النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ تفسير سورة الأحزاب لم يكن مضافاً إِلى ولدٍ فله عليكم شفقة الآباء .. ولكن ليس بأبيكم. ويقال نّسَبُه ظاهرٌ .. ولكن إنما يُعْرَفُ بي لا بنَسَبِهِ؛ فقلَّما يقال: محمدُ بن عبد الله، ولكن إلى أبد الأبد يقال: محمد رسول الله. وشعارُ الإيمانِ وكلمةُ التوحيدِ - بعد لا إله إلا الله - محمدٌ رسولُ الله. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾ . الإشارة فيه أَحِبُوا الله؛ لأنَّ النبي - وََّ قال: ((مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره)» فيجب أن تقول: الله، ثم لا تنسَ الله بعد ذكرك الله . ويقال: اذكروا الله بقلوبكم؛ فإِنَّ الذكرَ الذي تمكن استدامته ذكرُ القلب؛ فأمَّا ذِكْرُ اللسانِ فإدامته مُسْرَمَداً كالمتعذر. ﴿وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: التسبيحُ من قبيل الذكر، ولكنه ذَكَرَه بلفظين لئلا تعتريك سامة . قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرَِّكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . الصلاةُ في الأصلِ الدعاءُ؛ فصلاتُه - سبحانه - دعاؤه لنا بالتقريب، وصلاةُ الملائكة دعاؤهم إليه لنا: بالغفرانِ للعاصي، وبالإحسانِ للمطيع. ويقال الصلاةُ من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة. ﴿ لِيُخْرَِكٌ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ويقال ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي يعصمكم من الضلال بَزوح الوصال. ويقال ليخرجكم من ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير. ويقال ليخرجكم من ظلمات نفوسكم إلى أنوار البصائر في قلوبكم. ويقال ليخرجكم من أسباب التفرقة إلى شهود عين التوفيق، والتحقق بأوصاف الجمع. ويقال يصونكم من الشِّرْكٍ، ويُئِتُكم بشواهد الإيمان. قوله جلّ ذكره: ﴿ََِّّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَمْ وَأَعَذَّ لَهُمْ أَجْرً كَرِيمًا﴾ . التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية، واللقاءُ إذا قُرِنَ بالتحية فلا يكون ذلك إلا بمعنى رؤية البَصَر. والسلام خطاب يفاتح به الملوك إِخباراً عن عُلُوٌ شأنهم ورتبتهم، فإلقاؤه حاصِلٌ وخطابُه مسموعٌ، ولا يكون ذلك إلا برؤية البصر. ﴿أَجْرَ كَرِيمًا﴾: الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة، وكريماً أي حسناً. ٤٢ تفسير سورة الأحزاب وفي الإشارة أجرهم موفور على عملٍ يسير؛ فإنَّ الكريم لا يستقصي عند البيع والشراء في الأعداد، وذلك تعريف بالإحسانِ السابق في وقت غيبتك. قوله جلّ ذكره: ﴿يَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيْرًا وَدَاعِيًا إِلَى اَللَّهِ بِإِذْنِ، وَسِرَاجًا مُنِيرً﴾ . يأيها المُشَرَّفُ مِنْ قِبَلِنا إِنّا أرسلناكَ شاهداً بوحدانيتنا، وشاهداً تُبَشِّر بمتابعتنا، وتحذّرُ من مخالفة أَمْرِنَا، وتُعْلِمُ الناسَ مواضعَ الخوف مِنَّا، وداعياً إلينا بنا، وسراجاً يستضيئون به، وشمساً ينبسط شعاعُها على جميع مَنْ صَدَّقَكَ، وآمَنَ بك، فلا يصل إلينا إِلَّا مَنْ اتَبَّعَكَ وخَدَمَك، وصَدَّقَك وقَدَّمَك. ﴿وَثِيرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بفضلِنا معهم، ونَيْلِهِم طَوْلَنا عليهم، وإحسانِنا إليهم. ومَنْ لم تُؤَثِّرْ فيه بَرَكةُ إيمانه بك فلا قَدْرَ له عندنا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نُطِعِ الْكَفِينَ وَالْمُنَّفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَهِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. لا توافِقْ مَنْ أُعرضنا عنه، وأضللنا به من أهلَ الكفر والنفاق، وأهل البِدَع والشّقاق. وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلاً. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُرَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَمَرْجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. إذا آثرتُمْ فراقَهُنَّ فَمَتِّعوهن ليكونَ لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في أوائلها إلى أَنْ تتوطّنَ نفوسُهن على الفرقة. ﴿وَسَرِجُوهُنَّ سَرَامًا ◌َجِيلًا﴾: لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئاً تخلَّفتُم به معهن، فلا تجمعوا عليهن الفراقَ بالحال والأضرارَ من جهة المال. قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَِّىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُرَهُ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتٍ عَمَّكَ وَبَنَاتِ عَمََّتِكَ وَبَنَاتٍ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأْرَّةٌ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَلِصَِةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ قَدْ عَلِيْنَكَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا نَحِمًا) . وسَّعْنَا الأمرَ عليكَ في باب النكاح بكم شِئْتَ؛ فإنك مأمونٌ من عيب عدم التسوية بينهن وعدم مراعاة حقوقهن، ومن الحَيْفِ عليهن. والتّوْسِعةُ في بابِ النكاح تَدُلُّ على الفضيلة كالحُرِّ والعبد. ٤٣ تفسير سورة الأحزاب قوله جل ذكره: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُعْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرِّ أَعْيُُّهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَبَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ بَعْلَمُ﴾ . ﴿مَنْ تَشَآءُ﴾: على ما تتعلَّق به إرادتُك، ويقع عليه اختيارُك، فلا حَرَج عليكَ ولا جُنَاحِ. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِئُكْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِبًا﴾ . لمَّا اخْتَرْتَهُنَّ أثبت اللَّهُ لهن حُرمة، فقال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فكما اخترْنَكَ فلا تَخْتَرْ عليهن امرأةٌ أخرى تطييباً لقلوبهن، ونوعاً للمعادلة بينه وبينهن، وهذا يدل على كَرَمِه - والحِفَاظُ كَرَمٌ ودَیْن . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَّا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى ◌َعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَنْهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ﴾ الآية . أَمَرَهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام؛ فإذا أُذِنَ لكم فادخلوا على وجه الأدب، وحِفْظِ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا، ولا تتغافلوا عنكم، ولا يَمْنَعَنَّكُم حُسْنُ خُلُقِه من حِفْظِ الأدب، ولا يحملنّكم فرطُ احتشامِه على إبرامه. ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَنَّشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَخِىء مِنكُمْ﴾: حُسْنُ خُلُقِه ◌ِ وَ﴿ ــ جَرَّهم إلى المباسطة معه، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنٌّ﴾ : نَقَّلَهم عن مألوفِ العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبَيِّنَ أن البَشَرَ بَشَرٌ - وإن كانوا من الصحابة، فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَلْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنٌ﴾ ٠ فلا ينبغي لأحدٍ أن يأمن نفسه ــ ولهذا يُشَدَّدُ الأمرُ في الشريعة بألا يخلوَ رجلٌ بامرأة ليس بينهما مَحْرَمَة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَآ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدَّأَ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْلَ اَللَّهِ عَظِيمًا﴾ . وهذا من خصائصه - 8ر، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئاً من هذا، فيهتم بالاتصال مَنْ له مَيْلٌ إِلَيهنَّ بغيرهن بعد وفاته - وإِنْ كان التحرُّزُ عنه - وعن أمثال هذا مِنْ تَرْكِ الحظوظ ـ أتمَّ وأعلى. ٤٤ تفسير سورة الأحزاب قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ . حِفْظُ القلبِ مع الله، ومراعاةُ الأمر - بينه وبين الله - على الصِّحَةِ في دوام الأوقات لا يَقْوى عليه إلا الخواصُّ من أهل الحضور. قوله جلّ ذكره: ﴿َلَّا جُنَاحَ عَيْهِنَّ فِىّ ءَابَكِنَّ وَلَاَ أَبْنَِّهِنَّ وَلَّ إِخْوَبِهِنَّ وَلَآ أَبَِّ ◌ِغْوَيِنَّ وَلَ أَبَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَّ﴾ الآية. لما نزلت آيةَ الحجابِ شقَّ عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَّبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾. أراد الله - سبحانه - أن تكون للأمة عنده ـ ﴿ - يَدُ خدمةٍ كما له بالشفاعة عليهم يَدُ نعمةٍ، فأَمَرَهم بالصلاة عليه، ثم كافأ - سبحانه عنه؛ فقال ◌َله: ((مَنْ صَلَّى عليَّ مرةً صلى اللَّهُ عليه عشر مرات))(١) وفي هذا إشارة إلى أن العبدَ لا يستغني عن الزيادة من الله في وقتٍ من الأوقات؛ إذ لا رتبةً فوق رتبةِ الرسولِ، وقد احتاج إلى زيادةٍ صلواتِ الأمَّةِ عليه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَاْأَخِرَةِ وَأَعَذَّ ◌َمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمًا ◌ُبِينًا﴾. يُؤْذون اللَّهَ ورسوله بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة، ويؤذون أولياءه. ولمَّا قال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فكذلك مَنْ آذى رسولَه وأنبياءَه عليهم السلام والمؤمنين فقد آذاه، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم. ثم ذكر قوله: ﴿ وَأَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ .. ﴾ وذكر عقوبتهم، فجعل إيذاء الرسول مقروناً بما ذكر من إيذاء الله، ثم ذكر إيذاء المؤمنين، ويدل ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول الله . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنُّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . هذا تنبيه لهن على حِفْظِ الحُزْمة وإثبات الرَّتْبَة، وصيانةٌ لهن، وأمرّ لهن (١) أخرجه النسائي (أذان ٣٧)، (سهو ٥٥)، وأحمد بن حنبل ٢، ١٦٨، ٣٧٢، ٣٧٥، ٤٨٥. ٤٥ تفسير سورة الأحزاب بالتصاونٍ والتعفُّفِ. وقَرَنَ بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلبَ الرسول # من الإرجاف (١) في المدينة : - قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ لَّيِنِ لَّرْ يَنَّهِ الْمُنَفِقُونَ وَلِّينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ اُلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِنْ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ . إنهم إِلَمْ يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سُنَّتَنا في التدمير على مَنْ سَلَف من الكفار. ثم ذَكَرَ مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك، ثم استعجالهم قيامَها من غير استعدادٍ لها، ثم أخبر بصعوبة العقوبة التي علم أنه يُعَذّبهم بها، وما يقع عليهم من الندامة على ما فَرَّطوا (٢). قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ رَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ . نسبوه إلى الأُذْرَةِ(٣)، وأنَّ به عيباً في الخِلْقَة، ولكنه كان رجلاً حَبِيًّا، وكان إذا اغتسل لا يتجرَّد (من ثوبِهِ)(٤)، فتوهموا به ذلك. وذات يوم خلا ليغسلَه، ووضع ثيابَه على حَجَرٍ فأمشى آللَّهُ الحَجَرَ بثيابه، وموسى يعدو خَلْفَه حَتى تَوَسَّطَ بني إسرائيل، وشاهدوا خِلْقَتَه سليمةً، فوقف الحجرُ، وأخذ موسى ثيابه ولبسها، وهذا معنى قوله: ﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَبِهًا﴾ في القَدْرِ والمنزلةِ. والوجاهة النافعة ما كان عند الله لا عند الناس، فقبولُ الناسِ لا عِبْرَةَ به ولا خَطَرَ له، لا سيما العوامُ فإِنهم يَقْبَلُون بلا شيءٍ، ويَرُدُّون بلا شيء قال قائلهم: فعند غيرك محمولٌ على الحدق إِنْ كنتُ عندك يا مولاي مطرحاً فإني في خِيارِكُم كثيرٌ وقالوا: فإِنْ أَُ في شِرَارِكُم قليلاً قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدٌ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ . القول السديد كلمةُ الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق. (١) الإرجاف: الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب (ج) أراجيف. (٢) الآيات من (٦٣ حتى ٦٨) لم ترد. (٣) الأَذْرَةُ: نفخة في الخصية. (اللسان ١٥/٤ مادة: أدر). (٤) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ٤٦ تفسير سورة الأحزاب ويقال سدادُ أقوالِكم سدادُ أعمالِكم، ولقد هَوَّن عليكم الأمرَ فَمَنْ رضي بالقالة - وهي الشهادة بأن تَرَك الشّرْك - وقالها بِصِدْقٍ أصلح اللَّهُ له أعمالَه الدنيوية من الخَلَل، وغَفَرَ له في الآخرة الزَّلَل؛ أي حصلت له سعادةُ الدارين . ويقال ذَكَرَ ﴿أَعْمَلَكُمْ﴾ بالجمع، وقدَّمها على الغُفران؛ لأنه ما لم يُضْلِح لك في حالِكَ أعمالَكَ وإِنْ لم يَكْفِكَ ما أَهَمَّكَ من أشغالك .. لم تتفرغْ إلى حديث آخِرَتِكَ. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالِحِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْيِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ . هنا إضمار أي: أهل السموات والأرض والجبال. وقيل أحياها وأعْقَلَها، وهو كقوله: ﴿أَثْتِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنَيْنَا طَأَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ﴿فَأَبَّنَ أَنْ يَحْيِلْنَهَا﴾: أي أبين أنْ تَخُنَّ فيها، ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ﴾: أي خان فيها. وهم مراتب: فالكفار خانوا في الأصل الأمانة - وهي المعرفة - فكفروا. ومَنْ دُونَهم خانوا بالمعاصي، وبعضهم أَشَدُّ وبعضهم أهون، وكلُّ احتقب من الوِزْرِ مقدارَه. ويقال ((أبين)) إِباءَ إشفاقٍ لا إِباء استكبارٍ، واستعفين ... فعفا عنهن، وأعفاهن مِنْ حَمْلها . ﴿وَلَهَا الْإِنَنِّ﴾: قَبِلَها ثم ما رعوها حقَّ رعايتها .. كلٌّ بقدره. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ بصعوبة حَمْلِ الأمانة في الحال، والعقوبة التي عليها في المآل. وقومٌ قالوا عَرَضَ الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ وعَرَضَها على الإِنسان، فهن استعفين وهؤلاء لم يستعفوا ولم يراعوا. ويقال: الأمانة القيام بالواجباتِ أصولها وفروعها. ويقال: الأمانة التوحيد عقداً وحفظ الحدود جهداً. ويقال: لمَّا حَمَلَ آدمُ الأمانة وأولاده قال تعالى: ﴿ وَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ويقال حمل الإنسانُ بالله لا بنَفْسِه. ويقال ظَلَمَ نَفْسَه حيث لم يُشْفِقْ مما أشفقت منه السمواتُ والأرضون. والظُلْمُ وَضْعْ الشيءِ في غير موضعه. ويقال كاشَفَ السمواتِ والأرضَ بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا، وكاشَفَ آدمَ وذُرِّيَتَه بوصف اللطفِ فقَبِلوا وحملوا، وفي حال بقاء العبد يا لله يحمل السمواتِ والأرضَ بشعرة من جَفْنِه. ويقال كانت السموات والأرض أصحاب الجثث والمباني فأشفقوا من حَمْلِ الأمانة. والحِمْلُ إنما تحمله القلوب. وآدم كان صاحبَ معنَى فَحَمل، وأنشدوا: لَأَعْجَزُ عن حمل القميص وأضعفُ حملت جبال الحكم فوقي وإنني ٤٧ تفسير سورة الأحزاب ويقال لما عَرَضَ الحقُّ الأمانةَ على الخَلْقِ عَلَّقَ آدمُ بها هِمَّتَه، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها، فلمَّا أبوا وأشفقوا حَمَلَها الإنسانَ طوعاً لا كرهاً. قوله جلّ ذكره: ﴿لِعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَّفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اَللَّهُ عَلَى اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ . اللام في ((ليعذب)) للصيرورة والعاقبة؛ أي صارت عاقبةُ هذا الأمرِ عذابَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز. (تَمَّت السورة) قد يقال: المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات وَرَدَ ذكرهم .. فأين العابدون وذکرهم؟ ولكنهم في جملة مَنْ مضى ذِكْرُهم، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين، فلا محالة في جملة العاصين الذين تاب عليهم. فيأيها العاصي، كنت تحذر أَنْ يُخْرِجَك العابدون من جملتهم، فاشهد الجبَّارَ - في هذا الخطاب - كيف أدرجك في جملتهم؟! سورة سبأ قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الََِّ الرَّحَـ ـةٍ﴾. ((بسم الله كلمةٌ سَلَّابةٌ غلابة، نهابةٌ، وهابةٌ؛ تسلب القلوب .. ولكن لا كل قلب، وتغلب الألبابَ ولكن ليس كل لب، وتنهب الأرواح ولكن مِنَ الأحباب، وتَهَبُ الارتياح .. ولكن لقوم مخصوصين مَنْ الطلّاب. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِ وَلَهُ اْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَ وَهُوَ اَلْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾. افتتح السورة بذكر الثناء على نفسه، ومَدْخُه لنفسه إخبارٌ عن جلالِه، واستحقاقه النعوت عزَّه وجمالِه، فهو في الأزل حامدٌ لنفسِه محمودٌ، وواحدٌ موجود، في الآزال معبود، وبالطلبات مقصود. ﴿الَّذِى لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: المُلْكُ لا يكون بالشركة؛ فلا مَلِكَ إلا الله. وإِنْ أجرى هذا الاسمَ على مخلوق بالزنجيُّ لا يتغير لونُه وإِنْ سُمِّيَ كافوراً! ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةُ﴾ مِنَ الذين أَعتقهم، وفي النعمة أغرقهم. ﴿َوَهُوَ اَلْحَكِيمُ﴾ بتخليد قومٍ في الجنة، وتأبيد قومٍ في النار. قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَأْ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ﴾ من الحَبِّ تحت الأرض، والماءِ يرسب فيها، والأشياءِ التي تُلْقَى عليها، والناس يُقْبَرُون في الأرض .. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والأزهار، والموتى يُبعثون. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من القَطْرِ والمَلَكِ، والبركة والرزق، والحُكْمِ. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الصحف، وحوائج الناس: وهِمَمٍ الأولياء. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بعباده، ﴿اَلْغَفُورُ﴾ لجميع المذنبين من المسلمين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَى وَرَبِى لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِ الْغَيْبِّ لَا ٤٨ ٤٩ تفسير سورة سبأ يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ تِينٍ﴾. كرّر في القرآن تكذيبهم بالساعة، واستبعادهم لذلك، والردّ عليهم. وأخبر عن سابق علمه بهم، وأنه لا يخرج شيء من معلوماته عن علمه، فأثبت علمه بكل شيءٍ وشموله لكل شيء .. لأنه لو لم يكن له علم لكان نقصاً، ولأنه لو خرَجَ معلومٌ واحدٌ عن علمهِ لكان بقدرته نقصٌ، والنقصُ - بأي وصفٍ كان - لا يجوز في صفته بحالٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿ِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِّ أُوْلَهِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيرٌ﴾ الآياتَ .. المحسنون منهم يجازيهم بالخيرات المتصلة، والكافرون منهم يكافئهم على كفرهم بالعقوبات غيرَ منفصلة. ويرى الذين أوتوا العلم كتابك الذي أَتَيْتَ به حَقاً وصِدْقاً. والذين كفروا قال بعضهم لبعض: إِنَّهم يرون أن هذا الذي تقول به من النشر والحساب والبعث كذبٌ، أو أَنْ بِك جِنَّةً، ثم أقام عليهم حُجة التجويز بما أجرى به سُنَّتَه في الخلق والإبداع .. فما زادهم ذلك إِلا جحوداً، وما قابلوه إلا عنوداً(١). وَلَقَدْ ءَانِّنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضِلَا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالَلَيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ قوله جلّ ذکره: الْحَدِيدَ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ وَأَعْمَلُواْ صَئِحًا إِنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . (داود)) اسم أعجمي، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته: يا رب، إني أرى في التوراة ما أعطيتَ لأوليائك وأنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال: إني ابتليتهم فصبروا، فقال: إني أصبر على بلائك، فَأَغْطني ما أعطيتهم، فأبلاه، فوقف، فأعطاه ما أعطاهم. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: تكلموا في هذا الفضل؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير: ﴿أَوِّبِ مَعَهُ﴾: وكذلك الجبال، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه. وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار. ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه. ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرغبُ في متابعته مَنْ يسمع إليه. ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة. ويقال حُسْنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل ... (١) الآيات من (٥ حتی ٩) لم ترد. ٥٠ تفسير سورة سبا قوله: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطََّيْرٌ ﴾ أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إِلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ . ويقال أوحى الله له: يا داود، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك! فقال. يا رب، وكيف؟ فقال: كنتّ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب! يا داود، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين! ويقال، كان داود يقول. اللهمّ لا تَغْفز للخاطئين، غيرةً منه وصلابةً في الدين ... فلما وقع له ما وقع كان يقول. اللهم اغفر للمذنبين، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم. ويقال لمَّا تاب الله عليه، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه، وَرفع صوتَه، وأداره في حَنّكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقالوا. الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلك! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَخْشَةُ الزّلة، وتلك كانت أُنْسَ الطاعة .. فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه. وَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير ... ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَشِفَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرَةِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾. ألان له الحديدَ، وجعل ذلك معجزةً له، وجعل فيه توسعةَ رزقه، ليجدَ في ذلك مكسباً، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتّباعِه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِسُلَيَْنَ اَلْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌّ﴾. أي آتينا سليمانَ الريح أي سَخّرناها له، فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة شهر؛ وبالرواح مسيرةً شهر . وفي القصة أنه لاحظ يوماً مُلْكَه، فمال الريحُ ببساطه، فقال سليمان للريح: استوٍ، فقالت الريح: استوٍ أنت، فما دمتَ مستوياً بقلبك كنتُ مستوياً بك، فلما مِلْتَ مِلتُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسَلْنَا لَمُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . أي وآتيناه ذلك، فكانت الشياطينُ مُسَخّرةً له، يعملون ما يشاء من الأشياء التي ذكرها سبحانه. قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾. ٥١ تفسير سورة سبأ أي اعملوا يا آل داود للشكر، فقوله: ((شكراً)) منصوب لأنه مفعول له . ويقال شكراً؛ منصوب لأنه مفعول به مثل قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ﴾ [المؤمنين: ٤]. وقد مضى طَرَفّ من القول في الشكر. والشكور كثير الشكر، والأصل في الشكر الزيادة، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها، ودابة شكور إذا أظهرت من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من الْعَلَفِ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثالُه وأضرابُه. وإذا كان الناسُ يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء. والشاكر يشكر على البَذْلِ، والشكور على المنع(١) ... فكيف بالبذل؟ والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه ومالِه، والشاكر ببعض هذه. ويقال في ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ قليلٌ مَنْ يأخذ النعمة مني ولا يحملها على الأسباب؛ فلا يشكر الوسائطَ ويشكرني. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ويَجِدُون الخيرَ مِنْ قِبَلِه ثم يتقلدون المِنَّةَ من غير الله، ويشكرون غيرَ الله. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَّمْ عَلَى مَوْنِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنَاأَتَُّ فَلَمَّا خَرَّ نَّتِ اَلِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ اَلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ . كان سليمانُ - عليه السلام - يتكىء على عصاه وقتما قُبِضُ، وبقي على ذلك الوصف مدةً، والشياطين كانوا مُسَخّرين يعملون ما أمرهم به، ويتصرفون على الوجه الذي رَسَمَ لهم، وينتهون عمَّ زَجَرَهم، فقد كانوا يتوهمُون أنه حيٍّ. ثم إنَّ الأَرَضَةِ(٢) أكلت عصاه فَخَرَّ سليمانُ فَعلِمَ الشياطينُ عندئد أنه مات، فرجعوا إلى أعمالهم الخبيثة، وانفكّ عنهم ما كانوا عليه من التسخير؛ وهكذا المَلِكُ الذي يقوم مُلكُهُ بغيره، ويكون استمساكه بعصا. فإنه إذا سَقَطَ سَقَطَ بسقوطه، ومَنْ قام بغيره زال بزواله . قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِ مَسْكَيْهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَِّّ بَلْدَةٌ طَيْبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ . كانوا في رَغَدٍ من العَيْش وسلامة الحال ورفاهته، فأُمِروا بالصبر على العافية (١) جاءت العبارة بالرسالة القشيرية ص ١٧٥ : الشاكر الذي يشكر عند البذل، والشكور الذي یشکر عند المطل. (٢) الأرضة: ضربان: ضرب صغار مثل كبار الذر وهي آفة الخشب خاصة، وضرب مثل كبار النمل ذوات أجنحة وهي آفة كل شيء من خشب ونبات، غير أنها لا تعرض للرطب وهي ذات قوائم، والجمع أرضّ. (اللسان ١١٣/٧ مادة: أرض). ٥٢ تفير سورة سبأ والشكر على النعمة، وهذا أمرٌّ سهلٌ يسيرٌ، ولكنهم أعرضوا عن الوفاق، وكفرو! بالنعمة، وضَيَّعوا الشكر، فَبَدَّلوا وبُدْلَ بهم الحال، كما قالوا: ابتغى عِوَضاً لِسَلْمَى فلم يَجِدِ تبدلت وتبدلنا يا حسرةْ لِمّن قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ (١) وَبَدَّلْنَهُم بِجَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَخَطٍ (٢) وَقْلٍ (٣) وَثَقْءٍ مِّن سِدْرٍ (٤) وَقِيِلٌ﴾ . كذلك من الناس من يكون في رَغَدٍ من الحال، واتصالٍ من التوفيق، وطَرَبٍ من القلب، ومساعدةٍ من الوقت، فيرتكبُ زَلَةٌ أو يسيء أدباً أو يتبع شهوةً، ولا يعرفُ قَدْرَ ما هو به، فيتغير عليه الحالُ؛ فلا وقتَ ولا حالَّ، ولا طربَ ولا وصالَ؛ يُظْلِمُ عليه النهارُ وقد كانت لياليه مضيئةً، كما قلنا. حتى أَمِنْتُ الزمانَ مَكْرَه ما زلت أختال في زمانٍ وحالٍ لم تَبْقَ مما شَهِدْت ذرّة حال عليَّ الصدودُ حتى قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَِّى بَرَكْنَا فِيَهَا قُرُ ظَهِرَةٌ وَقَدَّرْنَا فِيَهَا الشَّيْرِّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامَا ءَامِنِينَ﴾ . ما عوملوا إلا بما استوجبوا، ولا سُقُوا إلَّا مِمَّا ثَبِطوا(٥)، وما وقعوا إلَّا في الوَهْدَةِ التي حَفَرُوا، وما قُتِلُوا إلا بالسيف الذي صَنَعُوا! ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَّى ... ﴾: ما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم، والإصرار على غيهم وطغيانهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْتَهُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. فرَّقناهم تفريقاً حتى اتخذهم الناسُ مثلاً مضروباً؛ يقولون: ذهبوا أيدي سبأٍ، (١) العرم: السيل الشديد الذي لا يُطاق دفعه. (٢) الخمط: ضرب من الأراك له حَمْل يؤكل، وقيل: هو شجر قاتل أو سم قاتل، وقيل: شجر مثل السدر وحمله كالتوت، وقيل: يقال لكل نبت قد أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله خمط ، وقيل غير ذلك. (اللسان ٢٩٦/٧ مادة: خمط). (٣) الأثل: شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه وأجود عوداً تسوى به الأقداح الصفر الجياد. (اللسان ١٠/١١ مادة: أثل). (٤) السدر: شجر شائك من فصيلة النبقيات مهده فلسطين، ينمو برياً وزراعياً، وخشبه شديد الصلابة شائع الاستعمال، وله ثمر فيه حلاوة. واحدته سدرة (ج) سدر. (٥) ثبطه: عوقه وشغله وبطا به عنه. ٥٣ تفسير سورة سبأ وتفرَّقوا أيادي سبأ. وفي قصتهم آياتٌ لكل صبَّار على العاقبة، شكور على النعمة . قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَهِمْ إِيْنِسُ ظَنَهُ فَأَشَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِنِ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِعَنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَلِّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ﴾ . صدَّق عليهم إبليس ظنّه - وإنْ كان لا يملك لنفسه أمراً، فإبليس مُسَلَّطْ على أتباعه من الجنِّ والإِنس، وليس به من الإضلال شيء، ولو أمكنه أن يَضُرَّ غيرَه لأمكنه أن يمسكَ على الهداية نَفْسَه، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيِّهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الإسراء: ٦٥]. ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظُ﴾: يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم أخبر - سبحانه وتعالى - أنه بمُلْكِه متفرّدٌ، وفي الألوهية متوحِّدٌ، وعن الأضداد والأنداد متعزّزٌ، وأنهم لا يملكون مثقالَ ذَرَّةٍ، ولا مقياسَ حَبَّةٍ، وليس منهم نصير، ولا شريك ولا ظهير، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن الملائكة في السماءِ بوصف الهيبة فَزِعُون، وفي الموقف الذي أثبتهم الحقُّ واقفون، لا يفترون عن عبادته ولا يعصون(١). ثم قال جلّ ذكره: ﴿﴿ قُلّ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُِّينٍ﴾ . لم يَقُلْ أحدٌ - مع شِرْكِه - إنه يُحِيلُ في الرزق على أحدٍ غيره، فكما لا شريكَ له في الرزق ولا شريكَ له في الخَلْق فلا شريكَ له في استحقاق العبادة والتعظيم. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّآ أَجْرَقْنَا وَلَا تُثَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبَُّا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ اَلْفَشَّاحُ الْعَلِمُ ﴾ . ولا تسألون عما أجرمنا ولا نحن نسأل عن إجرامكم ... ويوم الجمع يحاسِب اللَّهُ كُلَّا على أعماله، ويُطَالِبُ كُلاّ بشأنه، لا يؤاخِذُ أحداً بعمل غيره، وكلُّ يُعْطَى كتابَه، ويَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ كلِّ واحدٍ حسابَه . وقد أجرى الله سُنَّتَه بأن يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم. فللاجتماع أثرٌ كبيرٌ في الشريعة، وللصلاة بالجماعة أثر مخصوص. وقد عاتب اللَّهُ - سبحانه - الذين يتفرقون عن النبي ◌َّ، ومَدَحَ مَنْ لا يتفرَّق إلا عن استئذان. (١) الآيتان (٢٢، ٢٣) لم تردا. ٥٤ تفسير سورة سبأ والشيوخُ ينتظرون في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: ﴿قُلْ يَجْمَعُ ... ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ كُلَّا بَلّ هُوَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيكَ لا شريك لكَ، هو لك، تملكه وما ملك، لانهماكهم في ضلالتهم. وبعد تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تقدر، ولا تسمع ولا تُبصر، وقعت لهم شبهةُ استحقاقها العبادة، فإذا طولبوا بالحجة لم يذكروا غير أنهم يُقلدون أسلافهم ... وهذا هو الضلال البعيد والخُسران المبين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . أرسلناكَ مُؤيَّداً بالمعجزات، مُشرَّفاً بجميع الصفات، سيداً في الأرضين والسموات، ظاهراً لأهل الإيمان، مستوراً عن بصائر أهل الكفران - وإن كنتَ ظاهراً لهم من حيث العيان، قال تعالى: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَشْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةٌ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ . لكثرة ما يقولون هذا كرّره اللَّهُ في كتابه خبراً عنهم، والجواب إن لكم ميعاد يومٍ، وفي هذا الميعاد لا تستأخرون ساعةً ولا تستقدمون. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّةُ وَلَوْ تَرَّ إِ الظَّالِمُونَ مَوْفُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ بَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلَآ أَنْتُمْ لَكُنََّ مُؤْمِنِينَ﴾ . لو رأيتهم يومذاك لرأيتَ منظراً فظيعاً؛ يرجعُ بعضهم إلى بعضِ القولَ، ويُحيل بعضهم على بعض الجُرمَ؛ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ويُنكرُ الذين استكبروا ويقولون: بل أنتم اتبعتمونا ... وهكذا أصحابُ الزلاتِ الأخلاءُ في الفساد، قال تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وكذلك الجوارحُ والأعضاء غداً يشهد بعضها على بعض؛ فاليدُ تقول للجملة أخذت، والعين تقول أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة، ومَنْ عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا لتابوا ووفّقُوا ... ولكن ليقضي اللَّهُ أَمْراً كان مفعولاً(١). (١) الآيتان (٣٢، ٣٣) لم تردا. ٠٠ ٥٥ تفسير سورة سبأ قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَّ أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ . أي قابلوا رُسُلَنا بالتكذيب، وصَبَر رُسُلُنا ... وماذا على هؤلاء الكفار لو آمنوا بهم؟ فهم لنجاتهم أُرسلوا، ولصلاحِهم دَعّوا وبلغَوا، ولو وافقوهُم لسعدوا ... ولكنّ أقساماً سبقت، وأحكاماً حقت، والله غالب على أمره. ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ . ليس هذا بكثرة الأموال وَالأولاد، وإِنما هي بصائرُ مفتوحةٌ لقوم، وأخرى مسدودةٌ لقوم(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ بِلَتِى تُقَرِّيَكُرْ عِنْدَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الفِعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُقَاتِ مَامِنُونَ﴾ . لا تستحقّ الزّلفى عند الله؛ بالمال والأولاد، ولكن بالأعمال الصالحة والأحوال الصافية والأنفاس الزاكية، بلْ بالعناية السابقة، والهداية اللاحقة، والرعاية الصادقة ﴿فَأُؤَّكَ لَمْ جَزَّهُ الضّْفٍ﴾: يضاعف على ما كان لِمَنْ تقدمهم من الأمم ﴿وَهُمْ فِ اَلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ مِنْ تَكَّدر الصفوة والإخراج من الجنة. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَِنَا مُعَجِينَ أُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ . هم الذين لا يحترمون الأولياء، ولا يراعون حقّ اللَّهِ في السرّ، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله، ثم في عذاب السقوط من عين الله . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلٌ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُّ وَمَآَ أَنَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةِّ وَهُوَ خَبْرُ الزَّرِقِنَ﴾. مِنَ الخَلَف في الدنيا الرضا بالعَدَم والفقد، وهو أتمّ من السرور بالموجود؛ ومن ذلك الأنسُ بالله في الخلوة؛ ولا يكون ذلك إلا مع التجريد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَميعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ . قومٌ كانوا يعبدون الملائكة فيختبرهم عنهم؛ فيتبرأون منهم وينزّهون الله ويسبحونه، فيفتضح هؤلاء - والافتضاحُ عند السؤال من شديد العقوبة، وفي بعض الأخبار: أَنّ غداً من يسألهم الحقّ فيقع عليهم من الخجل ما يجعلهم يقولون: عذِّبنا ربنا بما شئت من ألوان العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال!(٢) (١) الآية (٣٦) لم ترد. (٢) الآية (٤١) لم ترد. ٥٦ تفسير سورة سبأ قوله جلّ ذكره: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَِّى كُ بِهَا تُكَذِبُونَ﴾ . الإشارة في هذا أنّ مَن علقَ قلبه بالأغيار؛ وظنّ صلاح حاله بالاحتيال؛ والاستعانة بالأمثال والأشكال ينزعُ اللَّهُ الرحمةَ من قلوبهم؛ ويتركهم، ويشوشُ أحوالهم، فلا لهم من الأمثال والأشكال معونة، ولا لهم من عقولهم في أمورهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، وإنْ رجعوا لا يرحمهم ولا يجيبهم، ويقول لهم: ذوقوا وبالَ(١) ما به استوجبتم هذه العقوبة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ مَيْنَا يَتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُرْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ◌َابَاؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِفْكُ مُفْتَرَىَّ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. الحكماء، والأولياء - الذين هم الأئمة في هذه الطريقة - إذا دَلوا الناسَ عَلَى الله. قال بعض إخوان السوء - مثل بعض المتنصحين من أهل الغفلة وأبناء الدنيا لمريدٍ: ما هذا؟ من الذي يطيق كل هذا؟ ربما لا تُتمّمُ الطريق! لا بُد من الدنيا ما دُمت تعيش !... وأمثال ذلك، حَتى يميل هذا المسكينُ عند قبول النصح، وربما كان له هذا من خواطره الدنية ... فيهلك ويضلّ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ ءَانْنَهُمْ مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَّا أَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾. الإشارة من هذا إلى أهل الغفلة؛ يعارضون أصحاب القلوب فيما يجري من الأمور، بما تشوِّش إليهم نفوسُهم، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مُقْتَضَى تفرقةٍ قلوبهم - على قياس ما يقع لهم - مِنْ غيرِ استنادٍ إلى إلهامٍ، أو اعتمادٍ على تقديرٍ من الله وإفهام. وأهلُ الحقائق - الذين هم لسانُ الوقت - إذا قالوا شيئاً أو أطلقوا حديثاً، فلو طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم؛ لأن الذي يتكلم عن الفراسة(٢) أو عن الإلهام، أو كان مُسْتَنْطَقاً فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم. وأصحابُ الغفلة ليس لهم إيمان بذلك، فإذا سمعوا شيئاً منه عارضوهم فيهلكون، فسبيلُ هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا، ثم الأيام تجيب أولئك (٣) ٠ (١) ذاق فلان وبال عمله؛ أي ثقل فعله وعاقبته السيئة وجزاءه الوخيم. (٢) الفراسة: مأخوذة من التفرس وهو التثبت والنظر، ويطلق أيضاً على التوسم من السمة وهي العلامة، والفراسة قد تكون عادية تُعرف بقرائن الأحوال، وقد تكون وهيبة إلهامية يخلقها الله في القلب وهي المراد غالباً عند القوم. (٣) الآية (٤٥) لم ترد. ٥٧ تفسير سورة سبأ قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّنِ حِنَّ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . يقول: إذا سوَّلَتْ لكم أنفسكم تكذيبَ الرسولِ فأنعموا النظرَ ... هل تَرَوْنَ فيه آثار ما رميتوه به؟ هذا محمد ◌ّلّ. قُلْتُم إنه ساحر - فأين آثار السحر على أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم إنه شاعر - فمن أي قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قلتم إنه مجنون ـ فأيّ جنونٍ ظهر منه؟ وإذ قد عجزتم عن ذلك ... فهلَّا عرفتم أنه صادق(١)؟! قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَفْذِفُ بِلِّْ عَلَّمُ الْغُبِ﴾ . يقذف بالحقِّ على باطل أهل الغفلة فتزول حِيَلُهم، ويظهر عَجْزُهم. ويقذف بالحقّ على أحوال أهل الخِلاف فيضمحل اجتراؤهم، ويحيق بهم شؤمُ معاصيهم. ويقذف بالحقِّ - إذا حضر أصحاب المعاني - على ظُلُماتِ أصحاب الدعاوى فيخمد ثائرتَهم، ويفضحهم في الحال، ويفضح عوارُهم. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُ اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ . الباطلُ على مَمَرٌ الأيام لا يزيد إلا زهوقاً، والحقُّ على مَمَرُ الأيام لا يزداد إلا قوةً وظهوراً. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُرْجِىّ إِلَىَّ رَقِّ إِنَّهُ سَمِيعٌ غَرِيبٌ﴾ . إنْ كنتُ مهتدياً فيربِّي لا بجهدي. وإنْ كنت عندكم من أهل الضلال فوبالُ ضلالتي عائدٌ عليَّ، ولن يضرَّكم ذلك. فانظروا أنتم إلى أنفسكم ... أين وقعتم؟ وأي ضرر يعود عليكم لو أطعتموني؟ لا في الحال تخسرون، ولا في أنفسكم تتعبون، ولا في جاهكم تنقصون. وما أخبركم به نَقْصٍ أصنامكم فبالضرورة أنتم تعلمون! فما لكم لا تُبْصِرون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَرِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِنْ تَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ . أي لو رأيتَ ذلك لرأيت فظيعاً، وأمراً عظيماً؛ إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاستئصال . ﴿وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ، وَّ لَمُمُ التَّنَاؤُنُّ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . (١) الآية (٤٧) لم ترد. ٥٨ تفسير سورة سبأ إذا تابوا - وقد أُغْلِقَتْ الأبواب، وندمُوا - وقد تقطّعَت الأسباب ... فليس إلا الحسرات والندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِهِ يُتَجَاوَزُ عنه مرةً، ويُعْفَى عنه كَرَّةً، فإذا استمكنت منه القسوةُ وتَجَاوَزَ سوءُ الأدبِ حَدَّ الغفلة، وزاد على مقدار الكثرة .... يحصل له من الحقِّ رَدٌّ، ويستقبله حجاب، وبعد ذلك لا يُسْمَعُ له دعاء، ولا يُرْحَمُ له بكاء(١)، كما قيل: فَخَلْ سبيلَ العينِ بعدك للبُكًا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ قوله جلّ ذكره: ﴿وَحِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كُمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلٌ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكٍ تُمِچٍ﴾. التوبة يشتهونها في آخر الأمر وقد فات الوقت، والخَضْمُ يريد إرضاءه فيستحيي أن يذكر في ذلك الوقت، وينسدُّ لسانه ويعتقل؛ فلا يمكنه أن يُفْصِحَ بما في قلبه، ويودُّ أَنْ لو كان بينه وبين ما أسلفه بُعْدٌ بعيد، ويتمنى أن يُطِيعَ فلا تساعده القوةُ، ويتمنى أن يكون له - قبل خروجه من الدنيا - نَّفَسٌ ... ثم لا يتفق. (١) الآية (٥٣) لم ترد. سورة فاطر قوله جلّ ذكره: ﴿ إِسْمِ الَّهِ الََّنِ الرَّصَـ ((بسم الله)) كلمةٌ سماعُها يوجب رَوْحاً لمنْ كان يشاهد الإتقان، ويُوجِبُ لَوْحاً لمن كان بوصف البيان؛ فالرَّوْحُ من وجود الإحسان، واللوحُ من شهود السلطان، وكلَّ مُصيب، ولكلٍّ من الحقِّ نصيب. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِ الْمَئِكَةِ رُّلًا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ﴾ . استحق المدح والثناءَ على انفراده بالقدرة على خلق السموات والأرض. ﴿َاعِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّْفَ وَثُلَكَ وَرُبَعَّ يَزِيدُ فِ اَلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ : تَعَرَّف إلى العباد بأفعاله، ونَدَبَهم إلى الاعتبار بها، فمنها ما نعلم منه ذلك معاينةً كالسموات والأرض وغيرها، ومنها ما سبيلُ الإيمانِ به الخبرُ والنقلُ - لا بدليل العقل - والملائكةُ مِنْ ذلك؛ فلا نتحقق كيفيّة صُوَرِهم وأجنحتهم، وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة أو الأربعة، ولكن على الجملة نعلم كمال قدرته، وصِدْقَ كلمته . قوله: ﴿يَزِيدُ فِ اَلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾: قيل الخُلُقُ الحَسَنُ، وقيل الصوتُ الْحَسَنُ، وقيل الصوتُ الحَسَنُ وقيل مَلَاحَةُ العينين، وقيل الكياسة في الخِيَرَة، وقيل الفصاحة في المنطق، وقيل الفهم عن الله، ويقال السخاء والجود، ويقال الرضا بالتقدير، ويقال علو الهمة، ويقال التواضع، ويقال العفة عند الفقر، ويقال الظرف في الشمائل، ويقال أن تكون مُحَبَّباً إلى القلوب، ويقال خفة الروح، ويقال سلامة الصدر من الشرور، ويقال المعرفة بالله بلا تأمُّل برهان(١)، ويقال الشوق إلى الله، ويقال التعطُّف على الخَلْقِ بجملتهم، ويقال تحرُّر القلوب من رِقُ الحدثنان بجملته، ويقال ألا يَطْلُبَ لنفسه منزلةً في الدارين. قوله جلّ ذكره: ﴿َّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْبِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِيِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ لْتَكِيمُ﴾ . (١) انظر حديث القشيري عن المعرفة بالله بالرسالة القشيرية ص٣١١ - ٣١٧. ٥٩ ٦٠ تفسير سورة فاطر المُوَسَّعُ عليه رِزْقُهُ لا يُضَيِّقُ عليه غيرُ الله، والمحرومُ لا يُؤَسْعُ عليه غيرُ الله . ويقال: ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحابَ يستره، ولا ضياء يقهره . ويقال: ما يلزم قلوبَ أوليائه من اليقين فلا مُزِيلَ له، وما يُغْلَق على قلوب الأعداء من أبواب الذکر فلا فاتحَ له غیرہ ۔ سبحانه. ويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا مُمْسِكَ له، والذي يمنعه عن أعدائه - بما يُلْقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا مُيَسِّرَ له من دونه. قوله جلّ ذكره: ﴿يَّا النَّاسُ أَذَكْرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ حَتْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضَِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَّى تُؤْفَكُونَ﴾ . مَنْ ذَكَرَ النَّعمةَ فصاحبُ عبادةٍ، ونائِلُ زيادة، ومَنْ ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادةٍ، ونائِلُ زيادة ... ولكنْ فرقٌ بين زيادة وزيادة؛ ذلك زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه: اليوم سِرَّاً بِسِرَّ من حيث المشاهدة، وغداً جَهْراً بِجَهْرٍ من حيث المعاينة. والنعمة على قسمين: ما دَفَعَ عنه من المِحَن، وما نَفَعَ به من المِنَن؛ فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجِبُ دوامَ العصمة، وذكره لما نَفَعَه به يوجب تمام النعمة . ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ... ﴾؟ وفائدة هذا التعريف أنه إذا عَرَفَ أنه لا رازقَ غيره لم يُعلّقْ قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ، ولم يتذلل في ارتفاقٍ لمخلوقٍ، وكما لا يرى رِزْقَه من مخلوقٍ لا يراه من نفسه أيضاً؛ فيتخلّصُ من ظلمات تدبيره واحتياله، ومن تَوَهُم شيءٍ من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يُكَذِبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى الَّهِ زْيَحُ اْأُمُورُ﴾. هذه تسليةٌ للرسول ﴿، وتسهيلٌ للصبر عليه؛ فإذا عَلِمَ أن الأنبياء عليهم السلام استقبلهم مثلما استقبله، وأنَّهم صَبَرُوا وأنَّ اللَّهَ كفاهم، فهو يسلك سبيلَهم ويقتدي بهم، وكما كفاهم عَلِمَ أنه أيضاً يكفيه. وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوامّ والأجانبِ عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، بينما أهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم. والعوامُّ أقرب إلى هذه الطريقة من القُرَّاءِ المتقشفين، ومن العلماء الذين هم لهذه الأصول ینکرون. قوله جلّ ذكره: ﴿بَّا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الَهِ حَّ فَلَ نَغُرَّكُمُ الْخَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّكُم بِاللَّهِ رُدُ﴾. اَلْفـ