النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٤ - سورة النساء
الجزء الرابع
١- ﴿وإنْ أَرَدتُمُ استبدالَ زَوجِ مَكانَ زَوجِ﴾ أي: أخْذَها بدلها بأن طلقتموها، ﴿و﴾ قد
﴿آتَيْتُم إحداهُنَّ﴾ أي: الزوجاتِ ﴿قِنطَارًا﴾: مالًا كثيرًا صَداقًا، ﴿فلا تأخُذُوا مِنْهُ
شَيْئًا - أتأخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾: ظُلمًا ﴿وإثمًا مُبِينًا﴾ ٢٠: بيّنًا؟ ونصبُهما على الحال.
والاستفهامُ للتوبيخ، وللإِنكار في: ﴿وكَيفَ تأخُذُونَهُ﴾ أي: بأيِّ وجه، ﴿وقَد
أفضَى﴾: وصلَ ﴿بَعضُكُم إلى بَعضٍ﴾ بالجِماع المُقرِّر للمهر، ﴿وأخَذْنَ مِنْكُم
ميثاقًا﴾: عهدًا ﴿غَلِيظًا﴾ ٢١: شديدًا؟ وهو ما أمر الله به، من إمساكهنّ بمعروف أو
تسريحهنّ بإحسان - ﴿ولا تَنكِحُوا ما﴾ بمعنى: مَن ﴿نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّساءِ. إلّا﴾:
لكنْ ﴿مَا قَد سَلَفَ﴾ من فِعلكم ذلك فإنه معفوّ عنه. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نِكاحَهنّ ﴿كانَ
فاحِشةً﴾: قبيحًا، ﴿ومَقْتًا﴾ سببًا للمقت من الله، وهو أشد البغض، ﴿وساءَ﴾: بئسَ
﴿سَبِيلًا﴾ ٢٢: طريقًا ذلك!
٢- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيَكُمْ أُمَّهاتُكُم﴾ أن تنكحوهنّ، وشَمَلَتِ الجدّاتِ من قِبَلِ الأب أو
الأُمّ، ﴿وَبَنَاتُكُم﴾ وشَمَلتْ بَناتِ الأولاد وإن سَفَلْنَ، ﴿وأخَواتُكُم) من جهة الأب أو
الأُمّ، ﴿وعَمّاتُكُم﴾ أي: أخواتُ آبائكم وأجدادِكم، ﴿وخالاتُكُم﴾ أي: أخواتُ
أُمّهاتِكم وجدّاتِكم، ﴿وبَناتُ الأخ وبناتُ الأُختِ﴾ - ويدخل فيهنّ بناتُ أولادِهم -
﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللّتِي أرضَعْنَكُم﴾ قبل استكمال الحولين خمسَ رَضَعات كما بَيْنَه
الحديث، ﴿وأخَواتُكُم مِنَ الرَّضاعةِ﴾ - ويُلحق بذلك بالسُّنََّ البناتُ منها، وهنّ من
أرضعتْهنّ موطوءتُه، والعمّاتُ والخالاتُ وبناتُ الأخ وبناتُ الأخت منها، لحديثِ:
((يَحرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسبِ)). رواه البخاريّ ومُسلم - ﴿وأُمَّهاتُ نِسائكُم،
ورَبائِبُكُمُ﴾: جمعَ ربيبة وهي بنت الزوجة من غيرِهِ، ﴿اللّتِي في حُجُورِكُم﴾ تُربّونها - صفة مُوافقة للغالب فلا مفهوم لها - ﴿مِن نِسائكُمُ اللّاتِي
دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ أي: جامعتموهنّ - ﴿فإنْ لَم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ في نِكاح بناتهنّ إذا فارقتموهنّ - ﴿وحَلائلُ﴾: أزواجُ ﴿أبنائكُم
الَّذِينَ مِن أصلائِكُم﴾، بخِلاف من تبنّيتموهم فلكم نكاحُ حلائلهم، ﴿وأنْ تَجمَعُوا بَيْنَ الأُختَينِ﴾ من نسب أو رَضاع بالنكاح. ويُلحق بهما
بالسُّنّة الجمعُ بينها وبين عمّتها أو خالتها. ويجوز نِكاحُ كلّ واحدة على الانفراد، وملكُهما معًا ويَطأ واحدةً. ﴿إِلّ﴾: لكنْ ﴿ما قَدْ سَلَفَ﴾ في
الجاهليّة، من نِكاحكم بعضَ ما ذُكر، فلا جُناحَ عليكم فيه. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا﴾ لما سلف منكم قبل النهي، ﴿رَحِيمًا﴾ ٢٣ بكم في ذلك.
سُورَة النَّسَاءِ
وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٌ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَّيْتُمْ
إِحْدَ هُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُ واْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ.
بُهْتَنَا وَ إِثْمًا مُّبِينًا ﴾ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًا
غَلِيظًا جَ وَلَا تَكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ
النِّسَاءِ إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَمَقْتًا
وَسَآءَ سَبِيلًا (٦ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ
وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاْتُكُمْ وَبَنَاتٌ
آلْأَخِ وَبَنَاتُ اُلْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَهَتُ نِسَآئِكُمْ
وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِىِ فِ حُجُورِكُم مِّنْ نِسَآئِكُمُ
الَّتِى دَخَلْتُمِ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْدَخَلْتُمْ بِهِنَّ
فَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَمِلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ
إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
(١) أردتم الاستبدال: فعلتموه، أي: إن أبدلتم. والزوج: الزوجة. و((أخذها)) تفسير لاستبدال زوج. وبأن طلقتموها يعني: بالطلاق. وشرط الاستبدال لا
مفهوم له، وذكره هنا من باب الخاص يراد به العامّ. خ: ((بأن طلقتموهن)). وآتيتم: أعطيتم تسليمًا أو التزامًا وضمانًا. وإحداهن أي: الواحدة منهن. وذِكرُ
القنطار تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة ليكون الشمول لما هو كثير وما هو قليل أيًا كان، ولا يلزم عنه جواز المغالاة في المهور. فكأن المراد: وقد آتيتم
هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده. والبهتان: الكذب مكابرة يُبهَتُ من يُرمى به. والاثم: فعل المحرَّم. وعلى
الحال أي: باهتين وآثمين. والصواب أن ((بهتانًا)) هو الحال، و((إثمًا)): منصوب بالعطف. فجعلهُ حالًا هو ذكر للإعراب الحُكمي لا للإعراب الحقيقي.
وبعضكم أي: أحدكم. وأخذن: تلقَّين بإقرار مؤكد. والمراد بالميثاق الغليظ ما يقتضيه عقد النكاح. وما أمر به: يعني ما في الآية ٢٢٩ من سورة البقرة.
وبمعنى ((من)) أي: أن ((ما)) هنا للدلالة على العاقلة. ونكحها: عقد عليها عقد النكاح. والآباء: جمع أب. ويطلق على الوالد والجد. والمراد الأبوة في
النسب أو الرضاع. وسلف: حصل فيما مضى. ونكاحهن أي: نكاح الأبناء زوجاتٍ آبائهم. وكان أي: فيما مضى وما زال، لأن بعض الجاهليين كانوا
يستقبحون ذلك ويستهجنون فاعله. وساء: تجاوز الحد في القبح والسوء والشر. وطريقًا أي: في النكاح.
(٢) حرّمت: جُعل نكاحها حرامًا. وأمهات: جمع أَمّ وأمّهة. وأن تنكحوهن: يعني أن المحرَّم هو نكاحهن لا ذواتهن. والأخوات: جمع أخت. ومن جهة
الأب أو الأم أي: أو منهما معًا. وبنات الأخ وبنات الأخت أي: بنات الإخوة والأخوات. وبنات أولادهم أي: بنات أولاد الإخوة والأخوات. وأرضعن
أي: من لبن أثدائهن. ويعني الحديث ١٤٥٢ في مسلم. و((بذلك)) يعني: بتحريم النكاح. ومنها أي: من الرضاعة. وموطوءته أي: المرأة التي ضاجعها .
و ((البخاري ومسلم)) كذا. انظر ((المفصل)). والمراد أن الرَّضاع يقوم مقام النسب في التحريم للنكاح. ومن غيره أي: من زوج آخر غير زوجها الحالي.
والحجور: جمع حَجْر. وهو مقدم الثوب. والمراد به الكنف والرعاية. ولا مفهوم لها: يعني أن الاسم الموصول مع صلته يفيد وصف الربائب المحرَّمات،
بكونهن في كنف زوج أمهن، وهو ليس مقصودًا به القيد، ليجوز نكاحهن إذا كنَّ في كنف غيره. وإنما المراد بيان الأمر الغالب في الربائب. والحلائل: جمع
حليلة. وهي الزوجة. والأصلاب: جمع صُلب. والمراد هو النسل أي: الذين ولَدتموهم. وحكم الرضاعة هنا أيضًا حكم النسب. والأختان أي: الشقيقتان
أو من أب واحد أو أم واحدة. وبينها يعني: بين الزوجة. وكل واحدة أي: من المحرّمتين. وعلى الانفراد أي: أن يكون عقد الرجل على إحداهما في حين
أن الأخرى ليست في عصمته. وملكهما معًا يعني: ويجوز أن يملك الرجل المحرّمتين ملكًا شرعيًا، وينكح واحدة منهما فقط. وسلف: وقع وحصل في
الماضي. و((بعض ما ذكر)) ليس على إطلاقه، لأن المراد: لكن ما مضى قبل نزول الآية من الجمع بين الأختين. والغفور: الكثير السترِ للذنوب والعفوِ عنها .
والرحيم: العطوف الكثير الإحسان.

٤ - سورة النساء
٨٢
الجزء الخامس
سُورَةَ الدَّسَاءُ
﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمُ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ
بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ فَمَا أُسْتَمْتَعْثُمبِهِ،
مِنْهُنَّ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا (®َا وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْمِن
فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ
بَعْضِ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ
أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ
اُلْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
١ - ﴿و﴾ حُرّمتْ عليكم ﴿المُحصَناتُ﴾ أي: ذوات الأزواج ﴿مِنَ النِّساءِ﴾،
الجزء١
أن تنكحوهنّ قبل مُفارقة أزواجهنّ، حَرائرَ مسلماتٍ كنّ أوْ لا - ﴿إِلّا ما
مَلَكَتْ أيمانُكُم﴾ من الإِماء بالسبي فلكم وطؤهنّ، وإن كان لهنّ أزواج في دار
الحرب، بعد الاستبراء - ﴿كِتَابَ اللهِ﴾: نُصب على المصدر أي: كَتَبَ ذلك
(عَلَيْكُم، وأَحَلَّ﴾ - بالبناء للفاعل والمفعول - ﴿لَكُم ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي: سوى ما
حُرّم عليكم من النساء، لِ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: تطلبوا النِّساء ﴿بِأَمْوالِكُم﴾ بِصَداق أو ثمن،
﴿مُحصِنِينَ﴾: مُتزوِّجين ﴿غَيرَ مُسافِحِينَ﴾: زانين. ﴿فما﴾: فمَن ﴿استَمتَعْتُم﴾:
تمتّعتم ﴿بِهِ مِنْهُنَّ﴾: ممّن تزوّجتم بالوطء ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورهنّ التي فرضتم
لهنّ ﴿فَرِيضَةً، ولا جُنَاحَ عَلَيْكُم فِيما تَرَاضَيتُم﴾ أنتم وهنّ ﴿بِهِ مِن بَعدِ الفَرِيضةِ﴾، مِن
حطّها أو بعضِها أو زيادةٍ عليها. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾ ٢٤ فيما دبّره
لهم.
٢- ﴿وَمَنْ لَم يَستَطِعْ مِنكُم طَولًا﴾ أي: غِنّى لِـ ﴿أَنْ يَنكِحَ المُحصَناتِ﴾ الحرائرَ
﴿المُؤمِنَاتِ﴾ - هو جَرٌّ على الغالب فلا مفهوم له - ﴿فِمِمّا مَلَكَتْ أيمانُكُم) يَنكِحُ،
﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤمِناتِ - واللهُ أعلَمُ بإيمانِكُم﴾. فاكتفُوا بظاهره وكِلوا السرائر إليه.
فإنه العالم بتفاصيلها، ورُبّ أَمَةٍ تَفضُلُ الحُرّةَ فيه. وهذا تأنيس بنكاح الإِماء.
﴿بَعضُكُم مِن بَعضٍ﴾ أي: أنتم وهنّ سواء في الدِّين، فلا تستنكفوا من نكاحهنّ -
﴿فانكِحُوهُنَّ بِإذنِ أهلِهِنَّ﴾: مَواليهنّ، ﴿وآتُوهُنَّ﴾: أعطوهنّ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورَهنّ،
﴿بِالمَعْرُوفِ﴾: من غير مطل ونقص، ﴿مُحصَناتٍ﴾: عفائفَ، حالٌ ﴿غَيرَ
مُسافِحاتٍ﴾: زانياتٍ جَهرًا، ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخدانٍ﴾: أخِلّاءَ يزنون بهنّ سِرًّا. ﴿فإذا أُحصِنَّ﴾: زُوَّجْنَ - وفي قراءة بالبناء للفاعل:
تَزوّجْنَ - ﴿فإنْ أتَينَ بِفَاحِشَةٍ﴾: زِنّى ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصفُ ما علَى المُحصَناتِ﴾: الحرائر الأبكار إذا زَنَينَ، ﴿مِنَ العَذابِ﴾: الحدّ. فيُجلَدْنَ خمسين
ويُغرَّبْنَ نصفَ سنةٍ. ويُقاس عليهنّ العبيدُ. ولم يُجعل الإحصانُ شرطًا لوجوب الحدّ، لِإِفادة أنه لا رجم عليهنّ أصلًا.
٣- ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نِكاح المملوكات، عند عدم الطّول، ﴿لِمَن خَشِيَ﴾: خاف ﴿العَنَتَ﴾: الزنى - وأصله المشقّة، سُمّي به الزنى لأنّه سببها
بالحدِّ في الدنيا والعقوبةِ في الآخرة - ﴿مِنكُم﴾ بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحلّ له نكاحها، وكذا من استطاع طَول حُرّة - وعليه
الشافعيّ. وخَرجَ بِقوله: ((مِن فَتَيَاتِكُمُ المُؤمِناتِ)) الكافراتُ، فلا يحلّ له نكاحها ولو عَدِمَ وخاف - ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عن نِكاح المملوكات ﴿خَيْرٌ
لَكُم﴾، لئلّا يصير الولدُ رقيقًا، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٥ بالتوسعة في ذلك.
٤- ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم﴾ شرائع دينكم ومصالح أمركم، ﴿ويَهْدِيَكُمْ سُنَنَ﴾: طرائق ﴿الَّذِينَ مِن قَبَلِكُم﴾، من الأنبياء في التحليل والتحريم
فَتّبعوهم، ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُم﴾: يرجعَ بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته - ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بكم، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٢٦ فيما دبّره لكم - ﴿واللهُ يُريدُ
(١) أن تنكحوهن: يعني تحريم النكاح لهن لا ذواتهن. و((أو لا)) يعني: أو كنّ إِماء أو من الكتابيات. وملكت أيمانكم: انظر الآية ٣. والوطء: المضاجعة.
والاستبراء: الانتظار حتى يبرأ رحم المرأة من الحمل. وبالمفعول يريد القراءة ((وأَحِلَّ)). والأموال: جمع مال. والصداق: مهر للحرائر. والثمن لشراء الإماء.
وآتوا: أعطوا. وأجور: جمع أجر. وفرضتم أي: سميتم. وفريضة أي: مفروضة. والجناح: الذنب. وعليكم أي: أنتم وهنّ. وتراضيتم: توافقتم وقبِلَ
بعضكم من بعض. والفريضة: ما كان من المهر المعيّن. والحط: الإسقاط والإزالة. يعني إسقاط المهور عن الأزواج، أو إسقاط بعضها. وانظر آخر الآية
٠١١٪
(٢) ينكح: يتزوج. والحرائر: جمع حُرّة. وهي غير الأمة وغير ذات الزوج. ولا مفهوم له: يعني أن الوصف بـ ((المؤمنات)) ليس مقصودًا، فيمتنعَ نكاح
الكتابية. وإنما قُصد تقرير ما هو الأفضل والأغلب في الواقع. وملكت أيمانكم: انظر الآية ٣. والفتاة: المملوكة. وأعلم أي: أكثر علمًا منكم جملة
وتفصيلا. وبظاهره أي: بما هو ظاهر من إيمان الإماء. وتفاصيلها: ما في السرائر. وتستنكف: تمتنع. والإذن: الإعلام بالموافقة والجواز. والعفائف: جمع
عفيفة. وهي التي تحفظ نفسها مما لا يحل. والمتخذة: التي حازت وحصّلت. والأخدان: جمع خِدن. وهو الخليل تقتصر عليه المرأة في الزنى خفية.
وللفاعل يريد القراءة ((أَحصَنَ)). وأتينها أي: فعلنها. والنصف: الشطر من الكمّيّة. ويقاس أي: يكون حكم العبيد في الزنى كحكم الإماء بالقياس.
(٣) لأنه سببها أي: لأن الزنى سبب المشقة. والمعروف أن العنت أصله دخول المشقة ولقاء الشِّدة، لا المشقة أو الشِّدة نفسها. والكافرات: فاعل ((خرج))،
أي: الممملوكات غير المسلمات. وعدم وخاف أي: ولو عدم الطول وخاف العنت.
(٤) يريد: يشاء ويقضي. ويبين: يوضح ويفصل. ويهدي: يرشد. والسنن: جمع سُنّة. وكنتم عليها أي: قبل هذه التوبة. ويريدون: يقصدون. ويتبعها: يأتمر
لها وينقاد. والشهوة: ما يغلب على النفس محبته وهواه. والزناة: جمع الزاني. والعظيم: الكبير جدًا لا مثيل له. وخلق: أنشئ من العدم. والضعيف: القليل
الاحتمال والحزم.

٨٣
٤ - سورة النساء
الجزء الخامس
أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم﴾، كرّره ليَبنيَ عليه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾: اليهودُ
والنصارى أَو المجوس أو الزُّناة ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ٢٧ : تعدلوا عن الحقّ
بارتكاب ما حَرّم عليكم، فتكونوا مثلهم. ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنكُم﴾: يُسهّلَ عليكم
أحكام الشرع. ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفًا﴾ ٢٨، لا يصبر عن النساء والشهوات.
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تأكُلُوا أَمْوالَكُم بَينَكُم بِالباطِلِ﴾: بالحرام في الشرع كالرِّبا
والغصب - ﴿إِلّ﴾: لكنْ ﴿أنْ تَكُونَ﴾: تقعَ ﴿تِجارةٌ﴾، وفي قراءة بالنصب أي: تكون
الأموالُ أموالَ تجارةٍ، صادرةٌ ﴿عَن تَراضٍ مِنكُم﴾ وطِيب نفس فلكم أن تأكلوها -
﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم﴾ بارتكاب ما يُؤدّي إلى هلاكها، أيًّا كان في الدنيا أو الآخرة،
بقرينةِ ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُم رَحِيمًا﴾ ٢٩، في منعه لكم من ذلك، ﴿ومَن يَفعَلْ ذُلِكَ﴾ أي:
ما نَهى عنه ﴿عُدوانًا﴾: تجاوزًا للحلال، حالٌ ﴿وظُلمًا﴾: تأكيد، ﴿فسَوفَ نُصلِيهِ﴾:
نُدخله ﴿نارًا﴾ يحترق فيها، ﴿وكانَ ذُلِكَ عَلَى اللهِ يَسيرًا﴾ ٣٠: هيًّا. ﴿إِنْ تَجْتَنُوا
كَبائرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ﴾ - وهي ما ورد عليها وعيد، كالقتل والزنَى والسرقة. وعن ابن
عبّاس: هي إلى السبعِمِائَةِ أقربُ - ﴿نُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ الصغائرَ بالطاعات،
﴿ونُدخِلْكُم مُدخَلًا﴾ - بضمِّ الميم وفتحِها - أي: إدخالًا، أو مَوضعًا ﴿كَرِيمًا ﴾ ٣١
هو الجنّة .
سُوْدَة النَّسَاء
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَهَوَاتِ أَن تَيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (٦) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ
عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ
﴿إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا
وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اُلَّهِ
يَسِيرًا ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْكَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ
عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَا كَرِيمًا
وَلَا تَتَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِ لِّلِّجَالِ
نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اُكْنَسَبْنَّ
وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِةِ: إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمًا جَا وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّاتَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ
نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
٢- ﴿وَلا تَتَمَنَّوا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعضَكُمْ عَلَى بَعضٍ﴾، من جهة الدُّنيا أو الدِّين، لئلّا
يُؤدّي إلى التحاسد والتباغض - ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾: ثوابٌ ﴿مِمّا اكتَسَبُوا﴾ بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره، ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكتَسَبْنَ﴾ من
طاعة أزواجِهنّ وحفظ فروجهنّ. نزل لمّا قالت أُمّ سلمة: ليتَنَا كُنّا رِجالا فجاهدنا، وكانَ لنا مِثلُ أجرِ الرجالِ - ﴿واسألُوا﴾، بهمزة ودونِها ،
﴿اللّهَ مِن فَضِلِهِ﴾ ما احتجتم إليه يُعطِكم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ ٣٢، ومنه محلّ الفضل وسُؤالُكم. ﴿ولِكُلِّ﴾ من الرجال والنساء ﴿جَعَلْنا
مَوالِيَ﴾: عَصَبةً يُعطَون ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبُونَ﴾ لهم من المال. ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ﴾ - بألف ودونِها - ﴿أيمانُكُم): جمع يمين بمعنى
القَسَم أو اليد، أي: الحُلفاءُ الذين عاهدتموهم في الجاهليّة على النُّصرة والإِرث، ﴿فَآتُوهُم﴾ الآنَ ﴿نَصِيبَهُم﴾: حَظّهم من الميراث. وهو
السُّدس. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا﴾ ٣٣: مُطّلعًا، ومنه حالُكم. وهذا منسوخ بقوله: ((وُولُو الأرحامِ بَعضُهُم أولَى بِبَعضٍ)).
(١) المراد بالأكل هو الأخذ والإنفاق، ليشمل ما ينفقه الإنسان بغير حق. والمال: ما يُملك من المتاع والزينة. والباطل: الطريق الذي لم تبحه الشريعة.
والتجارة: ممارسة البيع والشراء لِما فيه مصلحة الخلق. والمراد عموم التصرف المشروع، كالهبة والوصية والصدقة. وبالنصب يريد ((أن تَكُونَ تِجارةً)).
والتراضي: أن يقع القبول والرضا من الطرفين. وتقتل: تهلك بإزهاق الروح أو التعريض لعذاب جهنم، والقرينة هنا: الدليل. وكان أي: وما يزال بدون قيد
زماني. والرحيم: المبالغ في الرحمة بعطفه وإحسانه. وما نهى عنه: يعني ما في الآية ٢٩ من أكل المال بالباطل وقتل النفس. وعدوان: اعتداء. والظلم:
المجاوزة للحق. وتجنبها: تبتعد عنها وتنكرها. والكبائر: جمع كبيرة. وهي الموبقات السبع. وتنهون عنه أي: تؤمرون شرعًا بتركه وتجنبه. ونكفر: نغفر
ونستر. وبالطاعات أي: بسبب ماتفعلون من لزوم الأمر والنهي. وندخلكم: نجعلكم داخلين ونيسّر لكم ذلك. وبفتحها يريد القراءة ((مَدخَلًا)). والكريم:
الحسن المبارك.
(٢) تتمنى: تشتهي الشيء بدون عمل صالح يوصل إليه. وفضّله أي: خصّه بفضيلة ونعمة. والرجال: جمع رجل. وهو الذكر المكلف. والنصيب: الحظ
والمقدار المعيّن. واكتسب: فعل وتحمل. والنساء: واحدتها امرأة. وهي الأنثى المكلفة. وحفظ فروجهن أي: وغير ذلك من خير أو شر. و((نزل)) يعني أن
قوله - تعالى - في هذه الآية نزل، عندما صرّحت أم سلمة بهذا التمني. وهي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومي. واسألوا أي: اطلبوا بالدعاء
والسعي. وبدونها يريد القراءة (وسَلُوا)). والفضل: التفضل والإحسان. وجعلنا: صيّرنا بتبديل ما كان متعارفًا في الجاهلية. وعَصبة الإنسان: بنوه وقرابته
لأبيه. والموالي: جمع مولى. وهو هنا الوارث. والوالدان: الأب والأم أو الجد والجدة. والأقربون: الأكثر قربًا في النسب. وكان الجاهلي يعاهد الآخر،
فيقول: دمي دمك، وثأري تأرك، وسلمي سلمك، وترثُني وأرتُك. ويكون لكل من الحليفين سدس ميراث الآخر. انظر الحديث ٤٣٠٤ في البخاري. وعاقدت
أي: عاهدت وحالفت. وبدونها يريد القراءة ((عَقَدَتْ)) أي: وثّقت حلفَهم أوعهدهم. والأيمان: جمع يمين. وفي الجاهلية أي: وفي الإسلام. وكان أي:
ولا يزال. انظر آخرالآية ١١. وقوله يعني: الآية ٧٥ من سورة الأنفال. فالأقارب بعضهم أحق بإرث بعض من الحلفاء، لأن الحليف لم يبق له نصيب، خلافًا
لما كانت عليه الجاهلية والمسلمون قبل نزول الآية ٣٣ هذه. وهو ما ذكر أنه منسوخ، أي: بطل العمل بحكمه. انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٠١:٢ -
٢٠٦

٤ - سورة النساء
٨٤
الجزء الخامس
سُورَة السَّسَاء
الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ
عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَتُ
قَنِشَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَالَّتِي تَخَافُونَ
نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ
وَأَضْرِ بُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ
بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن
يُرِيدَآ إِصْلَ حَا يُوَفِقِ اَللّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
(٢) ﴿ وَأَعْبُدُ وا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَِّ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن
كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا جَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَنْهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِةٍ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
١- ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾: مُسلَّطون ﴿عَلَى النِّساءِ﴾، يُؤدّبونهنّ ويأخذون على أيديهنّ،
﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ أي: بتفضيله لهم عليهنّ بالعِلم والعقل والولاية
وغير ذلك، ﴿وَبِما أَنفَقُوا﴾ عليهنّ ﴿مِن أمْوالِهِم. فالصّالِحَاتُ﴾ منهنّ ﴿قانِتَاتٌ﴾:
مُطيعات لأزواجهنّ، ﴿حافِظاتٌ لِلِغَيبِ﴾ أي: لفروجهنّ وغيرها في غَيبة أزواجهنّ،
﴿بِمَا حَفِظَبُهنّ ﴿الهُ﴾، حيثُ أوصى عليهنّ الأزواج، ﴿واللّتِي تَخافُونَ
نُشُوزَهُنَّ﴾: عصيانهنّ لكم، بأن ظهرت أماراته ﴿فِعِظُوهُنَّ﴾: فخوّفوهنّ اللهَ،
﴿واهجُرُوهُنَّ فِي المَضاجِعِ﴾: اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرْنَ النُّشوزَ،
﴿واضرِبُوهُنَّ﴾ ضربًا غير مُبرِّح، إن لم يرجعن بالهِجران. ﴿فإنْ
أَطَعْنَكُم﴾، فيما يُراد منهنّ، ﴿فلا تَبِغُوا﴾: تطلبوا ﴿عَلَيهِنَّ سَبِيلًا﴾: طريقًا
ربع
الخِزَبْ
إلى ضربهنّ ظُلمًا. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ٣٤، فاحذروه أن يُعاقبكم إن
ظلمتموهنّ .
٢- ﴿وإنْ خِفْتُم﴾: علمتم ﴿شِقاقَ﴾: خلافَ ﴿بَينِهِما﴾: بينِ الزوجين - والإضافة
للاتّساع - أي: شقاقًا بينَهما ﴿فابعَثُوا﴾ إليهما برضاهما ﴿حَكَمًا﴾: رجلًا عدلًا ﴿مِن
أهلِهِ﴾: أقاربه، ﴿وَحَكَمًا مِن أهلِها﴾. ويُوكِّلُ الزوجُ حَكَمَه في طلاقٍ وقبولِ عِوَضٍ
عليه، وتُوكِّلُ هي حَكَمَها في الاختلاع، فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يُفرِّقان
إن رأياه. قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدا﴾ أي: الحَكَمانِ ﴿إِصلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَينَهما﴾: بين
الزوجين أي: يُقدّرْهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾
بكلّ شيء، (خَبِيرًا﴾ ٣٥ بالبواطن والظواهر.
٣- ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾: وحّدوه ﴿ولا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَ﴾ أحسنوا ﴿بِالوالِدَينِ إحسانًا﴾ برًّا ولِينَ جانب، ﴿وبِذِي القُربَى﴾: القرابة، ﴿واليَتَامَى
والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُربَى﴾: القريبِ منك في الجوار أو النسب، ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾: البعيد عنك في الجوار أو النسب، ﴿والصاحِبِ
بِالجَنْبِ﴾: الرفيق في سفر أو صِناعة وقيل: الزوجة، ﴿وابنِ السَّبِيلِ﴾: المنقطع في سفره، ﴿وما مَلَكَتْ أيمانُكُم﴾ من الأرِقّاء. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ
مَن كانَ مُختالًا﴾: مُتكبّرًا، ﴿فَخُورًا﴾ ٣٦ على النّاس بما أُوتي.
٤ - ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿يَبِخَلُونَ﴾ بما يجب عليهم، ﴿ويأمُرُونَ النّاسَ بِالبُخلِ﴾ به، ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضِلِهِ﴾ من العِلم والمال. وهم
اليهود. وخبر المبتدأ: لهم وعيد شديد - ﴿وأعتَدْنا لِلكافِرِينَ﴾ بذلك وبغيره ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣٧: ذا إهانة - ﴿والَّذِينَ﴾: عطف على ((الّذين)) قبله
(١) القوّام: الكثير القيام بالمصالح والتدبير والتأديب والرعاية. والمسلط: بالحق والمعروف. ويأخذون على أيديهن أي: يمنعونهن إذا أردن مكروهًا.
وفضله: خصّه بفضيلة. وبعضهم أي: بعض الناس. وذكرُ العلم والعقل هو من باب الأغلبية، وهذا لا يمنع أن تكون امرأة أعلم وأعقل من بعض الرجال،
وإن كان ذلك نادرًا. وغير ذلك أي: كحسن التدبير، ومزيد القوة للقيام بالطاعات. وأنفق: بذل ودفع من مهر ونفقة دائمة وتكاليف. والصالحة: المحسنة إلى
زوجها. والحافظة: الواقية والحامية بالحرص والعفاف. وللغيب أي: لغيب أزواجهن. وغيرها أي: ماكان من مال وبيت وأولاد وأسرار. وتخاف: تظن
وتتوقع. والنشوز: الترفع والانصراف بالنفس والتطلعات. والمضاجع: جمع مَضجَع. والضرب يكون خفيفًا بالسواك وأمثاله، فيما دون الوجه، للتنبيه والردع
لا للإيذاء أو الإهانة. والمبرّح: المؤذي. والأمور الثلاثة مرتبة، ينبغي أن يُتدرَّج فيها بحكمة. وعليهن أي: للتعدي عليهن وتجديد الردع. وكان: انظر آخر
الآية ١١. والعلي: العالي على عباده بالخلق والتذليل والقدر دونه كل مخلوق. والكبير: المتكبر على كل شيء.
(٢) الحَكَم: من يصلح للحكم بالنَّصَفة لمعرفته بالشريعة وبواطن الأمور. والاختلاع: طلاق الزوجة بفدية من مالها. وإن رأياه أي: يحكمان بالتفريق إن تعذر
الوفاق، ورأيا التفريق مصلحة للطرفين. ويريد: يطلب. والإصلاح: إزالة الخصومة بالوفاق أو الطلاق. ويوفق بينهما أي: يوقع الموافقة بين الزوجين على
حل صالح لهما. وكان: انظر آخر الآية ١١. والعليم: البالغ العلم والإحاطة. والخبير: العظيم الخبرة والاطلاع لا يخفى عليه شيء.
(٣) اعبدوه: قدّسوه وأطيعوه. وتشرك به: تقدس وتطيع معه. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده أو متخيل. والوالدان: الأب والأم، أو الجد
والجدة. وذو القربى: صاحبها في النسب. واليتامى: جمع يتيم. وهو الطفل مات أبوه. والمساكين: جمع مسكين. وهو الفقير المحتاج. والجار: المُجاور
في السكن أو العمل. والصاحب: المُرافق. والجَنْب: القُرب. وما ملكت أيمانكم أي: عبيدكم وإماؤكم، وهم الأرقاء جمع رقيق. ولا يحبه أي: يكرهه.
والفخور: من يكثر تعداد مناقبه للتطاول.
(٤) أعتدنا: أعددنا وهيأنا ليوم القيامة. والكافر: الجاحد لما يعلم أنه حق مكابرة وعنادًا. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والرئاء:
أن يظهر الإنسان لغيره ماليس في قلبه من مقاصد الخير والصلاح، ليقابله ذاك بالتقدير والاحترام. ولا يؤمنون به أي: يجحدون وجوده وينكرون ذلك. واليوم
الآخر: يوم القيامة. والشيطان: من يغري بالشر والعصيان من الإنس والجن. والقرين: المقارن الملازم.

الجزء الخامس
٨٥
٤ - سورة النساء
﴿يُنفِقُونَ أمْوالَهُم رِئاءَ النّاسِ﴾: مُرائين لهم، ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ولا بِاليَومِ الآخِرِ﴾.
كالمنافقين وأهل مكّة. ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيطانُ لَهُ قَرِينًا﴾: صاحبًا، يعمل بأمره كهؤلاء،
﴿فساءَ﴾: بئس ﴿قَرِينًا﴾ ٣٨ هو!
١- ﴿وماذا عَلَيهِم، لَو آمَنُوا بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، وأنفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ أي: أُّ ضرر
عليهم في ذلك؟ والاستفهام للإنكار، ولو: مصدرية أي: لا ضرر فيه، وإنّما الضرر
فيما هم عليه، ﴿وكانَ اللهُ بِهِم عَلِيمًا﴾ ٣٩، فيُجازيهم بما عملوا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظِلِمُ﴾
أحدًا ﴿مِثقالَ﴾: وزنَ ﴿ذَرّةٍ﴾: أصغرِ نملةٍ، بأن يَنقُصَها من حسناته أو يزيدَها في
سيّئاته، ﴿وإنْ تَكُ﴾ الذرّةُ ﴿حَسَنَةَ﴾ من مُؤمن - وفي قراءة بالرفع، فـ((كان)): تامّةٌ -
﴿يُضاعِفْها﴾ من عَشْر إلى أكثرَ من سبعِمِائَة - وفي قراءة: (يُضَعِّفْها)) بالتشديد -
﴿ويُؤتِ مِن لَدُنْهُ﴾: من عِنده مع المُضاعفة ﴿أجرًا عَظِيمًا﴾ ٤٠ لا يُقدّره أحد.
﴿فَكَيفَ﴾ حالُ الكُفّار، ﴿إذا جِئنا مِن كُلِّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ يشهد عليها بعملها، ﴿وچِئنا
بِكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَلَى هُؤُلاءِ شَهِيدًا ٤١؟ يَومَئذٍ﴾: يوم المجيء ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وعَصَوُا الرَّسُولَ لَو﴾ أي: أن ﴿تُسَوَّى﴾ - بالبناء للمفعولِ، وللفاعلِ مع حذف إحدى
التاءين في الأصل، ومع إدغامها في السين أي: تَتَسَوَّى - ﴿بِهِم الأرضُ﴾ بأن يكونوا
تُرابًا مِثْلَها لِعِظَم هوله، كما في آية أُخرى: ((ويَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنتُ تُرابًا))، ﴿ولا
يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ ٤٢ عمّا عملوه. وفي وقتٍ آخَر يكتمونه: ((واللهِ رَبِّنا ما كُنّا
مُشرِكِينَ)).
سُورَة النَّسَاء
وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ رِنَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ
◌ِلَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرُ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَآءَ
قَرِيْنًا ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْءَامَنُواْبِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْآَخِ وَأَنفَقُواْ
مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٦) إِنَّاللَّهَ لَا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَ إِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَُّنْهُ
أَجْرًّاً عَظِيمًا ﴾ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٢ يَوْمَيِذٍ يَوَدُّالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْثُمُونَ
اللَّهَ حَدِيثًا (٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ
وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَاجُنُبًا إِلَّا عَابِى
سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَ إِن كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ
أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبَافَأَ مْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُواْالسَّبِيلَ
٢- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ أي: لا تُصلّوا ﴿وأنتُم سُكارَى﴾ من
الشراب، لأنّ سبب نزولها صلاة جماعة في حال السُّكر، ﴿حَتَّى تَعلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ بأن تَصحُوا، ﴿ولا جُنْبًا﴾ بإيلاج أو إنزال - ونصبُه على
الحال. وهو يُطلق على المُفرد وغيره - ﴿إِلّ عابِرِي﴾: مُجتازِي سَبِيلٍ﴾: طريق أي: مسافرين، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فلكم أن تُصلّوا - واستثنَى
المسافرَ لأنّ له حُكمًا آخر سيأتي. وقيل: المُراد النهي عن قُربان مواضع الصلاة أي: المساجدِ، إلّا عبورَها من غير مَكث - ﴿وإنْ كُنتُم مَرَضَى﴾
مَرَضًا يضرّه الماء، ﴿أَو علَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وأنتم جُنُب أو مُحْدِثَون، ﴿أو جاءَ أحَدٌ مِنكُم مِنَ الغائطِ﴾ هو المكان المُعَدّ لقضاء الحاجة،
أي: أحدَثَ، ﴿أو لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ - وفي قراءة بلا ألف. وكلاهما بمعنّى، من اللمس وهو الجسّ باليد. قاله ابن عُمرَ وعليه الشافعيّ، وألحَقَ
به الجسَّ بباقي البَشَرة. وعن ابن عبّاس: هو الجِماع - ﴿فَلَم تَجِدُوا ماءً﴾ تَطَهَّرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش، وهو راجع إلى ما عدا
المرضى، ﴿فتَمَّمُوا﴾: اقصِدوا بعد دخول الوقت ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: تُرابًا طاهرًا، فاضربوا به ضربتين ﴿فامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيدِيكُم﴾ إلى
المِرفقين منه. ومَسَحَ: يتعدّى بنفسه وبالحرف. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ٤٣ .
٣- ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾: حظًّا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ - وهم اليهود - ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالةَ﴾ بالهدى، ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ٤٤:
تُخطئوا طريق الحقّ، لتكونوا مِثلهم؟ ﴿واللهُ أَعلَمُ بأعدائكُمْ﴾ منكم، فيُخبركم بهم لتجتنبوهم، ﴿وكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا﴾: حافظًا لكم منهم! ﴿وگَفَى بِاللهِ
نَصِيرًا﴾ ٤٥: مانعًا لكم من كيدهم!
(١) بالرفع يريد ((حَسَنٌ)). ويضاعفها: يضاعف أجرها مرارًا. ويؤت أي: يعط صاحب الحسنة تفضلًا. ومن عنده أي: بإحسانه. والكفار: غير المسلمين.
وجئنا به: أحضرناه. والشهيد: من يقرّ بما يعلم. وهؤلاء أي: الأنبياء وجميع الأمم. ويود: يتمنى. وعصوه: خالفوه. والرسولَ أي: أمْرَ رسولِهم. وتُسوَّى
بهم: تنشق وتبتلعهم. وللفاعل أي ((تَسَوَّى)). وبالإِدغام أي (تَسَّوَّى)). والأرض: مكان حشر الناس. والمراد بالآية الأخرى ذات الرقم ٤٠ من سورة النبأ.
ويكتم: يُخفي. والحديث: القول. و((وفي وقت)) انظر الآية ٢٣ من سورة الأنعام.
(٢) الصلاة: العبادة المكتوبة. والسكارى: جمع سكران. والشراب: شرب ما يسكر. وتعلموا أي: تدركوا. والجنب: البعيد عن الطهارة. والإيلاج:
الجماع. والإنزال: إلقاء المَنِيّ. وكذلك الحيض والنفاس. وتغتسل: تطهّر البدن بالماء. واستثنى المسافرَ أي: من وجوب الاغتسال. والمرضى: جمع
مريض. والمُحدِث: الذي أتى بما ينقض الطهارة الشرعية. وأحدث: قضى حاجة من التبول أو التغوط. وبلا ألف يريد ((لَمَستُم)). وابن عمر: عبد الله بن عمر
ابن الخطاب. وباقي البشرة: سائر جلد الإنسان. يعني أن حكم ذلك أيضًا هو حكم الجس باليد. وابن عباس: عبدالله بن عباس. والوقت: وقت الصلاة.
وامسحوا أي: دلكًا بالتراب. ومنه أي: من بعض الصعيد الطيب. والعفوّ: الكثير الصفح والإزالة للذنوب. والغفور: الكثير الستر لها وعدم المؤاخذة عليها .
(٣) ألم تر أي: لقد رأيت عيانًا. وأوتوه: كلفوا باتباعه. ويشتري: يستبدل. والضلالة: الكفر. ويريد: يطلب. وأعلمُ: أكثر علمًا وأوفى وأثبت وأدق.
والأعداء: جمع عدو. وهو المعادي المخاصم. وكفى أي: بلغ نهاية الكفاية بلا معين ولا منازع.

٤ - سورة النساء
٨٦
الجزء الخامس
سُورَة النَّسَاء
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَابِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا
مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَشْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيًّا بِاَلْسِلَئِهِمْ
وَطَعْنَا فِى الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا
لَكَانَ خَيْرًالَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن ◌َّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا
عَلَ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿ إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا
(٣) أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ
وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ
وَكَفَى بِهِإِثْمَا تُبِينًا (٥ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا
مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءٍ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ سَبِيلًا
١- ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قوم ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: يُغيِّرُون ﴿الكَلِمَ﴾ الذي أنزل اللهُ في
التوراة، من نعت مُحمّد، ﴿عَن مَواضِعِهِ﴾ التي وُضع عليها، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ للنبيّ إذا
أمرهم بشيء: ﴿سَمِعْنا﴾ قولك ﴿وَعَصَينا﴾ أمرك، ﴿واسمَعْ، غَيرَ مُسمَعٍ﴾: حالٌ
بمعنى الدعاء أي: لا سمعتَ، ﴿وَ﴾ يقولون له: ﴿راعِنا﴾ - وقد نُهيَ عن خِطابه بها.
وهي كلمة سبّ بلغتهم - ﴿لَيَّ﴾: تحريفًا ﴿بِألسِنتِهِم وطَعْنَا﴾: قدحًا ﴿فِي الدِّينِ﴾:
الإِسلام. ﴿وَلَو أنَّهُم قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ بَدَلَ ((وعَصَينا))، ﴿واسمَعْ﴾ فقط
﴿وانظُرْنا﴾: انظر إلينا بَدَلَ ((راعِنا))، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُم﴾، ممّا قالوه ﴿وأقوَمَ﴾: أعدلَ
منه، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾: أبعدَهم عن رحمته ﴿بِكُفرِهِم، فلا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا﴾ ٤٦
منهم كعبدالله بن سلام وأصحابه.
٢ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ من القُرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم﴾.
من التوراة، ﴿مِن قَبَلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: نمحوَ ما فيها من العين والأنف
والحاجب، ﴿فَرُدَّها عَلَى أدبارِها﴾: فنجعلَها كالأقفاء لوحًا واحدًا، ﴿أَو نَلعَنَّهُم﴾:
نمسخَهم قِرِدةً ﴿كَما لَعَنّا﴾: مسخنا ﴿أصحابَ السَّبتِ﴾ منهم - ﴿وكانَ أمرُ اللهِ﴾:
قضاؤه ﴿مَفْعُولًا﴾ ٤٧. ولمّا نزلتْ أسلم عبدالله بن سلام. فقيل: كان وعيدًا بشرط.
فلما أسلم بعضهم رُفع. وقيل: يكون طمس ومسخ قبل قيام الساعة - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ
أن يُشرَكَ بِهِ﴾ أي: الإِشراكَ بِهِ، ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ﴾: سِوَى ﴿ذُلِكَ﴾ من الذُّنوب ﴿لِمَن
يَشاءُ﴾ المغفرةَ له، بأن يُدخله الجنّة بلا عذاب - ومن يشأ يعذّبْه من المؤمنين بذُنوبه،
ثمّ يُدخلْه الجنّة - ﴿ومَن يُشرِك بِاللهِ فقَدِ افتَرَى إثمًا﴾: ذنبًا ﴿عَظِيمًا﴾ ٤٨: كبيرًا.
٣- ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أنفُسَهُم﴾؟ وهم اليهود، حيثُ قالوا: ((نَحنُ أبناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ». أي: ليس الأمر بتزكيتهم أنفُسَهم، ﴿بَلِ اللهُ
يُزَكِّي﴾: يُطهّرُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ بالإِيمان، ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾: يُنقَصون من أعمالهم ﴿فَتِيلًا﴾ ٤٩: قَدْرَ قِشرة النواة. ﴿انظُرْ﴾ مُتعجّبًا: ﴿كَيفَ يَفْتَرُونَ
عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ بذلك؟ ﴿وكَفَى بِهِ إثمًا مُبِينًا﴾ ٥٠: بيِّنًا! ونزل في كعب بن الأشرف ونحوه من عُلماء اليهود، لمّا قَدِموا مكّة وشاهدوا قتلى
بدر، وحرّضوا المُشركين على الأخذ بثأرهم ومُحاربة النبي ◌َِّ: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، يُؤمِنُونَ بِالحِبتِ والطّاغُوتِ﴾:
صنمان لقُريش، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبي سُفيان وأصحابِهِ، حين قالوا لهم: ((أنحن أهدى سبيلاً، ونحن وُلاة البيت: نسقي الحاجّ ونَقري
الضيف ونفكّ العانيّ ونفعلُ، أم مُحِمّد، وقد خالف دِين آبائه وقطع الرَّحِم وفارق الحَرَم)»؟: ﴿هُؤُلاءِ﴾ أي: أنتم ﴿أهدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
سَبِيلًا﴾ ٥١: أَقوَمُ طريقًا؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ، ومَن يَلعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَّهُ نَصِيرًا﴾ ٥٢: مانعًا من عذابه.
(١) هادَ: لزم طريق اليهودية. والكلم: واحدته كَلِمة. والمواضع: جمع مَوضع. وسمعنا: أدركنا. وعصينا: كفرنا بك وبقولك. واسمع أي: أنصِت إلينا.
فهم يرفعون أصواتهم بـ ((اسمع)) ليُنصِت إليهم، ثم يقولون في أنفسهم: ((غير مُسمَع)). وراعنا: انظر الآية ١٠٤ من سورة البقرة. والألسنة: جمع لسان.
والقدح: الشتم والذم. وأطعنا: لزمنا الأمر والنهي. والكفر: الإنكار والتكذيب. وعبدالله بن سلام: كان أحد أحبارهم. وأصحابه: من أسلم من اليهود في
ذلك الوقت .
(٢) أُوتوه: أعطوه وأُلزموا ما فيه. وآمنوا: صدقوا يقينًا. ونزّلنا أي: أوحيناه على لسان جبريل. ومصدقًا لما معكم أي: موافقًا ما أنزلنا إلى أجدادكم.
والوجوه: جمع وجه. والأدبار: جمع دُبُر. والأقفاء جمع قفا. وهو مؤخر العنق. والأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء ينسب إليه. والسبت:
اليوم الأول من الأسبوع، كان الاعتداء فيه بالاحتيال للصيد سببًا لمسخ بعض اليهود. وقضاؤه: ما حكم به. ومفعولًا أي: واقعًا لا مرد له. وبشرط: يعني أن
الوعيد بالطمس أو المسخ مشروط بعدم الإيمان. ويغفر الذنب: يعفو عنه. ويشرَك به: يُجعل له شريك في التقديس والطاعة. وذلك أي: الشرك. ويشاء:
يريد. وافترى: اختلق.
(٣) ألم تر: انظر الآية ٤٤. ويزكونها: يمدحونها ويطهرونها من الذنوب. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان بروحه وجسده. و((قالوا)): انظر الآية ١٨ من
سورة المائدة. ويشاء أي: يريد تزكيته. ويُظلم: يجار عليه ولا ينصف. و((قشرة النواة)) هنا خطأ، وهو تفسير القِطمِير. والفتيل: خيط دقيق في شَقّ النواة.
وانظر أي: تأمّل شناعة دعواهم. ويفتري: يكذب. وبذلك أي: بتزكية أنفسهم. وكفى: انظر آخر الآية ٤٥. وبه أي: بزعمهم في التزكية والافتراء. وكعب بن
الأشرف: أحد علماء اليهود وشعرائهم. والنصيب: القدر المعلوم. ويؤمنون به أي: يعتقدون ألوهيته ويقدسونه. والجبت: الرذِل لا خير فيه. والطاغوت جُعِل
اسمًا لصنم آخر. والبيت: البيت الحرام. والحاجّ: الحُجّاج. ونقري: نكرم. والعاني: الأسير. ونفعل أي: ونفعل غير ذلك من الأمور الحسنة. وأهدى:
أكثر هداية إلى الحق. ولعنهم: طردهم من رحمته. وتجد: ترى.

الجزء الخامس
٨٧
٤ - سورة النساء
١- ﴿أم﴾: بل أ ﴿لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ﴾؟ أي: ليس لهم شيء منه، ولو كان ﴿فِذَا
لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ٥٣ أي: شيئًا تافهًا قدْرَ النُّقرة في ظهر النواة، لفَرط بُخلهم.
﴿أم﴾: بل أ ﴿يَحسُدُونَ النّاسَ﴾ أي: النبيَّ ﴿عَلَى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضِلِهِ﴾ من النبوّة
وكثرة النِّساء؟ أي: يتمنَّون زواله عنه، ويقولون: لو كان نبيًّا لاشتغل عن النِّساء. ﴿فَقَد
آتينا آلَ إِبراهِيمَ﴾ جدِّه، کموسى وداودَ وسُليمانَ، ﴿الكِتابَ والحِكْمةَ﴾: النبوّة،
﴿وَآتَيْناهُم مُلكًا عَظِيمًا﴾ ٥٤، فكان لداودَ تسع وتسعون امرأة، ولسليمانَ ألفٌ ما بين
حُرّة وسُرِّيّة. ﴿فَمِنْهُم مَن آمَنَ بِهِ﴾: بمُحمّد، ﴿ومِنْهُم مَن صَدَّ﴾: أعرض ﴿عَنْهُ﴾ فلم
يُؤْمن، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ ٥٥: عذابًا لمن لا يُؤمن!
٢- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوفَ نُصلِيهِم﴾: نُدخلهم ﴿نارًا﴾، يحترقون
الْخِزْبُ
فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾: احترقتْ ﴿جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُم جُلُودًا غَيرَها﴾، بأن تُعاد
إلى حالها الأوّل غيرَ محترقة، ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾: ليُقاسوا شِدّته - ﴿إِنَّ اللهَ
كانَ عَزِيزًا﴾: لا يُعجزه شيء، ﴿حَكِيمًا﴾ ٥٦ في خلقه - ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا
الصّالِحَاتِ سَنُدخِلُهُم جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحِها الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، لَهُم فِيها
أزواجُ مُطَهَّرةٌ﴾ من الحيض وكلّ قذر، ﴿ونُدخِلُهُم ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ ٥٧: دائمًا لا تنسخه
شمس. وهو ظِلّ الجنّة .
سُورَةِ النساءِ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَنْ تَجِدَلَهُ نَصِيًّال
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلّكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا[®] أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَ اتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَا
ءَالَ إِبْرَهِيمَ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا عَظِيمًا﴾
فَمِنْهُمْ مَّنْءَامَنَ بِهِ،وَمِنْهُم مَّنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بَِا يَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارَاكُّمَا نَضِحَتْ
جُلُودُ هُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُ وقُواْ الْعَذَابِّ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَزِزًا حَكِيمًا (٦) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ
سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا أَبَدًا
◌ٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّاً ظَلِيلًا ﴾ ﴿ إِنَّ
◌َهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مَّطَـ
﴿اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ
النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّاللَّهَ نِعِمَا يَعِظُ كُمِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًاً
بَصِيرًا لََّّْتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ
﴿اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَّخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾َّ
٣- ﴿إِنَّ اللهَ يأمُرُكُم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ﴾ ما اؤْتُمِنَ عليه من الحُقوق ﴿إِلَى أهلِها﴾ -
نزلتْ لمّا أخذ عليٍّ مِفتاحَ الكعبة من عُثمانَ بنِ طلحةَ الحَجَبيِّ سادِها قسرًا، لمّا قدم النبيّ ◌ََّ مكّةَ عامَ الفتح، ومَنَعَه وقال: لو علمتُ أنه رسول
الله لم أمنعه. فأمَر ◌ََّ بردّه إليه، وقال: ((هاكَ خالِدَةً تالِدةً)). فَعَجِبَ من ذلك، فقرأ له عليّ الآية فأسلمَ. وأعطاه عند موته لأخيه شيبةَ، فبقي في
ولده. والآية وإن وردت على سبب خاصّ فعمومها مُعتبر بقرينة الجمع - ﴿وإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ﴾ يأمرُكم ﴿أَنْ تَحكُمُوا بِالعَدلِ. إنَّ اللهَ نِعِمًا﴾
- فيه إدغام ميم (نِعِمَ)) في ((ما)) النكرة الموصوفة - أي: نِعْمَ شيئًا ﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾ تأديةُ الأمانة والحكمُ بالعدل! ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا﴾ لما يُقال،
﴿بَصِيرًا﴾ ٥٨. بما يُفعل.
٤- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، أَطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ، وأُولِي﴾: وأصحابَ ﴿الأمرِ﴾ أي: الولاةَ ﴿مِنكُم﴾، إذا أمروكم بطاعة الله ورسوله،
﴿فإنْ تَنَازَعتُمْ﴾: اختلفتم ﴿فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ﴾ أي: كتابِهِ ﴿والرَّسُولِ﴾ مُدّةَ حياته، وبعده إلى سُنَّته أي: اكشفوا عليه منهما، ﴿إِنْ كُنتُم
تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ. ذلِكَ﴾ أي: الردّ إليهما ﴿خَيرٌ﴾ لكم من التنازع والقول بالرأي، ﴿وأحسَنُ تأِيلًا﴾ ٥٩: مالًا.
(١) النصيب: القدر المعلوم. والملك: حق التصرف في العالم. ومِنه أي: من الملك. فقد زعم اليهود أن ملك الدنيا لهم، وسيحوزونه بكل وسيلة.
ويؤتون: يعطُون. والنقرة: الحفرة الدقيقة. يريد: قدر ما يملؤها. والأولى أن يكون الحسد على العزة وازدياد الرفعة. أما تعدد الزوجات فليس مما يَكرهه
العرب أو أنبياء يهود، حتى يكون سببًا للذم. وأريد بالناس النبيُّ لأنه جمع كل الخصال الحميدة المتفرقة في الناس. وآتى: أعطى. والفضل: التفضل
والإحسان. وآل إبراهيم: ذريته من أولاد وحفدة. وجدّه أي: آل جده. يعني: جد النبي ◌ّه. والكتاب أي: الكتب. والحكمة: وضع الشيء في موضعه بغاية
الإتقان. والحرّة: الزوجة بمَهر. والسُّرِّيّة: الجارية المملوكة ينكحها سيدها. وما جاء هنا عن سليمان هو من الإسرائيليات المنكرة. انظر ((المفصل)).
والسعير : شدة توقد النار.
(٢) الجلود: جمع جلد. والعزيز: الغلّاب يذل لعزته ما عداه. والحكيم: ذو الحكمة العالية. والصالح: ما يرضاه الله. ومن تحتها أي: من تحت قصورها.
والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم مدة طويلة. وأبدًا أي: إلى نهاية الزمن. والأزواج: جمع زوج. وهو الزوجة. وقذر أي: كالنفاس وسوء الخلق
والخلاف. والظليل أي: لا ينتقل وليس فيه ثغرات.
(٣) تؤدي: تسلم. والحقوق: حقوق الله والمخلوقات والنفس. وأهلها: أصحابها. وعثمان هذا صحابي أسلم في هُدنة الحُدَيبية، لا كما يذكر السيوطي بعد.
والحَجَبيّ: منسوب إلى الحِجابة: خدمة الكعبة وحفظ مفتاحها. ومنعه أي: كان منع عثمانُ بن طلحة تسليمَ المفتاح. وهاك أي: خذ هذه الخدمة. والسميع:
المدرك للمسموعات. والبصير: البالغ العلم.
(٤) الولاة: جمع الوالي، كالخليفة والقاضي والعالم بالشرع والمسؤول عن عمل أو إدارة. ومنكم أي: من المسلمين. واختلفتم أي: أنتم وأولو الأمر.
والمراد: فيما ليس فيه نص صريح. وردوه أي: اعرضوه. وسُنّته: ما صحّ عنه. وخير: أكثر نفعًا. وأحسن: أجمل. والتفضيل بـ ((خير وأحسن)) لاعتبار ما في
النفوس، من ظن بحُسن ما ترغب فيه.

٤ - سورة النساء
٨٨
الجزء الخامس
سُورَة النَّسَاءِ
أَلَمّتَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلَلأْ بَعِيدًا ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ
اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ
صُدُودًا ﴾ فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا
إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا يَـ
فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىّ
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
٦٣
أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ
جَاءُ وَكَ فَأَسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
١- ونزل، لمّا اختصم يهوديّ ومُنافق، فدعا المُنافقُ إلى كعبِ بن الأشرف ليحكم
بينهما، ودعا اليهوديُّ إلى النبيّ وََّ، فأتياه فقضى لليهوديّ فلم يرضَ المُنافقُ، وأتيا
عُمَرَ فذكر اليهوديّ له ذلك، فقال للمُنافق: أكذلك؟ فقال: نعم. فقتله: ﴿أَلَم تَرَ إلَى
الَّذِينَ يَزِعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ، وما أُنزِلَ مِن قَبِكَ، يُرِيدُونَ أن يَتَحاكَمُوا إِلَى
الطّاغُوتِ﴾: الكثير الطُّغيان - وهو كعب بن الأشرف - ﴿وَقَد أُمِرُوا أنْ يَكفُرُوا بِهِ﴾
ولا يُوالوه، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيطانُ أنْ يُضِلَّهُم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٦٠ عن الحقّ؟ ﴿وإذا قِيلَ
لَهُم: تَعالَوا إِلَى ما أَنزَلَ اللهُ﴾ في القُرآن من الحُكم، ﴿وإِلَى الرَّسُولِ﴾ ليحكم بينكم،
﴿رأيتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾: يُعرِضون ﴿عَنكَ﴾ إلى غيرك ﴿صُدُودًا ٦١ - فَكَيفَ﴾
يصنعون، ﴿إذا أصابَتُهُم مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة، ﴿بِما قَدَّمَتْ أيدِيهِم﴾ من الكُفر والمعاصي،
أي: أيقدِرون على الإِعراض والفِرار منها؟ لا - ﴿ثُمَّ جاؤُوكَ﴾: معطوفٌ على
((يصدّون))، ﴿يَحِلِفُونَ بِاللهِ إنْ﴾: ما ﴿أَرَدْنا﴾ بالمُحاكمة إلى غيرك ﴿إِلّا إحسانًا﴾:
صُلحًا ﴿وَتَوفِيقًا﴾ ٦٢: تأليفًا بين الخصمين بالتقريب في الحُكم، دون الحمل على مُرِّ
الحقّ.
٢- ﴿أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ يَعلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِم﴾، من النّفاق وكذبهم في عُذرهم.
﴿فَأَعرِضْ عَنْهُم﴾ بالصفح، ﴿وعِظْهُم﴾: خوَّفْهُمُ اللهَ، ﴿وَقُلْ لَهُم في﴾ شأن ﴿أَنفُسِهِم
قَولًا بَلِيغًا﴾ ٦٣: مُؤثّرًا فيهم، أي: أزجُرْهم ليرجِعوا عن كُفرهم. ﴿وما أرسَلْنا
مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ﴾، فيما يأمر به ويحكم، ﴿بإذنِ اللهِ﴾: بأمره، لا ليُعصَى
ويُخالَف. ﴿وَلَو أَنَّهُم، إذ ظَلَمُوا أنفُسَهُم﴾ بتحاكمهم إلى الطاغوت، ﴿جاؤُوكَ﴾ تائبين، ﴿فاستَغْفَرُوا اللهَ واستَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ - فيه التفات عن
الخِطاب تفخيمًا لشأنه - ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوَابًا﴾ عليهم، ﴿رَحِيمًا﴾ ٦٤ بهم. ﴿فلا - ورَبِّكَ - لا يُؤمِنُونَ﴾ لا: زائدة ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ﴾:
اختلط ﴿بَينَهُم، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنفُسِهِم حَرَجًا﴾: ضِيقًا أو شكًّا ﴿مِمّا قَضَيتَ﴾ به، ﴿ويُسَلِّمُوا﴾: ينقادوا الحُكمك ﴿تَسلِيمًا﴾ ٦٥ من غير
مُعارضة .
(١) قوله ((نزل)) أي: ما في الآيات ٦٠-٦٤. واختصم أي: اختلف وتنازع. ودعا: طلب التحاكم. والمنافق اسمه بشر. وكعب بن الأشرف أحد أحبار اليهود
وشعرائهم، كان من أشد الناس عداوة للمسلمين والإسلام، وقتله بعض الأنصار. ولم يرض أي: بحكم النبي وطلب الاحتكام إلى عمر بن الخطاب. وقتله
يعني: قتل عمرُ المنافقَ، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله رسوله. الواحدي ص ١٥٤- ١٥٥ والدر المنثور ٢: ١٨٠ - ١٨٢. ومضمون الآيات يعم
أيضًا من يلجأ إلى قضاء الكافرين وقوانينهم المستوردة ويترك أحكام الشرع. وألم تر أي: لقد رأيت حقًّا. ويزعم: يدعي بالباطل. وآمنوا به: صدّقوه يقينًا .
وأُنزل: أوحي ونزل به جبريل. وما أُنزل من قبلك أي: التوراة. ويريد: يطلب. والطغيان: تجاوز الحد المقبول. وأمر: وجب عليه. ويكفر به: يكذّب قوله.
والشيطان: من يغري بالشر من الجن والناس. ويضله: يخرجه ويبعده. والبعيد: المغرق في الانحراف. وتعالوا: توجهوا. وأنزل: أوحى على لسان جبريل.
ورأيت: أبصرت. والمنافق: من يُظهر بلسانه غير ما في قلبه. وأصابتهم: حلت بهم. والعقوبة هي مقتل المنافق بيد عمر، وما يكون من البلاء والمحن
والمذلة للمسلمين المحتكمين إلى قوانين الكفّار. وقدمت أيديهم أي: فعلوا وقالوا. والمراد هو التحاكم إلى غير الشرع. والأيدي: جمع يد. و((لا)) يعني أنهم
هالكون ولا نجاة لهم من العقاب، وقد حصل ذلك في الدنيا، ولهم أشد منه في الآخرة. وجاؤوك أي: أتى إليك أهل المنافق القتيل، يعتذرون مما فعلوا
ويطالبون بدمه. ومعطوف: يعني أن ((فكيف ... أيديهم)) اعتراض بين المتعاطفين. ويحلف: يُقسم الأيمان. وأردنا: قصدنا وطلبنا. والإحسان: العمل الحسن
الطيب. والتقريب: التساهل والتوسط.
(٢) الإشارة بـ ((أولئك)) هي إلى المنافقين وأمثالهم. ويعلمه: يحيط به جملة وتفصيلاً. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر والاعتقاد والانفعال، يمد
الدماغ بذلك مع ماء الحياة صافيًا. وأعرض عنهم أي: اتركهم ولا تعاقبهم ولا تعاتبهم بما كان منهم. والصفح: العفو والمسامحة. والأنفس: جمع
النفس. وهي حقيقة الإنسان بروحه وجسده. والبليغ: ما يطابق مدلوله المقصود به. وازجرهم أي: وبخهم وهددهم بالقتل، إن عادوا إلى مثل فعلهم.
وأرسل: بعث وكلف بالدعوة والعمل. والرسول: من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويطاع: يستجاب لأمره ونهيه. وظلموها: جاروا عليها
بالهلاك في الدنيا والآخرة. وجاؤوك أي: أتوا إليك. واستغفروه: طلبوا منه المغفرة بالتوبة والإخلاص. واستغفر لهم الرسول أي: شفع لهم الرسول ليُغفر
لهم. ووجد: علم علمًا يقينيّا. والتواب: الكثير القبول للتوبة. والرحيم: الكثير العطف بفضله وإحسانه. وانظر ((المفصل)). والرب: الخالق المالك المتفرد
يرعى مصالح ملكه. ويؤمن: يعرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وزائدة يعني أنها حرف زائد تكرارًا لـ ((لا)) التي قبلها لتوكيد الكلام، وأن جملة القسم اعتراضية
بين النفي والفعل المنفي. ويحكموك أي: يجعلوك حكمًا فتقضي بينهم في ذلك بما هو شرعنا. هذا في حياة النبي ◌َّةٍ، وبعد وفاته يكون الحكم بذلك أيضًا
على أيدي العلماء والفقهاء بما في القرآن الكريم والسُّنّة الشريفة. واختلط: التبس عليهم وأشكل من الخلاف. ويجد: يرى بتدبره وتعقله. وقضيت: حكمت
وأمرت .

الجزء الخامس
٨٩
٤ - سورة النساء
١- ﴿وَلَو أنّا كَتَبْنا عَلَيهِم أنِ﴾: مُفَسِّرةٌ ﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُم، أوِ اخرُجُوا مِن دِيارِكُم﴾ كما
كتبنا على بني إسرائيل، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: المَكتوبَ عليهم ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ - بالرفعِ على
البدل، والنصبِ على الاستثناء - ﴿مِنْهُم، ولَو أنَّهُم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾، من طاعة
الرسول، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ٦٦: تحقيقًا لِإِيمانهم، ﴿وإذَا﴾ أي: لو ثَبَتُوا
﴿لَآتَيْناهُم مِن لَدُنّا﴾: من عِندنا ﴿أجرًا عَظِيمًا﴾ ٦٧ هو الجَنّة، ﴿وَلَهَدَيناهُم صِراطًا
مُستَقِيمًا﴾ ٦٨.
٢- قال بعض الصحابة للنبيّ وَّ: كيف نراكَ في الجنّة، وأنتَ في الدرجات العُلا،
ونحن أسفلَ منك؟ فنزل: ﴿ومَن يُطِعِ اللّهَ والرَّسُولَ﴾، فيما أمَرا به، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، مِنَ النَِّّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾: أفاضلِ أصحاب الأنبياء لمُبالغتهم في
الصِّدق والتصديق، ﴿وَالشَّهَداءِ﴾: القتلى في سبيل الله، ﴿والصّالِحِينَ﴾ غير مَن ذُكِر،
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٦٩: رُفقاءَ في الجنّة بأن يُستمتَع فيها برؤيتهم وزيارتهم
والحُضور معهم، وإن كان مقرّهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم!
﴿ذلِكَ﴾ أي: كونهم مع من ذُكِرَ، مبتدأ خبرُه: ﴿الفَضلُ مِنَ اللهِ﴾ تفضّل به
ثلاثة أرباع
الحزب
٩
عليهم، لا أنهم نالوه بطاعتهم، ﴿وكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ ٧٠ بثواب الآخرة! أي:
فثقوا بما أخبركم به، ((ولا يُنبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)).
سُورَة النسخة
وَلَوْ أَنَّا كُنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ آَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُ جُواْ مِنْ
دِيَرِكُمُ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ
بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا () وَإِذَا لَّا تَيْنَهُم مِّن
لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا ﴿ وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا الثّـ
وَمَنْ يُطِعِاللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الَهُ عَلَيْهِم
مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ
(ج ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى
اُؤْلِكَ رَفِيقًا
بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُ واْحِذْرَكُمْ
فَأَنِفِرُ واْتُبَاتٍ أَوِ اَنِفِرُ واْجَمِيعًا [٨] وَإِنَّ مِنْكُمْلَمَن لَيْبَطََّنَّ
فَإِنْ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنَعُمَ اَللَّهُ عَلَىَ إِذْ لَوْ أَكُنْ مَعَهُمْ
شَهِيدًا (٢٦) وَلَبِنْ أَصَبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ
لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ
فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ فَلْيُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةَّ وَمَن يُقَتِلْ فِىِ
سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبُ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمَانِيَّ
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، خُذُوا حِذْرَكُم﴾ من عدوّكم، أي: احترزوا منه وتيقّظوا له،
﴿فانفِرُوا﴾: انهضوا إلى قتاله (ثُباتٍ﴾: مُتفرّقين سَرِيّةً بعد أُخرى، ﴿أوِ انفِرُوا
جَمِيعًا﴾ ٧١: مجتمعين، ﴿وإنَّ مِنكُم لَمَن لَيُبَطَِّنَّ﴾: ليتأخّرَنّ عن القِتال، كعبدالله بن أُبيِّ المُنافقِ وأصحابه - وجعله منهم من حيث الظاهر.
واللام في الفعل للقسم - ﴿فإنْ أصابَتَكُم مُصِيبةٌ﴾، كقتل وهزيمة، ﴿قَالَ: قَد أنعَمَ اللهُ عَلَيَّ، إذا لَم أكُنْ مَعَهُم شَهِيدًا﴾ ٧٢: حاضرًا فأُصابَ.
﴿وَلَئِنْ﴾: لامُ قسم ﴿أصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾، كفتح وغنيمة، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نادمًا ﴿كأنْ﴾ - مُخَفّفَةٌ واسمها محذوف - أي: كأنّه ﴿لَم يَكُنْ﴾، بالياء
والتاء، ﴿بَينَكُم وبَيْنَهُ مَوَدّةٌ﴾: معرفة وصداقة - وهذا راجع إلى قوله ((قَد أنعَمَ اللهُ عليَّ))، اعتُرض به بين القول ومقوله وهو -: ﴿يا) للتنبيه
﴿لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُم، فأَفُوزَ فَوزًا عَظِيمًا﴾ ٧٣: آخُذَ حظًّا وافرًا من الغنيمة.
٤- قال تعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: لِإِعلاء دينه ﴿الَّذِينَ يَشرُونَ﴾: يبيعون ﴿الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ. ومَن يُقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ، فَيُقتَلْ﴾:
يُستَشهَدْ ﴿أو يَغْلِبْ﴾: يَظفرْ بعدوّه، ﴿فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أجرًا عَظِيمًا﴾ ٧٤: ثوابًا جزيلًا. ﴿وما لَكُم لا تُقاتِلُونَ﴾ - استفهام توبيخ - أي: لا مانع لكم
(١) كتبنا: أمرنا بالوحي. واخرجوا: ارحلوا. والديار: جمع دار. وماكُتب على بني إسرائيل مراد به مافُرض عليهم، حين أرادوا التوبة من عبادة العجل.
انظر الآيات ٤٩-٥٨ من سورة البقرة. ويوعظ: ينصح. وخيرًا أي: أكثر نفعًا. وأشد: أقوى. وثبتوا أي: على الطاعة. وآتينا: أعطينا. والأجر: الثواب.
والعظيم: الوافر لا يقدر قدره. ومن عندنا أي: بالفضل . . هديناهم: أرشدناهم. والصراط المستقيم: الطريق المعتدل.
(٢) نزل أي: الآيتان ٦٩ و٧٠. وانظر ((المفصل)). وعــــ ينفّذ أمره ونهيه أيضًا، لأن النهي أمر بألّا يقع الفعل. ومعهم أي: في الدرجات العالية من النعيم
العظيم. وأنعم: تفضل بالإحسان. والشهداء: جمع شهيد. وحسن: كان الطيب والبهجة والجمال فيه طبيعة أصيلة. ورفيق: مُرافِق. ومن الله أي: من تكرمه.
وكفى: انظر الآية ٤٥. وما بين قوسين هو في الآية ١٤ من سورة فاطر.
(٣) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وخذوه أي: لازموه. والحذر: الاحتراز والتيقظ. والثُّبات: الجماعات المتفرقة، واحدتها تُبة. والسَّريّة: الجماعة من
خمسة إلى أربعمائة. ومجتمعين أي: بالأمرين معًا، أن يخرجوا للجهاد على كل حال، ولا يكون لهم عذر بقلة أو كثرة، وبتجمع أو تفرق. ومن حيث الظاهر
أي: أن المنافقين هم في الظاهر منكم، ولكنهم في الحقيقة أعداء لكم. وأصابتكم: نزلت بكم. وأنعم علي: أكرمني. والفضل: التفضل والإحسان. ومن الله
أي: من عنده وبأمره. والفوز: الظفر بالخير والسلامة. والعظيم: الضخم جدًا.
(٤) يقاتل: يحارب العدوَّ. والسبيل: الطريق الواضح. والدنيا: القريبة من الإنسان لأنه فيها. والآخرة: الحياة البعيدة تكون بالبعث بعد الموت. ونؤتي:
نعطي. والعظيم: الضخم لا يقدر قدره. والمستضعف: من أذلّه غيره وأهانه. والرجال: جمع رجل. والنساء: واحدته امرأة. والولدان: جمع وليد. وهو
الطفل والطفلة والعبد والأمة. وأخرجنا: اجعلنا نخرج ويسّر لنا ذلك. والقرية: البلدة. والظالم: من يضع الشيء في غير موضعه. والكفر والعدوان على
المسلمين أشنع ذلك. والأهل: المصاحبون للمكان، وهم أصحابه المتصرفون في شؤونه. واجعل: أوجِد وهيّئ. ومن عندك أي: بفضلك ورحمتك.
والنصير: المعين على العدو والشدائد. وولّى عليهم أي: بعد فتح مكة. وعتاب: من بني عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة. وفي الأصل وقرة العينين: ((أُسَيد)).
وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وفي سبيله أي: لنصرة دينه ولطاعته وطلب رضاه. والطاغوت: المبالغ في الطغيان ومجاوزة الحق. وأشنع ذلك يكون في
الشيطان، لما هو عليه من الضلال والعصيان. والأولياء: جمع وليّ. وهو الموالي والمناصر. والكيد: السعي في الفساد على جهة الاحتيال.

٤ - سورة النساء
٩٠
الجزء الخامس
سُورَة النَّسَاء
وَمَا لَكُمْلَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
اُلَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَامِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ
نَصِيرًا ﴿ الَّذِينَءَامَنُوْيُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَائِلُواْأَوْلِيَاءَ الشَّيْطَنِ إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا (٦َ أَمْتَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُّواْأَيَدِيَّكُمْ
وَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ
مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشَةِ اللَّهِ أَوْأَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ
كَنَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَاً أَخَّرْنَا إِلَى أَجَلِ فَرٍِ قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا
قَلِيلٌ وَاُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا (*) أَيْنَمَا
تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوَّكُمْ فِى بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ
هَذِهِ مِنْ عِندِلَكَ قُلْ كُلٌ مِّنْ عِندِاللّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [٨]َمَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ
سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا لَ
من القِتال ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ، وَ﴾ في تخليص ﴿المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ
والولدانِ﴾ الذين حبسهم الكُفّار عن الهجرة وآذَوهم - قال ابن عبّاس: كنتُ أنا وأُمّي
منهم - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ داعين: يا ﴿رَبَنا، أخرِجْنا مِن هُذِهِ القَرْيَةِ﴾: مكّةَ ﴿الظّالِمِ
أهلُها﴾ بالكُفر، ﴿واجعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾: من عِندك ﴿وَلِيًّا﴾ يتولّى أُمورنا، ﴿واجعَلَ
لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ٧٥: يمنعنا منهم؟ وقد استجاب الله دعاءهم، فیسّر لبعضهم
الخُروجَ، وبقي بعضهم إلى أن فُتحت مكّة، وولّى عليهم وَّهِ عتّابَ بنَ أَسِيدٍ، فأنصفَ
مظلومهم من ظالمهم. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في
سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾: الشيطانِ. ﴿فقاتِلُوا أولِياءَ الشَّيْطانِ﴾. أنصارَ دِينه، تغلبوهم
لقوّتكم بالله. ﴿إِنَّ كَيدَ الشَّيطانِ﴾ بالمُؤمنين ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ ٧٦: واهيًا، لا يُقاوِم کید
الله بالكافرين.
١- ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُم: كُفُّوا أيدِيَكُم﴾ عن قِتال الكُفّار، لمّا طلبوه بمكّة
لأذى الكُفّار لهم - وهم جماعة من الصحابة - ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ. فَلَمّا
كُتِبَ﴾: فُرض ﴿عَلَيهِم القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهُم يَخْشَونَ﴾: يخافون ﴿النّاسَ﴾: الكُفّارَ،
أي: عذابَهم بالقتل ﴿كَخَشْيتٍ﴾ـهم عذابَ ﴿اللهِ، أو أشَدَّ خَشْيَةً﴾ من خشيتهم له؟
ونُصبَ ((أشدَّ» على الحال، وجواب (لمّا)) دلَّ عليه ((إذا)) وما بعدها، أي: فاجأهم
الخَشيةُ، ﴿وقالُوا﴾ جزءًا من الموت: ﴿رَبَّنَا، لِمَ كَتَبْتَ عَلَينا القِتالَ؟ لَولا﴾: هلّا
﴿أَخَرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ. قُلْ﴾ لهم: ﴿مَتَاعُ الدُّنيا﴾: ما يُتمتّع به فيها أو الاستمتاعُ
بها ﴿قَلِيلٌ﴾ آيِلٌ إلى الفناء، ﴿والآخِرةُ﴾ أي: الجنّة ﴿خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ عِقَابَ الله بترك معصيته، ﴿ولا تُظلَمُونَ﴾ - بالتاء والياء - تُنقَصون من
أعمالكم ﴿فَتِيلًا﴾ ٧٧: قَدْرَ قِشرة النواة. فجاهِدوا. ﴿أينَما تَكُونُوا يُدرِكْكُمُ المَوتُ، ولَو كُنتُم في بُرُوجِ﴾: حُصون ﴿مُشَيَّةٍ﴾: مرتفعة. فلا
تخشَوُا القتالَ خوفَ الموت.
٢- ﴿وإنْ تُصِبْهُم﴾ أي: اليهودَ ﴿حَسَنَةٌ﴾: خِصب وسَعة ﴿يَقُولُوا: هُذِهِ مِن عِندِ اللهِ. وإنْ تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ﴾: جدب وبلاء، كما حصل لهم عند قدوم
النبيّ وَّهُ المدينةَ، ﴿يَقُولُوا: هَذِهِ مِن عِندِكَ﴾ - يا مُحمّد - أي: بشُؤْمك. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿كُلِّ﴾ من الحسنة والسيّئَة ﴿مِن عِندِ اللهِ﴾: من قِبَلِه.
﴿فما لِهُؤُلاءِ القَومِ، لا يَكادُونَ يَفقَهُونَ﴾ أي: لا يُقاربون أن يفهموا ﴿حَدِيثًا﴾ ٧٨ يلقى إليهم؟ وما: استفهامُ تعجيبٍ من فَرط جهلهم، ونفيُ
مُقاربة الفعل أشدّ من نفيه. ﴿ما أصابَكَ﴾ - أيّها الإِنسان - ﴿مِن حَسَنةٍ﴾: خيرِ ﴿فمِنَ اللهِ﴾ أَتتك فضلاً منه، ﴿وما أصابَكَ مِنَ سَيِّئَةٍ﴾: بليّة
﴿فِمِن نَفْسِكَ﴾ أَتتك، حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذَّنوب. ﴿وأرسَلناكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿لِلنّاسِ رَسُولًا﴾: حالٌ مؤكِّدة، ﴿وَكَفَى بِاللهِ
شَهِيدًا﴾ ٧٩ على رسالتك!
(١) قال بعض الصحابة قبل الهجرة: يا نبيَّ الله، كنّا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنًا صرنا أذلة. ائذن لنا في القتال. فأمرهم بالصبر والعفو. ولما هاجروا
وأُمروا بالجهاد تثاقلوا، فنزلت الآية للتعجيب من أمرهم وتوجيههم إلى ما يجب. المستدرك ٣٠٧:٢ والنسائي ٣:٦ وتفسير الطبري ٥٤٩:٨. وألم تر أي: لقد
رأيت حقًا وبلغ علمُك. وكفوا: امنعوا. والأيدي: جمع يد. ولأذى الكفار أي: بسبب إيذائهم. وأقيموا الصلاة أي: أدّوا العبادة المعهودة المكتوبة بشروطها
وأركانها وآدابها. وآتوا الزكاة أي: أدّوا الفريضة المطهّرة للمالِ وأصحابِه إلى مستحقيها. والقتال: الجهاد للعدو. والفريق: الجماعة. وأشد أي: أقوى
وأعنف. والجزع: الضجر وقلة الصبر. وذلك كان منهم لِما في طبع البشر من المخافة. فهم يتمنون أن يزاد في مدة الكف عن القتال، ليتسنى لهم الاستعداد
الأفضل. وأخرتنا: أجّلتنا. وقريب أي: يكون بعد زمن قليل من الآن. وخير: أكثر نفعًا وبركة. واتقاه: تجنبه وحفظ نفسه منه. وتُظلم: يُجار عليك وتعامَل
بغير العدل. وبالياء يريد القراءة ((ولا يُظلِّمُونَ)). و((قشرة نواة)) خطأ. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤٩. وتكونوا: توجدوا. ويدركُ: يصيب. وكنتم: حصلتم.
والبروج: جمع بُرج.
(٢) تصيبهم: تنالهم. واليهودَ أي: والمنافقين. انظر ((المفصل)). والحسنة: الحال الطيبة المباركة. والسيئة: الحال المؤذية تسوء الناس. ومن قِبَلِه يعني:
خلقًا وإيجادًا، بلا تدخل لأحد في ذلك كما تزعمون. فالحسنة تفضّل من الله - سبحانه - والسيئة عقوبة أو تكفير ذنب أو إعلاء مقام. وفي كل ذلك ابتلاء
وامتحان، ليظهر الصالح من الفاسد. والقوم: الجماعة من الناس رجالًا ونساء. والحديث: الكلام الذي يقال. وأصابك: نالك. ونفسك أي: شخصك
وحقيقة ذاتك. ومن الذنوب: يعني أن ذنوبك استوجبتْ ذلك، والله قضى به وخلقه، بلا تدخل أحد في القضاء أو الخلق. وأرسلناك: بعثناك مكلفًا بالدعوة
إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والناس: البشر. وكفى: انظر الآية ٦. والشهيد: المُبالغ في الشهادة يثبت حقيقة الواقع فعلًا.

الجزء الخامس
٩١
٤ - سورة النساء
١- ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فقَد أطاعَ اللهَ، ومَن تَوَلَّى﴾: أَعرض عن طاعتِه فلا يُهِمَّنَّك ﴿فما
أرسَلْنَاكَ عَلَيهِم حَفِيظًا﴾ ٨٠: حافظًا لأعمالهم، بل نذيرًا، وإلينا أمرهم فنُجازيهم.
وهذا قبل الأمر بالقتال. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، إذا جاؤوك: أمرُنا ﴿طاعةٌ﴾
لك. ﴿فإذا بَرَزُوا﴾: خرجوا ﴿مِن عِندِكَ بَيَّتَ طائفةٌ مِنْهُم﴾ - بإِدغامِ التاء في الطاء
وتركِه - أي: أضمرتْ ﴿غَيرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ لك في حضورك من الطاعة، أي:
عِصيانَك، ﴿واللهُ يَكْتُبُ﴾: يأمر بكتب ﴿ما يُبَيِّتُونَ﴾ في صحائفهم، ليُجازَوا عليه.
﴿فَأعرِضْ عَنْهُم﴾ بالصفح، ﴿وَتَوَكَّلْ علَى اللهِ﴾: ثق به، فإنه كافيك، ﴿وكَفَى بِاللهِ
وَكِيلًا﴾ ٨١: مُفوَّضًا إليه! ﴿أفلا يَتَدَبَّرُونَ﴾: يتأمّلون ﴿القُرآنَ﴾، وما فيه من المعاني
البديعة؟ ﴿ولَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٨٢: تناقضًا في
معانیه، وتباينًا في نظمه.
٢- ﴿وإذا جاءَهُم أمرٌ﴾ عن سرايا النبيّ ◌ََّ ممّا حصل لهم، ﴿مِنَ الأمنِ﴾ بالنصر،
﴿أوِ الخَوفِ﴾ بالهزيمة، ﴿أذاعُوا بِهِ﴾: أفشَوه. نزل في جماعة من المنافقين، أو في
ضُعفاء المؤمنين، كانوا يفعلون ذلك، فتَضعُف قلوبُ المؤمنين ويتأذّى النبيّ وََّه
﴿وَلَو رَدُّوهُ﴾ أي: الخبرَ ﴿إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى أُولِي الأمرِ مِنهُم﴾ أي: ذوي الرأي من
أكابر الصحابة، أي: لو سكتوا عنه حتّى يُخْبَروا به ﴿لَعَلِمَهُ﴾: هل هو ممّا ينبغي أن
يذاع؟ أو لا، ﴿الَّذِينَ يَسْتَنِطُونَهُ﴾: يتّعونه ويطلبون عِلمه - وهم المُذيعون -
﴿مِنْهُم﴾: من الرسول وأولي الأمر. ﴿وَلَولا فَضِلُ اللهِ عَلَيْكُم﴾ بالإِسلام،
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بالقُرآن، ﴿لا تَّبَعْتُمُ الشَّيطانَ﴾ فيما يأمركم به من الفواحش (إلّا
قَلِيلًا﴾ ٨٣.
سُلِّوَدَة السَسَاء
مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ
عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْمِنْ
عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَالَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ
مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
﴿﴿ أَفَلاَ يَتَدَتَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِلَوَجَدُواْ
فِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرًا ﴿ وَإِذَاجَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ
أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْبِهِ، وَلَوْرَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِ
الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّ قَلِيلًاَ يْهَ
فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا
مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ.
وَأَشَدُّ تَنكِيلًا
نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِنَةً يَكُنْلَهُ كِفْلٌ مِنْهَا
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا (٥) وَإِذَا حُبِيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْرُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ()
٣- ﴿فقاتِلْ﴾ - يا مُحمّد - ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ، لا تُكَلَّفُ إلّا نَفسَكَ﴾، فلا تهتمَّ بتخلّفهم عنك. المعنى: قاتل، ولو وحدك، فإنك موعود بالنصر،
﴿وحَرِّضِ المُؤمِنِينَ﴾: حُثَّهم على القِتال ورَغْهم فيه، ﴿عَسَى اللهُ أنْ يَكُفَّ بأسَ﴾: حربَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا. واللهُ أَشَدُّ بأسًا﴾ منهم، ﴿وأشَدُّ
تَنكِيلاً﴾ ٨٤: تعذيبًا منهم. فقال وَّ: ((والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأخرُ جَنَّ، ولَو وَحدِي)). فخرج بسبعين راكبًا إلى بدر الصُّغرى، فكفّ الله بأس الكُفّار
بإلقاءِ الرُّعب في قُلوبهم، ومَنَعَ أبا سُفيان عن الخروج، كما تقدّم في ((آل عمران)).
٤ - ﴿مَن يَشِفَعْ﴾ بين الناس ﴿شفاعةً حَسَنةً﴾: موافقة للشرع ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ من الأجر ﴿مِنها﴾: بسببها، ﴿ومَن يَشفَعْ شَفاعةً سَيِّئَةً﴾: مُخالفة
له ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾: نصيب من الوِزر ﴿مِنها﴾: بسببها. ﴿وكانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقِيتًا﴾ ٨٥: مقتدرًا، فيُجازي كلّ أحد بما عمل. ﴿وإذا حُيِّيْتُم
بِتَحِيّةٍ﴾، كأنْ قِيل لكم: سلامٌ عليكم، ﴿فَحَيُّوا﴾ المُحيِّيَ ﴿بِأحسَنَ مِنها﴾ بأن تقولوا له: عليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاته، ﴿أو رُدُوها﴾ بأن
تقولوا له كما قال، أي: الواجب أحدهما والأوّل أفضل. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا﴾ ٨٦: محاسبًا، فيُجازي عليه، ومنه ردُّ السلام.
وخَصّت السُّنَّةُ الكافرَ والمُبتدِعَ والفاسقَ، والمسلِّمَ على قاضي الحاجة ومَن في الحمّام والآكلِ، فلا يجب الردّ عليهم بل يُكره في غير الأخير.
(١) يطيعه: يستجيب له بما أمر أو نهى. وهذا أي: أن الأمر بقتال العدو نسخ الحكم المذكور، فصار الجهاد للمشركين العرب واجبًا. وأمرنا: شأننا
وحالنا. والطائفة: الجماعة. وبإدغام يريد القراءة ((بَيَّت طائفةٌ)) بعدم لفظ التاء. وأعرض: انصرف إلى عدم المبالاة بهم، فلا تعاتب ولا تفضح. والصفح:
العفو. ووجد: لقي وصادف.
(٢) جاءهم: وصل إليهم. والأمر: الخبر. والسرايا: جمع سرية. وهي القطعة من الجيش يرسلها النبي للقاء المعتدين. والأمن: السلامة. والخوف: الفزع.
وردوه: رجعوا فيه. وأولو الأمر: المسؤولون عنه يعرفون ما يجب فيه. ومنهم أي: من المسلمين. وعلمه: عرف ما يقتضيه من تدبير. ويستنبطونه:
يستخرجون ما يوجبه من العمل. وهم المذيعون: يعني أن المذيعين هم الذين يستنبطونه ويطلبون علمه. انظر ((المفصل)). والفضل: التفضل. والرحمة:
العطف بالإحسان.
(٣) سبيل الله: ماشرعه من الجهاد. وتكلّف أي: يوجّب عليك. ويكف: يمنع عنك. والبأس: القوة. والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة. وغزوة بدر
الصغرى كانت في السنة الرابعة. والصواب أن العدد كان ألفًا وخمسمائة في عشرة أفراس. وما تقدم أي: الآية ١٧٢ من تلك السورة.
(٤) يشفع: يتوسط لمنفعة أو دفع مضرة. ويكون: يصير. والنصيب: الحظ المعيّن. ومخالفة له أي: للشرع. والوزر: الذنب. وحييتم: دعي لكم بالحياة
والأمان. وحيوا: ادعوا لمن بادركم بالسلام. وردوها أي: ردوا مثلها. وخصّت أي: حددت حكم التحية في ذلك. والمبتدع: من يُحدث ما يخالف الشرع.
والحاجة: ما يُخوج إلى التبول أو التغوط. ومَن في الحمام: من يغتسل. والمراد بالآكل من كان فمه مشغولا بالطعام. ويجب عليه رد التحية وقت خلوّ فمه.
والأخير هو المسلّم على قاضي الحاجة ومَن في الحمام والآكلِ، يجوز رد التحية عليه. وغير الأخير هم الكافر والمبتدع والفاسق، يجوز الرد عليهم مع
الكراهة. وعليك أي: عليك ما قلتَ. ويجمعكم: يحشركم بالبعثُ. وأصدق: أكثر صدقًا .

٤ - سورة النساء
٩٢
الجزء الخامس
سُورَة الَّمسجلة
◌َاللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيه
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٦] ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى الْمَُفِقِينَ
فِتَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُ واْ مَنْ
أَضَلَ اَللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُسَبِيلًا (١) وَدُوْلَوَّ
تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُ واْمِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ
حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمُ
حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُ واْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا ؟
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْتَقُّ أَوْجَآءُ وكُمْ
حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَدِلُوكُمْ أَوْيُقَائِلُواْ قَوْمَهُمَّ وَلَوْشَآءَ
اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ
وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْقَوْمَهُمْكُلَّ
مَارُدُواْإِلَى الْفِتْنَةِ أُرْ كِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْإِلَيْكُ
السَّلَمَ وَيَكُفُواْأَيَدِ يَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ
تَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَبِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (
ويقال للكافر: وعليك. ﴿اللهُ لا إِلَّهَ إلّا هُوَ﴾، واللهِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُم﴾ من قُبوركم
﴿إِلَى﴾: في ﴿يَومِ القِيامةِ، لا رَيبَ﴾: شكَّ ﴿فِيهِ، ومَن﴾ أي: لا أحد
﴿أصدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ ٨٧ : قولًا؟
الحزب
١- ولمّا رجَع ناس من أُحُد اختلف الناس فيهم، فقال فريق: اقتلْهم. وقال
فريق: لا. فنزل: ﴿فما لَكُم﴾ أي: ما شأنكم صِرتم ﴿في المُنافِينَ فِئتَينِ﴾: فرقتين؟
﴿وَاللهُ أركَسَهَمَ﴾: ردّهم ﴿بِما كَسَبُوا﴾ من الكُفر والمعاصي. ﴿أَتُرِيدُونَ أن تَهِدُوا مَن
أضلَّهه ﴿اللهُ﴾ أي: تَعدُّوهم من جُملة المهتدين؟ والاستفهام في الموضعين للإنكار
- ﴿ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ٨٨ : طريقًا إلى الهُدى - ﴿وَدُوا﴾: تمنَّوا ﴿لَو
تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا، فَتَكُونُونَ﴾ أنتم وهم ﴿سَواءً﴾ في الكُفر. ﴿فلا تَتَّخِذُوا مِنْهُم
أولياءَ﴾ تُوالونهم، وإن أظهروا الإِيمان، ﴿حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ هِجرةً
صحيحة تُحقّق إيمانهم. ﴿فإنْ تَوَلَّوا﴾ وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخُذُوهُم﴾ بالأسرِ،
﴿واقْتُلُوهُم حَيثُ وَجَدتُمُوهُم، ولا تَتَّخِذُوا مِنْهُم وَلِيًّا﴾ تُوالونه، ﴿ولا نَصِيرًا﴾ ٨٩
تنتصرون به على عدوّكم.
٢- ﴿إِلّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾: يلجؤون ﴿إِلَى قَومِ، بَينَكُم وبَينَهُم مِيثاقٌ﴾: عهدٌ بالأمان
لهم ولمن وصلَ إليهم، كما عاهد النبيُّ هِلَّلَ بنَ عُويمِرِ الأسلميَّ، ﴿أَوْ﴾ الّذين
(جاؤُوكُم﴾ وقد ﴿حَصِرَتْ﴾: ضاقت ﴿صُدُورُهُم﴾ عن ﴿أَنْ يُقاتِلُوكُم﴾ مع قومهم،
﴿أو يُقاتِلُوا قَومَهُم﴾ معكم، أي: مُمسكِينَ عن قتالكم وقتالهم، فلا تتعرّضوا إليهم بأخذ ولا قتل - وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف. ﴿ولَو
شاءَ اللهُ﴾ تسليطَهم عليكم ﴿لَسَلَّطَّهُم عَلَيْكُم﴾، بأن يُقوّيَ قلوبَهم، ﴿فَلَقَاتَلُوكُم﴾. ولكنه لم يشأه، فألقى في قلوبهم الرُّعب - ﴿فإنِ اعتَزَلُوكُمْ فَلَم
يُقاتِلُوكُم، وألقَوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الصُّلحَ أي: انقادوا، ﴿فما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيهِم سَبِيلًا﴾ ٩٠: طريقًا بالأخذ والقتل.
٣- ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ، يُرِيدُونَ أنْ يأمَنُوكُم﴾ بإظهار الإِيمان عندكم، ﴿ويأمَنُوا قَومَهُمِ﴾ بالكُفر إذا رجعوا إليهم - وهم أسد وغطفان - ﴿كُلَّما
رُدُّوا إِلَى الفِتْنِةِ﴾: دُعوا إلى الشِّرك ﴿أُركِسُوا فِيها﴾: وقعوا أشدّ وقوع. ﴿فإنْ لَم يَعتَزِلُوكُم﴾ بترك قِتالكم، ﴿و﴾ لم ﴿يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ و﴾ لم
﴿يَكُفُوا أيدِيَهُم﴾ عنكم، ﴿فَخُذُوهُم﴾ بالأسر، ﴿واقْتُلُوهُم حَيثُ تَقِفْتُمُوهُم﴾: وجدتموهم. ﴿وَأُولَئِكُم جَعَلْنا لَكُم عَلَيهِم سُلطانًا مُبِينًا﴾ ٩١:
برهانًا بيّنًا ظاهرًا، على قتلهم وسبيهم لغدرهم.
(١) ناس أي: بعض المنافقين. والناس: الصحابة. واقتلهم أي: يجب قتلهم لثبوت كفرهم. والمخاطب هنا بالطلب هو النبي ونَ﴾. و((لا)) يعني: لا تقتلهم
لأنهم ينطقون بالشهادتين، فهم من المسلمين. وفي المنافقين أي: في شأنهم وأمرهم. وفئتين أي: جماعتين مختلفتين، في المنافقين الذين رجعوا عن القتال
يوم غزوة أحد. وأمرهم لا يدعو إلى الاختلاف، لأنهم هاربون من الجهاد، وهذا يدل على الرِّدّة والكفر. وردهم أي: عن الجهاد منكوسين على رؤوسهم
وأعقابهم. وكسبوا أي: فعلوا من نيات وأقوال وأفعال بالاختيار والقصد. وتريد: تطلب. وتهدي: تنسب إلى الإيمان. وأضله: صرف قدراته إلى الكفر
والنفاق، لِما في ضميره واختياره واستعداده من الشر والفساد. وفيما عدا خ: ((ومن يضلله الله)). والضمير المتصل هو زيادة تخل باللفظ القرآني من وجهين.
انظر ((المفصل)). وتجد: تلقى. يعني: فلن تجد سبيلًا لخلق الهداية في قلبه. والخطاب هنا للنبي ◌َّر. وتكونون: تصيرون. وهم أي: المنافقون. وسواءً أي:
متساوين متماثلين. وتتخذ: تجعل. والأولياء: جمع وليّ. وهو الصديق والنصير. ويهاجر: يترك ما هو عليه من الباطل. وسبيل الله: الطريق الذي يوصل إلى
طاعته. وتولوا أي: أعرضوا عن الهجرة. وخذوهم أي: أمسكوهم لأنهم ارتدّوا وثَبَتَ كفرهم. وبالأسر أي: لقصد الاستتابة. فلعلهم يرجعون إلى الإيمان.
ووجَد: لقي .
(٢) القوم: الجماعة من الناس. وهلال أي: مع قومه. وكان العهد ألّا يعين هؤلاء المسلمين، ولا يعينوا عليهم أحدًا. وجاؤوكم أي: أتوا إليكم مسالمين.
والمراد أن المُوادٍع فريقان: فريق التجأ إلى المعاهدين، وآخر جاء معتزلًا القتال. والصدور: جمع صدر. ويراد ما فيه من القلب. ومنسوخ: يعني أن النهي
عن الأخذ والقتل مع ما بعده، أي: تتمةِ الآية، قد نُسخ حكمه بنزول الآية ٥ من سورة براءة. وشاء: أراد. وسلطهم: جرّأهم. واعتزلوكم: هادنوكم.
وألقوا: قدّموا. وجعل: أوجد. وما جعل أي: منع وحرم.
(٣) تجدون: تلقّون. وآخرين: كفارًا ومنافقين غير الذين تقدم ذكرهم. ويريد: يقصد. ويأمنوكم أي: يسلموا من قتالكم. وأسد وغطفان: قبيلتان تقيمان حول
المدينة المنورة، نزلت فيهما الآية ليعرف المسلمون أمرهما، ويقابلوهما بالجهاد. ورُدوا: أَعيدوا وأرجعوا. والفتنة: الاختبار بالشر. وإلى الشرك أي: وإلى
قتالكم أيضًا. وأركسوا: انقلبوا على رؤوسهم. ويكف: يمنع. والأيدي: جمع يد. انظر الآيات ٧٧ و٨٩ و٩٠.

الجزء الخامس
٩٣
٤ - سورة النساء
١- ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤمِنًا﴾ أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له ﴿إِلَّ خَطَأَ﴾:
مُخطئًا، في قتله من غير قصد. ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطأَ﴾، بأن قصدَ رميَ غيره كصيد أو
شجرة فأصابه، أو ضربه بما لا يَقتل غالبًا، ﴿فَتَحرِيرُ﴾: عَتَقُ ﴿رَقَبَةٍ﴾: نَسَمةٍ ﴿مُؤمِنِةٍ﴾
عليه، ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾: مُؤدّاة ﴿إِلَى أهلِهِ﴾ أي: ورثةِ المقتول، ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾:
يتصدّقوا عليه بها، بأن يعفوا عنها. وبيّنَتِ السُّنّة أنها مِائَةٌ من الإِبل: عشرون بنتُ
مَخاض، وكذا بناتُ لَبُونٍ وبنو لَبُونٍ وحِقاقٌ وجِذاعٌ، وأنها على عاقلةِ القاتل - وهم
عَصَبتُه - إلّا الأصلَ والفرع، مُوزّعةً عليهم على ثلاث سنين، على الغنيِّ منهم نصفُ
دينار والمتوسّطِ رُبعٌ كلَّ سنة. فإن لم يفُوا فمِن بيت المال، فإن تعذّر فعلى الجاني.
٢- ﴿فإنْ كانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَومِ عَدُوِّ﴾: حرب ﴿لَكُم، وهْوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ
مُؤمِنِةٍ﴾ على قاتله كفّارةً، ولا دِيَةَ تُسَّلَّم إلى أهله لحِرابتهم، ﴿وإنْ كانَ﴾ المقتول ﴿مِن
قَومٍ، بَينَكُم وبَينَهُم مِيثاقٌ﴾: عهد كأهل الذِّة، ﴿فَدِيَةٌ﴾ له ﴿ مُسَلَّمَةٌ إلَى أهلِهِ﴾ - وهي
ثُلثّ دِيةِ المؤمنِ إن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وثلثا عُشرِها إن كان مجوسيًّا - ﴿وتَحرِيرُ
رَقَةٍ مُؤمِنٍ﴾ على قاتله، ﴿فَمَن لَم يَجِدْ﴾ الرقبةَ، بأن فَقَدها وما يُحصِّلها به، ﴿فصِيامُ
شَهِرَينِ مُتَتَابِعَينٍ﴾ عليه كفّارةً - ولم يذكرِ اللهُ تعالى الانتقال إلى الطعام كالظِّهار. وبه
أخَذ الشافعيّ، في أصحّ قوليه - ﴿تَوبةً مِنَ اللهِ﴾: مصدر منصوب بفعله المقدّر.
﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾ ٩٢ فيما دبّره لهم.
سُورَة النَّسَاء
وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ
مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَىَ
أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّلَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ
مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا () وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
﴿اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّلَهُ, عَذَابًا عَظِيمًا (٦) يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ
لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْ مِنًا تَبْتَغُونَ
عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
فَتَبَيَنُوَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
٩٤
٣- ﴿ومَن يَقتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، بأن يقصِد قتله بما يَقتل غالبًا عالمًا بإيمانه، ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾: أبعده من
رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٩٣ في النار. وهذا مُؤوّل بمن يستحلّه، أو بأنّ هذا جزاؤه إن جُوزي، ولا بِدْع في خُلف الوعيد، لقوله:
((ويَغْفِرُ ما دُونَ ذُلكَ لِمَن يَشاءُ)). وعن ابن عبّاس أنها على ظاهرها، وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة. وبيّنتْ آية ((البقرة)) أنّ قاتل العَمد يُقتل
به، وأنّ عليه الدِّيةَ إن عُفي عنه، وسَبَق قَدرُها. وبيّنَتِ السُّنّة أنّ بين العَمد والخطأ قتلًا يُسمَّى شِبهَ العَمد. وهو أن يقتله بما لا يَقتل غالبًا. فلا
قِصاص فيه، بل دِية كالعمدِ في الصفة، والخطأ في التأجيل والحمل. وهو والعمدُ أولى بالكفّارة من الخطأ .
٤- ونزل، لمّا مرّ نفر من الصحابة برجل من بني سُليم وهو يسوق غنمًا، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلّا تَقِيّةً. فقتلوه واستاقوا غنمه: ﴿يا
أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا ضَرَبْتُم﴾: سافرتم للجِهاد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيِّنُوا﴾ - وفي قراءة (فَبَُّوا)) بالمثلّثة في الموضعين. ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألقَى إِلَيْكُمُ
السَّلامَ﴾، بأَلِف ودونِها، أي: التحيّةَ، أو الانقيادَ بقول كلمة الشهادة التي هي أمارة على إِسلامه: ﴿لَستَ مُؤمِنًا﴾، وإنّما قُلتَ هذا تقيًّ لنفسك
(١) الخطأ: أن يعمل الإنسان غير ما يريد. انظر ((المفصل)). والعتق: جعل المملوك حرًا مِن تملك الغير. والنسمة: الإنسان. والدية: المال المأخوذ بدل
الاقتصاص. والسُّنّة: الحكم النبوي الشريف. وبنت المخاض: الناقة أتمت السنة الأولى. وابن اللبون: البعير أتم السنة الثانية. ومثله بنت اللبون. والحقاق:
جمع حِقّة. وهي التي أتمت السنة الثالثة. والجِذاع: جمع جَذَعة. وهي التي أتمت السنة الرابعة. والعاقلة: الذين يدفعون الدية. والعَصَبة: قوم القاتل.
والأصل: أبو القاتل وجدوده. والفرع: أبناؤه وحفدته.
(٢) حرب أي: محارب. والكفارة: ما يزيل العقوبة. وتسلم: توصل. والحرابة: المحاربة. ولم يجد: لم يملك. والصيام: الامتناع عما يُفطر. والشهر:
مدة دوران القمر حول الأرض مرة واحدة. والمتتابعان: المتصلان. وبه أي: بعدم الانتقال إلى الطعام. والتوبة: قبول الإقلاع والاستغفار.
(٣) المتعمد: من ينوي ويطلب بتصميم. والجزاء: العقاب. والخلود هنا: طول الإقامة لأن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم. وغضب عليه: سخط عليه
وأنزل به عقابه. وأعد: هيأ. والعظيم: ما لا يقدر قدره وليس له مثيل. والمعروف أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار. ولقوله يعني: الآيتين ٤٨ و١١٦.
والإشارة بـ ((ذلك)) هي إلى الإشراك. ويُقتل به أي: قصاصًا بمن قَتل. وعفي عنه أي: من القصاص. وسبق قدرها يعني: في تفسير الآية ٩٢. وشِبه العمد في
المسند ٣٦:٢. وكالعمد أي: كقتل العمد. والخطأ أي: كقتل الخطأ. والتأجيل: تحديد الأوقات لدفع الدنانير. والحمل: تحمُّل العاقلة للدية عن الجاني.
وهو أي: شِبه العمد.
(٤) النفر: الرجال من الثلاثة إلى العشرة. والتقية: المصانعة لتوقي الشر. والموضعين: هنا وفي آخر الآية. وسبيل الله: ما شرعه لنصرة دينه. وتبينوا أي:
اطلبوا بيان الأمر. وتثبتوا أي: اطلبوا التثُبُّت. وبالمثلثة أي: بالثاء بعد التاء. وألقاه أي: حيّا به مبادرًا. وبدونها يريد القراءة ((السَّلَمَ)). والعَرَض: ماهو سريع
الزوال. وعند الله أي: فيما قدّره وقضاه. والمغانم: جمع مَغنَم. وهو ما يؤخذ من مال العدو. وكذلك أي: مثلَ مَن ألقى إليكم السلام كنتم، من قبلِ أن
تعلنوا إسلامكم. ومنّ: أنعم بالخير. وأن تقتلوا أي: خشية أن تقتلوا خطأ. والداخل فيه: من اعتنق الإسلام. والخبير: العليم ببواطن الأمور وظواهرها.

٤ - سورة النساء
٩٤
الجزء الخامس
سُورَةِ الَّسَوَاء
لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ
الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٥ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً
وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورً ارَّحِيمًا (٦) إِنَّالَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ
ظَالِمِّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضَِّ
قَالُواْأَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةٌ فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ
جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيًّا (٦ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَاَلْنِسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (إِ
فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٦)
﴿ وَمَنْ يُّهَاجِرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِيَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَ غَمَّا كَثِيرًا وَسَعَةً
وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَا جِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ، عَلَى اللَّهِ وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا [٢] وَإِذَا ضَرَبُمَ
فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمُ
﴿أَنْ يَفْنِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّالْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
ومالك. فتقتلوه ﴿تَبَتَغُونَ﴾: تطلبون بذلك ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا﴾: متاعَها من
الغنيمة. ﴿فِعِندَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرةٌ﴾، تُغنيكم عن قتل مِثله لماله. ﴿كَذْلِكَ كُنتُم مِن قَبَلُ﴾
تُعصم دِماؤكم وأموالكم بمجرّد قولكم الشهادة، ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيكُم﴾ بالاشتهار
بالإِيمان والاستقامة - ﴿فتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا، وافعلوا بالداخل في الإسلام كما
فُعل بكم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ٩٤، فيُجازیکم به.
١- ﴿لا يَستَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ عن الجِهاد، ﴿غَيرُ أولي الضَّرَرِ﴾ - بالرفع
صفةً والنصبِ استثناءً - من زمانةٍ أو عمّى أو نحوه، ﴿والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ
بِأمْوالِهِم وأنفُسِهِم. فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِم وأنفُسِهِم علَى القَاعِدِينَ﴾ لضرر
﴿دَرَجةٌ﴾: فضيلة، الاستوائهما في النيّة وزيادة المجاهدين بالمباشرة -
﴿وكُلَّا﴾ من الفريقين ﴿وَعَدَ اللهُ الحُسنَى﴾: الجنّةَ - ﴿وفَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ
ربع
الحزب
١٠
علَى القاعِدِينَ﴾ لغير ضرر ﴿أجرًا عَظِيمًا﴾ ٩٥، ويُبدل منه: ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾:
منازلَ بعضها فوق بعض من الكرامة، ﴿ومَغْفِرةً وَرَحْمةً﴾: منصوبان بفعلهما
المُقدّر. ﴿وكانَ اللّهُ غَفُورًا﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمًا﴾ ٩٦ بأهل طاعته.
٢- ونزل في جماعة أسلموا ولم يُهاجروا، فقُتلوا يوم بدر مع الكُفّار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَفّاهُمُ المَلائكةُ ظالِمِي أَنفُسِهِمٍ﴾، بالمُقام مع الكُفّار وترك الهجرة، ﴿قالُوا﴾ لهم
مُوبّخين: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي: في أيّ شيء كنتم في أمر دينكم؟ ﴿قَالُوا﴾ مُعتذرِين:
﴿كُنّا مُستَضعَفِينَ﴾: عاجزين عن إقامة الدين ﴿في الأرضِ﴾: أرض مكّة. ﴿قَالُوا﴾ لهم توبيخًا: ﴿أَلَم تَكُنْ أرضُ اللهِ واسِعةً، فتُهاجِرُوا فِيها﴾ من
أرض الكُفر إلى بلد آخر، كما فعل غيركم؟ قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مأواهُم جَهَنَّمُ، وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ٩٧ هي! ﴿إِلّ المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ
والنِّساءِ والولدانِ﴾ الذين ﴿لا يَستَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: لا قُوّة لهم على الهِجرة ولا نفقة، ﴿ولا يَهتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ٩٨: طريقًا إلى أرض الهجرة -
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أنْ يُعِفُوَ عَنْهُم. وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ٩٩ - ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرضِ مُراغَمًا﴾: مُهاجَرًا ﴿كَثِيرًا وسَعةً﴾ في
الرِّزق، ﴿ومَن يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكُهُ المَوتُ﴾ في الطريق، كما وقع لجُندُعِ بنِ ضَمرةَ الليثيّ، ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾: ثَبَتَ ﴿أجرُهُ
عَلَى اللهِ. وكانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٠٠ .
٣- ﴿وإذا ضَرَبْتُم﴾: سافرتم ﴿في الأرضِ فَلَيسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ﴾، في ﴿أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، بأن تردّوها من أربع إلى اثنتين، ﴿إِنْ خِفْتُم أنْ
يَفْتِنكُمُ﴾ أي: ينالَكم بمكروهٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بيانٌ للواقع إذ ذاك، فلا مَفهوم له. وبَيِّنَتِ السُّنّة أنّ المُراد بالسفرِ الطويلُ. وهو أربعة بُرُدٍ
وهي مرحلتان. ويُؤخذ من قوله ((فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ)) أنه رُخصة لا واجب. وعليه الشافعيّ. ﴿إِنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكُم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ١٠١ : بيِّنَ
العداوة .
(١) يستوون: يكونون متساوين في الإيمان والمنزلة. والقاعد: المتخلف كسلًا وجبنًا. وبالنصب يريد القراءة ((غَيرَ)). وأولو الضرر: الذين لا يقدرون على
الجهاد. والزمانة: المرض الدائم. انظر ((المفصل)). والمجاهد: من يبذل أقصى ما يستطيع. والأموال: جمع مال. وهو ما يملك من المتاع والزينة.
والأنفس: جمع نفس. وفضله: جعله أفضل من غيره. ووعده: تعهد له. والحسنى: النعمة أحسن من كل شيء. والعظيم: الضخم لا يقدر قدره. ومنه أي:
من فضله وتكرمه. والمغفرة: ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه. والرحمة: العطف بالإحسان.
(٢) توفاهم الملائكة: قبضوا أرواحهم. وظلم النفس: تعريضها للعذاب. والمقام: الإقامة. والمستضعف: الذي يُعَدُّ في الضعفاء. والواسعة: الفسيحة
الجنبات. وتهاجروا أي: تنتقلوا للحفاظ على دينكم. والمأوى: المكان يُلجأ إليه. والمصير: المكان الذي يصير إليه الإنسان. والولدان: جمع وليد. وهو
الطفل والمملوك والأمة. وإلى الله أي: إلى طلب طاعته ورضاه. وابن ضمرة كان شيخًا كبيرًا. وغفورًا أي: لما سلف من ذنوب المهاجرين. ورحيمًا أي:
بوقوع أجره عليه ومكافأته على نيته وهجرته.
(٣) سافرتم أي: رحلتم لمكان وزمان يحددهما الشرع. والجناح: الإثم. وتقصروها أي: تختصروها بحذف بعض أجزائها كما يحدد الشرع. وإلى اثنتين
يعني: ماكان من صلوات الظهر والعصر والعشاء، يصلّ في كل منها ركعتان بدلًا من أربع. وخفتم: علمتم أو توقعتم. ولا مفهوم له: يعني أن شرط عدوان
الكافرين لم يُقصد تحققه لجواز قصر الصلاة في السفر، لأنه ذُكر هنا لبيان واقع المسلمين إذ ذاك. فلا فرق بين الخوف والأمن في جواز القصر. والبُرُد:
جمع بَريد. وهو مسافة اثني عشر ميلًا. والمرحلة: مسير يوم معتدل. ومجموع المرحلتين يقدر بحوالي ٨١ كيلو مترًا. وانظر ((المفصل)). وكانوا أي: منذ
وجدوا وما يزالون. والعدو: المعادي.

الجزء الخامس
٩٥
٤ - سورة النساء
١- ﴿وإذا كُنتَ﴾ - يا مُحمّد - حاضرًا ﴿فِيهِم﴾، وأنتم تخافون العدوّ، ﴿فأَقَمتَ لَهُمُ
الصَّلاةَ﴾ - وهذا جَرْيٌ على عادة القُرآن في الخِطاب، فلا مفهوم له - ﴿فَلْتَقُمْ طائفةٌ
مِنْهُم مَعَكَ﴾ وتتأخّرْ طائفة، ﴿ولْيأخُذُوا﴾ أي: الطائفةُ التي قامت معك ﴿أسلِحَتَهُم﴾
معهم، ﴿فإذا سَجَدُوا﴾ أي: صلَّوا ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ أي: الطائفةُ الأُخرى ﴿مِن وَرائِكُم﴾
يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة، وتذهبَ هذه الطائفة تحرسُ، ﴿ولْتَأْتِ طائفةٌ أُخرَى لَم
يُصَلُّوا فلْيُصَلُّوا مَعَكَ، ولْيأخُذُوا حِذْرَهُم وأسلِحِتَهُم﴾ معهم إلى أن تقضوا الصلاة.
وقد فعل النِبِيّ ◌َ﴿ كذلك ببطن نخل. رواه الشيخان. ﴿وَذَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو تَغْفُلُونَ﴾،
إذا قمتم إلى الصلاة، ﴿عَن أسلِحِتِكُم وأمْتِعتِكُم، فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَيلةً واحِدةً﴾ بأن
يحملوا عليكم فيأخذوكم. وهذا عِلّة الأمر بأخذ السلاح.
٢- ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيَكُم، إنْ كَانَ بِكُم أذّى مِن مَطَرِ أو كُنتُم مَرضَى، أنْ تَضَعُوا
أسلِحتَكُم﴾ فلا تحملوها - وهذا يُفيد إيجاب حملها عند عدم العُذر، وهو أحد قولَي
الشافعيّ، والثاني أنّه سُنّة ورُجِّحَ - ﴿وخُذُوا حِذْرَكُم﴾ من العدوّ أي: احترزوا منه ما
استطعتم - ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلكافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١٠٢ : ذا إهانة - ﴿فإذا قَضَيْتُمُ
الصَّلاةَ﴾: فرَغتم منها ﴿فاذكُرُوا اللهَ﴾ بالتهليل والتسبيح، ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعلَى
جُنُوبِكُم﴾: مضطجعين، أي: في كُلّ حال، ﴿فإذا اطْمأنَنتُم﴾: أمِنتم ﴿فَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ﴾: أدُّوها بحُقوقها. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا﴾: مكتوبًا أي:
مفروضًا ﴿مَوقُوتًا﴾ ١٠٣ أي: مُقدّرًا وقتها، فلا تُؤخَّرُ عنه.
سُِوَرَة النَّسَاء
وَ إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ
مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْأَسْلِحَتَهُمَّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ
مِن وَرَآبِكُمْ وَلْنَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُ واْحِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّا لَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْفَيَمِيلُونَ
عَلَيْكُمْ فَيْلَةً وَاحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ
◌ِأَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْكُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوْاْ أَسْلِحَتَكُمْ
وَخُذُ واْ حِذَّرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَامُهِينَا أَ
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْاللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَةَ إِنَّالصَّلَوَةَ
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَوْقُوتًا () وَلَا تَهِنُواْ
فِي أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْتَأْ لَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونٌَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا (٣) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا (٥هـ
٣- ونزل، لَمّا بَعثَ النبيُّ وََّ طائفة في طلب أبي سُفيانَ وأصحابِهِ، لمّا رَجعوا من
أُحُد فشكَوُا الجراحاتِ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾: تَضعُفوا ﴿في ابتِغاءٍ﴾: طلبِ ﴿القَومِ﴾ الكُفَّارِ لتُقاتلوهم. ﴿إِنْ تَكُونُوا تألَمُونَ﴾: تجدون ألم الجِراح
﴿فَإِنَّهُم يأَلَمُونَ كَما تألَمُونَ﴾ أي: مِثْلَكم، فلا تَجبُنوا عن قتالهم، ﴿وَتَرجُونَ﴾ أَنتم ﴿مِنَ اللهِ﴾ من النصر والثواب عليه ﴿ما لا يَرجُونَ﴾ هم. فأنتم
تزيدون عليهم بذلك، فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه. ﴿وكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بكُلّ شيء، ﴿حَكِيمًا﴾ ١٠٤ في صُنعه.
٤- وسرقَ طُعمةُ بنُ أُبَيْرِقَ دِرعًا وخَبَأها عند يهوديّ، فوجدت عنده، فرماه طُعمةُ بها وحلف أنه ما سرقها، فسأل قومُه النبيَّ أن يُجادل عنه
(١) أقمت الصلاة أي: أردت أن تبدأ بالصلاة إمامًا. وفيهم أي: في الخائفين من فتنة العدو وغدره. وهذا أي: شرط وجوده ﴿. ولا مفهوم له: يعني أنه
ليس شرطًا، والحكم كذلك إن لم تكن فيهم. والطائفة: الجماعة. وتتأخر أي: تبتعد عن تحصيل الصلاة لتكون أمام العدو. ويأخذوا أي: يحملوا تأهبًا لِما
يكون من العدو. والأسلحة: جمع سلاح. ومن ورائكم أي: من خلفك وخلف المصلين معك. وتحرس أي: تقف للحراسة مكان الطائفة التي كانت تحرس
قبل. وتأتي: تحضر خلفك للصلاة. والأخرى: المغايرة لمن صلى معك. ويأخذوا حذرهم أي: يكونوا حذرين متيقظين. وتقضوا الصلاة أي: تنتهوا من
أدائها جميعًا. و((الشيخان)) انظر الأحاديث ٩٠٠ و٩٠١ و٣٩٠٣ و٣٩٠٤ و٤٢٦١ في البخاري و٨٤٢ و٨٤٣ في مسلم. وبطن نخل: موضع في نجد. وود:
تمنى. وتغفل: تُشغل. والأمتعة: جمع متاع. وهي الحوائج. ويميل: يندفع في الهجوم، أي: تمنوا أن ينالوا منكم غِرّة في صلاتكم، فيشدّوا عليكم شَدة
واحدة. والعلة: السبب.
(٢) الجناح: الإثم. والأذى: الجَهد يؤذيه حمل السلاح. والمرضى: جمع مريض. وتضعوها أي: تتركوها وقت أداء الصلاة. ورجح: يعني أن القول الثاني
هو كون الحمل للسلاح سُنّة لا واجبًا، وهو مرجَّح على الأول. وأعده: هيّأه لينال صاحبه. والصلاة: صلاة الخوف المذكورة قبل. ومنها أي: على الوجه
المبيَّن قبل. واذكروه أي: بالقلب واللسان. والتسبيح أي: والتحميد والتكبير والدعاء بالنصر. والقيام: جمع قائم. والقعود: جمع قاعد. والجنوب: جمع
جَنب. وهو طرف الإنسان. وأمنتم أي: وسكنت قلوبكم بعد الحرب. وبحقوقها أي: بما لها من الأركان والشروط والآداب. وكانت أي: من قديم الزمان
ولا تزال في الحياة. ومكتوبًا أي: شيئًا مكتوبًا. ولا تؤخر أي: ولا تقدم عليه.
(٣) الطائفة: الجماعة من الصحابة. وتألمون: تتألمون. وترجون: تطمعون وتظنون حصول ما فيه المسرة. ومنه: من فضله وإحسانه. و((بذلك)) الإشارة فيه
إلى الثواب على النصر. وكان أي: انظر آخر الآية ١١ .
(٤) اليهودي اسمه زيد بن السمين. وعنده أي: عند اليهودي. ورماه بها أي: اتهمه بسرقتها. وقومه أي: قوم الأوسي طُعمة. وشهد بعضهم زورًا أن اليهودي
هو السارق ليتجنبوا الفضيحة. وكان طعمة هذا وأهله من المنافقين. ونزل: يعني الآيات ١٠٥-١١٦، وفيها مع الحكم الخاص بماكان أحكامٌ عامة، لتوجيه
جميع المسلمين إلى الحق في مثل هذه الأحوال. وأنزلنا: أوحينا على لسان جبريل. والحق: العدل والصدق. وتحكم: تقضي. وفيه أي: في الكتاب.
ولا تكن أي: لا تَصِر. والخائن: من خالف الحق بنقض الأمانة. واستغفره: اطلب منه العفو والصفح. وبه يعني: بالحكم على اليهودي بقطع يده، وإن لم
ينفذ. وانظر آخر الآية ١٠٠ .

٤ - سورة النساء
٩٦
الجزء الخامس
سُُوَرَة السَّسخاء
الجرعة الحصان
وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [َ وَلَا تُحَدِلْ
عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانًا أَثِيمًا ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ
اَللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (٣) هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَ لْتُمْ
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٣٩) وَمَن يَعْمَلْ
سُوَءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ,عَلَى نَفْسِهِ،
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٨) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْإِثْمًا
ثُمَّيَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا (١٨) وَلَوْلَا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن
يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمِّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن
شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ
مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّكَ عَظِيمًا
ويُبرّئه، فنزل: ﴿إِنّا أَنزَلْنَا إلَيكَ الكِتابَ﴾: القُرآن ﴿بِالحَقِّ﴾ متعلق بـ«أنزل))،
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ﴾: علّمك ﴿اللّهُ﴾ فيه، ﴿ولا تَكُنْ لِلخائنِينَ﴾ كطُعمةَ
(خَصِيمًا﴾ ١٠٥: مُخاصمًا عنهم، ﴿واستَغفِرِ اللّهَ﴾ مِمّا هممتَ به. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ
غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٠٦ .
١- ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَختانُونَ أنفُسَهُم﴾: يخونونها بالمعاصي، لأنّ وبال
خِيانتهم عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾: كثير الخيانة ﴿أثِيمًا﴾ ١٠٧ أي:
يُعاقبه. ﴿يَستَخِفُونَ﴾ أي: طُعمةُ وقومه حياءً ﴿مِنَ النّاسِ، ولا يَستَخِفُونَ مِنَ اللهِ وهُوَ
مَعَهُم﴾ بعِلمه، ﴿إذ يُبَيِّتُونَ﴾: يُضمِرون ﴿ما لا يَرضَى مِنَ القَولِ﴾، من عزمهم على
الحَلِف على نفي السرقة ورمي اليهوديّ بها. ﴿وكانَ اللهُ بِما يَعمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ١٠٨
عِلمًا. ﴿ها أنتُمَ﴾ يا ﴿هُؤُلاءِ﴾: خِطابٌ لقوم طُعمةَ، ﴿جادَلتُم﴾: خاصمتم ﴿عَنْهُمْ﴾
أي: عن طُعمة وَذَوِيه - وقُرئ: ((عَنْهُ)) - ﴿فِي الحَياةِ الدُّنيا. فمَن يُجادِلُ اللهَ عَنْهُم يَومَ
القِيامةِ﴾، إذا عذّبهم؟ ﴿أم مَن يَكُونُ علَيهِم وَكيلًا﴾ ١٠٩ : يتولّى أمرهم ويذبّ عنهم؟
أي: لا أحد يفعل ذلك.
٢- ﴿وَمَن يَعمَلْ سُوءًا﴾: ذنبًا يسوءُ به غيره كرميٍ طُعمةَ اليهوديّ ﴿أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾:
بعمل ذنب قاصر عليه، ﴿ثُمَّ يَستَغفِرِ اللهَ﴾ منه أي: يتُبْ، ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا﴾ له
﴿رَحِيمًا﴾ ١١٠ به، ﴿ومَن يَكسِبْ إثمًا﴾: ذنبًا ﴿فإنَّما يَكسِبُهُ عَلَى نَفسِهِ﴾، لأنّ وباله
عليها ولا يضرّ غيره - ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١١١ في صُنعه - ﴿ومَن يَكسِبْ
خَطِيئَةً﴾: ذنبًا صغيرًا ﴿أو إثمًا﴾: ذنبًا كبيرًا، (ثُمَّ يَرْم بِهِ بَرِيئًا﴾ منه، ﴿فَقَدِ احتَمَلَ﴾: تحمّلَ ﴿بُهتانًا﴾ برَمِهِ ﴿وإثمًا مُبِينًا﴾ ١١٢ : بيّا بكسبه،
﴿ولولا فَضْلُ اللهِ عَلَيكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بَالعِصمة ﴿لَهَمَّتْ﴾: أضمرتْ ﴿طائفةٌ مِنْهُم﴾: من قوم طُعمةَ ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن القضاء
بالحقّ، بتلبيسهم عليك، ﴿ وما يُضِلُّونَ إلّا أنفُسَهُم، وما يَضُرُّونَكَ مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ﴾ لأنّ وبال إضلالهم عليهم! ﴿وأَنزَلَ اللهُ عَلَيكَ الكِتابَ﴾
القُرآن، ﴿والحِكْمَةَ﴾: ما فيه من الأحكام، ﴿وعَلَّمَكَ ما لَم تَكُنْ تَعلَمُ﴾ من الأحكام والغيب، ﴿وكانَ فَضلُ اللهِ عَلَيْكَ﴾ بذلك وغيره
﴿عَظِيمًا﴾ ١١٣ .
(١) تجادل: تخاصم وتدافع. والنفس: حقيقة الإنسان بروحه وجسده. والأثيم: المكثر من الذنب الذي يقتضي العقوبة. ولا يحبه أي: يكرهه كما يليق به من
صفات الألوهية، فلا يغفرله. ويستخفون: يطلبون الاستتار بخيانتهم، أي: يرتكبون المعاصي مستترين. ولا يستخفون أي: لا يستحيون ولا يخافون. ويرضاه:
يقبله ويجيزه. والقول: الكلام الذي يقال. وكان أي: ولا يزال من دون قيد زماني. ويعملون أي: يكتسبونه من نية وقول وفعل. والمحيط بالشيء: المدرك له
من جميع نواحيه. وذوو الإنسان: أهله الأقربون. و((عَنْهُ)) هذه قراءة ابن مسعود، وهي أيضًا في: ((يُجادِلُ اللهَ عَنْهُ)). واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من
قبورهم بالبعث. ويكون: يصير. والوكيل: المحامي الحافظ يكل الإنسانُ أمره إليه.
(٢) يعمل: يكتسب باختيار وقصد. والسوء: ما يؤذي. والرمي: الاتهام. ويظلم: يتجاوز حد الحق ويحمّل نفسه مسؤولية العدوان. ونفس الإنسان: حقيقته
بروحه وجسده. وقاصر عليه أي: لم يتجاوزه إلى غيره، كاليمين الكاذبة ليس فيها ظلم لأحد. وفي قرة العينين والمنحة وط وبعض المطبوعات: ((يعمل ذنبًا
قاصرًا عليه)). ويستغفر: يطلب الغفران. والمراد: مع التوبة الصادقة بشروطها. ويجد: يعلم. والغفور: الكثير المغفرة بستر الذنوب والصفح عنها. والرحيم:
العظيم الرحمة بالعطف تفضلًا. ويكسب: يعمل ويربح. والذنب هنا: ما يتعلق بالإنسان نفسه أو يتجاوزه إلى غيره. وكان: انظر آخر الآية ٩٢. وفي صنعه
أي: يعلم جميع ما يُكسب، لا يغيب عنه شيء منه، ويضع الأمور في مواضعها، فيجازي على الآثام بما تقتضيه حكمته. ويرم أي: يتهم. والبريء: المتهَم
ولم يذنب. والبهتان: أن يُرمَى الإنسان بأمر منكر يتحير منه لفظاعته. وبينًا: يعني أنه أوجب عقوبةَ بهتان عظيم، وجزاءَ ذنب واضح لا لبس فيه. والفضل:
التفضل بالخير. والرحمة: العطف بالإحسان. و((أضمرت)) كذا من البغوي ٤٧٩:١، بتفسير الهم على أنه إضمار في النفس دون عمل. وقوم طعمة قاموا فعلًا
بما هموا به، ولولا: شرطية امتناعية لوجود في الماضي، تعني نفيَ حصول جوابها في الماضي لوجود شرطها، أي: نفيَ إضمارِهم إضلالَه. والراجح أن الهم
هنا: العزم على الشيء والاهتمام به والاحتيال له، وأن الطائفة منهم هي: وفد من المشركين من بني ثقيف، لا من بني طعمة المنافقين، قالوا للنبي ومثل:
جئناك نبايعك، على ألّا نُحشَر ولا نُعشَر، وعلى أن تمتّعنا بالعُزَّى سَنةً. فلم يجبهم لِما أرادوا، ونزلت الآية. انظر النهر الماد في حاشية البحر ٣٤٧:٣.
وهؤلاء لم يهتموا بالأمر ولم يحتالوا له، كما فعل قوم طعمة. فنفي ذلك عنهم ظاهر. وقد جمعت الآية بين الفريقين، فكان فيها تشنيع عليهما وتوبيخ، وتقرير
لعصمة النبي، مع تغليب مسألة ثقيف لأنها أفظع. ونُحشر: نُجمع للمغازي. ونُعشر: يؤخذ عُشر أموالنا. ثم أسلم بنو ثقيف، وتركوا طلبهم ذلك. ويضل:
يصرف. ويضر: يسبب الإيذاء الحقيقي. والأنفس: جمع نفس. وزائدة: يعني أن ((مِن)): للتنصيص على تعميم النفي، أي: لا يضرونك ضررًا لا قليلًا ولا
كثيرًا. وأنزل: أوحى على لسان جبريل. والحكمة: الاتقان لوضع الأمور في مواضعها. وعلمك: لقّنك وألهمك. وبذلك أي: بما ذُكر من النعم في هذه
الآية.

الجزء الخامس
٩٧
٤ - سورة النساء
١- ﴿لا خَيرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُم﴾ أي: الناس، أي: ما يتناجون فيه
الخِرْبٌ
ويتحدّثون، ﴿إِلّ﴾ نجوَى ﴿مَن أَمَرَ بِصَدَقةٍ أو مَعْرُوفٍ﴾: عملٍ بِرّ، ﴿أو
إصلاح بَيْنَ النّاسِ، ومَن يَفعَلْ ذلِكَ﴾ المذكورَ ﴿ابتغاءَ﴾: طلبَ ﴿مَرضاةِ اللهِ﴾
لا غيّرِّهِ من أُمور الدُّنيا ﴿فَسَوفَ نُؤتِيهِ﴾ - بالنون، والياءِ أي: اللهُ - ﴿أجرًا
عَظِيمًا ١١٤، ومَن يُشاقِقِ﴾: يُخالفِ ﴿الرَّسُولَ﴾، فيما جاء به من الحقّ، ﴿مِن بَعدِ ما
تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى﴾: ظهرَ له الحقّ بالمُعجزات، ﴿ويَتَبعْ﴾ طريقًا ﴿غَيرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾
أي: طريقِهم الذي هم عليه من الدِّين، بأن يكفر، ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى﴾: نجعلْه واليًا لما
تولّاه من الضلال، بأن نُخلّي بينه وبينه في الدُّنيا، ﴿ونُصْلِهِ﴾: نُدخِلْه في الآخرة
﴿جَهَنَّمَ﴾ ليحترق فيها، ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ١١٥: مَرجِعًا هي! ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ
يُشرَكَ بِهِ، ويَغفِرُ ما دُونَ ذُلِكَ لِمَن يَشاءُ، ومَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١١٦
عن الحقّ.
سُورَة النسخالم
﴿ لََّخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًّاً عَظِيمًا [9] وَمَنْ
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِيرًا ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا
(١) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا وَ إِن يَدْعُونَ
إِلَّا شَيْطَنَّا مَرِيدًا (٨) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَـ لَأَتَّخِذَنَ
مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [﴿ وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
وَلَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ وَلَّمُرَنَّهُمْ
فَلَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًا
مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانَا مُبِينًا (٦)
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِيِهِمّ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَنُ إِلََّغْرُوَرَّاسَ)
وَأُوْ لَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا
٢- ﴿إِنْ﴾: ما ﴿يَدْعُونَ﴾: يَعبدُ المشركون ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي: اللهِ، أي: غيرَه ﴿إلّا
إناثًا﴾: أصنامًا مُؤنّثة كاللّاتِ والعُزَّى ومَناةَ، ﴿وإنْ﴾: ما ﴿يَدْعُونَ﴾: يَعبدون بِعبادتها
﴿إِلّا شَيطانَا مَرِيدًا﴾ ١١٧: خارجًا عن الطاعة، لطاعتهم له فيها - وهو إبليسُ -
﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾: أَبعده عن رحمته، ﴿وقالَ﴾ أي: الشيطانُ: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾: لأجعلنّ لي
﴿مِنِ عِبادِكَ نَصِيبًا﴾: حظًّا، ﴿مَفِرُوضًا﴾ ١١٨: مقطوعًا، أدعوهم إلى طاعتي،
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُم﴾ عن الحقّ بالوسوسة، ﴿وَلَأُمَنِينَهُمِ﴾: أُلقي في قُلوبهم طُول الحياة، وأنْ
لا بعث ولا حِساب، ﴿وَلَآَ مُرَنَّهُم فَلَيُبَتَّكُنَّ﴾: يُقَطِّعُنّ ﴿آذانَ الأنعامِ﴾ - وقد فُعل ذلك
بالبحائر - ﴿وَلَآَ مُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللهِ﴾: دِينَه بالكُفر، وإحلالَ ما حرَّم وتحريم ما أحل.
٣- ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيطانَ وَلِيًّا﴾ يتولّاه ويُطيعه، ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه، ﴿فَقَد خَسِرَ خُسرانًا مُبِينًا﴾ ١١٩: بَيّنًا، لمصيره إلى النار المُؤبّدة
عليه. ﴿يَعِدُهُم﴾ طُولَ العمر، ﴿وَيُمَنِّهِم﴾ نَيلَ الآمال في الدُّنيا وأنْ لا بعث ولا جزاء، ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ﴾ بذلك (إلّا غُرُورًا﴾ ١٢٠ :
باطلًا. ﴿أُولَئِكَ مأواهُم جَهَنَّمُ، ولا يَجِدُونَ عَنها مَحِيصًا﴾ ١٢١ : مَعدِلًا، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَنُدخِلُهُم جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها
(١) الخير: ما ينفع. والنجوى: الحديث سرًا أو علانية. وكثير يعني: أن في قليل من نجوى الناس خيرًا. وأمر: ألزم غيره. والصدقة: ما يُدفع إلى
المحتاجين تقربًا إلى الله. والإصلاح: إزالة الخلاف والخصام. ويفعل: يكتسب بالنية أو القول أو العمل اختيارًا وقصدًا. والإشارة بـ ((ذلك)) هي إلى الأمر
بواحد من الأعمال الثلاثة قبل. والمرضاة: الرضوان. ونؤتيه: نعطيه تفضلًا. وبالياء يريد القراءة ((يُؤتِيهِ)). فالفاعل ضمير يعود على لفظ الجلالة. وروي أن
أحد بني سُليم سرق بعض مالِ مَن أضافه، ثم هرب إلى قومه مرتدًا، فنزلت الآية فيه، وحكمها عامّ أيضًا. البحر ٣: ٣٥٠. والرسول: من أُرسل بالدعوة إلى
الإسلام مع العمل. وتبين: ظهر. ويتبعه: يعمل ما يدعو إليه. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وما تولاه أي: ما اختاره بنفسه وليًّا لأمره ينقاد له.
والوالي: التابع. وساءت: بلغت نهاية السوء والشر. ومرجعًا أي: مكان رجوع للحياة بعد الموت. ولا تكون المغفرة للشرك، إذا مات صاحبه عليه. ويغفر:
يستر الذنب ولا يؤاخذ عليه. ويشرك به: يجعل له شريكًا في الألوهية. ودون ذلك أي: غير الشرك من الذنوب. ويشاء أي: يريد أن يغفر له. وضل: انحرف.
والبعيد: الذي لا نهاية له .
(٢) الإناث: جمع أنثى. وهي ما يقابل الذكر. وبعبادتها أي: في عبادتها. والشيطان: من يوسوس بالشر ويغري بالضلال. والمريد: الذي بلغ الغاية في الشر
والخروج عن طاعة الله. وإبليس أي: ومن يشبهه من الإنس أو الجن. والعباد: جمع عبد. والحظ: المقدار المحدد. والمقطوع: الذي اقتطعه إبليس
والشياطين. وأُضِلّه: أصرفه وأميل قلبه. وأُمنّيه: أعِده الأمانيّ الكاذبة أشغَله بها. وآمره: أُوَسْوِسُ إليه وأُغريه. والآذان: جمع أُذن. والأنعام: جمع نعم.
وهو الإبل والبقر والغنم. والبحائر: جمع بَحِيرة. وهي الناقة تلد أربعة بطون، ثم تلد في الخامس ذكرًا، فلا يحملون عليها ولا يأخذون نتاجها ويتركون ألبانها
للأصنام. وانظر الآية ٣ من سورة المائدة. ويغيّر: يبدّل ويشوّه. والخلق: المخلوق. وهو يشمل مع الدين أيضًا إفساد التكوين لسائر المخلوقات، كما هو
معروف في الاستنساخ والاستنسال، والولادات المشوهة بالعقاقير المصطنعة، والإنجاب المخبري بالأنابيب، وعمليات التجميل غير الضرورية، وتحويل
الخُنثى إلى ذُكَير أو أَنَيثى، وخلخلة التكامل الحيوي بين الخلائق، والعبث بالمورِّئات والمكونات للإنسان والحيوان والنبات والجماد، لتغيير طبيعة بعضها
وتشويه وظائفها الفطرية، مما يفسد الكون والحياة.
(٣) خسر: أضاع ما يؤمله من الخير. ويعدهم: يتعهد لهم. والغرور: إظهار النفع فيما فيه الضرر. فهو باطل لا يثبت عند التمحيص. والمأوى: الملجأ.
ويجد: يرى. والمعدل: المهرب. وآمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب من نية أو قول أوفعل باختيار وقصد. والصالح: ما يرضاه الشرع. وندخلهم:
نجعلهم داخلين ونيسّر لهم ذلك. والجنة: الحديقة العظيمة فيها الشجر والقصور والنعيم. ومن تحتها أي: من تحت شجرها وقصورها. والأنهار: جمع نهر.
وهو المجرى العظيم للماء والعسل واللبن والخمر. والخالد: المقيم مدة طويلة. وأبدًا أي: مدة الدهر. والوعد: التعهد بإيصال المنافع قبل حصولها.
والحق: الثبوت والتحقق. وأصدق أي: أكثر صدقًا فيما يعد وأكثر التزامًا له فيما يقول. والمراد معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة بوعد الله الصادق دائمًا .

٤ - سورة النساء
٩٨
الجزء الخامس
سُورَة النساء
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ
اُللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِقِيلًا (١٦) لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
وَلَا أَمَانِيَ أَهْلِ اُلْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُوءًايُجْزَبِهِ،
] وَمَنْ
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْ لَئِكَ يَدْخُلُونَ اُلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (٩] وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنُ وَأَتَّبَعَ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ الَهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٦) وَلِلَّهِ مَا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
تُحِيطَا (٦َا وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ
الَّتِى لَاتُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْلِلْيَتَمَى
بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا
الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها أبَدًا، وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أي: وعَدَهم اللهُ ذلك وحَقَّه حقًّا. ﴿ومَنِ﴾
أي: لا أحد ﴿أصدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ ١٢٢ : قولًا؟
١- ونزل، لمّا افتخر المسلمون وأهل الكتاب: ﴿لَيسَ﴾ الأمر منوطًا ﴿بِأمانِيَّكُم، ولا
أمانِيّ أهلِ الكِتابِ﴾، بل بالعمل الصالح. ﴿مَن يَعمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إمّا في الآخرة،
أو في الدُّنيا بالبلاء والمِحن، كما ورد في الحديث، ﴿ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ﴾ اي:
غيرَه ﴿وَلِيَّ﴾ يحفظُه، ﴿ولا نَصِيرًا﴾ ١٢٣ يمنعه منه، ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾ شيئًا ﴿مِنَ
الصّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أو أُنثَى، وهْوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولَئِكَ يُدخَلُونَ﴾ - بالبناء للمفعول،
والفاعلِ - ﴿الجَنّةَ ولا يُظَلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ١٢٤ : قدرَ نُقْرةِ النواة.
٢- ﴿ومَن﴾ أي: لا أحد ﴿أحسَنُ دِينًا مِمَّن أسلَمَ وَجهَهُ﴾ أي: انقاد وأخلص عمله
﴿لِهِ، وَهْوَ مُحسِنٌ﴾: مُوحّد، ﴿واتَّبَعَ مِلّةَ إِبراهِيمَ﴾ المُوافقةَ لمِلَّةِ الإِسلام ﴿حَنِيفًا﴾؟
حالٌ أي: مائلاً عن الأديان كلّها إلى الدِّين القيِّم - ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبراهِيمَ
خَلِيلاً﴾ ١٢٥: صفًّا خالص المحبّة له - ﴿ولِلِ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾،
مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطًا﴾ ١٢٦ عِلمًا وقُدرة، أي : لم يزل
متّصفًا بذلك.
٣- ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾: يطلبون منك الفتوى، ﴿في﴾ شأنِ ﴿النِّساءِ﴾ وميراثهن. ﴿قُلِ﴾
لهم: ﴿اللهُ يُفتِيكُمْ فِيهِنَّ، وما يُتْلَى عَلَيْكُم في الكِتابِ﴾: القرآن، من آية المِيراث، يُفتيكم أيضًا ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ اللِّي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ﴾:
فُرض ﴿لَهُنَّ﴾ من المِيراث، ﴿وَتَرغَبُونَ﴾ - أيّها الأولياء - عن ﴿أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ لدمامتهنّ، وتَعضُلوهنّ أن يتزوّجن طمعًا في مِيراثهنّ، أي:
يُقْتيكم ألّا تفعلوا ذلك، ﴿و﴾ في ﴿المُستَضعَفِينَ﴾: الصِّغار ﴿مِنَ الولدانِ﴾ أن تُعطوهم حُقوقهم، ﴿و﴾ يأمركم ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالقِسْطِ﴾:
بالعدل في المِيراث والمَهر. ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيرٍ فإنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ١٢٧ فيُجازيكم عليه.
(١) أهل الكتاب: أصحابه المكلفون باتباعه وملازمة أحكامه. وهم بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. فقد روي أن بعض هؤلاء فاخره الصحابة، فكان كل
منهم يقول للآخر: نحن أفضل منكم. ويعدد المفاخر التي تميزه عليه، برسوله وكتابه والهداية. فنزلت الآيات ١٢٣-١٢٥. انظر ((المفصل)). والمنوط: المعلّق
والمحكوم له. والأمانيّ: جمع أَمنّة. وهي ما يتمناه الإنسان ويحب أن يكون عليه. ولما سمع أبو بكر هذه الآية قال: فلا أعلم إلّا أني وَجدت انقصامًا في
ظهري، فتمطّأت لها. فقال الرسول و﴿ ﴿: ((أمّا أنتَ - يا أبا بَكرٍ - والمُؤمِنُونَ فَتُجزَونَ بذلِكَ في الدُّنيا، حَتَّى تَلقَوا اللهَ، ولَيسَ لَكُم ذُنُوبٌ. وأمّا الآخَرُونَ
فَيَجْتمِعُ ذلِكَ لَهُم، حَتَّى يُجْزَوا بِهِ يَومَ القِيامةِ)). الحديث ٣٠٤٢ في الترمذي، وفي إسناده ضعف ومجهول. وانظر الحديث ٢٥٧٤ في مسلم، وتفسير ابن كثير
٥٢٨:١-٥٢٩. وتمطأت أي: تمدد جسمي واقشعر من الفزع. والسوء: ما حرّمه الشرع، ويكون فيه إساءة وضرر. ويجزى: يعاقب. وبه أي: بما يستحقه
عليه من الجزاء. ولا يجد: انظر الآية ١٢١. والولي: من يتولى أمر الإنسان ويرعاه. والنصير: من ينصره ويدافع عنه. والمؤمن: من صدّق الله ورسوله.
وبالفاعل يريد القراءة ((يَدخُلُونَ)). ويُظلم: يحرم حقَّه. والنقير: الثقب الدقيق في نواة التمرة. يعني: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم شيء، بقدر
النقير.
(٢) الأحسن: الأفضل. والدين: العقيدة والشريعة والعبادة. والمحسن: من يعبد الله بإخلاص كأنه يرى الله. ولذلك فُسّر بالموحد. واتبعها: عمل بها.
والملة: الديانة. والسماوات: ما يحيط بالأرض. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده. ولا يذكر هنا المستحيل لأنه إذا كان مما يعلمه الله صار ممكنًا
وجوده. والمحيط: النافذ العلم والاقتدار.
(٣) لما نزلت الآية ٣ وما بعدها من هذه السورة شق ذلك على بعض الصحابة، لِما فيه من فرض المهر والنصيب الموروث، إذ كانوا يتزوجون اليتيمات بلا
مهر ولا يورّثون إلا الرجال، وسألوا النبي ◌َّر عن ذلك، فنزلت هذه الآية. انظر ((المفصل)). وروي أن عيينة بن حصن قال للنبي: أخبرنا أنك تعطي الابنة
النصف والأخت النصف. وإنما كنا نُوَرّث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة. فأجابه: ((كَذلِكَ أُمِرتُ)). والآية هنا تؤكد أحكام أول السورة. والفتوى: بيان
الحكم المُشكِل على السائل. والنساء: واحدتها امرأة. وهي الأنثى. ويفتي: يبين الحكم الحق ويأمر به. وفيهن أي: فيما لهن من الميراث والمهر. ويتلى:
يقرأ. واليتامى: جمع جمع يتيمة. واللاتي: اللواتي. وتؤتي: تعطي، وترغب: تُعرض وتمتنع. وتنكح: تتزوج. والدمامة: قبح المنظر. وذكرُ الدمامة أحد
وجهّي التفسير. والوجه الثاني أن معنى ترغبون: تطمعون وتحرصون. ويقدر بعده ((في)) بدلًا من ((عن)). فالمراد أن وليّ اليتيمة يرغب في نكاحها لجمالها أو
مالها، ولا يعطيها حقها من المهر. وتَعضل: تمنع. وذلك أي: ما ذكر من عدم المهر، والرغبة عن نكاح اليتيمات أو فيه، ومنعهن من الزواج.
والمستضعف: الذي يُعَدّ ضعيفًا لقصوره. والولدان: جمع وليد. وهو الطفل أو الأمة والمملوك. وتقوموا بالقسط أي: تفعلوه. وتفعل: تكتسب من نية أو قول
أو عمل. والخير: مافيه نفع في الدنيا والآخرة. وكان أي: ولا يزال من دون قيد زماني. والعليم: المبالغ في الإحاطة.

الجزء الخامس
٩٩
٤ - سورة النساء
١- ﴿وإنِ امرأةٌ﴾: مرفوع بفعل يُفسِّره ﴿خافَتْ﴾: توقّعتْ، ﴿مِن بَعلِها﴾: زوجها،
﴿نُشُوزًا﴾ ترفّعًا عليها بترك مُضاجعتها والتقصير في نفقتها، لبُغضها وطُموح عينه إلى
أجملَ منها، ﴿أو إعراضًا﴾ عنها بوجهه، ﴿فلا جُناحَ علَيهِما أن يَصّالَحا﴾ - فيه إدغام
التاء في الأصل في الصاد، وفي قراءة: ((يُصْلِحا)) من: أصلَحَ - ﴿بَينَهُما صُلحًا﴾ في
القَسْم والنفقة، بأن تترك له شيئًا طلبًا لبقاء الصُّحبة. فإن رضيتْ بذلك، وإلّا فعلى
الزوج أن يُوفّيَها حقّها أو يُفارقَها. ﴿والصُّلحُ خَيرٌ﴾ من الفُرقة والنُّشوز والإعراض.
قال تعالى، في بيان ما جُبلَ عليه الإِنسان: ﴿وَأُحضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ﴾: شِدّةَ البُخل،
أي: جُبِلتْ عليه، فكأنّها حاضِرتُه لا تَغيب عنه. المعنى: أنّ المرأةَ لا تكاد تسمح
بنصيبها من زوجها، والرجلَ لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحبّ غيرها، ﴿وإنْ
تُحسِنُوا﴾ عِشرة النِّساء، ﴿وتَتَّقُوا﴾ الجَور عليهنّ، ﴿فإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ
خَبِیرًا﴾ ١٢٨، فيُجازیکم به.
٢- ﴿وَلَن تَستَطِيعُوا أنْ تَعدِلُوا﴾: تُسوُّوا ﴿بَيْنَ النِّساءِ﴾ في المحبّة، ﴿وَلَو حَرَصتُم﴾
على ذلك - ﴿فلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ﴾ إلى التي تُحبّونها في القَسْم والنفقة، ﴿فَتَذَرُوها﴾
أي: تتركوا المُمالَ عنها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ التي لا هي أيّم ولا هي ذات بعل - ﴿وإنْ
تُصلِحُوا﴾ بالعدل في القَسْم، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجَورَ، ﴿فإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا﴾ لما في قلوبكم
من المَيل، ﴿رَحِيمًا﴾ ١٢٩ بكم في ذلك. ﴿وإنْ يَتَفَرَّقَا﴾ أي: الزوجانِ بالطلاق ﴿يُغْنِ
اللهُ كُلَّا﴾ عن صاحبه، ﴿مِن سَعتِهِ﴾ أي: فضله، بأن يرزقها زوجًا غيره ويرزقه غيرها .
﴿وكانَ اللهُ واسِعًا﴾ لخلقه في الفضل، ﴿حَكِيمًا﴾ ١٣٠ فيما دبّره لهم.
سُورَة السخاء
الحرة المحصل
﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ
اُلْأَ نفُسُ الشُّخَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٨) وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ
بَيْنَ اَلْنِسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ
فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( وَإِن يَنَفَرَّ قَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ
مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (٣) وَلِلَّهِ مَا فِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّلِلَّهِ
مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (ب)
وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٦)
إِن يَشَأَيُذْ هِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرِينَ وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣٦) مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ
اللَّهِ ثَوَابُ الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
١٣٤
٣- ﴿وَلِ ما في السَّماواتِ، وما في الأرضِ. ولَقَد وَصَّينا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بمعنى الكُتُب، ﴿مِن قَبِلِكُم﴾ أي: اليهود والنصارى، ﴿وإيّاكُم﴾
- يا أهل القُرآن - ﴿أنِ﴾ أي: بأنِ ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾: خافوا عقابه بأن تُطيعوه، ﴿و﴾ قلنا لهم ولكم: ﴿إِنْ تَكفُرُوا﴾ بما وُصِّيتم به ﴿فإنَّ للهِ ما في
السّماواتِ، وما في الأرضِ﴾ خلقًا ومُلكًا وعبيدًا، فلا يضرُّه كُفركم، ﴿وكانَ اللهُ غَنِيًّا﴾ عن خلقه وعِبادتِهِم، ﴿حَمِيدًا﴾ ١٣١: محمودًا في
صُنعه بهم، ﴿ولِلِ ما في السَّماواتِ، وما في الأرضِ﴾، كرّره تأكيدًا لتقرير مُوجِب التقوى، ﴿وكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ١٣٢: شهيدًا بأنّ ما فيهما
له!
٤ - ﴿إِنْ يَشأُ يُذهِبْكُم -﴾ يا ﴿أيُّها النّاسُ - ويأتِ بِآخَرِينَ﴾ بدَلَكم، ﴿وكانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ١٣٣. مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله ﴿ثَوابَ الدُّنيا فِعِندَ
(١) مرفوع: يعني أن التقدير: إن خافتِ امرأة. والترفع: التعالي. والمضاجعة: المجامعة. والطموح: التلفت والنظر. والإعراض: الصدود. والجناح:
الإثم. والإدغام يعني أن الأصل: ((يَتَصالَحا)). ويُصلحا أي: يزيلا ما بينهما من الخلاف. والقسم: إفراز النصيب بين الزوجات بالعدل عدا المحبة والجماع.
وتتركه: تتنازل عنه. وخير أي: أكثر نفعًا للزوجين. وأحضرت أي: خلق الله فيها. وتُحسن: تجعل الفعل حسنًا. وتتقوا: تتجنبوا. وتعملون أي: تكتسبونه من
نية أو قول أو فعل. والخبير: العليم ببواطن الأمور وظواهرها .
(٢) تستطيعه أي: تقدر عليه. والنساء: الزوجات. والمحبة أي: ومثل ذلك المحادثة والمجالسة والجماع والنظر. وحرص: تحرى وبالغ في الإرادة. وذلك
أي: العدل. وقد نفى استطاعة العدل مع وجود حرص الرجال عليه، إشارة إلى عذرهم في ذلك. وتميل: تتحيز. و((الممال)) خطأ صوابه: المَمِيل. انظر
((المفصل)). وفي الأصل والنسختين والصاوي: ((الممال عليها)). والأيم: من هي مطلقة أو مات عنها زوجها. وكان: انظر الآية ١١. والغفور: الكثير الستر
للذنوب وعدم المؤاخذة عليها. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان. ويتفرقا أي: ينفصلا. ويغنيه: يجعله مستغنيًا. والسعة: اتساع الملك والتصرف. والواسع
أي: الذي لا حد لقدرته وأفضاله. والحكيم: ذو الحكمة البالغة.
(٣) السماوات والأرض: انظر الآية ١٢٦. ووصى: أمر. وأوتوا: أُنزل إليهم وكلفوا به. وتكفروا أي: تنكروا. وكان: انظر الآية ١١. والغني: المستغني
بذاته وصفاته وأفعاله. وموجب التقوى: سببها ومحققها. وهي المذكورة في الآية ١٣١. وكفى: بلغ الغاية في الاستغناء والكفاية عن جميع الخلق. والوكيل:
الذي تُوكل إليه الأمور ويشهد بالحق.
(٤) يشاء أي: يريد إفناءكم وإيجاد غيركم. ويذهبكم: يفنِكم جميعًا. ويأتي به: يوجده ويخلقه. وآخرين أي: مخلوقين غيركم دفعة واحدة، يكونون أطوع
منكم له. والخطاب للمشركين والمنافقين وأهل الكتاب. وكان: انظر الآية ١١. وذلك أي: ما ذُكر من الإفناء والخلق. والقدير: البليغ القدرة لا يعجزه شيء.
ويريد: يطلب. وثواب الدنيا: متاعها ولذاتها. والآخرة: الحياة يوم القيامة. وعنده أي: بملكه وقدرته وتصرفه. وثواب الآخرة: الأجر فيها. وهو الجنة
والرضا. وأحدهما أي: أحد الأجرين. والأخس: الخسيس الحقير. وبإخلاصه له أي: بجعله خالصًا للمولى، تعالى. والسميع: المدرك للمسموعات
والأسرار. والبصير: المدرك للأحداث.

٤ - سورة النساء
١٠٠
الجزء الخامس
شُورَةِ النَّسخاء
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْكُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِالْوَلِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِ لُواْ وَإِن
تَلْوُ: أَأَوْتُعْرِضُواْ فَإِنَّاللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [٢َّأَيُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ
عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ
بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِ فَقَدْضَلَّ
ضَلَلاً بَعِيدًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ
ثُمَّكَفَرُ واْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ
سَبِيلاً ﴿ بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ ◌َهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ
عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [٦َ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى
الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَيَتِ اللَّهِيُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُبِهَا فَلَا
نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْإِذَا مِثْلُهُمْ
﴿إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا
لِيَهدِيَهُم سَبِيلًا﴾ ١٣٧: طريقًا إلى الحقّ.
٣- ﴿بَشِّرٍ﴾: أخبرْ - يا مُحمّد - ﴿المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهُم عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١٣٨: مؤلمًا - هو عذاب النار - ﴿الَّذِينَ﴾: بدلٌ أو نعت للمنافقين ﴿يَتَّخِذُونَ
الكافِرِينَ أولياءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ﴾، لما يتوهّمون فيهم من القُوّة - ﴿أَيَبْتَغُونَ﴾: يطلبون ﴿عِندَهُمُ العِزَةَ﴾؟ استفهام إنكار، أي: لا يجدونها
عندهم. ﴿فإنَّ العِزّةَ لِهِ جَمِيعًا﴾ ١٣٩ في الدُّنيا والآخرة، ولا ينالها إلّا أولياؤه - ﴿وَقَد نَزَّلَ﴾، بالبناء للفاعل والمفعول، ﴿عَلَيْكُم في الكِتابِ﴾:
القُرآنِ في سورة ((الأنعام)) ﴿أنْ﴾: مُخفّفَةٌ واسمها محذوف، أي: أنّه ﴿إذا سَمِعتُم آياتِ اللهِ﴾: القُرآنَ، ﴿يُكفَرُ بِها ويُستَهزأُ بِها، فلا تَقْعُدُوا
مَعَهُم﴾ أي: الكافرين والمُستهزئين، ﴿حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيرِهِ. إِنَّكُمْ إِذَا﴾: إن قعدتم معهم ﴿مِثْلُهُم﴾ في الإثم. ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقِينَ
والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ١٤٠، كما اجتمعوا في الدُّنيا على الكُفر والاستهزاء.
(١) كونوا أي: صيروا. وقوامين أي: مداومين على العمل. والقوام: مبالغة في القيام بالعدل. والشهداء: جمع شهيد. ولله أي: لوجه الله، لا يراعى في
الشهادة إلّا طاعته. والوالدان: الأب والأم. والأقربون: جمع أقرب. وهو الداني النسب. والغني: من يملك ما يكفيه. والفقير: المحتاج إلى مساعدة الناس
له. وأولى بهما أي: أحق بجنسي الفقير والغني. وتتبعوه أي: تنقادوا له. والهوى: ميل النفس إلى الشهوة. وهو هنا ما لم يبحه الله. وتحابوه: تفضلوه.
وتعدلوا أي: في الحكم أو الشهادة. والقراءة المذكورة: (تَلُوْا)) أي: تتولّوا إقامة الشهادة وتقوموا بها. وكان: انظر آخر الآية ١١. وتعملون أي: تكتسبونه من
نية أو قول أوفعل. وخبير أي: عليم ببواطن الأمور وظواهرها .
(٢) داوموا أي: اثبتوا. والإيمان هو التصديق اليقيني القاطع. ونُزِّل: أوحي على لسان جبريل. ومن قبل أي: من قِبلِ القرآن. وبمعنى الكتب أي: أن
((الكتاب الذي أنزل)) يراد به الكثرة لا كتاب واحد. وفي الفعلين يريد القراءة ((والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي أَنزَلَ)). ويكفر به: ينكر أنه حق.
والكتب: جمع كتاب. والرسل: جمع رسول. والآخر: المتأخر يكون بالبعث. والمراد: من يكفر بشيء مما ذُكر. وضل: انصرف. وآمنوا به أي: صدّقوه
باليقين واتبعوه. وكفروا: جحدوا الإيمان وارتدوا. وبعبادة العجل أي: لأنهم عبدوا العجل. وبعده أي: بعد رجوع موسى إليهم من تكليم ربه. وازداد:
تضاعف. وبمحمد أي: بسبب كفرهم به. ويغفر: يستر الذنب ويصفح عنه. وعليه أي: على الكفر.
(٣) في جعل التبشير للإخبار بالعذاب معنى التهكم. والمنافق: من يُظهر بلسانه الإيمان وفي قلبه الكفر. ويتخذ: يجعل. وأولياء: جمع وليّ. وهم المعينون
يوالونهم على المسلمين. والكافرون: غير المسلمين. ودون أي: غير. والعزة: الغلبة والشِّدّة. والإنكار: التوبيخ ليتركوا ما هم عليه من الباطل. انظر فتح
القدير ٧٨٦:١. والجميع: المجموع بكل أجزائه وأنواعه. ونزل: أوحى على لسان جبريل. وبالمفعول يريد القراءة ((نُزَّلَ)). والأنعام: يعني الآية ٦٨ من تلك
السورة. ومخففة أي: من ((أنّ)). وسمع: أدرك ما يقال. وتقعد معه: تجالسه. ويخوض: يشرع ويتناول. والحديث: ما يكون من الكلام. وغيره أي: حديث
مغاير للكفر والاستهزاء. والمثل: المماثل والمساوي. وجامع أي: حاشر بالقوة والقهر للحساب والعقاب. وجهنم: اسم علم للنار الموقدة أعدت للكافرين
والمنافقين. وجميعًا أي: مجتمعين بكامل أفرادهم.
ثلاثة أرباع
الخِرب
١٠
اللهِ ثَوابُ الدُّنيا والآخِرةِ﴾ لمن أراده، لا عند غيره. فلِمَ يَطلُبُ أحدَهما
الأخَسَّ؟ وهلّا طَلَب الأعلى بإخلاصه له، حيث كان مطلبه لا يوجد إلّا
عنده. ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣٤.
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، كُونُوا قَوّامِينَ﴾: قائمين ﴿بِالقِسطِ﴾: بالعدل، ﴿شُهَداءَ﴾
بالحقّ ﴿لِلهِ، ولَو﴾ كانت الشهادة ﴿عَلَى أنفُسِكُم﴾ فاشهدوا عليها بأن تُقرّوا بالحقّ ولا
تكتموه، ﴿أوٍ﴾ على ﴿الوالِدَينِ والأقرَبِينَ - إنْ يَكُنْ﴾ المشهود عليه ﴿غَنِيًّا أو فَقِيرًا
فاللهُ أولَى بِهِما﴾ منكم، وأعلَمُ بمصالحهما - ﴿فلا تَّبِعُوا الهَوَى﴾ في شهادتكم، بأن
تحابوا الغنيَّ لرضاه أو الفقيرَ رحمة له، ل﴿أنْ﴾ لا ﴿تَعدِلُوا﴾: تميلوا عن الحقّ،
﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾: تُحرّفوا الشهادة - وفي قراءة بحذف الواو الأولى تخفيفًا - ﴿أو
تُعرِضُوا﴾ عن أدائها ﴿فإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١٣٥، فيُجازیكم به.
٢- ﴿يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا، آمِنُوا﴾: داوموا على الإِيمانِ ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ، والكِتابِ الَّذِي
نُزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ مُحمّد - وهو القرآن - ﴿والكِتابِ الَّذِي أَنزِلَ مِن قَبَلُ﴾ على الرُّسل،
بمعنى: الكُتُب. وفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلَينِ. ﴿وَمَن يَكفِّرْ بِاللهِ ومَلائكتِهِ
وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَومِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ١٣٦ عن الحقّ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
بُمُوسى - وهم اليهود - ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادة العجل، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعده، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾
بِعيسى، ﴿ثُمَّ ازدادُوا كُفرًا﴾ بمُحمّد، ﴿لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُم﴾ ما أقاموا عليه، ﴿ولا