النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تفسير سورة القمر
ويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته مَنْ لا يتعبَّدُ على
ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض.
ويقال: مَنْ طلب الأعواض مَتَكَتْه الأطماع، ومَنْ صَدَقَ في العبوديَّة تحرَّرَ عن
المقاصد الدنيَّة .
ويقال: مَنْ اشتغل بالدنيا حَجَبَتْه الدنيا عن الآخرة، ومَنْ أَسَرَه نعيمُ الجنة حُجِبَ
عن القيام بالحقيقة، ومَنْ قام بالحقيقة شُغِلَ عن الكون بجملته .

سورة الرحمن
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرََّمَـ
((بسم الله)): إخبارٌ عن عِزّه وعظمته.
((الرحمن الرحيم)): إخبارٌ عن فضله ورحمته.
فبشهود عظمته يكمل سرورُ الأرواح، وبوجود رحمته يحصل نعيم الأشباح.
ولولا عظمته لما عَبَدَ الرحمنَ عابدٌ ولولا رحمتُه لما أحبَّ الرحمنَ واحدٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اَلْقُرْءَانَ﴾ .
أي الرحمن الذي عَرَفَه الموحّدون وجَحَدَه الكافرون هو الذي علَّم القرآن.
ويقال: الرحمن الذي رحمهم، وعن الشِّرِكْ عَصَمَهم، وبالإيمان أكرمهم، وكلمةً
التقوى ألزمهم - هو الذي عرَّفهم بالقرآن وعلَّمهم.
ويقال: انفرد الحقُّ بتعليم القرآن لعباده.
ويقال: أجرى اللَّهُ سُنَّتَه أنه إذا أعطى نبينا نَِّ شيئاً أَشْرَكَ أُمتَّه فيه على ما يليق
بصفاتهم؛ فلمَّا قال له (ََّ): ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [النساء: ١١٣].
قال لأمته: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾.
ويقال: علَّم الله آدمَ الأسماءَ كلَّها ثم أمره بِعَرْضها على الملائكة وذكر آدمُ ذلك
لهم - قال تعالى: ﴿أنبتني بأسماء هؤلاء﴾ [البقرة: ٣٣] يا آدم، وعلَّمَ (نبيّنا ◌ِِّرَ)(١)
المسلمين القرآنَ فقال ◌َّ: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والمُصَلِّي مُناج ربه))(٢) قال
لآدم: أُذْكُرْ ما علَّمْتُكَ للملائكة. وقال لنا: ناجِنِي يا عبدي بما عَلَّمْتُك. وقد يُلاطَفُ
مع أولاد الخَدم بما لا يُلاطَفُ به آباؤهم.
ويقال: لمَّا علَّم آدَمَ أسماءَ المخلوقاتِ قال له: أَخْبِرْ الملائكة بذلك، وعلَّمَنَا
كلامَه وأسماءَه فقال: اقْرَأْوا عليَّ وخاطِبوا به معي.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٧/٣، ٤٨)، وابن حجر في (فتح الباري ٢٥٢/٢)،
وأبو عوانة في (المسند ١٢٥/٢)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١٢٤/٧)، وصاحب (الأذكار النووية
٤٦)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٤/ ١٤٣٧).
٢٦٢

٢٦٣
تفسیر سورة الرحمن
ويقال: علَّم الأرواحَ القرآن - قَبْلَ تركيبها في الأجساد بلا واسطة، والصبيانُ
إنما يُعَلَّمُونَ القرآن - في حالٍ صِغَرِهم - قبل أَنْ عَرَفَتْ أرواحُنا أحداً، أو سَمِعْنا من
أحدٍ شيئاً .. علَّمَنَا أسماءَه:
أتاني هواها قبل أن أعرف الھوی
فصادفَ قلبي فارغاً فَتَمَگَّنَا
ويقال: سقياً لأيام مضت - وهو يُعلِّمنا القرآن.
ويقال: برحمته علّمَهم القرآن؛ فبرحمته وصلوا إلى القرآن - لا بقراءة القرآن
يَصِلُون إلى رحمته.
قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ اُلْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ أَلْبَيَانَ﴾.
﴿اَلْإِسَنَ﴾: ها هنا جِئْسُ الناس؛ عَلَّمَهم البيانَ حتى صاروا مُمَيزَّين - فانفصلوا
بالبيان عن جميع الحيوان. وعَلَّمَ كُلَّ قومٍ لسانَهم الذي يتكلمون ويتخاطبون به.
والبيانُ ما به تبينُ المعاني - وشَرْحُه في مسائل الأصول.
ويقال: لمَّا قال أهلُ مكة إنما يُعلُّمِه بَشَرّ ردَّ الله - سبحانه - عليهم وقال: بل
عَلَّمَه اللَّهُ؛ فالإنسانُ على هذا القول هو محمدٌ وَ لاَ. وقيل هو آدم عليه السلام.
ويقال: البيان الذي خُصَّ به الإنسان (عموماً) يعرِفُ به كيفيةً مخاطبةِ الأغيار من
الأمثال والأشكال. وأمَّا أهل الإيمان والمعرفة فبيانُهم هو عِلْمُهم كيفيةَ مخاطبةٍ
مولاهم - وبيانُ العبيدِ مع الحقُّ مختلفٌ: فقومٌ يخاطِبونه بلسانهم، وقومٌ بأنفاسهم،
و قوم بدموعهم :
دموعُ الفتى عمَّا يحسُّ تترجمُ وأشواقه تبدين ما هو يكتم
وقومُ بأنینهم وحنينهم:
قُلْ لي بألسنة التنفّس كيف أنت وكيف حالك؟
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلِثَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ .
يعني يجري أمرهما على حدٍّ معلوم من الحساب في زيادة الليل والنهار، وزيادة
القمر ونقصانه، وتُعْرَفُ بجريانهما الشهورُ والأيامُ والسنون والأعوام. وكذلك لهما
حساب إذا انتهى ذلك الأَجَلُ .. فالشمسُ تُكَوَّرُ والقمرُ يَنْكَدِر.
وكذلك لشمس المعارفِ وأقمارِ العلوم - في طلوعها في أوج القلوبِ والأسرار
- في حكمة الله حسابٌ معلومٌ، يُجريها على ما سَبَق به الحُكْمُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالنَّجْمُ وَاَلنَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ .
ويقال: النجم من الأشجار: ما ليس له ساق، والشجر: ما له ساق.

٢٦٤
تفسير سورة الرحمن
ويقال: النجومُ الطالعةُ والأشجارُ الثابتةُ ﴿يَسْجُدَانِ﴾ سجودَ دلالة على إثبات
الصانع بنعت استحقاقه للجلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ .
سَمَكَ السماءَ وأعلاها، وعلى وصفِ الإتقانِ والإحكام بناها، والنجومَ فيها
أجراها، وبثَّ فيها كواكبَها، وحفظ عن الاختلال مناكِبَها، وأثبت على ما شاءَ مشارقَها
ومغاربَهَا .. وخَلَقَ الميزانَ بين الناس ليعتبروا الإنصافَ في المعاملات بينهم.
ويقال: الميزانُ العَدْلُ.
﴿أَلَّا تَطْغَّوْاْ فِى الْمِيزَانِ﴾ .
احفظوا العَذل في جميع الأمور؛ في حقوق الآدميين وفي حقوق الله، فيعتبرُ
العدلُ، وتَرْكُ الحَيْفِ ومجاوزةُ الحدِّ في كل شيءٍ؛ ففي الأعمال يُعْتَبَرُ الإخلاصُ،
وفي الأحوال الصدقُ، وفي الأنفاس الحقائقُ ومساواةُ الظاهر والباطنِ وتَرْكُ المداهنةِ
والخداعِ والمكرٍ ودقائق الشّرِك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات.
﴿وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُواْ أَلْمِيزَانَ﴾ .
وأقيموا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تُكّالوا به، وعلى الوصف الذي ترجون
أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون تطفيف .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَكِهَةٌ وَاَلنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ وَالْحَبُّ ذُو
اَلْعَصْفِ وَالرَّتْحَانُ﴾ .
خلق الأرض وَجَعلَها مهاداً ومثوى للأنام.
ويقال: وضعها على الماء وبسط أقطارها، وأنبت أشجارها وأزهارها، وأجرى
أنهارها وأغطش ليلها وأوضح نهارَها.
﴿فِيهَا فَكِهَةٌ .. ﴾ يعني ألوانُ الفاكهة المختلفة في ألوانها وطعومها وروائحها
ونفعها وضررها، وحرارتها وبرودتها .. وغير ذلك من اختلافٍ في حَبِّها وشجرها،
وورقها ونَوْرها.
﴿وَاَلنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْعَامِ﴾ وأكمام النخل ليفها وما يُغِطِّيها من السَّعف.
﴿وَالْحَبُّ﴾: حَبُّ الحنطة والشعير والعدس وغير ذلك من الحُبوب.
﴿ذُو الْعَصّفِ﴾: والعصف ورق الزرع(١).
(١) العصف: ما كان على ساق الزرع من الورق الدي ييبس فيتفتت، وقيل: هو ورقه من غير أن يُعيّن
بيُّبس ولا غيره، وقيل: ورقه وما لا يؤكل. وفي التنزيل: ﴿والحب ذو العصف والريحان﴾ يعني=

٢٦٥
تفسیر سورة الرحمن
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ الذي يُشَمُّ .. ويقال: ((الرزق لأن العرب تقول: خرجنا نطلب
ريحانَ الله)).
ذكَّرهم عظِمَ مِنَّتِه عليهم بما خَلَقَ من هذه الأشياء التي ينتفعون بها من مأكولاتٍ
ومشمومات وغير ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَبِأَتِ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فبأي آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاءُ الثَّعماء.
والتثنيةُ في الخطاب للمُكلَّفين من الجِنِّ والإِنس.
ويقال: هي على عادة العرب في قولهم: خليليَّ، وقِفًا، وأرحلاها بأغلام،
وأرجراها بأغلام.
قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ﴾.
﴿ اَلْإِسَنَ﴾: يعني آدم، والصلصالُ الطينُ اليابس الذي إذا حُرِّكَ صَوَّتَ
كالفخار. ويقال: طين مخلوط بالرمل.
ويقال: مُتَثْنَّ؛ من قولهم صَلَّ وأَصَلَّ إذا تَغيرَّ.
﴿وَقَ الْجَآَنَّ مِن فَارِجِ مِّن ◌َّارٍ﴾.
المارج: هو اللهب المختلط بواد النار.
﴿فَبِأَِ ءَالَآءِ رَيْكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
يُذَكِّرُ الخَلْقَ من الجن والإنس كما سبق - وكرَّر اللَّهُ سبحانه هذه الآية في غير
موضع على جهة التقرير بالنعمة على التفصيل، أي نعمةً بعد نعمة.
ووجُه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين.
ويقال ذَكَّرَ آدَمَ نِسبتَه وذكَّرنا نسبتنا لئلا نْعَجبَ بأحوالنا.
ويقال عَرَّفَه قدَرَه لئلا يتعدَّى طَوْرَه.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَأَقِ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِبَآنِ ﴾ .
﴿اَلْشْرِقَيْنِ﴾: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما.
ووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحدٍ حتى يكمل انتفاع الخَلْقِ بهما.
ويقال: مشرق القلب ومغربه، وشوارق القلب وغوار به إنما هي الأنوار
والبصائر التي جرىَ ذِكْرُ بعضها فيما مضى.
= بالعصف ورق الزرع وما لا يؤكل منه، وأما الريحان فالرزق وما أكل منه، وقيل: العصف التبن وقيل:
هو ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التين. (اللسان ٢٤٧/٩ مادة: عصف).

٢٦٦
تفسير سورة الرحمن
قوله جلّ ذكره: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلَْفِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ ﴾ .
﴿بَرْزَخٌ﴾ أي حاجز بقدرته لئلا يغلب أحدهما الآخر، أراد به البحر العذب
والبحر الملح. ويقال: لا يبغيان على الناس ولا يغرقانهم(١).
﴿يَخْيُ مِنْهُمَا الُؤْلُ وَالْمَرْحَاتُ﴾.
اللؤلؤ: كبار الدُرِّ، والمَرجان: صغار الدُّرُ. ويقال: المرجان النَّسْل.
وفي الإشارة: خَلَقَ في القلوب بحرين: بحر الخوف وبحر الرجاء. ويقال
القبض والبسط. وقيل الهيبة والأنس. يُخرج منها اللؤلؤ والجواهر وهي الأحوال
الصافية واللطائف المتوالية .
ويقال: البحران. إشارة إلى النفس والقلب، فالقلب هو البحر العَذْب والنفس
هي البحر الملح .. فمن بحر القلب كلُّ جوهرٍ ثمين، وكلُّ حالة لطيفة .. ومن النفس
كل خلق ذميم. والدرُ من أحد البحرين يخرج، ومن الثاني لا يكون إلا التمساح مما
لا قَدْرَ له من سواكن القلب. ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَعُ لَّا يَغِيَانِ﴾: يصون الحقُّ هذا عن هذا، فلا
يَبْغي هذا على هذا (٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُشَآَتُ فِى الْبَعْرِ كَلَعَمِ﴾ .
﴿الجواري﴾: واحدها جارية، وهي السفينة.
﴿كَالْأَعْلَمِ﴾ : الجبال.
له هذه السفن التي أنشئت وخلقت في البحر كأنها الجبال العالية (٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا قَانِ﴾ .
كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر:
(ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)) ((والوجه)»: صفة الله -
سبحانه - لم يدلّ عليه العقل قطعاً ودلَّ عليه جوازاً، وورد الخبر بكونه قطعاً .
ويقال: في بقاءِ الوجه بقاءُ الذات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولا محالة شرطها
قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه بالذكر أن ما عداه يُعْرَفُ بالعقل، والوجه لا
يُعْلَمُ بالعقل، وإنما يُعْرَفُ بالنقل والأخبار. و ((يبقى)): وفي بقائه. سبحانه خَلَفّ عن كلِّ
تلفٍ، وتسليةً للمسلمين عمَّا يصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب(٤).
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَلُّمُ مَنْ فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فيِ شَأْذِ﴾ .
(١) الآية (٢١) لم ترد.
(٢) الآية (٢٣) لم ترد.
(٣) الآية (٢٥) لم ترد.
(٤) الآيتان (٢٧ - ٢٨) لم تردا.

٢٦٧
تفسیر سورة الرحمن
أهلُ السمواتِ يسألون أبداً المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، أي
لا بُدَّ لأحدٍ منه (سبحانه).
وفي السموات والأرض مَنْ لا يسأله: وهم مَنْ قيل فيهم: ((مَنْ شَغَلَه ذِكْري عن
مسألتي أعطيته أفضلَ ما أُعطي السائلين))(١).
ويقال: ليس كلُّ مَنْ في السمواتِ والأرض يسألونه مِمَّ في السموات والأرض
ولكن :
قَوْلٌ ولا قَلَمٌ للخَلْقِ یحکیه
بين المحبين سِرُّ ليس يُغْشيه
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ مِنْ إحياء وإماتة، وقبضٍ قوم وبَسْطٍ قوم .. وغير ذلك من
فنون أقسام المخلوقات، وما يُجريه عليها من اختلاف الصفات.
وفي الآية ردُّ على اليهود حيثٍ قالوا: إنَّ اللَّهَ يستريح يومَ السبت لا يفعل شيئاً،
فأخبر أنه كل يوم هو في شأن، ولو أُخْلِيَ العالَم لحظةً من حِفْظِه لتلاشى وبَطُلَ.
(ومن شأنه أن يغفرَ ذنباً، ويَسْتُرَ عيباً، ويُذْهِبَ كرباً)، ويُطَيِّب قلباً، ويُقْصِي
عَبْداً ويُذْنِي عبداً .. إلى غير ذلك من فنون الأفعال. وله مع عباده كلَّ ساعَةٍ بِرَّ
جدیدٌ، وسِرّ بینه وبین عبده ۔ عن الرقباء - بعيد.
ويقال: كل يوم هو في شأنٍ سَوْقِ المقادير إلى أوقاتها .
ويقال: كل يوم هو في شأنِ إظهارٍ مستورٍ وسَتْرٍ ظاهرٍ، وإحضارٍ غائبٍ وتغييبٍ
حاضرٍ(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ اُلْنَّقَلَانِ﴾(٣) .
أي للحساب يومَ القيامة - وليس به اشتغالٌ ... تعالى اللَّهُ عن ذلك.
ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم (٤).
قوله جلّ ذكره: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَاَلْإِسِ إِن أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
فَنْفُذُواْ لَا تَتَقُذُونَ إِلَّا يُسُلْطَنِ﴾ .
أقطارُ السمواتِ والأرضِ نواحيها. أي إِنْ قدرتم أن تخرجوا من مُلْكِه فاخرجوا.
(١) أخرجه الترمذي (ثواب القرآن ٢٥)، والدارمي (فضائل القرآن ٦).
(٢) الآية (٣٠) لم ترد.
(٣) الثقلان: الجن والإنس سُمْيا بذلك لتفضيل الله تعالى إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض
بالتمييز والعقل الذي خُصّا به، وقيل: لأنهما كالثقل للأرض وعليها. (لسان العرب ٨٨/١١ مادة:
ثقل).
(٤) الآية (٣٢) لم ترد.

٢٦٨
تفسير سورة الرحمن
ثم قال: ﴿لَا تَفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. أي لا تَصِلون إلى موضع إلَّا وهناك سلطاني
ومُلْكي ولا تنفذون في قُطْرٍ إلا وهناك عليكم حجة(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُنَا ◌ُوَاظٌ بِنِ ثَّارٍ وَنُمَاسُ فَلاَ تَنَصِرَانِ﴾ .
أي فلا تنتقمان. والشواظُ: اللَّهَبُ من النار لا دخانَ معه. والنحاس: الصُّغْرُ(٢)
المذاب(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلِّهَانِ﴾ .
ينفكُ بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر. ويقال: بها الفُرُش
الموردة کالدهان وهو جمع دهن. أي كدهن الزيت وهو دردي(٤) الزيت.
ويقال: كما أن الوردة يتلوَّن لونُها؛ إذ تكون في الربيع إلى الصُّفْرة، فإذا اشتدت
الوردة كانت حمراء، وبعد ذلك إلى الغبرة - فكذلك حالُ السماء تتلون من وصفٍ إلى
وصفٍ في القيامة(٥) .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمِذٍ لَّا يُكَّلُّ عَنَ ذَلْهِهِ إِنسُ وَلَا جَآَنٌّ﴾ .
أراد في بعض أحوال القيامة لا يُسألون، ويُسْأَلون في البعض ... فيومُ القيامة
طوِيلٌ.
ويقال: لمَّا كانت لهم يومئذٍ علامات: فللكفارِ سوادُ الوجه وزُرْقَةُ العين،
وللمسلمين بياض الوجه وغير ذلك من العلامات - فالملائكة لا يحتاجون إلى
سؤالهم: من أنتم؟ لأنهم يعرفون كُلاًّ بسيماهم.
ويقال: لا يُسْأَلُون سؤالاً يكون لهم ويُسْأَلُون سؤالاً يكون عليهم (٦).
قوله جلّ ذكره: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنََّسِ وَآلْأَقْدَعِ﴾ .
المؤمنون غُرِّ مُحَجَّلُون(٧)، والكفَّارُ سود الوجوهِ زُزْقُ العيون، فيعرف الملائكة
(١) الآية (٣٤) لم ترد.
(٢) الصفر: النحاس الجيد، وقيل: الصفر ضرب من النحاس، وقيل: هو ما صفر منه. (اللسان ٤/
٤٦١ مادة: صفر).
(٣) الآية (٣٦) لم ترد.
(٤) الدردي: ما رسب أسفل الزيت والعسل ونحوهما.
(٦) الآية (٤٠) لم ترد.
(٥) الآية (٣٨) لم ترد.
(٧) الغرّ المحجلون: أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام، استعار الوضوء في الوجوه
واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون من وجه الفرس ويديه ورجليه. (لسان العرب
١٤٤/١١ مادة: حجل).

٢٦٩
تفسير سورة الرحمن -
هؤلاء فيأخذون بنواصيهم(١) ويَجُرُّونهم مرة بها ومرةً بأقدامهم ثم يلقونُهم في النار،
ويطرحونهم في جهنم (٢):
﴿هَذِ جَهَمُ الَِّى يُكَذِّبُ بِهَا الِْمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَا وَبَّنَ حِيمٍ ،َانٍ﴾ .
يقال لهم: هذه جهنم التي کنتم بها تكذبون!
﴿عَيْرٍ﴾: ماءٌ حَارٌّ. ﴿مَانٍ﴾ تناهى في النضج(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِ جََّنِ﴾ .
يقال: لِمَنْ خاف قُرْبَ ربُّه منه واطلاعه عليه.
ويقال: لمن خاف وقوفَه غداً بين يدي الله - جنتان، ولفظة التثنية هنا على العادة
في قولهم: خليليَّ ونحوه.
وقيل: بل جنتان على الحقيقة، مُعَجَّلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح
الوقت، ومؤجّلة في الآخرة وهي جنة الثواب. ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على
مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم(٤).
﴿ذَوَاتَاً أَقْنَانٍ فَبِأَتِّ ءَالَآِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِهِمَا عَّنَانِ تَمْرِیَانِ ﴾ .
دلَّ على أن الجنتين في الآخرة. والأفنانِ الأغصان. وهي جمع فنن.
ويقال: ذواتا ألوانٍ من كلِّ صنفٍ ولونٍ تشتهيه النَّفْسُ والعينُ - وتكون جمع
فن. ﴿فِهِمَا عَّنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل.
ويقال: عينان تجريان غداً لمن كان له - اليومَ - عينان تجريان بالدموع(٥).
﴿فِيْهِمَا مِنْ كُلِّ فَكِهَمْ زَوْجَانِ﴾ .
زوجان أي صِنْفان وضَزْبان؛ كالرطب واليابس، والعنب والزبيب.
ويقال: إنها في نهاية الحسن والجودة(٦).
﴿ مُتَّكِيْنَ عَلَى قُرُتِ بَطَِّنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفَّ وَبَنَى الْجَنَِّ دَانٍ﴾ .
بطائنها من استبرق فكيف بظهائرها؟ ((والبطائن)): ما يلي الأرض.
((والاستبرق)): الديباج الغليظ. وإنما خاطَبَهم على قَدْرٍ فَهْمِهم؛ إذ يقال إنه ليس في
الجنة شيء مما يُشْبِهِ ما في الدنيا، وإنما الخطاب مع الناس على قَدْرِ أفهامهم.
(١) النواصي: (ج) الناصية: ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس يكون حداء الجبهة.
(٣) الآية (٤٥) لم ترد.
(٢) الآية (٤٢) لم ترد.
(٤) الآية (٤٧) لم ترد.
(٦) الآية (٥٣) لم ترد.
(٥) الآية (٥١) لم ترد.

٢٧٠
تفسير سورة الرحمن
﴿وَحَ الْجَنََّيْنِ دَانٍ﴾: أي ما يجتنى من ثمرها - إذا أرادوه ــ دنا إلى أفواههم
فتناولوه من غير مَشَقَّةٍ تنالهم. وفي الخبر المسند: ((مَنْ قال سبحان الله والحمد لله ولا
إله إلا الله والله أكبر غَرَسَ الله له شجرةً في الجنة أصلها الذهب وفرعها الدر وطلعها
كثدي الأبكار ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما أخذ منها شيئاً عاد كما كان))(١) -
وذلك قوله: ﴿ودنا الجنتين دان﴾ .
ويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ اَلَّرْفِ لَّمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنٌْ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَةٌ﴾ .
أي في الجنان حورٌ قَصَرْن عيونَهن عن غير أزواجهن.
وإذا كانت الزوجاتُ قاصراتِ الطَّرْفِ عن غير أزواجهن فأَوْلى بالعبد إذ رجا
لقاءَه - سبحانه - أن يقصر طَرْفَه ويَغُضَّه عن غير مُبَاحٍ.
بل عن الكُلِّ ... إلى أن يلقاه.
ويقال: من الأولياء مَنْ لا يَنْظُرُ إليهن - وإنْ أُبيح له ذلك لتحرُّره عن الشهوات،
ولعلوّ همته عن المخلوقات - وأنشدوا:
چِينًا بَلیلی وهي جُنّت بغیرنا
وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
ويقال: هُنَّ لمن قصرت يدُه عن الحرام والشبهة، وطرفُه عن الرِّيَبِ.
﴿لَمْ يَظِمِنْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ ﴾: لم يصحبهن غيرُ الوليّ ولم يَحْزُنَّ غيرَه، وفي
الخبر: ((اشتاقت الجنة لثلاثة)) (٣) (٤)
﴿كَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَاُلْمَرْحَانُ﴾.
أي: في صفاء الياقوت ولون المرجان(٥).
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾.
يقال: الإحسانُ الأول من الله والثاني من العبد؛ أي: هل جزاء مَنْ أحسنًا إليه بالنصرة
إلّا أن يُحسِن لنا بالخدمة؟ وهل جزاء مَنْ أحسنًا إليه بالولاء إلا أن يحسن لنا بالوفاء؟
(١) أخرجه البخاري (أيمان ١٩)، ومسلم (طهارة ١) وأبو داود (صلاة ١٣٥)، (تطوع ١٤)، والترمذي
(وتر ١٩)، والدارمي (استئذان ٥٣)، والموطأ (قرآن ٢٣)، وأحمد بن حنبل ٧١/١، ١٥٨/٢،
٢١٠، ٢١١، ٣٥/٣، ١٥٢، ٤٤٣، ٢٣٧/٤، ٣٥٣، ٣٥٦، ٣٨٢، ١٠/٥، ١١، ٢٠، ٢١،
١٦٨، ١٧٣، ٢٥٣، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٦٦).
(٢) الآية (٥٥) لم ترد.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية ٢٨٣/١).
(٤) الآية (٥٧) لم ترد.
(٥) الآية (٥٩) لم ترد.

٢٧١
تفسير سورة الرحمن
ويصح أن يكون الإحسانُ الأول من العبد والثاني من الله؛ أي: هل جزاء من
أحسن من حيث الطاعة إلا أن يُخْسَنَ إليه من حيث القبول والثواب؟
وهل جزاء من أحسن من حيث الخدمة إلا أن يُحْسَنَ إليه من حيث النعمة؟
ويصح أن يكون الإحسانان من الحقُّ؛ أي: هل جزاء مَنْ أحسنًا إليه في الابتداء
إلا أن نُحْسِنَ إليه في الانتهاء؟ وهل جزاء مَنْ فاتحناه باللَّطف إلا أن نُرْبِيَ له في
الفضل والعطف؟
ويصحُّ أن يكون كلاهما من العبد؛ أي: هل جزاء من آمن بنا إلَّا أَن يَثْبت في المستقبل
على إيمانه؟ وهل جزاء مَنْ عَقَدَ معنا عقد الوفاء إلا أَنْ يقوم بما يقتضيه بالتفصيل؟
ويقال: هل جزاء مَنْ بَعُدَ عن نَفْسِهِ إلَّا أَنْ نُقَرِّبَه مِنَّا؟
وهل جزاء مَنْ فَنِيَ عَن نَّفِسه إلَّا أَنْ يبقى بنا؟
وهل جزاء مَنْ رَفَعَ لنا خطوة إلَّ أَن نكافِئَه بكل خطوة ألف حظْوَة، وهل جزاء
من حفظ لنا طَرْفَه إلا أن نُكْرِمَه بلقائنا (١)؟ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّكَانِ﴾.
هما جنتان غير هاتين اللتين ذُكِرَتا؛ جنتان أُخْرَيان. وليس يريد دونهما في
الفضل، ولكن يريد ﴿ََّانِ﴾ سواهما (٢).
﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾ .
أي: خضراوان خُضْرةً تضرب إلى السواد. فالدهمة السواد والفعل منه ادهامّ
والاسم منه مُذْهامٌّ. وللمؤنث مدهامَّة، ولتثنية المؤنث مدهامتان(٣).
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ .
والتَّضْخُ فَوَرانُ العينِ بالماء(٤).
﴿فِيهِمَا فَكِهَةُ وَخْلُ وَرَّانٌ﴾ .
الأسماء متشابهة .. والعيون فلا (٥).
﴿فِنَّ خَيْرَتُ حِسَانٌ﴾ .
أي: حورٌ خَيِّرات الأخلاق حِسانُ الوجوه. واحدها خَيْرة والجمع خيِّرات وهذا
هو الأصل ثم خُفْف فصارت خيرات(٦).
(١) الآية (٦١) لم ترد.
(٢) الآية (٦٣) لم ترد.
(٣) الآية (٦٥) لم ترد.
(٤) الآية (٦٧) لم ترد.
(٥) الآية (٦٩) لم ترد.
(٦) الآية (٧١) لم ترد.

٢٧٢
تفسير سورة الرحمن
﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَارِ﴾.
محبوسات على أزواجهن. وهُنَّ لِمَنْ هو مقصورٌ الجوارح عن الزَّلَّات، مقصورُ
القلب عن الغفلات، مقصور السِّرِّ عن مساكنة الأشكال والأعلال والأشباه والأمثلل.
وفي بعض التفاسير: أن الخيمة من دُرَّةٍ مجوفة فرسخ(١) في فرسخ لها ألف
باب.
ويقال: قصرت أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. وفي الخبر: ((أنهن
يقلن: نحن الناعمات. فلا نبؤس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط)»(٢).
وفي خبر عن عائشة رضي الله عنها: ((أن المؤمنات أجَبْنَهُنَّ: نحن المصلياتُ
وما صَلَّيْتُنَّ، ونحن الصائماتُ وما صُمْتُنَّ، ونحن المتصدِّقاتُ وما تَصَدَّقْتُنَّ)) قالت
عائشة يغلبهن(٣) قولُه:
﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ﴾(٤).
قوله جلّ ذكره: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِّ حِسَانٍ﴾ .
قيل: رياض الجنة، وقيل: المجالس، وقيل: الزرابيّ(٥) والوسائد - وهي خُضْرٌ
﴿وعبقري حسان﴾: العبقري عند العرب كلُّ ثوبٍ مُوَشَّى(٦).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَيْرَكَ أَسُْ رَئِكَ ذِى لَْمَلِ وَلْأَكْرَمِ﴾ .
مضى تفسيره.
(١) الفرسخ: فرسخ الطريق: مسافة تبلغ ثلاثة أميال هاشمية، والميل الهاشمي ٥٧٦٠ متراً (ج) فراسخ
(مع) فارسي.
(٢) أخرجه الترمذي (جنة ٢٤)، وأحمد بن حنبل ١، ١٥٦.
(٣) الآية (٧٣) لم ترد.
(٤) الآية (٧٥) لم ترد.
(٥) الزرابي: (ج) الزربية: البساط أو السجادة، أو الوسادة تُبسط ليُتكأ عليها.
(٦) الآية (٧٧) لم ترد.

سورة الواقعة
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ﴾.
(بِسْم الله)): اسم جبَّر مَنْ اعتنى بشأنه أحضره بإحسانه، فإن أبى إلَّا تمادياً في
عصيانه حَالَ بينه وبين اختياره بقَهْرِ سلطانه، وإنْ لم يلازم هذه الطاعة أَلْجَأَه بالبلاءِ
فيأتيها باضطراره .
اسم عزيزٌ أزليٍّ، جبَّارٌ صَمَدِيّ، قَهَّارٌ أحديّ، للمؤمنين وليّ، وبالعاصين حَفِيّ،
ليس لجماله كَفِيّ، ولا في جلاله سميّ، لكنه للعُصَاةِ من المؤمنين وليّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَسَ لِوَقْعَنِهَا كَذِيَّةٌ ﴾ .
إذا قامت القيامة لا يردُّها شيءٌ .
﴿ كَذِيَةً﴾ هاهنا مصدر: كالعافية، والعاقبة: أي: هي حقّةٌ لا يردها شيءٌ، وليس
في وقوعها كذب.
ويقال: إذا وقعت الواقعة فَمَنْ سَلَكَ منهاج الصحة والاستقامة وَصَلَ إلى
السلامة ولقي الكرامة، ومَنْ حادَ عن نهج الاستقامة وَقَعَ في الندامة والغرامة، وعند
وقوعها يتبين الصادق من المماذق :
إذا اشتبكت دموعٌ في خدود
تَبَيَّنَ مَنْ بکی مِمَّن تباكى
﴿ نَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ .
﴿خَاِضَةٌ﴾: لأهل الشقاوة، ﴿رَِّعَةٌ﴾: لأهل الوفاق.
﴿خَافِضَةٌ﴾: لأصحاب الدعاوى، ﴿رَّفِعَةُ﴾: لأرباب المعاني.
﴿فَرِضَةٌ﴾: للنفوس، ﴿رَّافِعَةٌ﴾: للقلوب.
﴿خَافِضَةٌ﴾: لأهل الشهوة، ﴿رَّفِعَةٌ﴾: لأهل الصفوة.
﴿خَافِضَةٌ﴾: لمن جَحَد، ﴿رَّافِعَةٌ﴾: لمن وَحَدَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذَا رُبَّتِ آلْأَرْضُ رَبَِّّا﴾ .
حُرِّكت حركةً شديدة.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبُنَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا فَكَنَتْ هَبَ تُقْبًَّ﴾ .
٢٧٣

٢٧٤
تفسير سورة الواقعة
فُشِّنَت فكانت كالهباء الذي يقع في الكوَّة عند شعاع الشمس.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَّةُ فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَآ أَمْحَبُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَبُ الْمَةِ
مَآ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ﴾ .
﴿مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾؟ على جهته التفخيم لشأنهم والتعظيم لِقَدْرهم وهم أصحاب
اليمن والبركة والثواب.
﴿مَّ أَصْحَبُ اَلْمَشْشَمَةِ﴾: على جهة التعظيم والمبالغة في ذَمِّهم، وهم أصحاب
الشؤم على أنفسهم ويقال: أصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم
عليه السلام يومَ الذَّرِّ (١)، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله.
ويقال: الذين يُعْطُوْن الكتابَ بأَيَمْانهم، والذين يُعْطَوْن الكتاب بشمائلهم.
ويقال: هم الذين يُؤْخَذُ بهم ذات اليمين .. إلى الجنة، والذين يُؤْخَذُ بهم ذات
الشمال .. إلى النار.
﴿وَالسََّبِقُونَ السَّبِقُونَ﴾: وهم الصف الثالث. وهم السابقون إلى الخصال الحميدة،
والأفضال الجميلة.
ويقال: السابقون إلى الهجرة. ويقال: إلى الإسلام. ويقال: إلى الصلوات
الخمس .
ويقال: السابقون بصدْق القَدّم. ويقال: السابقون بعُلُوِّ الهِمَم. ويقال: السابقون
إلى كل خير. ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب فيتسارعون إلى النَّدمَ
إن لم يتسارعوا بصدق القَدَم.
ويقال: الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه:
﴿أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ﴾ .
ولم يقل: ﴿المتقربون﴾ بل قال: أولئك المُقَرَّبون - وهذا عين الجَمْعِ، فَعَلِمَ
الكافة أنهم بتقريب ربهّم سبقوا - لا بِتقَرُّبهم.
﴿فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾.
أي: في الجنة. ويقال: مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ثم
يُقَرَّبون من الجنة، وإنما يُقَرَّبون إِلى غير الجنة: يُقَرَّبون من بِساط القربة ..
وأنَّى بالبساط ولا بساط؟! مقربون .. ولكن من حيث الكرامة لا من حيث
المسافة؛ مُقَرَّبةٌ نفوسُهم من الجنة وقلوبهُم إلى الحقِ.
(١) الذر: أي بني آدم.

٢٧٥
تفسير سورة الواقعة
مُقَرَّبةٌ قلوبهم من بساط المعرفة، وأرواحُهم من ساحات الشهود - فالحقُّ
عزيز .. لا قُرْبَ ولا بْعْدَ، ولا فَضْلَ ولا وَضْلَ.
ويقال: مقربون ولكن من حظوظهم ونصيِبهم. وأحوالُهم - وإِنْ صَفَتْ - فالحقُّ
وراء الوراء .
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾.
الثُّلّة: الجماعة. ويقال: ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءَهم وقليل من
الآخرين الذين شاهدوا نبيَّنَا الَِّ.
ويقال: ثُلّةٌ من الأولين: من السلف وقليل من المتأخرين: من الأمة.
﴿عَلَى سُرُرٍ قَوْضُونَةٍ﴾(١) .
أي منسوخة نسيج الدرع من الذهب. جاء في التفسير: طولُ كل سريرٍ ثلاثمائة
ذراع، إن أراد الجلوس عليه تواضع، وإن استوى عليه ارتفع.
﴿مُتِّكِينَ عَلَهَا مُتَّقَِلِينَ﴾ .
أي لا يرى بعضُهم قفا بعضٍ. وَصَفَهم بصفاء المودة وتَهَذُّب الأخلاق.
﴿يَطُوفُ عَلِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
يطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدانٌ في سِنْ واحدة .. لا يهرمون.
وقيل: مُقَرَّطون (الخَلدة. القُرْط).
﴿ يَأَكْوَبٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسٍ مِّنِ فَعِينٍ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُعِفُونَ ﴾ .
﴿يَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم، ﴿وَأَبَرِيقَ﴾: جمع إبريق
وهو عكس الكوب (أي له خرطوم وعروة).
ولا صداع لهم في شربهم إياها، كما لا تذهب عقولهم بسببها .
ولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون، ولحم طيرٍ مما يشتهون، وحُورٌ عين، كأمثال
اللؤلؤ المكنون، أي: المصون، جزاءً بما كانوا يعملون(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيِمًا إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَمًا﴾ .
اللغو: الباطل من القول، والتأثيم: الإثم والهذيان.
ولا يسمعون إلا قيلاً سلاماً، وسلاماً: نعت للقيل.
(١) الموضونة: المنسوجة أي منسوجة بالدر والجوهر، بعضها مداخل في بعض. (لسان العرب ١٣٪
٤٥٠ مادة: وضن).
(٢) الآيات من (٢٠ حتى ٢٤) لم تزد.

٢٧٦
تفسير سورة الواقعة
﴿وَأَصَْبُ أَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ فِ سِدْرٍ تَّخْضُورٍ﴾: لا شوكَ فيه، ﴿وَطَلْحٍ مَّنْضُورٍ﴾:
والطلح شجر الموز، متراكم نضيد بعضه على بعض.
﴿وَظلّ تَّدُورٍ﴾ كما بين الإسفار إلى طلوع الشمس. وقيل: ممدود أي دائم.
﴿وَمَآءٍ مَسْكُوبٍ﴾ : جَارٍ لا يتعبون فيه.
﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾: لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم(١) .
﴿وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ لهم. وقيل: أراد بها النساء.
﴿إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ بَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا﴾ أي الحُور العين.
﴿عُرْبً﴾ جمع عَرُوب وهي الغَنِجَةُ المتحببةُ إلى زَوْجِها. ويقال عرباً: أي
مُتَشَهِيَّات إلى أزواجهن.
﴿َتْرَابًا﴾ : جمع تِزْب، أي: هُنَّ على سِنَّ واحدة.
﴿لَأَصْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾: أي خلقناهن لأصحاب اليمين.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾: أي: ثلة من أُولَى هذه الأمة، وثُلة من
أُخراها.
﴿وَأَصْحَبُ اَلِثِّمَالِ مَا أَصْحَبُ اَلْثِمَالِ فِى سَهُوبٍ وَحَمِيمٍ﴾: والسَّموم فيحُ جهنم وحَرُّها.
والحميم: الماءُ الحار.
﴿وَظَلّ مِّنِ يَحِمُورٍ﴾، وهو الدُّخان الأُسود.
﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيرٍ﴾: لا بارد: أي لا راحةً فيه. ولا كريمٍ: ولا حَسَنٍ لهم؛
(حيث لا نفع فيه).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي: كانوا في الدنيا مُمَتَّعين.
﴿وَكَانُوْ يُصِرُونَ عَلَى لَلِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ أي الذَّنْبِ العظيم.
﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَيِذَا مِثْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوْنَا لَمَبْعُوْنُونَ﴾؟ أي: أنهم يُكَذُبون
بالبعث (٢).
ثم يقال لهم: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم ◌َّا الََّلُونَ الْمُكَذِبُونَ﴾ اليومَ ﴿لَكُونَ مِنْ شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ﴾ وجاء
في التفسير: أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طُرِحَ الكافرُ في جهنم لا يصل إليها
إلا بعد أربعين خريفاً.
﴿فَالِحُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسِيمِ﴾ شرابٌ لا تهنأون به ﴿فَتَرِبُونَ شُرْبَ لَلِيمِ﴾:
وهي الإبل العِطاش. ويقال: الهيم أي الرَّمْلُ ينضب فيه كلِّ ما يُصَبُّ عليه.
(١) الآية (٣٣) لم ترد.
(٢) الآيات (٤٨، ٤٩، ٥٠) لم ترد.

٢٧٧
تفسير سورة الواقعة
﴿هَذَا نُهُمْ يَوْمَ الِيْنِ﴾: يوم القيامة.
قوله جلّ ذكره: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ .
نحن خلقناكم: يا أهلَ مكة - فهلَا آمَنْتُم لتتخلصوا؟ توبَّخون وتُعَاتَبون .. واليومَ
تَعْتَذِرون! ولكن لا ينفعكم ذلك ولا يُسْمَعُ منكم شيءٍ.
وإن أشدَّ العقوبات عليهم يومئذٍ أنهم لا يتفرَّغون من آلامٍ نفوسهم وأوجاعٍ
أعضائهم إلى التَحسُّر على ما فاتهم في حقُ الله .
ويقال: أشدُّ البلاء - اليوم ــ على قلوب هذه الطائفة خوفُهم من أَنْ
يَشْغَلَهم - غداً - بمقاساة آلامهم عن التحسُّر على ما تكدَّرَ عليهم من المشارب
في هذا الطريق. وهذه محنةٌ لا شيءَ أعظمُ على الأصحاب منها. وإنَّ أصحابَ
القلوب - اليومَ - يبتهلون إليه ويقولون: إنْ حَرَمْتَنا مشاهدَ الأنْس فلا تَشْغَلْنا
بلذَّاتٍ تشغلنا عن التحسُّر على ما فاتنا، ولا بآلام تشغلنا عن التأسُّف على ما
عَدِمْنا منك .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَرََّيْتُم ◌َّا ثُمْنُونَ ءَ أَنتُمُ تَخْلُقُونَهُ: أَمَّ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ﴾ .
يقال: مَنىّ الرجلُ وأَمْنَى. والمعنى: هل إذا باشَرْتُم وأنزلتم وانعقد الولد ..
أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخَلْقُ ها هنا: التصوير؛ أي: أأنتم تجمعون صُوّرَ
المولود وتُرَكُبون أعضاءه .. أم نحن؟
وهم كانوا يُقِرُّون بالنشأة الأولى فاحتج بهذا على جواز النشأة الأخرى عند
البعث الذي كانوا ينكرونه. وهذه الآية أصلٌ في إثبات الصانع؛ فإن أصلَ خِلْقَةِ
الإنسان من قطرتين: قطرة من صُلْبٍ الأب وهو المني وقطرة من تربية الأم،
وتجتمع القطرتان في الرَّحِم فيصير الولد. وينقسم الماءان المختلطان إلى هذه
الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العَظْم والعَصَبِ والعرِقِ والجِلْدِ والشّغْرِ .. ثم
يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة حيث يُشَكَّلُ كل
عضوٍ بشكلٍ خاص، والعِظام بكيفية خاصة .. إلى غير ذلك.
وليس يخلو: إِمَّا أَنْ يكونَ الأبْوَان يصنعانه - وذلك التقديرُ محالٌ لتقاصر عِلْمِها
وقُدْرتهما عن ذلك وتمّنِيهما الولَدَ ثم لا يكون، وكراهتهما الولدَ ثم يكون!
والنّطفة أو القَطْرةُ مُحَالٌ تقديرُ فِعْلها في نَفْسِها على هذه الصورة لكونها من
الأموات بَعْدُ، ولا عِلْمَ لها ولا قدرة.
أو مِنْ غيرِ صانعٍ .. وبالضرورة يُعْلَمُ أنه لا يجوز.
فلم يَبْقَ إِلَّا أن الصانعَ القديمَ المَلِكَ العليمَ هو الخالق.

٢٧٨
تفسير سورة الواقعة
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمْنُ قَدَرْنَا بَيْتَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِنٌّ عَلَىَ أَنْ تُبَّدِّلَ أَمْتَكُمْ وَنُنِشِتَكُمْ
فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .
يكون الموتُ في الوقت الذي يريده؛ منكم مَنْ يموت طفلاً ومنكم من يموت
شابًا، ومنكم من يموت كهلاً، وبِعللٍ مختلفة وبأسبابٍ متفاوتةٍ وفي أوقاتٍ مختلفة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينٌ﴾ في تقديرنا فيفوتنا شيءٌ ولَسْنا بعاجزين عن أن نَخْلُقَ
أمثالَكم، ولا بعاجزين عن تبديلَ صُوَركم التي تعلمون؛ إِن أردنا مَسْخَكُم وتبديلَ
صُوَركم فلا يمنعنا عن ذلك أحدٌ.
ويقال: وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَلَيْتُمُ اللَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
أي: أنتم أقررتم بالنشأة الأولى .. فهلَّا تذكَّرون لتعلموا جَوَازَ الإعادة؛ إذ هي
في معناها .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفََّيْتُم مَّا تَخُونَ ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ نَحْنُ التَّرِعُونَ ﴾ .
أي: إذا ألقيتم الحَبَّ في الأرض .. أأنتم تُشْبِتُونه أم نحن المُنبتون؟ وكذلك
وُجوهُ الحكمةِ في إنبات الزَّزع، وانقسام الحَبَّةِ الواحدةِ على الشجرة النابتةِ منها في
قِشْرِها ولحائها وجِذْعِها وأغصانها وأوراقها وثمارها - كل هذا:
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ .
لو نشاء لجعلناه حطاماً يابساً بعد خُضْرَته، فصِرْهُم تتعجبون وتندمون على
تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، ثم تقولون:
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُمُونَ ﴾ .
أي: لَمُلْزَمون غرامةَ ما أنفقنا في الزَّرع، وقد صار ذلك غُزْماً علينا - فالمغرم
مَنْ ذَهَبَ إنفاقُه بغير عِوَضٍ.
﴿َلْ نَحْنُ مَرُونَ﴾ بل نحن محرومون بعد أن ضاع مِنَّا الرزق.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ
نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَابًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ .
أأنتم أنزلتموه من السحاب .. أم نحن نُنْزِلُهُ متى نشاء أَنَّى نشاء كما نشاء على
من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفاً في الوقت وفي المقدار وفي
الكيفية، في القِلَّة وفي الكثرة.

٢٧٩
تفسير سورة الواقعة
ولو نشاء لجعلناه ملحاً .. أفلا تشكرون عظيمَ نعمةِ اللَّهِ - سبحانه - عليكم في
تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خَلَقها لكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَّ ◌َيْثُمُ النَّارَ الَّى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنِشِئُونَ نَحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةٌ وَمَتَفًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ .
وَرَى الزَّنْدَ يُرَى فهو وارٍ .. وأَوْراه يُورِيه أي يَقْدَحُه.
يعني: إذا قدحتم الزند .. أرأيتم كيف تظهر النار - فهل أنتم تخلقون ذلك؟
أنتم أنشأتم شجرتها - يعني المَرْخ(١) والعَفَار(٢) - أم نحن المنشئون؟
﴿فَحْنُ جَعَلْتَهَا تَذْكِرَةً﴾ : أي يمكن الاستدلالُ بها.
﴿وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: يقال: أقوى الرجلُ إذا نزل بالقواء أي: الأرض الخالية.
فالمعنى: أن هذه النار ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ يتذكَّر بها الإنسان ما توعده به في الآخرة من
نار جهنم، و ﴿وَمَتَعًا﴾: يستمتع بها المسافر في سفره في وجوه الانتفاع المختلفة.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾ .
أي: اسبخ بفكرك في بحار عقلك، وغُض بقوة التوحيد فيها تَظْفَرْ بجواهر العلم،
وإِيَّاك أَنْ تُقَصِّرَ في الغوص لسببٍ أو لآخَرِ، وإياك أن تتداخَلَكَ الشُّبَهُ فيتلفَ رأسَ مالِك
ويخرجَ من يدك وهو دينُك واعتقادك . . وإلَّا غرقتَ في بحار الشُّبَه، وضَّلَلْتَ.
وهذه الآيات التي عَدَّها الله - سبحانه - تُمَّهُدُ لسلوكٍ طريقِ الاستدلالِ، فكما في
الخبر ((فِكْرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سَنَةٍ)» (٣) - وقد نبَّه الله سبحانه بهذا إلى ضرورة
التفكير .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَفَسٌَ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ إِنَّهُ
لَقُرْوَانٌ كَرِيمٌ فِي كِتَبٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
(١) المَزْخ: من العضاء وهو ينفرش ويطول في السماء حتى يستظل فيه، وليس له ورق ولا شوك
وعيدانه سِلبة قضبان دقاق، وينبت في شعب وفي خشب، ومنه يكون الزناد الذي يقتدح به، واحدته
مرخة. (لسان العرب ٣/ ٥٤ مادة: مرخ).
(٢) العَفار: شجر يُتخذ منه الزناد. (لسان العرب ٥٨٩/٤ مادة: عفر).
(٣) للحديث رواية تقول: ((فكرة ساعة خير من عباده ستين سنة)) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٢/
١١١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٧١٠)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٢٤٢) وابن
عراق في (تنزيه الشريعة ٣٠٥/٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٣٧٠/١ - ٣٧١) والفتني في
(تذكرة الموضوعات ١٨٨)، والسيوطي في (اللآلى المصنوعة ١٧٥/٢)، وعلي القاري في
(الأسرار المرفوعة ١٦٣)، والألباني في (السلسلة الضعيفة ١٧٣)، وابن الجوزي في (الموضوعات
١٤٤/٣).

٢٨٠
تفسير سورة الواقعة
قيل: هي مواقع نجوم السماء. ويقال: مواقع نجوم القرآن على قلب الرسول
﴿إِنَُّ لَقُرْمَانٌّ كَرِيمٌ﴾: والكَرَمُ نَفْيُ الدناءة - أي: أنه غير مخلوق ويقال: هو
﴿لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾: لأنه يدل على مكارم الأخلاق.
ويقال هو قرآن كريمٌ لأنه من عند ربِّ كريم على رسولٍ كريم، على لسان مَلَكِ
كريم. ﴿فِ كِتَبٍ تَكْنُونٍ﴾: يقال: في اللوح المحفوظ. ويقال: فيّ المصاحفَ. وهو
محفوظ عن التبديل. ﴿لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا أَلْمُطَهَّرُونَ﴾ عن الأدناس والعيوب والمعاصي.
ويقال: هو خَبَرٌ فيه معنى الأمر: أي لا ينبغي أَنْ يَمَسَّ المصحفَ إلا مَنْ كان
مُتَطَهِّراً من الشِّرْكِ وعن الأحداث(١).
ويقال: لا يجد طَعْمَه وبَرَكَته إلَّا مَنْ آمَنَ به.
ويقال: لا يقربه إلّ المَوَحِّدون، فأمَّا الكفّار فيكرهون سماعَه فلا يقربونه.
وقرىء المُطَهِّرون: أي الذين يُطَهِّرون نفوسَهم عن الذنوب والخُلُقِ الدَّنيّ.
ويقال: لا يَمَسُ خبره إلَّا من ◌ُهْر يومَ القسمة عن الشقاوة.
ويقال: لا يَفْهَم لطائفَة إلَّا مَنْ طَهَّر سِرَّه عن الكون.
ويقال: المطهّرون سرائرَهم عن غيره.
ويقال: إلا المُخْتَرِمون له القائمون بحقّه.
ويقال: إلا مَنْ طُهْرَ بماء السعادة ثم بماء الرحمة .
﴿تَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: مُنَزَّل من قِبَلِهِ - سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَهَذَا اَلْدِيثِ أَنْتُ مُدْهِنُونَ وَّتْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ .
أبهذا القرآن أنتم تُنافِقون، وبه تُكّذِّبون.
﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ﴾: كانوا إذا أُمْطِروا يقولون: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كذا.
يقول: أتجعلون بَدَلَ إنعام اللَّهِ عليكم بالمطر الكفرانَ به، وتتوهمون أن المطرَ -
الذي هو نعمةٌ من الله - من الأنواء والكواكب؟ !.
ويقال: أتجعلون حظّكم ونصيبَكم من القرآنِ التكذيبَ؟.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الُْلْقُوْمَ وَأَنْتُمْ حِينَيْدٍ نَنْظُرُونَ وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِنْ لَّا نُّصِرُونَ﴾ .
(١) الأحداث: (ج) الحدث (عند الفقهاء): ما ينقض الطهارة.