النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تفسير سورة محمد {﴾
-
ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾ [البقرة:
٢٥٧].
ويصح أن يقالَ إنَّ هذه أرجى آية في القرآن؛ ذلك بأنه سبحانه يقول: ﴿بِأَنَّ اللَّهُ مَّوْلَىَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ولم يقل: مولى الزهَّادِ والعُبَّادِ وأصحاب الأورادِ والاجتهادِ؛ فالمؤمنُ - وإنْ
كان عاصياً - من جملة الذين آمنوا، (لا سيما و ((آمنوا» فعل، والفعل لا عموم له).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحِمَا
الأَنْهَزِ﴾ .
مضى الكلامُ في هذه الآية.
﴿وَِّنَ كَفَرُواْ يَنَُّونَ وَبَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَمْ﴾ .
الأنعامُ تأكل من أي موضع بلا تمييز، وكذلك الكافرُ لا تمييزً له بين الحلال
والحرام. [كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها؛ بل في كل وقت تقتات وتأكل،
وكذلك الكافر، وفي الخبر: ((إنه يأكل في سبعة أمعاء))(١). أمَّا المؤمن فيكتفي بالقليل
كما في الخبر: ((إن كان ولا بُد فثُلُثّ للطعام وثُلُثّ للشراب وثلث للنفس))(٢) و((ما
ملأ ابن آدم وعاءً شرًّاً من بطنه)](٣).
ويقال: الأنعامُ تأكل على الغفلة؛ فَمَنْ كان في حال أكله ناسياً ربَّه فأكْلُه كأكلِ
الأنعام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ مِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِيَ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَ
﴿أَفْلَكْنَهُمْ﴾: يعني بها مَنْ أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخالية.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيِنَةٍ مِنْ زَّيْهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ، وَّعُواْ أَهْوَةَهُ﴾ .
((البيِّنة): الضياء والحُجَّة، والاستبصار بواضح المحجة: فالعلماءُ في ضياء
برهانهم، والعارفون في ضياءٍ بيانهم؛ فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يُبْصِرون، وهؤلاء
بحكم الإلهام والوصول يستبصرون.
(١) أخرجه الموطأ (صفة النبي ٩، ١٠)، وأحمد بن حنبل ٢١/٢، ٤٣، ٧٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (أطعمة ٥٠)، والترمذي (زهد ٤٧).
(٣) أخرجه الترمذي في (السنن ٢٣٨٠)، وأحمد بن حنبل في (المسند ١٣٢/٤)، والدارمي في (السنن
٢١٣)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٨٧/٧)، والقاضي عياض في (الشفا ١٨٦/١)، وابن
حجر في (فتح الباري ٢٨٨/١١، ٢٤٨/١٣)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٢٧٨/٢)، وابن
الجوزي في (تلبيس إبليس ٢١٤).

٢٠٢
تفسير سورة محمد #
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلُّ ◌َلْجَنَّةِ أَلَِّى رُعِدَ الْمُتَّقُونَّ فِيهَا أَنْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ ءَآسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لََّنٍ لَمْ يَتَغَّرْ
◌َعْمُ وَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِشَّكْرِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَنَّ وَلَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثََّرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ زَيْهِمْ﴾ .
كذلك اليومَ شأنُ الأولياء، فلهم شرابُ الوفاء، ثم شرابُ الصفاء، ثم شرابُ
الولاء، ثم شرابٌ حالَ اللقاء.
ولكلٍّ من هذه الأشربة عَمَلٌ، ولصاحبه سُكْرٌ وصحو؛ فَمَنْ تحسَّى شرابَ الوفاء
لم ينظر إلى أحدٍ في أيام غيبته من أحبابه:
وما سرًّ صدري مُنذ شطّ بك النوى
أنيس ولا كأس ولا متصرف
ومَنْ شَرِبَ كأسَ الصفاء خَلُصَ له عن كل شَوْبٍ، فلا كدورةً في عهده، وهو
في كلٌ وقتٍ صافٍ عن نَفْسِه، خالٍ من مُطَالَباته، قائمٌ بلا شُغلٍ - في الدنيا والآخرة -
ولا أرَبِ.
ومَنْ شَرِبَ كأسَ الولاءِ عَدِمَ فيه القرار، ولم يَغِبْ بِسرِّه لحظةً في ليلٍ أو نهار.
ومَنْ شَرِبَ في حال اللقاء أنْسَ على الدوام ببقائه؛ فلم يطلب - مع بقائه - شيئاً
آخَرَ من عطائه؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا
قَالَ مَائِقًاْ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ .
هم المنافقون الذين كرهوا ما أنزل اللَّهُ؛ لِمَا فيه من افتضاحِهم.
﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ﴾
﴿أَهْتَدَوْا﴾: بأنواع المجاهدات، ((فزادهم هدّى)): بأنوار المشاهدات.
﴿أَهْتَدَوْا﴾: بتأمل البرهان، ((فزادهم هدى)) بَروح البيان.
﴿أَهْتَدَوْا﴾: بعلم اليقين، ((فزادهم هدّى)): بحقُ اليقين.
﴿أَهْتَدَوْا﴾: بآداب المناجاة، ((فزادهم هدى)): بالنجاة ورَفْع الدرجات.
﴿أَهْتَدَوْا﴾: إلى ما فيه من الحقُّ ولم يختلفوا في أنه الحق، ((فزادهم هدّى))
بالاستقامة على طرق الحق.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَهَلْ يَقُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَعْتَّةٌ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا فَّ ◌َهُمْ إِذَا
◌َتْهُمْ ذِكْرَنُهُمْ فَأَعْلَمْ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَمْتَغْفِرْ لِذَتْمِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ﴾.
كان عالماً بأنه: ﴿لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فأمره بالثبات عليها؛ قال (ص): ((أنا أعلمكم
بالله، وأخشاکم له))(١) .
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٣١/٨، ١٢٠/٩)، وأحمد بن حنبل في (المسند ١٢٢/٦، ١٨١)،
والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١٥٣/٤)، وابن حجر في (فتح الباري ٥١٣/١٠).

٢٠٣
تفسير سورة محمد ##
ويقال: كيف قيل له: ﴿ ... فَأَعْلَمْ﴾ ولم يقل: عَلِمْتُ، وإبراهيم قيل له:
﴿أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] فقال: ((سلمت ... ))؟ فيُجاب بأنَّ إبراهيمَ لمَّا قال: ((اسلمت))
ابْتُلِيَ، ونبيَّنَا مَ ل﴿ لم يقل: علمت فعُوفِيَ.
وإبراهيم عليه السلام أتى بَعْدَه شَرْع كَشَفَ سِرَّه، ونبيُّنَا مِ ◌ّ﴿ لم يأتِ بعدَه شرعٌ.
ويقال: نبيّنا ◌َّ أخبر الحقُّ عنه بقوله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
والإيمان هو العلم - وإخبارُ الحقِّ سبحانه عنه أَتَّمُّ من إخباره بنفسه عن نفسه: ((عَلِمْتُ)).
ويقال: فرقٌ بين موسى عليه السلام لمَّا احتاج إلى زيادةِ العلم فأُحيلَ على
الخضر، ونبيًّا وَ﴿ قال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ... فكم بين مَنْ أُحيلَ
في استزادة العلم على عَبْدٍ وبين مَنْ أَمِرَ باستزادة العلم من الحق !!.
ويقال لمَّا قال له: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ كان يأمره بالانقطاع إليه عن
الخَلْق، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه ... أي إلى الحق سبحانه. والعبدُ
إذا قال هذه الكلمةَ على سبيلِ العادةِ والغفلةِ عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان -
فليس لقوله كثيرُ قيمةٍ؛ كأن تُقَال عند التعجب من شيء ... فليس لهذا قَدْرٌ. أمَّا إذا
قالها مخلصاً فيها، ذاكراً لمعناها، متحققاً بحقيقتها ... فإنْ كان بنفسه فهو في وطن
التفرقة ... وعندهم هذا من الشّرْكِ الخفّي، وإن قالها بحقِّ فهو الإخلاص. فالعبد
يعلم أولاً ربَّه بدليلٍ وحُجَّةٍ؛ فعِلْمُه بنفسه كَسْبيٍّ ... وهو أصل الأصول، وعليه ينبني
كل علم استدلالى! ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج، ويتناقص علمُه
بنفسه لغَلَبَاتِ ذِكْرِ اللَّهِ على القلب. فإذا انتهى إلى حال المشاهدة، واستيلاء سلطان
الحقيقة عليه صار عِلْمُه في تلك الحالة ضرورياً. ويقلُّ إحساسُه بنفسه حتى يصير
علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافلٌ عن نفسه أو ناسٍ لنفسه.
ويقال: الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر، فإذا ركب البحر
قويت هذه الحالة، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساسَ له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ
فيه ومستهلك(١).
﴿وَأَسْتَغْفِرٍ لِذَنْبِكَ﴾: أي إذا عَلِمْتَ أنك علمت فاستغفِرْ لذنبك من هذا؛ فإن
الحقِّ - على جلال قذرٍه ــ لا يعلمه غيره.
(١) استفاد القشيري هنا من الدقاق حين أوضح مراحل التواجد فالوجد فالوجود قال في رسالته: سمعت
الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: التواجد يوجب استيعاب العبد، والوجود يوجب استفراق العبد،
والوجود يوجب استهلاك العبد، فهو كمن شهد البحر، ثم ركب البحر، ثم غرق في البحر، وترتيب
هذا الأمر قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم جمود، وبمقدار الوجود يحصل الخمود. (الرسالة
القشيرية ص ٦٣).

٢٠٤
تفسير سورة محمد خ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ
فِيهَا اَلْقِتَالُ رَأَيْتَ الّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ ... ﴾ .
كان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحيّ
بسرعةٍ فقال تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ﴾ رأيتَ
المنافقين يكرهون ذلك لِمَا كان يشق عليهم من القتال، فكانوا يفتضحون عندئذٍ،
وكانوا ينظرون إلى النبي ◌َ ط # ـ بغاية الكراهة.
﴿ .. فَأَوْلَى لَهُمْ﴾.
تهدید .
قوله جلّ ذكره: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ .
وهو قولهم: ﴿لَوَلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ ... ﴾.
ويقال: فأولى لهم طاعةٌ منهم لله ولرسوله. ﴿وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ بالإجابة لما أُمِرُوا
به عن الجهاد .
ويقال: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أَمثَلُ بهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ .
إذا عزم الأمرُ - أي جَدَّ وفُرِضَ القتالُ - فالصدقُ والإجابةُ خيرٌ لهم من كذبهم
ونفاقِهم وتقاعدِهم من الجهاد.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن قَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ .
أي فلعلكم إنْ أَعرضتم عن الإيمان - بمحمدٍ وَّلهــ ورجعتم إلى ما كنتم عليه أن
تفسدوا في الأرض، وتسفكوا الدماءَ الحرامَ، وتقطعوا أرحامكم، وتعودوا إلى
جاهلیتکم .
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ فَأَسَمَهُمْ وَأَعْمَ أَبْصَرَهُمْ﴾ .
أصمّهم عن سماعِ الحقِّ وقبولِه بقلوبهم، وأعمى بصائرهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَلاَ يَتَّدُبُّونَ الْقُرْءَانَ أَنْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآَ﴾ .
أي إن تدَّبروا القرآن أفضى بهم إلى العرفان، وأراحهم من ظلمة التحيّر.
﴿أَمْ عَلَ قُلُوبٍ أَقْغَالُهَا﴾: أقفلَ الحقُّ على قلوب الكفار فلا يُدَاخِلُها زاجرُ التنبيه،
ولا ينبسط عليها شعاعُ العلم، فلا يحصل لهم فَهْمُ الخطاب؛ فالبابُ إذا كان
مُقِفَلاً ... فكما لا يدخل فيه شيءٌ لا يخرج منه شيء؛ كذلك قلوبُ الكفار مقفلةٌ،
فلا الكفرُ الذي فيها يَخْرُجُ، ولا الإيمانُ الذي هم يُدعَوْن إليه يدخل في قلوبهم.

٢٠٥
تفسير سورة محمد ڑڼ
وأهلُ الشِّرْكِ والكفرِ قد سُدَّت بصائرهم وغُطْيَتْ أسرارهم، ولُبِسَ عليهم وجهُ
التحقيق .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَرْتَّدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ مِنَّ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾.
الذي يطلع فجرُ قلبه، ويتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم قَبْلَ متوع نهارٍ إيمانه
انكسفت شمسُ يومهِ، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليلُ شَكْه، وغابت نجومُ عقله ...
فحدِّث عن ظُلُماتِه ...! ولا حرج !.
ذلك جزاؤهم على ممالأتهم مع المنافقين، وتظاهرهم ... فإذا تَوَفَّتْهُم الملائكةُ
تتصل آلامُهم، ولا تنقطع بعد ذلك عقوباتُهم (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُّ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ﴾ .
ليس الأمرُ كما تَوَهَّموه، بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسَهم، ولقد أخبر الرسولَ
عنهم، وعرَّفه أعيانهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ نَشَاءٌ لَأَرْبِنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ اَلْقَوْلِّ﴾ .
أي في معنى الخطاب، فالأَسِرَّةُ تَدُلُّ على السريرة، وما يخامر القلوبَ فَعَلى
الوجوهِ يلوحُ أثرُه :
ما هوان من كرامة
لستُ ممن ليس يدري
إنَّ للحبِّ وللبغضٍ على الوجه علامة
والمؤمنُ ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بنورِ التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله
فلا يستتر عليه شيء.
ويقال: بصائرُ الصديقين غيرُ مُغَطَّاة، قال رسول الله وَلَّر: ((سدوا كل خوخة غير
خوخة أبي بكر))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعَلَ الْمُجَِهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُوَّا أَخْبَارَكُمْ﴾ .
بالابتلاء والامتحان تتبين جواهرُ الرجال، فيظهر المخلصُ، ويفتضح الماذقُ،
وينكشف المنافق، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا، والذين كفروا ونافقوا وقعوا
في الهوان وأُذِلُوا، ووسِموا بالشَقاوة وقُطعوا.
يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نَبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾
قوله جلّ ذکره:
(١) الآيات (٢٦، ٢٧، ٢٨) لم ترد.
(٢) أخرجه ابن كثير في (البداية والنهاية ١٣٦/١٢).

٢٠٦
تفسير سورة محمد ##
لا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾: بالرياء والإعجاب والملاحظة.
﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾: بالمساكنة إليها. ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ بطلب الأعواض
عليها .
﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾: بتوهمكم أنه يجب بها شيء دون فضل الله(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلاَ فَهِنُواْ وَدْعُوّا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ .
أي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وأنتم الأعلون بالحجة .
أنتم الأعلون بالنصرة. قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾. أي بالنصرة ويقال: لا تضعفوا
بقلوبكم، وقوموا بالله؛ لأنكم - والله معكم - لا يخفى عليه شيءٌ منكم، فهو على
الدوام يراكم. ومَنْ عَلِمَ أنَّ سَيِّدَه يراه يتحمل كلَّ مشتغلاً برؤيته :
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ .
أي لا ينقصكم أَجْرَ أعمالكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا لَلَّزَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُودَّكُمْ وَلَا
يَسْتَلْكُمْ أَنْوَلَكُمْ﴾ .
تجنبوا الشّركَ والمعاصي حتى يَفِيَّكُم أجورَكم .
واللَّهُ لا يسألكم من أموالكم إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة.
﴿إِن يَسْتَذْكُمُهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَّكُمْ﴾ .
«الإحفاء)» الإلحاح في المسألة ... وهذا إنما يقوله لمن لم يُوقَ شُحَّ نَفْسه، فأمَّا
الإخوان ومَنْ عَلَتْ رتبتُهم في باب حرية القلب فلا يُسامَحون في استيفاءِ ذَرَّةٍ،
ويُطالَبون ببذل الرُّوح، والتزام الغرامات.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءَ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيِنكُم مَن يَبْخَلُّ
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَخَلُ عَن نَّفْسِطْ﴾.
البخلُ مَنْعُ الواجب، وإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك
لَحَصَلَ له الثراء - هكذا يظن.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءِ﴾ .
((غنيٌّ)) بنفسه على قول، وغنيٍّ بوصفه على القول الثاني. وغناه كونه لا تتقيد
مراداتُه. أمَّا البعدُ فهو فقيرٌ بنفسه؛ لأنه لا يستغني عن مولاه؛ في الابتداء منذ خَلْقه
إلى الانتهاء، وهو في دوام الأوقات مفتقرٌ إلى مولاه.
(١) الآية (٣٤) لم ترد.

٢٠٧
تفسير سورة محمد (#
والفقيرُ الصادقُ مَنْ يشهد افتقارَه إلى الله. وصِدْقُ الفقير في شهود فقره إلى
الله. ومَنْ افتقر إلى الله استغنى بالله، ومَنْ افتقر إلى غير الله وقع في الذُّلْ والهوان .
ويقال: اللَّهُ غنيٌّ عن طاعتِكم، وأنتم الفقراءُ إلى رحمتِهِ .
ويقال: اللَّهُ غنيٍّ لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراءُ لأنكم لا بديلَ لكم عنه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوْ أَمْتَلَكُمْ﴾ .
يستبدل قوماً غيركم يكونون أشدَّ منكم طاعةً، وأصدقَ منكم وفاءً؛ فهو قادرٌ
على خَلْق أمثالَكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيانِ والإعراضِ وتَرْكِ الشكر
والوفاء ... بل سيكونون خيراً منكم.

سورة الفتح
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الََّنِ الرَّـ
﴾.
((بسم الله " تشير إلى سُمُوَّه في أزَلِهِ، وعُلُوَّه في أَبَدِه؛ وسُمُؤُّه في أزله نَفْيُ البداية
عنه بحقُ القِدَم، وعُلُوُّه في أبده نَفْيُ الانتهاء عنه باستحالة العَدَم؛ فمعرفةُ سُمُوِّه توجِبُ
للعبد سُمُوًّا، ومعرفةُ عُلُوُّه توجِبُ للعبدِ عُلُوًّا.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْمًا مُبِينًا﴾ .
قضينا لك قضاءً بَيِّناً، وحكمنا لكَ بتقويةِ دينِ الإسلام، والنصرةِ على عدوُّك،
وأكرمناكَ بفتح ما انغلق على قلبٍ مَنْ هو غيرك - مِنْ قَبْلِك - بتفصيلٍ شرائع الإسلام،
وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه .
نزلت الآيةُ في فتح مكة، ويقال في فتح الحُدَيبية(١).
ويقال: هديناك إلى شرائع الإسلام، ويَسَّرْنا لك أمورَ الدين.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
كلا القسمين - المتقدِّم والمتأخّر - كان قبلَ النبوة.
ويقال: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾ من ذَنْبِ آدَمٍ بِحُزْمتك، ﴿وَمَا تَأْخَّرَ﴾: من ذنوب أُمَّتك.
وإذا حُمِلَ على تَرْكُ الأوْلَى فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك، قبل النبوة وبعدها .
ولمَّا نزلت هذه الآية قالوا: هنيئاً لك! فأنزل الله تعالى: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
جَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْهَا الْأَنْهَرُ خَلِيْنَ فِيهَا﴾ .. ويقال: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربين.
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَلِمًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
يتم نعمته عليك بالنبوة، وبوفاء العاقبة، ويبسط الشريعة، وبشفاعته لأمته،
وبرؤية الله غداً، وبإظهار دينه على الأديان، وبأنه سيد ولد آدم، وبأنه أقْسَمَ بحياتِه،
وخصَّه بالعيان. وبسماع كلامه سبحانه ليلة المعراج، وبأن بَعَثَه إلى سائر الأمم ..
وغير ذلك من مناقبه .
(١) الحديبية: قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله
## تحتها. (معجم البلدان ٢٢٩/٢).
٢٠٨

٢٠٩
تفسير سورة الفتح
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هدايةً على
هداية، ويهدي بك الخَلْقَ إلى الحقُّ.
ويقال: يهديك صراطاً مستقيماً بترك حَظُك.
﴿وَيَصْرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيْزًا﴾ .
لا ذُلَّ فيه، وتكون غالباً لا يَغْلِيُكَ أَحَدٌ :
ويقال: ينصرك على هواك ونَفْسِك، وينصرك بحُسْنٍ خُلُقِك ومقاساةِ الأذى من
قومك .
ويقال نصراً عزيزاً: مُعِزَّاً لك ولمن آمن بك.
وهكذا اشتملت هذه الآية على وجوهٍ من الأفضال أكْرَمَ بها نبيَّه ــ وَلَه ــ وخصَّه
بها من الفتح والظّفَرِ على النَّفْس والعدو، وتيسير ما انغلق على غيره، والمغفرة،
وإتمام النعمة والهداية والنصرة .. ولكلٍّ من هذه الأشياء خصائصٌ عظيمةٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ الشَّكِنَةَ فِ قُلُبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
السكينةُ ما يسكن إليه القلبُ من البصائر والحُجَج، فيرتقي القلبُ بوجودِها عن
حدِّ الفكرة إلى رَوْحِ اليقين وثَلَج الفؤاد، فتصير العلومُ ضروريةً .. وهذا للخواصَّ.
فأمّا عوامُّ المسلمين فالمرادُ منها: السكون والطمأنينةُ واليقين.
ويقال: من أوصافِ القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة.
وفي التفاسير: السكينة ريح هفّافة. وقالوا: لها وجه کوجه الإنسان. وقيل لها
جناحان .
﴿ لَِزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾.
أي يقيناً مع يقينهم وسكوناً مع سكونهم. تطلع أقمارُ عين اليقين على نجوم علم
اليقين، ثم تطلع شمسُ حقِّ اليقين على بَذْرٍ عين اليقين.
﴿وَإِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا يَكِيمًا﴾.
﴿جُنُودُ السََّوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ وقيل: هي جميع القلوب الدالّةِ على وحدانية الله.
ويقال: مُلْكُ السمواتِ والأرضِ وما به من قوىّ تقهر أعداءَ اللَّهِ.
ويقال: هم أنصارُ دينه .
ويقال: ما سلَّطه الحقُّ على شيءٍ فهو من جنوده، سواء سلَّطَه على وليه في
الشدة والرخاء، أو سلَّطَه على عدوّه في الراحة والبلاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿ِلَ الْمُؤِْينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهُ خَلِيْنَ فِهَا
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

٢١٠
تفسير سورة الفتح
يَسْتُرُ ذنوبَهم ويحطها عنهم .. وذلك فوزٌ عظيم، وهو الظَّفَرُ بالبغية.
وسُؤْلُ كلِّ أحدٍ ومأمولُه، ومُبْتغاه ومقصودُه مختلِفٌ .. وقد وَعَدَ الجميعَ ظَفَراً به.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّآنِينَ بِاللَّهِ
نَظَرَبَّ السَّوْءُ عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءِ﴾.
يعذبهم في الآجل بعذابهم وسوء عقابهم.
و﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: هو ما كان بغير الإذن؛ ظنوا أَنَّ الله لا ينصر دينَه ونَبيَّه عليه
السلام.
﴿عَلَتهم دآپرةُ السّوْءٌ﴾ : عاقبته تدور عليهم وتحیقُ بهم.
﴿وَلَعَنَّهُمْ﴾: أبعدهم عن فضله، وحقت فيهم كلمتُه، وما سبقت لهم - من الله
سبحانه - قِسْمِتُه(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَشَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ .
﴿أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا﴾: على أُمَّتِكَ يوم القيامة. ويقال: شاهداً على الرُّسُلِ
والكتب .
ويقال: شاهداً بوحدانيتنا وربوبيتنا. ويقال: شاهداً لأمتك بتوحيدنا.
﴿وَمُبَشِّرًا﴾: لهم مِنَّا بالثواب، ﴿وَنَذِيرًا﴾ للخَلْقِ؛ زاجِراً ومُحَذْراً من المعاصي
والمخالفات .
ويقال: شاهداً مِنْ قِبَلنا، ومُبَشِّراً بأمرنا، ونذيراً من لَدُنَّا ولنا ومِنَّا.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَتُعَزِرُهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَنُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا﴾.
قرىء: ((ليؤمنوا)) بالياء؛ لأن ذكر المؤمنين جرى، أي ليؤمن المؤمنون بالله
ورسوله ويعزروه وينصروه أي الرسول، ويوقروه: أي: يُعَظّموا الرسولَ. وتُسَبِّحوه:
أي تُسَبِّحوا الله وتنزهوه بكرة وأصيلاً(٢).
وقرىء: ((لتؤمنوا)) - بالتاء - أيها المؤمنون بالله ورسوله وتُعَزروه - على
المخاطَبة. وتعزيرُه يكون بإيثاره بكلٌ وجه على نَفْسك، وتقديم حُكْمهِ على حُكمِك.
وتوقيرُه يكون باتباع سُنَّتِهِ، والعلم بأنه سيِّدُ بَرِيَّته.
(١) الآية (٧) لم ترد.
(٢) البكرة: الغُدوة وهي أول النهار إلى طلوع الشمس.
الأصيل: الوقت حين تصفر الشمس لمغربها.

٢١١
تفسير سورة الفتح
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ﴾.
وهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سَمُرَةٍ(١).
وذلك أن رسول الله - ﴿ ـ بعث عثمانَ رضي الله عنه إلى قريش ليُكلِّمَهم
فأرجفوا بقَتْلِه. وأتى عروة بن مسعود إلى النبي ◌َّ﴿ وقال:
جئتَ بأوشاب الناس لتفضَّ بَيْضَتَكَ بيدك، وقد استعدت قريش لقتالك، وكأنّي
بأصحابك قد انكشفوا عنك إذا مسَّهم حرّ السلاح! فقال أبو بكر: أتظن أنَّا نسلم
رسولَ الله وَلِ؟
فبايعهم النبيُّ على أن يُقاتِلوا وألا يهربوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: أي عقْدُك عليهم هو عقد الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.
أي ﴿يَدُ اللَّهِ﴾: في المنة عليهم بالتوفيق والهداية: ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ بالوفاء حين
بايعوك.
ويقال: قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيِّه ﴿ فوقَ نَصْرِهم لدين الله
ولرسوله .
وفي هذه الآية تصريحٌ بعين الجمع كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧].
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَ نَفْسِهِ﴾.
أي عذابُ النکثِ عائدً عليه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَبُؤْنِهِ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾ .
أي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجراً عظيماً.
وإذا كان العبد بوصف إخلاصِه، يعامِل اللَّهَ في شيءٍ هو به متحقّقٌ، وله بقلبه
شاهدٌ فإنَّ الوسائطَ التي تُظْهِرُها أماراتُ التعريفاتِ تجعله محواً في أسرارِه .. والحكم
عندئذ راجعٌ .
قوله جلّ ذكره: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُؤَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا فَأَسْتَغْفِرْ لَأَّ
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ نَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ .
لَمَّا قَصَدَ رسولُ اللهِوَ ﴿ التوجه إلى الحديبية تخلَّفَ قومٌ من الأعراب عنه. قيل: هم
أسلم وجهينة وغفار ومزينة وأشجع، وقالوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا وَأَهْلُونَا﴾ وليس لنا مَنْ يقوم
(١) السمرة: هي الشجرة (شجرة طلح) التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. (اللسان ٣٧٩/٤
مادة: سمر).

٢١٢
تفسير سورة الفتح
بشأننا وقالوا: انتظروا ماذا يكون؛ فما هم من قريشٍ إلَّا أَكْلَهُ رأسٍ. فلما رجع رسول
اللهِ وَل﴿ل جاءوه مُعْتَذِرين بأنه لم يكن لهم أحدٌ يقوم بأمورهم! وقالوا: استغفر لنا.
فأطلعه الله - سبحانه - على كذبهم ونفاقهم؛ وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصاً، وعندهم
سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعَا بَلْ
كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
فضَحَهم. ويقال: ما شغل العبد عن الله شُؤْمٌ عليه.
ويقال: عُذْرُ المماذِقِ وتوبةُ المنافِق كلاهما ليس حقائق.
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلّ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزَيْنَ
ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنَفْتُمْ ظَرَ النَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًاُ بُورًا﴾ .
حسبتم أن لن يرجعَ الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى أهليهم أبداً، وزَيَّنتْ
لكم الأماني ألا يعودوا، وأنَّ الله تن ينصرهم. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي مالكين
فاسدین .
ويقال: إنَّ العدوّ إذا لم يقدر أن يكيدَ بيده يتمنّى ما تتقاصر عنه مُكنتُهُ، وتلك
صفةُ كلِّ عاجز، ونعتُ كلّ لئيم. ثم إن الله - سبحانه - يعكس ذلك عليه حتى لا
يرتفع مراده ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكَّرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
ويقال: من العقوبات الشديدة التي يعاقِبُ اللَّهُ بها المُبْطِلِ أنْ يتصوَّرَ شيئاً يتمنَّاه
ويوطّن نَفْسَه عليه لفرط جَهْله. ويُلقى الحقُّ في قلبه ذلك التمني حتى تسول له نفسهُ
أن ذلك کالكائن .. ثم يعذبه الله بامتناعه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنُ بَِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ .
وما هو آتٍ فقريب .. وإنَّ الله ليرخي عنانَ الظَّلَمةِ ثم لا يفلتون من عقابه.
وكيف - وفي الحقيقة - ما يحصل منهم هو الذي يجريه عليهم؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.
يغفرُ - وليس له شريك يقول له: لا تفعل، ويعذّب من يشاء - وليس هناك مانعٌ
عن فعله يقول له: لا تفعل.
قوله جلّ ذكره: ﴿سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْمُُّوهَا ذَرُونَا تَتَِّعَكُمْ
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اللَّهَ قُل لَّنْ تَفَّبِعُونَا﴾ .

٢١٣
تفسير سورة الفتح
وذلك أن النبي صل# والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم اللَّهُ خيبرَ، وأنَّ
فيها سيظفرُ بأعدائه، فلمَّا هَمَّ بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه لما علموا في
ذلك من الغنيمة، فقال النبي ◌َله: «إنما يخرج معي إلى خيبر من خرج إلى الحديبية،
والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا)).
فقال المتخلفون: إنما يقول المؤمنون ذلك حسداً لنا؛ وليس هذا من قول الله!
فأنزل اللَّهُ تعالى ذلك لتكذيبهم، ولبيان حكمه ألا يستصحبَهم فهم أهل طمع، وكانت
عاقبتُهم أنهم لم يجدوا مرادَهم ورُدُّوا بالمذلة وافتضح أمرهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَبِ سَنُّدْعَونَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ بُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَبْرًا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا نَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُرْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
جاء في التفاسير أنهم أهلُ اليمامة أصحاب مسيلمة (١) - وقد دعاهم أبو بكر
وحاربهم، فالآية تدل على إمامته .. وقيل هم أهل فارس - وقد دعاهم عمر بن
الخطاب وحاربهم؛ فالآيةُ تدل على صحة إمامته. وصحة إمامته تدل على صحة إمامة
أبي بكر. ﴿أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أولى شدَّة. فإنْ أطعتُم استوجبتم الثواب، وإن تخلّفْتم
استحقَّقْتُم العقاب. ودلت الآيةُ على أنه يجوز أن تكون للعبد بدايةٌ غيرُ مُرضية ثم
يتغير بعدها إلى الصلاح - كما كان لهؤلاء وأنشدوا:
إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه
فَرْج له عَوْدَ الصلاح .. لعلّه
قوله جل ذكره: ﴿لَِّسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجُ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْسِلْهُ جَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُّ وَمَن يَنَوَلَ يُعَذِّبَهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
هؤلاء أصحاب الأعذار .. رفع عنهم الخَرَج في تخلفهم عن الوقعة في قتال
المشركين.
وكذلك مَنْ كان لهُ عذرّ في المجاهدة مع النفس. ((فإنَّ الله يحُبُّ أن تؤتى
رُخصَهُ كما يحب أن تؤتى عزائمه))(٢).
(١) انظر ترجمته في الأعلام ٢٢٦/٧، وفي الكامل لابن الأثير ١٣٧/٢ - ١٤٠، وفي شذرات الذهب
٢٣/١، وفي الروض الأنف ٣٤٠/٢.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ١٠٨/٢)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣/ ١٤٠)، والهيثمي في
(موارد الظمآن ٥٤٥، ٩١٣، ٩١٤)، والألباني في (إرواء الغليل ٩/٣)، والهيثمي في (مجمع
الزوائد ١٦٢/٣)، وابن خزيمة في (الصحيح ٩٥٠)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١٠١/٢، ٦/
٢٧٦)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ١٣٥/٢)، وابن كثير في (التفسير ٢٦/٣)، والسيوطي
في (الدر المنثور ١٩٣/١)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٢٨٩/٢) والخطيب البغدادي في (تاريخ
بغداد ٣٤٧/١٠)، والسيوطي في (جمع الجوامع ٥١٩٨، ٥١٩٩، ٥٢٠٠) والمتقي الهندي في (كنز=

٢١٤
تفسير سورة الفتح
قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا
فِىِ قُلُوبِهِمْ فَزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا﴾ .
هذا بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان
لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ ... الْمُؤْمِينَ﴾.
وكانوا ألفاً وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخولَ
مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادِّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن
خارجاً لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرفَ هذا العام، ويقيم بها
ثلاثاً ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل فيها الناس ويأمن
بعضهم بعضاً)(١) وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين،
فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبَهم شيءٌ، وعادت إلى قلوب
بعضهم تهمةٌ حتى قال الصِّدِّيقُ: لم يَقُلْ العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية؛ لأن الله
سبحانه علم في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم، وثبَّتهم
باليقين. ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتحُ خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من
مغانم كثيرةٍ من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة .
وفي الآية دليلٌ على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطرُ مُشكْكة، وفي الرَّيب
موقعة، ولكن لا عبرة بها؛ فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً لازم التوحيدُ قلبه،
وقارن التحقيق سِرَّه فلا يضرَّه كيدُ الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَُّهُمْ
◌َيْفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ تَأْخُذُونَهَا﴾ ويدخل في ذلك جميعُ ما يغنمه المسلمون
إلى القيامة فعجَّل لكم هذه - يعني خيبر، وقيل: الحديبية.
﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ لما خرجوا من المدينة حرسهم اللَّهُ، وحفظ عيالهم،
وحمى بَيْضَتهم حين هبَّ اليهود في المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم اللَّهُ عنهم.
أو يقال: كفّ أيدي الناس من أهل الحديبية.
﴿وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنَ وَبَهْدِيَّكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
لتكون هذه آيةً للمؤمنون وعلامةٌ يَسْتدلُون بها على حراسة الله لهم.
العمال ٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٧٢)، وابن حجر في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٣٠)،
=
وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ١٧١٨/٥، ٢٣٦٣/٦) والألباني في (السلسة الصحيحة ١٩٤)،
والشهاب في (المسند ١٠٧٨، ١٠٧٩).
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.

٢١٥
تفسير سورة الفتح
﴿وَبَهْدِيَّكُمْ صِرَّطَا مُسْتَقِيمًا﴾: في التوكل على الله والثقة به.
ويقال: كفُّ أيدي الناس عن العبد هو أنْ يَرْزُقَه من حيث لا يحتسب، لئلا
يحتاجَ إلى أن يتكفّفَ الناس .
ويقال: أنْ يَرْفَعَ عنه أيدي الظُّلَمة.
ويقال: ألا تحمله المطالبةُ بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه؛
فيأخذ من الأشياء - برخصة التأويل - ما ليس بطيّبٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ بِهَاْ وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرًا﴾.
قيل: فتح الروم وفارس. وقيل: فتح مكة .
وكان الله على كل شيءٍ قديراً: فلا تُعلِّقوا بغيره قلوبكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَوْ اْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا﴾ .
يعني: خیبر وأسد وغطفان وغيرهم - لو قاتلوکم لانهزموا، ولا يجدون من دون
الله ناصراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿سُنَّةَ أَللَّهِ أَلَِّى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .
أي سُنَّةُ اللَّهِ خذلانُهم ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ
أَنْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .
قيل إن سبعين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صل9 من جبل التنعيم
متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سِلْماً فاستحييناهم) فأنزل اللّهُ هذه الآيةَ في شأنهم.
وقيل أخذ اثني عشر رجلاً من المشركين - بلا عَهْدٍ - فَمنَّ عليهم الرسولُ وِّ
وقيل: هم أهلُ الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ترامي الأحجار
بينهم؛ فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل اللَّهُ هذه الآية يمن عليهم حيث كف
أيدي بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين لا من عجزٍ؛ فأما الكفار فكفُّوا أيديهم
رُعْباً وخوفاً؛ وأمَّا المسلمون فَتَهياً مِنْ قِبَلِ الله، لما في أصلابهم من المؤمنين - أراد
اللَّهُ أن يخرجوا، أو لِمَا عَلِمَ أن قوماً منهم يؤمنون.
والإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يَسْلَم الناسُ منك، وتسلم
منهم. وإن الله يفعل بأوليائه ذلك، فلا من أحد عليهم خَيف، ولا منهم على أحد

٢١٦
تفسير سورة الفتح
حيفٌ ولا حسابٌ ولا مطالبة ولا صلحٌ ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة. وكذا من
كان بالحق ـ وأنشدوا:
ولم يبق لي قلبٌ لذكر موافق
فلم يبقَ لي وقتٌ لِذکرٍ مُخَالِفٍ
قوله جلّ ذكره: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَلْهَذِىَ مَعُْوفًا أَنْ
يَبْلُغَ مِلَّمْ﴾ .
﴿كَفَرُواْ﴾ وجحدوا، ﴿وَصَدُوكُمْ﴾ ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية.
﴿وَالْحَدْىَ مَعْكُوفًا﴾: أي منعوا الهَذْيَ أن يبلغَ مَنحرَه، فمعكوفاً حالٌ من الهدي أي
محبوساً.
وكان النبي وَ﴿ قد ساق تلك السَّنَّة سبعين بَدَنَّةً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَنْتُ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَّئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم
مِنْهُم مَّعَرَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾.
لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرَّة منكم بغير علم لَسَّلْطناكم عليهم
ولأظفرناكم بهم. وفي هذا تعريفٌ للعبد بأن أموراً قد تنغلق وتَتعَسَّر فيضيق قلب
الإنسان .. ولله في ذلك سِرُ، ولا يعدم ما يجري من الأمر أن يكون خيراً للعبد وهو
لا يدري .. كما قالوا :
كم مرة حفَّت بك المكاره
خير لك اللَّهُ .. وأنت كاره
قوله جل ذكره: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَيَّةَ لْنَهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ
سَِكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَاْ وَكَانَ
اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ .
يعني الأنفة؛ أي دَفَعْتهم أنفةُ الجاهلية أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سَنَّةً
الحديبية، فأنزل اللَّهُ سكينته في قلوب المؤمنين حيت لم يقابلوهم بالخلاف
والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحِلْم.
﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ وهي كلمةُ التوحيد تَصْدُرُ عن قلبٍ صادق: فكلمةُ
التقوى يكون معها الاتقاءُ من الشّرك.
﴿وَكَانُوَ لَّمَقَّ بِهَا﴾ حسب سابق حُكْمِه وقديم علمه .. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمًا﴾ .
ويقال: الإلزامُ في الآية هو إلزامُ إكرامٍ ولطف، لا الإلزام إكراهٍ وعُنْفٍ؛ وإلزامُ
برِّ لا إلزام جبر ...

٢١٧
تفسير سورة الفتح
وكم باسطين إلى وَضْلنا أكفهمو .. لم ينالوا نصيبا!
ويقال كلمة التقوى: التواصي بينهم بحفظ حق الله .
ويقال: هي أن تكون لك حاجةٌ فتسأل الله ولا تُبديها للناس.
ويقال: هي سؤالك من الله أن يحرُسَك من المطامع .
قوله جل ذكره: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُِّيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُنَّ الْسَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ
اُللَّهُ عَلِنِينَ تُحِلْقِيْنَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ
فَتْحًا قَرِيبًا﴾ .
أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه؛ صدقه فيما أراه من دخول مكة ﴿مَاِينَ تُحِلْقِينَ
رُءُوسَكُمْ وَهُقَصِّرِينَ﴾ كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأَخبر أصحابه. فوطّن أصحابه
نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلمَّا كان من أمر الحديبية عاد إلى قلوب
بعض المسلمين شيء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام، ثم
أذن الله في العام القابل، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَلُّؤْيَا بِآلْحَقِّ﴾ فكان ذلك
تحقيقاً لما أراه، فرؤياه صلوات الله حق؛ لأن رؤيا الأنبياء حق.
وكان في ذلك نوعُ امتحانٍ لهم: ﴿فَعَلِمَ مَا لَّمْ تَعْلَمُواْ﴾ أنتم من الحكمة في
التأخير .
وقوله: ﴿إِن شَآءَ اَللَّهُ﴾ معناه إذا شاء الله كقوله: ﴿إِن كُمْ مُؤْمِينَ﴾ .
وقيل قالها على جهة تنبيههم إلى التأدب بتقديم المشيئة في خطابهم.
وقيل يرجع تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين.
وقيل: يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلِّهم أو دخول بعضهم؛ فإن الدخول
كان بعد سنة، ومات منهم قومٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَمُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
أرسل رسوله محمداً ◌َ# بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما
هو دين؛ فما من دينٍ لقوم إلا ومنه في أيدي المسلمين سِرُّ؛ وللإسلام العزة والغلبة
عليه بالحجج والآيات .
وقيل: ليظهره وقت نزول عيسى عليه السلام.
وقيل: في القيامة حيث يظهر الإسلامُ على كل الأديان.
وقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل.

٢١٨
تفسير سورة الفتح
قوله جلّ ذكره: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِذَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمّ﴾ .
﴿أَشِذَُّ﴾ جمع شديد، أي فيهم صلابةٌ مع الكفار.
﴿رُحَآءُ﴾ جمع رحيم، وصَفَهَم بالرحمة والتوادُ فيما بينهم.
﴿تَرَهُمْ زَكَّعَا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الَّهِ وَرِضْوَنَّاً﴾ .
تراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان.
﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُورِّ﴾ .
أي علامة التخشع التي على الصالحين.
ويقال: هي في القيامة يوم تَبْيَضُّ وجوه، وأنهم يكونون غداً محجلين.
وقد قال وَله: ((من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجههُ بالنهار))(١).
ويقال في التفسير: ((معه)) أبو بكر، و﴿أَشِذَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر؛ و﴿رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمَّ﴾. عثمان، و﴿تَرَّهُمْ زَكَّمَا سُبَّدًا﴾ عليّ رضي الله عنهم.
وقيل: الآيةُ عامةٌ في المؤمنين.
﴿َذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْفَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى
سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَّاعَ لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾.
هذا مثلهم في التوراة، وأما مثلهم في الإنجيل فكزرع أخرج شطأه أي: فراخه.
يقال: أشطأ الزرعُ إذا أخرج صغاره على جوانبه. ﴿فَازَرَهُ﴾ أي عاونه.
﴿فَأَسْتَغْلَظَ﴾ أي غَلظُ واستوى على سوقه؛ وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه
مع بعض. يعجب هذا الزرعُ الزراع ليغيظ بالمسلمين الكفار؛ شَبَّهَ النبي (*) بالزرع
حين تخرج طاقة واحدة ما ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن
حوله من المسلمين .
فمَنْ حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال:
﴿يَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارْ﴾ أي بأصحابه الكفارَ. ومَنْ حمله على المسلمين ففيه حُجَّة على
الإجماع، لأنَّ من خالف الإجماع - فالله يغليظ به الكفارَ - فمخالفُ الإجماع كافرٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة الذنوب، وأجراً عظيماً في الجنة فقوله: ((منهم))
للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان.
(١) أخرجه ابن ماجه (إقامة ١٧٤).

سورة الحجرات
قوله جل ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
((بسم الله)) اسمٌ كريمٌ مَنْ تَنصَّلَ إليه مِن زَّلاته تَفَضَّلَ عليه بنجاته، ومَنْ تَوَسَّلَ
إليهُ بطاعاته تطوّل عليه بدرجاته .
((بسم الله)) اسم عزيز مَنْ تقرَّب إليه بمناجاته قَابَلَه بلطف أفضاله، ومَنْ تحبَّبَ
إليه بإيمانه أقبل عليه بکشف جلاله وجماله.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأنُّواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ ﴾ .
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ : شهادةٌ للمنادَى بِالشَّرف.
﴿لَا تُقَدِّمُواْ ﴾ أَمْرٌ بتحمُّل الكُلَف. قدَّمَ الإكرام بالشرف على الإلزام بالكُلَف أي
لا تقدموا بحكمكم ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾: أي لا تقضوا أمراً من دون الله ورسوله أي
لا تعملوا من ذات أنفسكم شيئاً .
ويقال: قفوا حيثما وُقِفْتم، وافعلوا ما به أُمِرْتُم، وكونوا أصحابَ الاقتداءِ
والاتباع .. لا أربابَ الابتداءِ والابتداع.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَمْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ
بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ .
أَمَرَهم بحفظِ حرمته، ومراعاةِ الأدب في خدمته وصحبته، وأَلَّا ينظروا إليه
بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخُلُقهِ يُلاينُهم فينبغي ألا يتبسَّطوا
معه متجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به مِنْ تَخَلِّقِه عن حدودِهم زائدین.
ويقال: لا تبدأوه بحديثٍ حتى يُفَاتِحَكم .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَ اَللَّهُ
قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَنَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ .
هم الذين تقع السكينةُ عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن اللَّهُ
قلوبَهم للتقوى بانتزاع حُبِّ الشهوات منها، فاتقوا سوءَ الأخلاقِ، وراعوا الأدبَ.
٢١٩
-

٢٢٠
تفسير سورة الحجرات
ويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَهُمْ
صَبَرُواْ حَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لو عرفوا قَدْرَكَ لَمَا تركوا حُزْمَتَك، والتزموا هَيْبَتْك.
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة
بمناداتهم لكان خيراً لهم.
أمَّا أصحابه - صلواتُ الله عليه وسلامه ــ الذين يعرفون قدره فإنَّ أحدهم - كما
في الخبر: ((كأنه يَقْرَعُ بابَه بالأظافر)» .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيُّواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا يَجَهَلَةٍ
فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ .
دلَّت الآية على تَرْكِ السكونِ إلى خَبَرِ الفاسق إلى أن يظهر صِدْقُه.
وفي الآية إشارة إلى تَرْكِ الاستماعِ إلى كلامِ الساعي والنَّمامِ والمغتابِ للناس.
والآيةُ تَدُلُّ على قبول خبرِ والواحدٍ إذا كان عَذلاً .
والفاسقُ هو الخارجُ عن الطاعة (١). ويقال هو الخارج عن حدٌ المروءة.
ويقال: هو الذي ألقى جلباب الحياء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِ لَعَنْتُمْ وَلَكِنَّ
اللّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِبَنَ وَزَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُّ أُوْلَكَ هُمُ
الزَّشِدُونَ﴾.
أي لو وافقكم محمدٌ رسولُ اللَّهِ وَل* في كثير مما تطلبون منه لوقعتم في العَنَتِ(٢) -
وهو الفساد. ولو قَبِلَ قولَ واحدٍ (قَبْلَ وضوحِ الأمر) لأصابتكم من ذلك شدة.
والرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم يَرَ في ذلك مصلحة
لكم وللدین .
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾: الإسلام والطاعة والتوحيد، وزيَّنّها في
قلوبكم .
(١) مشتق من فسقت الرطبة من قشرها، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها من حجرها على
الناس. (لسان العرب ٣٠٨/١٠ مادة: فسق).
(٢) العنت: دخول المشقة على الإنسان، ولقاء الشدة. وقيل: العنت: الفجور والزنا وقيل: الجور
والإثم والأذى. (لسان العرب ٦١/٢، ٦٢ مادة: عنت).