوا ﴿في السَّبتِ﴾ باصطياد الحِيتان فيه.
﴿وأخَذْنا مِنْهُم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ١٥٤ على ذلك فنقضوه.
(١) لا يحب أي: يكره ويبغض، كما يليق به من صفات الألوهية. والجهر: رفع الصوت ليسمع الآخرون. والسوء: الإيذاء بذكر أحوال الناس غيبة أو نميمة
أو مذمة. وليس الجهر هو المقصود بالكراهة، لأن المراد هو السوء سرًا كان أو علانية. وإنما ذكر الجهر لأنه أشنع، وهو سبب نزول الآية. انظر ((المفصل)).
وظُلِم: أصابه عدوان. وكان: انظر آخر الآية ١١. والسميع: المدرك للمسموعات. والعليم: البالغ الإحاطة لا يغيب عنه شيء. والخير: ما فيه نفع. وتعفوا
عنه أي: تصفحوا عنه وتستروه. والعفوّ: الكثير الصفح عن الذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والقدير: البالغ القدرة لا يعجزه شيء.
(٢) يكفرون به: يكذّبونه ويعصون أمره. وهم بنو إسرائيل من أهل الكتاب: فاليهود آمنوا بموسى والتوراة، وكفروا بعيسى ومحمد وما أنزل الله إليهما.
والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل، وكفروا بمحمد والقرآن. والرسل: جمع رسول. والتعبير بإرادة الفعل، في الموضعين، مقصود به إيجاد الفعل نفسه.
والمعنى: ((ويفرّقون بين الله ورسله، ويقولون ... ويتخذون بين ذلك سبيلا)). والدليل في الآية ١٥٢: ((ولم يفرقوا)). وانظر المغني ص ٧٦٨. ويفرق: يَفصل
في وجوب الإيمان. والبعض: القسم من الشيء. ويتخذ: يجعل لنفسه. ويذهبون إليه أي: في التفريق بين عناصر الإيمان الكامل، يعني: بالرسل كلهم ومن
أرسلهم. وأولئك: إشارة إلى الموصوفين بالأوصاف المتقدمة في الآية ١٥٠. وحقًا أي: يقينًا من دون شك. وأعتدنا: هيأنا. ولم يفرقوا أي: في الإيمان
والتصديق يقينًا. وانظر الآية ١٣٦ من سورة البقرة. ويؤتي: يعطي. وأجور: جمع أجر. وبالياء يريد القراءة ((يُؤتِيهِم)). وكان: انظر الآية ١١. والغفور: الكثير
العفو والصفح. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان.
(٣) يسألك: يطالبك للتعجيز. وتنزل: تسقط بطلب من الله. وجملة: دُفعة واحدة. والتعنت: طلب الوقوع في الزلل. وذلك أي: تنزيل الكتاب جملة. وأرنا
إياه أي: أحضره لنراه. وأخذتهم: أهلكتهم. والموت أي: الجماعي السريع. والصاعقة صوت شديد من الجو، يكون بعده نار عظيمة تمحق ما تصادفه.
والظلم: مجاوزة الحق. واتخذوه: جعلوه. والعجل: ولد البقرة. وعلى وحدانية الله أي: وعلى صدق موسى في رسالته. وعفونا: لم نؤاخذ تمام المؤاخذة
بما كان. وآتينا: أعطينا. ورفعناه: جعلناه مستعليًا. وفوقهم أي: يكاد يسقط عليهم. والطور: جبل في فلسطين. والميثاق: العهد المؤكد باليمين. و((يقبلوه))
المراد قبول ما في التوراة، بعد أن امتنعوا. ومظل عليهم أي: مرفوع ومحاذيهم كالمظلة. وتعيين زمن القول غير صحيح، إذ الأمرُ بدخول القرية كان بعد
خروجهم من التيه، ورفعُ الطور قبل دخولهم التيه، وبينهما عشرات السنوات. ثم بين الطور والقرية - وهي القدس أو أريحا - مسافات مديدة. وادخلوه:
اعبروه لتصيروا داخل ما بعده. والقرية: البلدة. وسجود انحناء أي: مطأطئين رؤوسكم خضوعًا لله. ولكنهم خالفوا ودخلوا زحفًا على أستاههم. ولا تعدوا:
لاتتجاوزوا ما شرع لكم. والقراءة المذكورة هي ((لا تَعَدُّوا)). والسبت: اليوم الأول من الأسبوع. وأخذنا: تلقينا بالقسر. والغليظ: المبرم المؤكد.

الجزء السادس
١٠٣
٤ - سورة النساء
١- ﴿فِما نَقْضِهِمِ﴾ ما: زائدة، والباء: للسبيّة متعلّقة بمحذوف، أي: لعنّاهم بسبب
نقضهم ﴿مِيثاقَهُم، وكُفرِهِم بِآيَاتِ اللهِ، وقَتلِهِمِ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقِّ، وقَولِهِم﴾ للنبيّ:
﴿قُلُوبُنا غُلِفٌ﴾: لا تعي كلامَك - ﴿بَل طَبَعَ﴾: ختم ﴿اللهُ علَيها بِكُفرِهِم) فلا تعي
وعظًا، ﴿فلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ ١٥٥ منهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه -
﴿وبِكُفرِهِم﴾ ثانيًا بعيسى، وكرّر الباء للفصل بينه وبين ما عُطف عليه، ﴿وقَولِهِم علَى
مَريَّمَ بُهتانًا عَظِيمًا﴾ ١٥٦ حيثُ رَموها بالزِّنى، ﴿وَقَولِهِم﴾ مفتخرين: ﴿إِنّا قَتَلْنا
المَسِيحَ عِيسَى بنَ مَرِيمَ رَسُولَ اللهِ﴾، في زعمهم. أي: بمجموع ذلك عذّبناهم. قال
تعالى تكذيبًا لهم في قتله: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ، ولَكِنْ شُبَّهَ لَهُمِ﴾ المقتولُ
والمصلوب - وهو صاحبهم - بعيسى، أي: ألقى الله عليه شَبَهَه فظنّوه إيّاه. ﴿وإنَّ
الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في عيسى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: من قتله - حيثُ قال بعضهم لمّا
رأوا المقتول: الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده، فليس به. وقال آخرون: بل
هو هو - ﴿ما لَهُم بِهِ﴾: بقتله ﴿مِن عِلم، إلّ اتِّبَاعَ الظَّنْ﴾: استثناءٌ مُنقطع، أي: لكن
يتّبعون فيه الظنّ الذي تخيّلوه، ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ١٥٧: حالٌ مؤكِّدة لنفي القتل، ﴿بَل
رَفَعَهُ اللهُ إِلَيهِ. وكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ في مُلكه، ﴿حَكِيمًا﴾ ١٥٨ في صُنعه.
٢ - ﴿وإنْ﴾: ما ﴿مِن أهلِ الكِتابِ﴾ أحدٌ ﴿إِلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: بعيسَى، ﴿قَبلَ مَوتِهِ﴾ أي:
الكتابيِّ، حين يُعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه، أو قبلَ موت عيسى لمّا ينزلُ قُربَ
الساعة كما ورد في حديث، ﴿ويَومَ القِيامةِ يَكُونُ﴾ عيسَى ﴿عَلَيهِم شَهِيدًا﴾ ١٥٩، بما
فعلوه لمّا بُعث إليهم.
سُورَة النساء
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَآءَ
بِغَيْرِحَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ طَبَعَاللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ
فَلَ يُؤْ مِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ
◌ُهْتَنَّا عَظِيمًا (٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَ
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَلَهُمْ وَإِنَّالَّذِينَ
أَخْتَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنَّ
وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا [® بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَاللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّبِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ
◌ْالْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (٦) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الَّهِ
كَثِيرًا (٦) وَأَخْذِ هِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَالنَّاسِ
بَ لَكِنِ
بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
الرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الضَّلَوةَ وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِّ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَجْرَا عَظِيمًا لـ
٣- ﴿فِظُلمِ﴾ أي: بسبب ظُلم ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود، ﴿حَرَّمْنا عَلَيهِم طَيَِّاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم﴾ - هي التي في قوله: ((حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ))
الآيَةَ - ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ الناسَ ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دينِه صدًّا ﴿كَثِيرًا ١٦٠، وأخذِهِم الرِّبا وقَد نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراة، ﴿وأكلِهِم أمْوالَ النّاسِ
بِالباطِلِ﴾: بالرُّشا في الحُكم، ﴿وأعتَدْنا لِلكافِرِينَ مِنْهُم عَذابًا ألِيمًا﴾ ١٦١: مؤلمًا .
٤- ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ﴾: الثابتون ﴿في العِلم مِنْهُم﴾، كعبد الله بن سلام، ﴿والمُؤمِنُونَ﴾: المهاجرون والأنصار، ﴿يُؤمِنُونَ بِما أُنزِلَ إلَيكَ وما
أُنزِلَ مِن قَبِلِكَ﴾ من الكُتب - ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ نُصبَ على المدح، وقُرئ بالرفع - ﴿والمُؤتُونَ الزَّكَاةَ والمُؤمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، أُولَئِكَ
سَنُؤْتِيهِم﴾، بالنون والياء، ﴿أجرًا عَظِيمًا﴾ ١٦٢ هو الجنّة.
(١) نقض العهد: مخالفته. وزائدة أي: للمبالغة في توكيد السببية. والكفر: التكذيب. والحق: العدل. والقلوب: جمع قلب. وغلف: جمع أغلف، أي:
مغطّى بغلاف. وطبع عليها أي: أقفلها بعد المكابرة. وعبدالله بن سلام: أحد الأحبار أسلم وحسن إسلامه. وبهتانًا أي: اتهامًا باطلًا. ورموها: اتهموها.
وفي زعمهم: يعني أن ما ادعوه من القتل زعم باطل. فالذين صلبوا لعلهم كانوا على علم أنهم قتلوا غير عيسى، ولكنهم أشاعوا الأكاذيب للتضليل. والراجح
أن المصلوب أحد حواريِّي عيسى. وشُبِّهَ لهم أي: زُيِّفَ لليهود. والشك: التردد. وليس به أي: ليس المقتول هو عيسى. وهو هو أي: المقتول هو عيسى.
و((مؤكدة لنفي القتل)): انظر ((المفصل)) لتعرف اضطراب المراد. والعلم: المعرفة اليقينية. والاتباع: الموافقة. والظن: التوهم. ورفَعَه: أصعده من الأرض.
وإليه أي: إلى سمائه موضع رضاه. والعزيز: الغالب على أمره. والحكيم: الذي يضع الأمور في مواضعها الحقيقية.
(٢) أهل الكتاب: اليهود والنصارى. والكتابي: يعني أن كل يهودي أو نصراني قبل موته يقول: آمنت به عبدَ الله ورسوله. وقبل موت عيسى: يعني أن
الضمير في ((موته)) يكون لعيسى، وهو احتمال بعيد. و((لما ينزلُ)) لحن في التعبير. انظر ((المفصل)) أيضًا. والحديث: الأحاديث ٢١٠٩ و٢٣٤٤ و٣٢٦٤ في
البخاري و٥٧ و١٥٥ في مسلم. ويكون: يصير. وشهيدًا: يقر بما يعلم حقيقة .
(٣) هادوا: تابوا عن عبادة العجل. وفي قوله يعني: الآية ١٤٦ من سورة الأنعام. وانظر الآية ٩٣ من سورة آل عمران. والصد: الدفع. والسبيل: الطريق
الواضح. والأخذ: التناول بالقوة. والربا: زيادة تؤخذ من المدين. وعنه أي: عن أخذه. والأكل: السلب والاغتصاب. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك
من المتاع والزينة. والباطل: ما لا يجوز. وبالرشا أي: وسائر الوجوه المحرمة من الكسب. والرشا: جمع رشوة. وهي ما يعطاه الحاكم وغيره ليُحمل على
إجراء الباطل. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧٩ من سورة البقرة. وأعتدنا: هيأنا. والكافر: من جحد التوحيد ومات على ذلك .
(٤) العلم: الإدراك اليقيني. وأنزل: أوحي على لسان جبريل. والصلاة: العبادة المكتوبة. والمقيم لها هو الذي يؤديها بأركانها وشروطها وآدابها. وبالرفع
يريد «والمُقِيمُونَ)). وهي قراءة غير شاذة عند السيوطي، خلافًا لما جاء في الصاوي ١: ٢٥٨ ومن نقل عنه. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٨٣ من سورة البقرة.
والمؤتون: المعطون من يستحق. والزكاة: ما فرض على المال لتطهيره وتزكية أصحابه. واليوم: الوقت. والآخر: المتأخر يكون بالبعث بعد الموت. ونؤتي:
نعطي. وبالياء يريد القراءة ((سَيُؤتِيهِم)). والأجر: المكافأة. والعظيم: الضخم جدًا لا يقدر قدره.

٤ - سورة النساء
١٠٤
الجزء السادس
سُورَة السخاء
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ،
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَاُلْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ
وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا (٣) وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ
مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا (٣) رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّايَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
١٦٥
◌َِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ،
وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِالَّهِ شَهِيدًا (٦َ إِنَّالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَلا بَعِيدًاً
(﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا
لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا لِبَ
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ
الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ
﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيًّا حَكِيمًا لَ
١- ﴿إِنّا أَوْحَينا إلَيكَ، كَما أَوحَينا إِلَى نُوحِ والنَّبِّينَ مِن بَعْدِهِ، وَ﴾ كما
﴿أُو حَينا إلَى إِبراهِيمَ وإسماعِيلَ وإسحاقَ﴾ ابنَيه، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ بنِ إسحاقَ
الخِزى
﴿والأسباطِ﴾ أولادِه، ﴿وعِيسَى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيمانَ، وآتينا﴾
أباه ﴿داوُدَ زَبُورًا﴾ ١٦٣، بالفتح: اسمٌ للكتاب المُؤتَى، والضمِّ: مصدرٌ بمعنى:
مَزبورًا أي: مكتوبًا .
٢- ﴿و﴾ أرسلنا ﴿رُسُلَا قَدَ قَصَصْنَاهُم عَلَيكَ مِن قَبْلُ، ورُسُلًا لَم نَقصُصْهُم عَلَيكَ﴾ -
رُوي أنه تعالى بعث ثمانيةَ آلافٍ نبيّ: أربعةَ آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من
سائر الناس. قاله الشيخ في سورة ((غافر)) - ﴿وكَلَّمَ اللهُ مُوسَى﴾ بلا واسطة
﴿تَكلِيمًا ١٦٤، رُسُلَا﴾: بدلٌ من ((رُسلًا)) قبلُ، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بالثواب مَن آمنَ،
﴿ومُنذِرِينَ﴾ بالعِقاب من كفر، أرسلناهم ﴿لِئْلَا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَةٌ﴾، تُقَال
﴿بَعدَ﴾ إرسال ﴿الرُّسُلِ﴾ إليهم، ((فَيَقُولُوا: ربَّنا لَولا أرسَلتَ إلَيْنا رَسولًا، فَبعَ آيَاتِكَ
ونكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ)). فبعثناهم لقطع عُذرهم. ﴿وكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ في مُلكه،
﴿حَكِيمًا﴾ ١٦٥ في صُنعه.
٣- ونزل، لمّا سُئل اليهود عن نبوّتهمَ لَّ فأنكروه: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾: يُبَيّن نبوّتَك،
﴿بِمَا أَنزَلَ إلَيكَ﴾ من القُرآن المُعجز، ﴿أَنزَلَهُ﴾ مُلتبسًا ﴿بِعِلمِهِ﴾ أي: عالمًا به، أو:
وفيه علمه، ﴿وَالمَلائكةُ يَشْهَدُونَ﴾ لك أيضًا، ﴿وكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ١٦٦ على ذلك!
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ﴿وصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَن سَبيلِ اللهِ﴾: دِين الإِسلام بكتمهم
نعْتَ مُحمّد - وهم اليهود - ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١٦٧ عن الحقّ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ﴿وَظَلَمُوا﴾ نبيّه بكِتمان نعته، ﴿لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ
لَهُم، ولا لِيَهِدِيَهُم طَرِيقًا﴾ ١٦٨ من الطُّرق، ﴿إِلَّا طَريقَ جَهَنَّمَ﴾ أي: الطريقَ المؤدّيَ إليها، ﴿خالِدِينَ﴾: مُقدِّرين الخلودَ ﴿فِيها﴾ إذا دخلوها
﴿أَبَدًا، وكانَ ذُلِكَ علَى اللهِ يَسِيرًا﴾ ١٦٩ : هيّنًا .
٤- ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أي: أهلُ مكّة، ﴿قَد جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ مُحمّد ﴿بِالحَقِّ مِن رَبَّكُم. فَآمِنُوا﴾ به، واقصدوا (خَيرًا لَكُم﴾ مِمّا أنتم فيه، ﴿وإنْ
تَكفِّرُوا﴾ به ﴿فإنَّ للهِ ما في السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، فلا يضرُّه كُفركم، ﴿وكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾ ١٧٠ في صُنعه
بهم .
(١) أوحينا أي: نزّلنا على لسان جبريل. والنبي: من بعث بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. وابنيه يعني: ابني إبراهيم. وبالضم يريد القراءة ((زُبُورًا)).
والأسباط: جمع سِبط. وكانوا اثني عشر، منهم يوسف نبي ورسول، وكان في أبناء بعضهم أنبياء أيضًا .
(٢) الرسل: جمع رسول. وغالبًا ما يكون معه كتاب من عند الله. وقصصناهم: سمَّيناهم لك في القرآن وعرّفناك أخبارهم. ومن قبل أي: من قبل نزول
الآية. وفي قرة العينين والمنحة وبعض المطبوعات: ((من إسرائيل)). وقوله (روي)) هذا حديث ضعيف، رواه أبو يعلى في مسنده، عن أنس بن مالك مرفوعًا.
وقيل إن عدد الأنبياء ١٤٢٤٠٠٠، أو ٢٢٠٠٠٠٠. وهذا من علم الغيب، ولم يرد فيه نص يصح الاحتجاج به. انظر ((المفصل)). والشيخ: جلال الدين
المحليّ. انظر الآية ٧٨ من سورة غافر. وكلمه أي: خاطبه بالكلام. والمبشر: من يبلّغ بالمحبوب الذي يُسعِد. والمنذر: من يهدّد. ويكون: يصير. والحجة:
المعذرة من كفرهم. و((فيقولوا)) في الآية ٤٧ من سورة القصص. وفي صنعه: انظر آخر الآية ١٥٨ .
(٣) أنكروه أي: أنكروا ما ذكر من نبوته. انظر ((المفصل)). وأنزل: أوحى على لسان جبريل. وملتبسًا أي: مصاحبًا. والعلم: الإحاطة الكاملة بما ظهر وما
خفي. وفيه علمه يعني: فيه بعض معلومه، مما يحتاج إليه الأمر. والملائكة: جمع ملّك، وهم مخلوقون نورانيون مكرمون معصومون مطهرون. ويشهدون
أي: يقرّون بقول صادر عن علم يقيني. وكفى: انظر الآية ٧٩. وكفر به أي: أنكر وجوده أو توحيده وبعض صفاته. وصد: دفع بالباطل والأكاذيب.
والسبيل: الطريق الواضح. والإسلام هو الطريق الوحيد الذي أوجبه الله على الناس جميعًا من عهد آدم. ونعته أي: صفاته الكريمة التي وردت في التوراة
مبشرة بقدومه. وضل: ترك الطريق المستقيم وزاغ عنه. والبعيد: الذي لا نهاية لتطرفه. وظلموه أي: جاروا عليه بالعصيان. ويغفر: يعفو ويصفح عن الذنوب
والسيئات. ولا يهديهم أي: لا يوجه اختيارهم وقدراتهم ولا يوفقهم، بسبب ما هم عليه من الخبث والمكابرة والظلم. والطريق: السبيل الذي يسلكه الإنسان
في الدنيا، يوصله إلى الجزاء في الآخرة. وجهنم: اسم علم لمكان النار التي أعدت للكافرين. وطريقها هو الكفر والظلم، أي: اليهودية التي يعتنقونها .
والخالد: المقيم أمدًا طويلًا. والأبد: مدة الزمن. وكان أي: ولا يزال. وذلك: إشارة إلى إضلالهم وخلودهم في جهنم.
(٤) الناس: البشر. والتعميم للبشر جميعًا أولى. البحر ٤٠٠:٣. وجاءكم: أتى إليكم وحضر مجالسكم عيانًا أو وصل إليكم خبره. والحق: الصدق لاشك
فيه. ومن ربكم أي: من عنده وبأمره. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وآمنوا به أي: صدّقوه واستجيبوا لأمره ونهيه. وخير: أكثر نفعًا في
الدنيا والآخرة. وتكفروا أي: تصرّوا على التكذيب. والسماوات: ما يحيط بالأرض. والمراد ما فيهما وهما أيضًا وغير ذلك مما في الكون كله من الخلق ..
انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وكان أي: ولا يزال بدون قيد زماني.

الجزء السادس
١٠٥
٤ - سورة النساء
١- ﴿يا أهلَ الكِتابِ﴾: الإِنجيل، ﴿لا تَغْلُوا﴾: تتجاوزوا الحدَّ ﴿في دِينِكُم، ولا
تَقُولُوا عَلَى اللهِ إلّا﴾ القولَ ﴿الحَقَّ﴾، من تنزيهه عن الشريك والولد. ﴿إِنَّمَا المَسِيحُ
عِيسَى بنُ مَرِيَمَ رَسُولُ اللهِ، وكَلِمتُهُ ألقاها﴾: أوصلها ﴿إِلَى مَريَمَ، ورُوحٌ﴾ أي: ذو
رُوح ﴿مِنْهُ﴾. أضيف إليه - تعالى - تشريفًا له، وليس كما زعمتم ابنَ الله أو إلّهًا معه
أو ثالثَ ثلاثة، لأنّ ذا الرُّوح مركَّب والإلّهَ منزّه عن التركيب، وعن نسبة المُركّب إليه.
﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ، ولا تَقُولُوا﴾: الآلهةُ ﴿ثَلاثَةٌ﴾ اللهُ وعيسى وأُمُّه. ﴿انتَهُوا﴾ عن
ذلك وائتوا ﴿خَيْرًا لَكُم﴾ منه. وهو التوحيد. ﴿إِنَّما اللهُ إلَّهٌ واحِدٌ، سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له
عن ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ خلقًا ومُلكًا - والمُلكيّة
تُنافي البُنوّة - ﴿وكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ١٧١ : شهيدًا على ذلك!
٢- ﴿لَنْ يَستَنكِفَ﴾: يتكبّرَ ويأنفَ ﴿المَسِيحُ﴾ الذي زعمتم أنه إلّه، عن ﴿أَنْ يَكُونَ
عَبْدًا لِلِهِ، ولا المَلائكةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عند الله لا يستنكفون أن يكونوا عبيدًا. وهذا من
أحسن الاستطراد. ذُكر للردّ على من زعم أنها آلهة أو بنات الله، كما رُدّ بما قبله على
النصارى الزاعمين ذلك المقصودِ خِطابُهم. ﴿ومَن يَستَنكِفْ عَن عِبادِهِ ويَستَكِرْ
فسَيَحْشُرُهُم إلَيهِ جَمِيعًا﴾ ١٧٢ في الآخرة.
٣- ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فِيُوَفِيهِم أُجُورَهُم﴾: ثوابَ أعمالهم،
﴿ويَزِيدُهُم مِن فَضِلِهِ﴾ ((ما لا عَينٌ رأتْ ولا أُذُنُ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلبٍ بَشَرٍ))،
﴿وَأمّا الَّذِينَ استَنكَفُوا واستكبَرُوا﴾ عن عِبادته ﴿فَيُعَذِّبُهُم عَذَابًا أَلِيمًا﴾: مُؤلمًا، هو
عذاب النار، ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿وَلِيًّا﴾ يدفعه عنهم، ﴿ولا
نَصِیرًا﴾ ١٧٣ يمنعهم منه .
سُورَة النساء
الهجرة الصافي
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْ يَمَ رَسُولُ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَ وَرُوِعُ مِنْهُ فَامِنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَتَهُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا ◌َللَّهُإِلَهُ
وَحِدٌ سُبْحَتَهُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَُّ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ
وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿الَّنْ يَسْتَنْكِفَ
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
﴿وَ مَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ
إِلَيْهِ جَمِيعًا (٣٩) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فَيُّوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ
اُسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا
يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًالَيَأَيُّهَا النَّاسُ
قَدْ جَآءَ كُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا
M
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ
فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَ يَهْدِ يهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا لـ
٤- ﴿يا أيُّها النّاسُ، قَد جاءَكُم بُرهانٌ﴾: حُجَّة ﴿مِن رَبِّكُم﴾ عليكم - وهو النبيّ - ﴿وَأَنزَلْنا إلَيكُم نُورًا مُبِينًا﴾ ١٧٤: بيّنًا. وهو القُرآن. ﴿فَأمّا
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعتَصَمُوا بِهِ فسَيُدخِلُهُم في رَحْمةٍ مِنْهُ وفَضلٍ، ويَهدِيهِم إلَيهِ صِراطًا﴾: طريقًا ﴿مُستَقِيمًا﴾ ١٧٥، هو دِين الإِسلام.
(١) نزلت هذه الآية لخطاب طوائف النصارى: اليعقوبية والملكانية والنُّسطورية والمَرقَسية، فيما ادعته من أمر المسيح - عليه السلام - وفيها الزجرُ عن
الباطل، والتوجيهُ إلى الحق. انظر ((المفصل)). وأهل الكتاب: النصارى. والدين: العقيدة والشريعة. وتقولوا أي: تذكروا وتعتقدوا. والحق: الصدق الثابت.
وكلمته أي: خَلْقٌ تكوَّن بكلمة من الله. وهو: كُن من غير أب ولا نطفة. وذلك بالإرادة لا بالقول المعروف. وألقاها أي: بنفخ جبريل في جيب درع مريم.
وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أوصلها الله)). والروح: ماتكون به حياة الجسد، سرّ من أسرار الغيب الإلهي. ومنه: من خلقه. يعني أن المسيح إنسان من خلق
الله لأنه وجد بأمره. ومركَّب أي: مكون من روح وجسد. والمراد بنسبة المركب: نسبة الولد. وفي الأصل: ((وعن نسبة التركيب إليه)). وآمنوا به: صدّقوا قوله
اعتقادًا قاطعًا. والرسل: جمع رسول. وتقولوا: تذكروا باللسان أو القلب. وانتهوا: امتنعوا. ومنه أي: من ادعاء التثليث. والولد: ما يولد من ذكر أو أنثى.
وما في السماوات: انظر الآية ٥ من سورة آل عمران. وخلقًا وملكًا: يعني أن عيسى أيضًا من خلق الله وملكه، وليس ولدًا له ولا إلهًا. وفي بعض
المطبوعات: ((تنافي النبوة)). وكفى: انظر الآية ٦ .
(٢) روي أن وفد نصارى نجران قالوا: يا محمد، تعيب صاحبنا، فتقول: إنه عبد الله. فقال: ((إنَّهُ لَيسَ بِعارٍ لِعِيسَى أن يكُونَ عَبدًا لِلِهِ)). قالوا: بلى. فنزلت
الآية تحقيقًا لقول النبي رسله. تفسيرا البغوي ٥٠٣:١ والخازن ٦٢٨:١ والواحدي ص ١٨٠. والعبد: المخلوق المملوك قهرًا وتعبدًا. والملائكة: جمع ملَك.
والمقرب: من كانت منزلته دانية رفيعة. والاستطراد هو الانتقال من معنى إلى آخر متصل به. والمراد به هنا ذكر الملائكة، وفائدته أنه إذا كان الملائكة - وهم
لا أب لهم ولا أم وقوتهم فوق قوة البشر - لا يستنكفون فكيف بالأضعف الذي هو من البشر؟ وأنها آلهة: يعني أن الملائكة آلهة. فقد كان بعض العرب يعبد
الملائكة. انظر الآيتين ١٥ و١٦ من سورة الزخرف. وذلك أي: ما ذكر قبل من وصف النصارى لعيسى. والعبادة: الطاعة والتقديس. ويستكبر: يترفع بما
لا يستحقه .
(٣) آمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب. والصالح: ما يرضاه الشرع. ويوفيهم أجورهم: يعطيهم إياها كاملة. والأجور: جمع أجر. وهو المكافأة.
ويزيدهم: يضيف إليهم ويضاعف الثواب. والفضل: الإحسان والتفضل في العطاء. وما بين قوسين مزدوجتين هو من الأحاديث الشريفة ٣٠٧٢ و٤٥٠١
و٤٥٠٢ و٧٠٥٩ في البخاري و٢٨٢٤ في مسلم. ويعذبهم: يعاقبهم وينكل بهم. ويجد: يلقى ويرى. ومنه أي: من الله. وهو الذي قضى عليهم بالعذاب فلا
راد له.
(٤) جاءكم: أتاكم بنفسه أو وصل إليكم خبره. ومن ربكم أي: من عنده بأمره وقضائه. وأنزلنا: أوحينا على لسان جبريل. وإليكم أي: بوساطة إنزاله إلى
الرسول. والنور: ما يضيء ويتضح بنفسه، ولا يحتاج إلى معونة غيره، بل يعين ما دونه ويكشفه. وآمنوا به: عرفت قلوبهم توحيده يقينًا. واعتصموا: تمسكوا
والتجؤوا. ويدخلهم: ييسر لهم الدخول. والرحمة: العطف بزيادة ترقية ورفع درجات. ومنه أي: من عنده. والفضل: التفضل والإحسان ومضاعفة الأجر.
ويهديهم: يرشدهم ويصرف اختيارهم وقدراتهم بما يناسب استعدادهم الطيب. وإليه أي: إلى طاعته ورضاه. والمستقيم: المعتدل لا عوج فيه ولا اضطراب.

٥ - سورة المائدة
١٠٦
الجزء السادس
سُورَة المَكَائِدَة
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَلَةِ إِنِ أَمْرُ ؤُأَ هَكَ
لَيْسَ لَهُ, وَلٌَّ وَلَّهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَآ
إِن لَّ يَكُن ◌ََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْسَتَيْنِ فَهُمَالثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَةٌ
وَإِن كَانُوْاْ إِخْوَةٌ رِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنَيْنِ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ◌ّ
سُورَةُ المَائِدَةِ
◌ِلَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
اُلْأَنْعَمِ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّاللَّهُ
يَحْكُمُ مَايُرِيدُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَِّرَ اللَّهِ
وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْىَ وَلَا الْقَلَتِدَ وَلَاءَآَمِّيْنَ الْبَيْتَ
اْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنَاوَ إِذَا حَلْمُ فَصْطَادُواْ
وَلَيَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَثَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
اْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَاتَعَاوَنُواْ
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
١ - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في الكلالة. ﴿قُلِ: اللهُ يُفتِيكُم في الكَلالةِ. إنِ امرُؤٌ﴾: مرفوع بفعل
يُفسّرِهِ ﴿هَلَكَ﴾: مات، ﴿لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ولا والد - وهو الكلالة - ﴿ولَهُ أُختٌ﴾
من أبوين أو أبٍ، ﴿فَلَها نصفُ ما تَرَكَ، وهْوَ﴾ أي: الأخُ كذلك ﴿يَرِثُها﴾ جميعَ ما
تركتْ، ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ - فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له، أو أُنثى فله ما
فضل من نصيبها، ولو كانت الأُخت أو الأخ من أُمّ ففرضُه السُّدس، كما تقدّم أوّلَ
السُّورة - ﴿فإنْ كانَتَا﴾ أي: الأُختانِ ﴿اثنتَينِ﴾ أي: فصاعدًا، لأنّها نزلتْ في جابر،
وقد مات عن أَخوات، ﴿فَلَهُمِا الِّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ﴾ الأخُ، ﴿وإنْ كانُوا﴾ أي:
الورثةُ ﴿إخوةَ رِجالاً ونساءً فلِلذَّكَرِ﴾ منهم ﴿مِثلُ حَظِّ الأُنثَينِ. يُبيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾
الْخِزْبُ
شرائع دِينكم، ل﴿أَنْ﴾ لا ﴿َضِلُّوا. واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٧٦، ومنه
الميراث. روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية نزلت أي: من الفرائض.
سورة المائدة
مدنية، وهي مِائَة وعشرون آية، أو واثنتان أو وثلاث.
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَدِ
٢- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، أَوفُوا بِالعُقُودِ﴾: العُهودِ المُؤَّدة التي بينكم وبين الله
والناس. ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمةُ الأنعامِ﴾: الإِبلِ والبقر والغنم أكلًا بعد الذبح، ﴿إلّا ما
يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ تحريمُه في: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتُ)) الآيَةَ - فالاستثناء منقطع. ويجوز أن يكون مُتّصلًا، والتحريمُ لِما عَرَضَ من الموت ونحوه -
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيدِ وأنتُم حُرُمٌ﴾ أي: مُحرِمون. ونُصِب ((غيرَ)) على الحال من ضمير ((لكم)). ﴿إِنَّ اللهَ يَحكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ١ من التحليل وغيره، لا
اعتراض علیه.
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُحِلُّوا شَعائرَ اللهِ﴾: جمع شَعيرة، أي: معالمَ دِينه بالصيد في الإِحرام، ﴿ولا الشَّهِرَ الحَرامَ﴾ بالقتال فيه، ﴿ ولا
الهَدْيَ﴾: ما أُهديَ إلى الحَرَم من النَّعم بالتعرّض له، ﴿ولا القَلائدَ﴾: جمعَ قِلادة - وهي ما كان يتقّد به مَن يَنحر الهدْيَ ليأمَنَ - أي: فلا
تتعرّضوا لها ولا لأصحابها، ﴿ولا﴾ تُحِلّوا ﴿آمِّينَ﴾: قاصدين ﴿البَيتَ الحَرامَ﴾ بأن تقاتلوهم، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾: رِزقًا ﴿مِن رَبِّهِم﴾ بالتِّجارة،
﴿ورِضْوانًا﴾ منه بقصده بزعمهم - وهذا منسوخ بآية ((براءة)) - ﴿وإذا حَلَلتُم﴾ من الإِحرام ﴿فاصطادُوا﴾: أمرُ إباحةٍ، ﴿ولا يَجرِمَنَّكُم﴾: يُكسِبتكم
﴿شَنَآَنُ﴾، بفتح النون وسكونِها: بُغضُ ﴿قَوم﴾، لأجلِ ﴿أَنْ صَدُّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرام، أنْ تَعتَدُوا﴾ عليهم بالقتل وغيره، ﴿وتَعاوَنُوا عَلَى
البِرِّ﴾ فعلِ ما أمرتم به، ﴿والتَّقْوَى﴾ بترك ما نُهيتم عنه، ﴿ولا تَعاوَنُوا﴾ - فيه حذف إحدى التاءين في الأصل - ﴿عَلَى الإِثم﴾: المعاصي
﴿والعُذْوانِ﴾: التعدي في حدود الله، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾: خافوا عقابه بأن تُطيعوه. ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٢ لمن خالفه .
(١) روي أن جابر بن عبد الله مرض، وكان له أخوات ولا ولد له أو أب، وسأل النبي وَ له عما يصنع بتركته، فنزلت الآية. الحديث ١٦١٦ في مسلم.
ويستفتي: يطلب إظهار ما أشكل وبيان الحكم. ويفسره أي: أن (امرؤ)) فاعل لفعل «هلك)) محذوف. والولد: الابن ذكرًا كان أو أنثى. والنصف الآخر من
التركة هو لقرابة الميت لأبيه، يأخذون ما أبقى ذوو الفروض من الورثة. ويرثها أي: يرث تركتها. وفرضُه أي: فرض كل منهما. وأول السورة يعني الآية ١٢ .
والثلث: ما يكون من الشيء إذا قسم على ثلاثة. وترك أي: تركه. وإخوة أي: وأخوات. فغلب الذكور على الإناث. والحظ: النصيب. وتضلوا: يخفى
عليكم الحق ولا تهتدوا إليه. والشيء: ما هو موجود أو ممكن وجوده. والعليم: المبالغ في الإحاطة الكاملة. وما رواه الشيخان هو الحديثان ٤٣٢٩ في
البخاري و١٦١٨ في مسلم. وانظر ((المفصل)).
(٢) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وأوفوا بها أي: أدوها كاملة بلا نقص أو خلاف. والعقود: جمع عَقد. وأحلت: جعلت مباحة حلالًا. والبهيمة:
كل ذات أربع قوائم. ويشمل ما كان مجترًا وليس له أنياب. والأنعام: جمع نعم. ويتلى: يقرأ من الوحي والسُّنّة. والآية هي ذات الرقم ٣. والمحل: من
يستحل الأمر. والصيد: اصطياد الحيوان. والحرم: جمع حرام. وهو من كان في حج أو عُمرة. ويحكم: يفرض ويقضي.
(٣) الشهر أي: الأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. والقلائد أي: أصحاب القلائد. ويتقلد به أي: يضعه في عنقه كالقلادة. وفي
ط والمنحة: ((ما كان يقلد به من شجر الحرم)). وآمّين أي: قومًا مشركين آمّين. ويبتغي: يطلب. والرضوان: القبول. وهذا أي: مانص على تحريمه عدا
الشعائر. وبراءة: يعني سورة التوبة، والآية ٢٨ منها. وروي أن أحد المشركين ادعى الإسلام وسرق إبلّا للمسلمين، ثم جاء إلى الكعبة بها ليهديها، فنزلت
الآية بتحريم قتاله. الواحدي ص ١٨١. وبسكونها يريد القراءة ((شَنْآنُ)). وصد: منع. والبر: الإحسان. والتقوى: تجنب المحظور. والحذف يعني أن الأصل
في المضارع («تَتَعاوَنُوا)»، فحذفت التاء الثانية للتخفيف. والشديد: القوي العظيم.

الجزء السادس
١٠٧
٥ - سورة المائدة
١ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيَكُمُ المَيْتَةُ﴾ أي: أكلُها ﴿والدَّمُ﴾ أي: المسفوح كما في ((الأنعام))،
﴿وَلَحمُ الخِنزِيرِ، وما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ﴾ بأن ذُبح على اسم غيرِهِ، ﴿والمُنْخَتِقةُ﴾: المَيْنة
خنقًا، ﴿والمَوقُودَةُ﴾: المقتولة ضربًا، ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾: الساقطة من علوّ إلى أسفلَ
فماتت، ﴿والنَّطِيحةُ﴾: المقتولة بنطح أُخرى لها، ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ منه فماتَ، ﴿إِلّا
ما ذَكَّيتُم﴾: أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه، ﴿وما ذُبحَ عَلَى﴾ اسم
﴿النُّصُبِ﴾: جمع نِصاب - وهي الأصنام - ﴿وأنْ تَستَقْسِمُوا﴾: تطلبوا القَسْم
والحُكم ﴿بِالأزلامِ﴾: جمع زَّلَم، بفتح الزاي وضمّها مع فتح اللام: قِدْحُ بكسر القاف
صغير لا ريش له ولا نصل. وكانت سبعةً عند سادِنِ الكعبة عليها أعلام، وكانوا
يحكِّمونها. فإن أمرتهمُ ائتمروا، وإن نهتهمُ انتهَوا. ﴿ذُلِكُمْ فِسقٌ﴾: خُروج عن
الطاعة. ونزل بعَرَفةٍ عامٍ حَجّةِ الوداع: ﴿اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم﴾ أن ترتدّوا
عنه، بعد طمعهم في ذلك، لِما رأوا من قوّته. ﴿فلا تَخْشَوهُم واخشَونِ. اليَومَ أكمَلتُ
لَكُمْ دِينَكُم﴾: أحكامه وفرائضه - فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام - ﴿وأتمَمْتُ علَيكُم
نِعْمَتِي﴾ بإكماله، وقيل: بدُخول مكّة آمِنِينَ. ﴿وَرَضِيتُ﴾: اختَرتُ ﴿لَكُمُ الإِسلامَ
دِينًا. فمَنِ اضطُرَّ في مَخمَصةٍ﴾: مجاعة إلى أكل شيء مِمّا حُرّم عليه فأكل، ﴿غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ﴾: مائل ﴿لِثم﴾: معصية، ﴿فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾ له ما أكلَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٣ به في
إباحته له، بخلاف المائل لإِثم، أي: المُلتبس به كقاطع الطريق والباغي مثلًا، فلا
يَحِلّ له الأكلُ.
سُورَةِ المُفائدة
المحة الفضائية
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ إِلََّ مَا ذَكَيْنُمُ وَمَاذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ
يَآلْأَزْلَئِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ دِينِكُمْ
فَلَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَّ فَمَنِ اضْطُرَ فِى
مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم
مِنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ ◌ِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْمِمَّ أَمْسَكْنَ
عَلَيْكُمْ وَاذَّكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّاللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
◌َ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُّ وَ طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ
لَكُوَطَعَامُكُمْ حِلٌ لَّ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْإِذَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ
بالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ, وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ (Q
٢- ﴿يَسألُونَكَ﴾ يا مُحمّد: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمَ﴾ من الطعام؟ ﴿قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ
الطَّيِّبَاتُ﴾: المُستلَذّاتُ، ﴿و﴾ صَيدُ ﴿ما عَلَّمْتُم مِنَ الجَوارِحِ﴾: الكواسِبِ من الكِلاب والسِّباعِ والطير، ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: حال - من: كَلَّْتُ الكلبَ
بالتشديد: أرسلتُه على الصيدِ - ﴿تُعَلَّمُونَهُنَّ﴾: حال من ضمير ((مكلِّينَ)) أي: تُؤدّبونهنَّ ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ مِن آداب الصيد. ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمسَكْنَ
عَلَيْكُم﴾، وإن قتلنه بأن لم يأكلن منه، بخلاف غير المُعلَّمة فلا يَحِلّ صيدُها - وعلامتها أن تَسترسلَ إذا أُرسلتْ، وتَنزجرَ إذا زُجرتْ، وتُمسكَ
الصيدَ ولا تأكلَ منه. وأقلُّ ما يُعرف به ذلك ثلاثُ مرّات. فإن أكلْنَ منه فليس ممّا أمسكْن على صاحبهنّ فلا يَحِلُّ أكله، كما في حديث
الصحيحين. وفيه أنّ صيد السهم، إذا أرسل وذُكر اسم الله عليه، كصيد المُعلَّم من الجوارح - ﴿واذكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيهِ﴾ عِند إرساله، ﴿واتَّقُوا
اللهَ. إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ٤.
٣ - ﴿اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيَّاتُ﴾ المُستَلَذّات، ﴿وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أي: ذبائحُ اليهود والنصارى ﴿حِلٌّ﴾: حلال ﴿لَكُم، وطَعامُكُمْ﴾
إيّاهم ﴿حِلَّ لَهُم، والمُحصَناتُ مِنَ المُؤمِناتِ، والمُحصَناتُ﴾: الحرائرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبِلِكُمْ﴾ حِلّ لكم أن تنكحوهنّ، ﴿إِذا
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورهنّ، ﴿مُحصِنِينَ﴾: مُتزوّجين، ﴿غَيرَ مُسافِحِينَ﴾: مُعلِنِينَ بالزّنى بهنّ، ﴿ولا مُتَّخِذِي أخدانٍ﴾ منهنّ تُسِرّون بالزِّنى
بهنّ. ﴿ومَن يَكفِّرْ بِالإِيمانِ﴾ أي: يرتدَّ ﴿فقَد حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الصالح قبل ذلك، فلا يُعتدّ به ولا يُثاب عليه، ﴿وهْوَ في الآخِرةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ٥ إذا
مات علیه .
(١) حرم: منع. والميتة: مافارقته الروح قبل الذبح. والأنعام: يعني الآية ١٤٥ من تلك السورة. وأهل: رفع الصوت حين الذبح. وسقط ((فمات)) من الأصل
والمنحة والمطبوعات. وعلى اسم النصب أي: ما قصد بذبحه الصنم للتعظيم. والقدح: السهم. والسادن: الخادم. والأعلام: جمع عَلَم، العلامات بما
يجب على من خرج له القدح. ويئس: انقطع أمله. وكفر: كذب الله ورسوله. ودينكم أي: إبطال أمره وسيادة الكفر. ولا تخشوهم أي: لا تخافوا أن
يتغلبوا. واخشون أي: اخشوني وحدي. وأكملته: ختمت كماله. والنعمة: الإنعام. والدين: العقيدة والشريعة. واضطر: أُجهد بالضرر فأرغم. والغفور:
الكثير المحو للذنوب. والرحيم: العظيم العطف بالمغفرة. والباغي: المجرم. (٢) سأل بعض الصحابة عما أحل لهم مما تصطاده الكلاب، فنزلت الآية.
الواحدي ص ١٨٤. وأحل: جعل حلالاً. والمستلذ: ما تستطيبه الطباع السليمة. والجوارح: جمع جارح. وهو الذي يجرح ما يصيده. والكواسب: جمع
كاسب. وحال أي: من فاعل: علّم. والمعروف أن كلبته: علمته الضراوة وعودته على الصيد، وليس هذا خاصًا بالكلاب. ومن ضميره أي: من الضمير
المستتر فيه. وأمسكن أي: اصطدنه وحفظنه. والأمر بالأكل للإباحة. والعلامة: الصفة المميزة. وفي المنحة وبعض المطبوعات: ((فإن أكلت)). والحديث هو
تحت الرقمين ٣١٦٦ في البخاري و١٩٢٩ في مسلم. وأرسل: أطلق ورمي به. واتقوه: تجنبوا عصيانه والزموا طاعته. وسريع الحساب أي: سريعٌ حسابُه.
(٣) الطعام: مايكون من غذاء وشراب، عدا ماحرم كلحم الخنزير وما يسكر. وأوتوه: أعطوه. والكتاب: التوراة والإنجيل. والحل: الحلال. والحرائر:
جمع حرّة. وهي غير المملوكة. وتنكحوهن أي: قاصدين التزوج بهن. وآتيتم: أعطيتم أو حدّدتم. والأجور: جمع أجر. والمهور: جمع مَهر. والمسافح:
من يتخذ خليلة للزنى جهارًا. والمتخذ: الجاعل. والمراد: ولا متخذين بعضًا منهن أخدانًا. والأخدان: جمع خِدن. وهو الخليلة للزنى سرًا. ويكفر به: يرجع
عنه. والإيمان: الاعتقاد اليقيني. وحبط: فسد. والعمل: ما يكتسب. والخاسر: الذي أضاع ثواب الآخرة. وعليه أي: على الارتداد.

٥ - سورة المائدة
١٠٨
الجزء السادس
سُورَةِ الإِقَائِدَة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ
وَإِن كُنتُم مَّرْضَىّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ
أَوْ لَمَسْتُمُ اُلِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَايُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ـ
وَأَذْكُرُ واْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ
بِهِإِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً وَأَتَّقُواْلَهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتٍ
الصُّدُورِ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ
شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنََّانُ قَوْمٍ عَلَىّ
أَلَّتَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْاللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌعَظِيمٌ
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا قُمتُم﴾ أي: أردتم القِيام ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾، وأنتم
مُحدِثون، ﴿فاغسِلُوا وُجُوهَكُم وأيدِيَكُم إلَى المَرافِقِ﴾ أي: معها كما بَيّنْه السُّنّة،
﴿وامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾ - الباء: للإلصاق أي: ألصِقوا المسح بها من غير إسالة ماء.
وهو اسم جنس، فيكفي أقلّ ما يصدق عليه. وهو مسح بعضٍ شَعرةٍ. وعليه الشافعيّ
- ﴿وَأرجُلَكُم﴾، بالنصبِ عطفًا على ((أيديَكم))، والجرِّ على الجِوار، ﴿إِلَى الكَعَبَيْنِ﴾
أي: معهما كما بيّنْه السُّنّة - وهما العظمان الناتئان في كلّ رِجل عند مَفصِل الساق
والقدم. والفصلُ بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأسِ الممسوح يفيدُ وجوب
الترتيب في طهارة هذه الأعضاء، وعليه الشافعيّ. ويُؤخذ من السُّنّة وجوب النيّة فيه،
كغيره من العبادات - ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾: فاغتسلوا.
٢- ﴿وإنْ كُنتُم مَرضَى﴾ مَرَضًا يضرّه الماء، ﴿أو علَى سَفَرٍ﴾ أي: مُسافرِينَ، ﴿أو جاءَ
أحَدٌ مِنكُم مِنَ الغائطِ﴾ أي: أحدَثَ، ﴿أو لا مَستُمُ النِّساءَ﴾ - سبق مِثله في آية ((النساء))
- ﴿فَلَم تَجِدُوا ماءً﴾ بعد طَلبِهِ، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: اقصِدوا (صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: تُرابًا طاهرًا،
﴿فامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيدِيكُم﴾ مع المِرِفَقَينِ ﴿مِنْهُ﴾ بضربتين. والباء: للإلصاق.
وبَيّنَتِ السُّنَّةُ أنّ المُرادَ استيعابُ العُضوَينِ بالمسح. ﴿ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجعَلَ عَلَيْكُم﴾ في
الدِّين ﴿مِن حَرَجٍ﴾: ضيق، بما فرض عليكم من الوضوء والغُسل والتيمّم، ﴿ولكِنْ
يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الأحداث والذُّنوب، ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم﴾ بالإِسلام ببيان شرائع
الدِّين، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٦ نِعَمَه.
٣- ﴿واذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمِ﴾ بالإسلام، ﴿ومِيثاقَهُ﴾ عهده ﴿الَّذِي واثَقَكُم بِهِ﴾:
عاهدكم عليه، ((إذا قُلتُم﴾ للنبيّ حين بايعتموه: ﴿سَمِعْنا وأَطَعْنا﴾، في كلّ ما تأمر به وتنهى عنه، مِمّا تُحبّ وتكره، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في مِيثاقه أن
تنقضوه. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٧: بما في القُلوب، فبغيره أَولى.
٤ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا قَوّامِينَ﴾: قائمين ﴿لِلّهِ﴾ بحُقوقه، ﴿شُهَداءَ بِالقِسطِ﴾: بالعدل، ﴿ولا يَجرِمَنَّكُم﴾: يَحمِلنّكم ﴿شَنَآَنُ﴾: بُغضُ
﴿قَومِ﴾ أي: الكُفّارِ ﴿عَلَى ألّا تَعدِلُوا﴾ فتنالوا منهم لعداوتهم. ﴿اعدِلُوا﴾ في العدوّ والوليّ - ﴿هُوَ﴾ أي: العدل ﴿أقرَبُ لِلنَّقوَى - وَاتَّقُوا اللهَ.
(١) المحدث: من كان في حدث أصغر، أي: عدم الوضوء. واغسلوا وجوهكم أي: بإسالة الماء والدلك. والوجوه: جمع وجه. وهو من مبدأ سطح الجبهة
إلى أسفل اللَّحيين، وما بين شحمتَي الأذنين. أما المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فمن السُّنَّة. والأيدي: جمع يد. والمرافق: جمع مَرفِق. وهو موضع
اتصال الذراع بالعضد. ومعها أي: مع المرافق. والسُّنّة أي: ما ثَبَتَ عن الرسولِ رَ له في وضوئه. انظر ((المفصل)). وامسحوا أي: بتمرير اليد مع الماء.
والرؤوس: جمع رأس. وهو هنا مايكون فيه الشعر من دون الوجه. والأرجل: جمع رِجل. وبالجر يريد القراءة ((وأرجُلِكُم)). وعلى الجوار يعني: لأجل
جوارها الاسمَ المجرور ((رؤوس)). ومعهما أي: مع الكعبين. وعليه الشافعي يعني: على وجوب الترتيب في الوضوء. والمراد بالسُّنّة هنا الحديث الأول في
البخاري. والنية: القصد وعزم القلب على أمر من الأمور، وقد تكون باللسان مع ذلك أيضًا. والجُنب: البعيد عن الطهارة بالحدث الأكبر، ويكون بالتقاء
خِتانَي الذكر والأنثى، أو بنزول المنيّ، أو بالحيض أو النفاس. واغتسلوا: اغسلوا أبدانكم على أتم وجه.
(٢) المرضى: جمع مريض. انظر ((المفصل)). والسفر: التنقل بين البلاد للرحلة أو العمل. والغائط: مكان قضاء الحاجة. وأحدث أي: أفسد وضوءه بخروج
شيء من مخرج البول أو مخرج البراز. وهو الحدث الأصغر. ولامس أي: ضاجع، أو لمس بيده أو بغيرها. وسبق مثله: يعني الآية ٤٣ من تلك السورة.
وتجدُ: ترى. وبضربتين أي: بنقلتين. ويريد: يقصد. ويجعل: يوجد. ويطهر: ينظف. والأحداث: جمع حدث. وهو الجنابة. والنعمة: الإنعام. والنعم:
جمع نعمة .
(٣) اذكروها أي: استحضروها في القلب واللسان والعمل. واتقوه أي: تجنبوا عصيانه والزموا الطاعة. وعليم: محيط بالغَ الإحاطة. والصدور: جمع صدر.
والمراد به القلب. وذات الصدور أي: الأمور المصاحبة للقلوب لا يطلع عليها بشر.
(٤) كونوا أي: استمروا. ولله أي: لوجهه تعالى إيمانًا واحتسابًا. والشهداء: جمع شهيد، يؤدي ما يعلم لإحقاق الحق وإبطال الباطل. والقوم: الجماعة من
الناس. واعدلوا أي: الزموا الحق والإنصاف. والولي: من توالونه وتخلصون له. وهو جماعة المؤمنين. وللتقوى: للدلالة على تجنب العصيان والحصول
على الطاعة. والخبير: المبالغ في علم بواطن الأمور وظواهرها. وتعملون أي: تكتسبونه. ووعدهم أي: تعهد لهم بما هو محبوب. وآمن: صدّق الله
ورسوله. والصالح: مايرضاه الشرع. والمغفرة: ستر الذنوب والعفو عنها. والأجر: الثواب. والعظيم: الضخم جدًا لا يستوعبه التعبير. وكفروا: كذّبوا الله
ورسوله. وكذبوا بها أي: أنكروها. والآيات: النصوص القرآنية والأدلة على التوحيد والبعث. والأصحاب: جمع صاحب. والجحيم: النار الشديدة التأجج
في جهنم.

الجزء السادس
١٠٩
٥ - سورة المائدة
إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ ٨، فيُجازيكم به. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
وعدًا حسنًا ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ وأجرٌ عَظِيمٌ﴾ ٩، هو الجنّة، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنا
أُولَئِكَ أصحابُ الجَحِيمِ﴾ ١٠.
١ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، اذكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم، إذْ هَمَّ قَومٌ﴾ - هُم قُريش -
﴿أَنْ يَبْسُطُوا﴾: يَمدّوا ﴿إِلَيْكُم أيدِيَهُم﴾ ليفتِكوا بكم، ﴿فَكَفَّ أبدِيَهُم عَنكُمْ﴾
وعصمكم مِمّا أرادوا بكم، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ، وعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ﴾ ١١ .
ثلاثة أزواج
الخِزب
٢- ﴿وَلَقَد أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسرائيلَ﴾ بما يُذكَر بعدُ، ﴿وَبَعَثْنا) - فيه التفات عن
الغَيبة - أقمنا ﴿مِنْهُمُ اثنَي عَشَرَ نَقِيبًا﴾، من كلّ سِبط نقيبٌ، يكون كفيلاً على قومه
بالوفاء بالعهد تَوثقةً عليهم، ﴿وقالَ﴾ لهم ﴿اللهُ: إِنِّي مَعَكُم﴾ بالعون والنصر. ﴿لَئِنْ﴾:
لامُ قسم ﴿أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وآمَنتُم بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُم﴾: نصرتموهم،
﴿وَأَقَرَضْتُمُ اللَ قَرِضًا حَسَنًا﴾ بالإنفاق في سبيله، ﴿لَأَكَفَّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم، ولَأُدخِلَنَّكُمْ
جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحِها الأنهارُ، فمَن كَفَرَ بَعدَ ذُلِكَ﴾ المِيثاقِ ﴿مِنكُم فقَد ضَلَّ
سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ١٢: أخطأ طريق الحقّ. والسواء في الأصل: الوسط. فنقضوا
المیثاق .
سُورَة الجناتدة
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ تَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
الْجَحِيمِ ﴿ يَتَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُ واْ نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْإِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
فَكَفَّ أَيْدِ يَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي
إِسْرَءِ يلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ
إِنِّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ
وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْ خِلَنَّكُمْ
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ فِمَا
نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُواْحَظّامِّمًا
ذُكِرُ واْبِةٍ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
١٣
٣- قال تعالى: ﴿فِما نَقْضِهِم﴾ - ما: زائدة - ﴿مِيثاقَهُم لَعَنّاهُم﴾: أبعدناهم عن
رحمتنا، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُم قاسِيةً﴾ لا تلين لقَبُول الإِيمان، ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ الذي في التوراة من نعتِ مُحمّد وغيرِه ﴿عَن مَواضِعِهِ﴾ التي وضعه
الله عليها، أي: يُبدّلونه، ﴿وَنَسُوا﴾: تركوا ﴿حَظًّا﴾: نصيبًا ﴿مِمّا ذُكِّرُوا﴾: أُمروا ﴿بِهِ﴾ في التوراة، من اتّباع مُحمّد، ﴿ولا تَزالُ﴾ - خِطاب
للنبيّ - ﴿تَطَّلِعُ﴾: تَظهَرُ ﴿عَلَى خائنةٍ﴾ أي: خِيانة ﴿مِنْهُم﴾، بنقض العهد وغيره، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُم﴾ مِمّن أسلم. ﴿فاعفُ عَنْهُم واصفَحْ. إنَّ اللهَ
يُحِبُّ المُحسِنِينَ﴾ ١٣. هذا منسوخ بآية السيف.
(١) اذكروا أي: استحضروا في نفوسكم. وفي الآية ٧ ذكّرهم بتيسير الخير لهم، وهنا يذكّرهم بدفع البلاء عنهم. فقد روي أن المشركين رأوا المسلمين
يصلّون صلاة الظهر، في غزوة ذي الرِّقاع بعسفان، وأجّلوا مباغتتهم بالهجوم إلى الصلاة التالية، فأنزل الله حكم صلاة الخوف، فكان أن عجز المشركون عن
المباغتة. وفي هذه الآية تذكير بذلك. البحر ٤٤١:٣. وانظر الآية ١٠٢ من سورة النساء. وهمّ: نوى وعزم. والقوم: الجماعة من الناس. وكف: منع
وحبس. والأيدي: جمع يد. وعصمكم أي: حماكم وحفظكم. وهذه هي النعمة المقصودة، وذكرُ همِّ العدوّ بالفتك هنا إيذان بوقوعه وقت الحاجة إليه.
واتقوه أي: تجنبوا عصيانه وعقابه والزموا طاعته ورضاه. ويتوكل: يعتمد مفوضًا أمره. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٢) أخذ: تلقى وتقبل. والميثاق: العهد المؤكد بالقسم. والمراد به قوله بعد: ((إني معكم لئن ... )). وإسرائيل هو النبي يعقوب بن إسحاق، عليهما السلام.
وبنوه أي: ذريته من أبنائه الاثني عشر. والنقيب: وليّ أمر الجماعة والأمين على أسرارها وأحوالها. والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة عند العرب. وأقمتم
الصلاة: حافظتم على أدائها، في أوقاتها بشروطها وأركانها وآدابها. والصلاة: العبادة المكتوبة. وآتيتم الزكاة: أعطيتموها مستحقيها. والزكاة: ما فرض على
المال لتزكيته وتطهير صاحبه. وآمنتم بهم أي: صدّقتموهم باعتقاد يقيني. والرسل: جمع رسول. وهو من بعث بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل.
والمراد بالإقراض هنا البذل والصدقة غير الزكاة، من المال والجهد والوقت والجاه والعلم والصحة والنفس. والحسن: الجميل يكون عن طيب نفس بلا منّ
ولا أذى ولا تفاخر. وأكفّر: أستر وأغفر. والسيئة: الذنب يكون عليه عقاب. وأدخلكم: أجعلكم داخلين وأيسر لكم ذلك. والجنة: الحديقة العظيمة فيها
الشجر والقصور والنعيم. وتجري: تسيل بتدفق. وتحتها أي: تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. وهو المجرى الكبير للماء والعسل واللبن
والخمر. وكفر أي: أنكر شيئًا مما ذُكر في الشروط المتقدمة، أو لم يعمل بموجبها. والسواء: المعتدل القويم. وطريق الحق: الطريق المستقيم، أي: الدين
المشروع.
(٣) نقض الميثاق: الإخلال بالعهد ومخالفته، بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وتحريف التوراة وتضييع الفرائض. وجعلنا: صيّرنا. والقلوب: جمع قلب. وهو
موطن الاعتقاد والتدبر والانفعال. والقاسية: الغليظة المتحجرة. والكلم: واحدته كلمة. والمواضع: جمع موضع. وهو المكان الذي أريد للكلمة من الدلالة
والحكم. وغيره أي: وغير النعت، من أصول العقيدة والأحكام الشرعية والأخبار والمعلومات التي لا توافق أهواءهم. ولا تزال أي: ستبقى وتستمر.
والخائنة: المكر والغدر. والمراد بالقليل هنا أمثال عبد الله بن سلام وأصحابه، من اليهود الذين حسن إسلامهم وأخلصوا. واعف أي: سامح ولا تعاقب.
واصفح: تجاوز ولا تؤاخذ. ويحبه: يوده ويحسن إليه بالخير والفضل. والمحسن: الذي يحسن الخُلق مع الناس ويعفو ويصفح، إيمانًا واحتسابًا. ومنسوخ:
يعني أن الأمر بالعفو عن خيانتهم منسوخ بالآية ٢٩ من سورة التوبة، أو الآية ٥٨ من سورة الأنفال.

٥ - سورة المائدة
١١٠
الجزء السادس
سورة الجنَائِدَة
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ
فَنَسُواْ حَظًا مِمَّاذُ كِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَّبِّئُهُمُ اللَّهُ
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴿ يَتَأَهُلَ اُلْكِتَبِ
قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا
كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرٍ قَدْ جَآءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ
مُبِيٌٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ.
سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
أَبْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ
أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَهُ, وَمَن فِى
الْأَرْضِ جَمِيعَأُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١- ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارَى﴾. متعلّق بقوله ﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُم) كَما أخذنا على
بني إسرائيلَ اليهودِ، ﴿فَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في الإِنجيل من الإِيمان وغيره،
ونقضوا الميثاق، ﴿فَأَغَرَينا﴾: أوقَعْنا ﴿بَينَهُمُ العَداوةَ والبَغضاءَ إِلَى يَومِ القِيامَةِ﴾،
بتفرّقهم واختلاف أهوائهم، فكُلُّ فِرقة تُكفّرُ الأُخرى، ﴿وسَوفَ يُنَّهُمُ اللهُ﴾ في
الآخرة ﴿بِما كانُوا يَصنَعُونَ﴾ ١٤، فيُجازيهم عليه.
٢- ﴿يا أهلَ الكِتابِ﴾ اليهودَ والنصارى، ﴿قَد جاءَكُم رَسُولُنَا﴾ مُحمّد، ﴿يُبَيِّنُ لَكُم
كَثِيرًا مِمّا كُنتُم تُخفُونَ﴾: تكتمون، ﴿مِنَ الكِتابِ﴾: التوراةِ والإِنجيل، كآية الرجم
وصفته، ﴿ويَعِفُو عَن كَثِيرٍ﴾ من ذلك فلا يُبيِّنُه، إذا لم يكن فيه مصلحةٌ إلّا افتضاحُكم.
﴿قَدْ جاءَكُم مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ هو النبيّ، ﴿وكِتَابٌ﴾: قُرآن ﴿مُبِينٌ﴾ ١٥ : بَيْنٌ
ظاهر، ﴿يَهدِي بِهِ﴾ أي: بالكِتاب ﴿اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾، بأن آمن، ﴿سُبُلَ
السَّلامِ﴾: طُرُقَ السلامة، ﴿ويُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ﴾: الكُفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان
﴿بإذنِهِ﴾ بإرادته، ﴿ويَهدِيهِم إلَى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ١٦: دِين الإسلام.
٣- ﴿لَقَدْ كَفَرِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ بنُ مَريَمَ﴾ حيث جعلوہ إلّهَا. وهم
اليعقوبيّة، فِرِقة من النصارى. ﴿قُلْ: فَمَن يَملِكُ﴾ أن يدفع ﴿مِنَ﴾ عذاب ﴿اللهِ شَيئًا ،
إِنْ أرادَ أنْ يُهلِكَ المَسِيحَ بنَ مَرَيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرضِ جَمِيعًا﴾؟ أي: لا أحد يملك
ذلك. ولو كان المسيح إلّهَا لَقَدَرَ عليه. ﴿وَلِثِهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما .
يَخلُقُ ما يَشاءُ، واللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ ١٧ .
(١) قالوا أي: صرحوا بالقول لفظًا. ذلك لأنهم أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، كما في الآيتين ٥٢ من سورة آل عمران و١٤ من سورة الصف. وإنما نَسب
هذه التسمية إليهم، ولم يصفهم بها حقيقة، إشعارًا بأن قول أكثرهم ((نحن أنصار الله)) هو تقول محض بعيد من الصدق. ونصارى: جمع نصران ونصرانة. وهم
الذين يتحرّون الالتزام بالدين النصراني، وينتسبون إليه. ومتعلق: يعني أن ((من)) لابتداء الغاية المكانية تتعلق بـ ((أخذ)). وأخذنا: تلقينا بالقبول. والميثاق:
العهد الموثق بالقسم. ونسوا: أهملوا وتركوا. والحظ: القسم من الشيء. وذكر: نبّه وأمر. وغيره أي: الواجبات والمندوبات. وأغرينا: ألزمنا وألصقنا.
وبينهم أي: بين فرق النصارى المختلفة. والعداوة: المعاداة والخصام والنزاع. والبغضاء: شدة التباغض. وهذا كله فيهم، وإن استتر بظاهر من الوفاق أحيانًا
للتألب على المسلمين ومساعدة اليهود. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث من قبورهم للحساب والجزاء. وسوف: للتحقيق في المستقبل وإن تأخر
الحصول. وينبئ: يُخبِر ويُعلِم. وفي ذكر ((ينبئهم)) إيجاز، بالدلالة على الحساب والجزاء أيضًا. ويصنعون أي: يعملونه من العصيان والكفر باختيار وقصد
وتصميم، وقد صاروا فيه أهل خبرة وإتقان، ولاسيما في العصور الأخيرة، حين هادن أكثرهم اليهود وبرؤوهم من الصلب، وانقادوا إليهم في التوجه والعمل،
وتأثروا بأخلاقهم ومبادئهم الفاسدة.
(٢) روي أن اليهود أتوا النبي ◌َ ﴿، يسألونه عن حكم الزانيَينِ المُحصَنَينِ، فقال: ((أيُّكُم أعلَمُ))؟ فأشاروا إلى الحَبر ابن صُورِيا. فأقسم عليه بكل أيمان مغلظة
حتى أخذته الرِّعدة، وقال له: ((هَل تَجِدُونَ الرَّجمَ في كِتابِكُم))؟ فقال: إن نساءنا حِسان، وقد كثر فينا القتل. ولمّا كثر [أي: الزنى] فينا اختصرنا أُخصورة،
فجلدنا مِائَة وحلقنا الرؤوس. فحَكمَ النبي عليهما بالرجم، ونزلت الآيتان ١٥ و١٦ تعمّان الرجم وغيره، مما كان اليهود والنصارى يخفونه. البحر ٤٤٧:٣
والدر المنثور ٢٦٨:٢ - ٢٦٩. والكتاب أي: التوراة والإنجيل. وهو اسم جنس يطلق على الواحد والأكثر، ويدل هنا على اثنين. وأهله: أصحابه الذين أنزل
إليهم وكلفوا بما فيه، وهم بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. وجاءكم: وصل إليكم وبلغ مجالسكم عيانًا. والرسول: المبعوث لتبليغ العقيدة والشريعة مع
العمل. ويبين: يُظهر ويَكشف. وكثيرًا أي: عددًا وافرًا. وآية الرجم أي: نص التوراة الذي فيه حكم رجم الزاني المُحصَن. وصفته أي: صفة النبي ◌َّ كما
جاءت في التوراة والإنجيل. ويعفو: يتجاوز ويغضي. ومن الله أي: بسبب فضله وإرادته. والنور: ما يضيء السبيل ويميز الخير من الشر. وفيما عدا الأصل
والنسختين: ((هو النبي ◌َّ)). وبيّن أي: فيه بيان لكل ما اختلفتم فيه. ويهديه أي: يوجه اختياره وقدراته، ويُمِده بحسب استعداده الحسن ويوفقه. واتبعه: طلبه
وعمل بما يقتضيه. والرضوان: مبالغة في الرضا. خ: ((من آمن)). والسبل: جمع سبيل. وهو الطريق الواضح. والسلامة أي: من الضلال والهلاك في الدنيا.
والآخرة. ويخرجه: ينقذه. والظلمة: الظلام يُضل الناس عن الصواب. والصراط: الطريق الواضح. والمستقيم: المعتدل لا اعوجاج فيه ولا اضطراب .
(٣) كفر أي: جحد الحق وكذّب الصدق الذي لاشك فيه، وادعى الباطل الشنيع. وقالوا أي: بألسنتهم أو بقلوبهم وأعمالهم. والمسيح: الرسول عيسى،
عليه السلام. وفي الأصل: ((هو المسيح عيسى بن مريم)). ومريم: بنت عمران. وحيث أي: حين، زمانية تفيد السببية بمعنى: إذ. واليعقوبية: فرقة نُسبت إلى
يعقوب البراذعي الذي عاش في الشام قبيل الإسلام. وكان يقول بالطبيعة الواحدة في المسيح، أي: اتحاد اللاهوت والناسوت. يريد أن المسيح إله وإنسان.
فإذا قال: ((المسيح إله واحد)) فقد قال: إن الله هو المسيح. البحر ٤٤٩:٣. ويملكه: يستطيعه ويتصرف فيه بحزم واقتدار. وفي الأصل وع وقرة العينين وبعض
المطبوعات: ((أي يدفع)). والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده. وأراد: قصد وقضى. ويهلكه: يفنيه إفناء نهائيًا. وتخصيص ذكر الأمّ، مع اندراجها فيمن
عطف بعد، لزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها كحال غيرها. والأرض: مكان الحياة الدنيا. وجميعًا أي: مجتمعين دون تخلف أحد. وعليه أي: على
دفع العذاب والإهلاك. والملك: الحيازة والتصرف دون منازع أو معين. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. ويخلق: يوجد وينشئ من العدم.
ويشاء أي: يريد أن يخلقه. والقدير: ذو القدرة البالغة لا يعجزه شيء.

الجزء السادس
١١١
٥ - سورة المائدة
١- ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى﴾ أي: كلّ منهم: ﴿نَحنُ أبناءُ اللهِ﴾ أي: كأبنائه في
القُرب والمنزلة، وهو كأبينا في الرحمة والشفقة ﴿وأحِبّاؤُهُ. قُلْ﴾ لهم يا مُحمّد: ﴿فِلِمَ
يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾، إن صدقتم في ذلك؟ ولا يُعذِّب الأبُ ولدَه ولا الحبيبُ حبيبه،
وقد عذّبكم. فأنتم كاذبون. ﴿بَل أَنتُم بَشَرٌ مِن جملةِ ﴿مَّن خَلَقَ﴾ من البشر، لكم
مالَهم وعليكم ما عليهم، ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ المغفرةَ له، ﴿ويُعذُّبُ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبه،
لا اعتراض عليه. ﴿ولِثِهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ وما بَينَهُما، وإِلَيهِ المَصِيرُ﴾ ١٨ :
المرجع .
٢- ﴿يا أهلَ الكِتابِ، قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ مُحمّد، ﴿يُبَيِّنُ لَكُم﴾ شرائع الدين، ﴿عَلَى
فَتْرةٍ﴾: انقطاعٍ ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ - إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول، ومُدّة ذلك
خمسُمِائَةٍ وتسعَّ وستُّونَ سنةً - ﴿أَنْ﴾ لا ﴿تَقُولُوا﴾ إذا عُذّبتم: ﴿ما جاءَنا مِن﴾: زائدةٌ
﴿بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ. فَقَد جاءَكُم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾، فلا عذر لكم إذًا. ﴿واللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِیرٌ﴾ ١٩، ومنه تعذیبکم، إن لم تتّبعوه.
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ: يا قَومٍ، اذكُرُوا نِعْمةَ اللهِ عَلَيْكُم، إذْ جَعَلَ
فِيكُم﴾ أي: منكم ﴿أَنِياءَ، وجَعَلَكُم مُلُوكًا﴾ أصحابَ خَدَمِ وحَشَم، ﴿وَآتَاكُم ما لَم
يُؤتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ٢٠، من المنّ والسلوى وفَلقِ البحرِ وغيرِ ذلك. ﴿يا قَومِ،
ادْخُلُوا الأرضَ المُقَدَّسَةَ﴾: المُطهّرة، ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُم﴾: أمركم بدخولها - وهي
الشام - ﴿ولا تَرتَدُّوا عَلَى أدبارِكُم﴾: تنهزموا خوف العدوّ، ﴿فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٢١
في سعیکم.
سُورَةِ الإِكَاتِدَة
وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوْاْللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ قُلْ
فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَّأْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيُ ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَآءَ كُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَاجَآءَنَا
مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ (*) وَ إِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا
وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ يَقَوْمِ ادْ خُلُواْ
اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْنَدُواْعَلَى أَدْ بَرِّكُمْ
فَثَنْقَلِبُواْ خَسِرِ ينَ ﴾ قَالُواْيَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ
وَإِنَّا لَنْ تَّدْ خُلَهَا حَتَّى يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِنِ يَخْرُ جُواْ مِنْهَا
فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ
فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ
٤ - ﴿قالُوا: يا مُوسَى، إنَّ فِيها قَومًا جَبّارِينَ﴾ من بقايا عادٍ طوالًا ذَوِي قُوّة، ﴿وإنّا لَن نَدخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنها. فإنْ يَخرُجُوا مِنها فإنّا
داخِلُونَ﴾ ٢٢ لها. ﴿قالَ﴾ لهم ﴿رَجُلانِ، مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ مُخالفةَ أمرِ الله - وهما يُوشَعُ وكالَبُ، من النُّقباء الذين بعثهم مُوسى في كشف
أحوال الجبابرة - ﴿أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِما﴾ بالعِصمة، فكتما ما اطَّلعا عليه من حالهم إلّا عن موسى، بخلاف بقيّة النُّقباء فأفشَوه فجَبُنوا: ﴿ادخُلُوا
عَلَيهِم البابَ﴾: باب القرية ولا تخشَوهم، فإنهم أجساد بلا قلوبِ - ﴿فإذا دَخَلتُمُوهُ فإنَّكُم غالِيُونَ﴾. قالا ذلك تيقّنًا بنصر الله وإنجاز وعده -
(١) منهم أي: من الفريقين. انظر ((المفصل)). والأبناء: جمع ابن. والأحباء: جمع حبيب. وهو الذي يكرَم ويحسَن إليه. ويعذبكم: يعاقبكم في الدنيا وفي
الآخرة. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية يكون عليها عقاب. والحبيب: المحِبّ. وحبيبه أي: محبوبه. وبشر أي: أناس من بني آدم. وخلق أي: أنشأ
من العدم. وفي بعض المطبوعات والنسخ: ((بشر ممن: جملة مَن خلق)). وفي ط وقرة العينين والمنحة: ((بشر ممن: مِن جملة مَن خلق)). وبهذا القول وما
قبله من الاستدلال، امتنعت البنوّة المزعومة، وما ادعوه من أنهم أحباء الله. ويغفر: يستر الذنوب ولا يؤاخذ عليها. ولمن أي: للذي آمن به وبرسله. ويشاء
أي: يريد. وملك السماوات: انظر الآية ١٧ . وإليه أي: إلى لقاء حسابه وجزائه. والمرجع أي: الرجوع يوم القيامة.
(٢) الرسل: جمع رسول. وهو من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل، وغالبًا ما يكون معه كتاب منزل. والعدد المذكور هو المدة بين ولادتي
عيسى ومحمد - عليهما السلام - لابين مدتي إرسالهما. وتقولوا أي: معتذرين من كفركم والعصيان. وما جاءنا أي: ما أتانا. وزائدة: يعني أن ((مِن)): حرف
جر زائد للتنصيص على العموم في النفي. والبشير: الذي يبشّر بالخير من لزم التوحيد والشريعة. والنذير: من يهدد العصاة بعذاب الله. وجاءكم بشير نذير
أي: محمد آل﴾
(٣) موسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل، أنزلت عليه التوراة. وقومه: الجماعة التي هو منها ويعيش معها. وياقوم أي: ياقومي. والنعمة: الإنعام بالخير.
والأنبياء: جمع نبي. وهو من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والملوك: جمع ملِك. وهو ذو السلطان والتصرف في البلاد وأهلها. وآتى:
أعطى. والعالَمون: واحده عالَم. وهو الجنس من المخلوقات. والمن والسلوى: انظر تفسير الآية ٥٧ من سورة البقرة. وذكرهما هنا من الوجيز والتلخيص،
وفيه نظر لأن نزولَهما كان في التِّيه، وتذكيرَ موسى هنا وأمرهم بدخول الأرض المقدسة كانا قبل التيه. وفلق البحر: شقه بخسف الماء وبروز مرتفعات من
القاع، ليعبر موسى وقومه أمام لحاق فرعون وجنوده. والمطهرة أي: بإقامة الأنبياء وكثرة الدعوة إلى التوحيد. والشام: ما يعرف الآن بسورية ولبنان والأردن
وفلسطين. والمراد هنا مدينة أريحا. وهي بلدة شمال القدس. وترتدوا أي: ترجعوا. والأدبار: جمع دبر، أي: لا ترجعوا مدبرين. وتنقلبوا أي: تصيروا.
والخاسر: من ظلم نفسه، فخسر منافع الدنيا والآخرة.
(٤) قالوا أي: أجابوا. وفيها أي: في البلدة المذكورة. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء. والجبار: من يحمل الناس على ما يريده لقوته وبطشه.
وعاد: قوم النبي هود، رضي الله عنه. وهم من العرب العاربة. ويخاف: يخشى ويتجنب. ويوشع: ابن نون صار نبيًا بعد موسى. وكالب: سيد تقي من بني
إسرائيل. وأنعم عليه: أحسن إليه. والعصمة: الحفظ من الشر والضلال. وحالهم أي: شأن الجبابرة داخل المدينة. والنقباء: جمع نقيب. وأفشوه: أشاعوا
ما رأوا. وجبنوا أي: امتنعوا من الدخول. وادخلوا أي: اقتحموا بعنف. والقرية: المدينة. وتوكلوا عليه أي: ثقوا به وحده. والمؤمن: الذي عرف قلبه
التوحيد وما يلزمه .

٥ - سورة المائدة
١١٢
الجزء السادس
سُورَةِ الجَقَائِدَة
النية الصاد
قَالُواْيَمُوسَىّ إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدَّأُمَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ ﴿ قَالَ رَبِّ
إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ
اُلْفَسِقِينَ ® قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ
يَتِيهُونَ فِ اُلْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَّ
قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ * لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَ يَدَكَ
لِنَقْتُلِ مَا أَنْبِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌّ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ
رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنَّكَ فَتَكُونَ
مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا ◌ٌلَّلِمِينَ (٦ فَطَوَّعَتْ
لَّهُ نَفْسُهُ, قَبْلَ أَخِيهِ فَقَفَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ اْخَسِرِينَ ﴾
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبً يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُوَرِى
سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
اَلْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا، إنْ كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ٢٣ .
١- ﴿قالُوا: يا مُوسَى، إنّا لَن نَدخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها. فاذهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فقاتِلا﴾
هم. ﴿إِنّ هُهُنا قاعِدُونَ﴾ ٢٤ عن القتال. ﴿قَالَ﴾ مُوسى حينئذ: ﴿رَبِّ، إنِّي لا أملِكُ
إلّا نَفْسِي و﴾ إلّا (أخِي﴾، ولا أملك غيرهما فأجبُرَهم على الطاعة. ﴿فافرُقْ﴾:
فافصِلْ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَ القَومِ الفاسِقِينَ﴾ ٢٥.
٢- ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿فإنَّها﴾ أي: الأرضَ المُقدَّسة ﴿مُحَرَّمَةٌ علَيهِم﴾ أن
الحزبُ
يدخلوها ﴿أربَعِينَ سَنةً، يَتِيهُونَ﴾: يتحيّرون ﴿في الأرضِ﴾. وهي تسعةُ
١٢
فراسخَ، قاله ابن عبّاس. ﴿فلا تأسَ﴾: تَحزَنْ ﴿عَلَى القَومِ الفاسِقِينَ﴾ ٢٦.
رُوي أنهم كانوا يسيرون الليل جادِّينَ، فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي
ابتدؤوا منه، ويسيرون النهار كذلك، حتّى انقرضوا كلّهم إلّا من لم يبلغ العشرينَ.
قيل: وكانوا سِتَّمِائَةِ ألفٍ. ومات هارون وموسى في التِّيه، وكان رحمةً لَهما وعذابًا
لأولئك. وسأل موسى ربَّه عند موته أن يُدنيه من الأرض المُقدّسة رَميةً بحجر، فأدناه
كما في الحديث. ونُبِّئ يُوشَعُ بعدَ الأربعينَ وأُمر بقتال الجبّارين، فسار بمن بقي معه
وقاتلهم، وكان يومَ الجمعة، ووقفتْ له الشمسُ ساعةً حتّى فَرَغَ من قتالهم. وروى
أحمدُ في مُسنَده حديثَ ((إنّ الشَّمسَ لَم تُحبَسْ عَلَى بَشَرٍ، إلّا لِيُوشَعَ لَياليَ سارَ إلى
بَیتِ المَقدِسِ».
٣- ﴿واتلُ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَلَيهِم﴾: على قومك ﴿نَبَأَ﴾: خبرَ ﴿ابنَي آدَمَ﴾ هابِيلَ
وقابِيلَ، (بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ«اتل))، ﴿إذ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ إلى الله - وهو كبشٌ لهابيلَ
وزرعٌ لقابيلَ - ﴿فَتُقُبَّلَ مِن أحَدِهِمَا﴾ وهو هابيلُ، بأن نزَلتْ نار من السماء فأكلتْ قُربانَه، ﴿وَلَم يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وهو قابيلُ. فغضب وأضمر
الحسد في نفسه إلى أن حجّ آدم. ﴿قَالَ﴾ له: ﴿لأقتُلَنَّكَ﴾. قال: لِمَ؟ قال: لتقبُّل قُربانك دُوني. ﴿قالَ: إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُثَّقِينَ ٢٧. لَئِنْ﴾:
لامُ قسم ﴿بَسَطْتَ﴾: مددتَ ﴿إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي، ما أنا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقْتُلَكَ. إنِّيَ أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ٢٨ في قتلك. ﴿إِنِّيَ أُرِيدُ أنْ
تَبُوءَ﴾: ترجع ﴿بِإِثْمِي﴾: بإثم قتلي، ﴿وإثمِكَ﴾ الذي ارتكبته من قبلُ، ﴿فَتَكُونَ مِن أصحابِ النّارِ﴾، ولا أُريد أن أبوءَ بإنمك إذا قتلتك، فأكونَ
منهم.
٤ - قال تعالى: ﴿وَذُلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ ٢٩. فطَوَّعَتْ﴾: زيّنتْ ﴿لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فقَتَلَهُ، فأصبَحَ﴾: فصار ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ٣٠ بقتله - ولم یدِ
ما يصنع به، لأنّه أوّل مَّت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله على ظهره - ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبحَثُ في الأرضِ﴾: يَنْبُش التراب بمنقاره
وبرِجِلَيه، ويُثيره على غُراب ميّت معه حتّى واراه، ﴿لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوارِي﴾ يسترُ ﴿سَوءةَ﴾: حِيفةَ ﴿أَخِيهِ؟ قالَ: يا وَيَلَتا، أعَجَزتُ﴾ عن ﴿أَنْ أكُونَ
مِثلَ هُذا الغُرابِ، فَأَوارِيَ سَوءةَ أَخِي؟ فأصبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ٣١ على حمله، وحَفَرَ له وواراه.
(١) أبدًا أي: مدة الحياة. وداموا أي: بقوا واستمروا. وههنا أي: في هذا المكان. وقاعدون أي: مقيمون لانتقدم للحرب. ورب أي: يا ربي. ولا أملك:
لا يجيبني إلى طاعتك. ونفس الإنسان: حقيقته وذاته. وأخوه هو النبي هارون، عليه السلام. وافصل أي: احكم. والقوم: هؤلاء الجماعة. والفاسق:
العاصي للأمر .
(٢) محرمة أي: ممنوعة لا يصلون إليها. والفراسخ مقدار العرض، وطولها ثلاثون فرسخًا. والفرسخ: قرابة خمسة كيلو مترات. ومن لم يبلغ العشرين: يعني
أن من كان دون العشرين من عمره لم يهلك لأنه لم يكن من المكلفين العصاة. وتعيين عدد القوم فيه خرافات. انظر البحر ٤٥٨:٣ والنهر الماد في حاشيته.
ورمية بحجر أي: المسافة التي تكون برمية حجر. والحديث في البخاري تحت الرقم ٢٧٤. ونبّئ أي: بُعث نبيًا لتجديد الدعوة. ويوشع هو أحد المذكورَينِ
في الآية ٢٣. والأربعين: يعني مدة بني إسرائيل في التيه. وكان أي: يومُ القتال للجبارين. ووقفت له الشمس يعني: لدعائه بذلك خشية أن تدخل ليلة
السبت، فيحرم عليه القتال. وتحبس: توقف. وروى أحمد أي: في المسند ٣٢٥:٢.
(٣) اتل: اقرأ. والحق: الصدق الثابت. انظر (المفصل)). وذكرُ الحج هنا ورد بصيغة التمريض في البحر ٤٦١:٣، والمعروف أن الكعبة لم تكن وجدت
حينذاك. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٩٦ من سورة آل عمران. وقرّب: قدّم. والقربان: ما يُتقرّب به إلى الله. و((أكلتْ قربانه)) يخالف ما سيرد في تفسير الآية
١٠٧ من سورة فاطر. والمتقي: المؤمن يتجنب ماحرّمه الله ويطلب رضاه. وأريد أي: أطلب من الله. وتكون: تصير.
(٤) ذلك أي: الكون من أصحاب النار. والجزاء: العقاب. والظالم: من يتجاوز الحق ويرتكب إحدى الكبائر. والنفس: الضمير والقلب. والخاسر: من
فقد الخير وما ينتظر من الكسب. وبعث: وجّهَ. والغراب: طائر يضرب به المثل في السواد والبكور والحذر. ويريه: يعلّمه. والسوءة: ما يسوء الإنسان
ويسبب له الشر. ويا ويلتا أي: ياهلاكي تعالَ، فهذا أوان حضورك وحصولك. وعجزت: ضعفت ولم أستطع. والمثل: المماثل في المعرفة والقدرة.
والنادم: من يتأسف ويحزن لِما كان.

الجزء السادس
١١٣
٥ - سورة المائدة
١- ﴿مِن أَجْلِ ذلِكَ﴾ الذي فعله قابيل، ﴿كَتَبْنا عَلَى بَنِي إسرائيلَ أنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿مَن
قَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفْسٍ﴾: قَتْلِها، ﴿أو﴾ بغير ﴿فَسَادٍ﴾ أتاه ﴿في الأرضِ﴾ من كُفرٍ أو زِنِّى
أو قطعٍ طريق ونحوه، ﴿فكأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحياها﴾، بأن امتنع من
قتلها، ﴿فكأنَّما أَحيا النّاسَ جَمِيعًا﴾. قال ابن عبّاس: من حيثُ انتهاكُ حُرمتِها
وصونُها. ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿رُسْلُنا بِالبَيِّنَاتِ﴾: المُعجِزات، ﴿ثُمَّ إِنَّ
كَثِيرًا مِنْهُم بَعدَ ذُلِكَ في الأرضِ لَمُسرِفُونَ﴾ ٣٢: مجاوزون الحَدَّ بالكُفر والقتل وغير
ذلك .
٢- ونزل في العُرَنِينَ، لمّا قَدِموا المدينةَ وهم مرضى، فأذن لهم النبيّ ◌َّ أن يخرجوا
إلى الإِبل ويشربوا من أبوالها وألبانها، فلمّا صخُوا قتلوا راعي النبيّ بَّر واستاقوا
الإِبل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بمُحاربة المُسلمين، ﴿وَيَسعَونَ في
الأرضِ فَسادًا﴾ بقطع الطريق، ﴿أَنْ يُقَتَلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيدِيهِم وأرجُلُهُم مِن
خِلافٍ﴾ أي: أيديهم اليُمنى وأرجلُهم اليُسرى، ﴿أو يُنْفَوا مِنَ الأرضِ﴾. أو: لترتيب
الأحوال. فالقتلُ لمن قَتَلَ فقطْ، والصلبُ لمن قَتَلَ وأخذَ المال، والقطعُ لمن أخذَ
المال ولم يَقتل، والنفيُ لمن أخافَ فقطْ. قاله ابن عبّاس، وعليه الشافعيّ. وأصحّ
قوليه أنّ الصلب ثلاثًا بعد القتل، وقيل: قبله قليلًا. ويُلحَق بالنفي ما أشبهه في التنكيل
من الحبس وغيره.
سُورَة الإقاتِدَة
الجزء النَّاد
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّاءِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ
نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَآءَ تَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا
مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِ اُلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿إِنَّمَا
جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْيُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْيُنفَوْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ
لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمّ فَأَعْلَمُوْ
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ بـ
[ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْاْإِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْفِى سَبِيلِهِ،
لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْلَوْأَنَّ
لَهُمْ مَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ لِيَفْتَدُواْبِهِ،مِنْ
عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَانُقُبِّلَ مِنْهُمٌّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لـ
٣- ﴿ذلِكَ﴾ الجزاءُ المذكور ﴿لَهُم خِزْيٌ﴾: ذُلّ ﴿فِي الدُّنيا، ولَهُم في الآخِرَةِ عَذابٌ
عَظِيمٌ﴾ ٣٣، هو عذاب النار، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تابُوا﴾ من المُحاربين والقُطّاعِ، ﴿مِن قَبَلِ أنْ
تَقْدِرُوا عَلَيهِم، فاعلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما أتَوه ﴿رَحِيمٌ﴾ ٣٤ بهم. عَبَّرَ بذلك دُون ((فلا تَحُدُّوهُم)) ليُفيد أنه لا يَسقط عنه بتوبته إلّا حُدودُ الله -
تعالى - دُونَ حُقوقِ الآدمِيِّينَ. كذا ظهرَ لي، ولم أرَ مَن تَعرّضَ له. والله أعلم. فإذا قَتلَ وأخذَ المالَ يُقتل ويُقطع ولا يُصلب - وهو أصحّ قولَيٍ
الشافعيّ - ولا تُفيد توبته بعد القُدرة عليه شيئًا. وهو أصحّ قولَيه أيضًا .
٤ - ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللهَ﴾: خافوا عِقابه بأن تُطيعوه، ﴿وابتَغُوا﴾: اطلبوا ﴿إِلَيهِ الوَسِيلَةَ﴾: ما يُقرّبكم إليه من طاعته، ﴿وجاهِدُوا في
سَبِيلِهِ﴾ لإِعلاء دينه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣٥: تفوزون. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو﴾ ثَبَتَ ﴿أنَّ لَهُم ما في الأرضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ
يَومِ القِيامةِ، ما تُقُبِّلَ مِنْهُم، ولَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ ٣٦، يُرِيدُونَ﴾: يتمنَّون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ، وما هُم بِخَارِجِينَ مِنها، ولَهُم عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣٧:
دائم .
(١) الأجل: الجناية. وكتبنا: قضينا. وإسرائيل: يعقوب بن إسحاق. وبنوه: ذريته وسلالته. والشأن: الأمر والموضوع. والنفس: الإنسان ذو الروح. وبغير
نفس أي: بدون أن يكون المقتول قد استوجب القصاص. والفساد: الإفساد. وبغير نفس أوفساد أي: بغير حق شرعي. وأتاه: فعله وقام به. وأحياها: تسبب
في بقائها على الحياة بحق. وجاءتهم: أتتهم. والرسل: جمع رسول. والبينة: الحجة الواضحة. وبعد ذلك أي: بعد مجيء البينات. وفي الأرض أي: حيث
حلوا أو أقاموا .
(٢) نزل أي: حكم الآيتين ٣٣ و٣٤. وهو يشمل من يشبه أولئك في الفساد. والعرنيون: المنسوبون إلى قبيلة عُرينة من بني قحطان. انظر ((المفصل)).
والجزاء: العقاب في الدنيا. ويحاربونه أي: يعصُون أحكامه. ويسعى: يسرع. وقطع الطريق: ترقّب المارين في الطريق لسلب ما معهم. ويُقتّل أي: يحقق فيه
القتل. والتصليب: تثبيت المجرم على خشب أو ما يشبهه. والأيدي: جمع يد. والأرجل: جمع رجل. والخلاف: المخالفة. وينفوا أي: يطردوا. والأرض
أي: بلدهم التي هم فيها. وترتيب الأحوال يعني: تقسيم أحوال العقوبة تقسيمًا، موزعًا على حالات المجرمين وجناياتهم. ويلحق أي: أن السجن أو ما
يماثله، من إصابة بما يُكرَه ويؤلِم، حكمه حكم النفي أيضًا .
(٣) المذكور أي: في هذه الآية. ولهم أي: للذين يحاربون الله ورسوله. والعذاب: التعذيب للعقوبة والتنكيل. والعظيم: الهائل جدًا لا يقدر قدره. وتابوا:
رجعوا عما هم عليه، وطلبوا العفو وردوا ما يمكن رده إلى أصحابه. والقطّاع: جمع قاطع. وهو من يقطع الطريق على الناس للسلب والقتل والإيذاء.
وتقدروا عليهم: تتمكنوا منهم بالأسر أو الاعتقال. واعلموا أي: دوموا على الإدراك. والغفور: الكثير الستر للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم: العظيم
العطف بالعفو والإحسان. ولا تحدّوهم أي: لا تقيموا عليهم الحدّ في حقوق الناس. ودون حقوق الآدميين: يعني أن حق ولي المجني عليه يبقى له. وقوله
((لم أر من تعرض له)) انظر ((المفصل)).
(٤) تطيعوه أي: فيما أمر ونهى هو ورسوله. وإليه أي: إلى رحمته ورضاه. والوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة. وهي هنا مراعاة سبيل الله، بالعلم والعبادة
وتحري مكارم الشريعة. وجاهدوا أي: ابذلوا نفوسكم وجهودكم وأموالكم، في محاربة أعدائه الظاهرة والكامنة. والذين كفروا أي: المشركون والمرتدون
والمعادون من اليهود والنصارى. وما فيها أي: من أصناف المتاع والزينة. ومعه أي: مع ما في الأرض. ويفتدي: يقدم ما ينقذه. واليوم: الوقت. وتقبل منه
أي: رُضي به ليُقتدى. والأليم: الشديد الإيلام والتنكيل. ويخرجوا: يتخلصوا وينجوا.

٥ - سورة المائدة
١١٤
الجزء السادس
سُورَةِ الحَائِدَة
الحُ المائى
أَيُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنْهَا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ
أَيْدِ يَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ
عَلَيْهِ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦َ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِّرُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ
لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ اُلَّذِينَ
هَادُ وْأُسَفَعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَّعُونَ لِقَوْمٍ
ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ،
يَقُولُونَ إِنْ أُوْتِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ
وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَ يُرِدِ اَللَّهُ أَن يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِىِ
الدُّنْيَا خِزِىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
١- ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ ((أل)) فيهما موصولة مبتدأ، ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في
خبره، وهو ﴿فاقطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ أي: يمينَ كلّ منهما من الكوع - وبَيّنَتِ السُّنّة أنّ
الذي يُقطع فيه ربعُ دينار فصاعدًا، وأنَّه إن عاد قُطعتْ رِجله اليُسرى من مَفصِل القَدَم،
ثمّ اليدُ اليُسرَى ثمّ الرِّجلُ اليُمنى، وبعد ذلك يُعزَّر - (جَزاءَ﴾: نصبٌ على المصدر
﴿بِمَا كَسَبا، نَكالًا﴾: عُقوبةً لهما ﴿مِنَ اللهِ. واللهُ عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره،
﴿حَكِيمٌ﴾ ٣٨ في خلقه .
ربع
الخِزب
١٢
٢- ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعدِ ظُلمِهِ﴾: رجَعَ عن السرقة، ﴿وأصلَحَ﴾ عمله، ﴿فإنَّ
اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِ. إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣٩. في التعبير بهذا ما تقدّم، فلا يَسقطُ
بتوبته حقُّ الآدميّ من القطع، وردّ المال. نَعَمْ بَيَّنَتِ السُّنّة أنه إن عَفا عنه، قَبْلَ الرفع
إلى الإِمام، سَقطَ القطعُ. وعليه الشافعيّ. ﴿أَلَم تَعلَمْ﴾ - الاستفهام فيه للتقرير -
﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلكُ السّماواتِ والأرضِ، يُعذّبُ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبَه، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾
المغفرةَ له، ﴿واللهُ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤٠، ومنه التعذيب والمغفرة؟
٣- ﴿يَا أَيُّها الرَّسُولُ، لا يَحِزُنْكَ﴾ صُنعُ ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعون فيه
بسُرعة، أي: يُظهرونه إذا وجدوا فُرصة، ﴿مِنَ﴾: للبيان ﴿الَّذِينَ قالُوا: آمَنّا،
بِأَفواهِهِم﴾: بألسنتهم متعلّق بـ ((قالوا))، ﴿وَلَم تُؤْمِنْ قُلُوبُهُم﴾. وهم المنافقون.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قومٌ ﴿سَمّاعُونَ لِلِكَذِبِ﴾ الذي افترته أحبارهم سَماعَ قَبولٍ،
﴿سَمّاعُونَ﴾ منك ﴿لِقَومٍ﴾: لأجل قوم ﴿آخَرِينَ﴾ من اليهود ﴿لَم يأْتُوكَ﴾ - وهم أهل خيبرَ، زنى فيهم مُحصَنانِ فكرهوا رجمهما، فبعثوا قُرَيظةَ
ليسألوا النبيَّ عن حكمهما - ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ الذي في التوراة كآية الرجم، ﴿مِن بَعدِ مَواضِعِهِ﴾ التي وضعه الله عليها أي: يبدّلونه، ﴿يَقُولُونَ﴾
لمن أرسلوهم: ﴿إِنْ أُوتِيتُم هذا﴾ الحُكمَ المحرَّفِ، أي: الجَلدَ، أي: أفتاكم به مُحمّد ﴿فَخُذُوهُ﴾: فاقبلوهِ، ﴿وإنْ لَم تُؤْتَوهُ﴾ بل أفتاكم بخلافه
﴿فاحذَرُوا﴾ أن تقبلوه. ﴿ومَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَهُ﴾: إضلالَه ﴿فَلَن تَملِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيئًا﴾ في دفعها. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَم يُردِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم﴾ من
الكفر - ولو أراده لكان - ﴿لَهُم في الدُّنيا خِزْيٌ﴾: ذُلّ بالفضيحة والجزية، ﴿وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤١ .
(١) السارق: الذي أخذ مال غيره مستخفيًا. وموصولة أي: أن ((أل)): حرفية موصولة للعاقل. ولشبهه بالشرط: يعني أن المبتدأ المحلّى بـ ((أل)) الموصولة يشبه
الشرط. واقطعوا: ابتروا. والأيدي: جمع يد. والمراد من اليد ما حدده الشرع، وسيذكره السيوطي. والكوع: مفصل الكف عن الساعد. والمراد بالسُّنّة
ماجاء في الحديثين ٦٤٠٨ من البخاري و١٦٨٤ من مسلم. وصاعدًا أي: أكثر منه. ويعزر أي: يعاقبه القاضي بما يردعه. والحكم المذكور: انظر ((المفصل)).
والجزاء: مافيه الكفاية من المقابلة للجريمة. وكسبا أي: ربحاه. والنكال: المعاقبة بما يمنع الغير. ومن الله أي: من شرعه وحكمه. والحكيم: ذو الحكمة
البالغة .
(٢) بعد ظلمه أي: وبعد نيل العقوبة الشرعية. انظر ((المفصل)). وأصلحه: جعله كما يريد الشرع. ومن إصلاح العمل أن يرد ما سرق أو يدفع عوضًا منه.
ويتوب عليه أي: يتجاوز عنه ويقبل توبته. وغفور رحيم: انظر آخر الآية ٣٤. وما تقدم أي: في تفسير تلك الآية. وعفا: سامح صاحبُ ما سُرق. والرفع
أي: رفع القضية إلى القضاء. وتعلم: تدرك باليقين. والتقرير: الإثبات. والمُلك: الحيازة والتصرف. ويعذبه: يعاقبه. ويشاء: يريد. ويغفر: يستر الذنب
ولا يؤاخذ عليه. والقدير: المبالغ في الاستطاعة.
(٣) يحزنك: يسبب لك الحسرة والألم. ويسارع: يتعجل. وفرصة: زمنًا يتمكنون به من الظفر. وللبيان: يعني أن ((من)): لتبيين الجنس المقصود بـ ((الذين))
المتقدم. والأفواه: جمع فم. ومتعلق يعني: بأفواه. وتؤمن: تعرف التوحيد وما يلزمه. والقلوب: جمع قلب. وهاد: تحرّى طريق اليهودية. وسمّاع للكذب
أي: يتتبع الكذب ويطلبه دائمًا. والمراد بنو قريظة والنَّضير، كما ذكر الكواشي في التلخيص، وهم يهود من ذرية هارون، كانوا مسالمين للنبي وَّ وجواسيس
ليهود خيبر. والقوم: الجماعة من الناس. ولم يأتوك أي: لم يحضروا مجلسك لبغضهم وتكبرهم. والمحصنان: يهودي متزوج ويهودية متزوجة، كانا من
أشرافهم. انظر تفسير الآية ١٥ والمفصل. والكلم: واحدته كلمة. والمواضع: جمع موضع. وهو المكان المعيَّن يكون للشيء. وفي الأصل: ((عن مواضعه
التي وضعه)»، كما في الكشاف والتلخيص. وانظر الآية ١٣. ويقولون لهم أي: يخاطبونهم آمرين. وأوتيتم: أعطيتم وأُمرتم. وتؤتوه أي: تُعطَوه وتؤمروا به.
واحذروا: تجنبوا وامتنعوا. ويريد: يحكم ويقضي. وقول السيوطي ((إضلاله)) من التلخيص. وفي الوجيز: ((ضلاله))، وفي البيضاوي: ((ضلالته)). وهما أولى
مما ذكره السيوطي، لأن المراد بالفتنة افتتان العبد نفسِه، أي: انصرافه عن الحق لسوء استعداده وتوجهه، وفساد قلبه كما سيرد بعد. وهو مما يوصف به العبد
وتتعلق به إرادة الله. الفتوحات ١: ٤٩١. وتملكه: تستطيعه وتتصرف فيه باقتدار. ومن الله أي: من إرادته وتوفيقه. وأولئك أي: المنافقون واليهود المذكورون
في هذه الآية. ويطهرها أي: ينقيها ويخلصها. والعظيم: الضخم جدًا لا يقدر قدره.

الجزء السادس
١١٥
٥ - سورة المائدة
١- هم ﴿سَمّاعُونَ لِلكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحُتِ﴾ - بضمّ الحاء وسكونِها - أي: الحرامِ
كالرُّشا. ﴿فإنْ جاؤُوكَ﴾ لتحكم بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَينَهُم، أو أعرِضْ عَنْهُم) - هذا التخيير
منسوخ بقوله ((وأنِ احْكُمْ بَينَهُم)) الآيةَ، فيجب الحُكم بينهم إذا ترافعوا إلينا. وهو أصحّ
قولَي الشافعيّ. فلو ترافعوا إلينا مع مُسلم وجب إجماعًا - ﴿وإِنْ تُعرِضْ عَنْهُم فَن
يَضُرَّوكَ شَيْئًا! وإنْ حَكَمتَ﴾ بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَينَهُم بِالقِسطِ﴾: بالعدل. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
المُقْسِطِينَ﴾ ٤٢: العادلين في الحكم، أي: يُتيبهم. ﴿وكَيفَ يُحَكِّمُونَكَ، وعِندَهُمُ
التَّوراةُ فِيها حُكُمُ اللهِ﴾ بالرجم - استفهام تعجيب - أي: لم يقصدوا بذلك معرفة الحقّ
بل ما هو أهوَنُ عليهم، (ثُمَّ يَتَوَلَّونَ﴾: يُعرِضون عن حُكمِك بالرجم الموافقِ لكتابهم،
﴿مِن بَعدِ ذُلِكَ﴾ التحكيم؟ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤمِنِينَ﴾ ٤٣.
٢- ﴿إِنّا أَنزَلْنَا التَّوراةَ، فِيها هُدَى﴾ من الضلالة، ﴿وَنُورٌ﴾: بيان للأحكام، ﴿يَحكُمُ
بِها النَّبُّونَ﴾ من بني إسرائيل ﴿الَّذِينَ أَسلَمُوا﴾: انقادوا للهِ، ﴿لِّلَّذِينَ هادُوا،
والرَّبّانِيُّونَ﴾: العلماء منهم ﴿والأحبارُ﴾: الفُقهاء ﴿بِما﴾ أي: بسبب الذي
﴿استُحِفِظُوا﴾: استُودِعُوه أي: استَحفظَهم اللهُ إيّاه ﴿مِن كِتابِ اللهِ﴾ أن يُبدّلوه،
﴿وكانُوا عَلَيهِ شُهَداءَ﴾ أنه حقّ. ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ - أيُّها اليهود - في إظهار ما
عِندكم من نعتِ مُحمّد والرجم وغيرهما، ﴿واخشَونِي﴾ في كِتمانه، ﴿ولا تَشْتَرُوا﴾:
تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ من الدنيا تأخذونه على كتمانها. ﴿ومَن لَم يَحكُمْ بِما
أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُّ الكافِرُونَ﴾ ٤٤ به.
سُورَة المكانِدَة
الجوُ الصَّاد
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ فَإِن جَاءُوَ
فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَ إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ
يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ
(١) وَكَيْفَ يُحِكْمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّتَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبِ
اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ
وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَايَتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴿ وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ
فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ
بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ,وَمَن
لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
٣- ﴿وَكَتَّبْنا﴾: فرضنا، ﴿عَلَيهِم فِيها﴾ أي: التوراةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ﴾ تُقتل ﴿بِالنَّفْسِ﴾ إذا قَتلَتْها، ﴿والعَينَ﴾ تُفْقأ ﴿بِالعَينِ، والأنفَ﴾ يُجدع
﴿بِالأَنفِ، والأُذُنَ﴾ تُقطع ﴿بِالأُذُنِ، والسِّنَّ﴾ تُقلع ﴿بِالسِّنِّ﴾ - وفي قراءة بالرفع في الأربعة - ﴿والجُرُوحَ﴾، بالوجهين، ﴿قِصاصٌ﴾ أي: يُقتصُّ
فيها إن أمكن، كاليدِ والرّجلِ والذَّكَرِ ونحو ذلك، وما لا يُمكن فيه الحكومةُ. وهذا الحُكم، وإن كُتب عليهم، فهو مقرّر في شرعنا. ﴿فَمَن
تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: بالقِصاص، بأن مَكّن من نفسه، ﴿فَهْوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾: لِما أتاه، ﴿ومَن لَم يَحكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾، في القِصاص وغيره، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ
الظّالِمُونَ﴾ ٤٥.
(١) الكذب: الباطل من القول. وأكّال: كثير الأخذ جشعًا. والمراد أنهم يُشجعون على الكذب ويأخذون الرشا للحكم بالباطل. والرشا: جمع رُشوة. وهي
مايُدفع إلى ولي أمر لإبطال حق أو إحقاق باطل. ومنذ قرنين، أصدر السلطان محمود أمرًا بمعاقبة الراشي والمرتشي والرائش بينهما. انظر تفسير الآلوسي
٢٠٦:٦ وتعليقنا على تفسير الآية ٧٩ من سورة البقرة. وبسكونها يريد القراءة ((لِلسُّحْتِ)). وهو المال المقطوع البركةِ. واحكم: افصل. وأعرض: انصرف.
والآية يعني: ذات الرقم ٤٩. وترافعوا إلينا أي: احتكموا إلى المسلمين. انظر ((المفصل)). ولن يضروك أي: لن يسببوا لك أذى. ومعنى يحبهم: يودهم ويريد
لهم الخير. ويحكمونك: يطلبون منك الحكم في زنى المُحصنينِ. وأولئك أي: اليهود المذكورون قبل. ونفي الإيمان أي: بكتابهم وما يوافقه من الشرائع.
(٢) أنزلنا: أوحينا. والهدى: الدلالة على الحق. والنور: الضياء يُكشف به ما خفي. ويحكم: يقضي. وبها أي: بما فيها. والأنبياء هنا هم الذين جاؤوا
بعد موسى. وهادوا: طلبوا طريقة اليهودية. والرباني: المنسوب إلى الرب. والأحبار: جمع حَبر. واستحفظهم: جعلهم حفظة وعاملين. وأن يبدلوه أي:
كراهة أن يبدلوا شيئًا من لفظه أو معناه. والشهداء: جمع شهيد، يقر بما هو معلوم، مع الحماية من التغيير. وعليه أي: على كتاب الله. وتخشوا: تخافوا.
ونعت محمد أي: ما وُصف به في التوراة. والرجم: حكم الرجم للزاني المُحصَن. واخشوني: خافوني وحدي. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((واخشَونٍ))
بحذف ياء المتكلم تخفيفًا. والثمن: العوض. وقال ابن عباس ومجاهد: ((من لم يحكم بما أنزل الله، ردًا للقرآن، وجحدًا لقول الرسول وَ ل# فهو كافر)).
والمراد به عموم المسلمين وغيرهم. وكذلك حكم ختام الآيتين التاليتين. يعني: أن الوصف بالظلم والفسق يضاف إلى الكفر فيمن حكم بغير شريعة الله أو
طلب ذلك.
(٣) عليهم: على الذين هادوا. والنفس: الإنسان الحي. وتقتل: تزهق ويصار إلى مفارقة الروح للجسد. وإذا قتلتها أي: إذا كانت النفس الأولى قَتلت النفس
الثانية بغير حق. والعين: عضو الإبصار. وتفقأ: تقلع وتخرج. والأنف: عضو التنفس والشم. ويجدع: يقطع. والأذن: عضو السمع. والسن: القطعة
العظمية تنبت في الفك. وفي الأربعة أي: في المواضع الأربعة ((والعينُ ... والأنفُ ... والأذنُ ... والسّنُ)). والجروح: جمع جُرح. وهو الشق في البدن.
وبالوجهين يريد: قراءتَيِ النصبِ كما أثبتنا والرفعِ: ((والجُرُوحُ)). والقصاص: معاقبة الجاني بمثلما فعل. وإن أمكن أي: إن أمكن القصاص فيها. وما لا يمكن
فيه الحكومة يعنى: الذي لا يمكن فيه القصاصُ يَجب فيه الحكم بما يناسب ما نقص من المجني عليه. وذلك نحو رضّ في اللحم أو كسر في العظم أو جرح
في البطن. وتصدق أي: اعترف وأقرّ، ونُفذت فيه العقوبة. و((هو)) أي: التصدق. والكفارة: ما يغطي الإثم ويزيل عقوبته يوم القيامة. وما أتاه أي: ما فعل
من الجرم. والظالم: الجائر في الحكم والمخالف للحق والعدل. وانظر تعليقنا على آخر الآية ٤٤ .

٥ - سورة المائدة
١١٦
الجزء السادس
سُورَةِ الإِقَائِدَة
وَقَفَيْنَا عَلَىَّءَاثَِّهِمْ بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّ قًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَابَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلْيَحْكُمْ
أَهْلُ آلْإِنِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ فِيَةٍ وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ
عَمَّاجَآءَكَ مِنَ الْحَقِّلِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ
وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِمَّآ
ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُلَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٢٨) وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ
أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَشَِّعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ
بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِبِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ (٦) أَفَحُكْمَ
الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ّ
١- ﴿وَقَفَّينا﴾: أتبَعْنا ﴿عَلَى آثارِهِم﴾ أي: النبيِّينَ ﴿بِعِيسَى بنِ مَريَمَ، مُصَدِّقًا لِما بَينَ
يَدَيْهِ﴾: قبلَه ﴿مِنَ الثَّوراةِ، وآتيناهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدَى﴾ من الضلالة، ﴿وَنُورٌ﴾: بيان
للأحكام، ﴿وَمُصَدِّقًا﴾: حال ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيهِ مِنَ الثَّوراةِ﴾، لما فيها من الأحكام،
﴿وَهُدَى ومَوعِظّةً لِلمُثَّقِينَ ٤٦، و﴾ قلنا: ﴿لْيَحكُمْ أهلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ من
الأحكام. وفي قراءة بنصبٍ ((يَحكُمَ)) وكسرٍ لامه عطفًا على معمول ((آتيناه)). ﴿ومَن لَم
يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ ٤٧ .
٢ - ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ﴾ - يا محمّد - ﴿الكِتابَ﴾: القرآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾: متعلّق بـ((أنزلنا))،
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيهِ﴾: قبلَه ﴿مِنَ الكِتابِ، ومُهَيمِنَا﴾: شاهدًا ﴿عَلَيهِ﴾. و((الكتابِ))
بمعنى الكُتب. ﴿فَاحِكُمْ بَيْنَهُم﴾: بين أهل الكتاب، إذا ترافعوا إليك، ﴿بِما أنزَلَ
اللهُ﴾ إليك، ﴿ولا تَتَبَعْ أَهواءَهُم﴾ عادلًا ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ. لِكُلِّ جَعَلْنا مِنكُم﴾ -
أيّها الأَمم - ﴿شِرْعةٌ﴾: شريعة ﴿ومِنهاجًا﴾: طريقًا واضحًا في الدِّين يمشون عليه،
﴿وَلَوِ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً واحِدةٌ﴾ على شريعة واحدة، ﴿وَلْكِنْ﴾ فرّقكم فِرَقًّا
﴿لِيَبْلُوَكُم﴾: لَيَختبِرَكم ﴿فِيما آتاكُمٍ﴾ من الشرائع المختلفة، لينظر المُطيعَ منكم
والعاصيَ. ﴿فَاستَبِقُوا الخَيراتِ﴾: سارعوا إليها. ﴿إِلَى اللهِ مَرجِعُكُم جَمِيعًا﴾
بالبعثِ، ﴿فَيُنَّكُم بِما كُنتُمْ فِيهِ تَختَلِفُونَ﴾ ٤٨ من أمر الدين، ويَجزي كُلَّ منكم
بعمله .
٣- ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ، ولا تَتَبَعْ أهْوَاءَهُم واحذَرْهُم﴾، لِـ ﴿أَنْ﴾ لا ﴿يَفْتِنُوَكَ﴾: يُضِلّوك ﴿عَن بَعضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إلَيكَ. فإن تَوَلَّوا﴾
عن الحُكم المُنزَل، وأرادوا غيره، ﴿فاعلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهُم﴾ بالعُقوبة في الدنيا ﴿بِبَعضِ ذُنُوبِهِم﴾ التي أتَوها - ومنها التولّي - ويُجازيَهم
على جميعها في الأُخرى - ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفَاسِقُونَ ٤٩ - أَفحُكمَ الجاهِلِيّةِ يَبِغُونَ﴾، بالياء والتاء: يطلبون من المُداهنة والمَيل، إذ
تولّوا؟ استفهام إنكار، ﴿ومَن﴾ أي: لا أحد ﴿أحسَنُ مِنَ اللهِ حُكمًا، لِقَوم﴾: عند قوم ﴿يُوقِنُونَ﴾ ٥٠ به؟ خُصّوا بالذكر لأنهم الذين
یتدبّر ونه .
(١) الآثار: جمع أثر. وأثر الشيء: عقبه وما بعده. وقفينا به على آثارهم أي: بعثناه بعدهم على أثرهم. و((النبيين)) تفسير للضمير في ((آثارهم)). يعني: على آثار
النبيين المتقدمين. وعيسى: الرسول الذي زعم اليهود أنهم صلبوه. والمصدق: المؤيد أن ماقبله هو من عند الله. وتصديق الصادق من صفات الأنبياء
والصالحين. و(قبله)) تفسير لـ ((بين يديه). والتوراة: كتاب اليهود. وآتيناه: أوحينا إليه. والإنجيل: كتاب النصارى. والهدى: الهداية والإرشاد إلى الحق
والخير. والنور: الضياء يكشف ما تشابه. وقوله ((حال)) كذا. والواو: للعطف. انظر ((المفصل)). وهدى وموعظة أي: هاديًا وواعظًا، يوجّه وينصح ويذكّر
بالعواقب للمطيع والعاصي. والمتقي: من يتجنب غضب الله ويطلب رضاه بالصلاح والطاعة. وأهل الإنجيل: النصارى. وأنزل أي: أوحاه على لسان جبريل.
وفيه أي: في الإنجيل. وبالنصب يريد القراءة ((لِيَحكُمَ)). والفاسق: الذي خرج وتمرد على حكم الله. وانظر تعليقنا على ختام الآية ٤٤.
(٢) الحق: الصدق الثابت. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٧. وبما أنزل الله إليك أي: من الأحكام الموافقة لِما كان قبلك أو الناسخة له. وتتبع: توافق
وتطيع. والأهواء: جمع هوى. وهو ما تميل إليه النفس من الشهوات، أي: لا توافق أغراضهم الفاسدة. وعادلًا أي: مائلًا. وجاءك: وصل إليك بالوحي.
ولكل أي: لكل قوم منكم. وجعلنا: وضعنا. والشرعة والشريعة: الدين. والمراد أن كل قوم له شريعة خاصة به، مع اتفاق جميع الشرائع في الأصول،
والاختلاف في بعض الفروع. وشاء أي: أراد وحدتكم. وجعل: صيّر. والأمة: الجماعة من الناس على دين واحد. أي: لو أراد الله أن تكونوا أمة واحدة
لصّركم جماعة متفقة على دين واحد أبدًا. وآتاكم: أعطاكم وكلّفكم. والخيرات: الأعمال الصالحة التي نزلت بها الكتب السماوية. وإلى الله أي: إلى لقاء
حسابه. وجميعًا أي: مجتمعين لا يتخلف منكم أحد. وينبئ: يخبر ويطلع. وتختلفون: تتنازعون وتختصمون.
(٣) عن ابن عباس أن بعض أحبار اليهود أرادوا خداع النبي ◌َّر، فقالوا له: إن اتبعناك اتبعَنا اليهودُ، وإنّ بيننا وبين قوم خصومة، ونحاكمهم إليك فتقضي لنا
عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدقك. فأبى النبي ذلك، فنزلت الآيتان تثبيتًا له. انظر ((المفصل)). واحذرهم أي: احترز منهم. ويضلوك: يصرفوك. والبعض:
الجزء من الشيء، ولو كان قليلًا جدًا. والمُنزَل: الموحَى. وتولوا: أعرضوا وامتنعوا. واعلم أي: فليكن في علمك. ويريد: يشاء ويقضي. ويصيبهم: ينزل
بهم. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية التي تستوجب العقوبة. وأتوها: فعلوها. والتولي: الإعراض عن حكم الله. أي: إن أعرضوا عن الحكم بالحق
والإيمان فإن ذلك لإرادة الله تعجيلَ العقوبة لهم. والفاسق: المتمرد في الكفر. والحكم: الفصل في الخصومات. والجاهلية: أديان الناس قبيل الإسلام، تقوم
على الشهوات والأوهام والظلم، وقد تكون بين المسلمين وغيرهم بعد. وبالتاء يريد القراءة («تَبغُونَ))، خطابًا لليهود ومن شابههم. والمداهنة: بذل الدين لأجل
الدنيا. وهي عكس المداراة، أي: بذل الدنيا لإصلاح الدين. والميل أي: مع الهوى والشهوات. وأحسن: أجود وأعدل وأعم نفعًا. والقوم: الجماعة من
الناس. ويوقنون به أي: يعلمون علم اليقين حسن أحكام الله ويتبينون عدله المطلق. ويتدبرونه يعني: من أيقن بإيمان مطمئن تدبر ذلك وعلم حقيقته.

الجزء السادس
١١٧
٥ - سورة المائدة
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أولِياءَ﴾، تُوالونهم
نصف
الخِرْبُ
وتُوادّونهم. ﴿بَعضُهُم أولِياءُ بَعضٍ﴾ لاتّحادهم في الكُفر، ﴿ومَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم
فإِنَّهُ مِنْهُمٍ﴾: من ◌ُملتهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهِدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥١ بمُوالاة
الكُفّار، ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقاد، كعبد الله بن أُبيّ،
﴿يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾: في مُوالاتهم، ﴿يَقُولُونَ﴾ مُعتذرين عنها: ﴿نَخْشَى أن تُصِيبَنا
دائرةٌ﴾ يدورُ بها الدهر علينا من جدب أو غلبة، ولا يتمَّ أمر محمّد فلا يَمِيرونا .
٢- قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أن يأتِيَ بِالفَتحِ﴾: بالنصر لنبيّه لإظهار دينه، ﴿أو أمرٍ مِن
عِندِهِ﴾ بهتك سِتر المنافقين وافتضاحهم، ﴿فَيُصبِحُوا عَلَى ما أَسَرُّوا في أنفُسِهِمِ﴾ من
الشكّ ومُوالاة الكُفّار ﴿نادِمِينَ ٥٢. ويَقُولُ﴾ - بالرفع استئنافًا بواوٍ ودونِها، وبالنصب
عطفًا على ((يأتيَ)) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لبعضهم إذا هَتَكَ سِترَهم تعجّبًا: ﴿أَهْؤُلاءِ الَّذِينَ
أقسَمُوا بِاللهِ جَهِدَ أيمانِهِم﴾: غايةَ اجتهادهم فيها ﴿إِنَّهُم لَمَعَكُم﴾ في الدِّين؟ قال
تعالى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلتْ ﴿أعمالُهُم﴾ الصالحة، ﴿فَأَصَبَحُوا﴾: صاروا
﴿خاسِرِينَ﴾ ٥٣ الدُّنيا بالفضيحة، والآخرةَ بالعِقاب!
سُورَةُ الجَقَائِدَة
المجرة النهائى
﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَ مَن يَتَوَُّ قِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اُلَّلِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ
يَقُولُونَ تَخْشَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ
مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ
وَيَقُولُ الَّذِينَءَامَنُوَأْأَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ
إِنَّهُمْ ◌َعَكُمْ حَيِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ( يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى الَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ وَزِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ يُجَهِدُونَ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الَهِيُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ (٥) إِنََّا وَلِيُّكُمُ الَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَءَامَنُوا ◌ْلَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (*)يَُهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُواْلَّذِينَ أَخَذُ واْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَأَوْلِيَاءِ وَتَّقُواْلَهَإِنَّكُمُؤْ مِنِينَ
٣- ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، مَن يَرتَدِدْ﴾، بالفكِّ والإدغامِ: يَرجِعْ ﴿مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ إلى
الكُفر - إخبارٌ بما علم الله تعالى وقوعَه منهم. وقد ارتدّ جماعة بعد موت النبيّ وَلّ -
﴿فَسَوفَ يأْتِي اللّهُ﴾ بدَلَهم ﴿بِقَومِ، يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ﴾ - قَال ◌َ: ((هُم ◌َومُ هُذا)) وأشار
إلى أبي موسى الأشعريّ. رواه الحاكم في صحيحه - ﴿أذِلّةٍ﴾: عاطِفِينَ ﴿عَلَى
المُؤمِنِينَ، أعِزّةٍ﴾: أشدّاءَ ﴿عَلَى الكافِرِينَ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، ولا يَخافُونَ لَومةَ لائم﴾ فيه، كما يخاف المُنافقون لوم الكُفّار. ﴿ ذُلِكَ﴾
المذكور من الأوصاف ﴿فَضِلُ اللهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، واللهُ واسِعٌ﴾: كثير الفضل، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٥٤ بمن هو أهله.
٤- ونزل، لمّا قال ابن سلام: ((يا رسولَ اللهِ، إنّ قومَنا هَجَرُونا)): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ،
وهُم راكِعُونَ﴾ ٥٥: خاشعون، أو مُصلّون صلاةَ التطوّع، ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ - فيُعينُهم ويَنصرُهم - ﴿فَإِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ
الغالِبُونَ﴾ ٥٦ لنصره إيّاهم. أوقعه موقع ((فإنّهم) بيانًا لأنهم من حزبِه، أي: أتباعِه. ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُؤَا﴾:
مهزوءًا به ﴿وَلَعِبًا، مِنَ﴾ - للبيان - ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبِلِكُم والكُفَّارِ﴾: المشركينَ - بالجرِّ والنصبِ - ﴿أولِياءَ، واتَّقُوا اللهَ﴾ بترك
مُوالاتهم، ﴿إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ٥٧: صادقين في إيمانكم، ﴿و﴾ الذين ﴿إذا نادَيتُم﴾ دعوتم ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ بالأذان ﴿اَتَّخَذُوهَا﴾ أي: الصلاةَ
﴿هُزُؤَا وَلَعِبَا﴾، بأن يستهزئوا بها ويتضاحكوا. ﴿ذلِكَ﴾ الاتّخاذ ﴿بِأَنَّهُم﴾: بسبب أنهم ﴿قَومٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥٨.
(١) تتخذوا: تجعلوا. انظر ((المفصل)). والأولياء: جمع ولي. وهو الذي يتولى أمورك، ويوجهك ويتحكم في شؤونك. ومن جملتهم أي: من أهل دينهم.
ولا يهديه أي: لا يرشده إلى طريق الإيمان والصلاح. والظالمون: الذين نافقوا بموالاة الكفار. وترى: تبصر. والقلوب: جمع قلب. ويسارع: يتعجل.
وتصيبنا: تنزل بنا. والدائرة: المصيبة العظيمة. ويميرونا أي: يعطيَنا الكفارُ المِيرة. وهي مايكون للطعام والشراب.
(٢) يأتي به: يخلقه. والأمر: الخلق للأشياء. ويصبحوا أي: يصير المنافقون. وأسروا: أضمروا. والنفس: القلب. ودونها أي: بدون واو. يريد: ((ويقولُ))،
(يقولُ))، ((ويقولَ)). و((لبعضهم)): خطأ في التعبير. انظر ((المفصل)). وأقسم: حلف. وجهدَ أي: بَذْلَ أقصى القدرة. والأيمان: جمع يمين. وهي القسم.
والأعمال: جمع عمل. والصالحة أي: بحسب الظاهر. والخاسر: من ضيّع ما كان ينتظره.
(٣) الفك: إظهار الدالين في اللفظ. وبالإدغام يريد القراءة ((يَرتَدَّ)). وما زال الارتداد يستفحل باسم التنصير والاستعمار والعولمة. ويأتي بهم أي: يهيئهم.
ويحبهم: يودهم ويثيبهم. ويحبونه أي: يودونه فيطلبون رضاه. و((رواه)) انظر المستدرك ٣١٣:٢ والمفصل. وأذلة: جمع ذليل. وأعزة: جمع عزيز. ويجاهد:
يبذل أقصى ما يملك. وفي سبيله أي: لأجله. والفضل: التفضل والإحسان. ويؤتيه: يعطيه. ويشاء أي: يريد إيتاءه. والعليم: البالغ الإحاطة والتقدير
والإحكام.
(٤) عبد الله بن سلام أحد علماء اليهود أسلم. انظر ((المفصل)). والولي: الذي يرعى المصالح. ويقيمونها: يؤدونها بشروطها وأركانها وآدابها. ويؤتون
الزكاة: يدفعون ما يجب على أموالهم، تطهيرًا لها وللنفس. ويتولى الله: يختاره وليّا يعبده وحده. وحزبه: جنده وأنصاره. والغالبون: المنتصرون بالقوة أو
بالحجة. ونصره إياهم: عونه لهم. وأوتوا: أعطوا. والكفار: جمع كافر. وبالنصب يريد القراءة ((والكُفّارَ)). واتقوه أي: تجنبوا سخطه واطلبوا رضاه. وروي
أن بعض النصارى واليهود والمشركين كانوا، إذا سمعوا الأذان للصلاة، يستهزئون ويتضاحكون، فنزلت الآية. الدر المنثور ٢٩٤:٢. ودعوتم أي: دعا
بعضكم بعضًا. ولا يعقلون أي: لا عقول لهم تفكر، فهم في سفه وجهل.

٥ - سورة المائدة
١١٨
الجزء السادس
سُورَةِ الإِكَائِدَة
وَإِذَانَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لَّا يَعْقِلُونَ ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْءَامَنَّا
بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (ج)قُلْ
هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ بِشَرِّن ذَلِكَ مَتُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ
عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَرَ وَعَبَدَ الَّغُوتَ أُوْلَكَ شَرٌ
مَّكَانًا وَأَضَلُ عَن سَوَآءِالسَّبِيلِ ﴾ وَإِذَاجَاءُ وَكُمْ قَالُوَاْءَامَنَّا
وَقَدَ دَّخَلُواْبِالْكُفْرِوَهُمْ قَدْ خَرَجُواْبِهٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْيَّكْتُمُونَ
◌ْ وَتَرَىَ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ اْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ
الشُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ (٦) لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ
وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَاكَانُواْ
يَصْنَعُونَ (٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ
بِمَا قَالُواْ بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوْطَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا
مِنْهُم ◌َّاأُنزِلَ إِلَّكَ مِن رَّيِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرَا وَأَلْفَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَا أَوْقَدُ واْنَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَ هَا اللّه
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ!
١- ونزل، لمّا قال اليهود للنبيّ وَلَه: ((بمن تُؤمن من الرُّسل))؟ فقال: ((باللهِ وما أُنزِلَ
إِلَينا)) الآيةَ، فلمّا ذَكر عيسى قالوا: ((لا نعلم دِينًا شرًّا من دينكم)»: ﴿قُلْ: يا أهلَ
الكِتابِ، هَل تَنْقِمُونَ﴾: تُنكرون ﴿مِنّ إِلّا أنْ آمَنَا بِاللهِ، وما أُنزِلَ إلَينا وما أُنزِلَ مِن
قَبلُ﴾ إلى الأنبياء، ﴿وأنَّ أَكْثَرَكُم فاسِقُونَ﴾؟ ٥٩ عطفٌ على ((أنْ آمَنّا)). المعنى: ما
تُنكرون إلّا إِيمانَنا ومُخالفتَكم في عدمٍ قبوله، المعبَّرِ عنه بالفسق اللازم عنه. ولیس
هذا ممّا يُنكَر.
٢- ﴿قُلْ: هَل أُنَبِّكُم﴾: أُخِرُكم ﴿بِشَرِّ مِن﴾ أهلِ ﴿ذُلِكَ﴾ الذي تَنْقِمُونه، ﴿مَثُوبةً﴾:
ثوابًا بمَعنى: جزاءً ﴿عِندَ اللهِ﴾؟ هو ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ﴾: أبعده من رحمته ﴿وغَضِبَ علَيهِ،
وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ بالمَسخ، ﴿وَ﴾ مَن ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: الشيطان
بطاعته. وراعَى في ((منهم)) معنى ((مَن)) وفيما قبله لفظها - وهم اليهود - وفي قراءةٍ
بضمِّ باء ((عَبُدَ)) وإضافتِه إلى ما بعده، اسم جمع لعَبْد، ونصبُه بالعطف على ((القِردَ)).
﴿أُوْ لَئِكَ شَرِّ مَكانَا﴾: تمييزٌ، لأنَّ مأواهم النار، ﴿وَأَضَلُّ عَن سَواءِ السَّبِيلِ﴾ ٦٠:
طريق الحقّ. وأصل السواء: الوسَط. وذُكِرَ ((شرّ وأضَلّ)) في مقابلة قولهم: لا نعلم
دینا شرًّا من دینکم.
٣- ﴿وإذا جاؤُوكُم﴾ أي: منافقو اليهود ﴿قَالُوا: آمَنّا، وقَد دَخَلُوا﴾ إليكم مُلتبسين
﴿بِالكُفرِ، وهُم قَد خَرَجُوا﴾ من عِندكم مُلتبسين ﴿بِهِ﴾، ولم يؤمنوا - ﴿واللهُ أعلَمُ بِما
كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ٦١ـه من النفاق - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمَ﴾ أي: اليهودِ ﴿يُسَارِعُونَ﴾ :
يقعون سريعًا ﴿في الإِثم﴾: الكذب، ﴿والعُدوانِ﴾: الظَّلم، ﴿وأكلِهِم السُّحُتَ﴾
الحرامَ كالرُّشا. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦٢-ه عملُهم هذا! ﴿لَولا﴾: هلّ ﴿يَنهاهُّمُ الرَّانِيُّونَ والأحبارُ﴾ منهم، ﴿عَن قَولِهِمِ الإِثمَ﴾: الكذبَ
﴿وأكلِهِم السُّحُتَ. لَبِئْسَ ما كانُوا يَصنَعُونَ﴾ ٦٣ـه تركُ نهيهم!
٤ - ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ﴾، لمّا ضُيِّق عليهم بتكذيبهم النبيَّ، بعد أن كانوا أكثر الناس مالًا: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولةٌ﴾: مقبوضة عن إدرار الرزق علينا - كنَوا
به عن البُخل - تعالى عن ذلك. قال تعالى: ﴿غُلَّتْ﴾: أُمسِكَتْ ﴿أيدِيهِم﴾ عن فِعل الخيرات، دُعاءً عليهم، ﴿وَلُعِنُوا بِما قالُوا. بَل يَداهُ
مَبسُوطَتانِ﴾: مُبالغةٌ في الوصف بالجود. وثَنَّى اليدَ لإفادة الكثرة، إذ غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يُعطيَ بيديه. ﴿يُنفِقُ كَيفَ يَشاءُ﴾ من توسيع
وتضييق؟ لا اعتراض عليه. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم ما أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، من القُرآن، ﴿طُغيانًا وكُفرًا﴾ لكُفرهم به. ﴿وألقَينا بَينَهُمُ العَداوةَ
(١) الآية أي: ذات الرقم ١٣٦ من سورة البقرة. وأهل الكتاب: اليهود. وتنكرون أي: وتكرهون وتعيبون. ومنّا أي: من صفاتنا وأحوالنا. وآمن: صدّق مع
اعتقاد يقيني. وأُنزل: أُوحي من عند الله. ومن قبل أي: من قبل القرآن. والفاسق: الخارج عن الإيمان.
(٢) شرّ أي: أكثر ضررًا. وغضب عليه: سخط عليه فأراد عقابه. وجعل: صيّر. والقردة: جمع قرد. والخنازير: جمع خِنزير. والمَسخ: تحويل صورة الشيء
إلى أقبح منها. والمراد هنا أصحاب السبت وكفار أهل المائدة. انظر الآيات ١١٢-١١٥ من هذه السورة و١٦٣- ١٦٦ من سورة الأعراف. وعبده: اتخذه إلهًا.
وكل من أطاع أحدًا في معصية الله فقد عبده. والطاغوت: الكثير الطغيان. فالشيطان أول الطواغيت. واليهود أي: والنصارى. وبضم الباء يريد القراءة ((عَبُدَ
الطّاغُوتِ)). والمكان: المنزلة يوم القيامة. وأضل: أكثرُ بعدًا. والسبيل: الطريق الواضح. والوسط: المعتدل.
(٣) جاؤوكم: لقوكم. انظر ((المفصل)). وآمنا أي: صدّقْنا الله ورسوله باعتقاد جازم. ودخلوا إليكم أي: واجهوكم وقابلوكم. والكفر: التكذيب. وأعلم:
أكثر إحاطة منكم ومنهم. ويكتمون: يسترون. وتراهم: تبصرهم عيانًا. والإثم: الذنب يكون عليه عقاب. والأكل: التناول بانهماك وجشع. والرشا: جمع
رشوة. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧٩ من سورة البقرة. والسحت: المال المستأصل من جذوره. وبئس أي: تجاوز الحد في السوء والبؤس والشر.
ويعملون أي: يكتسبون من نية أو قول أو فعل. وينهى: يمنع. والرباني: العابد المنسوب إلى الرب. والأحبار: جمع حَبر. وهو العالِم المتقن. وكانوا أي:
وما زالوا. يعني الربانيين والأحبار. ويصنع: يعمل بانهماك وخبرة.
(٤) ضيق عليهم: انظر ((المفصل)). وإذا كان اليهود يقصدون بقولهم اليد نفسها فهم ينطلقون من مذهبهم في التجسيم. انظر فتح القدير ٨٣:٢ والبحر
٥٢٢:٣-٥٢٣. ولعنوا: طردوا من رحمة الله، فكانوا شياطين البشر. وبما قالوا أي: بسبب قولهم المنكر. ومبسوطة: مفتوحة مطلقة. وينفق: يعطي ويرزق.
ويشاء أي: يريد الإنفاق. ويزيده أي: يضيف إليه. وكثيرًا منهم أي: الأحبار ومن يجاريهم. وأُنزل: أوحي على لسان جبريل. ومن ربك أي: من عنده بأمره.
والطغيان: تجاوز الحد بالعصيان. والكفر: الإنكار للحق. وألقينا: رسّخنا. وبينهم أي: بين فِرق اليهود وجماعاتهم. ولكنهم لحرب المسلمين يكونون قلبًا
واحدًا في الظاهر. والعداوة: مبالغة المعاداة. والبغضاء: مبالغة التباغض. والقيامة: بعث الناس للحساب. وأوقد: أثار بالتحريض. والحرب: المحاربة.
وأطفأها: أخمدها. أي: كلما أرادوا حرب المؤمنين تخاذلوا وغُلبوا. وهذا شأنهم في التاريخ كله، بخلاف ما يكونون فيه من محاربة لضعاف الإيمان
وشعارات فارغة، كما هو الحال في هذه الأيام بين الدول الإسلامية. ويسعى: يجتهد. والفساد: إشاعة الشر. وبالمعاصي أي: الجرائم والفواحش، في
الكيد للإسلام والمسلمين، والتضليل لمن في الأرض جميعًا. ولا يحبه أي: يبغضه فلا يجازيه إلّا شرًا بما كسب، ويكف عدوانه ومفاسده عن المؤمنين.

الجزء السادس
والبَغضاءَ إلَى يَومِ القِيامةِ﴾. فكلّ فِرقة منهم تُخالف الأُخرى. ﴿كُلَّما أوقَدُوا نارًا
لِلحَربِ﴾ أي: لحرب النبيّ ﴿أطفأها اللهُ﴾ أي: كلما أرادوه ردَّهم. ﴿ويَسعَونَ في
الأرضِ فَسادًا﴾ أي: مُفسدين بالمعاصي. ﴿واللهُ لا يُحِبُّ المُفسِدِينَ﴾ ٦٤ بمعنى أنه
يُعاقبهم.
١- ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بمُحمّد، ﴿وَاتَّقَوا﴾ الكُفرَ، ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُم
سَيِّئَاتِهِم، ولَأدخَلْنَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ ٦٥، ولَو أنَّهُم أقامُوا الثَّوراةَ والإِنجِيلَ)
بالعملِ بما فيهما، ومنه الإيمان بالَنبِيّ، ﴿وما أُنزِلَ إِلَيهِم﴾ من الكُتبِ ﴿مِن رَبِّهِم،
لَأَكَلُوا مِنِ فَوقِهِم ومِن تَحتِ أرجُلِهِم﴾، بأن يُوسَّع عليهم الرزقُ ويَفيض من كُلّ جهة.
﴿مِنْهُمْ أُمّةٌ﴾: جماعة ﴿مُقْتَصِدةٌ﴾ تعمل به - وهم مَن آمنَ بالنبيّ وَّ، كعبد الله بن
سلام وأصحابه - ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُم ساءَ﴾: بئسَ ﴿ما﴾ شيئًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ٦٦ه!
ثلاثة أنواع
الحزب
٢ - ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ، بَلِّغْ﴾ جميع ﴿ما أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ﴾، ولا تكتم شيئًا منه خوفًا
أن تُنال بمكروه - ﴿وإن لَم تَفْعَلْ﴾ أي: لم تُبلّغ جميع ما أُنزل إليك ﴿فما بَلَّغتَ
رِسالتَهُ﴾، بالإفراد والجمع، لأنّ كِتمان بعضها ككتمان كُلّها - ﴿واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ
النّاسِ﴾ أن يقتلوك. وكان ◌َّه يُحرَس حتّى نزلتْ، فقال: ((انصَرِفُوا فَقَد عَصَمَنِي الله)).
رواه الحاكم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الكافِرِينَ﴾ ٦٧ .
سُوَرَّةِ الجَكَائِدَة
الجرع الصّائي
وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَّرْنَاعَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ (١٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُوامِن
فَوْقِهِمْوَ مِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ
﴿ ﴿ بَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ
مِن رَّبِّكٌّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ, وَاللّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ ﴿ قُلْ يَأَهْلَ
اُلْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنجِيلَ
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمُّ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنزِلَ
إِلَيَكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرَا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
﴿ إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَى
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ
إِسْرَاءِ يلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَاَ كُلَّمَا جَآءَ هُمْ رَسُولُ بِمَا
لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
٣- ﴿قُلْ: يا أهلَ الكِتابِ، لَستُم علَى شَيءٍ﴾ من الدِّين مُعتدٍّ به، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا النَّوراةَ والإِنجِيلَ، وما أُنْزِلَ إلَيكُمْ مِن رَبِّكُم﴾، بأن تعملوا بما
فيه. ومنه الإيمانُ بي. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم ما أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، من القُرآن، ﴿طُغيانًا وُفرًا﴾ لِكُفرهم به. ﴿فلا تأسَ﴾: تحزنْ ﴿عَلَى القَومِ
الكافِرِينَ﴾ ٦٨، إن لم يؤمنوا بك، أي: لا تهتمَّ بهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، والَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود: مبتدأ ﴿والصّابِثُونَ﴾: فرقة منهم
﴿والنَّصَارَى،﴾ ويُبدل من المبتدأ ﴿مَن آمَنَ﴾ منهم ﴿بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، وعَمِلَ صالِحًا، فلا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنُونَ﴾ ٦٩ في الآخرة: خبر
المبتدأ، ودالّ على خبر ((إنّ)).
٤- ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسرائيلَ﴾ على الإيمان بالله ورسله، ﴿وأرسَلْنا إلَيهِم رُسُلًا، كُلَّمَا جاءَهُم رَسُولٌ﴾ منهم ﴿بِما لا تَهوَى أَنفُسُهُم﴾ من
(١) أهل الكتاب: بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. وآمنوا به أي: صدّقوه معتقدين. واتقوا: تجنبوا. وكفّر: ستر وغفر. والسيئة: المعصية يجب عليها
العقاب. والنعيم: النعمة الكثيرة. وأقاموها: أظهروا ما فيها وأطاعوا أمره ونهيه. وأُنزل: أُوحي. والكتب: القرآن الكريم، وكتب أنبيائهم القديمة التي أنزلت
على مثل شعياء ودانيال وداود. ومن ربهم أي: من عنده بأمره. وأكلوا أي: كان لديهم ما يأكلون ويشربون. والأرجل: جمع رِجل. ومنهم أي: من اليهود
والنصارى. والمقتصدة: المعتدلة لا تغالي ولا تقصر. وأصحابه أي: ومن أسلم من النصارى أيضًا كالنجاشي وآخرين. وساء: تجاوز الحد في السوء والفساد.
ويعمل: يكتسب من النية والقول والفعل، في المكابرة وتحريف الحق والإعراض عنه.
(٢) روي أن النبي ولو كان قد يضيق ذرعًا بتكذيب اليهود والنصارى والمشركين، ويشفق على نفسه منهم، فلا يجاهرهم ببعض ضلالاتهم وإنكار ما هم فيه،
فنزل أول الآية، للتنبيه والتحذير، فقال: ((يارَبِّ، كَيفَ أصنَعُ؟ أنا واحِدٌ. أخافُ أن يَجتَمِعُوا عَلَيَّ))، فنزلت بقية الآية، تطمئنه وتبشره بالحماية والنصر. تفسير
الطبري ٤٧١:١٠. وبلغ ما أنزل إليك أي: أعلم الناس ما أُوحي إليك من القرآن وغيره. وبالجمع يريد القراءة ((رِسالاتِهِ)) أي: جمع رسالة. ويعصمك:
يحفظك. والناس: البشر من الكافرين. وما رواه الحاكم هو في المستدرك ٣١٣:٢. ويهدي: يرشد إلى الحق. ولا يهديه أي: يوجه اختياره وقدراته إلى ما
يناسب استعداده الخبيث. والكافر: المنكر للحق.
(٣) المعتدّ به: ما يكون له قيمة. وما أنزل إليكم أي: الكتب التي أوحاها الله إلى أنبياء بني إسرائيل ومحمد وجهه. وآمنوا أي: برسالة الإسلام إيمانًا يقينيًا.
وهادوا: التزموا طريقة اليهودية. ومنهم أي: من اليهود. وفي هذا خلاف. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٦٢ من سورة البقرة. وفائدة جعل الخبر للمذكورين أنه
إذا كان هؤلاء ينجون، بالإيمان والعمل الصالح، فالمؤمنون المخلصون أولى منهم بذلك.
(٤) أخذنا: تلقينا بالإقرار والقبول. والميثاق: العهد المؤكد بالأيمان. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق. وبنوه: سلالته من أبنائه. وأرسلنا: بعثنا. والرسل:
جمع رسول. وجاءهم: أتاهم وبلّغهم. وتهوى أي: تحب من الفساد والظلم. والنفس: القلب. والفريق: الجماعة. وكذبوه: جحدوا ما جاء به. ويقتلونه
أي: يزهقون روحه. وللفاصلة أي: للمحافظة على مجانسة لفظ رؤوس الآيات. ومخففة: يعني أن أصلها ((أنّ))، حذفت نونها الثانية. وبالنصب يريد القراءة
((ألّا تَكُونَ)). والفتنة: الامتحان. وعمي: ذهبت بصيرته وفسد تمييزه للخير من الشر. وصم: فَقَدَ ما يعينه على السمع الواعي. وتاب عليهم: قَبِلَ توبتهم
وصفح عنهم. وبدل: يعني أن ((كثيرًا)) بدل من واو الجماعة. والبصير: المدرك للأحداث حال وجودها. ويعملون أي: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
١١٩
٥ - سورة المائدة

٥ - سورة المائدة
١٢٠
الجزء السادس
سُورَة الجَنَائِدَة
الجُمُ الصَّائع
وَحَسِبُواْأَلَّاتَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُواْ ثُمَ تَابَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَغُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ وَمَا لِظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴾
◌َّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَامِنْ
إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن ◌َّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ
إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (جا
مَّا الْمَسِيحُ أَبْدُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ
أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنٌ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنّى
يُؤْفَكُونَ ﴿ قُلْ أَتَعَّبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا
يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا وَاَللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {
الحقّ كذّبوه، ﴿فَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبُوا، وفَرِيقًا﴾ منهم ﴿يَقْتُلُونَ﴾ ٧٠ كزكريّاءَ ويحيى -
والتعبير به دون ((قَتَلُوا»، حكايةً للحال الماضية، للفاصلة - ﴿وَحَسِبُوا﴾: ظنّوا ﴿أنْ
لا تَكُونُ﴾ - بالرفعِ و ((أن)) مخفّقة، والنصبِ فهي ناصبة - أي: تقعُ ﴿فِتْنَةٌ﴾: عذاب
بهم على تكذيب الرسل وقتلهم، ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحقّ فلم يُبصروه، ﴿وَصَمُوا﴾ عن
استماعه، ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيهِم﴾ لمّا تابوا، (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ ثانيًا ﴿كَثِيرٌ مِنْهُم﴾:
بدل من الضمير. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعمَلُونَ﴾ ٧١، فيجازيهم به.
١- ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ هوَ المَسِيحُ بنُ مَرَیَمَ﴾ - سبق مِثله - ﴿وقالَ﴾ لهم
﴿المَسِيحُ: يا بني إسرائيلَ، اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُم﴾. فإنّي عبد ولستُ بإلّه. ﴿إِنَّهُ مَن
يُشرِكْ بِاللهِ﴾ في العبادة غيرَه ﴿فَقَد حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾: منعه أن يدخلها، ﴿ومأواهُ
النّارُ، وما لِلِظّالِمِينَ مِن﴾: زائدةٌ ﴿أنصارٍ﴾ ٧٢ يمنعونهم من عذاب الله. ﴿لَقَدْ كَفَرَ
الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ ثالِثُ﴾ آلهةِ ﴿ثَلاثةٍ﴾ أي: أحدُها، والآخَرانِ عيسى وأَمّه. وهم
فِرقة من النصارى. ﴿وما مِن إِلَّهِ إلّا إلٌّ واحِدٌ، وإن لَم يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ من التثليث
ويُوحّدوا، ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: ثَبَتُوا على الكُفر، ﴿مِنْهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٧٣ :
مؤلم، هو النار. ﴿أَفلا يَتُوبُونَ إلَى اللهِ ويَستَغْفِرُونَهُ﴾ ممّا قالوا - استفهام توبيخ -
﴿وَاللّهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٧٤ به؟
٢- ﴿مَا المَسِيحُ بنُ مَريَمَ إلَّا رَسُولٌ، قَد خَلَتْ﴾: مضت ﴿مِن قَبِلِهِ الرُّسُلُ﴾ - فهو
يمضي مِثْلَهم وليس بإلّه، كما زعموا. وإلّا لَما مضى - ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾: مُبالِغة في الصّدق. ﴿كانا يأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كغيرهما من الحيوانات.
ومن كان كذلك لا يكون إلّهًا، لتركيبه وضعفه وما ينشأ منه من البول والغائط. ﴿انظُرْ﴾، مُتعجّبًا: ﴿كَيفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ على وحدانيّتنا؟ ﴿ثُمَّ
انظُرْ: أنَّى﴾: كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ ٧٥: يُصرفون عن الحقّ، مع قيام البرهان؟ ﴿قُلْ: أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿ما لا يَملِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا
نَفْعًا، واللهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿العَلِيمُ﴾ ٧٦ بأحوالكم؟ والاستفهام للإنكار.
(١) سبق مثله أي: ما ورد في الآية ١٧. واعبدوه أي: قدسوه وأطيعوه وحده. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق
لجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ويشرك به أي: يجعل له شريكًا من المخلوقات في العبادة
والطاعة. وحرم: منع منعًا مطلقًا. والجنة: الحديقة العظيمة فيها الشجر والقصور والنعيم. والمأوى: المكان الذي يُلجأ إليه. وفي هذا تهكم. والنار: نار
جهنم. والظالمون: المشركون. فالظلم: مجاوزة الحق بوضع الأمور في غير مواضعها. والشرك أفظع أنواع الظلم. وفي ذكر الظالمين إقامةٌ للاسم الظاهر
مَقام المضمر لتحقيق هذا الوصف فيهم، ومراعاةٌ لمعنى الجمع في ((مَن)). ولولا ذلك لقيل: وما له من أنصار. وزيادة ((مِن)) للتنصيص على عموم النفي.
والأنصار: جمع نصير. وهو من يقوم بالتأييد والدفاع. وكفر: جحد الحق وانهمك في الباطل. وثالثها: واحد منها. وفرقة من النصارى يعني طائفتَي
النُّسطورية والملكانية من بني إسرائيل. والإله: المعبود بحق. وواحد أي: لا يكون في الوجود من يستحق العبادة إلّا إله متصف بالوحدانية متعال عن الشركة.
وينتهي: يمتنع. ويمس: يخص ويصيب. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. ويتوب: يرجع عن ذنبه ويندم على فعله ويتعهد بتركه ويطلب العفو. ويستغفره:
يطلب منه ستر الذنوب وعدم المؤاخذة عليها، بالتنزيه له مما أشركوا به. وقول السيوطي ((توبيخ)) من التلخيص، والأولى أن الهمزة استفهامية للأمر، أي:
ليتوبوا إلى الله وليستغفروه. والغفور: العظيم العفو والصفح. والرحيم: الكثير الرأفة والعطف بالإحسان.
(٢) الرسول: من بعث للدعوة إلى العقيدة والشريعة والعمل، ومعه كتاب منزل. ومضت أي: ذهبت وفنيت. والرسل: جمع رسول. و((لما مضى)) كذا وهو
لحن، يعني: لو كان إلهًا لما مضى. انظر ((المفصل)). وفي الصدق أي: وفي التصديق لآيات الله وتعاليمه. ويأكل: يتناول ما يحتاج إليه لاستمرار الحياة.
والطعام: ما يؤكل أو يشرب للغذاء والتلذذ. والحيوانات: الأحياء من البشر، جمع حيوان. وهو اسم يقع على كل ذي روح، ويفيد المبالغة من الحياة. انظر
الآية ٦٤ من سورة العنكبوت وتفسير الآية ٣٠ من سورة البقرة. والمراد أنهما كانا من بني آدم يتغذيان بالطعام والشراب، مثل سائر الكائنات الحية التي تعيش
بالروح والجسد، فهما يحتاجان إلى ما يَقوتهما لأنهما من البشر. وقد أسقط بعض الناشرين ((الحيوانات)) تحرجًا أو لأنه لم يفهم معناه، أو تصرف في العبارة.
انظر مطبوعة حلب لدار القلم العربي. وفي المنحة: ((كغيرهما من الناس)). وذكرُ البول والتغوط لا ضرورة لإيراده هنا، إذ الاحتياج إلى التغذي كاف في
الدلالة على البشرية الحقيقية، كما جاء في نص الآية الكريمة. ثم ليس كل آكل يكون منه ماذكر من تبول وغائط، وأهل الجنة يأكلون ولا يُحدِثون. تفسير
الرازي ٤٠٩:٣-٤١٠ والمحرر ٢٢٢:٢. وانظر أي: تدبر وتأمل ما يحمل على التعجب. ونبين: نوضح. والآيات: الأدلة الظاهرة. وتعبد: تقدس وتطيع.
وما أي: مَن. والمراد عيسى، عليه السلام. وعُبِّرَ بـ ((ما)) لتحقيق أنه بمعزل عن الألوهية، ومنتظم في سلك ماخلقه الله. ويملك: يستطيع بقدرته الخاصة.
والضر: جلب السوء والأذى. والنفع: إيصال الخير. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة قبل وجود الأشياء وبعده.