النص المفهرس

صفحات 1-20

١
الجزء الأول
١ - سورة الفاتحة
١ - [قال الإمام جلال الدين المحلّيّ]:
سورة الفاتحة
مكية، سبع آيات بالبسملة إن كانت منها، والسابعة ((صراطَ الذينَ)) إلى آخرها. وإن لم
تكن منها فالسابعة ((غيرُ المغضوبِ)) إلى آخرها. ويُقدّر في أوّلها («قولوا)»، ليكون ما
قبل ((إيّاك نعبدُ)) مناسبًا له بكونه من مقول العباد.
بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحَيَةِ ١
٢- ﴿الحَمدُ لِثِهِ﴾ جملة خبرية، قُصِدَ بها الثناء على الله بمضمونها من أنه - تعالى -
مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مُستحِقّ لأن يَحمَدوه. والله: عَلَمٌ على المعبود
بحقِّ، ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٢ أي: مالكِ جميع الخلق، من الإِنس والجنّ والملائكة
والدوابّ وغيرهم. وكلّ منها يُطلق عليه عالَم - يقال: عالَم الإِنس وعالم الجنّ، إلى
غير ذلك. وغُلِّب، في جمعه بالياء والنون، أولو العِلم على غيرهم. وهو من العلامة،
لأنه علامة على مُوجِده - ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ٣ أي: ذي الرحمة. وهي إرادة الخير
لأهله. ﴿مَلِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ ٤ أي: الجزاءِ. وهو يوم القيامة. وخُصّ بالذكر لأنه لا
مُلك ظاهرًا فيه لأَحد إلّا للهِ - تعالى - بدليل: ((لِمَنِ المُلكُ اليَومَ؟ لِلْهِ)) .. ومن قرأ
((مالِكِ)) فمعناه: مالكِ الأمرِ كلُّه في يوم القيامة، أي: هو موصوف بذلك دائمًا كـ
((غافِرِ الذَّنْبِ)). فصحّ وقوعه صفة للمعرفة.
سُورَةِ الْفَاتِحَةْ !
الْحَمْدُ لِنَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ * الَّحْمَنِ
الزَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الَّذِينِ ﴾
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينٌ ﴾
أَهْدِنَ الْصِرَطَ الْمُسْتَفِيَدَ ٥ صِرَطَ
الَّيْنَ أَنْعَمْتَ عَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ
عَيْهِمْ وَ الْضَّلِينَ ﴾
٣- ﴿إِيّاكَ نَعبُدُ، وإيّاكَ نَستَعِينُ﴾ ﴾ أي: نَخُصّكَ بالعبادة من توحيد وغيره، ونطلب
منك المعونة على العبادة وغيرها. ﴿اهدِنا الصِّراطَ المُستَقِیمَ﴾ ٦ أي: أرشِدْنا إليه،
ويُبدل منه: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾ بالهداية، ويُبدلِ من ((الذين)) بصلته ﴿غَيرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِم﴾ وهم اليهود، ﴿ولا﴾: وغيرِ
﴿الضّالِّينَ﴾ ٧ وهم النصارى. ونكتةُ البدل أفادتْ أنَّ المُهتَدين ليسوا يهودًا ولا نصارى.
(١) فسر المحلي سورة الكهف، وانتهى إلى آخر سورة الناس، ثم رجع إلى أول المصحف، فلما أنجز تفسير سورة الفاتحة، والآيات ١-٢٦ من سورة البقرة،
توفي كما قال الخطيب الشّربيني في تفسيره ((السراج المثير)). وانظر حسن المحاضرة ٢٥٢:١ وشذرات الذهب ٣٠٤:٧. والظاهر أن السيوطي حذف تفسير
المحلي لآيات البقرة، وكمل التفسير من أولها إلى آخر سورة الإسراء. ونحن قدمنا تفسير سورة الفاتحة إلى أول الكتاب، لمتابعة نسق المصحف الشريف.
وسميت هذه الفاتحةً لأنها يُفتتح بها القرآن الكريم في المصاحف، وتُفتتح بها تلاوة القرآن في الصلاة .. والسورة: مجموعة محددة، من نص القرآن الكريم لها
اسم خاص، تتضمن ثلاث آيات أو أكثر. وقال الرسول وَ﴿ في فضل قراءة الفاتحة: قالَ اللهُ تعالَى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ، ولِعَبدِي ما سألَ.
فإذا قالَ العَبدُ: ((الحَمدُ لِهِ رَبِّ العالَمِينَ))، قالَ اللهُ تَعالَى: ((حَمِدَنِي عَبدِي)). وإذا قال: ((الرَّحْمُنِّ الرَّحِيم))، قالَ اللهُ تَعالَى: ((أثْنَى عَلَيَّ عَبدِي)). وإذا قالَ:
((مالِكِ يَومِ الدِّينِ))، قالَ: ((مَجَّدَنِي عَبدِي)). فإذا قالَ: ((إيّاكَ نَعبُدُ وإِيّاكَ نَستَعِينُ))؛ قالَ: ((هذا بُّيْنِي وَبَيْنَ عَّبِدِي، ولِعَبدِي ما سألَ)). فإذا قالَ ((اهدِنا الصِّراطَ
المُستَقِيمَ،َ صِراطً الَّذِينَ أنعَمتَ عَلَّيهِم، غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم، ولَا الضَّالْيْنَ))، قَالَ: ((هذا لِعَبدِي، ولِعَبدِي ما سألَ)). الحديث ٣٩٥ من مسلم. وقال العلماء:
المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سمِّيتْ بذلك لأنها لا تصح إلّا بها. صحيح مسلم بشرح النووي ٣٤١:٢. وكون البسملة من السورة هو قراءة أهل مكة والكوفة.
و((إن كانت منها)) يعني: شرط كون السورة سبع آيات مقيد بملابسة البسملة. وفي أولها أي: في أول السورة. وما قبل إياك نعبد أي: الآيات ١-٤. ومناسبًا
له أي: لـ ((إياك نعبد)) من حيث إنه خطاب العباد للمولى. ومن قول العباد أي: أنه تمجيد ودعاء على ألسنتهم حين التلاوة. (٢) الرحمة: العطف بالإحسان
والفضل. والاسم: لفظ يطلق على الذات لتُعرف به، ويستدل به عليها. والله: لفظ الجلالة اسمٌ عَلَمٌ للمعبود بحق وحده المتصف بالكمال المطلق، والواجب الوجود
المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. أصله ((إلاهٌ)) على وزن: فِعال، بمعنى مفعول من مصدر: أَلِهَ، أي: عُبِدَ. فهو المعبود بحق وحده.
وقد حذفت ألفه في الرسم اصطلاحًا ((إلّه))، ودخلت عليه ((أل)) للتزيين اللفظي والتعظيم، فحذفت همزته للتخفيف، وأدغمت اللام الأولى في الثانية، وبقيت في الرسم
اصطلاحًا أيضًا. والألف المحذوفة رسمًا تفخم في اللفظ مع اللام قبلها، وإذا كان قبلهما كسر وجب ترقيقهما لفظًا، ولا تجوز الإمالة فيهما حفاظًا على التفخيم.
والرحمن: أبلغ من الرحيم، لأنه يعم جميع الناس بالعطف والخير في الدنيا. والرحيم: مبالغة اسم الفاعل تخص المؤمن بالعطف والخير في الدنيا والآخرة. والحمد:
ثناء اللسان والقلب بالفضيلة، على الجميل الاختياري من نعمة وخير. وجملة يعني: التركيب المكون من المبتدأ والخبر المحذوف. وقصد بها الثناء أي: إنشاء الثناء
وإحداثه بالقول. وعَلَم أي: اسمٌّ علمٌ خاص. والعالَم: اسم لما يُعلَم به كالخاتم. ورب: للمبالغة في ثبوت الربوبية. ولأهله أي: لمن يكون له ويُخص به. وملِك يوم
الدين أي: المتفرد بحيازة ما يكون فيه من الحساب والجزاء دون منازع. واليوم: الوقت والزمن. والجزاء: المكافأة بالثواب والعقاب. وخُصّ أي: يوم الدين. وظاهرًا
أي: متحققًا ظهوره للناس جميعًا، خلافًا لما يظهر لهم في الدنيا أحيانًا. والدليل المذكور هو في الآية ١٦ من سورة غافر. وغافر الذنب: في الآية ٣ من تلك السورة.
(٣) نعبد: نقدس بالتوحيد ونطيع. و((نطلب منك المعونة)) تفسير لـ (نستعين)). والصراط: الطريق الواضح. والمستقيم: المعتدل لا اعوجاج فيه ولا اضطراب. ويبدل منه
أي: من صراط. وأنعمت: تكرمت وتفضلت. والبدل من ((الذين)) هو ((غير)"، فيه الدلالة على البيان والتوكيد. والمغضوب عليهم: عصاة الكفار سخط الله عليهم. واليهود
أول وأشهر مَن وُصف بذلك. والضالّ: من خرج عن طريق الحق والخير. وأصح مَن وصف بهذا هم النصارى، إذا لم يؤمنوا برسالة الإسلام. والنكتة: الفكرة اللطيفة
الدقيقة. وأفادت: أوضحت وبيّنت. ويُسَنُّ للقارئ والإمام والمؤتم، بعد نهاية الفاتحة، قولُ («آمِينَ))، أي: استجبْ يا ربّ. انظر الحديث ٧٤٧ في البخاري.

٢ - سورة البقرة
٢
الجزء الأول
١ - [قال الإمام جلال الدين السُّيوطيّ]:
بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحِيمَةِ
الحمد لله حمدًا مُوافيًا لنِعمه مُكافئًا لمزيده، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد
وآله وصحبه وجنوده.
هذا ما اشتدّت إليه حاجة الراغبين، في تكملةِ تفسير القرآن الكريم، الذي ألّفه
الإمام المحقّق جلال الدين محمّد بن أحمد المحلّيّ الشافعيّ - رحمه الله - وتتميمٍ ما
فاته - وهو من أوّل سورة ((البقرة)) إلى آخر ((الإسراء)) - بتتمة على نمطه، من ذكرِ ما
يُفْهَم به كلام الله - تعالى - والاعتمادِ على أرجح الأقوال، وإعرابٍ ما يُحتاج إليه،
وتنبيهٍ على القراءات المُختلفة المشهورة، على وجه لطيف وتعبير وجيز، وترك
التطويل بذكر أقوالٍ غير مَرْضِيّة وأعاريبَ محلُّها كتب العربيّة .
والله أسأل النفعَ به في الدنيا، وأحسنَ الجزاء عليه في العُقبى، بمَنّه وكرمه.
سورة البقرة
مدنية، وهي مِائَتان وستُّ أو سبعٌ وثمانون آية .
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
٢- ﴿الَّمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿ذلِكَ﴾ أي: هذا ﴿الكِتابُ﴾ الذي يقرؤه محمّد ﴿لا رَيبَ﴾: لا شكّ ﴿فِيهِ﴾ أنه من عند الله - وجملة
النفي خبر، مبتدؤه «ذلك))، والإِشارة به للتعظيم - ﴿هُدَّى﴾ خبر ثانٍ أي: هادٍ ﴿لِلمُتَّقِينَ﴾ ٢: الصائرين إلى التقوى، بامتثال الأوامر واجتناب
النواهي، لاتّقائهم بذلك النارَ، ﴿الَّذِينَ يُؤمِنُونَ﴾: يُصدّقون ﴿بِالغَيبِ﴾: بما غاب عنهم، من البعث والجَنّة والنار، ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أي:
يأتون بها بحقوقها، ﴿ومِمّا رَزَقْنَاهُم﴾: أعطيناهم ﴿يُنفِقُونَ﴾ ٣ في طاعة الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيكَ﴾ أي: القرآنِ، ﴿وما أُنزِلَ مِن
قَبِلِكَ﴾ أي: التوراةِ والإِنجيلِ وغيرهما، ﴿وبِالآخِرِةِ هُم يُوقِنُونَ﴾ ٤: يَعلمونَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكِرَ ﴿عَلَى هُدَى مِن رَبِّهِم، وأُولَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ﴾ ٥: الفائزون بالجنّة الناجون من النار.
(١) الموافي: المقابل للمقدار. والمكافئ: المماثل والمساوي. وفاته أي: لم يستطع القيام به لوفاته. و((من أول سورة البقرة)) انظر تعليقنا على أول الصفحة
١. والنمط: الأسلوب والطريقة. والإعراب: بيان وظائف المفردات والجمل، ومعانيها النحوية، وعلاقاتها بما حولها، وما في المفردات من تغير صوتي.
و((كتب العربية)) أي: مصنفات النحو وأعاريب القرآن. والعقبى: عاقبة الأمر ونهايته. (٢) قيل: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان
بعدها نزلتا في الكافرين، ثم ثلاث عشرة آية نزلت في المنافقين. الواحدي ص ٩١. والخلاف في عدد الآيات مصدره اختلاف الروايات في تحديد أواخر
الفواصل المعروفة. و((أعلم بمراده بذلك)) يعني أنه حروف مقطعة استأثر الله بعلمها، وهي سره المكنون في كتابه العزيز. انظر تفسير الخازن ٢٠٩:٢. وقال
الرسول وَ﴾: ((اقرَؤُوا القُرآنَ. فإنَّهُ يأْتِي يَومَ القِيامِةِ شَفِيعًا لأصحابِهِ. اقرَؤُوا الزَّهراوَينِ: الْبَقَرَةَ وسُورةَ آلِ عِمرانَ. فإِنَّهُما تأتِيانِ يَومَ القِيامةِ كأنَّهُما غَمامتانِ، أو
كأنَّهُما غَيايَتانِ، أو كأنَّهُما فِرْقَانِ مِن طَيرٍ صَوافَّ، تُحاجّانِ عَن أصحابِهِما. اقرَؤُوا سُورةَ البَقَرةِ. فإنّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَستَطِيعُها الْبَطَلَةُ)).
الحديث ٨٠٤ في مسلم. وانظر المسند ٢٤٩:٥ و٢٥١ و٢٥٥ والمستدرك ٢٨٧:٢. والزهراء: المنيرة بهدايتها وعظيم أجرها. والغياية: ما يُظل الإنسانَ فوق
رأسه. والمراد أن ثواب السورة كالغياية. والفِرق: الجماعة. وتحاج: تدافع بثوابها وتشفع. وصواف: جمع صافة، أي: تبسط أجنحتها. ويستطيعها: يقدر
عليها. والبطلة: السَّحَرة. وهو جمع باطل، أي: ساحر. والكتاب: ما يكون فيه كتابة. والمراد هنا: القرآن الكريم. ومن عند الله: أي: بأمره وقضائه، وحي
منزل على لسان جبريل. وخبر أي: في محل رفع خبر. والنفي لوجود الشك يعني الثبوت المؤكَّد للحقِّ والصدقِ بنزول القرآن وحيًا، وللتكليفِ بالتبليغ
والدعوة. والهادي: المرشد المبيّن. والصائرون: الذين يؤول أمرهم ويتحولون من الضلالة. والتقوى: تجنب الغضب وطلب الرضا بلزوم الطاعة للأمر
والنهي. وبما غاب أي: بما لا تدركه الحواس ولا العقول بالمشاهدة. والصلاة: الفريضة المكتوبة كل يوم خمس مرات. وحقوقها: ما بيّنه الشرع من
الشروط والأركان والآداب. وينفق: يصرف ويبذل للواجب والمندوب والمواساة. وأنزل: أوحي على لسان جبريل. ومن قبلك أي: من قبل زمانك.
والتوراة: الكتاب الذي أنزل في ألواح على موسى #. والإنجيل: الذي أنزل على عيسى ﴾. وغيرهما أي: ما أنزل على الرسل من وحي، كآدم وشيث
وإدريس وإبراهيم وداود، عليهم السلام. والآخرة: الحياة المتأخرة، تكون بالبعث بعد الموت للحساب والجزاء. ويعلمون أي: يدركون إدراكًا قطعيًا ينفي
الشبهة والشك. وما ذكر أي: في الآيات ٢-٤. والهدى: الرشاد إلى الحق وخير الدنيا والآخرة. ومن ربهم أي: من عنده بفضله وكرمه. والرب: الخالق
المالك المتفرد يرعى مصالح ملکه.
لاـ
سُورَة المُقرّة
◌ِسِلَّهِالرَّحِيمِ
الّ ا ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَبُ فِيهِ هُدَّى
لِلَّقِينَ (١٥) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقْسِمُونَ
العَلَوةَوَمِمَّارَزَقْتَهُمُفِقُونَ ﴾
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَإِيْكَ وَمَاأُنزِلَ مِن
ـد.
قْلِكَ وَيَأْأَخِرَةِهُمْيُقُونَ ١ أُو ◌َكَ عَلَ
هُدَى مِن ◌َِّهِمْ وَأُولَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾

٣
٢ - سورة البقرة
الجزء الأول
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كأبي جهل وأبي لهب ونحوِهما، ﴿سَواءٌ عَلَيهِم أَأَنذَرتَهُم) -
بتحقيقِ الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا، وتسهيلها، وإدخالِ ألف بين المُسهَّلة
والأُخرى، وتركِه - ﴿أَم لَم تُنذِرْهُم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦ لعِلم الله منهم ذلك. فلا تطمع في
إيمانهم. والإِنذار: إعلام مع تخويف. ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾: طبعَ عليها واستوثق
فلا يدخلها خير، ﴿وعَلَى سَمعِهِم﴾ أي: مواضعِه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحقّ،
﴿وعلَى أبصارِهِم غِشاوةٌ﴾: غِطاء فلا يُبصرون الحقّ، ﴿وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٧: قويّ
دائم.
٢- ونزل في المنافقين: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ وبِاليَومِ الآخِرِ﴾ أي: يَومِ
القيامة لأنه آخِرُ الأيام، ﴿وما هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٨. رُوعيَ فيه معنى ((مَن))، وفي ضمير
((يقول)) لفظُها، ﴿يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾، بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر،
ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيويّة، ﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أَنفُسَهُم﴾ لأن وبال خداعهم راجع
إليهم، فيَفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيَّه على ما أبطنوه، ويُعاقَبون في الآخرة،
﴿وما يَشِعُرُونَ﴾ ٩ : يَعلَمُون أنّ خِداعهم لأنفسهم. والمُخادَعة هنا من واحد، كعاقَبتُ
اللصَّ. وذكرُ الله فيها تحسينٌ. وفي قراءة: ((وما يَخدَعُونَ)). ﴿فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾:
شكّ ونِفاق، فهو يُمرِض قلوبهم أي: يُضعِفها، ﴿فزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ بما أنزله من
القرآن لكفرهم به، ﴿وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: مؤلم، ﴿بِما كانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ١٠ بالتشديد
أي نبيَّ الله، وبالتخفيف أي: في قولهم: آمنًا .
سُورَةُ الْبَقَرة
محر الأولى
إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْلَمْ تُنْذِرُهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦ْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌّ وَعَلَى
أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وَمِنَ النَّاسِ
مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ (هـ
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فِ قُلُوبِهِمْ فَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوْيَكْذِ بُونَ ﴿ وَ إِذَاقِيلَ لَهُمْ
لَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ (١) وَإِذَاقِيلَ
لَهُمْ ءَامِنُواْكَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْمِنُ كَمَآءَ امَنَ الشُّفَهَا:
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ () وَإِذَا لَقُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوَ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِىُّ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ
فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ
بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَحَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ لـ
٣- ﴿وإذا قِيلَ لَهُم﴾ أي: لهؤلاء: ﴿لا تُفسِدُوا فِي الأَرضِ﴾، بالكفر والتعويق عن الإِيمان، ﴿قالُوا: إنَّما نَحنُ مُصلِحُونَ﴾ ١١، وليس ما نحن
عليه بفساد - قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَلاَ﴾ للتنبيه ﴿إِنَّهُم هُمُ المُفسِدُونَ، ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١٢ بذلك - ﴿وإذا قِيلَ لَهُم: آمِنُوا كَما آمَنَ
النّاسُ﴾ أي: أصحابُ النبيّ ﴿قَالُوا: أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾: الجُّال؟ أي: لا نفعل كفعلهم - قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿ألا إنَّهُم هُمُ
السُّفَهاءُ، ولَكِنْ لا يَعلَمُونَ﴾ ١٣ ذلك - ﴿وإذا لَقُوا﴾ أصله ((لَقِيُوا)) حُذِفَتِ الضمة للاستثقال، ثم الياء لالتقائها ساكنةً مع الواو، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
قالُوا: آمَنّا، وإذا خَلَوا﴾ منهم ورجَعوا ﴿إِلَى شَياطِينِهِم﴾: رؤسائهم ﴿قَالُوا: إنّ مَعَكُم﴾ في الدِّين، ﴿إِنَّما نَحنُ مُستَهْزِئُونَ﴾ ١٤ بهم بإظهار
الإيمان.
٤- ﴿اللهُ يَستَهزِئُ بِهِمِ﴾: يُجازيهم باستهزائهم، ﴿ويَمُدُّهُم﴾: يُمهِلهم ﴿في طُغيانِهِم﴾: تجاوزِهم الحدَّ بالكفر، ﴿يَعمَهُونَ﴾ ١٥ : يتردّدون
تحيّرًا، حالٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشتَرَوُا الضَّلالةَ بِالهُدَى﴾ أي: استبدلوها به، ﴿فما رَبِحَتْ تِجارتُهُم﴾ أي: ما ربحوا فيها بل خسروا، لمصيرهم إلى
النار المؤبّدة عليهم، ﴿وما كانُوا مُهتَدِينَ﴾ ١٦ فيما فعلوا.
(١) كفر: كذّب الله ورسوله. وأبو جهل: عمرو بن هشام المخزومي. وأبو لهب: انظر الآية ١ من سورة المسد. والسواء: المستوي. وبإبدال الثانية يريد
القراءة ((آنذَرتَهُم)). وتسهيلها: جعلها بين الهمزة والهاء، يريد القراءة ((أَنذَرتَهُم)). وبإدخال ألف يريد القراءة ((آآنذَرتَهُم)). ويؤمن: يصدّق الله ورسوله.
والقلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر والاعتقاد والانفعال، يمد الدماغ والجسم كله بماء الحياة صافيًا. وطبع عليها أي: أغلقها وسدّ منافذها. والسمع:
قدرة الإنسان على إدراك المسموعات. والأبصار: جمع البصر. وهو نور العين التي تُدرك المرئيات. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة.
(٢) آمن: صدّق متيقنًا. واليوم: الزمن. ومعنى مَن أي: معنى الجمع فيها. ولفظها أي: دلالة لفظها على الإفراد. ويخادعون الله أي: يكيدون لرسوله ولدينه
ويحتالون في الخفاء. والأنفس: جمع النفس، أي: شخص الإنسان وحقيقته وذاته. والوبال: العذاب وعاقبة الأمر. ويشعر: يحس. ويعلمون أي: ما
يعلمون. ومن واحد: يعني أن ((يخادع)): معناه ((يَخدع)) وليس فيه معنى المشاركة. وبالتخفيف يريد القراءة ((يَكْذِبُونَ)) أي: يختلقون الكذب وادّعاء الإيمان.
(٣) تُفسدُ: تسيء وتشيع الشر والضرر. والأرض: موطن الحياة الدنيا. والمصلح: من يزيل الفساد والشر والأذى. وآمنوا أي: أيقنوا بالتوحيد والبعث.
والسفهاء: جمع سفيه. ويعلم: يدرك ويعي. وذلك أي: كونهم هم السفهاء. ولقوهم: صادفوهم وقابلوهم. وخلوا: انفردوا وتخلصوا. والشياطين: جمع
شيطان. وهو هنا الإنسي يوسوس بالشر ويغري به. والمستهزئ: المغرق في السخرية من الآخرين. والظاهر أن الاستهزاء هنا موجه إلى المؤمنين واليهود معًا .
(٤) الضلالة: الكفر والخروج عن طريق الحق. والهدى: الإيمان والرشاد إلى الحق. وربحت: كسبت وجلبت الخير والنفع. والتجارة: الصفقة التي يتابعونها
بالنفاق طلبًا للنجاة والكسب. والمهتدي: المسترشد إلى الصواب والحق. وفيما فعلوا أي: المخادعة والإفساد والاستهزاء.

٢ - سورة البقرة
٤
الجزء الأول
سُورَةِ البُقَدّة
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ.
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِي ظُلُّمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (٣ صُمْ
بُكْمّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿ أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ
خُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىِّءَاذَانِهِم مِّنْالصَّوْرِعِقِ
حَذَرَ الْمَوْتِ وَاَللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ
أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْافِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ
وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِ هِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ
◌ِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلِّأَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّانَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ
إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ﴾
١- ﴿مَثَلُهُم﴾: صِفتهم، في نِفاقهم، ﴿كَمَثَلِ الَّذِي استَوقَدَ﴾: أوقد ﴿نارًا﴾ في ظُلمة،
﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾: أنارتْ ﴿ما حَولَهُ﴾ فأبصر واستدفأ وأمِنَ ما يخافه ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِم﴾:
أطفأه - وجُمِع الضمير مُراعاةً لمعنى ((الذي)) - ﴿وَتَرَكَهُم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١٧ ما
حولهم، مُتحيّينَ عن الطريق خائفين. فكذلك هؤلاء، أمِنوا بإظهار كلمة الإِيمان، فإذا
ماتوا جاءهم الخوف والعذاب. هم ﴿صُمِّ﴾ عن الحقّ فلا يسمعونه سماع قَبول،
﴿بُكْمٌ﴾: خُرسٌ عن الخير فلا يقولونه، ﴿عُمْيٌ﴾ عن طريق الهُدى فلا يرونه، ﴿فَهُم لا
يَرجِعُونَ﴾ ١٨ عن الضلالة.
٢- ﴿أو﴾ مَثلُهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾ أي: کأصحاب مطر. وأصله «صَيْوِبٌ)» من: صابَ يصوبُ،
أي: ينزل ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: السحابِ، ﴿فِيهِ﴾ أي: السحابِ ﴿ظُلُماتٌ﴾ بتكاتُفه ﴿وَرَعدٌ﴾
هو المَلَكُ المؤكَّل به، وقيل صوتُه، ﴿وَبَرِقٌ﴾: لَمَعانُ صوته الذي يَزجره به، ﴿يَجعَلُونَ﴾
أي: أصحابُ الصّيِّب ﴿أصابِعَهُم﴾ أي: أناملَها ﴿في آذانِهِم، مِنَ﴾ أجلِ ﴿الصَّواعِقِ﴾:
شِدّةٍ صوت الرعد لئلّا يسمعوها، ﴿حَذَرَ﴾: خوفَ ﴿المَوتِ﴾ من سماعها. كذلك
هؤلاء، إذا نزل القرآن وفيه ذِكرُ الكُفرِ المُشبَّه بالظلمات، والوعيدُ عليه المُشبَّه بالرعد،
والحُجَجُ البيّنة المشبَّهة بالبرق، يسدّون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك
دينهم. وهو عندهم موت. ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ١٩ عِلمًا وقُدرة، فلا يفوتونه.
﴿يَكادُ﴾: يقرُبُ ﴿البَرِقُ يَخطَفُ أبصارَهُم﴾: يأخذها بسرعة، ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُم مَشَوا
فِيهِ﴾ أي: في ضوئه، ﴿وإذا أظلَمَ عَلَيهِم قامُوا﴾ وقفوا. تمثيلٌ لِإِزعاجِ ما في القرآن من
الحُجج قلوبَهم، وتصديقهم بما سمعوا فيه ممّا يُحبّون، ووقوفِهِم عمّا يكرهون. ﴿وَلَو
شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمِعِهِمِ﴾ بمعنى أسماعِهم، ﴿وأبصارِهِم﴾ الظاهرةِ كما ذهب بالباطنة. ﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ ٢٠، ومنه إذهابُ ما
ذُكر.
٣- ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾: أي أهلَ مكّةَ، ﴿اعْبُدُوا﴾: وحٌّدوا ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾: أنشأكم ولم تكونوا شيئًا، ﴿و﴾ خلق ﴿الَّذِينَ مِن قَبَلِكُم، لَعَلَّكُم
تَتَّقُونَ﴾ ٢١ بعبادته عقابَه - و (لعلّ)) في الأصل للترجّي، وفي كلامه تعالى للتحقيق - ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾: خلق ﴿لَكُمُ الأرضَ فِراشًا﴾ حالٌ: بِساطًا يُفترش،
لا غايةً في الصلابة أو الليونة فلا يُمكنَ الاستقرارُ عليها، ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾: سقفًا، ﴿وأنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فأخرَجَ بِهِ مِنَ﴾ أنواع ﴿الثَّمَراتِ رِزقًا لَكُمْ﴾
تأكلونه وتَعلِفون به دوابكم. ﴿فلا تَجعَلُوا لِلهِ أندادًا﴾: شُركاءَ في العبادة، ﴿وأنْتُم تَعلَمُونَ﴾ ٢٢ أنه الخالق ولا يَخلقون، ولا يكون إلّهًا إلّا من يَخلق.
٤ - ﴿وإن كُنتُم في رَيبٍ﴾: شكِّ ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلَى عَبدِنا﴾ محمّد من القرآن، أنه من عند الله، ﴿فائْتُوا بِسُورةٍ مِن مِثلِهِ﴾ أي: المُنزَّلِ، و(«مِن» للبيان
أي: هي مِثْلُه في البلاغة وحُسن النظم والإخبار عن الغيب - والسورة: قِطعة لها أوّل وآخِرِ أَقلّها ثلاث آيات - ﴿وادعُوا شُهَداءَكُم﴾: آلهتكم
التي تعبدونها ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه لتُعينكم، ﴿إن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٢٣، في أنّ محمّدًا قاله من عِند نفسه، فافعلوا ذلك. فإنكم عربيّون فُصحاء
مثلُه. ولَمّا عجزوا عن ذلك قال تعالى: ﴿فإن لَم تَفْعَلُوا﴾ ما ذُكر لعجزكم - ﴿وَلَن تَفعَلُوا﴾ ذلك أبدًا لظهور إعجازه، اعتراضٌ - ﴿فَاتَّقُوا﴾
بالإِيمان بالله، وأنه ليس من كلام البشر، ﴿النّارَ الَّتِي وَقُودُها النّاسُ﴾: الكفّار ﴿والحِجارةُ﴾ كأصنامهم منها. يعني أنها مُفرطة الحرارة تتَّقد بما
ذُكر، لا كنار الدنيا تتّقد بالحطب ونحوه. ﴿أُعِدَّثْ﴾: هُيّتْ ﴿لِلكافِرِينَ﴾ ٢٤ يُعذّبون بها. جملة مستأنفة أو حال لازمة.
(١) ترك: جعل. والظُّلْمة: السواد الشديد. ويبصر: يرى. وأمِنوا أي: من القتل والإهانة. والصم: جمع أصمّ. وهو الذي فقَدَ حاسة السمع. والبكم: جمع
أبكم. وهو الذي لا يستطيع الكلام. والعمي: جمع أعمى. وهو الذي فقَدَ البصر. ويرجع: يعود. (٢) مثلهم أي: صفة المنافقين. والصيب: المطر. وتفسير
الرعد والبرق مستفاد من الحديث ٣١١٦ في الترمذي، وهو حديث غريب. والمعروف أن سببهما اضطراب أجزاء السحاب واصطكاكها. ويجعلون: يضعون.
والأصابع: جمع إصبع. والآذان: جمع أذن. والصواعق: جمع صاعقة، أي: الصيحة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها قطعة من النار. والموت: مفارقة
الروح للجسد، ومحيط أي: محدق من جميع الجهات، عالمٌ العِلمَ الكامل، وقادر على القهر والانتقام. والكافر: من كذّب الله ورسوله. وأضاء لهم: أظهر
لهم الطريقَ وما حوله. وتمثيل: تصوير وتقريب في الآيتين. وشاء أي: أراد أن يذهب بأسماعهم وأبصارهم. وذهب به أي: أذهبه وأعدمه. والشيء: ما هو
موجود أو محتمل وجوده. والقدير: ذو القدرة البالغة بذاته دون معين أو منازع. (٣) أهل مكة أي: وغيرهم من المكلفين. وتتقون: تجتنبون. والتحقيق:
وجوب حصول الوقاية من العقاب. والفراش: ما يفرش ويمهد. والسماء: ما يحيط بالأرض من العوالم العُلوية. وأنزل: أسقط. والسماء الثاني مراد به
السحاب. والثمر: ما ينعقد من زهر النبات. والرزق: ما يهيأ للخلق من حاجات المعيشة. وتجعل: تصيّر. والأنداد: جمع ندّ. وتعلم: تدرك وتعي. (٤)
ائتوا بها: أحضروها. والمثل: الشبيه المضاهي. وادعوهم: نادوهم مستعينين بهم. والشهداء: جمع شهيد. وهو الناصر القائم بالشهادة. والصادق: من يقول
الحق. وتفعلوا: تصنعوا وتُنجزوا. واتقوا: تجنبوا واكفوا أنفسكم. والنار: نار جهنم. والوقود: ما توقد به النار. والكافر: من كذّب الله ورسوله.

الجزء الأول
٢ - سورة البقرة
١- ﴿وَبَشْرٍ﴾: أخبرِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صَدَّقوا بالله، ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾ من
الفُروض والنوافل ﴿أنَّ﴾ أي: بأنّ ﴿لَهُم جَنّاتٍ﴾: حدائقَ ذاتَ شجر ومساكن،
﴿تَجرِي مِن تَحتِها﴾ أي: من تحتِ أشجارها وقُصورها ﴿الأنهارُ﴾ أي: المِياهُ فيها -
والنهر: الموضع الذي يجري فيه الماء، لأنّ الماء يَنهَره أي يَحفِره. وإسناد
الجري إليه مَجاز - ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها﴾: أُطعِموا من تلك الجنّات، ﴿مِن ثَمَرةٍ
رِزْقًا قالُوا: هذا الَّذِي﴾ أي: مثلُ ما ﴿رُزِقْنا مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِه في الجنّة،
لتشابه ثمارها بقرينةِ ﴿وأُتُوا بِهِ﴾ أي: جِيئوا بالرزق ﴿مُتَشابِهًا﴾: يُشبه بعضُه
بعضًا لونًا ويَختلف طعمًا، ﴿ولَهُم فِيها أزْواجٌ﴾، من الحُور وغيرها، ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من
الحيض وكلّ قذر، ﴿وهُم فِيها خالِدُونَ﴾ ٢٥: ماكثون أبدًا لا يَفْنَون ولا يخرجون.
٢- ونزل ردًّا لقول اليهود، لمّا ضربَ اللهُ المَثَلَ بالذبابِ في قوله: ((وإنْ يَسْلُبُهُمُ
الذُّبابُ شَيْئًا))، والعنكبوتِ في قوله: ((كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ)): ((ما أراد اللهُ بذِكر هذه
الأشياء الخسيسة)»؟: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَستَحْيِي أن يَضرِبَ﴾: يَجعلَ ﴿مَثَلًا﴾: مفعول أوّل
﴿ما﴾: نكرةٌ موصوفة بما بعدها، مفعولٌ ثان أيْ: أيَّ مثلٍ كان، أو زائدةٌ لتأكيد
الخِسّة، فما بعدها المفعول الثاني، ﴿بَعُوضَةَ﴾: مفرد البعوض وهو صغار البقّ، ﴿فما
فَوقَها﴾ أي: أكبرَ منها، أي: لا يترك بيانه لما فيه من الحِكم.
ـُرَّبُ
سُورَة البقرة
الخَةُ الْأَوْق
وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُّ كُلَّمَارُ زِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ
رِزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌّ وَأَنُواْبِهِ، مُتَشَبِهَاً
وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا
فَوْقَهَاأَ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن
◌َّبِّهِمّ وَأَمَّالَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الَهُ
بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلََّ الْفَسِقِينَ (٦) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (شَهُوَ
الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى
السَّمَاءِ فَسَوَّ هُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١جم
٣- ﴿فأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعلَمُونَ أنَّهُ﴾ أي: المَثَلَ ﴿الحَقُّ﴾: الثابتُ الواقعُ موقعَه ﴿مِن
رَبِّهِم، وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ: ماذا أرادَ اللهُ بِهُذا مَثَلًا﴾؟ تمييزٌ أي: بهذا المَثل.
وما: استفهامُ إنكارٍ مبتدأ، وذا: بمعنى ((الذي)) بصلَته خبرُه. أيْ: أُّ فائدة فيه؟ قال
- تعالى - في جوابهم: ﴿يُضِلَّ بِهِ﴾ أي: بهذا المَثلِ ﴿كَثِيرًا﴾ عن الحقّ لكفرهم بهِ، ﴿ويَهدِي بِهِ کَثِيرًا﴾ من المؤمنين لتصديقهم به، ﴿وما يُضِلُّ
بِهِ إلّ الفاسِقِينَ﴾ ٢٦: الخارجين عن طاعته، ﴿الَّذِينَ﴾: نعتٌ ﴿يَنقُضُونَ عَهِدَ اللهِ﴾: ما عَهِدَه إليهم في الكتب من الإِيمان بمحمّد، ﴿مِن بَعدِ
مِيثاقِهِ﴾: توكيدِه عليهم، ﴿وَيَقطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ﴾، من الإِيمانِ بالنبيّ والرَّحِم وغير ذلك - وأن: بدل من ضمير ((به)) - ﴿ويُفسِدُونَ في
الأرضِ﴾ بالمعاصي والتعويق عن الإِيمان. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكِر ﴿هُمُ الخاَسِرُونَ﴾ ٢٧، لمصيرهم إلى النّار المؤبَّدة عليهم.
٤ - ﴿كَيفَ تَكفِّرُونَ﴾ - يا أهلَ مكةَ - ﴿بِاللهِ، و﴾ قد ﴿كُنتُم أمواتًا﴾: نُطَفًا في الأصلاب، ﴿فأحياكُم﴾ في الأرحام والدنيا بنفخ الروح فیکم -
والاستفهام: للتعجيب من كفرهم مع قيام البرهان، أو للتوبيخ - ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُم﴾ عند انتهاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُم﴾ بالبعث، ﴿ثُمَّ إِلَيهِ
تُرجَعُونَ﴾ ٢٨: تُردّون بعد البعث، فيُجازيكم بأعمالكم؟ وقال دليلًا على البعث، لمّا أنكروه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم ما في الأرضِ﴾ أي: الأرضَ
وما فيها ﴿جَمِيعًا﴾، لتنتفعوا به وتعتبروا، ﴿ثُمَّ اسِتَوَى﴾ بعد خلق الأرض أي: قَصَدَ ﴿إِلَى السَّماءِ فِسَوّاهُنَّ﴾، الضميرُ يرجع إلى السماء لأنها في
معنى الجمع الآيلةِ إليه، أي: صَيّرَها كما في آية أُخرى ((فَقَضاهُنَّ)) (سَبِعَ سَماواتٍ. وهْوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢٩، مُجمَلًا ومُفصّلًا. أفلا تعتبرون
أن القادر على خلق ذلك ابتداءً - وهو أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟
(١) البشارة: الإخبار بما يَسرّ. والصالحات: جمع صالح. وهو العمل يرضاه الله. وجعله علماء السلف شرطًا في كمال الإيمان. فتح الباري ٦١:١-٦٣.
وتجري: تسيل وتتدفق. والأنهار: جمع نهر. والماء أي: والعسل واللبن والخمر. و((في الجنة)) يعني أنهم يظنون ما يتناولونه شبيهًا بما نالوه في الجنة قبل، ثم يتبين
لهم أنه يخالفه في الطعم واللذة. والأزواج: جمع زوج. وهو الزوجة. والمطهرة: المنظفة المنزهة. والطهارة: النظافة الكاملة وصفاء النفس مع الخلق الكريم.
(٢) الآيتان المذكورتان أولاهما هي ٧٣ من سورة الحج، والثانية هي ٤١ من سورة العنكبوت. ويستحيي أي: استحياءً يليق بجلاله وعظمته، فيترك ويهمل.
والمَثَل: الأمر العجيب يذكر لبيان ما يقتضيه من الوقائع المهمة. وما بعدها يعني: بعوضة.
(٣) يعلم: يدرك ويعتقد. والواقع موقعه أي: ليس هو عبثًا، بل مشتمل على الحِكَم والأسرار والفوائد. ومن ربهم أي: من عنده وبأمره. وأراد: قصد وعنى.
والإنكار: النفي. فهم يزعمون أنه لا فائدة في هذا المثل، لينكروا أنه من وحي الله تعالى. وينقض: يبطل ويفسخ. وعهده إليهم أي: أمرهم به وكلفهم.
ويقطع: يفصل ويترك. وأمر: أوجب وفرض. ويوصَل: يُتَّبع ويُفعل. والمراد بالرحم وصل القرابة بالإحسان والمواساة والبر. وبدل: يعني أن المصدر المؤول
من ((أن)) وما بعدها في محل جر بدل. والمعنى: ما أمر الله بوصله. ويفسد: يشيع الشر والباطل. والخاسر: الذي ضيع ما كان يؤمله من خير وربح.
(٤) تكفر به: تنكر توحيده ورسالته. ويا أهل مكة أي: ومن كان مثلهم من الكافرين. والنطف: جمع نطفة. وهي القطرة الدقيقة من ماء الرجل، يخرج
بشهوة. والأصلاب: جمع صلب، أي: العمود الفقري وما يحيط به. ويميتكم: يزيل أرواحكم من الأجساد. ويحييكم: يردّ أرواحكم إلى أجسادها. وإليه
أي: إلى لقاء حسابه. وخلق: أوجد من العدم، أي: أراد الخلق وقضاه. وقصد أي: بقضائه وإرادته. وهو تأويل للمعنى لا تفسير. وفي التلخيص: ((استواء
يليق بعظمته وجلاله))، أي: من دون بيان لدلالته الحقيقية، بتكييف أو تمثيل أو تحديد أو تعطيل. والآية المشار إليها هي ذات الرقم ١٢ من سورة فصلت.
والعليم: المبالغ في الإحاطة. وتعتبرون أي: تتعظون فتؤمنون .

٢ - سورة البقرة
٦
الجزء الأول
الجزء الأوان
وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُوَاْأَ تَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِلَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ
﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ
فَقَالَ أَنِّْثُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ (٦) قَالُواْ
سُبْحَانَكَ لَ عِلْمَ لَنَآ إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
﴿ قَالَ يَقَادَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَ هُم بِأَسْمَ بِهِمْ قَالَ
أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْثُمُونَ ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اُسْجُدُواْ
لَِّدَمَ فَسَجَدُ وَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
﴿ وَقُلْنَ يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا
أَحَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَلِمِينَ
فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَفِيَّةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ
بَعْضُكُمْلِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْفِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌوَ مَتَعُ إلَى حِينٍ ()
فَتَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن ◌َبِّهِ، كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
سُورَةِ البَقَّة
١ - ﴿و﴾ اذكرْ - يا محمّد - ﴿إذ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائكةِ: إنِّي جاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفةً﴾ يَخْلِفني
في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم. ﴿قالُوا: أَتَجعَلُ فِيها مَن يُفسِدُ فِيها﴾ بالمعاصي، ﴿ويَسِفِكُ
الدِّماءَ﴾: يُريقها بالقتل، كما فعلَ بنو الجانّ وكانوا فيها؟ فلمّا أفسدوا أرسلَ اللهُ عليهم
الملائكة، فطردوهم إلى الجزائر والجبال، ﴿ونَحنُ نُسَبِّحُ﴾ مُلتَبِسينَ ﴿بِحَمْدِكَ﴾ أي نقول:
سُبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾: نُنزِّهُكَ عمّا لا يليق بك؟ فاللام زائدة، والجملة
حال. أي: فنحن أحقّ بالاستخلاف. ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿إِنِّيَ أعلَمُ ما لا تَعلَمُونَ﴾ ٣٠ من
المصلحة، في استخلاف آدمَ وأن ذُرّيّته فيهم المطيعُ والعاصي، فيَظهرُ العدل بينهم.
فقالوا: لن يَخلقِ ربّنا خلقًا أكرمَ عليه منّا ولا أعلمَ، لسبقِنا له ورؤيتنا ما لم يَره. فخلقَ الله -
تعالى - آدمَ من أديم الأرض أي وجهها، بأن قبضَ منها قبضة من جميع ألوانها، وعُجنتْ
بالمياه المختلفة، وسَوّاهُ ونفخَ فيه الروح، فصار حيوانًا حسّاسًا بعد أن كان جمادًا .
٢ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ﴾ أي: أسماءَ المُسمَّيات ﴿كُلَّها﴾ حتى القصعةَ والقُصيعةَ والفسوةَ
والفُسيّةَ، بأن ألقى في قلبهِ عِلمها، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُم﴾ أي: المُسمَّاتِ - وفيه تغليب العقلاء
- ﴿عَلَى المَلائكةِ، فقالَ﴾ لهم تبكيًا: ﴿أَنِئُونِي﴾: أخبروني ﴿بِأسماءِ هُؤُلاءِ﴾
المُسمّيات، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٣١ في أنّي لا أخلقُ أعلمَ منكم، أو أنكم أحقّ بالخلافة.
وجواب الشرط دلَّ عليه ما قبله. ﴿قالُوا: سُبحانَكَ﴾: تنزيهًا لكَ عن الاعتراض عليك!
﴿لا عِلَمَ لَنا إلّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ إيّاه. ﴿إِنَّكَ أنتَ﴾: تأكيدٌ للكاف ﴿العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ٣٢: الذي
لا يخرج شيء عن عِلمه وحِكمته. ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿يَا آدَمُ، أنِئُهُم﴾ أي: الملائكةَ
﴿بِأسمائهِم﴾ أي: المُسمّيات. فسَمّى كلّ شيء باسمه، وذكر حكمته التي خُلِق لها.
﴿فَلَمّا أنبَأَهُم بِأسمائهِم قالَ﴾ تعالى لهم موبّخًا: ﴿أَلَم أَقُلْ لَكُم: إنِّيَ أعلَمُ غَيبَ السَّماواتِ والأرضِ﴾: ما غاب فيهما، ﴿وأعلَمُ ما تُبُدُونَ﴾: تُظهرون
من قولكم ((أتجعَلُ فِيها)) إلى آخره، ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ٣٣: تُسِرّون من قولكم ((لن يَخلقَ [ربُّنا] أكرمَ عليه منّا ولا أعلمَ))؟
٣- ﴿و) اذكرْ ﴿إِذا قُلنا لِلمَلائكةِ: اسجُدُوا لِدَمَ﴾ سُجودَ تحيّةِ بالانحناء. ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبليسَ﴾ هو أبو الجنّ كان بين الملائكة، ﴿أَبَى﴾: امتنعَ عن
السجود، ﴿واستَكبَرَ﴾: تكبّرَ عنه وقال: «أنا خَيرٌ مِنْهُ))، ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ٣٤ في علم الله، ﴿وقُلنا: يا آدَمُ، اسكُنْ أنتَ﴾: تأكيدٌ الضمير المستتر،
لِيُعطَفَ عليه ﴿وَزَوجُكَ﴾ حوّاءُ بالمدّ - وكان خلقها من ضِلَعِه الأيسر - ﴿الجَنّةَ، وكُلا مِنها﴾ أكلًا ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا لا حَجْرَ فيه، ﴿حَيثُ شِئْتُما، ولا
تَقرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل منها - وهي الحِنطة أو الكَرْم أو غيرهما - ﴿فَتَكُونا﴾: فَتَصيرا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ٣٥: العاصِينَ. ﴿فَأَزَلَّهُما الشَّيطانُ﴾: إبليسُ
أذهبَهما - وفي قراءة ((فأزالَهُما)»: نَحّاهما - ﴿عَنها﴾ أي: الجنّةِ، بأن قال لهما: ((هَل أدُلَّكُما على شَجَرةِ الخُلدِ))؟ وقاسَمَهما بالله إنه لهما لمن
النّاصحين. فأكلا منها، ﴿فأخرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ من النعيم، ﴿وقُلنا: اهبِطُوا﴾ إلى الأرض أي: أنتما بما اشتملتما عليه من ذرّيّتكما، ﴿بَعضُكُم﴾:
بعض الذرّيّة ﴿لِبَعضٍ عَدُوٌّ﴾ مِن ظلم بعضهم بعضًا، ﴿ولَكُم في الأرضِ مُستَقَرٌّ﴾: موضع قرار، ﴿ومَتَاعٌ﴾: ما تتمتّعون به من نباتها ﴿إِلَى حِينٍ﴾ ٣٦:
وقتِ انقضاء آجالكم. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ کَلِماتٍ﴾، ألهمه إيّاها. وفي قراءة بنصب ((آدَمَ)) ورفع «كلماتٌ)) أي: جاءه - وهي («رَبََّا ظَلَمْنا أَنفُسَنا)) الآية،
فدعا بها ﴿فتابَ عَلَيهِ﴾: قَبِلَ توبتَه. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ﴾ على عباده، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٣٧ بهم.
(١) الملائكة: مخلوقون من نور. والمفرد مَلَكٌ. وجاعل أي: خالق ومصور. ويفسد: ينشر الاضطراب والشر. والدماء: جمع دم. والجزائر أي: جُزُر البحار.
وذكر الجان هنا هو رجم بالغيب لبعض المفسرين بلا دليل علمي. ونسبّح أي: نستبعد عنك ما لا يليق بك. والحمد: ثناء اللسان والقلب بالفضيلة على الإحسان.
وأعلم: أُحِيطُ بكل شيء بالغَ الإحاطة. وتعلمون أي: تعرفونه. وقالوا أي: سرًا بينهم. انظر الآية ٢٣. والألوان: جمع لون. وهو الشكل والهيئة، أي: النوع.
والحيوان: ما فيه روح وحياة. انظر تفسير الآية ٧٥ من سورة المائدة. والجماد: ما لا حياة فيه. (٢) علّمه أي: خلق فيه القدرة على ابتكار اللغة. وآدم: أبو
البشر. والأُدمة: الشّمرة. والأسماء: جمع اسم، أي: ما يطلق على الأشياء والكلمات، من اسم وفعل وحرف. وألقى في قلبه أي: خلق فيه الفطرة، بما وهبه
من ملَكة الكلام، لا ما ذكر من تفصيلات الأسماء وألفاظها. انظر البحر ١٤٦:١. وعرضهم: أطلع الملائكة عليهم. والصادق: من يقول الحق. والعلم:
المعرفة. والحكمة: الإتقان للفعل مع المنع للخروج عن الإرادة. وقولكم يعني: ما ذكر في تفسير الآية ٣٠. وزيادة ((ربنا)) تتمة من ذلك القول. (٣) التحية:
الاحترام. والجن: مخلوقات من النار، منهم الشياطين، ومنهم المؤمنون. وإبليس ليس أبا الجن، وهو أب لشياطين الجنّ فقط. انظر الآية ٥٠ من سورة الكهف.
والكافر: العاصي لأمر الله عمدًا. وعليه أي: على الضمير المستتر في ((اسكن)). والزوج: الزوجة. وخلقُ حواء من ضلع آدم قولٌ مرجوح. انظر ((المفصل))
وتعليقنا على تفسير الآية ١ من سورة النساء. والجنة: الحديقة العظيمة. والحجْر: المنع والتضييق. وتعيين نوع الشجرة أمر غيبي يحتاج إلى خبر يقين. فلا حاجة
إلى التعرض له. وأزلّه: أزلقه وأبعده. و((أدلكما)) هو خلاف ما في الآية ١٢٠ من سورة طه. فالخطاب فيها لآدم وحده. وقاسمهما: أقسم لهما. واهبط: انزل.
والعدو: المعادي. ومن نباتها أي: وغير ذلك من المخلوقات. وتلقى: تلقن وتقبل. وجاءه أي: وصل إليه إلهامًا. والآية هي ذات الرقم ٢٣ من سورة الأعراف.
فالدعاء بها كان من آدم وحواء. وعليه أي: وعلى حواء أيضًا. وإنه أي: الله تعالى. والتواب: الكثير القبول للتوبة. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان.

الجزء الأول
٧
٢ - سورة البقرة
١- ﴿قُلنا: اهِطُوا مِنها﴾: من الجنّة ﴿جَمِيعًا﴾. كرّره ليُعطف عليه: ﴿فإمّا﴾ فيه إدغام
نون ((إن)» الشرطيةِ في ((ما)» المزيدة ﴿يأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدّى﴾: كتاب ورسول ﴿فَمَن تَبِعَ
هُدايَ﴾، فآمن بي وعمل بطاعتي، ﴿فلا خَوفٌ علَيهِم ولا هُم يَحْزَنُونَ﴾ ٣٨ في الآخِرة،
بأن يدخلوا الجنّة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: كُتُبِنا ﴿أُولَئِكَ أصحابُ النّارِ، هُم فِيها
خالِدُونَ﴾ ٣٩: ماكثون أبدًا، لا يَفنَون ولا يخرجون.
٢- ﴿يَا بَنِي إسرائيلَ﴾: أولادَ يعقوبَ، ﴿اذكُرُوا نِعمَتِيَ الَّتِي أَنعَمتُ عَلَيْكُم﴾ أي: على
آبائكم، من الإِنجاءِ من فرعونَ وفلقِ البحر وتظليلِ الغمام وغير ذلك، بأن تشكروها
بطاعتي، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهِدِيَ﴾ الذي عَهِدته إليكم من الإِيمان بمحمّد، ﴿أُوفٍ
بِعَهدِكُم﴾ الذي عَهِدته إليكم، من الثواب عليه بدخول الجنّة، ﴿وإيّايَ
نصّف
الخزب
فارهَبُونٍ﴾ ٤٠: خافُونٍ في ترك الوفاء به، دون غيري. ﴿وَآمِنُوا بِما أَنزِلَتُ﴾ من
القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم﴾ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوّة، ﴿ ولا
تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ من أهل الكتابِ لأنّ خَلَفَكم تبعٌ لكم فإنمهم عليكم، ﴿ولا تَشتَرُوا﴾
تستبدلوا ﴿بِآياتِي﴾ التي في كتابكم من نعت محمّد ﴿ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ عِوَضًا يسيرًا من الدنيا.
أي: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سِفْلتكم، ﴿وإيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ٤١ : خافُونٍ في
ذلك دون غيري، ﴿ولا تَلِسُوا﴾: تخلطوا ﴿الحَقَّ﴾ الذي أنزلتُ عليكم، ﴿بِالباطِلِ﴾ الذي
تغيّرونه، ﴿و﴾ لا ﴿تَكتُّمُوا الحَقَّ﴾: نعتَ محمّد، ﴿وأنتُم تَعلَمُونَ﴾ ٤٢ أنه الحقّ،
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ، واركَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ٤٣ : صلُّوا مع المُصلّين، محمّدٍ
وأصحابه.
سُورَة النَّقَة
الدّةُ الْأَوْاُ
قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ
هُدَاىَ فَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنَّا أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(٦)
يَنِيّ إِسْرَّهِيَلَ اذْكُرُ واْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْبِعَهْدِىّ
أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّىَ فَأَرْهَبُونِ (٢) وَءَاِمِنُواْبِمَآ أَنزَلْتُ
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْأَوَّلَ كَافِيِةٍ، وَلَا تَشْتَرُواْبَِايَتِى
ثَمَنَّا قَلِيلًا وَ إِنَىَ فَاتَّقُونِ () وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ
وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(٦) وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُوْ مَعَ الزَّكِعِينَ (٣) ﴿ أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِآلْبِرِّ
وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (9)]
وَأَسْتَعِينُواْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ
(٥) الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْرَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ()
يَبَنِي إِسْرَءِ يَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ
عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنَّقُو ◌ْيَوْمًا لَّا تَجْرِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ ◌َّ
٣- ونزل في علمائهم، وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين: ((اثبُتُوا على دين محمّد فإنه حقّ)): ﴿أَتأمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾: بالإِيمان بمحمّد، ﴿وتَنسَونَ
أَنفُسَكُم﴾: تتركونها فلا تأمرونها به، ﴿وأنْتُم تَتَلُونَ الكِتابَ﴾: التوراةَ، وفيها الوعيد على مُخالفة القول العملَ؟ ﴿أفلا تَعقِلُونَ﴾ ٤٣ سُوءَ فِعلكم
فترجعون؟ فجملة النسيان محل الاستفهام الإنكاريّ. ﴿واستَعِينُوا﴾: اطلبوا المعونة على أموركم ﴿بِالصَّبرِ﴾: الحبسِ للنفس على ما تكره، ﴿والصَّلاةِ﴾
أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها. وفي الحديث ((كانَ وَّهِ إذا حَزَبَهُ أمرٌ بادَرَ إلى الصّلاةِ)). وقيل: الخطاب لليهود لَمّا عاقهم عن الإِيمان الشَّرَهُ وحبّ الرياسة
فأُمروا بالصبرِ، وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة، والصلاةٍ لأنها تُورث الخشوع وتَنْفي الكِبْرَ. ﴿وإِنَّهَا﴾ أي: الصلاةَ ﴿لَكَبِيرةٌ﴾: ثقيلة ﴿إِلّا عَلَى
الخاشِعِينَ﴾ ٤٥: الساكنين إلى الطاعة، ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾: يُوقنون ﴿أنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِم﴾ بالبعث، ﴿وأنَّهُم إِلَيهِ راجِعُونَ﴾ ٤٦ في الآخرة فيُجازيهم.
٤ - ﴿ يَا بَنِي إسرائيلَ، اذكُرُوا نِعمَتِيَ الَّتِي أَنعَمتُ عَلَيكُم﴾ بالشكر عليها بطاعتي، ﴿وَأَنِّي فَضَّلِتُكُم﴾ أي: آباءكم ﴿علَى العالَمِينَ﴾ ٤٧: عالَمِي زمانهم،
﴿وَاتَّقُوا﴾: خافوا ﴿يَومًا، لا تَجزِي﴾ فيه ﴿نَفْسٌ عَن نَفْسِ شَيئًا﴾ - هو يوم القيامة - ﴿وَلا تُقبَلُ﴾، بالتاءِ والياءِ، ﴿مِنها شَفاعةٌ﴾ أي: ليس لها شفاعة
فَتُقبلَ، ((فما لَنا مِن شافِعِينَ))، ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدلٌ﴾: فِداء، ﴿ولا هُم يُنصَرُونَ﴾ ٤٨: يُمنعون من عذاب الله.
(١) جميعًا أي: مجتمعين. والمزيدة أي: لتوكيد معنى الفعل. ويأتيكم أي: يجيئكم ويصل إليكم. ومني أي: من عندي وبأمري. وتبعه: وافقه واستجاب له.
والخوف: الفزع من مكروه سيكون. ويحزن: يغتم لضياع ما يرغب فيه. أي: انتفى عنهم الخوف والحزن، بدخول الجنة. وكفر: أنكر الرسالة والتوحيد
والبعث. وكذّب بها: جحدها ولم يصدقها. والأصحاب: جمع صاحب، أي: المقارن للشيء يلازمه. والنار: نار جهنم. (٢) البنون: الذرية من الذكور
والإناث. وإسرائيل: لقب ليعقوب بن إسحاق، معناه: عبد الله. واذكروها أي: استحضروها بالقلوب والألسنة والأعمال. والنعمة: التفضل بالخير. وأوفوا به
أي: أدّوه كاملًا وافيًا كما يجب. وعهدي أي: ما كلفتكم به وآمنتم به في التوراة. وعهدكم: ما وعدتكم به جزاء الإيمان والعمل. وآمنوا به أي: ثقوا أنه حق
يقيني. وأنزلت أي: أوحيته على لسان جبريل. والمصدق: المثبت المحقّق. والتوراة أي: والإنجيل. والسفلة: الأدنياء والأراذل، جمع سَفِيل. والحق:
الشيء الثابت لا شك فيه. والباطل: ما لا أصل له ولاثبات عند الاختبار. وتغيرونه أي: تضعونه بدلًا من كلام الله تعالى. وتكتم: تخفي. وتعلم: تدرك
باليقين. وأقيموها: أدُّوها بشروطها وأركانها وآدابها. والصلاة: العبادة المكتوبة خمس مرات في اليوم. وآتوها: أعطوها من يستحقها. والزكاة: ما يُدفع من
الأموال ليطهرها ويطهر أصحابها. (٣) هذا مع ما قبله من الأوامر والنواهي، وإن كان خاصًا ببني إسرائيل، يعم كل مكلف ولاسيما العالِم الواعظ، بما يجب
عليه أن يلزمه من الطاعة. انظر البحر ١٨١:١. وتأمر: توجب وتُلزِم. والبر: كل خير وإحسان. والأنفس: جمع نفس، أي: حقيقة الإنسان وذاته. وتتلونه:
تقرؤونه وتفهمون ما فيه. وتعقل: تستعمل عقلك وتدرك. والحديث في المسند ٢٠٦:١. وحزبه أي: نزل به وشق عليه. وبادر: أسرع. وعاقهم: منعهم.
والشره: الحرص الشديد. وتورث: تسبِّب. والصلاةَ أي: والصبر الذي أمروا به أيضًا. وملاقوه أي: يرونه ويتلقون الثواب والعقاب. وإليه أي: إلى موعد
حسابه. وراجعون أي: صائرون للحساب والجزاء. (٤) فضلتكم أي: أعطيتكم الزيادة في الخير. والعالَم: الجنس من الخلق. واليوم: الزمن. ولا تجزي
أي: لا تغني. والنفس: المخلوق ممن يعقل. وتقبل: يستجاب لها وتتحقق. وبالياء يريد القراءة ((ولا يُقبَلُ)). والشفاعة: التوسط لدفع شر أو جلب خير. والآية
المذكورة هي ذات الرقم ١٠٠ من سورة الشعراء. ويؤخذ: يتقبل ويرضى به. والعدل: المماثل المعادل لغيره في القدر.

٢ - سورة البقرة
٨
الجزء الأول
الحرةُ الأَقْرَ
سُورَة التَّقَة
وَ إِذْ نَجَّنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ
يَُّتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمَّ وَفِ ذَالِكُمْ بَلَآءُ
مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ () وَإِذْفَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيَّنَكُمْ
وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ نَنْظُرُ ونَ (*) وَإِذْ وَ عَدْنَا مُوسَىّ
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
بِخَاذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌلَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ
٥٤
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِّنْ
() وَظَلَّلْنَاعَلَيْكُمُ
بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
اَلْغَمَامَ وَأَنْزَ لْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىّ كُلُواْ مِنْ طَّيِّبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١ - ﴿و﴾ اذكروا ﴿إِذْ نَجَّيناكُم﴾ أي: آباءكم - والخطابُ به وبما بعده للموجودين في
زمن نبيّنا، بما أنعم الله على آبائهم، تذكيرًا لهم بنعم الله ليؤمنوا - ﴿مِن آلٍ فِرِعَونَ،
يَسُومُونَكُم﴾: يُذيقونكم ﴿سُوءَ العَذابِ﴾: أشَدَّه - والجملة حال من ضمير
((نجّيناكم)) - ﴿يُذَبِّحُونَ﴾: بيانٌ لما قبله ﴿أبناءَكُم﴾ المولودين، ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾:
يَسْتَبْقون ﴿نِساءَكُم﴾، لقول بعض الكهنة له: إنّ مولودًا يُولَّدُ في بني إسرائيل يكون
سببًا لذهاب ملككَ. ﴿وفي ذُلِكُمْ﴾ العذابِ أو الإِنجاءِ ﴿بَلاءٌ﴾: ابتلاءٌ أو إنعامٌ ﴿مِن
رَبُّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ٤٩.
٢- ﴿و) اذكروا ﴿إِذْ فَرَقْنَا﴾: فَلَقنا ﴿بِكُمُ﴾: بسببكمُ ﴿البَحرَ﴾، حتّى دخلتموه
هاربينَ من عدوّكم، ﴿فأنجَيناكُم﴾ من الغرق، ﴿وأغرَقْنَا آَلَ فِرِعَونَ﴾: قومَه معه،
﴿وأنْتُم تَنظُرُونَ﴾ ٥٠ إلى انطباق البحر عليهم، ﴿وإذ واعَدْنا﴾، بألِفٍ ودُونِها،
﴿مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾ نُعطيه عند انقضائها التوراةَ لتعملوا بها، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجلَ﴾
الذي صاغه لكم السامريّ إلّهًا، ﴿مِن بَعدِهِ﴾ أي: بعدِ ذهابه إلى ميعادنا، ﴿وأنتُم
ظالِمُونَ﴾ ٥١ باتّخاذه، لوضعكم العبادةَ في غير محلّها، ﴿ثُمَّ عَفَونا عَنكُم﴾: مَحَونا
ذنوبكم ﴿مِن بَعدِ ذُلِكَ﴾ الاتّخاذِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشِكُرُونَ﴾ ٥٢ نِعمتنا عليكم، ﴿وإذ آتينا
مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراةَ، ﴿والفُرقانَ﴾، عطفُ تفسيرٍ أي: الفارقَ بين الحقّ والباطِل
والحلال والحرام، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٥٣ به من الضلال.
٣- ﴿وإذ قالَ مُوسَى لِقَومِهِ﴾ الذين عبدوا العِجل: ﴿يَا قَومِ، إِنَّكُم ظَلَمتُم أنفُسَكُم بِاتّخاذِكُمُ العِجلَ﴾ إِلَّهَا. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بارِئِكُم﴾: خالِفِكم من
عبادته، ﴿فَاقْتُلُوا أنفُسَكُم﴾ أي: ليقتلِ البريءُ منكم المُجَرَمَ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ القتلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بارِئِكُمْ﴾. فوفَّقكم لفعل ذلك، وأرسلَ عليكم
سحابة سوداء، لئلّا يُبصرَ بعضكم بعضًا فيرحمَه، حتّى قُتِل منكم نحو سبعين ألفًا. ﴿فتابَ عَلَيْكُم﴾: قَبِلَ توبتَكُم - ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ ٥٤ -
وإذ قُلتُم﴾، وقد خرجتم مع موسى، لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل، وسمعتم كلامه: ﴿يا مُوسَى، لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرةً﴾: عِيانًا .
﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾: الصيحةُ فَمُتّم، ﴿وأنْتُم تَنظُرُونَ﴾ ٥٥ ما حلّ بكم، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم﴾: أحييناكم ﴿مِن بَعدِ مَوتِكُم، ◌َعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ﴾ ٥٦
نِعِمتنا بذلك، ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾: سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في التِّيه، ﴿وَأَنزَلْنا عَلَيْكُمُ﴾ فيه ﴿المَنَّ والسَّلَوَى﴾ - هما
التَُّنْجِبِينُ والطَّير السُّمانَى، بتخفيف الميم والقصر - وقلنا: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ ما رَزَقْناكُم﴾، ولا تدَّخروا. فكفروا النعمة وادّخروا فقُطِعَ عنهم.
﴿وَمَا ظَلَمُونا﴾ بذلك، ﴿ولَكِنْ كانُوا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ٥٧، لأن وباله عليهم.
(١) نجيناكم: أنقذناكم. والنعم: جمع نعمة. والآل: الأعوان من الأقباط. وفرعون: ملك مصر في عهد موسى. ومعناه: البيت الأعظم. ثم أطلق على
الملك. ويذبح: يقطع الحلاقيم. والأبناء: جمع ابن. وهو الذكر من الأولاد. والنساء: واحدته امرأة. والابتلاء: الامتحان ليظهر الصالح من الفاسد. ومن
ربكم أي: من حكمه وقضائه. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
(٢) البحر: ما اجتمع فيه ماء. وهو البحر الأحمر. وكان فلقُّه بخسف، وارتفاع لقطع من الأرض بين أجزائه، ليعبر عليها بنو إسرائيل. ثم غارت اليابسة حين
دخلها فرعون وجنوده، فكان لهم الغرق. وما ذكرته من خسف وارتفاع خلاف لما هو مشهور بين العلماء. وأغرقه: قتله خنقًا بالماء. وأنتم أي: آباؤكم.
وتنظرون أي: توجهون أبصاركم عيانًا. وواعدناه: جعلنا له وقتًا محددًا. وبدونها يريد القراءة ((وَعَدْنا)). وأربعين أي: تمامَ أربعين. وموسى معناه: الماء
والشجر. وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل. واتخذ: جعل وصيّر. والعجل: ولد البقرة الصغير. والسامري ساحر منافق ممن يعبدون البقر، اسمه موسى بن ظفر،
قصته في الآيات ٨٥-٩٧ من سورة طه. والظالم: من تجاوز حد الحق. وتشكر: تستحضر النعمة وتثني على الله بالقلب واللسان والعمل. وآتيناه: أعطيناه
وكلفناه بالرسالة. وتهتدي: تسترشد إلى طريق الحق.
(٣) قوم موسى: بنو إسرائيل. وظلمتم أنفسكم أي: جُرتم عليها وأوقعتموها في الهلاك. والأنفس: جمع نفس. والاتخاذ: الجعل والتصيير. وتوبوا: اعترفوا
بالذنب وعاهدوا على تركه واطلبوا المغفرة. وعبادته أي: عبادة العجل. واقتلوها أي: أزهقوا أرواحها. والبريء: من بقي على التوحيد ولم يعبد العجل.
وخير: أنفع من الاستمرار على الشرك. وعنده أي: في حكمه. وتاب: غفر الذنب وصفح عنه. والتواب: الذي يقبل التوبة كثيرًا. والرحيم: الكثير العطف
بالإحسان. وخرجتم أي: بعد توبة عابدي العجل ومقتلهم. وكلامه أي: كلام الله. ونؤمن لك أي: نصدقك أن ما نسمعه هو كلام الله. ونراه: نبصره بأعيننا.
وأخذتكم أي: نزلت بكم عقوبة وإهانة. والصاعقة: نار محرقة من السماء يكون معها صوت هائل. وتنظرون: ترون بأعينكم. وتشكرون: انظر الآية ٥٢.
والتيه: واد صحراوي بين مصر والشام بسيناء، تاهوا فيه أربعين سنة. وأنزل: أطلق وأسقط. والترنجبين: حلوى تشبه العسل الأبيض. والقصر أي: الألف
المقصورة. والطيبات: ما يستلذ من الغذاء. ورزق: هيأ ويسر. وما ظلمونا أي: لم يصل منهم إلينا نقص أو ضرر. والوبال: سوء العاقبة.

الجزء الأول
٩
٢ - سورة البقرة
١ - ﴿وإذا قُلنا﴾ لهم، بعد خروجهم من التِيه: ﴿ادخُلُوا هُذِهِ القَرْيةَ﴾: بيت المقدس أو
أريحا، ﴿فَكُلُوا مِنها حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: واسعًا لا حَجْرَ فيه، ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أي:
بابَها ﴿سُجَّدًا﴾: مُنحنينَ، ﴿وَقُولُوا﴾: مسألتنا ﴿حِطّةٌ﴾ أي: أن تَحُطّ عنّا خطايانا.
﴿ِنَغْفِرْ﴾ - وفي قراءة بالياء وبالتاء، مبنيًّا للمفعول فيهما - ﴿لَگُم خطایا کُم.
وسَنَزِيدُ المُحسِنِينَ﴾ ٥٨ بالطاعة ثوابًا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ منهم ﴿قَولًا غَيرَ
ثلاثة أرباع
الْخِزِبْ
الَّذِي قِيلَ لَهُم﴾، فقالوا: حَبّةٌ فِي شَعَرةٍ، ودخلوا يزحفون على أستاههم،
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَّمُوا﴾ - فيه وضعُ الظاهرِ موضعَ المضمر مبالغةً في
تقبيح شأنهم - ﴿رِجْزًا﴾: عذابًا طاعونًا ﴿مِنَ السَّماءِ، بِما كانُوا يَفسُقُونَ﴾ ٥٩:
بسبب فِسقهم، أي: خروجِهم عن الطاعة. فهلَكَ منهم في ساعة سبعون ألفًا أو
أقلُّ .
٢- ﴿و﴾ اذكر ﴿إِذِ استَقَى مُوسَى﴾ أي: طلب السُّقيا ﴿لِقَومِهِ﴾، وقد عطشوا في
التِّيه، ﴿فقُلنا: اضرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾. وهو الذي فَرَّ بثوبه، خفيفٌ مربَّعٌ كرأس
الرجُل، رُخام أو كَذّانٌ. فضربه ﴿فانفَجَرَتْ﴾: انشقّتْ وسالتْ ﴿مِنْهُ اثنَا عَشْرَةَ عَينًا﴾
بعدد الأسباط - ﴿قَد عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾: سِبطٍ منهم ﴿مَشرَبَهُم﴾: موضعَ شُربهم، فلا
يَشرَكهم فيه غيرهم - وقلنا لهم: ﴿كُلُوا واشرَبُوا مِن رِزقِ اللهِ، ولا تَعثَوا في الأرضِ
مُفسِدِينَ﴾ ٦٠: حالٌ مؤكّدة لعاملها، من ((عَثِيَ)) بكسر المثلّثة: أفسَدَ.
سُوْرَةِ البَّقَدَّة
الحَةُ الأَوال
وَإِذْ قُلْنَا آدْ خُلُواْ هَذِهِالْقَرِيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا
وَادْ خُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْحِظَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ هُـ
غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزَّامِنَ
السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٦ ﴾ وَإِذِاسْتَسْقَى مُوسَى
لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ
أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ كُلُواْ
وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ
يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآْبِهَا وَفُومِهَا
وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاْ قَالَ أَتَسْتَبْدِ لُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى
بِالَّذِى هُوَ خَيِّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّلَكُمْ مَّاسَأَ لْتُؤٌ
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُ و بِغَضَبٍ مِنَ
﴿اللّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِنَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (بـ
٣- ﴿وإذا قُلْتُم: يا مُوسَى، لَن نَصِبِرَ عِلَى طَعامٍ﴾ أي: نوع منه ﴿واحِدٍ﴾. وهو المنّ والسلوى. ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ، يُخرِجْ لَنَا﴾ شيئًا ﴿مِمّا تُنِتُ
الأرضُ مِن﴾: للبيان ﴿بَقْلِها وقِّائها وفُومِها﴾:َ حِنطِها ﴿وعَدَسِها وبَصَلِها. قالَ﴾ لهم موسى: ﴿أَتَستَبدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدَنَى﴾: أخسُّ بِالَّذِي هُوَ
خَيرٌ﴾: أشرفُ. أي: أتأخذونه بدله؟ والهمزة للإنكار. فأبوا أن يرجعوا فدعا اللهَ، فقال تعالى: ﴿اهبِطُوا﴾: انزلوا ﴿مِصرًا﴾ من الأمصار. ﴿فإنَّ
لَكُم﴾ فيه ﴿ما سألتُم﴾ من النبات. ﴿وضُرِبَتْ﴾: جُعِلتْ ﴿عَلَيهِم الذِّلّةُ﴾: الذلُّ والهوان ﴿والمَسكَنَةُ﴾ أي: أثرُ الفقر. من السكون والخِزي -
فهي لازمة لهم، وإن كانوا أغنياء، لزومَ الدرهم المضروب لسِكّته - ﴿وباؤُوا﴾: رَجَعوا ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ. ذلِكَ﴾ أي: الضرب والغضب
﴿بِأَنَّهُم﴾ أي: بسبب أنّهم ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اَللهِ، ويَقْتُلُونَ النَِّّينَ﴾ كزكريّاءَ ويحيى، ﴿بِغَيرِ الحَقِّ﴾ أي: ظلمًا. ﴿ذُلِكَ بِما عَصَوا، وكانُوا
يَعتَدُونَ﴾ ٦١: يتجاوزون الحدّ في المعاصي. وكرّره للتأكيد.
(١) ادخلوها أي: اسكنوها واستقروا فيها. وبيت المقدس: مدينة القدس. وأريحا: مدينة في شمالي القدس، كانت للجبارين العمالقة من العرب. وشئتم
أي: أردتم أن تأكلوا. والحجْر: المنع. وادخلوه: اعبروه. والسجد: جمع ساجد. وقولوا أي: بدعاء وتذلل. والمسألة: ما يطلب وقوعه. ونغفرها: نسترها
ولا نؤاخذ بها. وبالياء يريد القراءة ((يُغفَرْ)). وبالتاء يريد القراءة (تُغْفَرْ)). والخطايا: جمع خطيئة. وهي الذنب الذي يستوجب العقاب. ونزيدهم: نضيف إليهم.
والمحسن: من يعمل الصالحات مخلصًا. وبدلوه أي: جعلوه بدلًا مما أمروا به. وظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والقول: ما يقال. وقيل لهم أي:
أمروا. وحبة في شعرة أي: حبة من غذاء في مجموعة من الشعر. وهو قول معناه العصيان والسخرية. كأنهم أرادوا: حبة قمح مع ما يكون لها في السنبلة.
يعني أنهم طلّاب غذاء ومادة، لا طلاب طاعة ومغفرة. والأستاه: جمع است، أي: الدبر. وأنزل: قضى وأرسل. والسماء: العوالم العُلوية. ويفسق: يخرج
عن الطاعة. والساعة: القطعة من الزمن.
(٢) قومه أي: من بقي منهم. واضرب أي: اقرع بشِدّة. و((فر بثوبه)) انظر الحديث ٢٧٤ من البخاري. وتعيين الحجر غير لازم، وعدم التعيين أظهر للحجة
كما قال البيضاوي وآخرون. والمربع: الذي له أربعة جوانب. والكذان: الحجر الرِّخو. والعين: يَنبوع الماء الجاري. والأسباط: جمع سبط. وهو القبيلة
المنتسبة إلى أحد أبناء يعقوب. وعلم: أدرك وعرَفَ. والرزق: ما يهيأ من الحاجات. والأرض: مكان التيه. والمفسد: من يشيع الشر والضلال. والمثلثة
أي: المنقوطة بثلاث نقاط من فوق.
(٣) نصبر: نتجلد. والطعام: ما يؤكل. وادعه أي: ناده طالبًا ومستغيثًا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ويُخرج: يُنبت ويخلق. وللبيان
أي: لتبيين المقصود من ((ما)). والقثاء: نوع من الخيار. والمِصر: البلد العظيم. وسألتم أي: طلبتموه. والخزي: البلاء والفضيحة. والسكة: حديدة منقوشة
تسك بها الدراهم. والغضب: السخط مع إرادة الانتقام. ومن الله أي: من عنده وبأمره. ويكفر بها أي: ينكرها. والآيات: المعجزات والكتب المنزلة.
والنبي: من يكلف بالدعوة إلى التوحيد والشريعة مع العمل. وزكرياء من بني إسرائيل هو أبو يحيى، كان قبل المسيح، قتله اليهود نشرًا بالمنشار. ويحيى قتلوه
وهو يصلي. والحق: العدل والحكم الشرعي. وعصوا: خالفوا الأمر والنهي.

٢ - سورة البقرة
١٠
الجزء الأول
سُورَةِ البُقَدَّة
الجزء الأول
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّحِينَ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ () وَ إِذْ
أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلُوَرَ خُذُ واْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ وَأَذْ كُرُواْمَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٢) ثُمَّتَوَلَّيْتُمْ مِنْ
بَعْدِ ذَالِكٌ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ
اْخَسِرِينَ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ
فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْقِرَدَةً خَسِينَ ﴿ لَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا
وَإِذْ قَالَ
بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَاخَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تَذْ بَحُواْبَقَرَةً قَالُواْأَنَنَّخِذُنَا
قَالُواْ
هُزُ وَآَ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ }
أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لََّفَارِضٌ
وَلَا بِكْرُّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ لَّـ
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ
٦٩
إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالأنبياء من قبلُ، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود، ﴿والنَّصارَى
والصّابِئِينَ﴾: طائفةً من اليهود أو النصارى، ﴿مَن آمَنَ﴾ منهم ﴿بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ)
في زمن نبيّنا، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ بشريعَته، ﴿فَلَهُم أجرُهُم﴾ أي: ثواب أعمالهم ﴿عِندَ
رَبِّهِم، ولا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنُونَ﴾ ٦٢. رُوعيَ في ضمير ((آمَنَ)) و((عَمِلَ)) لفظ
(مَن))، وفيما بعده معناها .
٢- ﴿و) اذكروا ﴿إِذ أخَذْنا مِيثاقَكُم﴾: عَهدَكم بالعمل بما في التوراة، ﴿و﴾ قد
﴿رَفَعْنا فَوقَكُمُ الطُّورَ﴾: الجبلَ، اقتلعناه من أصله عليكم، لمّا أَبَيتم قبولها، وقلنا:
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ﴾: بجِدٍّ واجتهادٍ، ﴿واذكُرُوا ما فِيهِ﴾ بالعمل به، ﴿لَعَلَّكُم
تَتَّقُونَ﴾ ٦٣ النارَ أو المعاصيَ. ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُم﴾: أعرضتم ﴿مِن بَعدِ ذلِكَ﴾ الميثاقِ عن
الطاعة. ﴿فَلَولا فَضِلُ اللهِ عَلَيْكُم ورَحْمتُهُ﴾ لكم، بالتوبة أو تأخير العذاب، ﴿لَكُنْتُم
مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ٦٤ : الهالكين.
٣- ﴿وَلَقَدْ﴾ - لامُ قسم - ﴿عَلِمتُمُ﴾: عَرَفتمُ ﴿الَّذِينَ اعتَدَوا﴾: تجاوزوا الحدَّ
﴿مِنكُم في السَّبتِ﴾ بصيد السمك، وقد نهيناهم عنه - وهم أهل أيلةَ - ﴿فَقُلنا لَهُم:
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ٦٥: مُبعَدِينَ. فكانوها، وهلكوا بعد ثلاثة أيّام، ﴿فجَعَلْناها﴾
أي: تلك العقوبةَ ﴿نكالًا﴾: عِبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا، ﴿لِما بَيْنَ يَدَيها
وما خَلْفَها﴾ أي: للأُمم التي في زمانها أو بعدها، ﴿ومَوعِظَةً لِلمُتَّقِينَ﴾ ٦٦ اللهَ.
وخُصّوا بالذكر لأنّهم المنتفعون بها، بخلاف غيرهم.
٤ - ﴿و﴾ اذكر ﴿إِذ قالَ مُوسَى لِقَومِهِ﴾، وقد قُتل لهم قتيلٌ لا يُدرَى قاتلُه، وسألوه أن
يدعوَ الله أن يُبيّنه لهم فدعاه: ﴿إِنَّ اللهَ يأمُرُكُم أن تَذْبَحُوا بَقَرةً. قالُوا: أتَتَّخِذُنا هُزُؤَا﴾ مهزوءًا بنا، حيث تُجيبنا بمثل ذلك؟ ﴿قالَ: أعُوذُ﴾: أمتنعُ
﴿بِاللهِ﴾ من ﴿أن أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ٦٧: المُستهزِئينَ. فلمّا علموا أنه عزمٌ ﴿قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي: ما سِنّها؟ ﴿قَالَ﴾
موسى: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: اللهَ ﴿يَقُولُ: إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾: مُسِنَّة، ﴿ولا بِكِرٌ﴾: صغيرة، ﴿عَوانٌ﴾: نَصَفٌ ﴿بَيْنَ ذُلِكَ﴾ المذكور من السِّنَّينِ.
﴿فافعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ٦٨ به من ذبحها . ﴿قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ، يُبَيِّنْ لَنا ما لَونُها؟ قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ، فَاقِعٌ لَونُها﴾ : شديد الصُّفرةِ،
﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ ٦٩ إليها بحسنها، أي: تُعجبهم.
(١) روي أن هذه الآية نزلت في سلمان الفارسي وأصحابه، كانوا قبل البعثة يصلّون ويصومون، ويؤمنون أن محمدًا وَلّ سيبعث رسولًا. الواحدي ص ٢٢ -
٢٤. وآمنوا بهم أي: صدّقوهم اعتقادًا. ومن قبل أي: قبل بعثة محمد ﴾. وهادوا: تهوّدوا. والنصارى: جمع نَصران، أي: الذي نصر المسيح على الحق
وآمن به. والراجح أن الصابئين ليسوا من اليهود أو النصارى، وهم قوم كانوا على الفطرة، وليس لهم دين مقرر، ثم تنصر بعضهم أو تهود. ولذلك كان
المشركون يصفون من ترك الشرك وأسلم بأنه صابئ. انظر ((المفصل)) وتفسير ابن كثير ١: ٩٩- ١٠٠. وآمن بالله أي: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. واليوم:
الوقت. والآخر: المتأخر يكون بعد الموت. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالح: ما يرضاه الشرع. ولا خوف أي: في الدنيا والآخرة. وانظر آخر
الآية ٣٢.
(٢) أخذناه: حصّلناه بالقهر. ورفعناه: أعليناه بزلزلة. والطور: جبل في شمالي فلسطين. وذكرُ الاقتلاع من الأصل تزيُّد لا يفيده نص الآية الكريمة، إذ الرفع
لا يعني ذلك. وعليكم أي: يكاد يسقط عليكم. وخذوه أي: تمسكوا به واعملوا به. وآتى: أعطى. واذكروه أي: ادرسوه واحفظوه وتدبروا معناه. وتتقون:
تتجنبون. وانظر آخر الآية ٢١. والفضل: التفضل والتكرم. والرحمة: العطف بالإحسان. والتوبة أي: على المؤمنين. وتأخير العذاب أي: في حق الكافرين.
(٣) السبت أي: يوم السبت ينقطع فيه اليهود عن العمل. وأيلة: مدينة على ساحل البحر الأحمر، ويقال لها الآن: أيلات. وقلنا: أمرنا وقضينا. وكونوا أي:
صيروا. والقردة: جمع قِرد. ومبعدين أي: عن الرحمة والشرف. وكانوها أي: تحولوا إليها وصاروها. وهلكوا: يعني أن من مُسخ لم يعش كثيرًا، ولم يكن
له نسل، فليس منه القردة والخنازير المعروفة. وربما وجدت بقايا عظام بعضهم، فزعم الدارسون من المضللين أنها دليل نظريات التطور المكذوبة. انظر
الحديث ٢٦٦٣ في مسلم. وجعل: ترك وصيّر. والنكال: ما يُردع به غير المنتقَم منه. وما عملوا أي: من المخالفة والعصيان. والموعظة: ما يذكر لتليين
القلب ثوابًا أو عقابًا. والمتقي: من يتجنب الغضب ويطلب الرضا بلزوم الطاعة.
(٤) ذكرُ القتيل هنا مع ذبح البقرة خرافة إسرائيلية، لم يرد بها نص شرعي، وليس لها إسناد أصلًا. انظر ((المفصل)). وما سيذكر في تفسير الآية ٧٢ أمر غير
ظاهر. وهو من القصص الذي لا يصح، إذ لم يرد في كتاب ولا سنّة. وقال ابن كثير: ((الظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل ... فلهذا لا يعتمد عليها)).
وكذلك الحكم في كتب سائر الأديان والعقائد الأخرى، وعباداتها وأخلاقها وقوانينها. ويأمر: يفرض عليكم ويوجب. وتتخذ: تجعل وتصيّر. والهزء:
السخرية. والجاهل: من يفعل الشيء بخلاف الصواب. والعزم: الحق الواجب. وادعه أي: ناده وسله بدعائك. ويبين: يحدّد. والفارض: التي قطعت سن
الحمل. والعوان: المتوسطة في العمر. وافعلوا أي: أطيعوا ونفذوا. واللون: ما يتميز به الجسم من حمرة أو بياض، وما في نوعه أيضًا. والناظر: من يدرك
بعينه ما يرى.

الجزء الأول
١١
٢ - سورة البقرة
١- ﴿قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾: أسائمةٌ أم عاملة؟ ﴿إِنَّ البَقَرَ﴾ أي: جِنسَه
المنعوتَ بما ذُكر ﴿تَشابَهَ عَلَينا﴾ لكثرته، فلم نهتدِ إلى المقصودة، ﴿وإنّا - إن شاءَ اللهُ
- لَمُهتَدُونَ﴾ ٧٠ إليها. وفي الحديث ((لو لم يَستثنُوا لَما بُيِّنْتْ لَهُم آخِرَ الأبد)). ﴿قالَ:
إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ، لا ذَلُولٌ﴾: غيرُ مُذَلَّلة بالعمل ﴿تُثِيرُ الأرضَ﴾: تُقُلّبُها للزراعة -
والجملة صفة (ذلول)) داخلٌ في النفي - ﴿ولا تَسِقِي الحَرْثَ﴾: الأرضَ المُهيّأة
للزراعة، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب وآثار العمل، ﴿لَاشِيَةَ﴾: لَونَ ﴿فِيها﴾ غيرُ لونها .
﴿قالُوا: الآنَ جِئتَ بِالحَقِّ﴾: نطقتَ بالبيان التامّ. فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارّ
بأَمّه، فاشترَوها بمِلء مَسكِها ذَهبًا. ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٧١ لغلاء ثمنها .
وفي الحديث: (لَو ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرةٍ كانَتْ لأجزأَتْهم. ولكِنْ شَدَّدُوا على أنفُسِهم فشَدَّدَ
اللهُ علَيهِم)).
٢ - ﴿وإذ قَتَلتُمْ نَفْسًا فادّارأُتُم﴾ - فيه إدغام التاء في الأصل في الدال - أي:
تخاصمتم وتدافعتم ﴿فِيها - واللهُ مُخْرِجٌ﴾: مظهرٌ ﴿ما كُنتُم تَكتُمُونَ﴾ ٧٢ من
أمرها. وهذا اعتراض وهو أوّل القصة - ﴿فَقُلنا: اضرِبُوهُ﴾ أي: القتيلَ
﴿بِبَعضِها﴾. فضُرِبَ بلسانها أو عَجْبِ ذنبها، فحَيِيَ وقال: ((قتلني فلان
وفلان) لِاِبْنَي عمّه، ومات فحُرِما الميراثَ وقُتلا. قال تعالى: ﴿كَذْلِكَ﴾
الإِحياءِ ﴿يُحيِي اللّهُ المَوتَى، ويُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: دلائلَ قُدرته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٧٣ :
تتدبّرون، فتعلمون أن القادرَ على إحياء نفس واحدة قادرٌ على إحياء نفوس كثيرة،
فتؤمنون.
الحزب
سُورَة البقرة
الحرة الأولى
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا
إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّاذَلُولٌ
◌ُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ
الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُ واْ يَفْعَلُونَ ﴿وَإِذْ
قَطَلْتُمْ نَفْسًا فَأَدَّارَءْ تُمْ فِيهَّا وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٢٦)
فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَالِكَ يُحِىِ اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ
ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
فَهِىَّ كَالِحِجَارَةٍ أَوْأَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَايَنَفَجَّرُ
مِنْهُ الْأَنْهَدُّوَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
﴿ ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ
يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوْقَالُوَأْءَامَنَا
وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآتُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ (
٣- ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ أيها اليهود: صَلُبَتْ عن قبول الحقّ، ﴿مِن بَعدِ ذُلِكَ﴾ المذكور من إحياء القتيل وما قبلَه من الآيات، ﴿فَهْيَ كالحِجارةِ﴾
في القسوة، ﴿أو أشَدُّ قَسْوةٌ﴾ منها - ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهارُ، وإنَّ مِنها لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ - فيه إدغام التاء في الأصل في الشين -
﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماءُ، وإنَّ مِنها لَما يَهِطُ﴾: ينزل من علوّ إلى سفل ﴿مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾، وقلوبكم لا تتأثّر ولا تلين ولا تخشع - ﴿وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا
تَعمَلُونَ﴾ ٧٤، وإنّما يؤخّركم لوقتكم. وفي قراءة بالتحتيّة، وفيه التفات عن الخطاب.
٤- ﴿أَفْتَطْمَعُونَ﴾- أيها المؤمنون - ﴿أن يُؤمِنُوا﴾ أي: اليهودُ ﴿لَكُم، وقَد كانَ فَرِيقٌ﴾: طائفة ﴿مِنْهُم﴾: أحبارِهم ﴿يَسمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ في
التوراة، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: يُغيِّرونه ﴿مِن بَعدِ ما عَقَلُوهُ﴾: فهموه، ﴿وهُم يَعلَمُونَ﴾ ٧٥ أنهم مفترون؟ والهمزة للإنكار أي: لا تطمعوا، فلهم سابقة
في الكفر، ﴿وإذا لَقُوا﴾ أي: منافقو اليهود ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا﴾ بأن محمدًا نبيّ، وهو المبشَّر به في كتابنا. ﴿وإذا خَلَا﴾: رَجَعَ ﴿بَعضُهم
إِلَى بَعضٍ قالُوا﴾ أي: رؤساؤهم الذين لم ينافقوا لمن نافق: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ أي: المؤمنين (بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُم﴾ أي: عرّفكم في التوراة من نعت
محمّد، ﴿لِيُحاجُوكُم﴾: ليُخاصموكم - واللام للصيرورة - ﴿بِهِ عِندَ رَبُّكُم﴾ في الآخرة، ويُقيموا عليكم الحُجّة في ترك اتِّباعه مع علمكم بصدقه؟
﴿أفلا تَعقِلُونَ﴾ ٧٦ أنهم يُحاجّونكم إذا حدّثتموهم فتنتهوا؟
(١) السائمة: المتروكة ترعى. وما ذُكر أي: في الآيتين ٦٨ و٦٩. وتشابه: اختلط واستُشكل. وشاء أي: أراد أن نهتدي. والمهتدي: المسترشد يوفق في
الحق. ولم يستثنوا أي: لم يقيدوا الاهتداء بالمشيئة. والأبد: مدة الزمن. والحديث إسناده منقطع. انظر ((المفصل)). والاستثناء هنا: تعليق الاهتداء بالمشيئة.
ولا تسقي: لا تُستخدم للسقي. ومسلمة أي: سلّمها الله وعافاها. وفيها أي: في جسدها. وما ذكر من قصة الفتى دسيسة من الإسرائيليات. والمَسك: الجلد.
وكادوا: قاربوا. ويفعلون أي: يقومون بما أمروا به. وأجزأتهم: أغنتهم عما كان من التشديد. والحديث موقوف. انظر ((المفصل)) أيضًا.
(٢) قتلتم نفسًا أي: قتل بعضكم إنسانًا. وذكرُ الإدغام يعني أن الأصل: (تَدارأتم))، سكنت التاء وأبدلت دالًا، ثم أدغمت وزيدت همزة الوصل قبلها،
للتمكن من النطق. وفيها أي: في النفس المقتولة وتعيين القاتل. وتكتمون أي: تخفونه. والبعض: القطعة من الشيء. وقد اضطرب المفسرون في هذا
البعض، ولم يَرد نص صحيح بذلك، ولا فائدة في تعيينه. والظاهر أن قصتَي القتيل والبقرة لا صلة بينهما، والضميرَ ((ها)) يعود على ((نفس)) في الآية ٧٢،
وضميرَ الغائب المذكَّر يراد به من اتّهم لا المقتول. والمراد ضربُ المتهم بيد المقتول مثلًا، وهي متصلة بالجثة. انظر ((المفصل)). وعجب الذنب: أصله.
وحُرما الميراث يعني: لأن القاتل لا يرث المقتول. ويري: يطلع ويبصّر.
(٣) القلوب: جمع قلب. وأشد أي: أقوى وأصلب. ويتفجر: يتفتح ويتدفق. والخشية: الطاعة والانقياد للأمر. والغافل: الساهي لا يطّلع ولا يحاسب.
وتعملون أي: تكتسبونه وتتحملونه من نية أو قول أو فعل. والتحتية: الياء. يريد القراءة «يَعمَلُونَ)).
(٤) تطمع: تحرص نفسُك بشدة على ما تشتهي. ويؤمن: يصدّق. والأحبار: جمع حَبر. وهو العالم من اليهود. ويسمعه: يتلقاه بالسمع والفهم. والكلام:
القول المفيد. ويعلم: يدرك ويعي. والسابقة: التقدم والشهرة. ولقوهم: صادفوهم أو اجتمعوا بهم. وللصيرورة أي: للعاقبة والمآل لا للعلة الغائية. وتحدثه:
تخبره. وعنده أي: عند لقاء حسابه. وتعقل: تدرك بعقلك ما يضر وما ينفع.

٢ - سورة البقرة
١٢
الجزء الأول
الحرة الأولى
سُورَةِ البَّقَّة
أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ
إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ
ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُ واْبِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا
فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا كُنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
﴿ وَقَالُواْلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ
أَتَّخَذْ تُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَأَمْ نَقُولُونَ
عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً
وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتُهُ فَأُوْلَتَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِّهُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (9) وَإِذْ
أَخَذْ نَامِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ لَّهَا
١- قال تعالى: ﴿أَوَلا يَعلَّمُونَ﴾ - الاستفهام للتقرير، والواو الداخلُ عليها للعطف -
﴿أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعلِنُونَ﴾ ٧٧: ما يُخفون وما يُظهرون من ذلك وغيره،
فيرعَوُوا عن ذلك؟ ﴿ومِنْهُم﴾ أي: اليهودِ ﴿أَمِّيُّونَ﴾: عَوامٌ، ﴿لا يَعلَمُونَ الكِتابَ﴾:
التوراةَ ﴿إِلّا﴾ لكن ﴿أمانِيَّ﴾: أكاذيبَ تلقَّوها من رؤسائهم فاعتمدوها، ﴿وإنْ﴾: ما
﴿هُم﴾، في جحد نبوّة النبيّ وغيره ممّا يختلقونه، (إلّا يَظُنُّونَ﴾ ٧٨ ظنًّا ولا عِلمَ
لهم. ﴿فَوَيلٌ﴾: شِدّةُ عذاب ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيدِيهِم﴾ أي: مختلَقًا مِن
عندهم، ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ: هذا مِن عِندِ اللهِ. لِيَشتَرُوا بِهِ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ من الدنيا، وهم اليهود
غيَّرُوا صفةَ النبيّ وَّه في التوراة، وآيَةَ الرَّجم وغيرَها، وكتبوها على خلاف ما أُنزِل.
فِوَيْلٌ لَهُم مِمّا كَتَبَتْ أيدِيهِمْ﴾ من المُختَلَّق، ﴿وَوَيْلٌ لَهُم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ٧٩ من
الرُّشا .
٢- ﴿وقالُوا﴾، لمّا وعدَهم النبيُّ النارَ: ﴿لَن تَمَسَّنا﴾: تُصيبَنا ﴿النّارُ إلّ أيّامًا
مَعدُودةً﴾: قليلة أربعين، مُدّةَ عِبادة آبائهم العِجلَ، ثم تزولُ. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمّد:
﴿أَتَّخَذْتُم﴾ - حُذفت منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام - ﴿عِندَ اللهِ عَهْدًا﴾:
مِيثاقًا منه بذلك، ﴿فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ به؟ لا. ﴿أم﴾: بل ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا
تَعلَمُونَ ٨٠. بَلَى﴾ تَمَسُّكم وتخلدون فيها، ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شِركًا، ﴿وأحاطَتْ بهِ
خَطِيئَتُهُ﴾ بالإِفراد والجمع، أي: استولتْ عليه وأحدقتْ به من كلّ جانب بأن مات
مُشرِكًا، ﴿فَأُولَئِكَ أصحابُ النّارِ، هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ٨١ رُوعي فيه معنى (مَن))،
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولَئِكَ أصحابُ الجَنّةِ، هُم فِيها خالِدُونَ﴾ ٨٢.
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسرائيلَ﴾ في التوراة، وقلنا: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾، بالتاء والياء، ﴿إِلَّ اللهَ﴾. خبرٌ بمعنى النهي - وقُرئ: ((لا
تَعْبُدُوا)) - ﴿و﴾ أحسِنوا ﴿بِالوالِدَينِ إِحسانًا﴾: بِرَّا ﴿وذِي القُربَى﴾: القرابةِ، عطفٌ على ((الوالدين))، ﴿واليَتامَى والمَساكِينِ، وقُولُوا لِلنّاسِ﴾
قولًا ﴿حَسَنًا﴾، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في شأن محمّد، والرفق بهم - وفي قراءة بضمّ الحاء وسكون السين، مصدر
وُصف به مبالغةً - ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾. فقبلتُم ذلك، ﴿ثُمَّ تَوَلّيتُم﴾: أعرضتم عن الوفاء به - فيه التفات عن الغَيبة والمراد آباؤهم -
﴿إِلّا قَلِيلًا مِنكُم. وأنتُم مُعرِضُونَ﴾ ٨٣ عنه كآبائكم.
(١) التقرير: حمل المخاطب على الاعتراف. والداخل عليها أي: التي دخل عليها حرف الاستفهام. وللعطف أي: لعطف جملة ((لا يعلمون)) على جملة:
تطمعون. ويعلمه: يحيط به بالغ الإحاطة. ويرعوي: يرجع. والأميّ: من نسب إلى الأم، في الجهل بالقراءة والكتابة والمعارف. والعوامّ: جمع عامّيّ.
والأمانيّ: جمع أَمنيّة. والجحد: إنكار ما هو معلوم متيقن. ويظن: يتخيل ويتوهم. وشدة عذاب أي: دعاء عليهم بذلك. ويكتب: يسجل ويدون. والكتاب:
مايكتب من الكلام. والأيدي: جمع يد. ويقولون أي: للناس من أتباعهم. وهذا أي: ما كتبوه. ومن عنده أي: من الوحي الذي أنزله في صحف موسى.
ويشتري: يستبدل ويحصّل. والثمن: العوض من المال والجاه. ويكسب: يحصّل ويجمع. والرشا: جمع رِشوة. وهي ما يدفع إلى المرء ليبطل حقًّا أو يوقع
ظلمًا. وتكون محرمة على القاضي أو المسؤول عن الأمور العامة، أيًّا كان السبب، وهو بها ملعون. فإن توصل بها الراشي إلى باطل فهو ملعون أيضًا، وإن
توصل بها إلى تحصيل حق أو دفع ظلم فليست بحرام عليه.
(٢) روي عن النبي وَ﴿ أنه قال: ((اليَهُود مِن أهلِ النّارِ)). فزعموا أنهم يعذّبون أربعين يومًا، ثم يخرجون إلى الجنة، ليخلفهم المسلمون في جهنم خالدين.
فنزلت الآيتان ٨٠ و٨١، لتكذيب ما زعموه. البحر ٢٧٨:١ والدر المنثور ٨٤:١-٨٥ وتفسير الآلوسي ١: ٤٨٠. وقالوا أي: زعموا. ووعدهم النار أي:
هددهم بنار جهنم. والأيام: جمع يوم. والمعدودة: التي يسهل عدها. وحذف الهمزة يعني أن الأصل: ((أاتَّخَذْتُم))؟ واستغناء: يعني أن همزة الاستفهام تمكُّن
من النطق بالساكن. وهو التاء الأولى المدغمة. وعند الله أي: في كتاب أو وحي أو كلام رسول. وبذلك أي: بمدة تعذيبكم في النار. ويُخلف: ينقض
ويبدل. و ((لا)) يعني أن الاستفهام معناه الإبطال. وتقولون أي: تختلقون. ولا تعلمون أي: لا تتيقنون أنه حق. والسيئة: الذنب القبيح يقتضي العقوبة.
والخطيئة هي الكبيرة من السيئات. وبالجمع يريد القراءة ((خَطِيئَاتُهُ)). والأصحاب: جمع صاحب، أي: الملازم للشيء. والخالد: المقيم أبد الدهر.
والصالحِ: ما يرضاه الشرع. والجنة: الحديقة العظيمة.
(٣) الأولى أن يكون الخطاب لليهود، ليلتئم العطف في الآية ٨٤. وأخذنا: انظر الآية ٦٣. وإسرائيل: لقب يعقوب. وبنوه: ذريته من أولاده. وتعبد: تقدس
وتطيع. وبالياء يريد القراءة ((لا يَعْبُدُونَ)). وقراءة ((لا تعبدوا)) النهي فيها صريح يؤيد تفسير السيوطي قبل، وهي قراءة لابن مسعود وأبيّ بن كعب الصحابيين،
وليست شاذة عند السيوطي، لأنه يرى أن الشاذة هي التي لم يصح إسنادها. الإتقان ١٦٨:١. واليتامى: جمع يتيم. وهو من فقدَ قبل البلوغ أباه. والمساكين:
جمع مسكين. وهو الفقير والمحتاج. والناس: البشر. والحسن: الطيب فيه الخير والبركة. و((في قراءة)) يريد ((حُسْنًا)). وأقيموا الصلاة أي: أدّوا الفريضة
المكتوبة بأركانها وشروطها وآدابها. والزكاة: ما فرض على الأموال لتطهيرها وتطهير أصحابها. وآتوها أي: أعطوها مستحقيها. وبه أي: بالميثاق المذكور.
والمعرض: المنصرف إهمالاً واستخفافًا .

الجزء الأول
١٣
٢ - سورة البقرة
١ - ﴿وإذا أخَذْنا مِيثاقَكُم﴾، وقلنا: ﴿لا تَسِفِكُونَ دِماءَكُم﴾: تُريقونها بقتل بعضكم
بعضًا، ﴿ولا تُخرِجُونَ أنفُسَكُم مِن دِيارِكُم﴾: لا يُخرِجُ بعضكم بعضًا من داره. ﴿ثُمَّ
أقْرَرتُم﴾: قبلتم ذلك الميثاق، ﴿وأنتُم تَشْهَدُونَ﴾ ٨٤ على أنفسكم.
٢ - ﴿ِثُمَّ أنْتُم﴾ يا ﴿هؤلاءِ تَقْتُلُونَ أنفُسَكُم﴾ بقتل بعضكم بعضًا، ﴿وتُخرِجُونَ فَرِيقًا
مِنكُم مِن دِيارِهِم، تَظَاهَرُونَ﴾ - فيه إدغام التاء في الأصل في الظاء. وفي قراءة
بالتخفيف على حذفها - تتعاونون ﴿علَيهِم بِالإِثم﴾: بالمعصية ﴿والعُدوانِ﴾: الظلم -
﴿وإن يأتُوكُم أُسارَى﴾ وفي قراءة ((أَسرَى)) (تَفْدُوهُم﴾ وفي قراءة ((تُفادُوهُم)): تنقذوهم
من الأسر بالمال أو غيره، وهو ممّا ◌ُهد إليهم - ﴿وهْوَ﴾ أي: الشأن ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُم
إخراجُهُم﴾ متصل بقوله ((وتخرجون)) والجملة بينهما اعتراض، أي: كما حُرّمَ تركُ
الفِداء. وكانت قُريظةُ حالفوا الأوسَ، والنضيرُ الخزرجَ، وكان كلّ فريق يقاتل مع
حُلفائه ويُخرّب ديارهم ويُخرجهم، فإذا أُسروا فدَوهم. وكانوا إذا سُئلوا: لمَ تُقاتلونهم
وتَفدونهم؟ قالوا: أُمرنا بالفِداء. فيقال: فلمَ تُقاتلونهم؟ فيقولون: حياءَ أن يُستَذلّ
حلفائنا .
سُورَة التَّقَّة
الحرة الأوان
وَإِذْ أَ خَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ
أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا
مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَكَرَىْ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَّمٌ عَلَيْكُمْ
إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضَِّ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّخِىٌ
فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَّدُونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابِ
وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ
﴿ وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ
أَيُصَرُونَ.
بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ
بُرُوجِ الْقُدُسِنُ أَفَكُلَّمَا جَآءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ
أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْئُونَ (®] وَقَالُواْ
وقُلُوبُنَا غُلِّفُتَ بَل لَّعَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّايُؤْمِنُونَ (بَ
٣- قال تعالى: ﴿أَفْتُؤْمِنُونَ بِبَعضِ الكِتابِ﴾ - وهو الفِداء - ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعضٍ﴾؟ وهو
تركُ القتلِ والإِخراجِ والمظاهرةِ. ﴿فما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذُلِكَ مِنكُم إلّا خِزْيٌ﴾: هَوان
وذلٌّ ﴿فِي الحَياةِ الَدُّنيا﴾ - وقد خَزُوا بقتل قُريظةَ ونفي النَّضير إلى الشام وضربٍ
الجزية - ﴿وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أشَدِّ العَذابِ. وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعمَلُونَ﴾ ٨٥، بالياء والتاء. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشتَرَوُا الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرةِ﴾،
بأن آثروها عليها، ﴿فلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ، ولا هُم يُنصَرُونَ﴾ ٨٦: يمنعون منه.
٤ - ﴿وَلَقَد آتينا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراةَ، ﴿وَقَفَّينا مِن بَعدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: أتبعناهم رسولًا في أثر رسول، ﴿وَآتَيْنا عِيسَى بنَ مَريَمَ البَيِّناتِ﴾:
المُعجزاتِ، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ﴿وأيَّدْناهُ﴾: قَوَّيناه ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ - من إضافة الموصوف إلى الصفة - أي: الروحِ
المقدَّسةِ جبريلَ لطهارته، يسير معه حيثُ سار، فلم تستقيموا. ﴿أفكُلَّما جاءَكُم رَسُولٌ بِما لا تَهوَى﴾: تُحبُّ ﴿أَنفُسُكُمُ﴾ من الحقّ،َ
﴿استكبَرتُم﴾: تكبّرتم عن اتّباعه، جوابُ ((كلّما)) وهو محلّ الاستفهام، والمراد به التوبيخ، ﴿ففَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبتُم﴾ كعيسى، ﴿وَفَرِيقًا
تَقْتُلُونَ﴾؟ ٨٧ المضارع لحكاية الحال الماضية، أي: قتلتُم، كزكريّاء ويحيى. ﴿وقالُوا﴾ للنبيّ استهزاءً: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جمعُ أغلَفَ، أي:
مُغشّاةٌ بأغطية فلا تعي ما تقول. قال تعالى: ﴿بَل﴾ للإضراب ﴿لَعَنَّهُمُ اللهُ﴾: أبعدهم عن رحمته، وخذلهم عن القَبول ﴿بِكُفرِهِم﴾، وليس عدم
قَبولهم لخلل في قلوبهم، ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤمِنُونَ﴾ ٨٨ ما: زائدة لتأكيد القلّة، أي: إيمانهم قليل جدًّا.
(١) أخذنا ميثاقكم: انظر الآية ٦٣. والدماء: جمع دم. وتخرجه: تطرده. والأنفس: جمع نفس. والديار: جمع دار. وتشهد: تعترف بما كان من الميثاق
والاقرار.
(٢) وصف اليهود هنا يعني أنهم يفعلون ما فيه تناقض. فالقتل والإخراج والتعاون بالإثم أعمال يفعلونها، وإن انتقض الميثاق، وأما الفداء فهم يفعلونه عملًا
بالميثاق. وبنو قريظة وبنو النضير جماعتان من اليهود قرب المدينة. وتقتله: تكون سببًا لموته. والفريق: الجماعة. وبحذفها يريد القراءة («تَظاهَرُونَ)). ويأتوكم
أي: يصلوا إليكم بعد أن يقعوا في أيدي حلفائكم. وأسارى: جمع أسير. والشأن: الموضوع والأمر. والمحرم: الممنوع.
(٣) تؤمن به: تصدّقه وتعمل به. وتكفر به: تنكره وتخالفه. والكتاب: التوراة. والجزاء: العقوبة. وذلك أي: الإيمان ببعض والكفر ببعض. وقتل بني قريظة
كان في السنة الخامسة من الهجرة، بعد خيانتهم للعهد وتأليب المشركين في غزوة الخندق. ونفي بني النضير كان إلى خيبر، وبعضهم رحل إلى الشام، في
السنة الرابعة. انظر ((المفصل)). ثم ضربت الجزية عليهم وعلى من بقي منهم، وكان جلاؤهم في خلافة الفاروق. واليوم: الزمن. والقيامة: قيام الناس من
قبورهم. ويردون: يدفعون. والأشد: الأقسى. والغافل: الساهي. ويعمل: يكتسب ويتحمل من نية أو قول أو فعل. وبالتاء يريد القراءة ((تَعمَلُونَ)). ويخفف:
يقلّل. والعذاب: التعذيب في الدنيا والآخرة.
(٤) آتينا: أعطينا. وقفينا بهم أي: جعلناهم متتابعين. والرسل: جمع رسول. وهو من يكلف بالتبليغ والعمل. وفي أثره أي: تبعه دون تأخر في العمل.
وعيسى: معناه السيد المبارك. ومريم: بنت عمران من ذرية داود، واسمها معناه خادمة الله. والأكمه: الذي عماه خِلقة أو طارئ. والأبرص: المصاب
بالبرص. وهو بقعُ بياض تظهر في الجلد، أو منه الجذام. والقدس: التقديس. وجاءكم: أحضر لكم. والفريق: الطائفة. وكذبه: نسبه إلى الكذب.
والإضراب أي: إنكار ما زعموه من تغلف قلوبهم. فهي مخلوقة على الفطرة لتقبل كل خير، وهم يزعمون غير ذلك كذبًا. والكفر: التكذيب والستر للحق.

٢ - سورة البقرة
١٤
الجزء الأول
سُورَة الْبَقَرَّة
وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ
مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم
مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ ﴾
◌ِتْسَمَا اشْتَرَوْأْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنَزَلَ
اللَّهُ بَغْيَا أَن يُغَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِّ
فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيرٌ
ج وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَاِمِنُواْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ
أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَ هُوَهُوَالْحَقُّ مُصَدِّقًا
لِمَا مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُتُم
مُؤْمِنِينَ ﴾﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُم ◌ُوسَى بِالْبَيْنَتِ
ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْطُورَ خُذُواْ
مَآءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ
بِثْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ=َ إِيمَئُكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ()
١- ﴿وَلَمّا جاءَهُم كِتابٌ مِن عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُم﴾ من التوراة - وهو القرآن -
﴿وكانُوا مِن قَبلُ﴾: قبلِ مجيئه ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يستنصرون ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
يقولون: اللّهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث آخرَ الزمان، ﴿فَلَمّا جاءهُم ما عَرَفُوا﴾
من الحقّ - وهو بِعثة النبيّ - ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدًا وخوفًا على الرياسة. وجوابُ ((لمّا)»
الأولى دلّ عليه جوابُ الثانية. ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكافِرِينَ ٨٩. بِئْسَ ما اشتَرَوا﴾: باعُوا
﴿بِهِ أَنفُسَهُم﴾ أي: حظّها من الثواب، وما: نكرة بمعنى ((شيئًا)) تمييز لفاعل ((بئس))،
والمخصوص بالذمّ ﴿أن يَكفُرُوا﴾ أي: كفرُهم ﴿بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ من القرآن، ﴿بَغْيًا﴾:
مفعول له لـ ((يكفروا)) أي: حَسدًا على ﴿أن يُنزِلَ اللهُ﴾، بالتخفيف والتشديد، ﴿مِن
فَضْلِهِ﴾: الوحيَ ﴿عَلَى مَن يَشاءُ﴾ للرسالة ﴿مِن عِبادِهِ! فباؤُوا﴾: رجَعوا
﴿بِغَضَبٍ﴾ من الله بكفرهم بما أنزل - والتنكيرُ للتعظيم - ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾
استحقّوه من قبلُ، بتضييع التوراة والكفر بعيسى، ﴿ولِلكافِرِينَ عَذابٌ
الخِزْ
مُهِينٌ﴾ ٩٠: ذو إهانة.
٢ - ﴿وإذا قِيلَ لَهُم: آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾: القرآنِ وغيرِه. ﴿قَالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنزِلَ
عَلَينا﴾ أي: التوراةِ. قال تعالى: ﴿ويَكْفُرُونَ﴾ - الواو للحال - ﴿بِمَا وَراءَهُ﴾: سِواه
أو بعدَه من القرآن، ﴿وَهْوَ الحَقُّ﴾: حال، ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال ثابتة مؤكّدة، ﴿لِما
مَعَهُم. قُلْ﴾ لهم ﴿: فِلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم ﴿أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبَلُ، إِن كُنتُم
مُؤمِنِينَ﴾ ٩١ بالتوراة، وقد نُهيتم فيها عن قتلهم؟ والخطاب للموجودين في زمن نبيّنا
بما فعلَ آباؤهم لرضاهم به. ﴿وَلَقَد جاءَكُم مُوسَى بِالبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات، كالعصا واليد وفلق البحر، ﴿ثُمَّ اتَّخَذتُمُ العِجلَ﴾ إلّهَا ﴿مِن بَعدِهِ﴾
أي: بعدِ ذَهابِه إلى الميقات، ﴿وأنْتُم ظالِمُونَ﴾ ٩٢ باتّخاذه.
٣- ﴿وإذ أخَذْنا مِيثاقَكُم﴾ على العمل بما في التوراة، ﴿و﴾ قد ﴿رَفَعْنا فَوقَكُمُ الطُّورَ﴾: الجبلَ حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم، وقلنا :
﴿خُذُوا ما آتَيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ﴾ بجِدّ واجتهاد، ﴿واسمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماعَ قَبول. ﴿قالُوا: سَمِعْنا﴾ قولَك ﴿وعَصَينا﴾ أمركَ. ﴿وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِم
العِجلَ﴾ أي: خالط حبُّه قلوبَهم كما يُخالط الشرابُ، ﴿بِكُفرِهِم. قُلْ﴾ لهم: ﴿بِئْسَ ما﴾: شيئًا ﴿يأمُرُكُم بِهِ إيمانُكُم﴾ بالتوراة عبادةُ العِجل، ﴿إِنَ
كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ٩٣ بها كما زعمتم! المَعنَى: لستم بمؤمنين، لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل. والمراد آباؤهم، أي: فكذلك أنتم لستم بمؤمنين
بالتوراة وقد كذَّبتم محمّدًا، والإيمانُ بها لا يأمر بتكذيبه.
(١) كان اليهود في الجاهلية إذا لقوا المشركين في قتال يقولون: ((اللهم إنا نسألك، بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلّا نصرتنا
عليهم)). فلما ذكّرهم بذلك بعض الأنصار قال سلام بن مِشكَم: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. الدر المنثور ٨٨:١ والمستدرك ٢٦٣:٢.
وجاءهم أي: وصل إليهم وبُلُّغوا به. والكتاب: القرآن الكريم. ومن عنده أي: بأمره ووحيه. والمصدق: الموافق المحقق ما كان في التوراة قبل تحريفها .
وكفر: كذّب الله ورسوله، وأنكر الرسالة والتوحيد والبعث. وعرف: علم وأدرك يقينًا. وكفر به أي: جحده وأنكر أنه حق مع علمه بصدقه. واللعنة: العذاب
والطرد من الرحمة. وبئس أي: تجاوز الحد في الشر والبؤس والفساد. والأنفس: جمع نفس. ونفس الإنسان: حقيقته وشخصه. وتمييز أي: في محل
نصب. وفاعل (بئس)): مقدر أي: الشيء شيئًا اشتروا به أنفسهم. والمخصوص بالذم أي: المبتدأ الذي خبره الجملة قبله في محل رفع. وهو مذموم مرتين :
الأولى في جنسه ((الشيء)) المقدر، والثانية في اختصاصه هنا. وأنزل أي: أوحاه على لسان جبريل. ومفعول له أي: مفعول لأجله. وبالتشديد يريد القراءة
(يُنَزِّلَ)). والفضل: الإنعام بالخير. ويشاء أي: يريد أن يكلفه بالدعوة والهداية. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. والغضب: السخط على
عُصاة الكفار مع إرادة الانتقام. وقبل أي: قبل البعثة المحمدية. والكافر: من يكذّب الله ورسوله وينكر شيئًا من الوحي.
(٢) قيل لهم أي: أمروا. وآمنوا به أي: صدّقوه واتبعوا مافيه. وأنزل: أوحى. ويكفرون به: يجحدونه ويكذبونه. وللحال: يعني أن جملة ((يكفرون)) في محل
رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم يكفرون. والتقييد بالحال بيان لشناعة تناقضهم، إذ الكفر بما يصدّق التوراة يقتضي الكفر بالتوراة أيضًا. وهو أي:
القرآن الكريم. والحق: الصدق الثابت لا يسوغ إنكاره. وثابتة أي: حال لازمة لصاحبها أبدًا. وهي مؤكدة لصاحبها ((الحق)). وفي الأصل والنسخ
والمطبوعات: ((ثانية)). والأنبياء: جمع نبي. وهو من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. وقبل أي: قبل البعثة المحمدية. وجاءكم أي: أتاكم
وأحضر لكم. واتخذتم أي: جعلتم وصيّرتم. والعجل: ولد البقر. والميقات: موعد لقاء الله - سبحانه - ليُنزل عليه التوراة. وظالمون أي: كافرون.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والكفر أفظعه.
(٣) أخذنا: انتزعنا. والميثاق: العهد المؤكد بيمين. ورفعناه: جعلناه مطلًا عليكم. وخذوه أي: تقبلوه واعملوا به. والقبول: الرضا والاتباع. وسمعناه أي:
بلغ مسامعنا وأدركناه. وعصى: خالف وعاند. والقلوب: جمع قلب. وبئس: انظر الآية ٩٠. ويأمر: يوجب. والإيمان: الاعتقاد والتصديق.

الجزء الأول
١٥
٢ - سورة البقرة
١- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِن كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أي: الجَنّةُ ﴿عِندَ اللهِ خالِصةٌ﴾: خاصّةً
﴿مِنَ دُونِ النّاسِ﴾، كما زعمتم، ﴿فَتَمَنَّوًا المَوتَ، إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٩٤، تعلق بتمنّه
الشرطان، على أن الأوّل قيد في الثاني، أي: إن صدقتم في زعمكم أنها لكم، ومن
كانت له يؤثرها والمُوصّلُ إليها الموتُ، فَتَمَّوه. ﴿وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا، بِما قَدَّمَتْ
أيدِيهِم﴾، من كفرِهم بالنبيّ المستلزم لكذبهم - ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٩٥:
الكافرين، فيُجازيهم - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم﴾ - لامُ قسم - ﴿أحرَصَ النّاسِ عَلَى حَياةٍ، و﴾
أحرَصَ ﴿مِنَ الَّذِينَ أشرَكُوا﴾ المنكرين للبعث عليها، لعِلمهم بأنّ مصيرهم النارُ دُونَ
المشركين، لإنكارهم له. ﴿يَوَدُّ﴾: يتمنّى ﴿أَحَدُهُم لَو يُعَمَّرُ ألفَ سَنةٍ﴾ - لو: مصدرية
بمعنى: أن. وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول (يودّ)» - ﴿وما هُوَ﴾ أي: أحدُهم
﴿بِمُزَحِزِحِهِ﴾: مُبعِدِهِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾: النارِ ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾: فاعلُ ((مزحزحه)) أي:
تعميرُه. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعمَلُونَ﴾ ٩٦ - بالياء والتاء - فيُجازيهم.
سُوَةِ البُقَدَّة
الجَةُ الْأَوْلى
قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّنْ
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّواْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ ﴾
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًابِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّلِينَ
﴿ وَلَنَجِدَ تَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ يَوَدُ أَ حَدُهُمْ لَوْيُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَاهُوَبِمُزَحْرِحِهِ،
مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرُّ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (قُلْ
مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
﴿ مَن كَانَ عَدُقًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ
وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ
( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآَ
إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُبِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
أَوَكُلَّمَا عَهَدُ واْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ
كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (
٢- وسأل ابن صُورِيا النبيَّ أو عُمرَ عمّن يأتي بالوحي من الملائكة، فقال: جِبريلُ.
فقال: هو عدوّنا يأتي بالعذاب. ولو كان ميكائيلَ لآمنًا، لأنّه يأتي بالخِصب والسلم.
فنزل: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبرِيلَ﴾ فَلْيَمُت غيظًا، ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآنَ
﴿عَلَى قَلِكَ، بِإذنٍ﴾: بأمرِ ﴿اللهِ، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: قبلَه من الكتب، ﴿وَهُدَى﴾
من الضلالة، ﴿وبُشرَى﴾ بالجنّة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ ٩٧. مَن كانَ عَدُوًّا لِلِهِ وَمَلائكَتِهِ ورُسُلِهِ
وجِبرِيلَ﴾ - بكسر الجيم وفتحها بلا همز، وبه بياء ودونِها - ﴿ومِيكالَ﴾: عطفٌ على
الملائكة، من عطف الخاصّ على العامّ - وفي قراءة ((مِیکائِيلَ)) بهمزة وياء، وفي أُخرى بلا ياء - ﴿فإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلكافِرِينَ﴾ ٩٨. أوقعه موقع
«لھم» بيانًا لحالهم.
٣- ﴿وَلَقَد أَنزَلْنا إلَيكَ﴾ - يا محمّد - ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: واضحات. ردِّ لقول ابن صُورِيا للنبيّ: ما جئتَنا بشيء. ﴿وما يَكفُرُ بِها إلّ الفاسِقُونَ
٩٩، أ﴾ كفروا بها، ﴿وَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ اللهَ ﴿عَهدًا﴾ على الإيمان بالنبيّ إن خرج، أو النبيَّ ألّا يُعاونوا عليه المشركينَ، ﴿نَبَذَهُ﴾: طرحه ﴿فَرِيقٌ
مِنْهُم﴾ بنقضه؟ جوابُ ((كلّما)) وهو محلّ الاستفهام الإنكاريّ، ﴿بَل﴾ - للانتقال - ﴿أكثَرُهُم لا يُؤمِنُونَ ١٠٠، ولَمّا جاءَهُم رَسُولٌ مِن عِندِ اللهِ﴾،
محمّدٌ وََّ، ﴿مُصدِّقٌ لِمَا مَعَهُم نَبَذَ فَرِيقٌ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كِتابَ اللهِ﴾ أي: التوراةَ ﴿وَراءَ ظُهُورِهِم﴾ أي: لم يعملوا بما فيها من الإيمان
بالرسول وغيره، ﴿كأنَّهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ١٠١ ما فيها من أنه نبيّ حقّ، أو أنها كتاب الله.
(١) روي أن اليهود قالوا: ((لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، ونحن أبناء الله وأحباؤه))، فنزلت الآيات ٩٤-٩٦ تعجيزًا لهم. الدر المنثور ٨٩:١. وخاصة
أي: مخصوصة بكم. وعند الله أي: في حكمه. ومن دونهم أي: ما عداهم. وتمنوه: أحِبُّوه واطلبوا حصوله. والأبد: مدة حياتهم. وقدمت أي: ما قدموا
هم من نية وقول وعمل. والعليم: المحيط بالغَ الإحاطة. وتجد: ترى وتعلم. والأحرص: الأكثر جشعًا. وأشرك: عبد مع الله شيئًا آخر. وعليها أي: على
الحياة. وأحدهم أي: الواحد من اليهود. ويعمر: يُطال عمره. والبصير: المدرك للأحداث حال وجودها. وبالتاء يريد القراءة «تَعمَلُونَ)).
(٢) ابن صوريا: أحد أحبار اليهود. وعندما ذكر قوله هذا، قال عمر: ((أشهد أن من كان عدوًا لجبريل فإنه عدو لميكائيل، ومن كان عدوًا لهما فإنه عدو الله)).
وقد نزلت الآيتان بموافقة ما قاله. انظر ((المفصل)). والخصب: كثرة الخير. والسلم: الأمن. والعدو: المعادي. وجبريل: رئيس الملائكة. ومعنى اسمه: عبد
الله. وإنه أي: جبريل. ونزله أي: نزل به مرة بعد مرة. والقلب: موطن الفهم والحفظ والاعتقاد والتدبر والانفعال. والمصدق: الموافق المحقّق. والهدى:
الهادي يرشد إلى الحق. والبشرى: المبشر بما هو خير. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد وما يلزم. وذكر السيوطي هنا أربع قراءات: التي أثبتنا، وبفتحها
يريد (جَبرِيلَ)). وبه بياء أي: ((جَبَرَئِيلَ))، وبدونها أي: ((جَبرَئِلَ)). وميكال: من أفضل الملائكة، ومعناه: عُبيد الله. وفي أُخرى يريد القراءة ((مِيكائِلَ)). والكافر:
من ينكر شيئًا مما أنزله الله.
(٣) أنزل: أوحى على لسان جبريل. والآيات: النصوص القرآنية. وقول ابن صوريا: انظر سبب النزول في المفصل. ويكفر بها: ينكرها ويكذب أنها من
عند الله. والفاسق: المتمرد يخرج على الدين. وكلما عاهدوا أي: كل وقت عهد لهم. وعاهد: أعطى عهدًا موثقًا باليمين. والفريق: الجماعة. و((جواب
كلما)) توجيه إعرابي مرجوح. انظر ((المفصل)) أيضًا. ومحل الاستفهام يعني أن الإنكار مراد به هنا هو ما كان من نقض العهود. وللانتقال أي: عاطفة
للإضراب لا تتعرض لما قبلها بشيء. والأكثر: الغالبية العظمى. يعني أن القليل جدًا منهم قد يؤمن، كعبد الله بن سلام وأصحابه. ولا يؤمن: يجحد الحق.
وجاءهم: أتاهم وبلّغهم الرسالة. ومن عنده أي: مرسل مكلف بالتبليغ. والمصدق: المحقق المثبت. وأوتوا: أعطوا. والظهور: جمع ظهر. ويعلم: يدرك
ويعي .

٢ - سورة البقرة
١٦
الجزء الأول
◌ُيِّوْرَةِ البُقَدَّة
الجزء الأول
وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّالشَّيَطِينَ كَفَرُ واْيُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرّ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَايُفَرِّقُونَ بِهِ،بَيْنَ الْمَرْءِوَزَوْجِهِ؟
وَمَاهُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ
مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَنُهُ
مَالَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِنْسَ مَاشَرَ وْاْبِهِ:
أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْكَانُوا يَعْلَمُونَ
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ
أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
مَايَوَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرِ مِن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْنَصُّ
بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
١ - ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ - عطفٌ على (نَبَذَ)) - ﴿مَا تَتَلُو﴾ أي: تَلَتِ ﴿الشَّيَاطِينُ، عَلَى﴾ عهدِ ﴿مُلكِ
سُلَيمانَ﴾ من السحر. وكانت دفنتْه تحت كرسيّه لمّا نُزِعَ مُلكه، أو كانت تسترق السمع
وتضمّ إليه أكاذيب - وتُلقيه إلى الكهنة فيدوّنونه. وفشا ذلك وشاع أن الجنّ تَعلم الغيبَ،
فجمع سليمان الكُتب ودفنها. فلمّا مات دلّت الشياطينُ عليها الناسَ فاستخرجوها،
فوجدوا فيها السحر، فقالوا: إنّما مَلَككم بهذا. فتعلّموه ورفضوا كتب أنبيائهم.
٢- قال - تعالى - تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود في قولهم: ((انظروا إلى محمّد، يذكر
سليمان في الأنبياء، وما كان إلّا ساحرًا)): ﴿وما كَفَرَ سُلَيمانٌ﴾ أي: لم يعمل السحرَ لأنه
كُفرٌ، ﴿ولكِنَّ﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحرَ﴾ -
الجملة حال من ضمير ((كفروا)» - ﴿و﴾ يُعلّمونهم ﴿ما أُنزِلَ علَى المَلَكَينِ﴾ أي: أُلِهِماه
من السحر - وقرئ بكسر اللام - الكائنينِ ﴿بِبابِلَ﴾: بلدٍ في سواد العراق، ﴿هَارُوتَ
ومارُوتَ﴾: بدلٌ أو عطف بيان للملكين. قال ابن عبّاس: هما ساحرانِ كانا يُعلّمان
السحرَ. وقيل: مَلَكانٍ أُنزلا لتعليمه، ابتلاءً من الله للناس.
٣- ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿أحَدٍ حَتَّى يَقُولا﴾ له نُصحًا: ﴿إِنَّما نَحنُ فِتْنَةٌ﴾: بليّة من
الله للناس، ليمتحنهم بتعليمه. فمن تعلّمه كفر، ومن تركه فهو مؤمن، ﴿فلا تكفُرْ﴾ بتعلّمه.
فإن أبى إلّا التعليم علّماه. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوجِهِ﴾، بأن يُبغَّض
كلٌّ إلى الآخر، ﴿وما هُم﴾ أي: السحرةُ ﴿بِضارِّينَ بِهِ﴾: بالسحر ﴿مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿أُحَدٍ
إلّا بإذنِ اللهِ﴾: بإرادته، ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُم﴾ في الآخرة، ﴿ولا يَنفَعُهُم﴾. وهو
السحر. ﴿وَلَقَدَ﴾ - لامُ قسم - ﴿عَلِمُوا﴾ أي اليهودُ: ﴿لَمَنِ﴾ - لامُ ابتداء مُعلِّقة لما
قبلها، ومَن: موصولة - ﴿اشتَراهُ﴾: اختاره أو استبدله بكتاب الله ﴿مالَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾: نصيب في الجنّة، ﴿وَلَبِئْسَ ما﴾: شيئًا ﴿شَرَوا﴾: باعوا
﴿بِهِ أنفُسَهُمَ﴾ أي الشارين، أي: حظّها من الآخرة أن تعلّموه، حيث أوجب لهم النار! ﴿لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ ١٠٢ حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما
تعلَّموه. ﴿وَلَو أَنَّهُم﴾ أي: اليهودَ ﴿آمَنُوا﴾ بالنبيّ والقرآن، ﴿وَاتَّقَوا﴾ عقابَ الله بترك معاصيه كالسحر، وجوابُ ((لو)) محذوف أي: لأُثيبوا، دلّ عليه
﴿لَمَثُوبٌ﴾: ثواب - وهو مبتدأ واللام فيه للقسم - ﴿مِن عِندِ اللهِ خَيرٌ﴾، خبره، مما شرَوا به أنفُسهم. ﴿لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ ١٠٣ أنه خير لما آثروه عليه.
٤ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَقُولُوا﴾ للنبيّ: ﴿راعِنا﴾. أمرٌ من المُراعاة، وكانوا يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سبّ من الرُّعونة. فسُرُّوا بذلك
وخاطبوا بها النبيّ، فنُهي المؤمنون عنها. ﴿وَقُولُوا﴾ بدلَها: ﴿انظُرْنا﴾ أي: انظرْ إلينا. ﴿واسمَعُوا﴾ ما تُؤمرون به سماعَ قَبول. ﴿وَلِلكافِرِينَ عَذابٌ
ألِيمٌ﴾ ١٠٤: مؤلمٌ هو النار. ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهلِ الكِتابِ، ولا المُشرِكِينَ﴾ من العرب - عطف على أهل الكتاب ومِن: للبيان - ﴿أن يُنْزَلَ
عَلَيْكُم مِن﴾، زائدةٌ، ﴿خَيرٍ﴾: وحي ﴿مِن رَبُّكُمْ﴾ حَسدًا لكم. ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: بِنُبّته ﴿مَن يَشاءُ، واللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ﴾ ١٠٥.
(١) نزعُ ملك سليمان خرافة وضعها الإسرائيليون والزنادقة. انظر تعليقنا على الآية ٣٤ من سورة ص. واتبعه: وافقه وعمل به. وتتلو أي: تفتري وتكذب.
والشياطين: جمع شيطان. وهو من يوسوس بالشر من الإنس أو الجن. وسليمان: ابن داود من أشهر أنبياء بني إسرائيل، واسمه معناه: رجل السلام. (٢) كفر:
جحد التوحيد وما يلزمه. وبالتخفيف يريد القراءة ((ولكِنِ الشَّياطِينُ)). ويعلمه: يعرّفه إياه ويجعله واضحًا. والسحر: ما يخدع العقل والحواس، بما هو تخييل
وإيهام. انظر البحر ٣٢٨:١. وعُبِّرَ عن الساحرين بالملَكين لما هما عليه من الصلاح حينذاك. ولجعلهما من الملائكة حقيقةً قصصٌ مختلفة من الإسرائيليات.
ونحن نؤمن بما ورد في القرآن والسُّنّة لا بالقصص المصنوعة. انظر ((المفصل)). وبكسر اللام يريد «المَلِكَينِ)). وبابل: بلد بين الحِلّة والكوفة. وسواد العراق:
مناطق الريف فيه. وهاروت وماروت: اسمان أعجميان. والابتلاء: الامتحان ليظهر الصالح من المفسد. (٣) التعليم ههنا تعليم تحذيرٍ وتحريم للعمل، إذ
المراد تبيين السحر ليُعرف به ما أشاعه الشياطين ، فيتيسر تجنبه. والفتنة: البلاء للامتحان، كي يتميز المصلح من المفسد. قال البيضاوي: ((ما يعلمان أحدًا حتى
ينصحاه، ويقولا له: إنما نحن ابتلاء من الله. فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثَبَتَ على الإيمان. فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به)).
ويفرّق: يقطع الألفة والمحبة، بالكيد والخداع والإيهام. والمرء: الرجل. والزوج: الزوجة. والضار: المسبب للشر. وينفع: يجلب الخير ويمنع الشر. وعلم:
أدرك يقينًا. ومعلقة له يعني: تعلقه عن العمل الظاهر، دون العمل في المحل. والآخرة: الحياة بعد الموت. وآمنوا به: صدقوه واتبعوه. واتقاه: تجنبه وحفظ
نفسه منه. ومن عنده أي: من تكرُّمه. وخير: عميمة النفع. (٤) راعِنا، أي: اشملنا بعطفك. واستعملها اليهود خطابًا للهزء والإيذاء، فنزلت الآية تقطع ألسنة
اليهود. وتقول: تخاطب بالقول. والرعونة: قلة العقل. وسُرُّوا أي: سعد اليهود. والكافرون: من يكذبون الله ورسوله. وهم هنا اليهود وأمثالهم. وكان بعض
الصحابة يدعون حلفاءهم من اليهود إلى الإسلام، فيجيبونهم: ((هذا الذي تدعوننا إليه ليس بخير مما نحن فيه. ولوددنا لو كان خيرًا)). فأنزل الله الآية ١٠٥ تكذيبًا
لهم. انظر ((المفصل)). ويود: يتمنى. والكتاب: التوراة والإنجيل. والمشرك: من يعبد مع الله بعض المخلوقات. وللبيان أي: لتبيين ما في الاسم الموصول من
عموم. وينزل: يوحى. والخير: ما فيه نفع الدنيا والآخرة. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. ومن ربكم أي: من عنده وبفضله. ويختص:
يختار ويفضل. والرحمة: العطف بالتفضل والإحسان. ويشاء: يريد أن يرحمه. وذو الفضل أي: صاحب التفضل يتفرد به دون غيره. والعظيم: ما ليس له مثيل.

الجزء الأول
١٧
٢ - سورة البقرة
١- ولمّا طَعنَ الكُفّار في النَّسخ، وقالوا: ((إنّ محمّدًا يأمر أصحابه اليوم بأمر،
خِزْبْ
وينهى عنه غدًا)) أنزلَ الله: ﴿ما﴾: شرطية ﴿نَنسَخْ مِن آيةٍ﴾ أي: نُزِلْ حُكمَها،
إمّا مع لفظها أوْ لا - وفي قراءة بضمّ النون من: أَنسَخَ، أي نأمرْك أو جبريلَ
بنسخها - ﴿أو نَنْسَأُها﴾: نُؤخّرْها فلا نُزِلْ حُكمَها ونرفعُ تلاوتها، أو نُؤخّرْها في اللوح
المحفوظ - وفي قراءة بلا همز من النسيان، أي: نُنسِكَها، أي: نَمحُها من قلبك -
وجواب الشرط ﴿نأتِ بِخَيرٍ مِنها﴾: أنفعَ للعباد في السهولة أو كثرة الأجر، ﴿أو
مِثلِها﴾ في التكليف والثواب. ﴿أَلَم تَعلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ١٠٦، ومنه
النسخ والتبديل؟ والاستفهام للتقرير. ﴿أَلَم تَعلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ﴾،
يفعل فيهما ما يشاء، ﴿وما لَكُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿وَلِيٍّ﴾
يحفظكم، ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ ١٠٧ يمنع عذابه عنكم، إن أتاكم؟
٢- ونزل لمّا سأله أهل مكّة أن يوسّعها، ويجعل الصفا ذهبًا: ﴿أم﴾: بل أ﴿تُرِيدُونَ أن
تَسألُوا رَسُولَكُم كَما سُئلَ مُوسَى﴾ أي: سأله قومه ﴿مِن قَبلُ﴾، من قولهم: «أرِنا اللهَ
جَهْرةً))، وغيرَ ذلك؟ ﴿ومَن يَتَبدَّلِ الكُفرَ بِالإِيمانِ﴾ أي: يأخذْه بدله، بترك النظر في
الآيات البيّنات واقتراح غيرها، ﴿فَقَد ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ١٠٨ : أخطأ الطريق الحقّ.
والسواءُ في الأصل: الوَسَطُ.
٣- ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِن أهلِ الكِتابِ لَو﴾: مصدرية ﴿يَرُدُونَكُم مِن بَعدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا،
حَسَدًا﴾: مفعول له، كائنًا ﴿مِن عِندِ أنفُسِهِم﴾ أي: حملتْهم عليه أنفسهم الخبيثة، ﴿مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ في التوراة ﴿الحَقُّ﴾، في شأن النبيّ
وَ﴾ ﴿ فاعفُوا﴾ عنهم أي: اتركوهم، ﴿واصفَحُوا﴾: أعرضوا فلا تُجازوهم، ﴿حَتَّى يأْتِيَ اللهُ بِأمرِهِ﴾ فيهم من القتال - ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ ١٠٩- وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ. وما تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِن خَيرٍ﴾: طاعةٍ، كصِلة وصدقة، (تَجِدُوهُ﴾ أي: ثوابَه ﴿عِندَ اللهِ. إنَّ اللهَ بِما
تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١١٠، فيُجازیکم به.
٤- ﴿وقالُوا: لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾: جمع هائد، ﴿أو نَصارَى﴾. قال ذلك يهود المدينةِ ونصارى نجرانَ، لمّا تناظروا بين يدي
النبيّ ◌ََّ، أي: قال اليهود: لن يدخلها إلّا اليهودُ، وقال النصارى: لن يدخلها إلّ النصارى - ﴿تِلكَ﴾ القَولُ ﴿أمانِيُّهُم﴾: شهواتهم الباطلة -
﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿هاتُوا بُرهانَكُم﴾: حُجّتكم على ذلك، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ١١١ فيه. ﴿بَلَى﴾ يدخل الجنّةَ غيرهم، ﴿مَن أسلَمَ وَجهَهُ لِلهِ﴾ أي:
إنقاد لأمره - وخُصّ الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيرُه أولى - ﴿وَهْوَ مُحسِنٌ﴾: مُوحّد ﴿فَلَهُ أجرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابُ عمله الجنّةُ، ﴿ولا خَوفٌ
عَلَيهِم، ولا هُم يَحزَنُونَ﴾ ١١٢ في الآخِرة.
(١) طعنُ الكفار: اعتراضهم على تبديل الأحكام. ومع لفظها أي: نسخ الحكم واللفظ معًا. و((أو لا)) يعني: أو نسخ الحكم دون اللفظ. وبضم النون:
(تُنْسِخْ)). ولا نُزِلْ: لا ننسخْ. وفي الأصل وخ: ((فلا ننزل)). وفي المنحة وبعض المطبوعات: ((فلا نزيلُ)). ورفع التلاوة: نسخها. ونؤخرها أي: لا نطلعكم
عليها. وبلا همز: ((نُنْسِها)). و((ننسكها)) تفسير للقراءة قبل. ونأت أي: نُنزل إليكم. وخير: أكثر نفعًا. ومثلها: بقدرها. وتعلم: تدرك باليقين. والقدير:
المبالغ في القدرة. والمُلك: الحيازة والتصرف. والسماء: ما يحيط بالأرض. وزيادة ((مِن)) للتنصيص على عموم النفي. والولي: من يتولى أمور غيره.
والنصير: المعين لجلب الخير ودفع الشر.
(٢) الآية مدنية وسياقها يقتضي ذكر اليهود أيضًا. انظر ((المفصل)). وتريد: تقصد. ومن قبل أي: قبل زمنكم، وقولهم في الآية ١٥٣ من سورة النساء.
والكفر: الجحود للتوحيد. والإيمان: الاعتقاد اليقيني. والوسط: السويّ المعتدل.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. وود: تمنى. والأهل للشيء: أصحابه. والكتاب: التوراة والإنجيل. ومصدرية يعني: ودوا ردَّكم. ويَرد: يُصيِّر. وكفارًا،
أي: مرتدين. والحسد: تمني زوال النعمة عن الغير. ونفس الإنسان: ضميره. وتبينَ: ظهر. والحق: الصدق اليقيني. ولا تجازوهم أي: بخصومة أو قتال.
ويأتي به: يوحيه. والأمر: الفرض. وأقيموا الصلاة أي: استمروا على أدائها. وإيتاء الزكاة: أداء ما فرض على المال لتطهيره وتطهير صاحبه. وتُقدمُ: تَفعلُ
في الحياة الدنيا. وتجد: تصادف. وعند الله أي: في لقاء حسابه بالفضل. وتعملون أي: تكتسبونه. والبصير: المدرك للأحداث حال وقوعها.
(٤) الجنة: الحديقة العظيمة. والهائد: التائب من عبادة العجل. والنصارى: جمع نَصران. وهو الذي نصر المسيح. ونجران: في شمالي اليمن. والقولة: ما
يقال. والأمانيّ: جمع أَمنيّة. وهاتوا: أحضِروا. والصادق: من يقول الحق. وانقاد أي: دخل الإسلام بظاهره. وغيره أولى أي: أن سائر الإنسان أحق
بالانقياد. وموحد أي: معترف قلبه بالتوحيد. وعند ربه أي: في حسابه بفضله. والخوف: الفزع. ويحزن: يغتم لما مضى.
سُورَةِ الْبَقَدَّة
الحرة الأوان
﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنِهَا تَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُُّ (٢٦ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَلَهُ
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ
وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ لـ
كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَبِالْإِيمَنِ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ وَذَكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ
الْكِنَبِ لَوْيَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا
مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْحَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرٍ مَِّإِنَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
﴿ وَأَقِيمُوْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةً وَمَانُقَدِّمُو ◌ْلِأَنْفُسِكُمـ
مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
﴿﴿ وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَىّ
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَا تُوْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَلَهُ: أَخْرُهُ عِندَرَبِّهِ، وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (!

٢ - سورة البقرة
١٨
الجزء الأول
سُورَةِ الْبَّقَدَة
الحرةُ الأوان
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى
لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبِّ كَذَلِكَ قَالَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِلَ
فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (
اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِ خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ
لَهُمْ أَنْ يَدْ خُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ لَهُمْ فِ الذُّنْيَا خِزْىٌ
وَلَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١) وَلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ
فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ(١٥)
وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَّأْسُبْحَنَةٌ بَل لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
(١) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ
وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَلِنُونَ
وَإِذَا قَضَى أَمْرَّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ () وَقَالَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ لَوْ لَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآءَايَةٌ كَذَلِكَ
قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ
قَدْ بَيَّنَا الْأَيَتِ لِقَوْمِ يُوقِنُونَ (٨) إِنَّا أَرْسَلْنَكَ
بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًّاً وَلَا تُشْئَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ
١ - ﴿وقالَتِ الْيَهُودُ: لَيسَتِ النَّصارَى عَلَى شَيءٍ﴾ معتدٌ به. وكفَرتْ بعيسى، ﴿وقالَتِ
النَّصارَى: لَيسَتِ اليَهودُ عَلَى شَيءٍ﴾ معتدّ به. وكفَرتْ بموسى، ﴿وهُم﴾ أي:
الفريقانِ ﴿يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ المُنزلَ عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي
كتاب النصارى تصديق موسى. والجملة حال. ﴿كَذَلِكَ﴾: كما قال هؤلاء ﴿قَالَ
الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ أي: المشركون من العرب وغيرُهم ﴿مِثلَ قَولِهِم﴾: بيان لمعنى
(«ذلك)). أي: قالوا لكلّ ذي دِين: ليسوا على شيء. ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُم يَومَ القِيامةِ
فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١١٣ من أمر الدين، فيُدخِل المحقَّ الجنةَ والمُبطلَ النارَ.
٢- ﴿ومَن أظلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ ﴿مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أن يُذكَرَ فِيها اسمُهُ﴾
بالصلاة والتسبيح، ﴿وَسَعَى في خَرابِها﴾ بالهدم أو التعطيل؟ نزلتْ إخبارًا عن الروم
الذين خرّبوا بيت المقدس، أو في المشركين لمّا صدّوا النبيّ وََّ عامَ الحُديبية عن
البيت. ﴿أُوْلْئِكَ ما كانَ لَهُم أن يَدخُلُوها إلّا خائفِينَ﴾. خبرٌ بمعنى الأمر، أي:
أخيفوهم بالجهاد، فلا يدخلها أحد آمنًا، ﴿لَهُم في الدُّنيا خِزْيٌ﴾: هوانٌ بالقتل
والسبي والجزية، ﴿وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١١٤ هو النار.
٣- ونزل، لمّا طعن اليهود في نسخ القِبلة، أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر
حيثما توجّهتْ: ﴿ولِلهِ المَشْرِقُ والمَغرِبُ﴾ أي: الأرضُ كلّها لأنهما ناحيتاها .
﴿فَأينَما تُوَلُّوا﴾ وجوهكم في الصلاة بأمره ﴿فَثَمَّ﴾: هناكَ ﴿وَجهُ اللهِ﴾: قِبِلتُه التي
رضيها. ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾: يسع فضلُه كلّ شيء، ﴿عَلِيمٌ﴾ ١١٥ بتدبير خلقه.
﴿وقالُوا﴾ بواو ودونِها أي: اليهودُ والنصارَى، ومن زعم أنّ الملائكةَ بناتُ الله:
﴿اَتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. قال تعالى: ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له عنه! ﴿بَل لَهُ ما في السَّماواتِ والأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا - والمُلكيّة تُنافي الولادة.
وعُبّر بـ((ما)) تغليبًا لما لا يعقل - ﴿كُلِّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ١١٦ : مطيعون كلٌّ بما يُراد منه. وفيه تغليب العاقل. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرضِ﴾: مُوجِدُهما
لا على مثال سبق، ﴿وإذا قَضَى﴾: أراد ﴿أمرًا﴾ أي: إيجادَه ﴿فإنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ﴾ ١١٧ أي: فهو يكون. وفي قراءة بالنصبِ جوابًا للأمر.
٤- ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ أي: كُفّارُ مكّة للنبيّ: ﴿لَولا﴾ هلّا ﴿يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ أنك رسوله، ﴿أو تأتِينا آيةٌ﴾ ممّا اقترحناه على صدقك.
﴿كَذَلِكَ﴾: كما قال هؤلاء ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم﴾، مِن كُفّار الأُمم الماضية لأنبيائهم، ﴿مِثْلَ قَولِهِم﴾ من التعنّت وطلب الآيات، ﴿تَشَابَهَتْ
قَلُوبُهُم﴾ في الكُفر والعِناد. فيه تسلية للنبيّ وَّهِ. ﴿قَد بَيَّنّا الآياتِ لِقَوم يُوقِنُونَ﴾ ١١٨: يعلمون أنّها آيات فيؤمنون. فاقتراحُ آية معها تعنُّت.
٥- ﴿إِنّ أرسَلْناكَ﴾ - يا محمّد - ﴿بِالحَقِّ﴾: بالهُدى ﴿بَشِيرًا﴾ من أَجَاب إليه بالجنّة، ﴿ونَذِيرًا﴾ من لم يُجب إليه بالنار، ﴿ولا تُسألُ عَن
أصحابِ الجَحِيمِ﴾ ١١٩ النارِ، أي: الكُفّارِ، ما لهم لم يؤمنوا؟ إنّما عليك البلاغ - وفي قراءة بجزم (تَسألْ)) نهيًا - ﴿وَلَن تَرِضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا
النَّصَارَى، حَتَّى تَتَبَعَ مِلَّتَهُم﴾: دِينَهم. ﴿قُلْ: إِنَّ هُدَى اللهِ﴾: الإسلامَ ﴿هُوَ الهُدَى﴾، وما عداه ضلال. ﴿وَلَئِنِ﴾ - لامُ قسم - ﴿اتَّبَعتَ
(١) المعتد به: ما له فائدة. ويتلو: يقرأ ويَفهم. ولا يعلم: لا يميز الحق من الباطل. ويحكم: يقضي بالحق. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من
قبورهم للحساب. ويختلفون: يتنازعون ويختصمون. (٢) ظاهر الآية العموم في كل مانع وكل مسجد. والأظلم: الأكثر عدوانًا. والمساجد: جمع لمكان
السجود. ويذكر: يردد ويقدس. وسعى: عمل بجد. ونزلت أي: هذه الآية. وعن الروم أي: عما كان منهم. وعام الحديبية هو السنة السادسة. وما كان لهم
أي: لا يصح لهم فامنعوهم. والسبي: الأسر في الحرب. والجزية: ما يدفعه الكتابي ليحفظ نفسه وماله في الدولة. والعظيم: الذي لا مثيل له. (٣) لما
هاجر النبي ◌َّلة إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس للصلاة، فأشاع اليهود أنه تابع لهم، وبعد بضعة عشر شهرًا أمر بالعودة إلى استقبال الكعبة.
والنافلة: ما شُرع زيادة على الفرض. والراحلة: ما يُركب من الإبل في السفر. والمراد إباحة صلاة الراكب. والمشرق والمغرب: جهتا الشروق والغروب.
وتولّوا أي: تتوجَّهوا. والواسع: الجواد لاحد لتفضله. والعليم: المبالغ في الإحاطة. وبواو أي: قبل الفعل. وبدونها يريد القراءة ((قالُوا))، دون تلك الواو.
واليهود قالوا: عُزِيرٌ ابنُ الله. ونصارى نجران قالوا: المسيحُ ابنُ الله. وعنه أي: عما زعمه الكافرون. والأمر: الشيء. وكن أي: احدُثْ. ويكون أي:
يحدث. وبالنصب يريد القراءة ((فَيَكُونَ)). والأمر ههنا كناية عن سرعة الإيجاد، بإرادة نافذة فورًا من دون قول أو طلب. (٤) يكلمنا أي: يخاطبنا بالقول أو
وحيًا إلينا. وبيّناها أي: جعلناها بينة. والتعنت: التحكم والمكابرة. (٥) أرسل: بعث للدعوة. والحق: الأمر الثابت. والبشير: من يبلغ الخير. والنذير:
المهدد. ولا تسأل أي: لست محاسَبًا عن كفرهم. والجحيم: ما اضطرب من النار. والكفار أي: عنهم. والخطاب للنبي وَلّ، والمراد أمته أيضًا. وفي
الأصل: ((ولا تُسألْ)). وتتبعها: توافقها وتعمل بها. ودينهم أي: الكفر بالإسلام والرسالة. والهدى: الرشد إلى الحق. والأهواء: جمع هوى، أي: الرأي
ينشأ عن الشهوة. وفرضًا أي: على سبيل الفرض جدلًا. وجاءك: وصل إليك. والعلم: المعرفة اليقينية. والولي: القريب يلي أمور غيره. والنصير: المعين
يقوّي ويدافع. وآتيناهم: أنزلنا إليهم. والحق: الواقع بحسب مايجب، أي: يتلونه بإيمان، فيوجب عليهم الإيمان برسالة الإسلام. والحبشة: بلاد في شرقي
إفريقية. والخاسر: الذي ظلم نفسه. والمصير: النهاية يوم القيامة.

١٩
الجزء الأول
٢ - سورة البقرة
أهْواءَهُم﴾ التي يدعونكَ إليها فَرْضًا، ﴿بَعدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلمِ﴾: الوحِيٍ من الله،
﴿مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ﴾ يحفظك، ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ ١٢٠ يمنعك منه. ﴿الَّذِيَنَ آتَيْنَاهُمُ
الكِتابَ﴾ مبتدأ، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوتِهِ﴾: يقرؤونه كما أُنزل - والجملة حال، وحقّ:
نصب على المصدر - والخبر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ - نزلتْ في جماعة، قدموا من
الحبشة وأسلموا - ﴿ومَن يَكفُرْ بِهِ﴾ أي: بالكتاب المُؤتَى بأن يُحرّفه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ
الخاسِرُونَ﴾ ١٢١، لمصيرهم إلى النار المؤبّدة عليهم.
١- ﴿يَا بَنِي إِسرائيلَ، اذكُرُوا نِعمَتِيَ الَّتِي أَنعَمتُ عَلَيْكُم، وأنّي فَضَّلِتُكُمْ عَلَى
العالَمِينَ﴾ ١٢٢ - تَقدّم مِثْلُه - ﴿واتَّقُوا﴾: خافوا ﴿يَومًا، لا تَجِزِي﴾: تُغني
﴿نَفْسٌ عَن نَفْسٍ﴾ فيه ﴿شَيْئًا! ولا يُقبَلُ مِنها عَدلٌ﴾: فِداءٌ، ﴿ولا تَنفَعُها
شَفاعةٌ، ولا هُم يُنصَرُونَ﴾ ١٢٣ : يُمنعون من عذاب الله.
ثلاثة أرباع
الْجُزْن
٢
سُورَةِ البَّقَة
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ
هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىُّ وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى جَآءَ
مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ الَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
(الْكِتَبَ يَتْلُونَهُحَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْبِهِ،
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ يَبَنِىّ إِسْرَّهِيَ أَذْكُرُ واْنِعْمَتِىَ الَّتِىّ
﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ( وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
لَّا تَجْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا
﴿ وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ
شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (
فَأَتَّمَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَا مَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيٌ قَالَ لَا
يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرِهِمَ
أَوَ إِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّطَِّفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدَاءَإِنَّا وَارْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ اَلْأَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ
فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَالْمَصِيرُ
٢ - ﴿و﴾ اذكرٌ ﴿إِذ ابتَلَى﴾: اختبرَ ﴿إِبراهِيمَ﴾ - وفي قراءةِ «إبراهامَ)» - ﴿رَبُّهُ بِکَلِماتٍ﴾:
بأوامرَ ونواهٍ كلّفه بها - قيل: هي مناسك الحجّ. وقيل: المضمضة والاستنشاق
والسّواك، وقصّ الشارب وفرق الرأس وقلم الأظفار، ونتف الإِبط وحلق العانة،
والخِتان والاستنجاء - ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: أدّاهنّ تامّاتٍ. ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ
لِلنّاسِ إمامًا﴾: قُدوة في الدِّين. ﴿قالَ: ومِن ذُرِّيَتِي﴾: أولادي اجعلْ أئمّة. ﴿قالَ: لا
يَنالُ عَهدِيَ﴾ بالإمامة ﴿الظّالِمِينَ﴾ ١٢٤ : الكافرين منهم. دلّ على أنه ينال غيرَ الظالم.
٣- ﴿وَإِذ جَعَلْنا البَيتَ﴾: الكعبةَ ﴿مَثابةً لِلنّاسِ﴾: مَرجِعًا يثوبون إليه من كلّ جانبٍ
﴿وأمْنَا﴾: مأمنًا لهم من الظّلم والإِغارات الواقعة في غيره. كان الرجل يلقى قاتل أبيه
فيه فلا يُهيجه - ﴿وَاتَّخِذُوا﴾، أيّها الناس، ﴿مِن مَقامِ إِبراهِيمَ﴾، هو الحَجر الذي قام عليه عند بناء البيت، ﴿مُصَلَّى﴾: مكانَ صلاة بأن تُصلّوا
خلفه ركعتي الطواف. وفي قراءة بفتح الخاء، خبرٌ - ﴿وعَهِدْنا إلَى إبراهِيمَ وإسماعِيلَ﴾: أمرناهما ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿طَهِّرا بَيتِي﴾ من الأوثان،
لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾: المقيمين فيه، ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ١٢٥ : جمع راكع وساجد، المُصلِّينَ.
٤- ﴿وإذ قالَ إبراهِيمُ: رَبِّ، اجعَلْ هذا﴾ المكانَ ﴿بَلَدَا آمِنًا﴾: ذا أمن - وقد أجاب الله دعاءه فجعله حَرَمًا، لا يُسفَك فيه دم إنسان، ولا يُظلم
فيه أحد، ولا يصاد صيده، ولا يُختَلَى خَلاه - ﴿وارزُقْ أهلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ - وقد فَعلَ بنقل الطائف من الشام إليه، وكان أقفرَ لا زرعَ به ولا ماء
- ﴿مَن آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ﴾: بدلٌ من ((أهله)). وخصّهم بالدعاء لهم موافقة لقوله ((لا يَنالُ عَهدِيَ الظّالِمِينَ)). ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿و﴾ أرزقُ
﴿مَن كَفَرَ فَأَمَتِّعُهُ﴾ - بالتشديد والتخفيف - في الدنيا بالرزق ﴿قَلِيلًا﴾: مُدّة حياته، ﴿ثُمَّ أَضطَرُّهُ﴾: أُلجتُه في الآخرة ﴿إِلَى عَذابِ النّارِ﴾، فلا
يجد عنها مَحيصًا. ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ١٢٦ : المَرجِعُ هي!
(١) تقدم مثله أي: في الآيتين ٤٧ و٤٨. ويومًا أي: ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال. والنفس: المخلوق العاقل. والشيء: ما هو موجود أو محتمل
وجوده. (٢) اذكر أي: لنفسك ولأصحابك ولقومك إعلامًا، وتصحيحًا لما في مكة من الشرك والضلال. واختبره أي: امتحنه ليَظهر ما في نفسه. وإبراهيم
هو خليل الله، أُرسل بالتوحيد ومعنى اسمه: أب رحيم. كان في العراق، وانتقل إلى فلسطين، ثم صار يزور مكة. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى
مصالح ملكه. وجاعل أي: مصيِّر ومرسِل. والإمام: من يؤمّ غيره ويقودهم. ويناله: يدركه ويخصه. والعهد: الميثاق. وهو الوعد بالإمامة. والظالم: من
يضع الشيء في غير موضعه. والكفر أشنع ذلك. (٣) روي أن النبي ◌ّ* أخذ بيد عمر بن الخطاب وقال: ((هذا مَقامُ إبراهِيمَ)). فقال عمر: ((أفلا نتخذه
مصلَّى))؟ فقال: (لَم أُومَرْ بِذلِكَ)). فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية. انظر ((المفصل)). ويثوب: يتوجه ويجتمع. واتخذوا: اجعلوا وصيّروا. والمقام: مكان
القيام. وإسماعيل: ابن إبراهيم من زوجته هاجر، ومعنى اسمه: استجب يا ألله. وقد ولد في مكة بين العرب، فكان عربيًا وجدًا لعرب الشمال. وطهراه أي:
احفظا له الطهارة. والبيت: الكعبة المشرفة. والأوثان: جمع وثن، أي: التمثال يُعبد. والطائف: من يطوف حول البيت أشواطًا للعبادة. والراكع: من يحني
ظهره عبادة وتذللًا. والساجد: من يضع جبهته وأنفه وكفيه وركبتيه على الأرض. (٤) رب أي: يا ربي. حذف حرف النداء لما فيه من إشعار بمعنى الأمر
والتنبيه، وحذفت ياء المتكلم للتخفيف. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. واجعل: صيّر. والبلد: المكان المحدود للاستيطان. ويختلى:
يقطع ويؤخذ. والخلى: الحشيش الرطب. وارزقهم أي: أعطهم ويسر لهم. والأهل: السكان والمقيمون. والثمر: ما ينعقد عن الزهر في النبات. وما ذكر
عن نقل الطائف مصدره القصص الخرافية المصنوعة، وليس له أصل صحيح. انظر ((المفصل)) ومعجم البلدان (الطائف). والأقفر: الخالي من المنافع. وآمن
به: صدّقه باعتقاد يقيني. والله: لفظ الجلالة اسم علم للواجب الوجود المعبود بحق وحده المستحق للألوهية والتوحيد وجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله.
واليوم: الوقت. والآخر: البعيد عن الناس يكون بالبعث بعد الموت. و((موافقة لقوله)) يعني ما في الآية ١٢٤. وكفر: كذّب بتوحيد الألوهية وباليوم الآخر.
وأمتعه: أزوّده بالمنافع. والتخفيف أي: تخفيف التاء مع سكون الميم، يريد القراءة ((فَأَمْتِعُهُ)). وعنها أي: عن النار. والمحيص: المهرب والمفر. وبئس:
تجاوز الحد في السوء والبؤس والشقاء. والمصير: مكان العاقبة والنهاية الأبديتين.

٢ - سورة البقرة
٢٠
الجزء الأول
سُورَةِ الْبَقَة
الجُرُ الْأَوْلُ
وَ إِذْ يَرَفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ
رَبَّنَاوَاجْعَلْنَا مُسْلِمَیْنِ
مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٢)
لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً
﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكّبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٦) وَمَن يَرْغَبُ عَن
مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ، وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً
وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ (٢) إِذْقَالَ لَهُ رَبُّهُ وَأَسْلِمْ
قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٣٦) وَوَضَّى بِهِآ إِبْرَهِمُ بَذِهِ
وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿٣٦) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ
الْمَوْتُ إِذْقَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ
إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآبِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا
وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿٣ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَاكَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (*)
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ يَرفَعُ إِبراهِيمُ القَواعِدَ﴾: الأُسُس أو الجُدُر، ﴿مِنَ البَيتِ﴾: يبنيه
- متعلّق بـ ((يرفع)) - ﴿وإسماعِيلُ﴾: عطف على ((إبراهيم))، يقولان: ﴿رَبَّنا، تَقَبَّلْ
مِنّا﴾ بناءنا - ﴿إِنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ﴾ للقول، ﴿العَلِيمُ﴾ ١٢٧ بالفعل - ﴿رَبَّنا، واجعَلْنا
مُسلِمَينٍ﴾: مُنقادَينِ ﴿لَكَ، و﴾ اجعلْ ﴿مِن ذُرِّيَّتِنا﴾: أَولادِنا ﴿أُمّةً﴾: جماعة
﴿مُسلِمَةً لَكَ﴾ - ومِن: للتبعيض، وأتَى به لتقدّم قوله له ((لا يَنالُ عَهدِيَ الظّالِمِينَ)) -
﴿وأرِنا﴾: علِّمْنا ﴿مَناسِكَنا﴾: شرائعَ عبادتنا أو حجِّنا، ﴿وَتُبْ عَلَينا - إِنَّكَ أنتَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١٢٨. سألاه التوبة مع عصمتهما، تواضعًا وتعليمًا لذرّيّتهما -
﴿رَبَّنَا، وابعَثْ فِيهِم﴾ أي: أهلِ البيت ﴿رَسُولًا مِنهُم﴾ من أنفسهم - وقد أجاب الله
دعاءه بمحمّد مَّ - ﴿يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِكَ﴾: القرآنَ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾: القرآنَ
﴿والحِكْمةَ﴾: ما فيه من الأحكام، ﴿ويُزَكِّيهِم﴾: يُطهّرهم من الشرك. ﴿إِنَّكَ أنتَ
العَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الحَكِيمُ﴾ ١٢٩ في صُنعه.
٢ - ﴿وَمَنْ﴾ أي: لا ﴿يَرغَبُ عَن مِلّةِ إِبراهِيمَ﴾، فيتركُها ﴿إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: جهلَ
أنها مَخلوقة لله يجب عليها عبادته، أو استخفّ بها وامتهنها؟ ﴿وَلَقَدِ اصطَفَيناهُ﴾:
اختَرناه ﴿فِي الدُّنيا﴾ بالرسالة والخُلّة، ﴿وإنَّهُ في الآخِرةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ١٣٠ :
الذين لهم الدرجات العُلى. اذكرْ ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: أسلِمْ﴾: انقَدْ لِلِهِ، وأخلص له
دِينك. ﴿قالَ: أسلَمتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ١٣١. ووَصَّى﴾ - وفي قراءة ((أَوصَى)) - ﴿بِهَا﴾.
بالملّة ﴿إِبراهِيمُ بَنِهِ ويَعْقُوبُ﴾ بنيه، قال: ﴿يَا بَنِيَّ، إنَّ اللهَ اصطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دين
الإسلام. ﴿فلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُم مُسلِمُونَ﴾ ١٣٢. نهى عن تركِ الإسلام، وأمر بالثبات عليه إلى مُصادفة الموت.
٣- ولمّا قال اليهود للنبيّ: ((ألستَ تعلم أنّ يعقوب، يومَ ماتَ، أوصى بنيه باليهوديّة))؟ نزلَ: ﴿أم كُنتُم شُهَداءَ﴾: حضورًا، ﴿إذْ حَضَرَ يَعقُوبَ
المَوتُ، إذ﴾ - بدلٌ من ((إذ)) قبله - ﴿قَالَ لِبَنِيهِ: ما تَعْبُدُونَ مِن بَعدِي﴾: بعدِ موتي؟ ﴿قالُوا: نَعبُهُ إِلَّهَكَ وإِلَّهَ آبائكَ، إبراهِيمَ وإسماعِيلَ وإسحاقَ﴾
- عَدُّ إسماعيل من الآباء تغليبٌ، ولأن العمّ بمنزلة الأب - ﴿إِلَّهَا واحِدًا﴾: بدلٌ من ((إلَهك))، ﴿ونَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾ ١٣٣. وأم: بمعنى همزة
الإنكار أي: لم تَحضُروه وقت موته، فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به؟ ﴿تِلكَ﴾: مبتدأ - والإشارة إلى إبراهيمَ ويعقوب وبَنِيهما، وأُنّث لتأنيث
خبره - ﴿أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: سَلَفتْ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من العمل أي: جزاؤه - استئناف - ﴿ولَكُم﴾ الخطاب لليهود ﴿مَا كَسَبتُم، ولا تُسألُونَ عَمّا
كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٣٤ كما لا يُسألون عن عملكم. والجملة تأكيد لما قبلها.
(١) يرفعها: يبنيها ويَشيد عليها. والقواعد: جمع قاعدة. والبيت: الكعبة المشرفة، ولم يكن لها وجود قبل إبراهيم، وهو الذي أسسها. وقد ذكر أهل
الأخبار عنها قصصًا متناقضة، لم يرد بها نص قرآني أو نبوي، وأكثرها من نسج الخيال. انظر الدر المنثور ١٢٥:١-١٣٧. وتقبله أي: اقبله وأثبنا عليه.
والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. وقوله يعني: ما ورد في الآية ١٢٤. وعلمنا أي: عرّفنا. والمناسك: جمع
مَنسَك. وهو ما يقوم به الإنسان عبادة. وتب علينا أي: ثبّتنا على التوبة، واصفح عما كان من تقصيرنا. والتواب: الكثير القبول للتوبة. والرحيم: العظيم
العطف بالإنعام. وابعث أي: أرسل بالهداية. وأهل البيت يعني بيت إبراهيم وإسماعيل. والرسول: من يكلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويتلو:
يقرأ ويبلّغ. ويعلمهم أي: يُعرِّفهم ويفهّمهم. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٢) روي أن عبد الله بن سلام كان من أحبار اليهود، ثم أسلم ودعا إلى الإسلام ابني أخيه مهاجرًا وسلمة، فاستجاب الثاني وامتنع الأول، فنزلت الآية لتشنّع
ماكان عليه الممتنع. ويرغب عنها: يزهد فيها ويعرض عنها. والملة: الشريعة والديانة. ونفس الإنسان: حقيقته وذاته. والخلة: كونه خليلًا للمولى. والآخرة:
الحياة بالبعث بعد الموت. والصالح: من يعمل ما يرضي الله. وقال له أي: ألهمه دلائل الإيمان والتوحيد. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح
ملكه. والعالَم: الجنس من المخلوقات. ووصاهم بها وأوصاهم أي: عَهِد إليهم بها مبينًا لهم ما يجب العمل به منها مقرونًا بالوعظ. والبنون: الأولاد
الذكور، ويشملون الإناث بالتغليب. ويعقوب: ابن إسحاق بن إبراهيم، ويعرف باسم إسرائيل أيضًا. وكأنه سمي يعقوب لأنه بُشِّر به إبراهيم نبيًا بعد إسحاق.
فهو يعقبه بالنبوة. واصطفى لكم أي: اختار وجعل لكم.
(٣) نزل أي: لتكذيبهم في دعوى الوصية باليهودية، وبيان ما قاله يعقوب حينذاك. والشهداء: جمع شهيد يرى ويسمع. وحضره: جاءه ونزل به. وتعبد:
تقدس بالألوهية وتطيع. والإله: المعبود بحق. وإسماعيل هو عمّ يعقوب. ولذلك جُعل ذكره في الآباء من التغليب. والواحد: المتفرد لا شريك له ولا مثيل.
والمسلم: المذعن المقرّ بالعبودية. والأمة: الجماعة من الناس توحد بينها العقيدة. وكسبت أي: جمعته وتحملته. وتسأل أي: سؤال حساب وجزاء.
ويعملون أي: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل.