النص المفهرس
صفحات 341-360
سورة الْقَلَم قوله جلّ ذكره: ﴿ِسْمِ أَلَّهِ الرََّبِ الَّهَ ◌ٍ﴾. (بسم الله)) اسمٌ كريمٌ مَنْ شهد لُطْفَه لم يتَذلَّلْ بعده لمخلوق، ولم يَسْتعِنْ فيما نابَه مِن ضُرِّ أصابه أو خيرِ أراده بمُخدَثٍ مرزوق. إنْ أعطاه قابله بالشُّكْرٍ، وإن منعه استجابَهُ بجميل الحمد. قوله جلّ ذكره: ﴿تّ وَالْقَلِمِ وَمَا يَسْظُرُونَ﴾ . ﴿تّ﴾ قيل: الحوت الذي على ظهره الكون، ويقال: هي الدواة. ويقال: مفتاح اسمه ناصر واسمه نور. ويقال: إنه أقسم بنُصْرَة الله تعالى لعباده المؤمنين. وأقسم بالقلم - وجوابُ القسم قولُه: ﴿مَّ أَنْتَ بِعْمَةِ رَيْكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ . ما أوجب لصدره من الوحشة من قول الأعداء عنه: إنه مجنون، أزاله عنه بنفيه، ومحقّقاً ذلك بالقَسَم عليه ... وهذه سُنَّةُ الله تعالى مع رسوله وَ*؛ فما يقوله الأعداءُ فيه يردُّه - سبحانه - عليهم بخطابه وعنه ينفيه. ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: أي غير منقوص ... لمَّا سَمَتْ هِمَّتُه ◌َله عن طلب الأعواض أثبت اللَّهُ له الأجر، فقال له: ﴿وَإِنَّ لَّكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ - وإِنْ كُنْتَ لَا تريده . ومن ذلك الأَجْر العظيم هذا الخُلُق، فأنت لستَ تريدُ الأجْرَ - وِنَا لَسْتَ تريد؛ فلولا أنْ خَصَصْناكَ بهذا التحرَّر لكنتَ كأمثالِك في أنهم في أسْرِ الأعواض. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . كما عرَّفَه اللَّهُ سبحانه أخبارَ مَنْ قبْلَه من الأنبياء عرَّفه أنه اجتمعت فيه متفرقاتُ أخلاقهم فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . ويقال: إنه عَرَضَ عليه مفاتيحَ الأرضِ فلم يقبلها، ورقّاه ليلة المعراج، وأراه جميع المملكة والجنة فلم يلتفت إليها، قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَرُ وَمَا كَفَى﴾ [النجم: ٣٤١ ٣٤٢ تفسير سورة القلم ١٧] فما التفت يميناً ولا شمالاً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. ويقال: ﴿على خلق عظيم﴾: لا بالبلاءِ تنحرف، ولا بالعطاءِ تنصِرف؛ احتمل صلوات الله عليه في الأذى شجّ رأسِه وثَغْرِه، وكان يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))(١). وغداً كلٍّ يقول: نفسي نفسي وهو صلوات الله عليه يقول: ((أمتي أمتي))(٢). ويقال: عَلَّمه محاسنَ الأخلاق بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ﴾. سأل صلواتُ الله عليه جبريل: «بماذا يأمرني ربي؟ قال: يأمرك بمحاسن الأخلاق؛ يقول لك: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وأعْطِ مَنْ حَرَمك واعفْ عَمَّن ظَلَمَك))(٣)، فتأذَّبَ بهذا؛ فأثنى عليه وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿فَسَبِّصِرُ وَيُصِرُونَ بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ . المفتون: المجنون لأنه فُتِنَ أي مُحِنَ بالجنون. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . معبودُكَ واحدٌ فليكن مقصودُك واحداً ... وإذا شهدت مقصودك واحداً فليكنْ مشهودك واحداً . ﴿وَذُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيَدْهِنُونَ﴾ . مَنْ أصبح عليلاً تمنَّى أَنْ يكونَ الناسُ كلُّهم مَرْضَى .. وكذا مَنْ وُسمَ بكيِّ الهجران وذَّ أَنْ يُشارِكه فيه مَنْ عاداه. (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٢١٤/٤)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٤٤١/١)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١١٧/٦)، والطبري في (التفسير ١٣/١)، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤١٩/٣)، والقرطبي في (التفسير ١٩٩/٤، ٤٧٣/٨، ١٥٦/١٤)، والقاضي عياض في (الشفا ٢٢٢/١)، والطحاوي في (مشكل الآثار ١٨٩/٣)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣١٣/١، ٦٨/٣، ٢٨٣)، (مناهل الصفا ١٦)، والآجري في (الشريعة ٤٦٠)، والسيوطي في (الدر المنثور ٩٥/٣)، والطبراني في التفسير ١٤٦/٦، ٢٠١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٤/٥، ٩٣/٧-١٠٨، ٣٦٠، ٢٥٨/٨)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٩٨٨٣، ٣٥٥٦٣)، والسيوطي في (جمع الجوامع ٩٧٩٩، ٩٨٧٢)، وابن حجر في (فتح الباري ٧/ ٢٧٣، ٢٨٢/١٢)، والبيهقي في (دلائل النبوة ٢١٥/٣). (٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٢٨٢/١)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٥١٠/٤) والسيوطي في (الدر المنثور٦٤/٥٠)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٨٧/١٠)، وابن حجر في (فتح الباري ٤٢٨/١١، ٤٤٣)، وابن أبي عاصم في (السنة ٣٨٠/٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٣١/١١). (٣) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ١٤٨/٤، ١٥٨). ٣٤٣ تفسير سورة القلم - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾. وهو الذي سقط من عيننا، وأقميناه بالبعد عنا. ﴿هَمَّزٍ ◌َشَكَمٍ بِنَّعِيمٍ﴾ . محجوبٍ عنَّا مُعَذَّبٍ بخذلان الوقيعة في أوليائنا. ﴿َتَّاعِ لِلْغَيْرِ﴾ . مُهانٍ بالشُّحّ، مسلوب التوفيق. ﴿مُعْتَدٍ أَثِيرٍ﴾ . ممنوعِ الحياءِ، مُشَتَّتٍ في أودية الحرمان. ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَغِيرٍ﴾ . لئيم الأصل، عديم الفضل، شديد الخصومة بباطله، غير راجعٍ في شيءٍ منْ الخیر إلی حاصله. ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ . أي: لا تطعه لأن كان ذا مالٍ وبنين ... ثم استأنف الكلام فقال: إذا تتلى ... قابَلَها بالتكذيب، وحَكَمَ أنَّ القرآن من الأساطير. ﴿سَنَسِمُ عَلَى الْطُورِ﴾. أي سنجعل له في القيامة على أنفهِ تشويهاً لصورته كي يُعْرَفَ بها. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ بََّهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَمَْبَ لَلَِّْ إِذْ أَقْتَمُواْ لَغْرِمُنَّهَا مُصِْينَ﴾. أي امتحنّاهم ... حين دعا عليهم النبي ◌َّرِ، فابتلاهم الله بالجوع، حتى أكلوا الجِيَف - كما بلونا أصحاب الجنة، قيل: إن رجلاً من أهل اليمن كانت له جنة مثمرة وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تَعدّاه المِنْجل فلم يجذه من الكَرْم، فإذا طُرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فما أخطأه القطافُ من نخله وكَزْمه يَدَعه للمساكين، وكان يجتمع منه مال، فلما مات هو قال وَرَثَتُه: إنَّ هذا المالَ تفرَّق فينا، وليس يمكننا أن نفعلَ ما كان يفعله أبونا، وأقسموا ألا يُغطوا للفقراء شيئاً، فأهلكَ اللَّهُ جَنَتهَم؛ فتَدموا وتابوا. وقيل: أَبدْلَهم اللَّهُ جنةً حسنة، فأقسموا ليصرمُنَّ جئَّتهم وقت الصبح قبلَ أَنْ تفطِنَ المساكينُ، ولم يقولوا: إن شاء الله (١): ﴿فَطَافَ عََّا لَكَيِفٌ مِّنِ زَّيْكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ فَأَسْبَحَتْ كَلِصَّرِحِ ﴾ (١). الآية (١٨) لم ترد. ٣٤٤ تفسير سورة القلم أرسل عليها من السماء آفةً فأحرقت ثمارهم. وأصبحت ﴿كَلصَرِ﴾ أي كالليل المسودّ، فنادى بعضُهم بعضاً وقت الصبح: أن اغدوا على حرثكم إن أردتم الصرام، فانطلقوا لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعَهم أحدٌ. وقصدوا إلى الصرام(١ ﴿عَلَى حرّرٍ﴾ أي: قادرين عند أنفسهم، ويقال: على غضبٍ منهم على المساكين. فلمّا رأوا الجنةً وقد استؤصلَتْ قالوا: ليست هذه جنتنا !! ثم قالوا: بل هذه جَنْتُنا ... ولكنّا حُرِمْنا خيرَها. قال أوسطُهم: أي أعدلُهم طريقةً وأحسنُهم قولاً(٢): ﴿أَلَ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ؟﴾ . أي: تستثنون وتقولون: ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٠]. ﴿قَالُواْ سُبْحَنَ رَيْئاً إِنَّا كُنَّ ظَلِينَ﴾. ثم أقبل بعضُهم على بعض يتلاومون، ويقولون(٣): ﴿عَسَى رَبُّنَاْ أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ﴾ . قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَّبِّ﴾ لأهل مكة ﴿وَلَغَدَّابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ﴾ وهكذا تكون حالُ مَنْ له بدايةً حسنةً ويجدُ التوفيق على التوالي، ويجتنبُ المعاصي، فيُعَوضه اللَّهُ في الوقتِ نشاطاً، وتلوحُ في باطنه الأحوالُ ... فإذا بَدَرَ منه سوءٌ دعوى أو تَرْكَ أدبٍ من آداب الخدمة تَتْسَدُ عليه تلك الأحوالُ ويقع في قرةٍ(٤) من الأعمال فإذا حَصَلَ منهَ بالعبادات إخلالٌ، ولبعض الفرائض إهمالٌ - انقلب حالُه، ورُدّ من الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، فصارت صفوتُه قسوةً. وإن كان له بعد ذلك توبة، وعلى مَا سَلَفَ منه ندامة - فقد فات الأمُرُ من يده، وقلَّما يصل إلى حاله. ولا يبعد أن ينظر إليه الحقُّ بأفضاله، فيقبله بعد ذلك رعايةً لما سَلَفَ في بدايته من أحواله ... فإنَّ الله تعالى رؤوفٌ بعباده. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ ◌ِلْمُنَّقِينَ عِندَ رَّهِمْ جَنَّتِ النَِّمِ﴾ . الذين يتقون الشّرْكَ والكُفْر، ثم المعاصيَ والفِسْقَ، لهم عند الله الثوابُ والأجر. قوله جلّ ذكره: ﴿أَقَبْعَلُ اَلْثُِّينَ كَلِْينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَكُونَ أَمْ لَكُمْ كِنَبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ . (١) الآيات من (٢١ حتى ٢٤) لم ترد. (٢) الآيتان (٢٦ - ٢٧) لم تردا. (٣) الآيتان (٣٠، ٣١) لم تردا. (٤) قرة جلده: تقشّر أو اسود من شدة الضرب. (اللسان ٥٣٠/١٣ مادة: قرة). ٣٤٥ تفسير سورة القلم كيف تحكمون؟ هل لديكم حجة؟ ﴿أَمْ لَّكُمْ كِتَبُ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾؟ أم لكم منا عهود فيها تحكمون؟ والمقصود من هذه الأسئلة نفي ذلك(١). قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يُكْثَفُ عَن سَاتٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُورِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . ﴿عَنْ سَاقٍ﴾: أي عن شِدَّةِ يومَ القيامة. ويقال في التفسير عن ساقٍ العرش. يُؤْمَرون بالسجود؛ فأمَّا المؤمنون فيسجدون، وأمَّا الكفار فتُشَدَّ أصلابُهم فلا تنحني . وقيل: يكشف المريضُ عن ساقه - وقت التوفِّي ـ ليُبْصِرَ ضعفَه، ويقول المؤذِّنُ: حيٍّ على الصلاة - فلا يستطيع. وعلى الجملة فقد خَوَّفَهم بهذه القالة: إمّا عند انتهائهم في الدنيا أو ابتدائهم في الآخرة . ﴿ ... ◌ُقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِسُونَ﴾ . يذكرهم بذلك ليزدادوا حسرةً، ولتكونَ الحجةُ عليهم أبلغَ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا ◌َلْمَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . سنُقَرْبُهم من العقوبة بحيث لا يشعرون. والاستدراجُ: أَنْ يريد الشيءَ ويَطْوِي عن صاحبه وَجْهُ القَصْدِ فيه، ويُدْرِجُه إليه شيئاً بعد شيء، حتى يأخذه بغتةً. ويقال: الاستدراج: التمكين من النّعم مقروناً بنسيان الشكر. ويقال: الاستدارجُ: أنهم كلما ازدادوا معصيةً زادهم نعمةٌ. ويقال: أَلَّا يُعاقِبَه في حالِ الزَّلَّة، وإنما يؤخّر العقوبة إِلى ما بعدها .. ويقال: هو الاشتغال بالنعمة مع نسيان المنعم. ويقال: الاغترارُ بطول الإمهال. ويقال: ظاهرٌ مغبوط وباطنٌ مُشَوَّش. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمْلِ لَّ إِنَّ كَبْدِى مَتِينٌ﴾ . أُمْهِلُهم ... ثم إِذا أَخَذْتُهم فأخْذِي أَلِيمٌ شديدٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَتْثَلُهُمْ أَّبْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَبٍ مُنْقَلُونَ﴾ . أي: ليس عليهم كُلْفة مقابلَ ما تدعوهم إليه، وليست عليهم غرامة إِنْ هم اتبعوك ... فأنت لا تسأل أجراً ... فما موجِباتُ التأخْرِ وتركُ الاستجابة؟ (١) الآيات من (٣٨ - ٤١) لم ترد. ٣٤٦ تفسير سورة القلم ﴿أَمَّ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟﴾ . أم عندهم شيءٌ من الغيب انفردوا به وأوجب لهم ألا يستجيبوا؟. قوله جلّ ذكره: ﴿فَضِرٍ ◌ِّكْرِ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ أَلْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. صاحب الحوت: هو يونس عليه السلام: ﴿فَدَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾: مملوء بالغيظ على قومه. فلا تستعجلْ - يا محمد - بعقوبة قومك كما استعجل يونس فلقي ما لقي، وتثبَّتْ عند جريان حكمنا، ولا تُعارِضْ تقديرنا. ﴿أَلَا أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ زَيْهِ، لَنُذَ بِْعَرَ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ . أي: لولا أَنَّ اللَّهَ رَحِمَه بِفَضْلِه لَطُرِحَ بالفضاء وهو مذموم ولكن: ﴿فَجْتَهُ رَبُُّ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَِّينَ﴾. فاصطفاه واختاره، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَكَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبْلِقُونَكَ بِأَبْصَِ﴾ . كانوا إذا أرادوا أَنْ يُصيبوا شيئاً بأعينهم جاعوا ثلاثةَ أيام، ثم جاؤوا ونظروا إِلى ذلك الشيء قائلين: ما أَحسنه من شيء! فكان يسقط المنظور في الوقت. وقد فعلوا ذلك بالنبي صلوات الله عليه، فقالوا: ما أَفصحه من رجل! ولكنَّ الله سبحانه حفظه، ومَنَّ بذکره علیه(١). (١) الآية (٥٢) لم ترد. سورة الحاقة قوله جلّ ذكره: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيِ﴾. (بسم الله)) كلمةٌ عزيزةٌ تحتاج في سماعها إِلى سَمْع عزيزٍ لم يُسْتَعمِلْ في سماع الغيبة، وتحتاج في معرفتها إِلى قلبٍ عزيزٍ لم يَتَبِذَّلْ في الغفلة والغيبة، لم ينظرْ صاحبُه. بعينه إِلى ما فيه رُتبة، ولم تتبع نَفْسُهَ اللَّبْسَ والطُبَّة(١). قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الَّْةُ﴾ . ((الحاقة)): اسمٌ للقيامة لأنها تَحُقُّ كلَّ إنسانٍ بعملهِ خَيْرِهِ وشَرِّه. ﴿وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الْمََّفَّةُ﴾ استفهام يفيد التعظيم لأمرها، والتفخيمَ لشأنها. قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَدُ بِالْقَارِعَةِ﴾ . ذَكَّرَ في هذه السورة: الذين كَذَّبوا رُسُلَهم من الأمم، وأصرُّوا على كُفْرِهم، ولم يقبلوا النصيحةً من أنبيائهم، فأهلكهم، وانتقم لأنبيائه منهم. والفائدةُ في ذِكْرِهم: الاعتبارُ بهم، والتحرُّرُ عمَّا فعلوا لئلا يُصيبَهم ما أصابهم. وعقوبةُ هذه الأمةِ مُؤَجَّلةٌ مُؤَخَّرَةٌ إلى القيامة، ولكنَّ خواصَّهم عقوبتُهم مُعجَّلة؛ فقومٌ من هذه الطائفة إذا أشاعوا سِرًّا، أو أضاعوا أدباً يعاقبهم برياح الحجبة، فلا يَبْقَى في قلوبهم أثرٌ من الاحتشام للدِّين، ولا مِمَّا كان لهم من الأوقات، ويصيرون على خَطَرٍ في أحوالهم بأنْ يُمْتَحنوا بالاعتراض على التقدير والقِسْمة. وأمَّا فرعون وقومُه فكان عذابُهم بالغَرَقِ ... كذلك مَنْ كان له وقت فارغٌ وهو بطاعة ربِّه مشتغِلٌ، والحقُّ عليه مُقْبِلٌ - فإذا لم يشكر النعمةَ، وأساءَ أدبَه، ولم يَعْرِفْ قَدْرَ ما أنعم اللَّهُ به عليه رَدَّه الحقُّ إلى أسباب التفرقة، ثم أغرقه في بحار الاشتغال فيتكدر مَشْرَبُه، ويصير على خَطَرٍ بأن يُذْرِكَه سُخْطُ الحقِّ وغضبُه(٢) . قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّا لَمَا ◌َنَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِي لَرِيَةِ﴾ . وكذلك تكون مِنَّتُه على خواصِّ أوليائه حين يسلمهم في سفينة العافية، والكون يتلاطم في أمواج بحارِ الاشتغال على اختلاف أوصافها، فيكونون بوصف السلام، لا (١) الطب: الحذق والمهارة. (٢) الآيات من (٥ حتى ١٠) لم ترد. ٣٤٧ ٣٤٨ تفسير سورة الحاقة مُنَازَعَةَ ولا محاسبةً لهم مع أحد، ولا تَوَقَعَ شيءٍ من أحدٍ؛ سالمون من الناسِ، والناسُ منهم سالمون(١). قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الْصُورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ ... ﴾. بدأ في وصف القيامة والحساب(٢) ... قوله جلّ ذكره: ﴿ .... يَوْمَدٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ﴾ . وفي كلِّ نَفَسٍ مع هؤلاء القوم محاسبَةٌ ومطالَبةٌ، منهم مَنْ يستحق المعاتبة، ومنهم من يستحق المعاقبة. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِنَبَهُ بِهِ، فَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَفِيَّهُ إِّ نَتَثُ أَنّ مُكٍَّ حِسَابِيةٌ﴾ . يسلم له السرورُ بنعمة الله، ويأخذ في الحمد والمدح. ﴿فَهُوَ فِى عِشَةٍ رَِّفِيَةٍ﴾. القومُ - غداً - في عيشةٍ راضية أي مَرْضِيَّةٍ لهم، وهؤلاء القوم - اليومَ - في عيشةٍ راضية، والفرق بينهما أنهم - غداً - في عيشة راضية لأنه قد قُضِيَتْ أوطارُهم، وارتفعت مآربهم، وحصلت حاجاتُهم، وهم - اليومَ - في عيشةٍ راضية إذ كَفُّوا مآرِبَهم فَدَفَعَ عن قلوبِهم حوائجَهم؛ فليس لهم إرادةُ شيءٍ، ولا تَمَسُّهم حاجةٌ. وإنما هم في رَوْح الرضا ... فَعَيْشُ أولئك في العطاء، وعَيْشُ هؤلاء في الرضاء؛ لأنه إذا بدا عِلْمٌ من الحقيقة أو معنى من معانيها فلا يكون ثمة حاجة ولا سؤال. ويقال لأولئك غداً(٣). ﴿كُوْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَأْ بِمَّ أَسْلَغْتُمْ فِي الْأَمِ لَْلَةِ﴾ . ويقال لهؤلاء: اسمعوا واشهدوا ... اسمعوا منَّا ... وانظروا إلينا، واستأنِسوا بقُربنا، وطالعوا جمالَنا وجلالَنا ... فأنتم بنا ولنا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ: يَبْلَنِى لَمْ أُوتَ كِنَِيَهْ وَلَوْ أَدْرِ مَا حِسَلَِةٌ ◌ََّهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ . هناك - اليومَ - أقوامٌ مهجورون تتصاعد حسراتُهم، ويتضاعف أنينُهم - ليلهم ونهارهم - فليلُهم ويلٌ ونهارهم بُعَاد؛ تكدّرتْ مشاربُهم، وخربت أوطانُ أَنْسِهم، ولا بكاؤهم يُرْحَم، ولا أنيتُهم يُسْمَع ... فعِنْدَهم أنهم مُبْعَدون ... وهم في الحقيقة من اللَّهِ مرحومون، أسبلَ عليهم السترَ فَصَغَّرَهم في أعينهم - وهم أكرمُ أهل القصة! كما قالوا(٤): ذاك الجحودُ عليك سترٌّ مُسْبَلُ لا تُنكِرنْ جحدي هواكَ فإنما (١) الآية (١٢) لم ترد. (٣) الآيات (٢٢ - ٢٣) لم تردا. (٢) الآيات من (١٤ حتى ١٧) لم ترد. (٤) الآيات من (٢٨ حتى ٣٧) لم ترد. ٣٤٩ تفسير سورة الحاقة قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِمَا نُصِرُونَ وَمَا لَا نُصِرُونَ ﴾ . ((لا)): صلة والمعنى: أُقْسِم؛ كأنه قال: أقسم بجميع الأشياء، لأنه لا ثالثَ لما يبصرون وما لا يبصرون. وجوابُ القَسَم: ﴿إِنَُّ لَقُولُ رَسُولٍ كَرِمٍ﴾ . أي وجيه عند الله. وقولُ الرسولِ الكريم هو القرآنُ أو قراءةُ القرآن(١). وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن أي أن محمداً ليس شاعراً ولا كاهناً بل هو: ﴿نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ نَقَوََّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ يِأَلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أْوَتِينَ ﴾ . أي لو كان محمدٌ يكذب علينا لمنعناه منه وعصمناه عنه، ولو تعمَّد لعذَّبناه. والقول بعصمة الأنبياء واجب. ثم كان لا ناصرَ له منكم ولا من غيركم، وهذا القرآن (٢) ﴿وَإِنَّهُ لَذُكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُر ◌ُكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَفِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْيَفِينِ ﴾ . حقُّ اليقين هو اليقين فالإضافة هكذا إلى نفس الشيء. وعلوم الناس تختلف في الطرق إلى اليقين خفاءً وجلاءً؛ فما يقال عن الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحقُ اليقين يرجع إلى كثرة البراهين، وخفاء الطريق وجلائه، ثم إلى كون بعضه ضرورياً وإلى بعضه كسبياً، ثم ما يكون مع الإدراكات(٣). (١) الآيتان (٤١، ٤٢) لم تردا. (٢) الآية (٤٧) لم ترد. (٣) انظر حديث القشيري عن علم وعين وحق اليقين برسالته ص ٨٥. الآية (٥٢) لم ترد. سورة المعارج قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الْرَجَمِ﴾. (بسم الله)) كلمةٌ من قالها وَجَدَ جمالَها، ومَنْ شهدها شهد جلالَها. وليس كلُّ مَنْ قالَها نالَها، ولا كلُّ من احتالها عَرَفَ جلالَها . كلمةٌ رفيعة عن إدراكِ الألبابِ منيعة، كلمةٌ على الحقيقة الصمدية دالَّة، كلمة لا بُدَّ للعبد من ذِكرِها في كل حالة. قوله جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ مَآَبِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِرٍ﴾. الباء في ﴿يِعَذَابٍ﴾ بمعنى عن، أي سأل سائلٌ عن هذا العذاب لِمَنْ هو؟ فقال تعالی : ﴿لِلْكَفِرِنَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ ﴾ . هذا العذاب للكافرين ليس له دافع ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ﴾؛ فهذا العذابُ من الله. ومعنى ﴿ذِى أَلْمَعَارِجِ﴾ ذي الفضل ومعالي الدرجات التي يُبْلِغُ إليها أولياءه. قوله جلّ ذكره: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَاُلُِّعُ إِلَّهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . ﴿وَالرُّوحُ﴾ أي جبريل، في يوم كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا يعني به يوم القيامة . ويقال: معناه يحاسِبُ الخَلْقَ في يومٍ قصيرٍ ووقتٍ يسير ما لو كان الناسُ يشتغلون به لكان ذلك خمسين ألف سنة، واللَّهُ يُجرِي ذلك ويُمضيه في يوم واحد. ويقال: من أسفلِ المخلوقاتِ إلى أعلاها مسيرةُ خمسين ألف سنة للناس؛ فالملائكة تعرج فيه من أسفله إلى أعلاه في يومٍ واحد. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأْسَِّرٌ صَبْرً جَيلًا﴾ . فاصبرْ - يا محمد - على مقاساةٍ أذاهم صبراً جميلاً. والصبرُ الجميلُ ما لا شکوی فیه . ويقال: الصبر الجميل ألا تَسْتَثْقِلَ الصبرَ بل تستعذبه. ويقال: الصبرُ الجميلُ ما لا ينْتَظِرُ العبدُ الخروجَ منه، ويكون ساكناً راضياً. ٣٥٠ ٣٥١ تفسير سورة المعارج ويقال: الصبرُ الجميل أن يكون على شهود المُبْلِي. ويقال: الصبرُ الجميل ما تجرَّد عن الشكوى والدَّغوى. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَرَهُ فَرِيبًا﴾ . إِنَّ ما هو آتٍ فقريبٌ، وما اسْتَبْعَدَ مَنْ يستَبْعِد إلّا لأنّه مُزْتابٌ؛ فأمّا الواثِقُ بالشيءٍ فهو غیرُ مُسْتَبْعِدٍ له . قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَاءُ كَالْلِ وَتَكُونُ لَلِبَالُ كَأَلْعِهْنِ﴾ . الإشارة فيه أنه في ذلك اليوم مَنْ كان في سُمُوّ نخوته ونُبُو صولته یلین ویستکین ويَضْعُفُ مَنْ كان يَشْرُفُ، ويَذَلُّ مَنْ كان يُذِلُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَتْتَلُ حِيمٌ حَمِيمًا﴾ . لا يَتَفَرَّغُ قريبٌ إلى قريبٍ؛ فلكلُّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنيه . ولا يَتَعَهَّدُ المساكينَ - في ذلك اليوم - إلا الله. ﴿يُضَرُوِنَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوِْمٍ بِذِيِهِ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَِّ تُِّ وَمَن فِ الْأَرْضِ ◌َمِيعًا ثُمَّ يُجِهِ ﴾ . ﴿يُصَّرُونَهُمْ﴾ أي يعرفون أقاربهم، ولكن لا تَرِقُّ قلوبُ بعضهم على بعض. ويتمنَّى المجرمُ يومئذٍ أَنْ يُقتدىَ من عذاب جهنم بأعز مَنْ كان عليه في الدنيا من قريبٍ ونسيب وحميم وولدٍ، وبكلٌ من الأرض حتى يخلص من العذاب. ﴿كَلَّّ إِنَّهَا لَظَى﴾َ . اسم من أسماء جهنم. ﴿نَزَّاعَةُ لِّلِشَوَى﴾(١). قَلَّاعةٌ للأطراف. تكشط الجِلْدَ عن الوجه وعن العَظْم. قوله جلّ ذكره: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَنَوَ﴾ . تقول جهنمُ للكافرِ والمنافقِ: يا فلان ... إليَّ إليَّ. والإشارة فيه: أنَّ جهنمَ الدنيا تعلق بقلبٍ المرءِ فتدعوه بكلابِ الحِرصِ إلى نَفْسِه وتجرُّه إلى جمعها حتى يؤثرها على نَفْسه وكلُ أحد له؛ حتى لقد يَبْخَلُ بدنياه على أولاده وأَعِزَّتِه ... وقليلٌ مَنْ نجا من مكر الدنيا وتسويلاتها(٢). (١) الشّوى: اليدان والرجلان وأطراف الأصابع وقحف الرأس، وجلدة الرأس يقال لها: شواة وما كان غير مقتل فهو شوىّ، وقيل: الشوى: (ج) الشواة: وهي جلدة الرأس. (الرسالة القشيرية ص٤٤٧ مادة : شوا). (٢) الآية (١٨) لم ترد. ٣٥٢ تفسير سورة المعارج قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. وتفسيره ما يتلوه: ﴿إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ . والهَلَعُ شِدَّةُ الْحِرِصِ مع الجزع. ويقال هلوعاً: متقلّباً في غمرات الشهوات. ويقال: يُرْضيه القليلُ ويُسْخِطه اليسير. ويقال: عند المحنة يدعو، وعند النعمة ينسى ويسهو . ﴿إِلَّا الْمُصَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآَيِسُونَ﴾ . استثنى منهم المصلين - وهم الذين يُلازِمون أبداً مواطنَ الافتقار؛ مِنْ صَلِيَ بالمكان (١). ﴿وَلَّذِينَ فِيَّ أَمْوَلِهِمْ حٌَّ مَعْلُومٌ لِلِتَّبِلِ وَالْمَعْرُورِ﴾ . وهم المُتَكَفّف والمُتَعَفِّف. وهم على أقسام: منهم مَنْ يُؤْثر بجميع مالِه؛ فأموالُهم لكلِّ مَنْ قَصَدَ، لا يخصُّون سائلاً من عائلٍ. ومنهم مَن يعطي ويمسك - وهؤلاء منهم - ومنهم مَنْ يرى يَدّه يَدَ الأمانة فلا يتكلَّف باختياره، وإنما ينتظر ما يُشَار عليه به من الأمر؛ إِمَّا بالإمساك فيقف أو ببذْلِ الكُلُّ أو البعضِ فيستجيب على ما يُطَالَبُ به وما يقتضيه حُكْمُ الوقت ... وهؤلاءٍ أَتَمُّهُم. ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الّذِينِ﴾ . وأمارتهُم الاستعدادُ للموتِ قبل نزوله، وأن يكونوا كما قيل: (٢) مستوفزون على رجلٍ كأنهمو فقد يريدون أن يمضوا فيرتحلوا قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ أَبَى وَرَةَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمَادُونَ ﴾ . وإنما تكون صحبتُهم مع أزواجهم للتَّعَفْفِ وصَوْنِ النَّفْسِ، ثم لابتغاء أن يكونَ له وَلَدٌ من صلبه يذكر الله. وشَرْطُ هذه الصحبة: أن يعيش معها على ما يهون، وألا يجرَّها إلى هَوَى نَفسِه ويحملها على مرادِه وهواه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّنَ هُمْ لِأَمْتَئِهِمْ وَعَهْدِهِ زَعُونَ﴾ . (١) أصلت الناقة: إذا وقع ولدها في صلاها وقَرُب نتاجها. (اللسان ٤٦٦/١٤ مادة: صلا). (٢) الآيتان (٢٧، ٢٨) لم تردا. ٣٥٣ تفسير سورة المعارج يحفظون الأمانات التي عندهم للخَلْقِ ولا يخونون فيها. وأمانات الحق التي عندهم أعضاؤهم الظاهرة - فلا يُدَنْسُونها بالخطايا؛ فالمعرفة التي في قلوبهم أمانة عندهم من الحق، والأسرارُ التي بينهم وبين الله أماناتٌ عندهم. والفرائضُ واللوازمُ كل ذلك أماناتٌ . والتوحيد ... ويقال: من الأمانات إقرارُهم وقتَ الذَّرّ. ويقال: من الأمانات عند العبد تلك المحبة التي أودعها اللَّهُ في قلبه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ يِشَهَدَتِهِمْ قَيِمُونَ﴾ . شهادتهم الله بالوحدانية، وفيما بينهم لبعضهم عند بعض - يقومون بحقوق ذلك کله(١) . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِثْمَالِ عِينَ﴾. والإهطاع أن يُقْبِلَ ببصره إلى الشيءِ فلا يرفعه عنه، وكذلك كانوا يفعلون عند النبيِ وَ﴿ ﴿عِزِينَ﴾: أي خَلْقاً خَلْقاً، وجماعةٌ جماعة. ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرٍِ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعٍِ﴾ . كلا ... إنك لا تدعو عن هذا! وليس هذا بصوابٍ؛ فإنهم - اليومَ ــ كفار، وغداً يعاملون بما يستوجبون. ﴿فَلَ أُقِْمُ بِرَبٍ اُلْمَشَرِقِ وَلَلْغَبِ﴾ لا - هنا صلة، والمعنى أقسم. وقد مضى القولُ في المشارق والمغارب - ﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ﴾ على ذلك(٢). ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾ غاية التهديد والتوبيخ لهم. ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ سِرَاءًا﴾ كأنهم يسرعون إلى أصنامهم، شبَّه إسراعهم حين قاموا من القبور بإسراعهم إلى النُّصُبِ - اليومَ - كي يقوموا بعبادتهم إياها (٣) (١) الآيتان (٣٤، ٣٥) لم تردا. (٢) الآية (٤١) لم ترد. (٣) الآية (٤٤) لم ترد. سورة نوح قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ أَقَّهِ الََّنِ الرَّحَمِ﴾. (بسم الله)) اسمُ لمَنْ قامت السمواتُ والأرض بقدرته واستقامت الأسرارُ والقلوبُ بنصرته .. دَلَّتْ الأفعالُ على جلالِ شأنه، وذَلَّت الرِّقابُ عند شهودٍ سلطانه. أشرقت الأقطارُ بنوره في العُقبى، وأشرقت الأسرارُ بظهوره في الدنيا، فهو المقدَّس بالوصف الأعلى. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَزْسَلْنَا نُومًا إِلَى قَوْمِهِ: أَنْ أَنَذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أرسلنا نوحاً بالنبؤَّةِ والرسالة. ﴿أَنَّ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أي بأن أنذرهم وإرسالُ الرُّسُل من الله فضلٌ، وله بحق مُلْكه أن يفعل ما أراد، ولم يجبْ عليه إرسالُ الرُّسُلِ لأن حقيقته لا تقبل الوجوب. وإرسالُ الرسل إلى مَنْ عَلِمَ أنه لا يَقْبَل جائز، وتكليفُهم من ناحية العقل جائز فنوحٌ - عَلِمَ منهم أنهم لا يقبلون .. ومع ذلك بَلَّغ الرسالة وقال لهم: ﴿إِّ لَكُ نَذِيرٌ ◌ُِيئُ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُنْ نَذِيرٌ مُبِينُّ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِعُونِ يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزَّكُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَمَّىَّ إِنَّ أَجَلَ الَّهِ إِذَا جَلَّ لَا يُؤَخَّرٌّ لَوْ كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ مِنْ هنا للجنس لا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿فَأَحْتَلِبُواْ الرّْسَ مِنَ اْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠]. ويقال: ما عملوه دون ما هو معلوم أنهم سيفعلونه؛ لأنه لو أخبرهم بأنه غفر لهم ذلك كان إغراءً لهم .. وذلك لا يجوز. فأبوا أن يَقْبَلوا منه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْىِ لَيْلًا وَنَهَرًا فَلَمْ يَزِدِّهُرْ دُعَلِّىَ إِلَّا فِرَارًا﴾ . بَيْنَ أَنْ الهداية ليست إليه، وقال: إنْ أَرَذْتَ إِيمانَهم فقلوبُهم بقدرتك - سبحانك . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسَّرُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا﴾ . ٣٥٤ ٣٥٥ تفسير سورة نوح وإِنِّي ما ازددتُ لهم دعاءً إلا ازدادوا إصراراً واستكباراً. ويقال: لمَّا دام بينهم إصرارُهم تَولَّدَ من الإصرار استكبارُهم، قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَهِمُ آلْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنَّ أَعْلَتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَا بُرْسِلِ السَّمَاءَ عَيْكُ مِّدْرَارًا وَيُعْدِدَكُمُ بِأَوَلٍ وَبِيِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَبَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا﴾ . ليعلمَ العالِمون: أَنَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، فمن وقعت له إلى اللَّهِ حاجةٌ فلن يَصِلَ إلى مرادِه إلّا بتقديم الاستغفار. ويقال: مَنْ أراد التَّفَضُّل فعليه بالعُذْر والتنصُل. قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَةَ عَيْهُ﴾: كان نوح عليه السلام كلما ازداد في بيان وجوه الخير والإحسان زادوا هم في الكفر والنسيان. قوله جلّ ذكره: ﴿َّا لَكُمْ لَا نَُّونَ لِلَّهِ وَقَّارًا﴾ . ما لَكْم لا تخافون للَّهِ عَظَمَةً؟ وما لكم لا ترجون ولا تؤمّلون على توقيركم للأمرِ من اللَّهِ لُطْفاً ونعمة؟(١). ﴿أَلَزْ تَّرَوْ كَفَ خَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَابًا﴾ . ثم نَبَّهَهُم إلى خَلْقِ السموات والأرض وما فيهما من الدلالات على أنها مخلوقة، وعلى أنَّ خالقَها يستحقُّ صفاتِ العُلُوُّ والعِزَّةِ(٢). ثم شكا نوحٌ إلى الله وقال : ﴿ قَالَ نُورٌ رَّبِّ إِنَهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّوْ يَزِدْهُ مَالُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُواْ مَكْرَاً كُبَارًا﴾. يعني كبراءهم وأغنياءهم الذين ضلُّوا في الدنيا وهلكوا في الآخرة(٣). ﴿وَقَالَ نُحٌ رٍَّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَّارًا﴾ . وذلك بتعريفِ اللَّهِ تعالى إيَّه أَنَّه لن يؤمِنَ من قومك إلّا من قد آمن. فاستجاب الله فيهم دعاءه وأهلكهم(٤). (١) الآية (١٤) لم ترد. (٢) الآيات من (١٧، ٢٠) لم ترد. (٣) الآيات من (٢٣، ٢٥) لم ترد. (٤) الآيتان (٢٧، ٢٨) لم تردا. سورة الجن قوله جلّ ذكره: ﴿ إِسْمِ أَفَِّ اَلََّبِ الرَّحَمَـ ﴾. (بسم الله)) اسم عزيز به أَقَرَّ مَنْ أَقَرَّ بربوبيته، وبه أَصَرَّ مَنْ أَصَرَّ على معرفته، وبه استقرَّ من استقرَّ من خليقته، وبه ظَهَرَ ما ظهر من مقدوراته، وبه بَطَنَ ما بطَنَ من مخلوقاته، فَمَنْ جَحَدَ فبخذلانه وحرمانه، ومن وَحَدَ فبإحسانه وامتنانه . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ أَلِْنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُوَانًا عَجَبً﴾ . قيل: إن الجنّ كانوا يأتون السماءَ فيستمعون إلى قول الملائكة، فيحفظونه، ثم يلقونه إلى الكهنة، فيزيدون فيه وينقصون .. وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيِّنَا وَه وبين عيسى عليه السلام. فلمَّا بُعِثَ نبيُّنَا وَُّ ورُجِمُوا بالشُّهُبِ عَلِمَ إبليس أنه وقع شيءٌ ففرَّ جنوده، فأتى تسعةٌ منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته وَّ فآمنوا، ثم آتوا قومهم وقالوا: إنَّا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ... إلى آخر الآيات(١). (وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِنَ اُلْجِنّ .. ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّمُ تَعَلَ جَدُّ رَبِّنَا مَا أَتَّخَذَّ صَحِبَةً وَلَا وَلَّدًا﴾ . الجَدَّ العظمة، والعظمةُ استحقاقُ نعوتِ الجلال .. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا﴾ . أراد بالسفيه الجاهل بالله يعني إبليس. والشطط الشَّرَف. ﴿وَنَّا ◌َّا أَن ◌َّنْ نَقُولَ اُلْإِنْسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللّهِ كَذِبًا﴾ . في كفرهم وكلمتهم بالشّرك. ﴿وَأَنَّمُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الِْنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ . أَي ذِلة وصغاراً؛ فالجنّ زادوا للإِنس ذِلَّةً ورهقاً فكانوا إذا نزلوا يقولون: نعوذ بربِّ هذا الوادي فيتوهم الجنُّ أنهم على شيء ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ حيث استعاذوا بهم. (١) الآية (٢) لم ترد. ٣٥٦ تفسير سورة الجن ٣٥٧ قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنْتُمْ أَنْ أَنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا﴾ . أي ظنُّوا كما ظنَّ الكفارُ من الجن أَلّا بعثَ ولا نشور - كما ظننتم أيها الإنس. ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُبًا﴾. يعني حين مُنِعوا عن الاستماع. ﴿وَأَنَّا كُنَا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبً رَّصَدًا﴾ . فالآن قد مُنِعْنا(١). ﴿وَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اَلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدًا﴾ . ﴿وَأَلَِّ أُسْتَقَدِمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّهُ غَدَقًا﴾ . الاستقامة على الطريقة تقتضي إكمالَ النعمةِ وإكثارَ الراحةِ. والإعراضُ عن الله يُوجِب تَنَغْصَ العَيْشِ ودوامَ العقوبة(٢). قوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الَهِ أَحَدًا﴾ . للمسجد فضيلة، ولهذا خصَّه الله سبحانه وأفرده بالذكر من بين البقاع؛ فهو محلُّ العبادة .. وكيف يُحلُّ العابد عنده إذا حلَّ محلَّ قَدَمِه؟ !. ويقال: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها، أخبر أنها لله، فلا تعبدوا بما للَّهِ غَيْرَ الله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ . لما قام عبد الله يعني محمداً عليه السلام يدعو الخَلْقَ إلى الله كاد الجنُّ والإنس یکونون مجتمعین علیه، يمنعونه عن التبليغ(٣) قل یا محمد: ﴿قُلْ إِّ لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَ رَشَدًا قُلْ إِّ لَن يُحِرَنِ مِنَ الَِّ أَخَذٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًّا، أو أسوق لكم خيراً .. فكل شيء من الله. ولن أجد من دونه ملتجأ : ﴿إِلَّا بَغَا مِّنَ اَللَّهِ وَرِسَلَتِهِّ﴾ . فلن يُنَجِّينِي من الله إلا تبليغي رسالاته بأمره. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهُ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ إِنْ أَدْرِىَ أَقَرِيبٌ مَا نُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبَِّ أَمَدًا﴾(٤). (١) الآيات من (١١ حتى ١٥) لم ترد. (٢) الآية (١٧) لم ترد. (٣) الآية (٢٠) لم ترد. (٤) الآية (٢٤) لم ترد. ٣٥٨ تفسير سورة الجن أَي: لا أَذري ما تُوعَدون من العقوبة، ومن قيام الساعة أَقريب أم بعيد؟ فكونوا على حذرٍ. ويجب أنْ يتوقّع العبدُ العقوبات أبداً مع مجاري الأنفاس ليَسلم من العقوبة . قوله جلّ ذكره: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ . فيطلعه بقَدْرٍ ما يريده. ﴿ لَيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيِهِمْ وَأَحْصَى كُلّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾. أرسل مع الوحي ملائكةً قُدَّامه وخَلْفه .. هم ملائكةٌ حَفَظَه، يحفظون الوحيَ من الكهنة والشياطين، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالات التي يحملها ... والله يعلم ذلك، وأحاط عِلْمُه به. سورة المزمل قوله جلّ ذكره: ﴿نِسْمِ أَلَّهِ الََِّ الْرَجَيمِ﴾. ((بسم الله)): الحادثاتُ بالله حَصَلَت، فقلوبُ العارفين بالله عَرَفتْ ما عرفت وأرواحُ الصِّدِّيقين بالله أَلِفَتْ مَنْ أَلِفِت وفُهُومُ الموحِّدينِ بساحاتٍ جلاله وقَفَت، ونفوسُ العابدين بالعجز عن استحقاق عبادته اتَّصَفَت وعقولُ الأولين والآخرين بالعجز عن معرفة جلاله اعترفت. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ قُِّ الَّيْلَ إِلَّا فَلِيلًا﴾ . أي: المتزمل المتلفّف في ثيابِه. وفي الخبر: ((أنه كان عند نزول هذه الآية عليه مِرْطُ (١) من شَعْرٍ وَبَرٍ، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان نصفُه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله وهو يُصَلِّي، وطولُ الْمِرْطِ أربعةُ عشر ذراعاً». ﴿يَصْفَهُ، أَوِ أَنْتُصْ مِنْهُ قَلِلَا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَيَّلِ الْقُرْوَانَ تَرِلًا ﴾ . ﴿قُرِ اَلَيْلَ إِلَّ قَلِيلًا﴾ نصفَه بَدَلٌ منه؛ أي: قم نصف الليل، وأَنْقِصْ من النصف إلى الثلث أو زِذ على الثلث، فكان عليه الصلاة والسلام في وجوب قيام الليل مُخَيَّراً ما بين ثلث الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث. وكان ذلك قبل قَرْضٍ الصلوات الخمس، ثم نُسِخَ بعد وجوبها على الأمة - وإن كانت بقيت واجبة على الرسول ملة . ويقال: يا أيها المتزمل بأعباء النبوّة .. ﴿قُِّ اَلَّيْلَ﴾. ويقال: يا أيها الذي يُخْفِي ما خصصناه به قُمْ فأنذِرْ .. فإنّا نصر ناك. ويقال: قُمْ بنا .. يا مَنْ جعلنا الليل ليسكن فيه كلُّ الناس .. قُمْ أنت. فليسكنْ الكلِّ .. ولْتَّقُمْ أنت. ويقال: لمَّا فَرَضَ عليه القيام بالليل أخبر عن نَفْسِه لأجل أُمَّته وإكراماً لشأنه وقدره . (١) المرط: كساء من خَزّ أو صوف أو كتان. (لسان العرب / ٤٠١ مادة: مرط). وقيل: هو الثوب الأخضر، وجمعه مروط . ٣٥٩ ٣٦٠ تفسير سورة المزمل وفي الخبر: ((أنه ينزل كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا ... ))(١) ولا يُذْرَى التأويل للخبر، أو أنَّ التأويل معلوم .. وإلى أن ينتهي إلى التأويل فللأحبابِ راحاتٌ كثيرة، ووجوه من الإحسان موفورة. قوله جلّ ذكره: ﴿عٌَّ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تِّيلًا﴾ . ارْتَعْ بِسِرِّك في فَهْمِه، وَتَأَنَّ بلسانِك في قراءته . ﴿إِنَّا سَتُلِّقِى ◌َلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا﴾ . قيل: هو القرآن. وقيل: كلمة لا إله إلا الله. ويقال: الوحي؛ وسمَّاه ثقيلاً أي خفيفاً على اللسان ثقيلاً في الميزان. ويقال: ثقيل أي: له وزن وخطر. وفي الخبر ((كان إذا نزل عليه القرآن - وهو على ناقته - وضعت جِرانها (٢)، ولا تكاد تتحرك حتى يُسرَّى عنه))(٣) . وروى ابن عباس: أنَّ سورة الأنعام نَزَلَتْ مرةً واحدةٌ فَبَركّت ناقةُ رسول اللهِ وَه من ثقل القرآن وهيبته. ويقال ﴿ تَقِلا﴾ سماعه على مَنْ جحده. ويقال: ((ثقيلاً بِعِبْثِهِ - إلّا على من أُيَدِ بقوةٍ سماوية، ورُبِّي في حِجْرِ التقريب)). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ نَاِشَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُّ وَصْنَا وَأَقْوَّمُ قِيلًا﴾ . أي: ساعات الليل، فكلُّ ساعةٍ تحدث فهي ناشئة، وهي أشد وطئاً أي: مُوَطَّأة أي: هي أشدُّ موافقةً للسانِ والقلبِ، وأشدُّ نشاطاً. ويحتمل: هي أشدُّ وأغلظُ على الإنسان من القيام بالنهار. ﴿وَأَقْوَّمُ قِيلًا﴾ أي: أَبْيَنُ قولاً . ويقال: هي أشدُّ مواطأةً للقلب وأقوم قيلاً لأنها أبعدُ من الرياء، ويكون فيها حضورُ القلبِ وسكونُ السِّرْ أبلغَ وأتمُ. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ لَكَ فِ النَّارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ . أي: سبحاً في أعمالك، والسبح: الذهاب والسرعة، ومنه السباحة في الماء. (١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٥٠٤/٢، ٨١/٤)، وصاحب (الإتحافات السنية ٣٢٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٢١/٧). وللحديث رواية أخرى ((إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله ... )) أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة ٢١٨/١). (٢) الجران: باطن العنق. (اللسان ٨٦/١٣ مادة: جرن). (٣) أخرجه الترمذي (وصايا، ٥) وأحمد بن حنبل (١٨٧/٤، ٢٣٨، ٢٣٩).