النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
تفسير سورة فاطر
وَعْدُ اللَّهِ حقٌّ في كل ما أخبر به أنه يكون، فَوغْدُه في القيامة حقٌّ، ووعده لِمَنْ
أطاعه بكفاية الأمور والسلامة حقٌّ، ووعده للمطيعين في الآخرة بوجود الكرامة حقٌّ،
وللعاصين بالندامة حقٍّ، فإذا عَلِمَ العبدُ ذلك استعدَّ للموت، ولم يهتم بالرزق، فيكفيه
اللَّهُ شُغْلَه، فينشط العبدُ في استكثار الطاعة ثقةً بالوعد، ولا يُلِمُّ بالمخالفاتِ خوفاً من
الوعيد .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾.
عدواةُ الشيطان بدوام مخالفته؛ فإنَّ مِنَ الناس مَنْ يعاونه بالقول ولكن يوافقه
بالفعل، ولن تقوى على عداوته إلا بدوام الاستغاثة بالربِّ، وتلك الاستغاثة تكون
بصدق الاستعانة. والشيطانُ لا يفتر في عداوتك، فلا تَغْفَلْ أنت عن مولاك لحظةً
فيبرز لك عدوُك؛ فإنه أبداً متمكّنٌ لك ..
﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ﴾ وحِزْبه هم المُعرِضون عن الله، المشتغلون بغير الله، الغافلون
عن لله. ودليلُ هذا الخطاب: إن الشيطانَ عدوُّكم فأبغضوه واتخذوه عدواً، وأنا وَلِيُّكُم
وحبيبُكم فأَحِبُّوني وازْضَوْا بي حبيباً.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُ مَغْفِرَةٌ
وَأَجْرٌ كِيُ﴾.
الذين كفروا لهم عذابٌ مُعَجَّلٌ وعذابٌ مُؤَجَّلٌ، فَمُعَجَّلُه تفرقةُ قلوبهم وانسداد
بصائرهم ووقاحة هِمَّتِّهم حتى أنهم يرضون بأن يكون الصنمُ معبودَهم. وأمَّا عذاب
الآخرة فهو ما لا تخفى على مسلم - على الجملة - صعوبتُه .
وأمَّا ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فلهم مغفرةٌ أي سَتْرٌ لذنوبهم اليومَ، ولولا
ذلك لافتضحوا، ولولا ذلك، لَهَلَكُوا .
﴿وَأَجْرٌّ كَبِيرٌ﴾: والأجرُ الكبيرُ اليومَ سهولةُ العبادةِ ودوامُ المعرفة، وما يناله في
القلب من زوائد اليقين وخصائص الأحوال. وفي الآخرة: تحقيقُ السُّؤْلِ ونَيْلُ ما فوق
المأمول .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَهُ حَسَنَّاً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَبْدِى مَن
يَُّ فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَهِمْ حَسَزَنَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ .
معنى الآية: أفمن زين له سوءُ عمله فرآه حسناً کمن ليس كذلك؟ لا يستويان!
ومعنى ﴿ُزُِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ،﴾ أن الكافرَ يَتَوَهَّمُ أَنْ عملَه حَسَنٌ، قال تعالى: ﴿وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].

٦٢
تفسير سورة فاطر
ثم الراغبُ في الدنيا يجمع حلالَها وحرامَها، ويحوّش(١) حُطَامها، ولا يفكر في
زوالها، ولا في ارتحاله عنها قبل كمالها؛ فلقد زين له سوء عمله والذي يتبع شهواته
ويبيع مؤبّد راحاته في الجنة بساعةٍ فلقد زين له سوء عمله. وإن الذي يُؤَثِرُ على ربُّه
شيئاً من المخلوقات لَهُوَ من جملتهم. والذي يتوهّمُ أنه إذا وَجَدَ نجاتَه ودرجاتِه في
الجنة - وأنَّ هذا يكفيه .. فقد زُيِّن له سوءُ عمله حيث يتغافل عن حلاوة المناجاة.
والذي هو في صحبة حظوظه ولا يُؤْثِرُ حقوق اللَّهِ فلقد زين له سوء عمله فرآه حسناً.
﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَّهِمْ حَسَرَّبٍ﴾: يعني إذا عَرَفْتَ حقَّ التقدير، وعَلِمْتَ أنهم
سقطوا من عين الله، ودَعَوْتَهُم جَهْراً، وَبذلَتْ لهم نُصْحاً، فاستجابتُهم ليست لك، فلا
تَجْعَلْ على قلبك من ذلك مشقةً ولا عناءً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَللَّهُ الَّذِّ أَرْسَلَ اَلْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ فَيِّتٍ فَأَخْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُُّورُ﴾ .
أجرى سُنَّتَه بأنه يُظهِرُ فَضْلَه في إحياء الأرض بالتدريج؛ فأولاً يرسل الرياح ثم
يأتي بالسحاب، ثم يوجّه ذلك السحاب إلى الموضع الذي يريد له تخصيصاً كيف
يشاء، ويُمْطِرُ هناك كيف يشاء. كذلك إذا أراد إحياءَ قلبٍ عبدٍ بما يسقيه وينزل عليه
من أمطار عنايته، فيُرسِلُ أولاً رياحَ الرجاء، ويزعج بها كوامنَ الإرادة، ثم ينشىء فيها
سُحُبَ الاهتياج، ولوعةَ الانزعاج، ثم يجود بمطرٍ يُنْبِتُ في القلب أزهارَ البَسْطِ،
وأنوارَ(٢) الرَّوْحِ، فيطيب لصاحِبِه العَيْشُ إلى أن تمَّ لطائفُ الأَنْسِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ آلْعِزَُّ جميعًاْ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ وَاَلْعَمَلُ
الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَ يَبُورُ﴾ .
مَنْ كان يريد العزة بنفسه فَلْيَعْلَمْ أَنَّ العزةَ بجملتها لله، فليس للمخلوق شيءٌ من
العِزَّة. ويقال مَنْ كان يريد العزةَ لنفسه فللَّه العِزَّةُ جميعاً، أي فليطلبها من الله، وفي
آية أخرى أثبت العزة للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين، وقال هاهنا ﴿فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَيْعَاً﴾؛ وَوَجْهُ
الجميع بينها أن عِزّ الربوبية الله وَضْفاً، وعزَّ الرسول، وعزّ المؤمنين لهم فضلاً من الله
ولطفاً؛ فإذاَ العِزَّةُ لله جميعاً. وعزَّه سبحانه - قُدْرَتُه. أو ويقال العزيز هو القاهر الذي
لا يُقْهَرُ؛ فيكون من صفات فعله على أول القولين .. ومن صفات ذاته على القول
الآخر. ويقال العزيز هو الذي لا يُوصَلُ إليه مِنْ قولِهم: أرضٌ عَزاز إذا لم تستقر
عليها الأقدام، فيرجع معناه إلى جلال سلطانه.
(١) حوّش المال: جمعه.
(٢) أنوار: (ج) النور: الزهر أو الأبيض منه. الواحدة: نورة.

٦٣
تفسير سورة فاطر
ويقال العزيز الذي لا مِثْلَ له؛ من قولهم؛ عَزَّ الطعام في اليد. فيرجع إلى
استحقاقه لصفات المجد والعلو .
قوله: ﴿إِلَّهِ يَصْعَدُ الْكَلُِّ الطَّيِّبُ﴾: الكلم الطيب هو الصادرُ عن عقيدةٍ طيبةٍ -
يعني الشهادتين - عن إخلاص. وأراد به صعودَ قَبُولٍ، لأنَّ حقيقةَ الصعود في اللغة
بمعنى الخروج - ولا يجوز في صفة الكلام.
﴿وَلْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ﴾: أي يقبله. ويقال العملُ الصالحُ يرفع الكَلِمَ الطيب.
ويقال الكَلِمُ الطيبُ ما يكون موافقاً للسُّنَّة، ويقال هو ما يشهد بِصِحَّتِه الإذنُ
والتوقيف. ويقال هو نُطْقُ القلبِ بالثناء على ما يستوجبه الربُّ. ويقال هو ما يكون
دُعاءً للمسلمين. ويقال ما يتجرّد حقاً للحقُ ولا يكون فيه حَظُّ للعبد. ويقال ما هو
مُسْتَخْرَجْ من العبد وهو فيه مفقود. ويقال هو بيانُ التنصُّل وكلمة الاستغفار.
ويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يُطْلَبُ عليه
عِوَضٌ .
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ .
أي يَقْلِبُ عليهم مَكْرَهم فيما يتوهمونه من خيرٍ لهم يَقْلِبُه محنةً عليهم. ويقال:
تَخْلِيَتُه إياهم ومَكْرَهم - مع قدرته على عصمتهم، وكَوْنُه لا يعصمهم هي عذابهم
الشديد .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ خَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَأْ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ
أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَقِّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ
بَيْرٌ﴾ .
ذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبوا بحالتهم، ثم إن ما يُتَّخَذُ من الطين سريعُ التغيُّر،
قليلُ القوة في المُكث، لكنه يَقْبَلُ الانجبار بالماء إذ تنجبر به طينته؛ فإذا جاد الحقُّ
عليه بماء الجودِ أعاده بعد انكساره بالذنوب.
وإذا كان لا يَخْفى عليه - سبحانه - شِيءٌ من أحوالهم في ابتداء خَلْقَتِهِم، فَمَنْ
يُبَالِ أَنْ يَخْلُقَ مَنْ يعلم أنه يَعْصي فلا يبالي أَنْ يغفِرَ لِمَنْ رآه يعصي.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيَغْ شَرَابُ وَهَذَا مِلْمُ أُبَاجٌ وَمِنْ
كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِيَّةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْقُلْكَ فِيهِ ◌َمَوَاخِرَ لِتَبْنَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
لا تستوي الحالتان: هذه إقبالٌ على الله، واشتغالٌ بطاعته، واستقلال بمعرفته ..
وهذه إِغِراضٍ عن الله، وانقباض عن عبادته، واعتراض - على الله - في قسمته وقبضته.

٦٤
تفسير سورة فاطر
هذه سبب وصاله، وهذه سببُ هَجْرِه وانفصاله، وفي كلِّ واحدةٍ من الحالتين يعيش
أهلها، ويُزْجِي أصحابُها وقتَها. ولا يستوي الوقتان: هذا بَسْطِ وصاحبُه في رَوْحٍ، وهذا
قبضّ وصاحبه في نَوْحِ. هذا خوفٌ وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاءٌ وصاحبه في ارتياح.
هذا فَرْقٌ وصاحبُه بوصف العبودية، وهذا جَمْعٌ وصاحبُه في شهود الربوبية.
﴿وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِيعُونَ ◌ِيَّةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾: كذلك كُلِّ يتقرَّبُ في
حالته لربِّهِ، ويتزَيَّنُ على بابه، وهو حِلْيَتُه التي بها يتحلّى من طَرَبٍ أو حَرَبٍ، من
شَرَفٍ أو تَلْفٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَبُلِحُ النَّهَارَ فِى الَّْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَنَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالذِينَ نَّدْعُونَ مِن
دُونِ مَا يَمْلِكُونَ مِن فِظْمِيرٍ﴾.
تغلب النَّفْسُ مرةً على القلب، ويغلب القلبُ مرةً على النَّفْس. وكذلك القبضُ
والبسط فقد يستويان، ومرةً يغلب القبضُ على البسط، ومرةً يغلب البسطُ على
القبض، وكذلك الصحو والسُّكْرُ، وكذلك الفناء والبقاء.
وَسَخّرَ شموسَ التوحيد وأقمارَ المعرفة على ما يريد من إظهاره على القلوب.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾: فأروني شظيةً من النفي أو الإثبات لما تدعونه
من دونه! وإِذْ لم يُمْكِنْكُم ذلك .. فَهَلَّا أَقْرَرْتُم، وفي عبادته أخلصتم، وعن الأصنام
تَبَرَ أْتُم؟ .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ
الْقِيَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خِيرٍ﴾ .
إن استعنْتُم بأصنامكم لا يُعينوكم، وإِنْ دَعَوْتُموهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو
سَمِعُوا - على جهةٍ ضَرْبَ المَثَلِ - لا يستجيبون لكم؛ لأنهم لا يَمْلِكُون نَفْعَ أنفسِهم.
فكيف يَمْلِكون نَفْعَ غیرهم؟!
﴿وَيَوْمَ الْقِيَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: لا يؤمنون إلا في ذلك الوقت، ولكن لا
ينفعهم الإيمانُ بعد زوال التكليف.
بَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾.
قوله جلّ ذکره:
الفقر (١) على ضربين: فقر الخِلْقَة وفقر الصفة؛ فأمَّا فقر الخِلْقَة فهو عامٌ لكلّ
أحدٍ؛ فكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إلى خالقه، فهو قد حَصَلَ من العَدَم، فهو مفتقر إليه لييديه
(١) انظر حديث القشيري عند الفقر في الرسالة ص٢٧١ - ٢٧٩.

٦٥
تفسير سورة فاطر
وينْشيه، ثم بعد ذلك مفتقرٌ - في حال بقائه إليه - لِيُديمَه ويقيه. فاللَّهُ - سبحانه -
غنيٌّ، والعبدُ فقير؛ العبدُ فقيرٌ بعينه واللَّهُ غنيٌّ بعينه.
وأمَّا فقر الصفة فهو التجرُّد، ففقرُ العوام التجرُّدُ من المال، وفقر الخواص
التجرد من الأعلال لِيَسْلَمَ لهم الفقر.
والفقر على أقسام: فقر إلى الله، وفقر إلى شيء هو من الله؛ معلوم أو مرسوم
وغير ذلك. ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء؛ فالفقيرُ إلى الله هو الغنيّ
بالله، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله،
والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله(١).
ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُبر،
وشَرَفُ العبد في فقره، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيّ : -
وإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً مِنَّا إِليكَ فِعِزُّها في ذُلُّها
ومن الفقر المذموم، أن يَسْتُرَ الحقُّ على صاحبه مواضعَ فقره إلى ربِّه، ومن
الفقر المحمود أن يُشْهِدَه الحقُّ مواضعَ فَقْرِه إليه .
ومن شرط الفقير المخلص ألا يملك شيئاً ويملك كلَّ شيءٍ.
ويقال: الفقير الصادق الذي لا يملكه شيء.
ومن آداب الفقير الصادق إظهارُ التَّشَكَّرِ عند كمالِ التكَسُّر. ومن آداب الفقر
كمال المعنى وزوال الدعوى. ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى.
وحقيقة الفقر المحمود تجرُّد السِّرِّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله.
ويقال: الفقر المحمود العَيْشُ مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقتِ من غير
استكراه شيءٍ منه بكل وجْهٍ .
قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: الإشارة منه أن يُعْطِي حتى يُحْمَد.
ويقال الغنيُّ إذا أظهر غِنَاه لأحدٍ فإمَّا للمفاخرة أو للمكاثرة - وجَلَّ قَدْرُ الحقِّ
عن ذلك - وإمَّا ليجود ويتفضَّل على أحدٍ.
ويقال: لا يقول لنا أنتم الفقراءُ للإزرار بنا - فإنَّ كَرَمَه يتقدَّسُ عن ذلك - وإنما
المقصود أنه إذا قال: والله الغني، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا.
(١) قال القشيري برسالته: سُئل الجنيد عن الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى: أهو أتم أم الاستغناء بالله
تعالى؟ فقال: إذا صح الافتقار إلى الله عز وجل، فقد صح الاستغناء بالله تعالى، وإذا صح الاستغناء
بالله تعالى كمل الغنى به، فلا يقال: أيهما أتم الافتقار أم الغنى؟ لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا
بالأخرى. (الرسالة القشيرية ص ٢٧٣).

٦٦
تفسير سورة فاطر
ويقال إذا لم تَدَّع ما هو صفته - من استحقاق الغِنَى - أولاك ما يُغْنِيك، وأعطاكَ
فوق ما يكفيك.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
عَرَّفَكَ أنه غنيٌّ عنك،، وأشهدك موضع فقرك إليه، وأنه لا بُدَّ لك منه، فما
القصد من هذا لا إرادته لإكرامك وإيوائك في كَنَفٍ إنعامه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِيَةٌ وِزْدَ أُخْرَوْ﴾.
كُلِّ مُطَالَبٌ بعمله، وكلَّ محاسَبٌ عن ديوانه، ولكلِّ معه شأن، وله مع كلِّ أحدٍ
شأن. ومن العبادات ما تجري فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجري النيابة؛ فلو أن
عبداً عاصياً منهمكاً في غوايته فاتته صلاةٌ مفروضةٌ، فلو قضى عنه ألفُ وليٍّ وألفُ
صَفِيٌّ تلك الصلاةَ الواحدةَ عن كل ركعةٍ ألفَ ركعةٍ لم تُقْبَلْ منه إِلَّا أنْ يجيءَ هو:
معاذ الله أن نأخذ إلا مِمَّن وجدنا متاعنا عنده! فعتابُك لا يجري مع غيرِك والخطابُ
الذي معك لا يسمعه غيرُك :
فَسِزْ أوْ أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي مكانُكَ من قلبي عليكَ مصونٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةُ وَمَن تَزََّ
فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والخشيةُ هي المخافة؛ فمعنى الآية، لا
ينفع التخويف إِلَّا لمن صَاحَبَ الخوفَ - وطيرُ السماءِ على أشكالها تَقَعُ.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْنَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الْقُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا
اْرُرُ وَمَا يَسْتَوِى الْأَهْلَهُ وَلَ الْأَمْوَتْ إِنَّ اللَّهُ يُسْمِعُ مَن يَنَّهُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِ اُلْقُرِ﴾ .
كما لا يستوي الأعمى والبصير لا تستوي الظلمات والنور، ولا يستوي الظلّ
والحرور، ولا الأحياء والأموات .. وكذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنّا،
والمجذوبُ إلينا، والمحجوبُ عنَّا، ولا يستوي مَنْ اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه
بحكم الأزل، ولا يستوي من أشهدناه حقّنا ومن أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا:
ولا يستوي قطُ مُحِبّ وباغِضُ
أحبابنا شتان: وافٍ وناقِضُ
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيِّ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ
فِيَهَا نَذِيرٌ﴾.
أي وما من أمةٍ ممن كانوا من قبلك إلّا بعثنا فيهم نذيراً، وفي وقتك أرسلناك
إلى جميع الأمم كافةً بالحقِّ.

٦٧
تفسير سورة فاطر
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: تضمنت الآية بيانَ أنه لم يُخْلِ زماناً ولا قوماً مِنْ شَرْعٍ. وفي
وقته وَ له أفرده بأن أرسله إلى كافة الخلائق، ثم قال على جهة التسلية والتعزية لّه:
قوله جل ذكره: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيِنَتِ
وَيَاَلْزُيْرٍ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ .
أي لو قابلوك بالتكذيب فتلك سُنّتُهم مع كلِّ نبيِّ؛ وإن أَصَرُّوا على سُنَّتِهم في
الغيْ فلن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تبدِيلاً في الانتقام والخزي(١) .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ أُخْلِفًا أَلْوَتُهَاْ
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدُأُ بِضٌ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهَا وَغَرَاِبُ سُودٌ﴾ .
بيَّنَ في هذه الآية وأمثالها أن تخصيصَ الفعلِ بهيئاته وألوانه من أدلة قصد الفاعل
وبرهانه، وفي إتقانِ الفعلِ وإِحكامه شهادة على عِلْمِ الصانع وإعلامِه.
وكذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآَبِّ وَالْأَنْغَرِ﴾: بل جميع المخلوقات متجانس
الأعيان مختلف، وهو دليل ثبوت مُنْشِيها بنعت الجلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنََّا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اٌلْعُلَمَوْاْ﴾.
((إنما)) كلمة تحقيق تجري من وجهٍ مجرى التحديد أي التخصيص والقَصْر، فَمَنْ
فَقَدَ العِلْمَ بالله فلا خشيةً له من الله .
والفرق بين الخشية والرهبة أنَّ الرهبةَ خوفٌ يوجِبُ هَرَبَ صاحبه فيجري في
هربه، والخشية إذا حصلت كَبَحَت(٢) جماحَ صاحبها فيبقى مع الله، فقدمت الخشية
على الرهبة في الجملة.
والخوف قضية الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُوْنِ إِن كُثُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٧٥] فالخشية قضية العلم، والهيبة توجب المعرفة.
ويقال خشية العلماء من تقصيرهم في أداء حقّه. ويقال من استحيائهم من اطلاع
الحق.
ويقال حَذَراً من أن يحصلِ لهم سوءُ أدبٍ وتَرْكُ احترامٍ، وانبساطٌ في غير وقته
بإطلاق لَفْظٍ، أو تَرَخُصِ بِتَرْكِ الأَوْلى.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ
سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نِحَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾.
(١) الآية (٢٦) لم ترد.
(٢) كبح فلاناً عن حاجته: رده عنها. وجمع الرجل: ركب هواه فلا يمكن رده.

٦٨
تفسير سورة فاطر
الذين يستغرق جميعَ أوقاتِهِم قيامُهم بذكر الله وبحقٌّه، وإتيانُهم بأنواع العبادات
وصنوف القُرَبِ فَلَهم القَدْرُ الأجَلُّ من التقريب، والنصيبُ الأوفر من الترحيب. وأما
الذين أحوالهم بالضدُ فَمَنَالُهم على العكس. أولئك هم الأولياءُ الأعِزَّةُ، وهؤلاء هم
الأعداءُ الأذِلَّةِ(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةٍ إِنَّ اللَّهَ
بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ما عَرَّفْنَاكَ - من اختيارنا لك وتخصيصنا إياك، وتقديمنا لك على الكافة - فعلى
ما أخبرناك، وأنشدوا:
لا أبتغي بَدّلاً سواكٍ خليلةٌ
فَثِقِي بقولي والكِرَامُ ثِقَاتُ
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَّا فَمِنْهُمْ ظَالِّمُ لِنَفْسِهِ،
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِلْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اُلْكَبِيرُ﴾.
﴿أَوْرَثْنَا﴾: أي أعطينا الكتابَ - أي القرآن - الذين اصطفينا من عبادنا، وذَكَرَ
الإعطاءَ بلفظِ الإِرثِ توسعاً.
﴿أَصْطَفَيَّنَا﴾: أي اخترنا. ثم ذكر أقسامَهم، وفي الخبر أنه لمَّا نزلت هذه الآية
قال عليه السلام: ((أمتي ورب الكعبة))(٢) ثلاث مرات.
وفي الآية وجوه من الإشارة: فمنها أنه لمَّا ذكر هذا بلفظ الميراثِ فالميراثُ
يقتضي صحة النَّسَبِ على وجهٍ مخصوص، فَمَنْ لا سَبَبَ له فلا نَسَبَ له، ولا ميراثَ
له .
ومحلَّ النَّسبِ ها هنا المعرفة، ومحلُّ السبب الطاعة. وإن قيل محلُّ النَّسبِ
فَضْلُه، ومحل السببَ فِعْلُك: فهو وَجْهُ. ويصحُّ أن يقال محلُّ النسبِ اختياره لك بدءاً
ومحلُّ السببِ إحسانُه لك تالياً.
ويقال أهلُ النسب على أقسام : - الأقوى، والأدنى كذلك في الاستحقاق.
ويقال جميع وجوه التملُّك لا بُدَّ فيها من فِعْلِ للعبد كالبيع، أَمَّا ما يُمْلَكُ بالهِبَةَ
فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير
ذلك. والوصية لا تُسْتَحقُّ إلا بالقبول، وفي الزكاة لا بُدَّ من قبول أهل السُّهْمَانِ،
والميراث لا يكون فيه شيء من جهة الوارث وفعله، والنَّسبُ ليس من جملة أفعاله.
(١) الآية (٣٠) لم ترد.
(٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٩٠/١٠).

٦٩
تفسير سورة فاطر .
ويقال الميراث يُسْتَحقُّ بوجهين: بالفرض والتعصيب، والتعصيبُ أقوى من
الفرض؛ لأنه قد يستحق به جميع المال، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى
فللعَصَبَةِ(١).
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: تكلموا في
الظالم، فمنهم من قال هو الأفضل، وأرادوا به من ظَلَّمَ نَفْسَه لكثرة ما حَمَّلَها من
الطاعة .
والأكثرون: إنَّ السابقَ هو الأفضل، وقالوا: التقديم في الذكر لا يقتضي التقديم
في الرتبة، ولهذا نظائر كثيرة.
ويقال قَرَنَ باسم الظالم قرينةً وهي قوله: ((لنفس))، وقزن باسم السابق قرينةً
وهِي قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ فالظالمُ كانت له زَلَّة، والسابق كانت له صولة، فالظالم رَفَعَ
زلَّتَه بقوله: لنفسه، والسابق كَسَرَ صولتَه بقوله: بإذن الله.
كأنه قال: يا ظالمُ ارفع رأسك، ظَلَمْتَ ولكن على نفسك، ويا سابقُ اخفض
رأسَك؛ سَبَقْتَ - ولكن بإذن الله.
ويقال إنَّ العزيزَ إذا أرى ظالماً قَصَمَه، والكريمَ إذا رأى مظلوماً أَخَذَ بيده، كأنه
قال: يا ظالم، إِنْ كان كونُكَ ظالماً يوجِبُ قَهْرَك، فكوْنُكَ مظلوماً يوجِبُ الأخذَ بيدك.
ويقال الظالمُ مَنْ غَلَبَتْ زَلَّاتُه، والمقتصدُ مَنْ استوت حالاته، والسابقُ مَنْ زادت
حسناته .
ويقال الظالمُ مَنْ زهد في دنياه، والمقتصدُ مَنْ رغب في عقباه، والسابقُ مَنْ آثر
على الدارين مولاه.
ويقال الظالمُ مَنْ نَجَمَ كوكبُ عقله، والمقتصدُ مَنْ طَلَعَ بَدْرُ عِلْمِه، والسابقُ من
ذَرَّتَ شمسُ معرفته.
ويقال الظالمُ مَنْ طَلَبَه، والمقتصدُ مَنْ وَجَدَه، والسابق مَنْ بقي معه .
ويقال الظالِمُ مَنْ تَرَكَ المعصية، والمقتصد مَنْ تَرَكَ الغفلة، والسابق مَنْ تَرَكَ
العلاقة .
ويقال الظالمُ مَنْ جاد بمالِه، والمقتصد مَنْ لم يبخلْ بِنَفْسِه، والسابق مَنْ جاد
بروحه .
ويقال الظالمُ مَنْ له علم اليقين، والمقتصد مَنْ له عين اليقين، والسابق مَنْ له
حق اليقين .
(١) العَصَبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة، من غير والد ولا ولد. فأما في الفرائض فكل من لم تكن له
فريضة مسماة. فهو عَصبة، إن بقي شيء بعد الفرائض أخذ. (اللسان ٦٠٥/١ مادة: عصب).

٧٠
تفسير سورة فاطر
ويقال الظالم صاحب المودة، والمقتصد الخلّة، والسابق صاحب المحبة .
ويقال الظالم يترك الحرام، والمقتصد يترك الشّبهة، والسابق يترك الفضل(١) في
الجملة .
ويقال الظالمُ صاحبُ سخاء، والمقتصد صاحب جود، والسابق صاحب إيثار.
ويقال الظالم صاحب رجاء، والمقتصدُ صاحبُ بَسْط، والسابق صاحب أَنْس.
ويقال الظالم صاحب خوف، والمقتصد صاحب خشية، والسابق صاحب هيبة.
ويقال الظالم له المغفرة، والمقتصد له الرحمة والرضوان، والسابق له القربة
والمحبة .
ويقال الظالم صاحب الدنيا، والمقتصد طالب العُقْبِى، والسابق طالب المولى.
ويقال الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسابق صاحب
المناجاة .
ويقال الظالم أَمِنَ من العقوبة، والمقتصد فاز بالمثوبة، والسابق متحقق بالقربة.
ويقال الظالم مضروبٌ بسَوْطِ الحِرْصِ، مقتول بسيف الرغبة، مضطجعٌ على
باب الحسرة. والمقتصدُ مضروبٌ بسوط الندامة، مقتولٌ بسيف الأسف، مضطجع
على باب الجود .
والسابقُ مضروبٌ بسوط التواجد، مقتول بسيف المحبة، مُضْطّجِعٌ على باب
الاشتياق .
ويقال الظالم صاحب التوكل، والمقتصد صاحب التسليم، والسابق صاحب
التفويض .
ويقال الظالم صاحبُ تواجد، والمقتصد صاحب وَجْد، والسابق صاحب
وجود .
ويقال الظالم صاحبُ المحاضرة، والمقتصد صاحب المكاشفة، والسابق
صاحب المشاهدة .
ويقال الظالم يراه في الآخرة بمقدار أيام الدنيا في كل جمعة مرةً، والمقتصد
يراه في كل يوم مرةً، والسابق غير محجوبٍ عنه ألبتةَ.
ويقال الظالم مجذوبٌ إلى فِعْلِهِ الذّي هو فضله، والمقتصد مكاشَفٌ بوصفه
الذي هو عِزُّه، والسابقُ المستهلَكُ في حقّه الذي هو وُجُودُه.
قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ لأنه ذكر الظالم مع السابق.
(١) الفضل: هنا الزيارة. يقول سهال بن عبد الله عن الحلال الصافي: هو الذي لا يُعصى الله تعالى فيه،
وهو الذي لا يُنسى الله تعالى فيه. (الرسالة القشيرية ص ١١٢).

٧١
تفسير سورة فاطر
قوله جلّ ذكره: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلْلُوّاً
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
نّهَ على أن دخولهم الجنة لا باستحقاقٍ بل بفضله، وليس في الفضل تمييز.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ .
تحققوا بحقائق الرضا، والحَزّنُ سُمِّي حَزَناً لُحزُونةٍ (١) الوقتِ على صاحبه وليس
في الجنة حزونة وإنما هو رضاً واستبشار.
ويقال ذلك الحزن حزن خوف العاقبة. ويقال هو دوام المراعاة خشية أن يحصل
سوءُ الأدب. ويقال هو سياسة النفس.
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للعصاة، ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين. قَدَّمَ ما للعاصين رفقاً بهم
لضعف أحوالهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيَهَا
لُغُوبٌ﴾ .
﴿َدَارَ الْمُقَامَةِ﴾: أي دار الإقامة، لا يبغون عنها حولا، ولا يتمنون منها
خروجاً .
﴿لَا يَمَشُنَا فِيهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ﴾: إذا أرادوا أن يَرَوْا مولاهم لا
يحتاجون إلى قَطْع مسافةٍ، بل غُرَفِهم يلقون فيها تحيةً وسلاماً، فإذا رأوه لم يحتاجوا
إلى تقليب حدقةٍ أو تحديق مقلة في جهة؛ يَرَوْنه كما هُمْ بلا كيفية.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ
عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾.
لا حياة يَتَمَنَّعُون بها، ولا موتَ يستريحون به، وهم مقيمون في العذاب
والحجاب، لا يفتر عنهم العذاب، وتُرْفَعُ عنهم العقوبة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِيتُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّاً
نَعْمَلْ أَوَمْ نُعَمِّرَّكُمْ نَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَّكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِنَّكِينَ مِن ◌َِّيرٍ﴾ .
يقولون: ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾، فيقال لهم أو لم
نعمركم ... ؟
(١) حزن المكان حزونة: خشن وغلظ، فهو حزن.

٧٢
تفسير سورة فاطر
أُمَا جاءكم النذيرُ قبل أن تبلغوا زمان المشيب؟
ويقال: ألم تستوفوا مدةَ الإمهالِ في النظر؟
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾: الرسل، ويقال ضعف الشيخوخة، ويقال سقوط السِّنِّ،
ويقال تَقَوُّسُ الظَّهْر.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِمُ غَيْبٍ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتٍ
الصُّدُورِ﴾ .
أي عالِم بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجّحْدٍ
الكافرين .
عالِمٌ بِمَنْ يريد بالناس السوءَ وبمَنْ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظنَّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ فِ الْأَرْضِّ فَنْ كَغَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٍُّ وَلَا يَزِيدُ
الْكَفِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِلَّا مَقْنًّاً وَلَا يَزِيدُ الْكَفِينَ كُفْرُهُ إِلَّ خَسَارً﴾ .
أهلُ كلٌّ عصرٍ خليفٌ عَمَن تقدمهم؛ فَمِنْ قوم هم لِسَلَفِهِم حَمَال(١)، ومِنْ قوم
هم أراذل وأنذال؛ فالأفاضلُ زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وقد
قالوا :
يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِهِ
حَيَّا غدٌ والْتَفَتَ الأمسُ
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَبَيْتُمْ شُرَّكََّكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرْوِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ
الْأَرْضِ أَمْ لَمْ شِرْلٌ فِ التَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَّهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى بَيْنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ
بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾.
كُرّرَ إشهادَهم عَجْزَ أصنامهم، ونَقْصَ مَنْ اتخذوهم آلهة من أوثانهم؛ ليُسَفّةَ
بذلك آراءَهم، وليُنَبِّهَهُم إلى ذميم أحوالِهم وأفعالِهم، وخِسَّةِ هِمَمِهم، ونُقْصانٍ
عقولهم .
ثم أخبر أنهم لا يأتون بشيءٍ مما به يُطَالَّبُون، وليس لهم صواب عمَّا يُسْأَلُون.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ بُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَيْنِ زَالَتَآَ إِنّ
أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنُ بَعْدِهِّهِ إِنَّهُ كَانَ لِيمًا غَفُورًا﴾
(١) الجمال: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها
الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين. (لسان العرب ١١/ ١٨٠ مادة:
حمل).

٧٣
تفسير سورة فاطر
أمسكها بقدرته، وأتقنهما بحكمته، ورتَّهما بمشيئته، وخلَقَ أهلَهما على موجب
قضيته، فلا شبيهَ في إبقائهما وإفنائهما يُسَاهِمُه، ولا شريكَ في وجودِهما ونظامهما
يُقَاسِمُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَبِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُنَّ أَهْدَى مِنْ إِعْدَى
الْأُمَّ فَلَمَّا بَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَِّي وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ
إلَّا بِأَهْلِهِ﴾ .
ليس لقولهم تحقيق، ولا لِعَهذهِم وضمانهم توثيق، وما يَعِدُون من أنفسهم
فصريحُ زُورٍ، وما يُوهِمُون مِنْ وفائهم فَصِرْفُ تغريرٍ .. وكذلكِ المريدُ في أوان نشاطه
تُمَنِّيه نَفْسُه فتظاهر أمام مَنْ تقدِّمه حالاً بأنه عاهد الله، وأنه أكَّدَ عقده مع الله .. فإذا
عَضَّتْه شهوتُه، وأراد الشيطانُ أن يكذبه صَرَعَه بكيده، وأركسه(١) في هوة غَيِّه، ومُنْيَةٍ
نَفْسِه؛ فيسودُّ وَجْهُه، وتذهب عند اللَّهِ وجاهتُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوَّا
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا
قَدِيرًا﴾.
في الجملة ما خاب له وليٍّ، وما ربح له عدوٍّ، ولا ينال الحقيقةَ مَنْ انعكس
قَصْدُه، بل يرتدُّ عليه كَيْدُه؛ وهو سبحانه يُدَمِّر على أعدائه تدميراً ويوسع لأوليائه
فضلاً كبيراً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ◌َهْرِهَا مِن
دَآبَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ .
لو عَجَّلَ لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تَفِ أعمارُهم القليلةُ به، وما
اتسعت أيامُهم القصيرة له، فَأَخَّرَ ذلك ليومِ الحَشْرِ .. فإِنَّه طويلٌ. واللّهُ على كل شيءٍ
قدیرٌ، وبأمورٍ عبادِه خبيرٌ بصير.
(١) أركسه: ركسه أي رد أوله على آخره، وقلَبَه على رأسه.

سورة يس
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَقَِّ اَلَنِ الرَّحَةِ﴾.
((بسم الله)) آيةٌ افتتح بها خطابَه؛ فَمَنْ عَلِمَها أجزل ثوابَه، وَمَنْ عَرَفَها أكثر
إيجابَه، ومَنْ أَكْبَرَ قَدْرَها أَكْرَمَ مآبه.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْ وَاُلْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾.
يقال معناه: يا سيد. ويقال: الياء تشير إلى يوم الميثاق، والشين تشير إلى سِرِّه
مع الأحباب؛ فيقال بحقٌ يوم الميثاق وسِرِّي مع الأحباب، وبالقرآن الحكيم : -
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.
أي إِنَّكَ - يا محمد لَمِنَ المرسلين، وإِنَّكَ لَعَلَى صراطٍ مستقيم.
قوله جلّ ذكره: ﴿تَزِيَلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.
أي هذا الكتاب تنزيل (العزيز): المتكبر الغني عن طاعة المطيعين، (الرحيم):
المُتَفَضِّل على عباده المؤمنين.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمَاً مَّا أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ﴾ .
أي خَصَصْنَاكَ بهذا القرآن، وأنزلنا عليكَ هذا الفُرقان لِتُنْذِرَ به قوماً حصلوا في
أيام الفترة، وانقرض أسلافُهم على هذه الصَّفَةِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
أي حقَّ القول بالعقوبة على أكثرهم لأنهم أصرُّوا على جَخْدِهم، وانهمكوا في
جهلهم، فالمعلومُ منهم والمحكومُ عليهم أنَّهم لا يُؤمنون.
قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْنَقِهِمْ أَغَْلَا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُقْمَحُونَ﴾ .
سَنَجُرُّهُم إلى هوانهم وصغرهم، وسنذيقهم وبالَ أمرهم.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ .
أغرقناهم اليومَ في بحار الضلالة وأخطنا بهم سرادقات الجهالة. وفي الآخرة
سنُغْرِقُهم في النار والأنكال، ونضيَّقُ عليهم الحال، بالسلاسل والأغلال.
﴿فَأَغْتَيْنَهُمْ﴾: أعميناهم اليومَ عن شهود الحُجَّة، ونُلَبِسُ عليهم في الآخرة سبيلَ
٧٤

٧٥
تفسير سورة يس
المَحَجَّة، فَيَتَعَثِّرُون في وَهَدَاتٍ جهنم داخرين، ويبقون في حُرُقَاتها مهجورين، مطرودين
ملعونين، لا نَقْطَعُ عنهم ما بْه يُعَذَّبُون، ولا نَرْحمهم مما منه يَشْكُون؛ تَمَادَى بهم حِزْمانٌ .
الكفر، وأحاطت بهم سرادقاتُ الشقاء، وَوقعت عليهم السِّمَةُ بالفراق.
قوله جل ذكره: ﴿وَسَوَّ؟ُ عَلَتِهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
مهجورُ الحقُ لا يَصِلُه أحدٌ، ومردودُ الحقُ لا يَقْبَلُه أحد. والذي قَصَمَتْه المشيئةُ
وأقْمَتْهُ القضيةُ لا تنجعُ فيه النصيحة .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍّ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَوْ
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾.
أي إنما ينتفع بإنذارك مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ فإنَّ إنذارك - وإن كان عاماً في الكُلِّ
وللكُلِّ - فإنَّ الذين كفروا على غيِّهم يُصِرُّون .. ألَّ سَاء ما يحكُمون، وإن كانوا لا
يعلمون تُبْحَ ما يفعلون. أمَّا الذين اتبعوا الذكر، واستبصروا، وانتفعوا بالذي سمعوه
منك، وبه عملوا - فقد استوجبوا أنْ تُبَشِّرَهم؛ فَبَشْرْهُم، وأخبِرْهم على وجهٍ يظهر
السرور بمضمون خبرك عليهم.
﴿وَأَجْرُ عَظِيمٌ﴾: كبيرٍ وافرٍ على أعمالهم - وإن كان فيها خَلَلٌ.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِي الْمَوْقَدْ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ .
نُحيي قلوباً ماتت بالقسوة بما نُمْطِرُ عليها من صَوْبِ الإقبال والزلفة، ونكتب ما
قدَّموا.
﴿وَءَاثَرَهُمْ﴾: خُطَاهم إلى المساجد، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا،
وتَرَفْرُق (١) دموعهم على عَرَصَات(٢) خدودهم، وتَصَاعُدَ أنفاسهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِيَّ إِمَامٍ ثُبِينٍ﴾ .
أثبتنا تفصيله في اللوح المحفوظ .. لا لتناسينا لها - وكيف وقد أحصينا كل
شيءٍ عدداً؟ - ولكننا أخبَيْنا إثبات آثار أحبائنا في المكنون من كتابنا.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ .
انقرض زمانُهم ونُسِيَ أوانُهم وشأنُهم! ولكننا نتذكر أحوالهم بعد فوات أوقاتهم،
ولا نرضى بألا يجري بين أحبائنا وعلى ألْسِنَةِ أوليائنا ذِكْرُ الغائبين والماضين، وهذا
مخلوقٌ يقول في صفة مخلوق:
إذا نَسِيَ الناسُ إخوانّهم وخَانَ المودَّةَ خِلَّانُها
(١) ترقرق الدمع: دار في العين.
(٢) عرصات: (ج) عرصة: البقعة الواسعة بين الدور ليس فيها بناء.

٧٦
تفسير سورة يس
صحائفُ ذِكْرُكَ عنوانُها
فعندي لإخوانِيّ الغائبين
قوله جل ذكره: ﴿قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَّا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَتْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
تَكْذِبُونَ قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾(١) .
قال الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وليس عِلْمُنا إلّا بما أُمِزْنا به من التبليغ
والإنذار(٢
﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُّ لَيِن لَّْ تَنْتَهُواْ لَُّنَّكُمْ وَلَيْسَنَّكُمْ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
لنرجمتّكم، ولنَصْنَعَنَّ، ولنفْعَلَنَّ .. فأجابهم الرسل: إنكم لجهلكم ولجحدكم
سوف تَلْقَوْن ما تُوعَدُون(٣) .
قوله جل ذكره: ﴿وَجَّءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ أَنَّبِعُواْ
مَنْ لَّا يَتََّلُكُمْ أَجْرُ وَهُم مُهْتَدُونَ ﴾ .
في القصة أنه جاءُ من قرية فسمَّاها مدينة، وقال من أقصى المدينة، ولم يكن
أقصاها وأدناها لِيَتَفَاوَتَا بكثيرٍ، ولكنه - سبحانه - أجرى سُنَّتَه في استكثار القليل من
فِعْلِ عَبْدِهِ إذا كان يرضاه، ويستنزِرُ الكثيرَ من فَضْلِه إذا بَذّلَه وأعطاه.
﴿أَتَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسَتَلُكُمْ أَجْرًا﴾ فَأَبْلَغَ الوَعْظَ وَصَدَقَ النُّصْحَ. ولكن كما قالوا:
وكم سُقْتُ في آثارِكم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضةَ المتنصّحُ
فلمَّا صَدَقَ في حاله، وصَبّرَ على ما لَقِيَ من قومه، ورجع إلى التوبة، لقّاه
حُسْنَ أفضالِه، وآواه إلى كَنَفِ إقبالِهِ، ووَجَدَ ما وَعَدَه ربُّه من لُطْفِ أفضالِهِ(٤).
﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونٌ بِمَا غَفَرَ لِىِ رَبِّ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَبِينَ﴾ .
تَمَثَّى أن يعلم قومُه حاله، فَحَقَّقَ اللَّهُ مُنَاه، وأخبر عن حاله، وأنزل به خطابه،
وعَرَفَ قومُه ذلك. وإنما تهنَّى وأراد ذلك إشفاقاً عليهم، ليعملوا مثلما عَمِلَ لِيَجِدُوا
مثلما وَجَدَ .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَمَا أَنْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَلِمِدُونَ﴾ .
ما كانت إلا قضية مِنَّا بعقوبتهم، وتغييراً لِمَا كانوا به من السلامة إلى وصف
البلاء .
قوله جل ذكره: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ .
(١) الآية (١٤) لم ترد.
(٢) الآية (١٧) لم ترد.
(٣) الآية (١٩) لم ترد.
(٤) الآيات من (٢٢ حتى ٢٥) لم ترد.

٧٧
تفسير سورة يَس
إن لم يتحسَّروا هم اليوم فَلَهُم موضع التحسُّر؛ وذلك لانخراطهم في سِلكٍ
واحد من التكذيب ومخالفة الرسل، ومناوءة أوليائه - سبحانه .
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم ◌ِنَ الْقُرُونِ أَهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ
كُلُّ تَّمَّا حَيَعْ لََّيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ .
ألم يروا ما فعلنا بمن قبلهم من القرون الماضية، وما عاملنا به الأمم الخالية،
فلم يرجع إليهم أحد، فكلّهم في قبضة القدرة، ولم يَفْتنا أحدٌ، ولم يكن لواحدٍ منهم
علينا عون ولا مَدَدٌ، ولا عن حكمنا ملتحد.
قوله جل ذكره: ﴿وَءَايَّةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْعَبْتَةُ أَحْبَيْتَهَا وَأَخْرَحْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ
يَأْكُلُونَ﴾ .
لمَّا كان أمرُ البعث أعظمَ شُبَهِهِمْ، وكَثُرَ فيه إنكارُهم كان تكرارُ الله سبحانه
الحديث البعث، وقد ضَرَبَ - سبحانه - المَثَلَ له بإحياء الأرض بالنبات في الكثير من
الآيات. والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِر علومَ الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف
يشكل ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحت على سبيل الاستدلال، وتحكيم أدلة
العقول؟ ولكن يَهْدِي اللَّهُ لنوره من يشاء. ولو أنهم أنصفوا من أنفسهم، واشتغلوا
بأهم شيءٍ عندهم لَمَا ضَيَّعوا أصول الدِّين، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد، وادَّعَوْا في
الفروع رتبةَ الإمامة والتصَدَّر .. ويقال في معناه:
مسائل الفقه إملاء وتدريسا
يا مَنْ تَصَدَّرَ في دستَ الإمامة في
شيَّدتَ فرعاً وما مَهَّدَتَ تأسيسا
غَفَلْتَ عن حجج التوحید تُخکِمها
قوله جل ذكره: ﴿شُبْحَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَبِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾(١).
تُنَبِّه هذه الآيةُ على التفكّرِ في بديع صُنْعهِ؛ فقال: تنزيهاً لِمَنْ خَلَقَ الأشياء
المتشاكلةَ في الأجزاء والأعضاء، من النبات، ومن أنفسهم، ومن الأشياء الأخرى التي
لا يعلمون تفصيلها، كيف جعل أوصافَها في الطعوم والروائح، في الشكل والهيئة،
في اختلاف الأشجار في أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأزهارها،
واختلاف أشكال ثمارها في تفرّقِها واجتماعها، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى
العادة مما يسميه قومٌ: الطبائع؛ في الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واختلاف
الأحداث التي يخلقها اللَّهُ عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى
(١) الآيتان (٣٤، ٣٥) لم تردا.

٧٨
تفسير سورة يس
العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان. ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة
والأجزاء الباطنة، فالأوقات متجانسة، والأزمان، متماثلة، والجواهر متشاكلة .. وهذه
الأحكام مختلفة، ولولا تخصيصُ حُكُم لكل شيءٍ بما اختصَّ به لم يكن تخصيصٌ
بغير ذلك أولى منه. وإنَّ مَنْ كخَلَ اللَّهُ عيونَ بصيرته بيُمْن التعريف، وقَرَنَ أوقاته
بالتوفيق، وأتّمّ نَظَرَه، ولم يصده مانع. فما أقوى في المسائل حُجَّتَه! وما أوْضَحَ في
السلوكِ نَهْجَه ! .
إِنَّها لأقْسَامٌ سَبَقَت على مَنْ شاءَه الحقُّ بما شاء.
قوله جل ذكره: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الََّّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ﴾ .
نُبْطِلُ ضوءَ النهارِ بهجومِ الليلِ عليه، وتزِيلُ ظلامَ الليل بهجوم النهار عليه،
كذلك نهارُ الوجود يدخل علىَ ليالي التوقف، ويقود بيد كَرَمِه عصاً مَنْ عَمِيْ عن
سلوكِ رُشْدِه فيهديه إلى سَوَاءِ الطريق.
قوله جل ذكره: ﴿وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾.
على ترتيبٍ معلوم لا يتفاوت في فصول السنة، وكل يومٍ لها مشرِقٌ جديد ولها
مغرِبٌ جديد .. وكل هذا بتقدير العزيز العليم.
﴿وَلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ خَّ عَادَ كَالْعُجُونِ الْقَدِيرِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا
اَلَيْلُ سَابِقُ النََّارِ وَكُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .
الإشارة منه أن العبد في أوان الطلب رقيقُ الحال، ضعيفٌ، مختصرُ الفَهُم ..
ثم يُفَكِّر حتى تزداد بصيرته .. إنه كالقمر يصير كاملاً، ثم يتناقَصُ، ويدنو من الشمس
قليلاً قليلاً، وكُلَّمَا ازداد من الشمس دُنُوًّا ازداد في نفسه نقصاناً حتى يتلاشى ويختفي
ولا يُرَى .. ثم يَبْعُدُ عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدراً - مَنْ الذي
يُصَرِّفه في ذلك إلَّا أنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيهُ الشمسِ عارِفٌ أبداً في ضياء
معرفته، صاحبُ تمكينٍ غيرُ مُتَلَوْنٍ (١)، يشرق من برج سعادته دائماً، لا يأخذه
کسوفٌ، ولا يستره سحابٌ.
وشبيهُ القمر عبدٌ تتلون أحوالُه في تنقله؛ فهو في حال من البسط يترقّى إلى
حَدِ الوصال، ثم يُرَدُّ إلى الفترة، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال،
فيتناقص، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته، ثم يجود الحقُّ -
سبحانه - فيُوَفْقُه لرجوعه عن فترته، وإفاقته عن سَكْرَتِه، فلا يزال يصفو حاله إلى
أَنْ يَقْرُبَ من الوصال، ويرزقَ صفة الكمال، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص
(١) انظر حديث القشيري عن التلوين والتمكين بالرسالة القشيرية ص٧٨ - ٨٠.

٧٩
تفسير سورة يَس
والزوال .. كذلك حاله إلى أن يُحَقَّ له بالمقسوم ارتحاله، كما قالوا:
من كثرة التلوين من بُدَّتِه (١)
ما كنت أشكو ما على بَدَني
وأنشدوا :
غيرُ هذا بِكَ أجمـل
كُلَّ يوم تتلون
قوله جل ذكره: ﴿وَءٌَّ لَُّمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا
بَّكَبُونَ ﴾ .
الإشارة إلى حَمْلِ الخَلْقِ في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها
بفنونٍ من التغيير والتأثير. فَكَمْ من عبدٍ غرق في اشتغاله في ليلة ونهاره، لا يستريح
لحظةً من كَدُ أفعاله، ومقاساةِ التعب في أعماله، وجَمْع ماله.
فَجَرَّه ذلك إلى نسيانِ عاقبته ومآلِهِ، واستيلاء شُغْلِهِ بوَلَدِه وعيالِهِ على فِكْرِه وبالِه
- وما سَعْيُهُ إلَّا فِي وَبَالِه!
وكم من عَبْدٍ غرق في لُجَّةِ هواه، فجَرَّتْه مُناه إلى تَحَمُّلٍ بلواه، وخسيسٍ من أمر
مطلوبه ومُبْتَغَاه .. ثم لا يَصِلُ قط إلى منتهاه، خَسِرَ دنياه وعقباه، وبَقِيَ عن مولاه!
ومن أمثال هذا وذاك ما لا يُخْصَى، وعلى عقلٍ مَنْ فَكَّرَ واعتبر لَا يَخْفَى.
أمّا إذا حفظ عبداً في سفينة العناية أفرده - سبحانه - بالتحرُّرِ من رِقْ خسائس
الأمور، وشَغَلَه بظاهره بالقيام بحقِّه، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربِّه، ورقّاه
إلى ما قال: ((أنا جليسُ مَنْ ذكرني)» .. وقُلْ في عُلُوّ شأنٍ مَنْ هذه صفته .. ولا حَرَجَ!
قوله جل ذكره: ﴿وَإِ نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيَ لَمْ وَلَ هُمْ يُقَذُونٌّ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ .
لولا جُودُهُ وفَضْلُه لحَلَّ بهم من البلاء ما حَلَّ بأمثالهم، لكنه بِحُسْنِ الأفضال،
يحفظهم في جميع الأحوال.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾ الآيات.
هذه صفاتُ مَنْ سَيَّبَهم (٢) في أودية الخذلان، وَوَسَمهم بِسِمَّةٍ الحرمان،
وأصَمَّهم عن سماع الرُّشْد، وصَدَّهم بالخذلان عن سلوكِ القصد، فلا تأتيهم آيةٌ في
الزَّجْرِ إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام انقباضهم، وإذا أُمِرُوا
بالإنفاقِ والإطعام عارضوا بأنَّ الله رازقُ الأنام، وإن يَشَأْ نَظَرَ إليهم بالإنعام(٣) :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوْ مِمَّا رَزَقَّكُ اللّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظْمِمُ مَن لَّوْ بَشَآءُ اللَّهُ
أَمْعَمَهُ؟﴾ .
(١) البدة: النصيب من كل شيء.
(٣) الآية (٤٦) لم ترد.
(٢) سيّبه: أطلقه وتركه وخلاه يسيب حيث شاء.

٨٠
تفسير سورة يَس
ثم قال جل ذكره: ﴿ وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّ صَيْحَةً
وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِضِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةُ وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
يستعجلون هجومَ الساعة، ويستبطئون قيامَ القيامة - لا عن تصديقٍ يُريحهم من
شَكْهم، أو عن خوفٍ يمنعهم عن غَيُّهم، ولكن تكذيباً لدعوة الرسل، وإنكاراً لِصِحة
النبوة، واستبعاداً للنشر والحشر.
ويومَ القيامةِ هم في العذاب مُحْضَرُون، ولا يُكْشَفُ عنهم، ولا يُنْصَرُون.
قوله جل ذكره: ﴿وَنُّفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَبْدَائِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُواْ بَوَّيْلَنَا
مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
يموتون قَهْراً، ويُخْشَرُونَ جَبْراً، ويلقون أمراً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا
ضراً.
﴿قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّاً﴾ يموتون على جهلٍ، لا يعرفون ربَّهم، ويُبْعَثُون
على مِثْلِ حالِهم، لا يعرفون مَنْ بَعَثَهم، ويعدون ما كانوا فيه في قبورهم من العقوبة
الشديدة - بالإضافة إلى ما سَيَلْقَوْنَ من الآلام الجديدة - نوماً ورقاداً، وسيطئون من
الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهاداً، لا يذوقون بَرْداً ولا شراباً إلا حميماً
وغَسَّاقاً، ولقد عوملوا بذلك استحقاقاً (١): فقد قال جل ذكره :-
﴿فَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ .
إنما يضافُ العبدُ إلی ما كان الغالب علیه ذِكْرُه بمجامع قلبه، فصاحبُ الدنيا
مَنْ في أسْرِها، وأصحابُ الجنة مَنْ هم طُلَابُها والساعون لها والعاملون لِنَيْلِها؛ قال
تعالى مخبراً عن أقوالهم وأحوالهم: ﴿لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
وهذه الأحوال - وإن جَلَّتْ منهم ولهم - فهي بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر
تتقاصر، قال : ((أكثر أهل الجنة البُلْه))(٢) ومَنْ كان في الدنيا عن الدنيا حُرَّاً فلا
(١) الآية (٥٣) لم ترد.
(٢) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ٧٩/٨، ٢٦٤/١٠ - ٤٠٢)، وصاحب (ميزان الاعتدال ١٣٦١)
والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٥٧/٧، ٢٤٤، ٦٢٧، ٢٣٦/٩)، والعجلوني في (كشف
الخفاء ٢٨٦/١)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ٢٩)، والمتقي الهندي في (كنز العمال
٣٩٢٨٣)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٣/ ١١٦٠)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة
في الأحاديث المشتهرة ١٧)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية ٤٥٢/٢) يقال: رجل أبله بين البله
والبلاهة: وهو الذي غلب عليه سلامة الصدر وحُسن الظن بالناس لأنهم أغفلوا أمر دنياهم نجهلوا
حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة.
(لسان العرب ٤٧٧/١٣ مادة: بله).