النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ تفسير سورة الشورى المكان، وأقبحُ قولاً منهم مَنْ وصفوه بالجوارح والآلات؛ فظنوا أن بَصَرَه في حدقة، وسَمْعَه في عضوٍ، وقدرته في يدٍ .. إلى غير ذلك. ،قومٌ قاسوا حُكْمَه على حُكْم عباده؛ فقالوا: ما يكون من الخَلْقِ قبيحاً فمنه قبيح، وما يكون من الخَلْق حسناً فمَنَه حَسَنٌ !! وهؤلاء كلهم أصحاب التشبيه - والحقُّ مستحِقٌّ للتنزيه دون التشبيه، مستحق للتوحيد دون التحديد، مستحق للتحصيل دون التعطيل والتمثيل . قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ((مقاليد)) أي مفاتيح، والمفاتيح للخزائن، وخزائنه مقدوراته. وكما أن في الموجودات معادن مختلفة فكذلك القلوب معادن جواهر الأحوال؛ فبعض القلوب معادن المعرفة، وبعضها معادن المحبة، وبعضها للشوق، وبعضها للأنْس .. وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والرضا. وفائدة التعريف بأن المقاليد له : أَنْ يقطع العبدُ أفكارَه عن الخَلْقِ، ويتوجَّه في طلب ما يرد من الله الذي ﴿يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن ◌َشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾، والذي هو ﴿يَكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: يوسّع ويضيِّق أرزاقَ النفوسِ وأرزاقَ القلوب حسبما شاء وحَكَمَ وعَلِمَ. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْئًا إِلَيْكَ وَمَا قوله جلّ ذكره: وَضَّيْنَا بِه ◌ِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُوا الْدِينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللَّهُ يَحْتَبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُِّبُ﴾ . ﴿َشَرَعَ﴾: أي بَيَّنَ وأظهر. ﴿مِّنَ اُلِّينِ﴾ أراد به أصول الدين؛ فإنها لا تختلف في جميع الشرائع، وأمَّا الفروع فمختلفة، فالآية تدلُّ على مسائلَ أحكامُها في جميعِ الشرائعٍ واحدَةٌ. ثم بيَّن ذلك بقوله: ﴿أَنَّ أَقِيُوْ أَلْدِينَ وَلَا نَنَفَرَّفُواْ فِيَّهِ﴾ .. وفي القصة أن تحريم البنات والأخوات إنما شُرعَ في زمان نوح عليه السلام. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّكَ إِلَى أَجَلٍ تُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمّ﴾ . يعني أنهم أَصْرُّوا على باطلهم بعد وضوح البيان وظهور البرهان حين لا عُذْرَ ولا شكَّ. ﴿وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ﴾ .. وهو أنه حَكَمَ بتأخيرِ العقوبةِ إلى يومٍ القيامة لعَجَّل لهم ما يتمنونه .. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَغِمْ كَمَآ أُمِرْتٌّ وَلَا نَِّعْ أَهْوَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ ١٦٢ تفسير سورة الشورى بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ لَا حُبَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . أي أُذْعُ إلى هذا القرآن، وإلى الدين الحنيفي، واستقِمْ في الدعاء، وفي الطاعة . أَمَرَ الكُلَّ من الخَلْقِ بالاستقامة، وأفرده بذكر التزام الاستقامة. ويقال: الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة؛ أي سَلْ مني أن أقيمك، ﴿وَلَا نَّعْ أَهْوَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ : أمرت بالعدل في القضية، وبأن أُعْلِمَ أنَّ اللَّهَ إلهُ الجميع، وأَنّه يحاسِب غداً كلاً بعمله، وبأن الحجةَ لله على خَلْقِه، وبأن الحاجةَ لهم إلى مولاهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ يُحَجُّونَ فِىِ الَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُم ◌ُُّهُمْ دَاحِضَةُ عِنْدَ رَبَّهِمْ وَعَنِهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ﴾ . يجادلون في الله من بعد ما استُجِيبَ لدعاء محمدٍ رََّ يومَ بدرٍ على المشركين. حُجَّةُ هؤلاء الكفار داحضة عند ربهم لأنهم يحتجون بالباطل، وهم من الله مستوجبون للعنة والعقاب . قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُّ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ . أنزلَ الكتابَ، وأنزل الحُكْمَ بالميزان أي بالحق. ويقال ألهمهم وزنَ الأشياء بالميزان، ومراعاةً العدل في الأحوال. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: يزجرهم عن طول الأمل، وينبههم إلى انتظار هجوم الأجل. قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا أَلْحَقُّ أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَّفِىِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ . المؤمنون يؤمنون بالبعث وما بعده من أحكام الآخرة، ويَكِلُون أمورَهم إلى الله؛ فلا يتمنون الموتَ حَذَّرَ الابتلاء، ولكن إذا وَرَدَ الموتُ لم يكرهوه، وكانوا مستعدين له . قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن بَشَاءٍ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾. ﴿لَطِيفٌ﴾ أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها. واللطيف هو المُلْطِف المحسن .. وكلاهما في وصفه صحيح. واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة، وما يكون سبب إحسانه للعبد اليومَ هو لُطْفٌ منه به . ١٦٣ تفسير سورة الشورى وأكثرُ ما يستعمل اللطف - في وصفه - في الإحسان بالأمور الدينية. ويقال: خَاطَبَ العابدين بقوله: ﴿لَطِيفُ بِعِبَادِهِ﴾: أي يعلم غوامضَ أحوالهم من دقيق الرياء والتصنَّع لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم وأعمالهم. وخاطَبَ العُصاةً بقوله: ((لطيف)»: لئلا ييأسوا من إحسانه. ويقال: خاطَبَ الأغنياءَ بقوله: ((لطيف)): ليعلموا أنه يعلم دقائقَ معاملاتهم في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل، وخاطَبَ الفقراء. بقوله: ((لطيف)) أي أنه مُخْسِنّ يرزق من يشاء . ويقال: سماعُ قوله: ((اللَّهُ» يوجِبَ الهيبةَ والفزع، وسماعُ ((لطيفٌ)) يوجِبُ السكونَ والطمأنينة. فسماعُ قوله: «اللَّهُ» أوجب لهم تهويلاً، وسماع قوله: ((لطيفٌ)) أوجب لهم تأميلاً . ويقال: اللطيفُ مَنْ يعطي قَدْرَ الكفاية وفوق ما يحتاج العبدُ إليه. ويقال: مَنْ لُطفِه بالعبد عِلْمُه بأنه لطيف، ولولا لُطفُه لَمَا عَرَفَ أنه لطيف. ويقال: مِنْ لُطْفِه أنه أعطاه فوق الكفاية، وكَلَّفَه دون الطاقة . ويقال: مِنْ لطفه بالعبد إبهام عاقبته عليه؛ لأنه لو علم سعادتَه لاتَّكَلَ علیه، وأَقَلَّ عملَه ولو عَلِمَ شقاوتَه لأيِسَ ولَتَرَكَ عَمَلَه . . فأراده أن يستكثرَ في الوقت من الطاعة . ويقال: من لطفه بالعبد إخفاءُ أَجَلِه عنه؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أَجَلُه. ويقال: من لطفه بالعبد أنه يُنْسِيَه ما عمله في الدنيا من الزلّة؛ لئلا يتنغَّص عليه العَيْشُ في الجنة . ويقال: اللطيفُ مَنْ نَوَّر الأسرارَ، وحفظ على عبده ما أَوْدَعَ قلبَه من الأسرار، وغفر له ما عمل من ذنوبٍ في الإعلان والإسرار. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا تُؤْمِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ . ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرّثَ الْآَخِرَةِ﴾: نَزِذِه - اليومَ - في الطاعات توفيقاً، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقاً. ونَزِذه في الآخرة ثواباً واقتراباً وفنونَ نجاةٍ وصنوفّ درجاتٍ . ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا﴾: مكتقياً به نؤته منها ما يريد، وليس له في الآخرةِ نصب . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اُلْذِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنُ بِهِ اَللَّهُ وَلَوْلًا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ الَِّلِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . ١٦٤ تغير سورة الشورى ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾: أي ليس ذلك مما أمَرَ به، وإنما هو افتراءٌ منهم. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ .. أي ما سبق به الحُكْمُ بتأخير العقوبة إلى القيامة .. قوله جلّ ذكره: ﴿َتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُ بِهِذَّ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنََّاتِّ لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الكبِيرُ﴾ . إذا حصل الإجرام فإلى وقتٍ ما لا يُعَذِّبُهم الله في الغالب، ولكنه لا محالةَ يعذبهم. وربما يَثْبُتُّ ذلك لبعض أصحاب القلوب فيتأسَّفون، ويعلمون أَنَّ ذلك من الله لهم مُعَجَّلٌّ قد أصابهم، أَمَّا الكفار .. فغداً يُشْفِقُون مما يقع بهم عند ما يقرؤونه في كتابهم، لأنَّ العذابَ - لا محالةَ - واقعٌ بهم. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِ رَوَضَانِ الْجَنَّاتِّ﴾: في الدنيا جنان الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنْسِ في أوقات الخلوة. وفي الآخرة في روضات الجنة: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: إِنْ أرادوا دوامَ اللطفِ دامَ لهم، وإنْ أرادوا تمامَ الكشف كان لهم .. ذلك هو الفضلُ الكبير. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِّ﴾ . ذلك الذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَه قد مضى ذِكْرُه في القرآن متفرقاً؛ من أوصاف الجنة وأطايبها، وما وَعَدَ اللَّهُ من المثوبة .. ونحو ذلك. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّا أَسْئَلُّكُ عَلَيْهِ أَجْرً إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُّ﴾ . قُلْ - يا محمد - لا أسألكم عليه أجراً. مَنْ بَشَّرَ أحداً بالخير طَلَبَ عليه أجراً، ولكنَّ اللَّهَ - وقد بَشْرَ المؤمنين على لسان نبيِّه بما لهم من الكرامات الأبدية - لم يطلب عليه أجراً؛ فاللَّهُ - سبحانه - لا يطلب عِوَضاً، وكذلك نبيّه ــ وَ# - لا يسأل أجراً؛ فإن المؤمنَ قد أخذ من الله خُلُقَاً حَسَناً .. فمتى يطلب الرسولُ منهم أجراً؟! وهو - صلوات الله عليه - يشفع لكل مَنْ آمن به، والله - سبحانه - يعطي الثوابَ لكل مَنْ آمن به. ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾: أراد أن تثبت مودتك في القربى؛ فتودّ منْ يتقرَّب إلى الله في طاعته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَّةُ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْتَّاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾ . تضعيف الثواب في الآخرة للواحدٍ من عَشَرّة إلى سبعمائة .. هذه هي الزيادة. ويقال: الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا. ويقال: إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضّلْنا بزيادة .. وهي تحقيق المشاهدة. ١٦٥ تفسير سورة الشورى ويقال مَنْ يقترِفُ حسنةَ الوظائف نَزِدْ له فيها حُسْنَ اللطائف. ويقال: تلك الزيادة لا يصل إليها العبدُ بوسعه؛ فهي مما لا يدخل تحت طَوْقٍ البَشَر . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبً فَإِن يَلِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكٌ وَيَمْعُ اللَّهُ اَلْبَطِلَ وَيُحِقُّ الْخَقَّ بِكَلِمَتِهِ: إِنَّهُ عَلِهْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . أي أَنَّك إنْ افترَيْتَه خَتَمَّ اللَّهُ على قلبِكَ، ولكنكَ لم تكذِبْ على ربِّكَ . ومعنى الآية أنَّ اللَّهَ يتصرَّف في عباده بما يشاء: مِنْ إبعادٍ وتقريب، وإدناء وتبعید . قوله جسلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ . ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيْئَاتِ﴾ الألف واللام للجنس مطلقاً، وهي هنا للعهد؛ أي تلك السيئات التي تكفي التوبةُ المذكورةُ في الشريعة لقبولها؛ فإنه يعفو عنها إذا شاء. ﴿وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾: من الأعمال على اختلافها. وهو ((الذي)) ..: الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بِصِلَةٍ، فهو قد تعرَّف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد؛ فالزَّلّةُ - وإن كانت توجِبُ للعبد ذميمَ الصَّفَةِ - فإنَّ قبولَها يوجِبُ للحقِّ حميدَ الاسم. ويقال: قوله: ((عباده)) اسم يقتضي الخصوصية (لأنه أضافه إلى نفسه)(١) حتى تمنَّى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حسابَ الأولين والآخرين لعلّه يقول له: عبدي. ولكن ما طلبوه فيما قالوه موجود في ﴿ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،﴾؛ وإذا فلا ينبغي لهم أن يتمنوا كذلك، وعليهم أن أن يتوبوا لكي يَصِلوا إلى ذلك. ويقال لمَّا كان حديثُ العفو عن السيئات ذكَرَها على الجمع والتصريح فقال: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السَّتِئَاتِ﴾. ثم لمَّا كان حديثُ التهديد قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ فذكره على التلويح؛ فلم يقل: ويعلم زلْتك - بل قال ويعلم ((ما)) تفعلون، وتدخل في ذلك الطاعةُ والزّلةُ جميعاً . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِ،﴾ . (أي إذا دَعَوْهِ استجابَ لهم)(٢) بعظيم الثواب في الآخرة. ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ،﴾ يقول المفسرون من أهل السُّنَّة في هذه الزيادة إنها الرؤية. (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ١٦٦ تفسير سورة الشورى ذَكَرَ التوبة وأهلها، وذكر العاصين بوصفهم، ثم ذكر المطيعين الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. فلمَّا وصل إلى الزيادة - التي هي الرؤية - قال: (ويزيدهم)) على الجمع؛ والكناية إذا تَلَتْ مذكوراتٍ رجعت إليها جميعاً؛ فيكون المعنى أن الطاعاتِ في مقابلها الدرجات، وتكون بمقدارها في الزيادة والنقصان، وأَمَّا الرؤية فسبيلها الزيادة والفضل .. والفضلُ ليس فيه تمييز. ويقال: لِمَّا ذكر أنَّ التائبين تُقْبَلُ توبتُهم، ومَنْ لم يَتُبْ غفر زلَّته، وأنَّ المطيعين لهم الجنة .. فلربما خَطَرَ بيالِ أَحَدٍ : وإذاً فهذه النارُ لِمَنْ هي؟! فقال جل ذكره: ﴿وَالْكَفِرُونَ لَمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . فالعصاةُ من المؤمنين لهم عذابٌ .. أمَّا الكافرون فلهم عذابٌ شديدٌ؛ لأنَّ دليلَ الخطاب يقتضي هذا وذاك؛ يقتضي أن المؤمنين لهم عذابٌ .. ولكن ليس بشديد، وأمَّا عذابُ الكافرين فشديدٌ. ويقال: إن لم يَتُبْ العبدُ خوفاً من النار، ولا طمعاً في الجنة لَكَان من حقُّه أن يتوب ليَقْبَلَ الحقُّ - سبحانه. ويقال إن العاصي يكون أبداً منكرَ القلب، فإذا عَلِمَ أن اللَّهَ يَقْبَلُ الطاعة من المطيعين يتمنى أَنْ ليت له طاعةً مُيَسَّرَةً ليقبلَها، فيقول الحقُّ: عبدي، إنْ لم تَكُنْ لك طاعةٌ تصلح للقبول فَلَكَ توبةٌ إِنْ أتيْتَ بها تصلح لقبولها . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ . هذا الخطاب في الظاهر يشبه الاعتذار في تخاطب الآدميين. والمعنى: أنني لم أبسط عليكَ أيها الفقيرُ في الدنيا لِمَا كان لي من العلم أنني لو قَسَمْتُ عليك الدنيا لَطَغَيْتَ، ولسَعَيْتَ في الأرض بالفساد. ويقال: قوله: ((ولكن .. )): لكن كلمة استدراك، فالمعنى: لم أُوَسِّعْ عليكَ الرزقَ بمقدار ما تريد؛ ولم أمنع عنك (الكُلَّ)؛ لأني أُتَزْلُ بِقَدَرٍ ما أشاء . قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهْ وَهُوَ الْوَلِىُّ اُلْحَمِيدُ﴾ . الله - سبحانه مُخيِي القلوب؛ فكما أنه ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ج وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، فبعدما أصابت الأرضَ جدوبةٌ، وأبطأ نزول الغيثِ، وقَنِطَ الناسُ من مجيء المطر، وأشرفَ الوقتُ على حدُ الفَواتِ يُنَزِّلُ اللَّهُ بفضله الغيثَ، ويحيي الأرضَ بعد قنوطِ أهلها .. فكذلك العبد؛ إذا ذَبُلَ غُصْنُ وقته، وتكَذَّرَ صَفْوُ ودِه، ١٦٧ تفسير سورة الشورى وكسفت شمسُ أُنْسِه، وبَعُدَ عن الحضرةِ وساحاتِ القرب عَهْدُه فلربما ينظر إليه الحقُّ برحمته؛ فينزل على سِرِّه أمطارَ الرحمة، ويعود عودُه طريًّا، ويُنْبِتُ في مشاهد أُنْسِه ورداً جَنْيًّا .. وأنشدوا: فلعلَّ أيامي تعود إن راعني منك الصدود يحيا فقد تحيا العهود ولعلَّ عهدك باللّوى وتراه مُخضرًّا يميد (١) والغصن ييبس تارةً قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ . جعل اللَّهُ في كلِّ شيءٍ من المخلوقات دلالةٌ على توخُّدِه في جلاله، وتفرُّدِه بنعت کبریائه وجماله. ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾: والإشارة منها أَنَّ الحقَّ - سبحانه - يغار على أوليائه أن يَسْكُنَ بعضُهم بقلبه إلى بعضٍ؛ فأبداً يُبَدِّدُ شمْلَهم، ولا تكاد الجماعةُ من أهل القلوب تتفق في موضع واحد إلا نادراً، وذلك لمدةٍ يسيرة .. كما قالوا: رمى الدهرُ بالفتيان حتى كأنَّهم بأكنافِ أطرافِ السماءِ نجومُ وفي بعض الأحايين قد يتفضَّل الحقُّ عليهم فتدنو بهم الديار، ويحصل بينهم - في الظاهر - اجتماعٌ والتقاءً، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحقُّ - سبحانه - بفضله إلى أنَّ في اجتماعهم بركاتٍ لحياة العالَم. وهذا - وإن كان نادراً - فإنه علی جمْعِھم - إذا یشاء - قدير . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ . إذا تحقَّق العبدُ بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظيةٌ أو حالةٌ مما يسوءُه، وعلِمَ أن ذلك جزاءً له، وعقابٌ على ما بَدَرَ منه من سوءِ الأدب لاستحيى بخجلته مِنْ فِعْلِهِ، ولَشغَلَه ذلك عن رؤية الناس، فلا يحاول أن ينتقمَ منهم أو يكافئَهم أو يدعوَ عليهم، وإنما يشغله تلافي ما بَدَرَ منه من سوءِ الفعلِ عن محاولة الانتصاف لنفسه ممن يتسلَّط عليه من الخَلْقِ .. تاركاً الأمرَ كلَّه لربُّه. ويقال: إذا كَثُرَت الأسبابُ من البلايا على العبد، وتوالى عليه ذلك .. فَلْيُفَكِزْ في أفعاله المذمومة .. كم يحصل منه حتى يبلغَ جزاء ما يفعله - مع العفو الكثير - هذا (١) يعيد: يتمايل. ١٦٨ تفسير سورة الشورى المبلغ؟! فعند ذلك يزداد حُزْنْه وتأسُّفُه؛ لِعِلْمِه بكثرة ذنوبه ومعاصيه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ اَلْبَحْرِ كَلْأَعْلَِ﴾. يريد بها السفن التي تجري في البحار؛ يرسل اللَّهُ الريحَ فَتُسَيِّرها مرةً، ويُسَكُنِها أخرى، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة .. وهو بهذا يَحُثُّهم على التفكّر والتنبُّه دائماً . والإشارة في هذا إلى إمساك الناس في خلال فَتْرَةِ الوقت عن الأنواء المختلفة، وحفظهم في إيواء السلامة، فالواجبُ الشكرُ في كل حالة، وإذا خَلُصَ الشكرُ استوجب جزيلَ المزيد (١). قوله جلّ ذكره: ﴿فَّ أُوْقِلِتُم مِّنِ شَهْرٍ فَعُ الْحَيَوِْ الدُّنْيَّ وَمَا يِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَُّونَ﴾ . يعني أنَّ الراحاتِ في الدنيا لا تصفو، ومن المشائب لا تخلو. وإنْ اتفق وجودُ البعض منها في أحايين فإنها سريعة (الزوال)، وشيكة الارتحال. ﴿وَمَا ◌ِنْدَ أَللَّهِ﴾ من الثواب الموعود ((خيرٌ)) من هذا القليل الموجود. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَِّينَ يَجْنَفُِونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. ﴿كَبَِّرَ الْإِنْ﴾: الشِرْك. و﴿ وَأَلْفَوَاحِشَ﴾: ما دون ذلك من الزلَّات. فإِذا تركوها لا يتجرَّعون كاساتِ الغضب بل تسكن لديهم سَوْرَةُ النَّفْسِ؛ لأنهم يتوكلون على ربهم في عموم الأحوال. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَِّيْنَ أَسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَّةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ . ﴿ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾: فيما دعاهم إليه وما أَمَرَهم به من فنون الطاعات؛ فهؤلاء هم الذين لهم حُسْنُ الثوابِ وحميدُ المآبِ. والمستجيبُ لربّه هو الذي لا يبقى له نَفَسٌ إلا على موافقة رضاه، ولا تَبْقَى منه لنَفْسِه بقية . ﴿وَأَغْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: لا يستبدُّ أحدُهم برأيه؛ لأنه يَتَّهِمُ أمرَه ورأيَه أبداً ثم إذا أراد القطعَ بشيءٍ يتوكل على الله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَسَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ﴾ . ((البغيُ)): الظلمُ، فيعلم أحدهم أن الظلمَ الذي أصابه هو من قِبَلِ نَّفْسِه، فينتصر (١) الآيات من (٣٣ حتى ٣٥) لم ترد. ١٦٩ تفسير سورة الشورى على الظالم وهو نفسه؛ بأن يكبحَ عنانها عن الركض في ميدان المخالفات. قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَزَّوُاْ سِمْثَكِ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الفَّالِمِينَ﴾ . (يعني لا تجاوزوا حدَّ ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام). ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى الَّهِ﴾: مَنْ عِفا عن الجاني، وأصلح ما بينه وبين الله - أَصْلَحِ اللَّهُ ما بينه وبين الناسِ. ﴿فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾: فالذي للعبد من الله وعلى الله، وعند الله خيرٌ مما يعمله باختياره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَيِلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيدٌ﴾ . عَلِمَ الله أن الكُلِّ من عباده لا يجد التحررَ من أحكام النَّفْس، ولا يتمكن من محاسن الخُلُق فرخّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط - وإن كان الأَوْلى بهم الصفح والعفو. ﴿ إِنَّمَا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ .. ﴾: السبيلُ بالملامة لِمَنْ جاوز الحدَّ، وعدا الطَّوْرَ، وأتى غيرَ المأذونِ له من الفعل .. فهؤلاء لهم عذاب أليم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ لِلَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ﴾. صَبَرَ على البلاءِ من غير شكوى، وغَفَرَ - بالتجاوز عن الخَصْم - ولم تبقَ لنَفْسِه عليه دعوى، بل يُبرىء خَصْمَه من كل دعوى، في الدنيا والعُقبى ... فذلَك من عزم الأمور. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى الظَِّينَ لَمَّا رَأَوَا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَكْرٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ . إنَّ الذين أضلَّهم اللَّهُ، وأعمى أبصارهم وبصائرَهم، وأوقعهم في كدِّ عقوبتهم، وحَرَمَهم بَرْدَ الرضا لحكْم ربّهم ليس لهم وليٍّ من دون الله، ولا مانعَ لهم من عذابه. وتراهم إذا رأوا العذابَ يطلبون منه النجاة فلا ينالونها . وتراهم يُعْرَضُون على النار وهم خاشعون من الذُّلِّ؛ لا تنفعهم ندامةٌ، ولا تُسْمَعُ منهم دعوةٌ، ويُعَيِّرُهم المؤمنون بما ذَكّروهم به فلا يسمعون، فاليومَ لا ناصرَ (١) . ينصرهم، ولا راحمَ يرحمهم قوله جلّ ذكره: ﴿أُسْتَجِبُواْ لِرَيْكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌّ لَا مَرَذَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾. (١) الآبتان (٤٥، ٤٦) لم تردا. ١٧٠ تفسير سورة الشورى الاستجابةُ لله الوفاءُ بعهده، والقيامُ بحقه، والرجوعُ عن مخالفته إلى مرافقته، والاستسلام. في كل وقتٍ لحُكْمهِ. والطريقُ اليومَ إلى الاستجابة مفتوحٌ. وعن قريبٍ سيُغْلَقُ البابُ على القلب بغتةً، ويُؤْخَذُ فلتةً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَّ أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً إِنْ عَلَكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ . فإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغُ الرسالة، ثم نحن أعلمُ بما تعاملهم به . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا أَلْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَنِئَةٌ بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ . إذا أذقنا الإنسان مِنَّا رفاهيةً ونعمةً فَرِحَ بتلك الحالة، وقابلها بالبَطَرِ، وتوصّل بتمام عافيته إلى المخالفة، وجعل السلامةً ذريعةً للمخالفة. وإن أصابته فتنةٌ وبلية، ومَسَّتْهُ مصيبةٌ ورزية فإنه كفورٌ بنعمائنا، جحودُ لآياتنا. قوله جل ذكره: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَدْنًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُورَ ... ﴾. يهب لمن يشاء الذكور، ولمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الجنين، ويجعل من يشاء عقيماً، فلا اعتراضَ عليه في تقديره، ولا افتياتَ في اختياره، فهو أَوْلَى بعباده من عباده(١). قوله جلّ ذكره: ﴿﴿° وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ﴾. لله بحقِّ مُلْكِه أن يفعل ما يشاء، ويعطي مَنْ يشاء مِنْ عباده ما يشاء، ولكن أجرى العادة وحَكَم بأنه لا يفعل إلا ما وَرَدَ في هذه الآية؛ فلم يُكَلِم أحداً إلا بالوحي، أو من وراء حجاب؛ يعني وهو لا يرى الحقَّ، فالمحجوبُ هو العبد لا الرب، والحجابُ أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية .. تعالى اللَّهُ عن أن يكونَ من وراء حجاب؛ لأن ذلك صفةُ الأجسام المحدودة التي يُسْبَلُ عليها ستر. إنه ((عَلِيّ)): في شأنه وقَدْرِه، ((حکیمٌ)): في أفعاله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَعْرِنَأْ مَا كُتَ نَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعََّهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآَهُ مِنْ عِبَادِنْ وَإِنَّكَ لَتَّدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. (١) الآية (٥٠) لم ترد. ١٧١ تفير سورة الشورى أي ذلك مثلما أوحينا إليك ((روحاً)) من أمرنا يعني القرآن؛ سَمَّاه روحاً لأنه مَنْ آمن به صار به قلبُه حيًّا . ويقال: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾: أي جبريل عليه السلام، ويسمى جبريل روح القدس. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ .. ﴾: ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن، ((ولا الإيمان)»: أي تفصيل هذه الشرائع. ﴿وَلَكِنْ جَعَلْتَهُ﴾: أي القرآن ((نوراً)) نهدي به مَنْ نشاء من عبادنا المؤمنين. ﴿أَلَاّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: لأن منه ابتداء الأمور. سورة الزُّخرف قوله جلّ ذكره: ﴿ يِسْمِ أَنَّهِ الرََّلِ الرّحمَـ .﴾ . بسم ((الله: اسمٌ عزيزٌ مَنْ وَثِقَ بِجُودِهِ وَكَرَمِه لم يُعَلِّقْ بغيره صواعدَ هِمَمِه، ولم يَقِف على سُدَّةِ مخلوقٍ بِقَدَمِهِ في ابتغاءٍ كَرَمِهِ. اسمٌّ عزيزٌ مَنْ عَوَّدعه خفايا لُطْفِه لم يَتَذَلْ في طَلَب شيءٍ مِنْ غيرِهِ، ولم يَرْجِع إلى غيره في شَرِّه وخَيْرِه. قوله جلّ ذكره: ﴿حَمَ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْتَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . الحاءُ تدل على حياته والميمُ على مجده .. وهذا قَسَمْ؛ ومعناه: وحياتي ومجدي وهذا القرآنِ إنَّ الذي أخبرتُ عن رحمتي بعبادي المؤمنين حقٌ وصِدْقٌ. وجعلناه قرآناً عربياً ليتيسَّرَ عليكم فَهْمُ معناه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ﴾. ﴿فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا﴾: أي أنه مكتوب في اللَّوح المحفوظ. ﴿لَعَلُِّّ حَكِيمُ﴾ُ لِعَلِيُّ القَدْرِ، حكيمُ الوصفِ؛ لا تبديلَ له ولا تحویل. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الْذِكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسِْفِينَ﴾. أي أننا لا نفعل ذلك؛ (فيكون معنى الاستفهام)(١) أفنقطع عنكم خطابنا وتعريفنا إن أسرفتم في خلافكم؟ لا ... إننا لا نرفع التكليفَ بِأَنْ خالَفْتُم، ولا نهجركم - بِقَطْع الكلام عنكم - إن أسرفتم. وفي هذا إشارةٌ لطيفةٌ وهو أنه لا يقطع الكلامَ - اليومَ - عَمَّنْ تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه. فأحرى أَنَّ مَنْ لم يُقَصِّر في إيمانه - وإنْ تَلَطْخَ بعصيانه، ولم يَدْخُلْ خَلَلٌ في عِرفانه - ألا يَمْنَعَ عنه لطائفَ غفرانه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّجٍِ فِى الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْنِهِم ◌ِن نَّبِيِّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ. يَسْتَهْزُِونَ﴾ . ما أتاهم من رسولٍ فقابلوه بالتصديق، بل كَذِّبَ به الأكثرون وجحدوا، وعلى غَيِّهم أَصَرُوا ... (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ١٧٢ ١٧٣ تفسير سورة الزخرف قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ . أي لم يُعجِزْنا أحدٌ منهم، ولم نعادِز منهم أحداً، وانتقمنا مِنَ الذين أساؤوا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَفَهُنَّ الْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ﴾ . كانوا يُقِرُّون بأنَّ اللَّهَ خالقُهم، وأنَّه خَلَقَ السمواتِ والأرضَ، وإنما جحدوا حديثَ الأنبياءِ، وحديثَ البعثِ وجوازه. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . كما جَعَلَ الأرضَ قراراً لأشباحهم جَعَلَ الأشباحَ قراراً لأرواحهم؛ فالخَلْقُ سُكَّانُ الأرض، فإذا انتهت المدةُ - مدةُ كَوْنِ النفوسِ على الأرضِ - حَكَمَ اللَّهُ بخرابها .. كذلك إذا فارقت الأرواحُ الأشباحَ بالكُليَّةِ قضىَ اللَّهُ بخرابها. قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَّهُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ . يعني كما يُخيي الأرضَ بالمطرَ يُحيي القلوبَ بحُسنِ النَّظَر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلُّهَا﴾ . أي الأصنافَ من الخَلْقِ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْقُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ﴾ . كذلك جَنَّسَ عليكم الأحوالَ كلها؛ فمِنْ رغبةٍ في الخيرات إلى رهبةٍ مما توعدَّكم به من العقوبات. ومن خوفٍ يحملكم على تَرْكِ الزلات إلى رجاءٍ يبعثكم على فعل الطاعات طمعاً في المثوبات .. وغير ذلك من فنون الصِّفات. وَلِتَسْتَوَأُ عَلَى ظُهُورِ﴾ . يعني الفُلْكَ والأنعام .. ﴿ظُهُورِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ أَلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَمُ مُقْرِنِينَ﴾ . مطيعين، وكما سَخَّرَ لهم الفُلْكَ في البحر، والدوابَ للركوب، وأعظم عليهم المنة بذلك فكذلك سَهَّلَ للمؤمنين مركب التوفيق فَحَمَّلهم عليه إلى بساط الطاعة، وسهَّلَ للمريدين مركبَ الإرادة فَحَمَلهم عليه إلى عَرَصَات الجود، وسَهَّل للعارفين مركبَ الهِمَمِ فأناخوا بعِقْوةِ العِزَّةِ. وعند ذلك مَحَطْ الكافة؛ إذ لم تخرق سرادفاتٍ ١٧٤ تفسير سورة الزخرف العِزَّةِ هِمَّةُ مخلوقٍ: سواء كان مَلَكاً مُقَرَّباً أو نبيًّا مُرْسَلاً أو وليًّا مُكَرَّماً، فعند سطواتِ العِزَّةِ يتلاشى كلُّ مخلوقٍ، ويقف وراءَها كلُّ مُحْدَثٍ مسبوق(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. هم الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ فجعلوا البناتِ لله جزءاً على التخصيص من جملة مخلوقاته .. تَعَسَاً لهم في قولهم ذلك وخِزْياً !! فردَّ عليهم ذلك قائلاً : ﴿أَمِ أَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِلْبَنِينَ﴾. قال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا؛ إذ - على حدٍّ قولهم - كيف يُؤْثِرُهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟! ففي قولهم ضلالٌ؛ إذ حكموا للقديم بالوَلَد. وفيه جهلٌ؛ إذ حكموا له بالبنات ولهم بالبنين - وهم يستنكفون من البنات .. ثم .. أي عيب في البنات؟ ثم .. كيف يحكمون بأن الملائكة إناثٌ - وهم لم يشاهدوا خِلْقَتَهم؟ كلُّ ذلك كان منهم خطأ محظوراً(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُوْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٌ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ . إنما قالوا ذلك استهزاءً واستبعاداً لا إيماناً وإخلاصاً فقال تعالى: ﴿مَّا لَّهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْيٌ﴾ ولو عَلِمُوا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولاً . ثم قال: ﴿أَمْ ءَانْنَهُمْ كِتَبًا مِن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ﴾ . أي ليس كذلك، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليدٍ لا يُفْضي إلى العلم، فقال: ﴿بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابََّنَا عَلَىَّ أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾ . فنحن نقتدي بهم، ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّنِ نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتََّفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَِّهِم مُقْتَلُونَ﴾ . سلكوا طريقَ هؤلاء في التقليد لأسلافهم، والاستنامة إلى ما اعتادوه من السِّيرة والعادة . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِنَا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ مَابَّكُمْ قَالُواْ إِنَّا يِمَآ أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ . (١) الآية (١٤) لم ترد. (٢) الآيات من (١٧ حتى ١٩) لم ترد. ١٧٥ تفسير سورة الزخرف فلم ينجعْ فيهم قولُه، ولم ينفعهم وَعْظُه، وأَصرُّوا عَلَى تكذيبِهِم، فانتقمَ الحقُّ - سبحانه - منهم كما فعل بالذين من قبلهم(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ إِزَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِنَّا تَعْبُدُونَ﴾ . أخبر أَنَّ إبراهيمَ لمَّا دعا أباه وقومَه إلى الله وتوحيده أَبَوْا إِلَّا تكذيبَه؛ فتبرّاً منهم بأجمعِهم، وجعلَ اللَّهُ كلمةَ التوحيدِ باقيةٌ في عَقِه وقومه(٢). ﴿بَلّ مَثَّعْتُ هَكُلَاءِ وَمَابََّهُمْ حَتَّى سَآءَ هُمُ الْحُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أَرْخَيْنَا عنانَ إمهالهم مدةً، ثم كان أمرُهم أَنْ انتصرْنا منهم، ودَمّرْناهم أجمعين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْفَرِيَنِ عَظِيمِ﴾ . إمّا أبي مسعود الثقفي(٣) أو أبي جهل، وهذا أيضاً من فرط جهلهم. ﴿َهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَيِكْ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَزِ الدُّنْيَأْ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَّ وَرَحْمَتُ رَيْكَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ . أهم يَفْسمون - يا محمد - رحمةَ ربك في التخصيص بالنبوة؟ أيكون اختيارُ اللَّهِ - سبحانه - على مقتضى هواهم؟ بئس ما يحكمون! ﴿فَخَُّ قَسَمْنَا بَيْنَهُم .... ﴾ فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم ... فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء؟ !... والإشارة من هذا؛ أن الحقَّ - سبحانه ــ لم يجعل قسمةَ السعادةِ والشقاوة إلى أحد، وإنما المردودُ مَنْ رده بحكمه وقضائه وقَدَرِهِ، والمقبولُ - من جملة عباده - مَنْ أراده وقَبِلَه ... لا لِعلَّةٍ أَو سبب، وليس الردُّ أو القبولُ لأمرٍ مُكتَسب ... ثمَّ إنه قَسَمَ لِبعْضِ عِباده النعمةَ والغنى، وللبعض القلّةَ والفقر، وجعل لكلِّ واحدٍ منهم سكناً يسكنون إليه يستقلون به؛ فللأغنياء وجودُ الإنعام وجزيل الأقسام .. فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهودُ المُنْعم والقَسَّام .. فَحَمدوا وافتخروا. الأغنياءُ وجدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله: ((نحن)) فاشتغلوا. (١) الآية (٢٥) لم ترد. (٢) الآيتان (٢٧، ٢٨) لم تردا. (٣) هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي (٠٠٠٠ - ٩ هـ =٠٠٠ - ٦٣٠°م) صحابي مشهور، كان كبيراً في قومه بالطائف، ولما أسلم استأذن النبي مر أن يرجع إلى قومه يدعوهم للإسلام، فقال: أخاف أن يقتلوك. قال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له، فرجع، فدعاهم إلى الإسلام فخالفوه، ورماه أحدهم بسهم فقتله . الأعلام ٢٢٧/٤، والإصابة ت٥٥٢٨، ورغبة الآمل ٣٠/٥. ١٧٦ تفسير سورة الزخرف وفي الخبر أن النبي وَ # قال للأنصار: ((أما ترضون أن يرجع الناس بالغنى؛ وأنتم ترجعون بالنبي إلى أهليكم؟». ﴿ لِتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَّا .. ﴾: لو كانت المقاديرُ متساويةً لَتَعَطَّلت المعايشُ، ولَبَقِيَ كلَّ عندَ حاله؛ فجعل بعضَهُم مخصوصين بالرّفَه والمال، وآخرين مخصوصين بالفقر ورقة الحال .. حتى احتاج الفقيرُ في جَبْرِ حاجته إلى أَنْ يعملَ للغنيِّ كي يرتفق من جهته بأجرته فيَضْلُحُ بذلك أمرُ الغنيّ والفقير جميعاً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ . معنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر؛ فالذي يبقى عنَّا لو صَبَبْنًا عليه الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبراناً لمصيبته. ولولا فتنة قلوب المؤمنين لجعلنا لبيوتهم سُقُفاً من فضة ومعارجَ من فضة، وكذلك ما يكون شبيهاً بهذا. ولو فعلنا .. لم يكن لِمَا أعطيناه خَطَرٌ؛ لأنَّ الدنيا بأَسْرِها ليس لها عندنا خطر (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَعْثُ عَن ذِكْرِ الَّحْمِ نُقَيِّضْ لَمُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ﴾ . مَنْ لم يعرف قَدْرَ الخلوة مع اللَّهِ فحادَ عن ذكره، وأَخلدَ إلى الخواطر الرديَّة فيَّضَ اللَّهُ له مَنْ يَشْغَلُه عن الله - وهذا جَزَاءُ مَنْ تَرَك الأدبَ في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته بربِّه .. فلو تعرَّض له مَنْ يشغله عن الله - وهذا جَزَاءُ مَنْ تَرَك الأدبَ في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته بربِّه. فلو تعرَّض له مَنْ يشغله عن ربه صَرَفه الحق عنه بأَي وجْهٍ كان، وصَرَفَ دواعيه عن مفاتحته بمَا يشغله عن الله. ويقال: أصعبُ الشياطين نَفْسُكَ؛ والعبدُ إذا لم يَعْرِفْ خَطَرَ فراغ قلبه، واتَّبَعَ شهوته، وفتح ذلك البابَ عَلَى نَفْسه بقي في يد هواه أسيراً لا يكاد يتخَلْصُ عنه إلا بعد مُدَّة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَحْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ حَتَّىَ إِذَا جَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَأْسَ الْقَرِينُ﴾ . الذي سوّلت له نَفْسُه أمراً يَتَوَهِّمُ أنه على صواب، ثم يحمل صاحبَه على موافقته في باطله، ويدعي أنه على حقٌّ. وهو بهذا يَضُر بِنَفْسِه ويضر بغيره. ثم إذا ما انكشف - غداً - الغطاء تبيَّن صاحبُه خيانَته، ونَدِمَ على صُحْبَتِه، ويقول: ﴿يَنْوَيَِّقَ لَيْنِي لَمْ أَّخِذْ (١) الآيتان (٣٤، ٣٥) لم تردا. ١٧٧ تفسير سورة الزخرف فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] و﴿يَلَيَّتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. ولكنَّ هذه الندامةَ لا تنفعُ حينئذٍ؛ لأنّ الوقتَ يكونُ قد فات، لهذا قال تعالى : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َلَمْتُمْ أَتَّكُمْ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الضُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَنْ كَنَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ . هذا الاستفهام فيه معنى النفي؛ أي أنه ليس يمكنُكَ هدايةً مَنْ سَدَدْنا بصيرته، ولَبَّسْنا عليه رُشْدَه، ومَنْ صَبْنا في مسامع فَهمه رصاصَ الشقاء والحرمان ... فكيف يمكنك إسْمَاعه؟! قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُّنْيَقِمُونَ﴾ . يعني: إنْ انقضى أَجَلُكَ ولم يتفق لكَ شهودُ ما نتوّعَدُهم به فلا تتوَهَّمْ أَنَّ صِدْقَ كلامنا يشوبه مَيْنٌ، فإنّ ما أخبرناك عنه - لا محالة - سيكون. قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْ تُرَنَّكَ أَلَّذِى وَعَدْتَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُقْتَدِرُونَ﴾. أَثْبتَهُ عَلَى حدٌ الخوفِ والرجاء، ووقَفَهُ عَلَى وصفِ التجويز لاستبداده - سبحانه بعلم الغيب. والمقصود كذلك أن يكونَ كلُّ أحد بالنسبة لأمر الله من جملة نظارة التقدیر - فاللهُ یفعل ما یرید. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِأَلَّذِىّ أُوحِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَ صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. اجتهِدْ من غير تقصير وتوكّلْ على اللَّهِ من غير فُتور، وِقِفْ حيثما أُمِرْتَ، وثِقْ بأنك على صراطٍ مستقيم. قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ﴾ . أي إنّ هذا القرآن لَذِكْرٌ لك؛ أي شرفٌ لك، وحُسْنُ صيتٍ، واستحقاقُ منزلةٍ .. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُّسُلِنَّا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَينِ ءَالِهَةٌ يُعْبَدُونَ﴾ . حَشَرَ أرواح الأنبياءِ - عليهم السلام - ليلةَ الإسراء، وقيل له - وَ لاغير: ((سَلْهم: هل أَمَرْنا أحداً بعبادة غيرنا؟ فلم يَشُكّ النبي - ﴿ * - ولم يسأل))(١). ويقال: الخطابُ له، والمرادُ به غيره .. فَمَنْ يرتاب في ذلك؟ ويقال: المراد منه سَلْ أقوامهم، لكي إذا قالوا إن الله لم يأمر بذلك كان هذا أبلغ في إبرام الحجة علیھم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَزْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَقِنَا ...... إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَفْسَكُونَ﴾. (١) للحديث رواية أخرى: ((لا أسأل قد اكتفيت)) أخرجه ابن الجوزي في (زاد المسير ٣١٩/٧). ١٧٨ تفسير سورة الزخرف كرَّر قصةً موسَى غيرَ مرةٍ في القرآن، وأعادَها هنا مجملةً؛ أرسلناه بدلائلنا، أرسلناه بحجةٍ ظاهرةٍ قاهرةٍ، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط، فقوبل بالهزء والضحك والتكذيب. ومع أنَّ اللَّهَ سبحانه لم يُجْرِ عليه من البيّنات شيئاً إلا كان أوضحَ مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاءٍ أَوْحَشَ مما قبله. فلمَّا عضَّهم الأمرُ قالوا: يا أيهاً الساحرُ، ادْعُ لنا ربَّك ليكشف عنَّا البليَّةَ لنؤمِنَ بك، فدعا موسى .. فكشف اللَّهُ عنهم، فعادوا إلى كفرهم، ونقضوا عَهْدَهُم(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَغَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اُلْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِىّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ . تعزّزَ بمُلْكِ مصر، وجَرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه؛ ليُعْلَمَ أَنَّ مَنْ تعزّزَ بشيء من دون الله فختفُه وهلاكُه في ذلك الشيء. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَّدُ يُبِينُ﴾ . استصغر موسى وحديثّه، وعابَه بالفقر .. فَسَلَّطه اللَّهُ عليه، وكان هلاكه بیدیه، فما استصغر أحدٌ أحداً إلا سَلَّطه اللَّهُ عليه(٢) . قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾. أطاعوه طاعةَ الرهبة، وطاعةُ الرهبةِ لا تكون مخلصةٌ، وإنما تكون الطاعةُ صادقةٌ إذا صَدَرَتْ عن الرغبة . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ أَبْمَعِينَ﴾. ﴿وَاسَفُونَا﴾ أغضبونا، وإنما أراد أغضبوا أولياءنا، فانتقمنا منهم. وهذا له أصل في باب الجَمْع؛ حيث أضاف إيسافَهم لأوليائه إلى نَفْسِه ... وفي الخبر: أنه يقول: (مَرِضْتُ فلم تَعُذْنِي))(٣). وقال في قصة إبراهيم عليه: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا ... ﴾ [الحج: ٢٧]. وقال في قصة نبيّنا - ﴿: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَمَّا شُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ بَصِدُّونَ﴾. وضَرْبُ المَثَلِ بعيسى هو قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلٍ ءَادَمٌ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ خَلَقَ عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين. فجحدوا بهذه الآية. (١) الآيات (٤٨، ٤٩، ٥٠) لم ترد. (٢) الآية (٥٣) لم ترد. (٣) للحديث رواية أخرى: ((مرضت فلم يعدني ابن آدم)) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٤٠٤/٢). الآية (٥٦) لم ترد. ١٧٩ تفسير سورة الزخرف وقيل هو قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فقالوا: رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعُزَيْر والملائكة، وليس لهم في الآية موضع ذِكْر؛ لأنه سبحانه قال: ((وما)) تعبدون، ولم يقل ((ومن)) تعبدون. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ ءَ أَلِهَتُنَّا خَيْرُّ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْاْ بَلْ هُرْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ . ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً﴾: وذلك أنهم قالوا: إن قال آلهتكم خيرٌ فقد أقرَّ بأنها معبودة، وإن قال: عيسى خيرٌ من آلهتكم فقد أقرَّ بأن عيسى يصلح لأن يُعْبد، وإن قال: ليس واحدٌ منهم خيراً فقد نفى ذلك عن عيسى عليه. وهم راموا بهذا الكلام أن يجادلوه، ولم يكن سؤالهم للاستفادة. فكان جواب النبي ◌َلقه عليهم: ((أن عيسى عليه السلام خيرٌ من آلهتكم ولكنه لا يستحق أن يُعْبَد؛ إذ ليس كلٌّ ما هو خيرٌ من الأصنام بمستحق أن يكون معبوداً من دون الله وهكذا بيَّن الله - سبحانه - لنبيِّه أنهم قوم جَدِلون، وأنَّ حُجَتَهم داحضةٌ عند ربهم. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيَّهِ وَحَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَفِىَ إِسْرَّوِيلَ﴾ . فليس عيسى إلا عبدٌ أنعمنا عليه بالنبوَّة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ ◌َعَلْنَا مِنْكُرْ مَّلَئِكَةُ فِ الْأَرْضِ يَخْلُغُونَ﴾ . ولو شِئْنا لأنزلنا ملائكةً من السماء حتى يكونوا سُكَّانَ الأرض بَدَلَكم. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌّ لِلِسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونَ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾: يعني به عيسى عليه السلام إذا أنزله من السماء فهو علامةٌ للساعة، ﴿فَلَ تَمْتَرُنَ﴾ بنزوله بين يديّ القيامة(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . ولا يصدنكم الشيطانُ عن الإيمان بالساعة، وعن اتِّباع الإيمانِ بهُداي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا جَ عِيسَى بِلْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيْءٍ فَأَتَّقُوا اللَّهَ وَطِيعُونِ﴾ . ذكرَ مجيءَ عيسى عَلَيُّه السلام أول مرة؛ حيث أتى قومَه بالشرائع الواضحة، (١) في الموسوعة قال رسول الله (8#: ((لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب)) أخرجه مسلم في الصحيح (الإيمان ب٧١ رقم ٢٤٣)، والطحاوي في (مشكل الآثار ٢٨/١) والآجري في (الشريعة ٣٨٠)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٩٧٢٢)، والقرطبي في (التفسير ٣١٥/١٠، ٨٦/١٨). ١٨٠ تغير سورة الزخرف ودعاهم إلى دين الله، ولكنهم تحزَّبوا عليه، وإن الذين كفروا به لمستحقون للعقوبة . قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْأَخِلَّهُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُثَّفِينَ﴾. ما كان لغيرِ اللَّهِ فمآلُه إلى الضياع. والأخلاءُ الذين اصطحبوا عَلَى مقتضى الهوى بعضهم لبعض عدو؛ يتبرَّأ بعضُهم من بعضَ، فلا ينفع أحدٌ أحداً. وأمَّا الأخلاءُ في الله فيشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله: ﴿إِلَّ الْمُنَّفِينَ﴾. وشرط الخلّة(١) في الله؛ ألا يستعمل بعضُهم بعضاً في الأمور الدنيوية، ولا يرتفق بعضهم ببعضٍ؛ حتى تكونَ الصحبةُ خالصةً لله لا لنصيبٍ في الدنيا، ويكون قبولُ بعضهم بعضَ لأَجْلِ الله، ولا تجري بينهم مُداهَنَةٌ، وبقَدْرٍ ما يرى أحدُهم في صاحبه من قبولٍ لطريقِ اللَّهِ يقبله، فإِنْ عَلِمَ منه شيئاً لا يرضاه اللَّهُ لا يَرْضَى ذلك من صاحبه، فإذا عاد إلى تركه عاد هذا إلى مودته، وإلّا فلا ينبغي أن يُساعدَه عَلَى معصيته، كما ينبغي أن يتقيه بقلبه، وأَلا يسكنَ إليه لغرضٍ دنيوي أو لطمعٍ أو لِيوَض. قوله جلّ ذكره: ﴿يَعِبَادٍ لَ خَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ . يقال لهم غداً: ﴿يا عبادي لا خوفٌ عليكم اليوم﴾ مما يلقاه أهل الجمع من الأهوال، ولا أنتم تحزنون فيما قَصَّرْتُم من الأعمال ... أمَّا الذنوب .. فقد غفرناها، وأمَّا الأهوال .. فكفيناها، وأمَّا المظالم .. فقضيناها. فإذا قال المنادي: هذا الخطاب يُطْمِعُ الكلَّ قالوا: نحن عباده، فإذا قال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَيِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ . أيِسَ الكفارُ، وقَوِيَ رجاءُ المسلمين. قوله جل ذكره: ﴿أَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُرْ تُحْبَرُونَ﴾ . في رياض الجنة، وتزتَعون. ويقال: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ من لذة السماع. قوله جل ذكره: ﴿يُطَافُ عَلَيَّهِم بِصِحَافٍ مِن ذَهَبٍ وَأَكَوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . العُبَّاد لهم فيها ما تشتهي أنفُسهمٍ لأنهم قاسوا في الدنيا - بحُكم المجاهدات - الجوع والعطشَ، وتحمَّلوا وجُوهَ المشاقُ، فيُجازون في الجنةَ بوجوهٍ من الثواب. وأمَّا أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله لطول ما (١) يصلح هذا يُضاف إلى حديثه - أي القشيري - عن الصحبة بالرسالة ص٢٩٤.