النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تفسير سورة ص ويقال شددنا ملكه بقبض أيدي الظَّلَمَةِ. ويقال شددنا ملكه بدعاء المستضعفين. ويقال شددنا مُلْكَه بأن رأى النصرةَ مِنَّا، وَتَبرَّأَ من حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. ويقال بوزراء ناصحين كانوا يدلُّونه على ما فيه صلاح مُلْكه. ويقال بِتَيَقُظِه وحُسْنٍ سياسته. ويقال بقبوله الحق من كلِّ أحد. ويقال برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ﴿وَءَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَضْلَ لَلِطَابِ﴾: أي أعطيناه الرُّشْدَ والصوابَ، والفَهْمَ والإصابة . ويقال العلم بنفسِه وكيفية سياسة أمته. ويقال الثبات في الأمور والحكمة، وإِحكام الرأي والتدبر. ويقال صحبة الأبرار، ومجانبة الأشرار. وأمَّا ﴿وَفَضْلَ لَلِطَابِ﴾ فهو الحكم بالحق، وقيل: البينة على مَنْ ادَّعىَ واليمين على مَنْ أنكر. ويقال: القضاء بين الخصوم. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ تُسَوَُّوا الْمِحْرَابَ﴾ الآيات. أرسل اللَّهُ إلى داود عليه السلام مَلَكَيْنٍ من السماء على صورة رجلين فتحاكَمًا إليه تنبيهاً له على ما كان منه من تَزَوَّجِه بامرأةَ أوريا، وكان تَرْكُ ذلك أَوْلَى - هذا على طريق مَنْ رأى تنزيهَ الأنبياءِ عليهم السلام من جميع الذنوب. وأمَّا مَنْ جَوَّزَ عليهم الصغائر فقال: هذا من جملته. وكثّى الخَضْمان باسم النعجة عن النساء. وكان داود عليه السلام قال الله سبحانه وتعالى: إِنِّي لأَجِدُ في التوراة أنَّكَ أعطيتَ الأنبياءَ الرَّتَبَ فَأَعْطِنِيها، فقال: إِنهم صبروا فيما ابتَلَيْتُهم به، فوعد داودُ من نَفْسِه الصبرَ إذا ابتلاه طمعاً في نَيْلِ الدرجات، فأخبر اللهُ تعالى أنه يبتليه يومَ كذا، فجعل داودُ ذلك اليوم يوم عبادة، واختلى في بيته، وأَمَرَ حُرَّاسَه ألا يؤذيَه أحدٌ بالدخول عليه، وأغلق على نَفْسِه البابَ، وأخذ يُصَلِّي زماناً، ويقرأ التوراةَ زماناً يتعبَّد. أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غَلْق بابِ السماء. وأَمَرَ حَرَسَه أن يدفعوا عنه الناسَ وكانوا ثلاثين ألف رجل - ويقال أربعة آلافَ - ولكن لم يُمْكِنْهم أَنْ يدفعوا عنه حُكْمَ القضاء، ولقد قال الحكماء: الهاربُ مما هو كائن في كَفُّ الطالبِ يتقلب. وكانت في البيت كوَّةٌ يدخل منها الضوء، فَدَخَلَ طيرٌ صغيرٌ من الذهب، ووقع قريباً منه، وكان لداود ابنٌ صغيرٌ فَهَمَّ أن يأخذَه ليدفعَه إلى ابنه، فتباعَدَ عنه. وجاء في ١٠٢ تفسير سورة صّ التفاسير: أنه كان إبليس، قد تصوَّر له في صورة طير، فَتَبِعَه داود، ولم يزل الطائرُ يتباعد قليلاً قليلاً، وداود يتبعه حتى خَرَجَ من الكوة، وَنَظَر داود في إثره فَوَقَعَ بَصَرُه على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردةً، فعاد إلى قلبه منها شيء، فكان هذا السبب. ويقال لم يَرْعَ الاهتمامَ بسبب وَلَدِه حتى فعل به ما فعل، وفي ذلك لأُولي الأبصار عِبْرَةٌ . ويقال لم يكن أوريا قد تزوَّجَ بها بَعْدُ، وقد كان خَطَبَها، وأجابَتْه في التزوج به، فَخَطَبَ داود على خِطْبَتِهِ. وقيل بل كانت امرأتَه وسأله أن ينزل عنها، فَنَزَّلَ على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقُتِلَ وتزوَّج بها. فلمَّا تَسَوَّرَ الخصمان عليه، وقيل دَخَلًا من سور المحراب أي أعلاه ولذلك : - ﴿فَفَرِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْتَّ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَعْكُمُ بَيْنَنَا بِآلْحَقِّ وَلَا تُشِْطْ وَأَهْدِنَاً إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ﴾. نحن خصمان ظَلَمَ بعضُنا بعضاً، فاحكُمْ بيننا بالعدل: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِبْعُ وَنَْعُونَ نَعْمَةُ وَلِيَ نَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِيهَا وَعَِّ فِى الْخِطَابِ﴾ . ﴿أَكْفِلْنِيَهَا﴾ أي انزلْ عنها حتى أكفلَها أنا، ﴿وَعَزَّنِ فِ اَلْخِطَابِ﴾. أي غلبني، فقال داود : ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَلِهِ.﴾. فضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصَعدَ إلى السماء بين يديه، فَعَلِمَ داودُ عند ذلك أنه تنبيهً له وعتابٌ فيما سَلَفَ منه، وظنَّ واستيقن أنه جاءَتْه الفتنةُ الموعودة: ﴿فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ . أخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوماً لا يرفع رأسَه من السجود إلا (للصلاة)(١) المكتوبة عليه، وأخذ يبكي حتى نَّبَتَ العُشبُ من دموعه، ولم يأكل ولم يشرب في تلك المدة، حتى أوحى اللَّهُ إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف بحديث الخصم؟ فقال: إني استوهبْتُك منه، وقال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُمْ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ . إن له عندنا لَقُربةً وحُسْنَ رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجاً بدموعه. ويقال لمَّا التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وَجَدَ المغفرةَ والتجاوز ... وهكذا مَنْ رجع في أوائل الشدائد إلى الله (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ١٠٣ تفسير سورة ص فاللَّهُ يكفيه مما ينوبه، وكذلك مَنْ صَبَرَ إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال إنَّ زَلّةٌ أَسَفُكَ عليها يوصلك إلى ربِّك أَجْدَى عليك من طاعةٍ إعجابُكَ بها يُقْصِيكَ عن ربِّك. قوله جلّ ذكره: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنِّيعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ اْحَابِ﴾. ﴿جَعَلْتَكَ خَلِيفَةٌ﴾ أي بعد مَنْ تَقَدَّمَكَ من الأنبياء عليهم السلام. وقيل حاكماً من قِبَلِي لتحكمّ بين عبادي بالحقِّ، وأوصاه بألا يتبعَ في الحكم هواه تنبيهاً على أنَّ أعظمَ جنایات العبد وأقبح خطاياه متابعةُ الهوى. ولما ذَكَرَ اللَّهُ هذه القصة أعقبها بقوله: ﴿وَمَا ◌َلَقْنَا السََّةَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلاَّ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾. ((باطلاً)) أي وأنا مُبْطِلُ في خلقهما، بل كان لي ما فعلْتُ وأنا فيه مُحِقٌّ. ويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقِّ(١). ثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال: ﴿كِتَبُ أَنْنَهُ إِلَيْكَ مُبَكٌ لِيََُّّوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَّكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ . ﴿مُبٌَّ﴾ وهو القرآن، ومبارك أي كبيرُ النّفْع، ويقال مباركٌ أي دائمٌ باقٍ لا ينسخه كتابٌ؛ مِنْ قولهم بَرَكَ الطيرُ على الماء. ويقالَّ، مباركٌ لِمَنْ آمَنَ به وصَدَّقَ. ثم إنه بَيَّنَ أَنَّ البركةَ في تَدَبُّرِهِ والتفكّرِ في معانيه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَبْنَا لِلَاُرَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ . ﴿وَنِعْمَ الْعَبْدٌ﴾ لأنه كان أَوَّاباً إلى الله، راجعاً إليه في جميع الأحوال؛ في النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِ الصَّفِنَتُ لْلِيَادُ﴾. ﴿الضَّفِنَتُ﴾ جمع صافنة وهي القائمة، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث قوائم؛ إذ ترفع إحدى اليدين على سُنْيُكِها. وجاء في التفاسير أن سليمان كان قد غَزَا أهلَ دمشق، وأصابَها منهم، وقيل وَرِثَهَا عن أبيه داود وكان قد أصابها من العمالقة، وقيل كانت خيلاً لها أجنحة خرجت من البحر. وفي بعض التفاسير عُرِضَ عليه عشرون ألف فرسٍ فَشَغَلَتْه عن بعض أذكاره لله . ﴿ بِالْعَشِّ﴾: في آخر النهار، وقيل كان ذلك صلاة العصر. (١) الآية (٢٨) لم ترد. ١٠٤ تفسير سورة ص قوله جلّ ذكره: ﴿رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسَْطًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ . قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراماً منه لها بعد لها بعد أن فَرَغُ من صلاته . وقيل عَرْقَبَها (ليذبحها فَحَبَسَها بالعرقبة عن النفار)(١)، وقيل وَضَعَ عليها الكيَّ فَسَبَّلَها(٢)، وإيش ما كان فكلُّ ذلك كان جائزاً في شرعه . قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَالَ إِّ أَحَْبَتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِىِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْخِجَابِ﴾ . أي لَصقْتُ بالأرض لحُبِّ المال. ويقال لمَّا سَبَّلَ هذه الأفراس عَوَّضَه الله - سبحانه - بأن سَخَّرَ له الريح، وهذا أبلغ، وكلُّ مَنْ تَرَكَ شيئاً لله لم يخسر على الله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَتَّا سُلَيْتَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَدًّا ثُمَّ أَبَ﴾ . اختلف الناسُ في هذه الفتنة؛ ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: («لأَطُوفَنَّ على هؤلاء فيولد من كل واحدةٍ منهن غلام يقاتل في سبيل الله))(٣) ولم يَقُلْ إن شاء الله، ولم تَحْمِلْ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيه، فاستغفر ربه من تَرْك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأَوْلَى. وقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرته، فَهَمُّوا بقَتْلِه، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، وألقته الريح على كرسيه ميتاً. فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأوْلَى به التوكل وتزك الاستعانة بالريح. وقيل فتي التفاسير: إنه تزوج بامرأة كانت زوجة مَلِكٍ قهره سليمان، وسَبَاها، فقالت له: إن أَذِنْتُ لي أَنْ اتَّخِذَ تمثالاً على صورةٍ لأبي لأتسلَّى بنظري إليه؟ فَأَذِنَ لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوماً)، وكانت تعبده سِرًّا، فعوقب عليه . وقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت مِنْ أَحَبِّ نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول الخلاء نَزَعَ خاتمه ودَفَعَه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خَرَجَ استردّه. وجاء يوماً شيطانٌ يُقَال له ((صخر) على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إليَّ الخاتم فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يُمَشِّي أمورَه - إلا التصرفَ في نسائه - فقد منعه اللَّهُ عن (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٢) سبّل المال: جعله في سبيل الخير وأنواع البر. (٣) أخرجه البخاري (نكاح ١١٩)، (كفارات ٩)، ومسلم (أيمان ٢٢، ٢٤، ٢٥)، (نذور، ٧)، والنسائي (أيمان ٤٣)، وأحمد بن حنبل ٢٢٩/٢، ٢٧٥، ٥٠٦. ١٠٥ تفسير سورة ص ذلك. فلمَّا خرج سليمانُ طَالَبَ المرأة بالخاتم، فقالت: الساعةَ دَفَعْتُه إليك. فظَنَّ أنه فُتِنَ، وكان إذا أخبر الناسَ أنه سليمان لا يُصَدِّقُونه، فخرج (هارباً إلى ساحل البحر)، وأصابته شدائد، وحمل سَمَكَ الصيادين بأجرةٍ حتى يجدَ قُوتاً. ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطانَ (واستنكروا حُكْمَه) نشروا التوراة بين يديه، ففرَّ ورمى بالخاتم في البحر، وطار في الهواء. ولمَّا أَذِنَ اللَّهُ رَدَّ مُلْكِ سليمان إليه، ابتلعت سمكةٌ خاتمه، ووقعت في حبال الصيادين، ودفعوها إلى سليمان في أجرته، فلمَّا شقَّ بَطْنَهَا ورأى خاتَمه لبسه، وسَجَدَ له الملاحون، وعاد إلى سرير مُلْكِه. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُذْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَطَّابُ﴾ . أي مُلْكاً لا يسلبه أحدٌ مني بعد هذا كما سُلِبَ مني في هذه المرة. وقيل أراد انفراده به ليكونَ معجزةً له على قومه . وقيل أراد أنه لا ينبغي لأحدٍ من بعدي أن يسأل المُلْكَ، بل يجب أن يَكِلَ أمرَه إلی الله في اختياره له. ويقال لم يقصد الأنبياء، ولكن قال لا ينبغي من بعدي لأحدٍ من الملوك. وإنما سأل المُلْكَ لسياسة الناس، وإنصافٍ بعضهم من بعض، والقيام بحقِّ الله، ولم يسأله لأَجْلٍ مَيْلِه إلى الدنيا ... وهو كقول يوسف: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَآبْنِ الْأَرْضِ إِ حَفِيظُ عُلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. ويقال لم يطلب المُلْكَ الظاهرَ، وإنما أراد به أن يَهْلِكَ نَفْسَه، فإن المَلِكَ - على الحقيقة ـ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَه، ومَنْ مَلَكَ نَفْسَه لم يَتْبغ هواه. ويقال أراد به كمالَ حالهِ في شهود ربِّه حتى لا يَرَى معه غيره. ويقال سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ويقال علم أن سِرَّ نبيّنا - ﴿ - ألا يلاحِظَ الدنيا ولا ملكَها فقال: ﴿لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥] لا لأنه بَخِلَ به على نبيِّنا﴿ ولكن لِعِلْمِه أنه لا ينظر إلى ذلك. قوله جلّ ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُنَّةُ حَيْثُ أَصَابَ﴾. شكّرَ اللَّهُ سَعْيَه، وسَخّرَ له الريحَ بَدَلاً من الأفراس؛ فلا يحتاج في إمساكها إلى العَلَفِ والْمُؤَنِ . ﴿وَالشَّيَطِيْنَ كُلّ بَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَمَاخَرِنَ مُقَرَّنِيَنَ فِ اَلْأَسْفَادِ هَذَا عَطَآتُنَا فَأَنْنُنْ أَوْ أَمِْكْ بِغَيْرٍ چاپٍ﴾ . ١٠٦ تفسير سورة ص كما سخّرنا له الشياطين. ثم قال: ﴿هَذَا عَطَآؤُنا ... ﴾ أي فَأَعْطِ أَو أَمْسِكْ، واحفظُ وليس عليك حساب. والمشيُ في الهواء للأولياء، وقَطْعُ المسافاتِ البعيدة في مدة يسيرة مما يعلم وجوده قطعاً في هذه الأمة - وإن لم يعلمه الأفراد والآحاد على التعيين. وإظهاره على خَدَمٍ رسول اللهَ وَّ لشرفه يَدُلُّ على أن مقامه - وَّهِ - أشرف(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ . أي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البَلِيَّة، وقيل لما كان قال (أي الشيطان) لامرأته: اسجدي لي حتى أردّ عليكم ما سلبتكُم. ويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظلومٌ فلم يَنْصُرْه ... فابتُلِيَ. ويقال استضافَ الناسَ يوماً فلمَّا جاءَه ابنُ فقيرٍ مَنَّعَه من الدخول. ويقال كان يغزو مَلِكاً كافراً، وكان لأيوب غَتَمْ في ولايته، فداهَنَه لأَجْلٍ غَنَمِه في القتال . ويقال حَسَدَه إبليسُ، فقال: لَئِنْ سَلَّطْتني عليه لم يشكر لك. ويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحدٍ، فَجَرَّ الشيطانُ الاسطوانة فانهدم البيت عليهم. ويقال لبث أيوب في البلاء ثماني عشرة سنة، وقيل أربعين سنة، وقيل سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. قوله جلّ ذكره: ﴿أَرَّكُضْ بِيْلِكَ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾. لمَّا أراد اللَّهُ كَشْفَ البلاءِ عنه قال له: ﴿أَرَكُضّ بِْلِكٌ﴾، فركض، فظَهَرت عينُ ماءٍ باردٍ فاغتسل به، فعاد إليه جمالُه وكمالُه. وقيل الأولى كانت عيناً حارةً والثانية باردة، واغتسل، ورَدَّ الله وشَعْرَه وبشره، وأحيا أولاده وأهله، وقيل بل يردُّهم إليه في الجنة في الآخرة (٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَخُّذْ بِيَدِكَ ضِفْئًا فَأَشْرِب ◌ِهِ، وَلَا تَّمْتَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَلِرَأْ نِعْمَ الْعَبَّذٌ إِنَّهُ﴾ أَوَابٌ﴾ . الضِغْث الحزمة من القضبان، وقيل كانت مائة، وأُمِرَ بأن يضرب بها دفعةً على امرأته لئلا يحنث في يمينه، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائةً خشبةٍ إِنْ صحّ (أنها أخطأت). فَشَكَرَ اللَّهُ لها لبراءةِ ساحتِها، وصبرِها على خدمته. وسببُ يمينه أنه لما قال لها إبليسُ: اسجدي لي؛ أخبرت أيوب بذلك، فغاظه حيث سمعت من إبليس (١) الآية (٤٠) لم ترد. (٢) الآية (٤٣) لم ترد. ١٠٧ تفسير سورة صّ . ذلك وظنّتْ أنه صادقْ. وقيل باعت ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهَّمَ في ذلك رِيبةً، وكان أيوب يتعلَّق بذوائبها (إذا أراد القيام). وقيل رابه شيءٌ منها فَحَلّف (أن يضربها بعد شفائه). ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِراً ... ﴾: والصبرُ ألا تعترضَ على التقدير. ويقال الصبر الوقوف تحت الحُكْم. ويقال التلذُّذ بالبلاء، واستعذابُه دون استصعابه. ويقال الصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب. ولم يَثْفِ قولُه ﴿مَسَّتِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] اسمَ الصبرِ عنه؛ لأنَّ ذلك لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه كان مرة واحدة، وقد وقف الكثيرَ من الوقت ولم يَقُلْ مَسَّنِي الضُّرُّ؛ فكان الحُكْمُ للغالب. ﴿يَعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ لم يشغلْه البلاءُ عن المُبْلِي. ونِعْمَ العبدُ لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَكُرْ عِبَدَنَّا إِنَزَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ إِنَّا أَخْلَصَْهُمِ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ . ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى﴾: أي القوة. ﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾ أي البصائر. ﴿إِنَّ أَخْلَصْنَهُم بِخَالِمَةٍ﴾: أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار، أو بدعاء الناس إلى الجنة والهرب مِنَ النار. ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين؛ فلا يكون العمل على ملاحظة جزاء. ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكري الدار، ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ آلْأَخْيَارِ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿ وَذَكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفِلِّ وَكُلُّ مِنَ الْأَغْيَارِ﴾. ﴿وَذَا الْكِفْلِّ﴾: قيل كان تَكَفَّلَ لله بعمل رجلٍ صالحٍ مات في وقته، وقيل كَفَلَ مائةً من بني إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالمٍ، فكان يُنْفِقُ عليهم. ويقال كان اليسعُ وذو الكفل أَخَوَیْن. قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا ذِكْرٌّ وَإِنَّ لِلْمُشَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ . أي هذا القرآن فيه ذِكْرُ ما كان، وذِكْرُ الأنبياء والقصص. ويقال إنَّه شرفٌ لك؛ لأنه معجزةً تدل على صِدْقِك، وإن للذين يتَقَّوُن المعاصِيَ لَحُسْنَ المُنْقَلَبِ. ﴿َّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةٌ لَمُ الْأَنْوَبُ﴾ . أي إذا جاؤوها لا يلحقهم ذُلُ الحجاب، ولا كُلْفَةُ الاستئذان، تستقبلهم ١٠٨ تفسير سورة ص الملائكةُ بالترحاب والتبجيل. متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهةٍ كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حورٌ عين قاصراتُ الطَّرْفِ(١) عن غير أزواجهن، (أتراب): لِدَاتٌ مُستَوِيَاتٌ في الحُسْنِ والجمال والشكل(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا وَإِنَ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ . لَشَرَّ مَرْجع ومُنْقَلَبٍ؛ وهي جهنم يدخلونها فيبقون مُعَذَّبِين فيها، وبِثْس المكانُ ذلك(٣)! ﴿هَذَا فَيْذُوقُوهُ حِيمٌ وَغَتَّاقٌ﴾ . (حميم)): هو الماء الحلو، و ((غسَّاق)) هو عصارة أهل النار، ويقال هو زمهرير (٤) جهنم . ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَيُ﴾. أي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب. قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ﴾. هؤلاء قومٌ يقتحمون النارَ معكم وهم أتباعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين: لا مرحباً بكم؛ أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم(٥)، ويقولون: ﴿رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِىِ النَّارِ﴾ . فيقال لهم كُلُّكُم فيها، ولن يفترَ العذابُ عنكم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّ نَعُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ﴾. يقول الكفار عندما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالاً كُنَّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين ... فَلَسْنَا نراهم ها هنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارُنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابُه يعنون بلالاً والمستضعفين، فيُعَرَّفون بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتُهَم(٦) . ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقِّ تَخَصُ أَهْلِ النَّارِ﴾. أي إن مخاصمةَ أهلٍ النارِ في النار لَحَقٌّ. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنََّآَ أَنَأْ مُنذِرٍّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَبِدُ الْقَهَارُ رَبُّ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾. (١) يقال: امرأة قاصرة الطرف: خجلة خبيّة، لا تمد عينها إلى غير زوجها. (٣) الآية (٥٦) لم ترد. (٢) الآيات من (٥١ حتی ٥٤) لم ترد. (٤) الزمهرير: شدة البرد. (٦) الآية (٦٣) لم ترد. (٥) الآية (٦٠) لم ترد. ١٠٩ تفسير سورة ص قل يا محمد: إنما أنا مُنْذِرٌ مخوّفٌ، مُبَلِّغْ رسالةً ربي، وما من إله إلا الله الواحد الذي لا شريك له. ﴿قُلْ هُوَ نَبَّْ عَظِيمٌ أَتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِمٍ بِالْعَلَ الْأَعْلَىَ إِذْ يَخْصِمُونَ إِن يُوحَىَ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّا أَنَا نَذِيرٌ مُّبُ ﴾ . أي الذي أَتَيْتُكم به من الأخبار عن القيامة والحَشْرِ، والجنة والنار، وما أخبرتكم به عن نُهُوَّتي وصِدْقي هو نبأ عظيمٌ، وأنتم أعرضْتُم عنه. وما كان لي من عِلْم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أَنَّ اللّه عَرَّفني، وإلا ما كُنْتُ عَلِمْتُه. والملأَ الأعلَّى قومٌ من الملائكة في السماء العليا، واختصامهم كان في شأن آدم حيث قالوا: أتجعل فيها مَنْ يُفْسِد فيها؟ وقد ورد في الخبر: ((أن جبريل سأل الرسولَ وَ # عن هذا الاختصام فقال: لا أدري. فقال جبريل: في الكفارات والدرجات؛ فالكفارات إسباغُ الوضوء في السَّبْرَات (١)، ونَقْل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات فإنشاءُ السلام، وإطعامُ الطعام، والصلاةُ بالليل والناسُ نيام)»(٢)، وإنما اختلفوا في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها - فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا، ولكنهم في الأصل لا يجحدون. ... وهذا إنما يُوحى إليَّ وأنا منذر مبين. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِنِ طِينٍ﴾ . إخباره الملائكة بذلك إنما يَدُلُّ على تفخيم شأن آدم؛ لأنه خَلَقَ ما خَلَقَ من الكونين، والجنة والنار، والعرش والكرسي، والملائكة، ولم يقل في صفة شيءٍ منها ما قال في صفة آدم وأولاده. ولم يأمر بالسجود لأَحَدٍ ولا لشيءٍ إلا لآدم، وسبحان الله! خَلَقَ أَعَزَّ خَلْقِه من أَذَلِّ شَيءٍ وَأَخَسِّه وهو التراب والطين. ﴿فَإِذَا سَؤَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُواْ لَمُ سَجِدِينَ﴾. روحُ آدم - وإنْ كانت مخلوقة - فَلَها شَرَفٌ على الأرواح لإفرادها بالذكر، فلمَّا سوَى خَلْقَ آدم، ورَكَّبَ فيه الروح جلَّلَه بأنوار التخصيص، فوقعَتْ هيبته على الملائكة، فسجدوا لأمره، وظهرَتْ لإبليسَ شقاوتهُ، ووقع - بامتناعه - في اللعنة (٣) ٠ (١) السبرات: جمع سبرة، وهي الغداة الباردة. (اللسان ٣٤١/٤ مادة: سبر). (٢) للحديث رواية أخرى ((سألني ربي فقال: يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى)) أخرجه القرطبي في (التفسير ٢٢٦/١٥). (٣) الآيتان (٧٣، ٧٤) لم تردا. ١١٠ تفسير سورة صّ ﴿ قَالَ بَإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَقِّ أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْتَنِى مِنْ ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ . من هنا وقع في الغلط؛ تَوَهَّمَ أَنَّ التفضيل من حيث البنية والجوهرية، ولم يعلم أن التفضيلَ من حيث القسمة دون الخِلْقَة . ويقال ما أودع اللَّهُ - سبحانه - عند آدم لم يوجد عند غيره، ففيه ظهرت الخصوصية . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَأَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَبِىّ إِلَى يَوْمِ أَلِذِينِ ﴾ . قال فاخرج من الجنة، ومن الصورة التي كنت فيها، ومن الحالة التي كنتَ عليها، ﴿فَنَّكَ رَحِيمٌ﴾ مَرْمِيٍّ باللَّعنِ مني، وبالشُّهب من السماء، وبالرجوم من قلوب الأولياء إِنْ تَعَرَّضْتَ لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنيّ إِلَّى يَوْرِ يُبْعَنُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَطَرِنِّ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ اُلْمَعْلُومِ ﴾ . من كمال شقاوته أنه جرى على لسانه، وتعلَّقت إرادتُه بسؤال إنظاره، فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته، فَأَنْظَرَهُ اللَّهُ، وأجابه، لأنه بلسانه سأل تمامَ شقاوته. ﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ . ولو عَرَفَ عِزَّتَه لَمَا أقسم بها على مخالفته. ويقال تجاسُرُه في مخاطبة الحقِّ - حيث أصَرَّ على الخلاف وأقسم عليه - أَقْبَحُ وأَوْلى في استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَاْحَقُ وَالْحَقَ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِتَن ◌َبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . وختم الله سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول وقال : ﴿قُلْ مَّا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَّأْ مِنَ الْتَكْلِفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ وَلَنَعَلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ ما جئتكم من حيث أنا، ولا باختياري، وإنما أُرْسِلْتُ إليكم. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ يعني القرآن، عظة لكم. ﴿وَلَعَلَمُنَّ نَبَأَّمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وعُلِمَ صِدْقُه، بعد ما استمرت شريعتُه، فإن مثل ذلك إذا کان باطلاً لا يدوم. سورة الزمر قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرََّبِ الرَّحَـ بسم الله كلمةٌ سماعُها يوجِبُ للقلوب شفاءها، وللأرواح ضياءَها، وللأسرار سناءها وعلاءها . كلمةٌ مَنْ سَمِعَها بِسَمْع العلم ازداد بصيرةً على بصيرة، ثم بلطائف من التعريف غير محصورة. ومَنْ سمعه بِسَمْعِ الوَجْدِ ظلَّتْ ألبابُه مبهورة، وأسراره بقهر الكشوفات منشورة . قوله جلّ ذكره: ﴿تَزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. أي هذا كتابٌ عزيزٌ نَزَلَ من ربِّ عزيز على عبدٍ عزيز بلسان مَلَكِ عزيز في شأنٍ أمةٍ عزيزة بأمرٍ عزيز. وفي ورود الرسولِ به من الحبيب الأول نزهةٌ لقلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها، وارتياح عند قراءة فصولها . وكتابُ موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى، وكتابُ نبيِّنَا وَ *ُ نَزَّلَ به الروحُ الأمينُ على قلبِ المصطفى صلوات الله عليه ... وفَضْلٌ بين من يكون كتابُ ربِّه مكتوباً في ألواحه، وبين من يكون خطابُ ربِّه محفوظاً في قلبه، وكذلك أمته، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَتٌ بَيِّنَتْ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُّدٍ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ أَلَذِينَ﴾. أي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق، وأنا مُحِقٌّ في إنزاله. والعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع، وتكون بالنَّفْس والقلب والروح؛ فالتى بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقّي عن طلب الاختصاص. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصُُّ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾. الدين الخالص ما تكون جملته لله؛ فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد، اللهم أن يكون بأمره؛ إذا أَمْرَ العبدَ أن يحتسب الأجرَ على طاعته فإطاعته لا ١١١ ١١٢ تفسير سورة الزمر تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به، ولولا هذا لَمَا صحَّ أَنْ يكونَ في العَالَم مُخلِصٌ . ﴿وَأَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ: أَوْلِيَآءَ ... ﴾ أي الذين عبدوا الأصنام قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ولم يقولوا هذا من قِبَلِ الله ولا بأمره ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فَرَدَّ اللَّهُ عليهم. وفي هذا إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القُرَبِ بنشاطِ نَفْسِه من غير أن يقتضيه حُكْمُ الوقت، وما يعقد بينه وبين الله مِنْ عقودٍ ثم لا يَفِي بها ... فكل ذلك اتباعُ هوَى، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةُ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْتَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَآَةَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كَفَّارُ﴾. لا تَهديهم اليومَ لدينه، ولا في الآخرة إلى ثوابه. والإشارة فيه إلى تهديد مَنْ يتعرَّض لغير مقامه، ويدَّعي شيئاً ليس بصادقٍ فيه، فاللَّهُ لا يهديه قط إلى ما فيه سَدادُه ورُشْدُه. وعقوبتُه أَنْ يَخْرِمَه ذلك الشيءَ الذي تصدَّى له بدعواه قبل تَحققِه بوجوده وذَوْقِه. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَأَةٍ سُبْحَيَّ هُوَ اللَّهُ الْوَجِدُ الْقَهَارُ﴾. خاطَبَهم على قَدْرِ عقولهم وعقائدهم حيث قالوا: المسيحُ ابن اللَّهِ، وُزَيْرُ وَلَدُ اللَّهِ؛ فقال: لو أراد أن ينَّخِذَ وَلَداً للتبنّي والكرامة لإِخْتَارَ من الملائكة الذين هم مُنْزَّهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخَلْقِ . ثم أخبر عن تَقَدُّسِه عن ذلك فقال: ﴿سُبْحَنَّ هُوَ اللَّهُ الْوَجِدُ الْقَهَارُ﴾ تنزيهاً له على اتخاذ الأولاد ... لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نَعْتِهِ، ولا بالتبنِي لِتَقَدُّسِه عن الجنسیة والمحالات، وإنما یذکر ذلك على جهة استبعاد؛ إذ لو كان ذلك فيكف كان يكون حُكْمُه؟ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَالِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ . أي خَلَقَهما وهو مُحِقٌّ في خلقهما. ﴿ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ وَسَخْرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرُّ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ تُتَّىٌ﴾ . يُدْخِلُ الليل على النهارِ، ويدخل النهارَ على الليل في الزيادة والنقصان، وسَخَّرَ الشمسَ والقمرَ. وقد مضى فيما تقدم اختلافُ أحوالِ العبد في القبض والبسط، والجَمْع والفَرْق، والأخذ والرد، والصحو والسُّكْرٍ، ونجوم العقل وأقمار العلم، ١١٣ تفسير سورة الزمر وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالي الشّكِّ والجَخْدِ ونهار الوصل، وليالي الهجر والفراق وكيفية اختلافها، وزيادتها ونقصانها. ﴿أَلَا هُوَ اُلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾. ((العزيز)) المتعزّز على المحبين، ((الغفار)» للمذنبين. قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَبِحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ اَلْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُنَّهَتِكُمْ خَلْقَا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ فِ تُلُمَتٍ ثَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكِّ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوٌّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. ﴿مِّنْ نَّفْسٍ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] يعني آدم وحواء. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ اٌلْأَنْعَمِ﴾ أي خلق لكم، ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ فمن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المواشي اثنين. ﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَنِكُمْ خَلْقَا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾: أي يصورُكم، ويُرَكْب أحوالكم. ﴿فِي كُلُمَتٍ ثَلَثٍ﴾: ظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة(١). ذَكَّرَهم نسبتهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم. ويقال بَيَّنَ آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خِلْفَتِك - من قطرتين - أمشاجاً (٢) متشاكلةَ الأجزاء، مختلفةَ الصُّوَرِ في الأعضاء، سَخَّرَ بعضَها مَحَالَّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة ... وغير ذلك من أحوال القلوب، وسَخَّرَ بعضها مَحَالَّ للحواش كالسمع والبصر والشّمِّ وغيرها. ويقال هذه كلها نِعَمْ أنعم اللَّهُ بها علينا فَذَكَّرَنا بها - والنفوسُ مجبولةٌ، وكذلك القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها - استجلاباً لمحبتنا له. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ... ﴾ أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ربُّكم. أي: أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صَوَّرتُكم فأحسنت صُوَرَكم، وأنا الذين أسبَغْتُ عليكم إنعامي، وخصصتكم بجميل إكرامي، وأغرقتكم في بحار أفضالي، وعرفتكم استحقاق جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي، وألزمتكم رعايةً حدودي ... فما لكم لا تَنْقَظِعون بالكلية إليَّ؟ ولا ترجون ما وَعَذْتُكم لديَّ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليَّ؟ قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرّ وَإِن تَشْكُرُوا يَّضَّهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ﴾ . (١) المشيمة: ظاهر الغشاء الذي يكون فيه الجنين في البطن، ويخرج معه عند الولادة (ج) مشايم. (٢) الأمشاج: هي الأخلاط، ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة. (اللسان ٣٦٧/٢ مادة: مشج). ١١٤ تفسير سورة الزمر إنْ أعرضتم وأَبَيْتُم، وفي جحودكم تماديتم ... فَمَا نَفْتَقِرُ إليكم؛ إذ نحن أغنياء عنكم، ولكنّي لا أرضى لكم أن تبقوا عني! يا مسكين ... أنت إنْ لم تكن لي فأنا عنكَ غنيٌّ، وأنا إن لم أكنْ لك فمن تكون أنت؟ ومَنْ يكون لك؟ مَنْ الذي يُحسِنُ إليك؟ مَنْ الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟ من الذي ينثر الترابَ على جراحِك؟ من الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بَقِيتَ عنّي؟ مَنْ الذي يبيعك رغيفاً بمثاقيل ذهب؟ !. عَبْدي ... أنا لا أرضى ألا تكونَ لي وأنت ترضى بألا تكون لي! يا قليلَ الوفاء، يا كثيرَ التجنّي! إن أَطَعْتَنِي شَكَرْتُك، وإن ذكَرْتَنِي ذكرتُك، وإن خَطَوْتَ لأَجْلِي خطوةً ملأتُ السمواتِ والأرضين من شكرك : لَفَرَشْنَا الخدود أرضاً لترضى لو عَلِمْنا أنَّ الزيارةَ حقٌّ قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَى أَلْإِنِسَنَ ضُرِّ دَعَا رَبَُّ مُنِّبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُمْ نِعْمَةٌ مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَحَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ . إذا مَسَّه ضُرَّ خَشَعَ وخَضَع، وإلى قُرْبه فزع، وتملّق بين يديه وتضرع. فإذا أزال عنه ضُرَّه، وكفاه أمرَه، وأصلح شغْلَه نَسِيَ ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أنداداً، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويُشْرِكَ بمعبوده. هذه صِفَتُه ... فَسُحْقاً له وبُعْداً، ولِسَوف يَلْقى عذاباً وخِزْياً. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَيْتُ مَاتَآءَ الَّيْلِ سَلِدًا وَقَآَيَمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَبِرْجُواْ رَحْمَةً رَيِّدٍ ... ﴾. ((قانتاً): القنوتُ هو القيامُ، وقيل طول القيام. والمراد هو الذي يقوم بحقوق الطاعةِ أوقاتَ الليل والنهار؛ أي في جميع الأوقات. والهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر الذي جرى ذكرُه؟ أي ليس كذلك. ويقال القنوتُ القيامُ بآداب الخدمة ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير. (يَخْذَرُ)) العذابَ الموعودَ في الآخرة، ((ويرجو)) الثوابَ الموعودَ. وأراد بالحَذَرِ الخوف. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾ . ١١٥ تفسير سورة الزمر أي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! ﴿ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: العِلْمُ في وصف المخلوق على ضربين: مجلوبٌ مُكْتَسَبْ للعبد، وموهوبٌ مِنْ قِبَلِ الربّ. ويقال مصنوع وموضوع. ويقال علمُ برهانٍ وعلمُ بيان؛ فالعلومُ الدينية كلُّهَا برهانية إلَّا ما يحصل بشرط الإلهام. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَيَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحَْنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَكَنَّةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ إِنَّمَا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . أطيعوه واحذروا مخالفةً أمره. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الذُّنْيَا﴾ بأداء الطاعات، (والإحسان هو الإتيان بجميع وجوه الإمكان). ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾: أي لا تَتَعَلَّلوا بأذى الأعداء؛ إِنْ نَبَأْ بِكُم منزلٌ فَتَعَلُّلُكم بمعاداة قوم ومَنْعِهِم إياكم - لا يُسْمَع، فأرضُ اللَّهِ واسعةٌ، فاخْرُجُوا منها إلى موضع آخر تتم لكم فيه عبادتُكم (١). ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَخْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. والصبر حَبْسُ النّفْس على ما تكرهه. ويقال هو تجرُّعُ كاسات التقدير من غير استكراهٍ ولا تعبيس. ويقال هو التهدُّفُ(٢) لسهام البلاء. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ أَلِذِينَ﴾ . مضى القولُ في معنى الإخلاص. وفي الخبر: إن الله يقول: ((الإخلاص سِرَّ بین الله وعَبْدِه))(٣) . ويقال الإخلاصُ لا يُفْسِدُه الشيطان، ولا يطَِّعُ عليه المَلَكَان. ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُنَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ﴾ في وقتي وفي شرعي. والإسلامُ الانقيادُ لله بکل وجه . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَّوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أخاف أصنافَ العذابِ التي تحصل في ذلك اليوم. (١) قال القشيري برسالته حاثاً على السفر: إن ابتلي مريد بجاه أو صحبة حدث أو مين إلى امرأة، وليس هناك شيخ يدلّه على حل لذلك، فعند ذلك يحلّ له السفر والتحول عن ذلك الموضع. (الرسالة القشيرية ص ٣٦٣). (٢) التهدف: الدنو والاستقبال. (اللسان ٣٤٥/٩ مادة: هدف). (٣) ورد الحديث في الرسالة القشيرية ص٢٠٨: سُئل النبي ◌َ﴿ عن الإخلاص ما هو؟ قال: ((سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي)». أخرجه القزويني في مسلسلاته عن حذيفة. ١١٦ تفسير سورة الزمر قوله جل ذكره: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِنِ فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهُ قُلْ إِنَّ الْخَسِينَ الَّذِينَ خَبِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةُ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْمُتْرَانُ الْمُيْنُ﴾. هذا غاية الزجر والتهديد، ثم بيَّنّ أن ذلك غاية الخسران، وهو الخزي والهوان. والخاسِرُ - على الحقيقة - مَنْ خَسِرَ دنياه بمتابعة الهوى، وخَسِرَ عُقْباه بارتكابه ما الربُّ عنه نّهَى، وخَسِرَ مولاه فلم يستحِ منه فيما رأى. قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُمْ مِنِ فَوْقِهِمْ تُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِمْ تُكَلَلٌ ذَلِكَ يُضَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَةِّ يَعِبَادِ قَأَتَّقُونِ﴾ . أحاط بهم سُرَادقُها؛ فهم لا يخرجون منها، ولا يَفْتُرُونَ عنها. كما أنهم اليومَ في جهنم عقائدهم؛ يستديم حجابُهم، ولا ينقطع عنهم عقابهم. ﴿ذَلِكَ يَُّوِّفُ اَللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ .. .﴾ إِنْ خِفْتَ اليومَ كُفِيتَ خوفَ ذلك اليوم وإِلَّا فبين یدیك عقبة گؤُود. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِلَهُمُ الْبُشْرَىَّ﴾ . طاغوتُ كلٌّ إنسانٍ نَفْسُه؛ وإنما يجتنبُ الطاغوتَ مَنْ خالف هواه، وعائَقَ رضا مولاه. وعبادةُ النَّفْس بموافقة الهوى - وقليلٌ مَنْ لا يعبد هواه، ويجتنب حديث · النَّفْس. ﴿وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ﴾: أي رجعوا إليه في كل شيء. قوله جلّ ذكره: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَشَِّعُونَ أَحْسَنَهُّ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَمُمُ اللهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ . ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ يقتضي أن يكون الاستماع لكل شيء، ولكن الاتباع يكون للأحسن. ((أحسنه)): وفيه قولان؛ أحدهما أن يكون بمعنى الحَسَن ولا تكون الهمزة للمبالغة، كما يقال مَلِكٌ أَعَزّ أي عزيز. والثاني: الأحسن على المبالغة، والحَسَنُ ما كان مأذوناً فيه في صفة الخَلْقُ ويعْلَمُ ذلك بشهادة العلم، والأحسن هو الأَوْلى والأصوب. ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره، ويقال الأحسن هو ذكر الله خالصاً له. ويقال مَنْ عَرَفَ الله لا يسمع إلا بالله. ويقال إن للعبد دواعيّ من باطنه هي هواجسُ النفس ووساوسُ الشيطانِ وخواطرُ المَلَكِ وخطابُ الحقِّ يُلْقَى في الرَّوْعِ؛ فوساوسُ الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجسُ النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النّفْس وأَنَّ لها في شيءٍ نصيباً، وخواطرُ المَلَكِ تدعو إلى الطاعاتِ والقُرَبِ، وخطابُ الحقِّ في حقائق التوحيد. ﴿أُوْلَكَ الّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَّبَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَنْتَبِ﴾ : - ١١٧ تفسير سورة الزمر أولئك الذين هداهم الله لتوحيده، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾. الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ العذابِ فريقان: فريقٌ حقت عليهم كلمةٌ بعذابهم في النار، وفريقٌ حقت عليهم كلمةُ العذابِ بالحجاب اليومَ، فهم اليومَ لا يخرجون عن حجاب قلوبهم، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان - وإن كانوا من أهل الإيمان. قوله جلّ ذكره: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفُ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنيّةٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ اَلْمِيعَادَ﴾. وَعَدَ المطيعين بالجنَّةِ - ولا محالةَ لا يُخْلِف، وَوَعَذَ التائبين بالمغفرة - ولا محالةَ يغفر لهم، وَوَعَدَ المريدين بالوجود والوصول - وإذا لم تقع لهم فترة فلا محالةً مُصْدِقٌ وَعْدَه. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ يَهِيَعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ نُخْرِجُ بِ زَّعًا تُخْتَلِفَا أَلْوَثُمْ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُضْغَرًا ثُمَّ يَجْعَلُ حُعَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الأَلْتَبِ﴾. أخبر أنه يُنْزِلُ من السماءِ المطرَ فيُخْرِجُ به الزرعَ فيخضرّ، ثم يأخذ في الجفاف، ثم يصير هشيماً ... والإشارةُ من هذا إلى الإنسان، يكون طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم. ويقال إن الزَّرْعَ ما لم يأخذْ في الجفاف لا يُؤْخَذُ منه الحَبُّ، فالحبُّ هو المقصود منه. كذلك الإنسان ما لم يحصلْ من نَفْسِه وصولٌ لا يكون له قَدْرٌ ولا قيمةٌ . ويقال إن كَوْنَ المؤمنِ بقوة عقله يوجِبُ استفادةً له بعلمه إلى أَنْ يبدوَ منه كمالٌ يُمكِّنُ من أنوار بصيرته، ثم إذا بدت لائحةٌ من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مغمورة. فإذا بَدَتْ أنوارُ التوحيد استهلكت تلك الجملة، قالوا: فلمَّا استبان الصبحُ أدرج(١) ضوءُه بأَنواره أنوارَ تلك الكواكبِ قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَِّهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ . جوابُ هذا الخطابِ محذوفٌ ... أي أَفمن شرح اللَّهُ صَدْرَه للإسلام كمن ليس كذلك؟ (١) أدرج الشيء في الشيء: لفّه وطواء. ١١٨ تفسير سورة الزمر لمَّا نزلت هذه الآيةُ سُئِلَ الرسولُ - مَو - عن الشرح المذكور فيها، فقال: ((ذلك نورٌ يُقْذَفُ في القلب، فقيل: وهل لذلك أَمارة؟ قال: ((نعم؛ التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)»(١). والنورُ الذي مِنْ قِبَلهِ - سبحانه - نورُ اللّوائح بنجوم العلم، ثم نورُ اللوامع ببيان الفَهْم، ثم نورُ المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نورُ المكاشفة بتَجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد ... وعند ذلك فلا وَجْدَ ولا فقد، ولا قُرْب ولا بُعْدَ ... كلّا بل هو الله الواحد القهار. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اَللَّهِ أُوْلَكَ فِىِ ضَلِ تُبِينٍ﴾: أي الصلبة قلوبهم، لم تقرعها خواطرُ التعريف فبقيت عَلَى نَكْرَةِ الجَخْد ... أُولئك في الضلالة الباقية، والجهالة الدائمة . قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ ثُمَّ تَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَلَةٌ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ لأنه غير مخلوق. ﴿ كِتَبًا مُتَشَبِهًا﴾ في الإعجاز والبلاغة. ﴿مَثَانِىَ﴾: يثني فيها الحكم ولا يُمَلُّ بتكرار القراءة، ويشتمل عَلَى نوعين: الثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد. ﴿نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ﴾ إذا سمعوا آيات الوعيد. ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الَّهِ﴾ إذا سمعوا آيات الوعد. ويقال: تقشعر وتلين بالخوف والرجاء، ويقال بالقبض والبسط، ويقال بالهيبة والأُنْس، ويقال بالتجلِي والاستتار. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ يَّفِى بِوَجْهِهِ سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ وَقِيلَ لِلَّلِينَ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أي فَمِنْ يتقي بوجهه سوءَ العذاب كَمَنْ ليس كذلك؟ وقيل إنَّ الكافرَ يَلْقَى النارَ أَوَّلَ ما يلقاها بوجهه؛ لأنه يُرمَى فيها منكوساً. فأمَّا المؤمِن فيُوقَى ذلك؛ وإنما يُلَقَّى النضرة والسرور والكرامة؛ فوجهُهُ ضاحكٌ مُسْتَبْشِرٌ. (١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٢٧/٩، ٣٢٨، ٢٥٥/١٠)، والسيوطي في (الدر المنثور ٤٤/٣، ٣٢٥/٥)، وابن كثير في (التفسير ٣٢٨/٣)، والقرطبي في (التفسير ١٠٤/٢، ٨١/٧). ١١٩ تفسير سورة الزمر قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قّلِهِمْ فَأَنَنَّهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . أشدُّ العذابِ ما يكون بغتةً، كما أَنَّ أتمَّ السرور ما يكون فلتةً (١). ومن الهجران والفراق ما يكون بغتةً غير متوقع، وهو أنكى للفؤاد وأشدُّ وأرجعُ تأثيراً في القلب، وفي معناه قلنا: وأَصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلِّبَا فَبِتَّ بخيرٍ والدُّنی مطمئنةٌ وأتمُّ السرورٍ وأعظمه تأثيراً ما يكون فجأة، قال قائلهم: سابح في فؤاده وفؤادي بينما خاطر المُنى بالتلاقي هكذا صُذْفةٌ بلا ميعادٍ(٢) جَمَع اللَّهُ بيننا فالتقينا قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ فُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَّفُونَ ﴾ . أي أوضحنا لهم الآيات، ووقفناهم على حقائق الأشياء. ﴿غيّرَ ذِى عَوَجٍ﴾: فلا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفِه . قوله جلّ ذكره: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ تَّجُلًا فِيهِ شُرَكَّهُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَّمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . مَثَّلَ الكافرَ ومعبوديه بعبدٍ اشترك فيه متنازعون . ﴿فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾: فالصنم يدعي فيه قومٌ وقوم آخرين؛ فهذا يقول: أنا صَنَعْتُه، وذلك يقول: أنا استعملْتُه، وثالث يقول: أنا عَبَدْتُه. أمّا المؤمن فهو خالِصٌ لله عزَّ وجل، يشبه ((عبداً سَلَماً لرجل)» أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف. ويقال: ﴿رَّجُلَا فِيهِ شُرَّكَّةُ مُتَشَكِسُونَ﴾ تتجاذبه أشغال الدُّنيا، شُغْلُ الوَلدِ وشغل العيال، وغيرُ ذلك من الأشغالِ المختلفةِ والخواطرِ المُشَتْتَةِ. أُمَّا المؤمِن فهو خالصٌ لله ليس لأحدٍ فيه نصیب؛ ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شيء، ولا للرضوان معه شُغْل، إذْ ليس له طاعات يُدِلُّ بها، وعَلَى الجملة فهو خالص لله، قال تعالى لموسى: ﴿وَأَمْطَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١] أي أبقيتُكَ لي حتى لا تصلح لغيره. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الثناءُ له، وهو مُسْتَحِقٌّ لصفات الجلال. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّكَ مِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَبِتُنَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ نَخْصِمُونَ﴾ . (١) الفلتة: يقال: خرج الرجل فلتة؛ أي: بغتةً، وحدث الأمر فلتة أي: فجأة بلا روية (ج) فلتات. (٢) الآية (٢٦) لم ترد. ١٢٠ تفسير سورة الزمر نَعَاه - عليه السلام - إليه. ونَعَى المسلمين إليهم فَفزِعُوا بأجمعهم من مآئمهم، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث. ومَنْ لم يَتَفَرَّغْ من مآثم نفسه وأنواع همومه، فليس له من هذا الحديث شمّة، فإذا فرغ قلْبُه من حديث نَفْسِهَ، وعن الكون بجملته فحينئذٍ يجد الخيرَ من ربِّه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم: كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أني بعد موتي أكتب قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالْصِدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ﴾ . الإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يَبْلُغْها، واذَّعَى وجودَ أشياء لم يَذُقْ شيئاً منها، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. ويقال: لا بل هؤلاء هم الكفار، وأمَّا المُدَّعِي الذي لم يَبْلُغْ ما يَدَّعِيه فليس يكذب على ربِّه إنما يكذب على نَفْسِه؛ حيث ادَّعى لها أحوالاً لم يَذُفُها ولم يَجِدْها، فأمَّا غيرُ المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة الحقِّ - سبحانه - ما يتقدَّسُ ويتعالى عنه (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِّ أُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَيْهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. الذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص، وفي أحواله من حيث الصدق، وفي أسراره من حيث الحقيقة. ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ((الإحسانُ - كما جاء في الخبر - أن تعبد الله كأنك تراه))(٢) . فَمَنْ كانت - اليومَ - مشاهدتُه على الدوام كانت رؤيته غداً على الدوام، ومَنْ لا فلا. (١) قال القشيري برسالته: ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق، نجري عليهم أحكامه، وليس له عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم لو كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا بل صرفوا. هذهِ هي الصور التي يصور بها القشيري بعض متصوفي زمانه، وهي أشبه بالصورة التي صور بها الكلاباذي بعض متصوفي زمانه، ولكنها أحلك سواداً وأكثر إيلاماً. (الرسالة القشيرية ص٣٧). (٢) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٤٤/٦)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٢٠٣/١٠) وابن خزيمة في (الصحيح ٢٢٤٤)، والهيثمي في (موارد الظمآن ١٦)، وابن حجر في (فتح الباري ٥١٣/٨)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٣٤/٨، ٩٤/١٠)، وابن كثير في (التفسير ٣٥٦/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٢٤٩ - ٥٢٥٤).