النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ تفسير سورة الزخرف قاسوه من فَرْطِ الاشتياق بقلوبهم؛ وما عالجوه من الاحتراق لشدة غليلهم. قوله جل ذكره: ﴿وَتِلْكَ لٌلْجَنَّةُ أَلَّبِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . أي يقال لهم - والخطاب للمطيعين غداً -: أنتم يا أصحاب الإخلاص في أعمالكم؛ والصدق في أحوالكم : ﴿لَكُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُونَ﴾ . من الفاكهة الكثيرة تأكلون، وفي الأنْس تتقبلون. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . هؤلاء هم الكفار المشركون، فهم أهل الخلود، لا يُفْتَّرُ عنهم العذاب ولا يُخفّف . وأمَّا أهل التوحيد: فقد يكون منهم قومٌ في النار. ولكن لا يخلدون فيها. ودليلُ الخطابِ يقتضي أنه يُفَتَّرُ عنهم العذاب. ورد في الخبر الصحيح: أنه لا يُميتهم الحقُّ - سحبانه - إماتةً إلى أن يُخْرِجَهم من النار - والميت لا يحسُّ ولا يتألم (١). ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ﴾ . الإبلاس(٢) من الخيبة، ويدل ذلك على أن المؤمنين لا يأس لهم فيها، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم؛ يعدون أيامهم إلى أن ينتهي حسابهم. ولقد قال الشيوخ: إنَّ حالَ المؤمن في النار - من وجهٍ - أرْوَحُ لقلبه من حاله في الدنيا؛ فاليومَ - خوفُ الهلاكِ، وغداً - يقينُ النجاة، وأنشدوا: عيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها متوقّعْ لقواصم الظَّهْرِ - عقبَ الرجاء - مودةَ الدهر وفضيلةُ البلوى تَرَقُّبُ أهلِها قوله جل ذكره: ﴿وَمَا ظَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الْفَِّينَ﴾ . هذا الخطاب يُشْبِهُ كلمة العُذْر - وإن جلّ قَدْرُه - سبحانه - عن ذلك. قوله جل ذكره: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ قَالَ إِنَّكُ مََّكِنُونَ لَقَدْ ◌ِشْتَكُ بِاِّْ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِمُونَ ﴾ . لو قالوا: ((يا مَلِك)) لعلَّ أقوالهم كانت أقرب إلى الإجابة، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك، فكان الجوابُ عليهم: (١) الحديث: ((فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً [ ... )). أخرجه مسلم (إيمان ٣٠٦)، وابن ماجه (زهد ٣٧). (٢) أبلس فلان: سكت غمًا (اللسان ٣٠/٦ مادة: بلس). ١٨٢ تفسير سورة الزخرف ﴿إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾ فيها .. نُصِحْتم فلم تنتصحوا، ولم تقبلوا القولَ في حينه، وكان أكثرهم للحق كارهین . قوله جل ذكره: ﴿أَمْ أَبَمُوْ أَمْرًا فَإنَّا مُبْرِمُونَ﴾ . بل أمورُهم مُنْتَقَضةٌ عليهم؛ فلا يتمشّى لهم شيء مما دبَّروه، ولا يرتفع لهم أمرٌ على نحو ما قدَّروه - وهذه الحالُ أوضحُ دليل على إثبات الصانع. قوله جل ذكره: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا تَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَانُهُّ بَى وَرُسُلْنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . إنما خوَّفهم بسماع المَلَك، وبكتابتهم أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله - سبحانه، ولو كان لهم خبرٌ عن الله لما خَوَّفهم بغير الله، ومَنْ عَلِمَ أنَّ أعمالَه تُكْتَبُ عليه، وأنه يُطالَبُ بمقتضى ذلك - قَلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسألَ عنه .. قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنتَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾. أي إن كان في ضميركم وفي حُكْمِكم وفي اعتقادكم أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّلُ مَنْ يستنكِفُ من هذه القالة. قوله جل ذكره: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . تنزَّه الله تنزيهاً، وتقدَّس تقديساً عمَّا قالوه. وفي هذه الآيات وأمثالِهَا دليلٌ على جوازٍ حكاية قول المبتدعة - فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود - قصداً للردّ عليهم، وإخباراً بتقبيح أقوالهم، وبطلانٍ مزاعمهم. ثم قال جلَّ ذكره: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ . إذ ليس يفوت أمرُهم، وهم لا محالة سيلقون صغرهم. وفي هذا دليلٌ على أنه لا ينبغي للعبد أن يَغْتَرَّ بطول السلامة فإنَّ العواقبَ غيرُ مأمونة .. قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى فِىِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ اَلْأَرْضِ إِلَهُ وَهُوَ اَلْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. المعبودُ - في السماء - الله، والمقصودُ - في طلب الحوائج في الأرض - الله. أهلُ السماءِ لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يَقْضِي حوائجهم غير الله. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في إمهاله للعُصاة، ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾ بأحوالِ الْعِباد. ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِىِ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَةِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَمُ عِلْمُ اَلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . تعالى وتقدَّس وتنزَّه وتكبِّرَ الذي لهْ مُلْكُ السموات والأرض . السمواتُ والأرضُ بقدرته تظهر .. لا هو بظهورها یتعزّز. قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . ١٨٣ تفسير سورة الزخرف أي شهد - اليوم - بالتوحيد، فيثبت له الحقُّ حقّ الشفاعة. وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غداً مقبولة. قوله جل ذكره: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الَهُ فَنَى يُؤْتَّكُونَ﴾ . فكيف لا يعتبرون؟ وكيف يتكبَّرون عن طاعة الله . ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ . أي يعلم علم الساعة ويعلم ﴿قیله يا رب﴾. ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ﴾ أي أمْهِلْهُم، وقل لكم مني سلامٌ .. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون . سورة الدخان قوله جل ذكره: ﴿ِمِ اَللَّهِ الرََّنِ الرَّمَـ ﴾ . ((بسم الله)) كلمةٌ مَنْ ذَكَرَها نال في الدنيا والعُقْبى بهجتَه، ومَنْ عَرَفَها بَذَلَ في طلبها مُهْجَتَه . كلمةٌ إذا استولت على قلبٍ عَطَّلَته عن كلِّ شُغْل، كلمةٌ إذا واظَبَ على ذِكْرِها عَبْد أمَّتَتْه من كلٌ حَوْل. قوله جل ذكره: ﴿حَمَ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾. "الحاء تشير إلى حقّه؛ والميم تشير إلى محبته. ومعناه: بحقي وبمحبتي لعبادي، وبكتابي العزيز إليهم: إنّي لا أُعَذِّبُ أهل معرفتي بفرقتي. قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَتَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾: قيل هي ليلة القَدْر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصَّك. أُنْزَلَ القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كلَّ سَنَةٍ بمقدار ما كان جبريلُ ينزل به على الرسول اَلله. وسمَّاها: ﴿لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ لأنها ليلة افتتاح الوصلة. وأشدُ الليالي بركةً ليلةٌ يكون العبدُ فيها حاضراً، بقلبه، مشاهداً لربِّه، يتَتَعَّمُ فيها بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة. وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة، كما قالوا: أنَّ نجومَ الليل ليست تزولُ لا أَظْلِمُ الليلَ ولا أدَّعي جادَتْ، وإن ضئَّتْ فَلَيْلِي طويلٌ لَيْلِي كما شاءت: قصيرٌ إذا ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يكتب من أمّ الكتاب في هذه الليلة ما يحل في السنة كلّها من أقسام الحوادث في الخير والشرّ، في المحن والمِنَنِ، في النصر والهزيمة، في الخصب والقحط. ولهؤلاء القوم (يعني الصوفية) أحوالٌ من الخصب والجدب، والوصل والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط. فكم مِنْ عبدٍ ينزل له الحكم والقضاء بالبُعْدِ والشقاء، وآخر ينزل حكمه بالرِّفد والوفاء. قوله جل ذكره: ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِنَ رَحْمَةً مِّن زَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ١٨٤ ١٨٥ تفسير سورة الدخان ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّيٌِّ﴾: وهي الرسولُ-﴿، قال صلوات الله عليه: ((أنا رحمة مهداة))(١). ويقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ رحمةً لنفوسُ أوليائنا بالتوفيق، ولقلوبهم بالتحقيق. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ((السميع)) لأنين المشتاقين، ((العليم)) بحنين المحبين. قوله جل ذكره: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُم تُوقِنِينَ﴾. مالك السموات والأرضين، ومالك ما بينهما - وتدخل في ذلك أكسابُ العباد. وتَمْلُكُها بمعنى القدرة عليها، وإذا حَصَلَ مقدورٌ في الوجود دَلَّ على أنه مفعولُه؛ لأن معنى الفعل مقدورٌ وجِدَ. قوله جل ذكره: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِ، وَيُمِيثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. هذه الكلمة فيها نَفْيُ ما أثبتوه بجهلهم، وإثباتُ ما نَفَوْه بجحدهم. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَيَكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ : مُرَبِي أَصْلَكُم ونَسْلَكُمْ. قوله جل ذكره: ﴿بَلْ هُمْ فِ شٍَ يَلْعَبُونَ﴾ اللَّعِبُ فِعْلٌ يجري على غير ترتيبٍ تشبيهاً باللُّعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص؛ فَوَصَفَ المنافقَ باللَّعبِ؛ وذلك لتردُّدِه وتحيُّرِهِ نتيجةَ شكُه في عقيدته. قوله جل ذكره: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾. هذا من أشراط الساعة؛ إذ يتقدم عليها . وقيامة هؤلاء (يقصد الصوفية) معجَّلة (أي تتم هنا في هذه الدنيا) فيومُهم الذي تأتي السماء فيه بدخان مبين هو يومُ غيبةِ الأحباب، وانسداد ما كان مفتوحاً من الأبواب، أبوابِ الأُنسِ بالأحباب وفي معناه قالوا: بطَلْقٍ ولا ماءُ الحياةِ بباردٍ فما جانب الدنيا بسَهْلٍ ولا الضُّحى قوله جل ذكره: ﴿يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وعذابُ هؤلاء (يقصد الصوفية) مقيمٌ في الغالب، وهو عذابٌ مُسْتَعذّبٌ، أولئك يقولون : ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ . وهؤلاء يستزيدون - على العكس من الخَلْق - العذاب، وفي ذلك يقول قائلهم: سوى ملذوذٍ وجدي بالعذاب فكلُّ مآربي قد نِلْتُ منها فهم يسألون البلَاءَ والخَلْقُ يستكشفونه، ويقولون: أنت البلاءُ فكيف أرجو كَشْفَه إنّ البلَاءَ إِذا فَقَدْتُ بلائي (١) أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال ٣١٩٩٥)، والقرطبي في (التفسير ٦٣/٤). ١٨٦ تفسير سورة الدخان قونه جل ذكره: ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَّدْ جَآَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ . إن خالفوا دواعي قلوبهم من الخواطر(١) التي تَرِدُ من الحقُّ عليهم عوقبوا - في الوقت بما لا يتّسعُ لهم ويُسْعِفهم، فإذا أخذوا في الاستغاثة يقال لهم: أنَّى لكم الذكرى وقد جاءكم الرسول على قلوبكم فخالفتم (٢)؟! قوله، جل ذكره: ﴿إِنَّا كَاشِفُوْ اَلْعَذَابِ قَلِلاَّ إِنَّكُمُ عَلَيِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَّ إِنَّا مُتَتَّقِمُونَ ﴾ . حيث نورثكم حزناً طويلاً، ولا تجدون في ظلال انتقامنا مقيلاً. قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ أَنْ أَذُوّا إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾ . فتَنَهم بعد ما أصَرُّوا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة (٣) عنودهم. ﴿وَجَآَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمٌ﴾: يطالبهم بإزالة الظلم عن بني إسرائيل، وأن يستبصروا، واستنفرهم الله، وأظهر الحُجَّةَ من قِبَلِ الله (٤). ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَّلاً إِنَّكُمْ تُتَّبَعُونَ﴾ . أمَرَه بأن يَسْرِيَ بعباده المؤمنين، وعرَّفهم أنهم سيُنْقَذون، وأنَّ عدؤَّهم ﴿جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿ كَمْ تَكُواْ مِن جَّتٍ وَعُونٌ وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِرٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ﴾ . ما خلفوه من أحوالهم ومن رياشهم، وما تركوه من أسباب معاشهم استليناه عنهم. ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ . وأسْكَنًا قوماً آخرين في منازلهم ودورهم. قوله جل ذكره: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنْظَرِينَ﴾ . لم يكن لهم من القَدْرِ والخَطَرِ ما يتحرك في العالَم بِسببَهم ساكنٌ، أو يسكن متحركٌ فلا الخضراء بسببهم اغبرَّتْ، ولا الغبراءُ لغيبتهم اخضَّرتْ. لم يبقَ منهم عينٌ (١) انظر حديث القشيري عن الخواطر في الرسالة ص ٨٣، ٨٥. (٢) الآية (١٤) لم ترد. (٣) نفر من الشيء: فزع وانقبض غير راضٍ به، ونفرت المرأة من زوجها: أعرضت وصدْت ونفر من المكان: تركه إلى غيره. (٤) الآيات من (١٩ حتى ٢٢) لم ترد. ١٨٧ تفسير سورة الدخان ولا أثر، ولم يظهر مِنْ قِبَلِهم على قلبِ أحدٍ من عبادِنا أثرٌ. وكيف تبكي السماءُ لفَقْدٍ من لم تستبشر به من قَبْلُ؟ بعكس المؤمن الذي تُسَرُّ السماءُ بصعودٍ عمله إليها، فإنها تبكي عند غيابه وفَقْدِه. قوله جل ذكره: ﴿وَلَغَدْ نَّنَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ اٌلْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ . نجَّاهم، وأقمى عدوّهم، وأهلكه. ﴿وَلَقَدِ آَخْتَرَنَهُمْ﴾ أي عَلِمنا ما يحتقبون من أوزارهم، فرفعنا - باختيارنا - من أقدارِهم ما وَضَعَه فِعْلُهم وتدنسُهم بأوضارهم. ويقال: ((على علم منا)) بأحوالهم أنهم يُؤثِرون أمرنا على كل شيء. ويقال: ((على علم منا)) بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا. ويقال: ((على علّم منا)) بما نودع عندهم من أسرارنا، وما نكاشفهم به من حقائق حقٌّنا . قوله جل ذكره: ﴿وَءَانَيْتَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَتْوَّا مُبِينٌ﴾ . من مطالبته بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الكَدَرِ والعناء. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونُّ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِنَ فَأَتُواْ ◌ِثَابَِّنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ . اقترح أبو جهلٍ على النبي - ◌َّر - أن يحييَ لهم نَفْساً: ((لتخبرنا: هل أنت صادق أم لا؟)) فأخبر الله - سبحانه - أنهم اقترحوا هذا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليهم، وإظهار ما أزاح لهم من العُذْر: ثم قال جل ذكره: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُسَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَهُمْ كَانُواْ مُْرِمِينَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ مَا خَلَقْنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . (تُبْع)) هو ملك لليمن، وكان مسلماً، وكان في قومه كثرة، وأهلك الله سبحانه قومَه على كثرة عددهم، وكمال قُوَّتِهم. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾. ما خلقناهما إلا بالحقِّ، بالحُكْمِ الحقِّ؛ وبالأمرِ الحقِّ .. («فأنا مُحِقُّ في خَلْقِهِما)): أي كان لي خَلْقُهما . قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيفَتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِ مَوْلى عَن قَوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ إِلَّ مَن زَّحِمَ اَللَّهُ إِنَّمُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ١٨٨ تفسير سورة الدخان يومئذٍ لا يُغْني ناصرٌ عن ناصر ولا حميمٌ عن حميم، ولا نسيبٌ عن نسيبٍ .. شيئاً. ولا ينالهم نصرٌ إلا من رَحِمَه الله؛ وبِفَضْلِه ونِعْمته. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَثِيِ كَلْمُهْلِ يَغْلِى فِى الْعُونِ كَعَلِىِ اٌلْحَمِيمِ﴾ . ((الأثيم)) مرتكبُ الذنوب. ((المهل)) المذاب. ((الحميم)): الماء الحار. قوله جل ذكره: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ اٌلْحَمِيمِ﴾ . ادفعوا به إلى وسط الحميم. ويقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ . أنت كذلك عند قومك، ولكنك عندنا ذليلٌ مَھینٌ. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ فِى حَتٍ وَعُيُونٍ ﴾ . آمنين من المحن من جميع الوجوه، لباسُهم من حرير، وفراشُهم من سندس واستبرق(١)، ((متقابلين)): لا يبرحون ولا يبغون عنها حِوَلاً(٢). قوله جل ذكره: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾. تُباح لهم صُخْبَتُهن، ولا يكون في الجنة عقد تزويج ولا طلاقٌ، ويمكَّن الوليّ بهذه الأوصاف من هذه الألطاف. ثم قد يُخْتطفُ قومٌ من بين هذه الأسباب، فيتحررون عن هذه الجملة؛ فكما أنهم في الدنيا مُختَطَّفُون عن كلُ العلائق فإنهم في الآخرة تطمع الحورُ العينُ في صحبتهم فيستلبهم الحقُّ عن كلُّ شيءٍ. الزاهدُ في الدنيا يحميه منها، والعارفُ في الجنة يحميه من الجنة (٣). قوله جل ذكره: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ اَْحِيمِ﴾. الموتة الأولى هي بقبض أرواحهم في الدنيا، ويقيهم الله في الآخرة العذاب بفضله، وذلك هو الظَّفَرُ بالبغية، ونجاح السُّؤل(٤). قوله جل ذكره: ﴿فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ . يا محمد، ليتذكر به أهلُك، فارتقِبْ العواقب تَرَ العجائب. إنهم يرتقبون، ولكن لا يرون إلا ما يكرهون(٥). (١) السندس: ضرب من رقيق الديباج أو الحرير المنسوج الذي يتلون ألواناً والاستبرق: الديباج الغليظ أو ثياب من حرير وذهب (مع). (٢) الآية (٥٣) لم ترد. (٤) الآية (٥٧) لم ترد. (٣) الآية (٥٥) لم ترد. (٥) الآية (٥٩) لم ترد. 1 سورة الجاثية قوله جل ذكره: ﴿يِسْمِ آَلَهِ الرََّنِ الرَّحَيَـ ((بسم الله)) باسم مَلِكِ لا يستظهر بجيشه، أحدٍ لا يستمسك بعيشه، جبارٍ ارتدى بكبريائه، قَهَّارٍ اتصف بعزّ سنائة . (بسم الله)) باسم كريم صَمَدَ، لا يستغرقُ وجودَه أمَد، أبديُّ عظيم أحَد، لا یوجَدُ من دونه مَفَرٍّ ولا ملتحد. قوله جل ذكره: ﴿حَمّ تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ . ﴿الْعَزِيزِ﴾: في جلاله، ﴿الْحَكِيمِ﴾: في أفعاله. ﴿ اَلْعَزِيزِ﴾: في آَزاله، ﴿ الْحَكِيرِ﴾: في لطفه بالعبد بوصف إقباله. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ فِىِ النَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيْتٍ لِلْمُؤْمِينَ﴾ . شواهد الربوبية لائحةٌ، وأدلةُ الإلهية واضحةٌ؛ فَمَنْ صحا مِنْ سَكْرَةِ الغفلة، ووضعَ سِرَّه في محالْ العِبرة حَظِيَ - لا محالةٌ - بحقائق الوصلة. قوله جل ذكره: ﴿وَبِ خَلْفِكُرْ وَمَا يَبُثُ مِنْ دَبَةٍ مَايَّتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . إذا أنعم العبدُ نَظَرَه في استواء قدِّه وقامته، واستكمال عقله وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكّرَ فيما عداه من الدواب؛ في أجزائها وأعضائها .. ثم وقف على اختصاص وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان - عَرَفَ تخصُّصَهم بمناقبهم، وانفرادَهم بفضائلهم، فاستيقن أن الله كُرَّمهم، وعلى كثيرٍ من المخلوقات قدَّمَهم. قوله جل ذكره: ﴿وَأَخْلَفِ الَِّلِ وَالنَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَا وَتَصْرِيفِ الرَّجِ ءَنْتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ العلومَ الدينية كسبيةً مُصَحَّحةً بالدلائل، مُحَقَّقةً بالشواهد. فَمَنْ لم يَسْتَبْصِرْ بها زَلَّتْ قَدَمُه عن الصراط المستقيم، ووقع في عذاب الجحيم؛ فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد. ١٨٩ ١٩٠ تفسير سورة الجاثية قوله جل ذكره: ﴿ِلْكَ مَبَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِأَلْحَقِّ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ . فَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديثٍ يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بخرٍ في التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال. قوله جل ذكره: ﴿وَلٌّ لِكُلِّ أَفَّكٍ أَثِيٍِ يَتْمَعُ ءَايَنَتِ الَِّ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعَهَا فَبَشِرْهُ بِعَذَابٍ أَلِم ﴾ . كلُّ صامتٍ ناطقٌ، يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم. فَمَنْ استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذُخْرِ الدارين، وتصدَّى لِعِزّ المنزلين. ومَنْ تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل، ووُسِم بكيِّ الهَجْر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . قابله بالعناد، وتأوَّله عَلَى ما يقع له من وجوه المراد مِنْ دون تصحيحٍ بإسناد ... فهؤلاء ﴿لَّمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: مُذِلٌ. وقد يُكاشَفُ العبدُ من بواطن القلب بتعريفاتٍ لا يتداخله فيها ريبٌ، ولا يتخالجه منها شكٌّ فيما هو به من حاله ... فإذا استهان بها وقع في ذُلُ الحجبة وهوانٍ الفرقة . قوله جلّ ذكره: ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِمْ جَهٌَّّ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم ◌َّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَّ: وَْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . فعند هذه الفترة، وفي وقت هذه المحنة فلا عُذْرَ يُقْبَلُ منهم، ولا خطابَ يُسْمَعُ عنهم، ولهم عذابٌ متصل، ولا يُرَدُّونَ إلى ما كانوا عليه من الكشف: فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ(١) فَخَلُ سبيلَ العينِ بعدك للبکا قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَعْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَغْرِهِهِ وَلَِبَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . عندما يركبون البحرَ فلربما تَسْلَمُ السفينةُ ولربما تغرق . وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي به رياح العناية، وأَشْرِعَةُ التوكل مرفوعةٌ، والسُّبُلُ في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياحُ السلامة فالسفينةُ ناجيةٌ. أمَّا إنْ هبَّت نكباتُ الفتنةِ فعندئذٍ لا يبقى بيد الملاحِ شيءٌ، والمقاديرُ غالبةٌ، وسرعان ما تبلغ قلوبُ أهلِ السفينةِ الحناجرَ. (١) الآية (١١) لم ترد. ١٩١ تفسير سورة الجاثية قوله جلّ ذكره: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَرُونَ﴾ . ﴿يَميعًا مِنْهً﴾: كلّ ما خَلَقَ من وجوه الانتفاع بها - كلُّه منه سبحانه؛ فما من شيءٍ من الأعيان الظاهرة إلّا - ومن وجهٍ - للإنسان به انتفاع .. وكلها منه سبحانه؛ فالسماءُ لهم بناء، والأرضُ لهم مهاد .. إلى غير ذلك. ومِنَ الغَبْنِ أن يستسخرَك ما هو مُسَخَّرّ لك! وَلْيَتَأْمِلْ العبدُ كلَّ شيءٍ .. كيف إنْ كان خَلَلٌ في شيءٍ منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمسُ .. كيف كان يمكن أن يتصرَّف في النهار؟ ولم لم يكن الليلُ كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر .. كيف كان يهتدي إلى الحساب والآجال؟ ... إلى غير ذلك من جميع المخلوقات. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . نَدَبَهم إلى حُسْنِ الخُلق، وجميلِ العِشْرَة، والتجاوزِ عن الجهل، والتنقي من كدورات البشرية. ومقتضياتِ الشُّخْ. وَبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ - سبحانه - لا يفوته أحدٌ. فَمَنْ أراد أَنْ يعرِفَ كيف يحفظ أولياءَه، وكيف يُدَمِّر أعداءَه. فَلْيَصْبِرْ أياماً قلائلَ لِيَعْلَمَ كيف صارت عواقبُهم. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبَّكُوْ تُجَعُونَ﴾ . مَنْ عَمِلَ صالحاً فله مَهْناه، ومن ارتكب سيئةً قاسى بلواه .. ثم مرجعه إلى مولاه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُُّزَّةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَِّّتِ وَفَضَّلْتَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ . كَرَّر في غير موضع ذِكْرِ موسى وذِكْرَ بني إسرائيل .. بعضه على الحملة وبعضه على التفصيل. وهنا أجْمَلَ في هذا الموضِع، ثم عقبه حديث نبيّنا وَلَةٍ(١)، فقال: قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيمَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . أفردناك بلطائفَ فاعرفْها، وسَنَنَّا لكَ طرائقَ فاسلُكُها، وأثبتنا لك حقائقَ فلا تتجاوزها، ولا تجنخ إلى متابعة غيرك: (١) الآية (١٧) لم ترد. ١٩٢ تفسير سورة الجاثية ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً﴾ . إن أرادَ بكّ نعمةً فلا يمنعها أحدٌ، وإن أراد بك فتنةً فلا يَصْرِفها عنك أحدٌ . فلا تُعَلِّقْ بمخلوقٍ فَكْرَك، ولا تتوجه بضميرك إلى شيء، وثِقْ بربْك، وتوكّلْ عليه . قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . أنوارُ البصيرةِ إذا تلألأت انكشفت دونها تهمة التجويز. ونَظَرُ الناسِ على مراتب: فَمِنْ ناظرٍ بنور نجومه - وهو صاحب عقل، ومن ناظرٍ بنو فراسته وهو صاحب ظنْ يُقَوِّيه لَوْحٌ - ولكنه من وراء السِّرُ (١)، ومن ناظرٍ بيقين عِلْمٌ بحكم برهانٍ وشَرْطٍ فَكْرٍ، ومِنْ ناظرٍ بعين إيمان بوصف اتِّباع، ومن ناظرٍ بنور بصيرةٍ هو على نهار، وشمسُه طالعة وسماؤه من السحاب مصحية . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَِّّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . أَمَنْ خفضناه في حضيض الضَّعةِ كَمَنْ رفعناه إلى أعالي المَنَعَةِ؟ أَمَنْ أخذنا بيده ورحمناه كَمَنْ داسَه الخذلانُ فرجمناه؟ أَمَنْ وهبناه بَسْطَ وقتٍ وأُنْسَ حالٍ ورَوْحَ لُطْفِ حتى خَصَصْناهُ ورَقَيْنَاه، ثم قَرَّبْناه وأَذْنَيْناهُ كَمَنْ ترك جُدَه واستفراغَ وسعه وإسبالَ دَمْعِه واحتراق قلبه .. فما أنعشناه(٢) . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عٍِ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَّلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةً﴾ . مَنْ لم يَسْلُكْ سبيلَ الاتباع، ولم يستوفِ أحكامَ الرياضة، ولم يَتْسلِخِ عن هواه بالكليَّة، ولم يؤذِّبْه إمامٌّ مُقْتَدَىّ فهو ينجرفُ في كل وَهْدَةٍ، ويهيمُ في كلُ ضلالة، ويضلُّ في كل فجِّ، خسرانُه أكثر من ربْحِه !! أولئك في ضلالٍ بعيد؛ يعملون القُرَبَ على ما يقع لهم من نشاطٍ نفوسهم، زمامُهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر .. اسْتَدْرِجُوا وَما يَشْعُرون !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَتَحْيَا وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّ الدَّهْرُّ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلٍْ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾ . لم يَعْتَبِروا بما وجدوا عليه خَلَفَهم وسَلَفَهم، وأَزْجَوْا في البهيمية عَيْشَهم (١) انظر حديث القشيري عن الفراسة برسالته ص٢٣١ - ٢٤١. (٢) الآية (٢٢) لم ترد. ١٩٣ تفسير سورة الجاثية وعُمْرَهم، وأعفوا عن كَدِّ الفكرة قلوبهم ... فلا بالعلم استبصروا، ولا من التحقيق استمدوا. رأسُ مالِهم الظنُّ - وهم غافلون. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَقُنَا بَمِنَتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بَِابَآَيْنَآ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ . طلبوا إحياءَ موتاهم، وسوف يَرَوْن ما استبعدوا. ثم أخبر أنَّ مُلْكَ السمواتِ والأرضِ لله، وإذا أقام القيامةَ يُخْشَرُ أصحابُ البطلان، فإذا جاءهم يومُ الخصام: ﴿وَتَرَى كُلّ أٍُّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمٍَّ تُدْعَىَ إِلَى كِنَِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . كلٌّ بحسابه مطالَبٌ ... فأمَّا الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا، وأمَّا الذين كفروا فهلكوا وبادوا .. ويقال لهم: أأنتم الذين إذا قيل لكم حديثُ عُقباكم كَذَّبتم مولاكم؟ فاليومَ - كما نسيتمونا - ننساكم، والنارُ مأواكم(١) : قوله جلّ ذكره: ﴿فَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ وَلَّهُ الْكِبرِيَاءُ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . لله الحمدُ على ما يُبْدِي ويُنْشي، ويحيي ويُفْني، ويُجْرِي ويُمْضِي .. إذ الحكْمُ الله، والكبرياءُ لله، والعظمةُ والسَّناءُ لله، والرفعة والبهاءُ لله. (١) الآيات من (٢٩ حتى ٣٥) لم ترد. سورة الأحقاف قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْمِ، أَقَّهِ الرَّظَرِ الرّحمـ ﴾. ((بسم الله)) كلمةٌ للقلوب سالبة، للعقول غالبة، للمطيعين واهبة، للعارفين ناهبة .. فالذين يهبهم فلهم لُطْفُه، والذين ينهبهم فَمَنْ مَحَقه فهو عنه خَلَفُه . قوله جلّ ذكره: ﴿حَمّ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَّهِ اَلْعَزِيزِ لَْكِمِ﴾ . حَمَيْتُ قلوبَ أهلِ عنايتي فَصَرَفْتُ عنها خواطرَ التجويز، وَثَبَّتُها في مشاهدٍ اليقينِ بنور التحقيق؛ فلاحت فيها شواهدُ البرهان، فأضَفْنا إليها لطائفَ الإحسان؛ فكَمُلَ منالُها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأنْس في ساحات القربة . ﴿اَلْعَزِيزِ﴾: المُعزِّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم. ﴿اَلْحَكِيمِ﴾، المُحكِم لكتابِه عن التبديل والتحويل. قوله جل ذكره: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ تُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ . الكافرون مُعْرِضُون عن موضع الإنذار، مقيمون على حَدِّ الإصرار. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَهَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْلُ فِي السَّمَوَنِّ أَثْنُونِ يِكِتَابٍ مِن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَؤْ مِّنْ عِلْمِ إِن كُ صَدِّقِينَ﴾. أروني .. أي أثرٍ فيهم في الملك، أو القدرة على النفع والضر؟ إن كانت لكم حُجَّةٌ فَأَظْهِرُوها، أو دلالة فَبَيْنوها .. وإذا قد عَجَزْتُم عن ذلك فهلًّا رجعتم عن غيِّكم وأقلعتم؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ أَلَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ﴾ . مَنْ أشدُّ ضلالاً مِمَّنْ عَبَدَ الجمادَ الذي ليس له حياة ولا له في النفع أو الضر إثبات؟. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَنُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَنُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ﴾ . إذا حُشِرَ الناسُ للحساب وقعت العداوةُ بين الأصنام وعابديها . ١٩٤ ١٩٥ تفسير سورة الأحقاف قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا لَتْلَى عَلَيْهِمْ مَايَنُنَا بِينَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَّمَّا جَآَّ هُمْ هَذَا سِخْرٌ ڤیئُ﴾ . رموا رُسُلَنا بالسُّحر ثم بالافتراء والمكر .. قُلْ - يا محمد - كفى بالله بيني وبينكم شهيداً؛ أنتم أشركتم به، وأنا أخلصت له توحيداً. وما كنت بدعاً من الرسل؛ فلستُ بأول رسولٍ أَرْسِل، ولا بغير ما جاءوا به من أصول التوحيد جئتُ، إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد، والصدقٍ في العبودية، والدعاءِ إلى محاسن الأخلاق(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَ بِكُمْ إِنْ أَنَِّعُ إِلَّ مَا يُوحَىّ إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ . وهذا قبل أن نزل قوله تعالى: ﴿ لِيَغْفِّرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وفي الآية دليلٌ على فساد قول أهل القَدَرِ والبدع حيث قالوا: ((إيلامُ البريء قبيحٌ في العقل)). لأنه لو لم يَجُزْ ذلك لكان يقول: أَغْلَمُ - قطعاً - أني رسول الله، وأني معصومٌ ... فلا محالةَ يغفر لي، ولكنه قال: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم؛ لِيُعْلَمَ أن الأمرَ أمرُه، والحكمَ حكمُه، وله أن يفعلَ بعباده ما يريد. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَمَنَ وَأَسْتَكْبٌ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. تبيَّنَ له أنه لا عُذْرَ لهم بحال، ولا أمانَ لهم من عقوبةِ الله. وما يستروحون إليه من حُجَجِهم عند أنفسهم كلُّها - في التحقيق - باطلٌ. وأخبر أن الكفار قالوا: لو كان هذا الذي يقوله من الحشر والنشر حقَّ لم تتقاصر رتبتُنا عند الله عن رتبة أحدٍ، ولتَقَدَّمْنا - في الاستحقاق - على الكُلِّ. ولمَّا لم يجدوا لهذا القول دليلاً صرَّحوا: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَآَ إِنْكُ قَدِيرٌ﴾ . ولقد بَعَثَ اللَّهُ أنبياءَه - عليهم السلام - وأنزل عليهم الكتب، وبيَّنَ في كلٌ كتابٍ، وعلى لسانٍ كلّ رسولٍ بأنه يبعث محمداً رسولاً، ولكن القوم الذين في عصر نينا - مَل ـ كتموه، وحسدوه(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُوا فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُّونَ﴾. مضى تفسيرُ الاستقامة." وإنَّ مَنْ خرج على الإيمان والاستقامة حَظِيَ بكلٌ كرامة، ووصل إلى جزيل السلامة . (١) الآية (٨) لم ترد. (٢) الآية (١٢) لم ترد. ١٩٦ تفسير سورة الأحقاف وقيل: السين في ((الاستقامة)) سين الطَّلَب؛ وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى الله تعالى في أن يُقيمَه على الحق، ويُثَبِّتَه على الصدق(١). قوله جلّ ذكره: ﴿رَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًّا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُمًاً﴾ . أَمَرَ الإنسانَ برعاية حقٌّ والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يُخْسِنُ الإنسانُ حُرْمةً مَنْ هو مِنْ جنسه فهو عن حُسْنِ مراعاة سيِّده أبعد. ولو لم يكن في هذا الباب إلا قوله - وَ#: ((رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما))(٢) لكان ذلك كافياً. ورعايةُ حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووَعَدَ اللَّهُ الوالدين قبولَ الطاعة بقوله جلَّ ذكره : ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيَّ أَصْحَبِ الْجَنَّةِّ وَعْدَ الصِّدّقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ . فقبولُ الطاعةِ وغفران الزَّلَّة مشروطان بيرٌ الوالدين. وقد ذمَّ اللَّهُ - سبحانه - الذي يتصف في حقهما بالتأفْفِ، وفي ذلك تنبيه على ما وراء ذلك من أي تعنُّف، وعلى أنَّ الذي يَسْلكُ ذلك يكونُ من أهل الخسران، وبالتالي يكون ناقصَ الإيمان. وسبيلُ العبدِ في رعاية حق الوالدين أن يُصْلِحِ ما بينه وبين الله، فحينئذٍ يَضْلُحُ ما بينه وبين غيره - على العموم، وأهله - على الخصوص. وشَرُّ خصَال الولد في رعاية حق والديه أَنْ يتبَرَّم بطول حياتهما، ويتأذَّى بما يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصلُ ويبقى النسلُ، ولا بدَّ من أن يتبع النسلُ الأصلَ، وقد قالوا في هذا المعنى: رويدك إن الدهرَ فيه كفايةٌ لتفريق ذات البيْنِ .. فانتظر الدهرا(٣) قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَاَ وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا قَالْيَوْمَ تُهْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُتُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحِّ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ . سبيلُ العبد ألا ينسى في كل حالٍ معبودَه، وأَنْ يتذكرَ أنه معه في همِّه وسروره، (١) الآية (١٤) لم ترد. (٢) أخرجه الترمذي في (السنن ١٨٩٩)، والحاكم في (المستدرك ١٥٢/٤)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٣٦/٨)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٣٠/٨)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٥٢٠/١)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٨٨)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٣٢٢/٣). (٣) الآيات / ١٧، ١٨، ١٩) لم ترد. ١٩٧ تفسير سورة الأحقاف وفي مناجاته عند رخائه وبلائه. فإن اتفق أَنْ حَصَلَ له أَنْسٌ، وغَلَبَ عليه رجاءٌ وبسطٌ ثم هجم على قلبه قَبْضٌ أو مَسْهُ خوف .. فليخاطبْ ربَّه حتى لا يكونَ من جملة مَنْ قيل له: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَئِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُ اُلُّنْيَا﴾ . قوله جل ذكره: ﴿وَأَذْكُرْ أَنَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ فَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (١) وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَیّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . أخبر (٢) بالشرح عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب، وتوجّه عليهم من العتاب، وأَخْذِهم بأليم العذاب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآ إِن تَكَّنَّكُمْ فِيهِ﴾ . فلم يُغْنِ عنهم ما آتيناهم .. وانظروا كيف أهلكناهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرَّ مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوَاْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّذِرِينَ﴾ . كان رسولُ اللهِ وَّ﴾ مبعوثاً إلى الجنّ كما كان مبعوثاً إلى الإنس. وإن قوماً أتوه ليلة الجن وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم، وآمن قومٌ منهم؛ فاليومَ في الجن مؤمنون، وفيهم كافرون. ﴿فَلَمَا حَضَرُوُهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ الصيحةُ على الباب وفوق البساط غيبةٌ؛ ولهذا لما حضر الجنُّ بساطَ خدمته - نَّهِ - تواصوا فيما بينهم بحفظ الأدب، وقالوا لما حضروا بساطَه: ﴿أَنْصِتُواْ﴾، فأهلُ الحضور صفتُهم الذبولُ والسكونُ، والهيبة والوقار. والثورانُ أو الإنزعاجُ يدل على غيبة أو قِلّةٍ تيقُّظِ أو نقصان اطلاع. ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ يعني الوحي ﴿وَلَوْاْ إِلَى قَّوْمِهِمِ نُنذِرِينَ﴾ وأخبروهم بما رأوه وسمعوه(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿يَقَوْمَنَّ أَجِبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُرْ وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . يقال الإجابة على ضربين: إجابةٌ لله، وإجابة للداعي؛ فإجابة الداعي بشهود الوساطة - وهو الرسول وَ﴿هــ، وإجابةُ الله بالجهْرِ إذا بَلَغَتْهُ الرسالةُ على لسان السفير، وبالسِّرّ إذا حصلت التعريفاتُ من الواردات على القلب؛ فمستجيبٌ بنفسه ومستجيبٌ (١) الأحقاف (ج) الحقف: من الرمل المعوج. وقيل: الأحقاف: ديار عاد وقيل: واحدها حقف وهو المستطيل المشرف. وقيل: الأحقاف في القرآن: جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء تلتهب يوم القيامة فتحشر الناس من كل أفق. (اللسان ٩/ ٥٢ مادة: حقف). (٢) الآيات من (٢٢ حتى ٢٨) لم ترد. (٣) الآية (٣٠) لم ترد. ١٩٨ تفسير سورة الأحقاف بقلبه ومستجيبٌ بروحه ومستجيبٌ بسرِّه. ومن توقف عن دعاء الداعي إيَّاه، ولم يبادر بالاستجابة هُجِرّ فيما كان يُخَاطِب به(١). قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِفَدِرٍ عَلَ أَن يُحِىَ الْمَوْقَىْ بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الرؤيةُ هنا بمعنى العلم. ﴿وَلَمْ يَعْىَ﴾ أي ولم يعجز ولم يَضْعفُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾. ثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة: قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِأَلْحَّ قَالُواْ بَلَ وَرَيْنَأَ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ . جزاء لكم على كُفْركم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . أولو الجد والصبر والحزم. وجاء في التفسير أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﴾. وقيل: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام. وقيل: منهم يعقوب وأیوب ویونس . والصبرُ هو الوقوفُ لحُكْم الله، والثباتُ من غير بثٍ ولا استكراهٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوّنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّن نَّهَارٍ﴾ . ويقال مُدّةُ الخِلْقِ: من مبتدأ وقتهم إلى مُنتَهى آجالهم بالإضافة إلى الأزليّة كلحظةٍ بل هي أقلُّ؛ إذ الأزلُ لا ابتداء له ولا انتهاء .. وأي خَطَرٍ لما حصل في لحظةٍ .. خيراً كان أو شَرَّاً؟! (١) الآية (٣٢) لم ترد. سورة محمد وَسَيَّة قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَقَِّ الرََّبِ الْرَّـ مَنْ ذَكَرَ ((بسم اللَّهِ) جَلَّتْ رُتْبَتُه، ومَنْ عَرَفَ ((بسم الله)) صَفَتْ حالتُه، ومَن أحبَّ ((بسم الله) أشلكت قصتُه، ومَن صَحِبَ ((بسم الله)) امتحقت أَنْيَتُه، وتلاشت - بالكلية - جُمْلَتُه. قوله جلّ ذكره: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اَلَْنُّ مِنْ تَبِهُمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَمْلَحَ بَلَمْ﴾ . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: امتنعوا، وصَدُّوا فَمُنِعُوا؛ فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله استوجبوا الحَحْبَةَ والغيبة . ﴿أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ﴾: أي أحبطها . ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما نُزْلَ على محمد، ﴿وَهُوَ لَلُّْ مِنْ زَيَّهُمْ﴾. أصلح حالَهم، فالكفرُ للأعمالِ مُخْبِطٌ، والإيمانُ للتخليد مُسْقِط . ويقال: الذين اشتغلوا بطاعةِ اللَّهِ، ولم يعملوا شيئاً ما خَالَفَ اللَّهَ - فلا محالةً - تقوم بكفاية اشتغالهم بالله . قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتََّعُوا الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ أَلْحَقِّ مِن نَّيْهَّمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُّ اللّهُ لِلنَّاسِ أَمْتَهُمْ﴾ . أي يضرب أمثال هؤلاء لحسناتهم، وأمثال هؤلاء لسيئاتهم. ويكون اتباعُ الحقِّ بموافقة السُّنَّةِ، ورعاية حقوق الله، وإيثار رضاه، والقيام بطاعته ويكون اتباعُ الباطلِ بالابتداع، والعملِ بالهوى، وإيثارِ الحظوظ، وارتكاب المعصية . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ أَلْقَابٍ خََّ إِذَا أَغْتَتُوهُمْ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَّ تَضَعَ الْرَّبُ أَوْزَارَهَا ﴾ . إذا حَصَلَ الظَّفَرُ بالعدوّ فالعفُو عنهم وتَرْكُ المبالغةِ في التشديد عليهم - للندم مُوجِبٌ، وللفرصةِ تضييعٌ؛ بل الواجبُ إزهاقُ نفوسِهم، واستئصالُ أصولِهم، واقتلاعُ شجرِهم من أصله. ١٩٩ ٢٠٠ تفسير سورة محمد ﴾ - وكذلك العبدُ إذا ظفر بنفْسه فلا ينبغي أن يُبْقِيَ بعد انتفاش شوكها بقيةً من الحياة، فَمَنْ وضع عليها إصبعاً بَثَّتْ سُمَّها فيه . ﴿فَإِمَّا مَنَّأْ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطةً أو فائدةً؛ مثل إفراج الكفّارِ عن قوم من المسلمين، أو بسبب ما يؤخذ من الفِداء .. وأمثال هذا، فحينئذٍ ذلك مُسَلّمٌ على ما يراه الإمام. كذلك حال المجاهدة مع النَّفْس: حيث يكون في إغفاءِ ساعةٍ أو في إفطارٍ يوم ترويحٌ للنفس من الكَدِّ، وتقويةٌ على الجهد فيما يستقبل من الأمر - فذلك مطلوبٌ حسبما يحصل به الاستصوابُ من شيخ المريد، أو فتوى لسانٍ الوقت، أو فراسة صاحب المجاهدة . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ سَيَهْدِهِمْ وَيُصْلِحُ بَلَمْ وَيُدِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ﴾ . إذا قُتِل أحدٌ في سبيل الحقُّ تولّى وَرَثَةَ المقتولِ بأحسنَ مِنْ تولية المقتول. وكذلك يَرْفَعُ درجاتِهِ؛ فَيُعْظِمُ ثوابَه، ويُكْرِمُ مآبه . قوله جلّ ذكره: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنْصُرُواْ الَّهَ يَصُّكُمْ وَيَُّيْتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. نصرةُ الله من العبد نصرةُ دینه بإيضاح الدليل وتبيينه . ونصرةُ اللَّهِ للعبد بإعلاء كلمته، وقَمْع أعداء الدين ببركاتِ سَعْيه وهمَّتِهِ. ﴿وَيُثَّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ بإدامةِ التوفيقِ لئلا ينهزم من ضولةِ أعداءِ الدين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَحَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ . تعساً لهم: لعناً وطرداً، وقَمْعاً وبُعداً! ﴿أَضَلَ أَعْمَهُمْ﴾: هَتَكَ أستارَهم، وأَظْهَرَ للمؤمنين أسرارَهم، وأَخْمَدَ نارَهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَبِيُواْ فِ اَلْأَرَضِ فَيَغُرُواْ كَيِّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن ◌َّذِهِمَّ﴾ . و کیف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟ قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَمْ﴾ . المولى هنا بمعنى الناصر؛ فاللَّهُ ناصرّ للذين آمنوا، وأمَّا الكافرون فلا ناصرَ لهم. أو المؤلى من الموالاة وهي ضد المعاداة، فيكون بمعنى المحب؛ فهو مولى الذين آمنوا أي مُحِبُّهم، وأما الكافرون فلا يحبهم الله.