النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير سورة لقمان
وعلى العكس : -
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُضِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَليُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
إلينا إيابُهم، ومِنَّا عذابُهم، وعلينا حسابُهم. ولئن سألتّهم عن خالقهم لأَفَرُّوا،
ولكن إذا عادوا إلى غيِّهم نقضوا وأصروا (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿لِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ﴾.
لله ما في السموات والأرضِ مِلْكاً، ويُجْرِي فيهم حُكْمَه حَقًّا، وإليه مَرْجِعُهم حتماً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَهُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَتْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
لو أنَّ ما في الأرضِ من الأشجار أقلامٌ والبحارُ كانت مداداً، وبمقدار ما يقابله
تُنْفَقُ القراطيسُ(٢)، ويتكلَّفُ الكُتَّابُ حتى تتكسر الأقلامُ، وتفنى البحارُ، وتستوفي
القراطيسُ، وتفنى أعمارُ الكُتَّاب .. ما نَفِدَت معاني ما لنا مَعَكَ من الكلام، والذي
نُسْمِعُك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبَدَ الأبد، والأبديُّ من الوصف لا يتناهى.
ويقال إن كان لك معكم كلامٌ كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ :
ستُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطول
صحائفُ عندي للعتابِ طَوَيْتُها
قوله جلّ ذكره: ﴿َّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّ لَهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .
إيجادُ القليل أو الكثير عليه وعنده سيَّان؛ فلا من الكثير مشقة وعُسْر، ولا من
القليل راحةٌ ويُسْر، إنما أَمْرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته، لا بمزاولة جهد، ولا باستفراغ وُسْعٍ، ولا بدعاءِ
خاطرٍ، ولا بِطُرُوءٍ غَرَضٍ(٣) .
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ
الكَبِرُ﴾.
﴿اللَّهَ هُوَ أَلْحَقُّ﴾: الكائنُ الموجودُ، مُحِقُّ الحقُّ، و﴿مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ الْبَطِلُ﴾:
من العَدَمِ ظَهَرَ ومعه جوازُ العَدَم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْقُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اَللَّهِ لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتٍِ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَأَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ .
(١) الآيتان (٢٤، ٢٥) لم تردا.
(٢) القراطيس: (ج) القرطاس: الصحيفة التي يُكتب فيها.
(٣) الآية (٢٩) لم ترد.

٢٢
تفسير سورة لقمان
في الظاهر سلامتُهم في السفينة، وفي الباطن سلامتُهم من حدثان الكون،
ونجاتهم في سفائن العصمة في بحار القدرة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ وَقُوفٍ لا ينهزم من البلايا، شَكُورٍ على ما يصيبه
من تصاريف التقدير من جنسي البلايا والعطايا .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْيٌّ كَلَُّلِ دَعَواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا نَجَنَّهُمْ إِلَى
اَلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدْ وَمَا يَحْمَدُ بِهَايَدِنَا إِلَّا كُلُّ خَثَارٍ كَغُورٍ﴾.
إذا تلاطمت عليهم أمواجُ بحار التقدير تمنوا أن تلفظَهم تلك البحارُ إلى سواحل
السلامة، فإذا جاد الحقُّ بتحقيق مُناهم عادوا إلى رأس خطاياهم:
أحباءنا: كم تجهلون ونَحْلُمُ!
وکم قد جهلتم ثم عُدنا پِحِلْمنا
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَّوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدَّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا
مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَ يَغُرَّنَّكُمْ بِلَّهِ
اٌلْفَرُورُ﴾.
يخوّفهم مرةً بأفعاله فيقول: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ومرةً بصفاته فيقول:
﴿أَ يَعْلَمْ بِنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ومرةً بذاته فيقول: ﴿وَيُعَذِرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل
عمران: ٢٨].
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيَُّزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَامِ﴾ .
يتفرّد بِعلم القيامة، ويعلم ما في الأرحام ذكورَهَا وإناثها، شقيها وسعيدها،
حسنها وقبيحها ويعلم متى يُنزّل الغيث، وكم قطرة يُنزله، وبأي بقعة يُمطرها.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ
خَبِيرٌ﴾.
ما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً من خير وشر، ووفاق وشقاق، وما تدري نفس
بأي أرض تموت؛ أتدرك مرادها أم يفوت؟

سورة السجدة
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرَِّ الرَّحَةِ﴾.
كلمةٌ سماعُها ربيعُ الجميع، من العاصي والمطيع، والشريف والوضيع. مَنْ
أصغى إليها بسَمْعِ الخضوعِ ترك طَيِّبَ الهجوع، ومَنْ أصغى إليها بسمع المحابِّ تَرَكَ
لذيذَ الطعام والشراب.
قولهَ جلّ ذكره: ﴿الَّ تَزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
الإشارة من الألف إلى أنه أَلِفَ المحبون قربتي فلا يصبرون عني، وأَلِّفَ
العارفون تمجيدي فلا يستأنسون بغيري.
والإشارة في اللام إلى لقائي المُدَّخرِ لأحبَّائي، فلا أبالي أقاموا على ولائي أم
قصَّروا في وفائي .
والإشارة في الميم: أي تَرَكَ أوليائي مرادهم لمرادي .. فلذلك آثرتُهم على
جميع عبادي.
﴿َتَنزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [السجدة: ٢]: إذا تَعَذَّرَ لقاءُ
الأحبابِ فأَعَزُّ شيءٍ على الأحباب كتابُ؛ أَنْزَلْتُ على أحبابي كتابي، وحَمَلَتْ
إليهم الرسالةُ خطابي، ولا عليهم إِنْ قَرَعَ أسماعَهم عتابي، فَهُمْ في أمانٍ من
عذابي .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن ◌َّيْكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآَ أَنَّهُم مِّن
نَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
الذي لكم منا حقيقة، وإن التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإنَّ
صحبةً الحبيب مع الحبيب أَلَّذُّها ما كان مقروناً بفقد الرقيب.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِىِ سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ
أُسْتَوَى عَلَى الْعَّرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، مِن وَإِيٍّ وَلَا شَفِعْ أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ﴾ .
وتلك الأيام خَلَقَها مِنْ خَلْقٍ غير الأيام، فليس من شرط المخلوق ولا من
ضرورته أن يخلقه في وقتٍ؛ إذ الوقتُ مخلوقٌ في غير الوقت وكما يستغنى في كونه
مخلوقاً عن الوقت استغنى الوقتُ عن الوقت.
٢٣

٢٤
تفسير سورة السجدة
﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر، ﴿أَسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ﴾ ولكن القديم ليس له حدٍّ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب
بالذات ولا البُعْد، استوى على العرش ولكنه أشدُّ الأشياء تَعَطُّشاً إلى شظية من
الوصال لو كان للعرش حياة؟، ولكنَّ العرشَ جمادٌ .. وأَنَّى يكون للجماد مراد؟!
استوى على العرش لكنه صَمَّدٌ بلا نِدْ، أَحَدٌ بلا حَدٌ.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ مِنٍ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَعْ﴾: إذا لم يُرِد بكم خيراً فلا سماءَ عنه تُظِلُكم،
ولا أرضَ بغير رضاه تُقِلَّكم، ولا بالجواهر أحدٌّ يناصركم، ولا أحدٌ - إذا لم يُعْنَ
بشأنكم في الدنيا والآخرة - ينظر إليكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ .
خَاطَبَ الخَلْقَ - على مقدار أفهامهم ويجوز لهم - عن الحقائق التي اعتادوا في
تخاطبهم.
﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبٍ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿اَلْعَزِيُ﴾ مع المطيعين ﴿الرَّحِيمُ﴾ على العاصين.
﴿اَلْعَزِيُ﴾ للمطيعين ليكْسِرَ صولتَهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ للعاضين ليرفعَ زَلَّتَهم.
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِىّ ◌َحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَّ وَبَدَأَ خَلَقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ
نَسْلَهُ مِن مُلَلَةٍ مِّن مَّآوٍ فَهِينٍ﴾ :
أَحْسَنَ صورةَ كلِّ أحدٍ؛ فالعرشُ ياقوتةٌ حمراءُ، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاثَ
ورُبَاع، وجبريلُ طاووس الملائكة، والحور العين - كما في الخبر - ((في جمالها وأشكالها،
والجِنانُ)) - كما في الأخبار ونص القرآن. فإذا انتهى إلى الإنسان قال: و﴿خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن
◌ِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نُسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِن مَّآءٍ فَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧، ٨] ... كل هذا ولكن:
عليك من الورى وقع اختياري
وكم أبصرتُ من حُسْنٍ ولكن
خَلَقَ الإنسانَ من طين ولكن ﴿يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وخلق الإنسان
من طين ولكن: ﴿فَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البينة: ٨]، وخلق الإنسان من طين ولكن ﴿رَّضِىَ
اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَةٌ﴾(١) [المائدة: ١١٩]!
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيثِمْ بَلْ هُمْ بِلِقَآَ يَيْهِمْ
كَفِرُونَ﴾ .
(١) الآية (٩) لم ترد.

٢٥
تفسير سورة السجدة
لو كانت لهم ذَرَّةٌ من العرفان، وشَمَّة من الاشتياق، ونَسْمَةٌ من المحبة لَما
تَعَصَّبُوا كُلَّ هذا التعصب في إنكار جوازِ الرجوع إلى الله ولكن قال: ﴿بَلّ هُم ◌ِلِقَاءِ رَبِهِمْ
گَفِرُونَ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قُلْ يَتَوَقَّكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ﴾ .
لولا غفلةُ قلوبهم وإلا لَما أحال قَبْضَ أرواحهم على مَلَكِ الموت؛ فإنَّ مَلَكَ
الموتِ لا أَثَرَ منه في أحدٍ، ولا له تصرفات في نَفْسِه، وما يحصل من التوفِّي فمن
خصائص قدرة الحق. ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربّ فخاطبهم على مقدار
فهمهم، وعَلَّقَ بالأغيار قلوبَهم، وكلُّ يُخَاطَبُ بما يَحْتَمِلُ على قَدْرِ قُوَّتِه وضعفه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ .
مَلَكَتْهُم الدهشةُ وغَلَبتهم الخَجْلَةُ، فاعتذروا حينَ لا عُذْرَ، واعترفوا ولا حينَ
اعتراف .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىهَا وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
لو شئنا لَسَهَّلنا سبيلَ الاستدلال، وأدَمْنا التوفيقَ لكلِّ أحدٍ، ولكن تَعَلَّقَتْ المشيئةُ
بإغواءٍ قوم، كما تعلَّقت بإدناءِ قوم، وأردنا أن يكونَ للنار قُطَّان، كما أردنا أن يكون
للجَنَّةِ سُكان، ولأنَّا عَلِمْنا يومَ خَلَقْنا الجنَّةَ أنه يسكنها قوم، ويوم خلقنا النارَ أنه ينزلها
قومٌ، فَمِنَ المُحَالِ أن نُرِيدَ ألا يقعَ معلومُنا، ولو لم يحصل لم يكن عِلْماً، ولو لم
يكن ذلك عِلْماً لم نكن إلهاً .. ومن المحال أن نريد ألا نكونَ إلهاً.
ويقال: مَنْ لم يتسلّطْ عليه من يحبه لم يجْرِ في مُلْكِه ما يكرهه.
ويقال: يا مسكين أفنيتَ عُمْرَكَ في الكَدِّ والعناء، وأمضيتَ أيامَك في الجهد
والرجاء، غيَّرت صفتك، وأكثرتَ مجاهدتك .. فما تفعل في قضائي كيف تُبَدِّله؟ وما
تصنع في مشيئتي بأيّ وسعٍ ترُدُّها؟ وفي معناه أنشدوا:
من خَانَهُ فِيك الجَلَدْ
شكا إليك ما وَجَدَ
حيرانُ لو شئتَ اهتدى
ظمآنُ لو شئْتَ وَرَدْ
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِتُمْ لِقَآءَ بَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِنَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

٢٦
تفسير سورة السجدة
قاسٍ من الهوانِ ما استوجبتَه بعصيانك، واخْلُدْ في دار الخِزْي لما أسلفتَه من
كفرانك.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَقِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَمْدٍ
رَيِّهِمْ وَهُمّ لَا يَسْتَكْثِرُونَ﴾ .
التصديْقُ والتكذيبُ ضدان - والضدان لا يجتمعان؛ التكذيب هو جحودٌ
واستكبار، والتصديقُ هو سجودٌ وتحقيق، فَمَنْ اتَّصَفَ بأحد، القسمين امَّحى عنه
الثاني .
﴿خَرُواْ سُقَدًا﴾: سجدوا بظواهرهم في المحراب، وفي سرائرهم على ترابٍ
الخضوع وبساطٍ الخشوع بنعت الذبول وحُكْم الخمود.
ويقال: كيف يستكبر مَنْ لا يَجِدُ كمالَّ راحتِهِ ولا حقيقةَ أُنْسِه إلا في تَذَلْلِه بين
يدي معبوده، ولا يؤثِرُ آجلَ جحيمه على نعيمه، ولا شقاءَه على شفائه؟ !.
قوله جلّ ذكره: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
في الظاهر: عن الفِراش قياماً بحقٌ العبادة والجهد والتهجد. وفي الباطن:
تتباعد قلوبُهم عن مضاجعات الأحوال، ورُؤية قَدْرِ النفس، وتؤَّهُم المقَام - فإن ذلك
بجملته حجابٌ عن الحقيقة، وهو للعبد سُمِّ قاتل - فلا يساكّنون أعمالهم ولا
يلاحظون أحوالَهم. ويفارقون مآلِفَهم، ويَهجرون في الله معَارفَهم.
والليل زمان الأحباب، قال تعالى: ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]: يعني عن
كلّ شُغل وحديثٍ سوء حديث محبوبكم. والنهارُ زمانُ أهل الدنيا، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَ اَلْتَّهَارَ مَعَانًا﴾ [النبأ: ١١]، أولئك قائ لهم: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم، واشتغلوا بحرفتكم.
وأما الأحبابُ فالليلُ لهم إِمَّا في طرَب التلاقي وإما في حَرَب الفراقِ، فإن كانوا
في أُنْسِ القربة فَلَيْلُهُم أقصرُ من لحظة، كما قالوا:
بوصال مُجّدَّدٍ وودادِ
زارني مَنْ هَوَيْتُ بعد بعادٍ
قِصَراً وهي ليلة الميعادِ
ليلة كاد يلتقي طرفاها
وكما قالوا:
قابلتُ فيها بدرها ببدر
وليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر

٢٧
تغير سورة السجدة
حتى تولَّت وهِي بِكْرُ الدهر
لم تَسْتّبِن عنْ شققٍ وفجرٍ
وأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بِكُرْبةٍ فَلَيْلُهم طويل، كما قالوا:
أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها
وضعتُ خدي على بنان يدي
قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد
قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]: قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً
في الثواب، وآخرون خوفاً من الفراقٍ وطمعاً في التلاقي، وآخرون خوفاً من المكر
وطمعاً في الوَضْلِ.
﴿وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به؛ فإنْ طَهَّرْنا
أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة، وإِنْ دَنَّسًا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا
بحالاتٍ مُدَنَّسَةٍ، ﴿وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها
لدیه سَيِّدُه :
يفديكَ بالروحِ صَبُّ لو يكون له أعزّ من روحه شىء فداك به
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَّهُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
إنما تَقَرُّ عينُكَ برؤية مَنْ تحبه، أو ما تحبه؛ فطالبْ قلبكَ ورَاع حالك، فيحصل
اليومَ سرورُك، وكذلك غداً .. وعلى ذلك تحشر؛ ففي الخبر:
((مَنْ كان بحالة لقي الله بها).
ثم إنّ وصفَ ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحدٌ - مُحَالٌ، اللهم أن يُقال: إنها
حال عزيزة، وصفةٌ جَليلة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَأْ لَّا يَسْتَوُنَ﴾ .
أفمنْ كان في حال الوصال يَجِرّ أذيالَه كنتُ هو في مَذلةِ الفراق يقاسي وبالَهَ؟
أفمن كان في رَوحِ القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعاني مشقة
الكلفة؟
أفمن هو في رَوْح إقبالنا عليه كمن هو محنة إعراضنا عنه؟
أفمن بقي معنا كمنْ بقي عَنَّا؟
أَفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالي الكفران ووحشة
العصيان؟
أَفمن أيُّدَ بنور البرهان وطلعت عليه شموسُ العرفان كمن ربطً بالخذلان وؤُسم
بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان!

٢٨
تفسير سورة السجدة
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضََّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ اَلْمَأْوَى نُزْلٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: صَدَّقوا، و﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: بما حَققوا - فلهم حُسْنُ الحال،
وحميدُ المآلُ وجزيلُ المنال، وأَما الذين كذّوا وجحدوا، وفي معاملاتهم أساءوا
وأفسدوا، فقصاراهم الخزيُ والهوان، وفنونٌ من المحن وألوان .. كلما راموا من
محنتهم خلاصاً ازدادوا فيها انتكاساً، ولكما أَمَّلوا نجاةً جُرّعوا وزيدوا ياساً(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ آلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
قومٌ عذابهم الأدنى مِحَنُ الدنيا، والعذابُ الأكبر لهم عقوبة العنبي(٢).
وقوْمٌ العذاب الأدنى لهم فترةٌ تتداخلهم في عبادتهم، والعذاب الأكبر لهم قسوةٌ
في قلوبهم تصيبهم .
وقومُ العذاب الأدنى لهم وقفة في سلوكهم تُنِيبهم، والعذابُ الأكبرُ لهم حجةٌ
عن مشاهدهم تنالهم، قال قائلهم:
أَدّبتني بانصرافِ قلبك عنّي
فانظر إليّ فقد أحسنت تأديبي
ويقال العذاب الأدنى الخذلان في الزلة، والأكبر الهجران في الوصلة.
ويقال العذاب الأدنى تكدّرُ مشاربهم بعد صفوها، كما قالوا:
لقد كان ما بيني زماناً وبينه كما بين ريح المسك والعنبر الورد
ويقال العذاب الأكبر لهم تطاولُ أيام الغياب من غير تبين آخِرٍ لها، كما قيل:
كأن نسجتْ عليه العنكبوتُ
تطاول نأينا يانور حتى
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ﴾ .
إذا نُبِّهَ العبدُ بأنواع الزَّجر، وحُرَّكَ ـ لتَرْكِهِ حدودَ الرقاق - بصنوفٍ من التأديب
ثم لم يرتدع عن فعله، واغترّ بطول سلامته، وأمِنَ من هواجم مَكْرِهِ، وخفايا سِرِّه ..
أَخَذَه بغتةً بحيث لا يجد خرجةً مِنْ أخذته، قال تعالى: ﴿لَا تَجَرُوا الْيَوْمَّ إِنَّكُ مِّنَا لَا
نُصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْحِكِتَبَ فَلاَ تَكُنْ فِى مِرْيَقِ مِن لِّقَآبِهِ، وَحَعَلْنَهُ هُدَّى
لِبَنِىّ إِسْرَهِيلَ﴾ .
(١) الآية (٢٠) لم ترد.
(٢) العنبة: بثرة تخرج بالإنسان تعدي، تمئد، فترم، وتمتلئ ماء، وتوجع، تأخذ الإنسان في عينه
وحلقه. (اللسان ١/ ٦٣٠ مادة: عنب).

٢٩
تفسير سورة السجدة
فلا تكن في مرية من لقائه غداً لنا ورؤيته لنا.
﴿وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ﴾ :.
وهذا محمد رَّ جُعِلَ رحمةً للعالمين.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَا صَبِّرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ﴾ .
لمّا صبروا على طلبنا سَعِدوا بوجودنا، وتعدّى ما نالوا من أفضالنا إلى مُتبعيهم،
وانبسط شعاعُ شموسهم على جميع أهلِهم؛ فهم للخلق هُداً، وفي الدين عيون،
وللمسترشدين نجوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِّفُونَ﴾ .
يحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردودُ من المقبول، والمهجور من الموصول،
والرضيّ من الغوّي، والعدو من الوليّ .. فكم من بهجةٍ دامت هنالك! وكم من مهجةٍ
ذابت عند ذلك ! .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَّمْ يَهْدِ لَّمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى
مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ .
أو لم يعتبروا بمنازلِ أقوام كانوا في حَبرَةٍ فصاروا عِبْرَةً، كانوا في سرورٍ فآلوا
إلى ثبور؛ فجميع ديارهم ومزارَهم صارت لأغيارهم، وصنوفُ أموالهم عادت إلى
أشكالهم، سكنوا في ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وكما قيل:
نعمةٌ كانت على قو
م زماناً ثم بـانــت
هكذا النعمةُ والإحـ
حَسَانُ مذكان وكانت
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ آلْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ اَلْجُرُرِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ
مِنْهُ أَتْعَمُهُمْ وَأَنْفُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾(١).
الإشارة فيه: تُسْقى حدائقُ وَصْلِهِم بعد جفاف عُودِها، وزوال المأنوسِ من
معهودها، فيعود عودها مورِقاً بعد ذبوله، حاکیاً بحاله حال حصوله.
قوله جل ذكره: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا
يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِيمَانُهُمْ وَلَ هُ يُنظَرُونَ ﴾ .
استبعدوا يومَ التلاقي وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا
شهدوه .
(١) الأرض الجزر: قيل: إنها أرض اليمن وقيل: أرض جزر لا نبات بها كأنه انقطع عنها أو انقطع عنها
المطر. (اللسان ٣١٧/٥ مادة: جرز).

٣٠
تفسير سورة السجدة
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَعْرِضِّ عَنْهُمْ وَأَنَظِرْ إِنَّهُمْ مُتَظِرُونَ﴾ .
أغرِض عنهم باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا.
﴿وَأَنْتَظِرْ﴾ زوائدَ وَصْلِنا، وعوائدَ لطفنا.
﴿إِنَّهُم مُنْتَظِرُونَ﴾ هواجِمَ مقتنا وخفايا مكرنا .. وعن قريب يجد كلٍّ منتظرَه
محتضراً .

سورة الأحزاب
قوله جل ذكره: ﴿نِمِ أَقَّهِ الرََِّ الرّحمـ
بسم الله شهود وجودِهِ يوجِبُ لَكَ تلفاً في تَلَفٍ، ووجودُ جودِهِ يوجِبُ لَكَ شرفاً
في شرف، ففي تَلَفِكَ يكون (هو) عَنْكَ الخَلف، وفي شرفك تصل إلى كلٌّ لُطَف.
قوله جل ذكره: ﴿يَّأَيُّهَا النَّقُّ أَتَّقِ اَللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَّفِقِيَنَّ إِنَّ اللّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
يا أيها المُشَرَّفُ حالاً، المُفَخَّمُ قَدْراً مِنَّا، المُعَلَى رُثْبَةً من قِبَلِنا .. يا أيها المُرَقَّى
إلى أعلى الرُّتَبِ بأسنى القُرَبِ .. يا أيها المُخَبِّرُ عنا، المأمونُ على أسرارنا، المُبَلْغُ
خطابَنا إلى أحبابنا .. اتقِ الله أن تلاحِظَ غيراً معنا، أو تساكِنَ شيئاً من دوننا، أو تُثْبِتَ
أحداً سوانا، أو تَتَوّهَّمَ شظيةً مِنَ الحدثان من سوانا. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾ [الأحزاب:
١] إشفاقاً منك عليهم، وطمعاً في إيمانهم بنا لو وافَقَتْهم في شيء أرادوه منك.
والتقوى رقيبٌ على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم، وسَكَناتِهم، وحَرَكاتهم
أن ينظروا إلى غيره - أو يُثْبِتوا معه غيره - إلا منصوباً لقدرته، مصرَّفاً بمشيئته، نافذاً
فيه حُكْمُ قضیته .
التقوى لجامٌ يكبحك عمَّا لا يجوز، زمامٌ يقودك إلى ما تحب، سوطٌ يسوقك
إلى ما أُمِزْتَ به، شاخصٌ يحملك على القيام بحقُ الله، حِرْزٌ يعصمك مِنْ توَصل
أعدائك إليك، عُوذَةٌ تشفيك من داء الخطأ.
التقوى وسيلةٌ إلى ساحات كَرمه، ذريعةٌ تتوسل بها إلى عقوبة جوده.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّيِكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرً﴾ .
اتبع ولا تبتدع، واقتدٍ بما نأمرك به، ولا تهتدٍ باختيارك غير ما نختار لك، ولا
تُعرّج أوطان الكسل، ولا تجنح إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لكَ، وقم بنا لا بِكَ.
قوله جل ذكره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
انسلخ عن إيابك، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغل عن حسبانك معنا، واحذر
ذهابك عنا، ولا تُقَصِّزْ في خطابك معنا.
ويقال التوكل تحقّقٌ ثم تَخَلْقٌ ثم توثق ثم تملق؛ تحققٌ في العقيدة، وتخلقٌ
٣١

٣٢
تفسير سورة الأحزاب
بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملّقٌ بين يديه بحُسْنِ العبودية.
ويقال التوكلُ تحقّقٌ وتعلقٌ وتخلقٌ؛ تحقّقٌ بالله وتعلّقٌ بالله ثم تخلقٌ بأوامر الله .
ويقال التوكل استواءُ القلب في العدم والوجود.
قوله جل ذكره: ﴿َّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِ﴾ .
القلبُ إذا اشتغل بشيء شُغِلَ عما سواه، فالمشتغلُ بما مِنَ العَدَم منفصلٌ عمن
له القِدَمُ، والمتصل بقلبه بمن نعته القِدَم مشتغلٌ عمَّا من العدم .. والليل والنهار لا
يجتمعان، والغيبُ والغيرُ لا يلتقيان.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَهَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَءَكُمْ ذَلِكُمْ فَوْلُكُمْ
بِأَفْوَمِكُمْ﴾ .
اللائي تظاهرتم منهن لَسْنَ أمهاتكم، والذين تبنيتم ليسوا بأبنائكم، وإن الذي
صرتم إليه من افترائكم، وما نسبتم إلينا من آرائكم فذلك مردودٌ عليكم، غيرُ مقبولٍ
منكم، وإن أمسكتم عنه بعد البيان نجوتم، وإن تمادَيتم بعد ما أعْلِمْتم أطلت المحنةُ
علیکم .
قوله جل ذكره: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَِّهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ
فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمّ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ .
راعُوا أنسابهم، فإن أردتم غير النسبة فالأخوّةُ في الدِّين تجمعكم، وقرابةُ الدِّين
والشكلية أولى من قرابة النَّسَبِ، كما قالوا:
فقلتُ: وإخوانُ الصفاء الأقاربُ
وقالوا قريب من أبٍ وعمومةٍ
وإن باعدتهم في الأصول المناسبُ
نُناسبهم شكلاً وعلماً وأُلفةً
قوله جل ذكره: ﴿اَلِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ، أُمَّهَُهُمُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ الَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾.
الإشارة من هذا: تقديم سُنته على هواك، والوقوفُ عند إشارته دون ما يتعلقُ به
مُناك، وإيثار من تتوسل به سبباً ونسباً على أعِزَّتِكَ ومَن والاكَ.
﴿ وَأُوْلُوْ اْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾:
ليكن الأجانبُ منك على جانب، ولتكن صلتك بالأقارب. وصلةُ الرحم ليست
بمقاربة الديار وتعاقب المزار، ولكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتي المكروه
والمحبوب :

٣٣
تفسير سورة الأحزاب
أشباحُنا بشام أو خراسان
أرواحنا فى مكانٍ واحدٍ وغدت
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ بِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن ◌ُِّعِ وَإِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَجِيسَى
أَبْنِ مَرْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِشَفًا غَلِيظًا﴾.
أخذَ ميثاق النبيين وقتّ استخراج الذرية من صُلب آدم - فهو الميثاق الأول،
وكذلك ميثاق الكلِّ. ثم عند بَعْثِ كلِّ رسول ونُبُوَّةِ كلٌ نبيِّ أخذ ميثاقه، وذلك على
لسانٍ جبريل عليه السلام، وقد استخلص الله سبحانه نبيّنا عليه السلام، فأسمعه كلامَه
- بلا واسطة - ليلة المعراج. وكذلك موسى عليه السلام - أخذ الميثاق منه بلا واسطة
ولكن كان لنبينا - * - زيادة حال؛ فقد كان له مع سماع الخطاب كشفُ الرؤية.
ثم أخذ المواثيق من العُبَّاد بقلوبهم وأسرارهم بما يخصهم من خطابه، فلكلٌ من
الأنبياء والأولياء والأكابر على ما يُؤهلهم له، قال وََّ ((لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن
يكن في أمتي فَعُمَر)»(١) وغيرُ عمر مشارِكٌ لعمر في خواص كثيرة، وذلك شيء يتمُّ
بينهم وبين ربِّهم.
قوله جل ذكره: ﴿لِيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمّ وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
يسألهم سؤال تشريفٍ لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب.
والصدقُ ألا يكون في أحوالِكَ شَوْبٌ ولا في اعتقادكُ رَيْبٌ، ولا في أعمالك عَيْبٌ .
ويقال من أمارات الصدق في المعاملة وجودُ الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق.
والصدقُ في الأحوال تصفيتُها من غير مداخلة إعجاب.
والصدق في الأقوال سلامتها من المعاريض فيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك
وبين الناس التباعدُ عن التلبيس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرِّي من الحَوْلِ والقوة،
ومواصلة الاستعانة، وحفظ العهود معه على الدوام.
والصدق في التوكل عَدَمُ الانزعاج عند الفَقْدِ، وزوال الاستبشار بالوجود (٢).
(١) أخرجه البخاري (فضائل الصحابة ٦)، (أنبياء ٥٤)، ومسلم (فضائل الصحابة ٢٣) والترمذي (مناقب
١٧)، وأحمد بن حنبل ٦، ٥٥.
(٢) ربما كان (الموجود) وبذلك يكون القشيري قد استفاد من قول أبو عبد الله بن خفيف بهذا المعنى:
القناعة ترك التشوّف إلى المفقود والاستغناء عن الموجود. (الرسالة القشيرية ص ١٦٠) والشاكر الذي
يشكر على المفقود. (الرسالة القشيرية ص ١٧٥). وقد وردت في قول أحمد النوري (الوجود) حيث
قال: نعت الصوفي السكون عند العدم والإيثار عند الوجود. (الرسالة القشيرية ص ٢٨١).
فهنا الوجود ضد العدم، أي وجود الأشياء وفقدانها. لكن يُستحسن أن يقتصر اصطلاح الوجود على
أنه هو بعد الارتقاء عن الوجد، ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية لأنه لا يكون للبشرية بقاء
عند ظهور سلطان الحقيقة. (الرسالة القشيرية ص ٦٢).

٣٤
تفسير سورة الأحزاب
والصدق في الأمر بالمعروف التحرُّز من قليل المداهنة(١) وكثيرها، وألا تتركَ
ذلك لِفَزَعِ أو لِطَمَعٍ، وأن تَشْرَبَ مما تَسْفِي، وتتصف بما تأمر، وتنهي (نَفْسَك)(٢)
عما تَزْجُرَ .
ويقال الصدق أن يهتدي إليكَ كلُّ أحد، ويكون عليك فيما تقول وتظهر اعتماد.
ويقال الصدق ألا تجنحَ إلى التأويلات.
قوله جل ذكره: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُنُودٌ فَرْسَلْنَا
عَلَتِهِمْ رِيحًا وَحُدًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .
ذكرُ نعمة الله مُقَابَلَتُها بالشكر، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانت عليك
مقاساةُ البلاءِ في الحال، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في
إيصال ما تؤمّلُه في المستقبل.
ومن جملة ما ذكَّرهم به: ﴿إِذْ جَءَتَّكُمْ جُدٌ﴾ كم بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم
يشعر! وكم شُغْلٍ كان يقصده فصَدَّه ولم يعلم! وكم أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُ وهو -
(سبحانه) - يعلم أن في تيسيره له هلاكَ العبد فمَنَعَه منه رحمةً به، والعبدُ يتَّهِمُ ويضيق
صَدْرُه بذلك!
قوله جل ذكره: ﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذِ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ
اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ اَلُونَا﴾.
أحاط بهم سُرَادقُ البلاء، وأحدقَ بھم عَسْكرُ العدوِّ، واستسلموا للاجتياح،
وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وتَقَسَّمَتْ الظنونُ، وداخَلَتْهُم كوامِنُ الارتياب، وبدا في
سويدائهم جَوَلانُ الشكٌ.
﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ .
ثم أزال عنهم جملتها، وقَشَعَ عنهم شِدَّتها، فانجاب عنهم سحابُها، وتفرَّقَتْ
عن قلوبهم همومُها، وتَفَجَّرَتْ ينابيعُ سكينتهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَّ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا
غُرُورًا﴾.
صَرَّحوا بالتكذيب - لما انطوت عليه قلوبُهم - حين وجدوا للمقال مجالاً.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َِفَةٌ مِّنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَْذِنُ
فَرِقٌّ ◌ِنْهُمُ النَّبِىَ يَقُولُونَ إِنَّ بُتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فَارًا﴾ .
(١) المداهنة : المصانعة .
(٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.

٣٥
تفسير سورة الأحزاب
تواصَوْا فيما بينهم بالفرار عندما سَوَّلَتْ لهم شياطينُهم من وشك ظَفَرِ الأعداء.
قوله: ﴿وَيَسْتَنْذِنُ فَرِيقٌ﴾ يتعلّلون بانكشافِ بيوتهم وضياعٍ مُخَلَّفَاتِهم، ويكذبون فيما
أظهروه عُذْراً، وهم لم يَخْمِلْهم على فعلهم غيرُ جُبْنِهِم وقلَةُ يقينهم(١).
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُؤْلُّونَ الْأَذْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ الَّهِ
مَسْئُولًا﴾ .
ولكن لما عزم الأمر، وظهر الجدّ لم يساعدهم الصدقُ، ولم يذكروا أنهم
سَيُسألون عن عهدهم، ويُعاقبون على ما أسلفوه من ذنبهم.
قوله جل ذكره: ﴿قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرَّتُم ◌ِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ
إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
لأن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا: ((إنّ الهاربَ عمّا هو
كائن في كفُ الطالب يتقلبُ)).
﴿وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: فإنّ ما يدّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ
أو قريب لا يُبارَكِ له فيه، ولا يجدُ به مَنَعَةً، ولا يُرزقُ منة غبطة.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُّكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوْءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً
وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَإِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ .
من الذي يحققُ لكم من دونه مَرْجُوًّا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عَدُوًّا؟
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّينَ مِنْكُ وَلْقَيِنَ لِإِخْوَِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ
الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا﴾ .
هم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي عليه السلام، ويمنعون غيرهم
ليكون جمعُهم أكثرَ وكيدُهم أخفى، وهم لا يعلمون أنّ الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام
عليهم ثم ذَكَرَ وَضْفَهم فقال:
﴿أَشِخَّةَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَّةَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
اُلْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ ◌ِدَادٍ﴾ .
إذا جاء الخوفُ طاشت من الرعبِ عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت عن
النصرة جميعُ أعضائهم. وإذاً ذهبَ الخوْفُ زَيَّنوا كلامَهم، وقدموا خداعهم، واحتالوا
في أحقاد خِستهم .. أولئك هذه صفاتهم؛ لم يباشر الإيمانُ قلوبهم، ولا صدقوا فيما
أظهروا من ادعائهم واستسلامهم.
(١) الآية (١٤) لم ترد.

٣٦
تفسير سورة الأحزاب
قوله جل ذكره: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُم
بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَبْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُمُ مَّا فَتَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يحسبون الأحزابَ لم يذهبوا، ويخافون من عَوْدهم، ويفزعون من ظلّ أنفسهم
إذا وقعوا على آثارهم، ولو اتفق هجومُ الأعداءُ عليكم ما كانوا إلا في حرز سيوفهم
ودرية(١) رماحهم.
قوله جل ذكره: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ
اْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
((كان)» صلة ومعناها: لكم في رسول الله أسوة حسنة، به قدوتكم، ويجب
عليكم متابعته فيما يرسمه لكم. وأقوال الرسول بير وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم
دليل التخصيص، فأما أحواله فلا سبيلَ لأحدٍ إلى الإشراف عليها، فإن ظَهَرَ شيء من
ذلك بإخباره أو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مُكْتَسَباً مِن قِبَلِه فيُلحق في
الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله، وإن كان غير مكتسبٍ له فهي خصوصيةٌ له لا ينبغي
لأحد أن يتعرّض لمقابلته لاختصاصه - څ﴾ ـ بعلوُ رتبته.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَمَّا رَمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ
وَرَسُولٌّ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾.
كما أنّ المنافقين اضطربت عقائدُهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهلُ اليقين
ازدادوا ثِقَّةً، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً، ومن الله قوةً .
قوله جل ذكره: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌّ وَمَا بَدَّلُوْ تَبْدِيلًا﴾ .
شَكَرَ صنيعَهم في المراس(٢)، ومدح يقينهم عند شهود الباس، وسماهم رجالاً
إثباتاً لخصوصية رتبتهم وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوّ الحالة والمنزلة، فمنهم مَنْ
خرج من دنياه على صدقه ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، ولم يزيغوا
عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدِّهم؛ فحقيقةُ الصدق حِفْظُ العهد وتَركُ
مجاوزة الحد.
ويقال: الصدقُ استواءُ الجهر والسِّرِّ.
(١) الذرية: دابة يستتر بها الصائد الذي يرمي الصيد ليصيده، فإذا أمكنه رمى. (لسان العرب ١٤/ ٢٥٥
مادة: دري).
(٢) المراس: القوة على ممارسة الأمور.
1

٣٧
تفسير سورة الأحزاب
ويقال: هو الثباتُ عندما يكون الأمرُ جِدًّا.
قوله جل ذكره: ﴿لِيَجْزِئَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ اَلْمُنَفِقِينَ إِن شَآءُ أَوْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ إِنَّ اللََّ كَانَ غَفُورًا زَحِيمًا﴾ .
في الدنيا يجزي الصادقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي
الآخرة بجميلِ الثواب وجزيلِ المَآب والخلودِ في النعيم المقيم والتقديم على الأمثال
بالتكريم والتعظيم.
﴿وَ يُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ على الوجه الذي سَبق به العلم،
وتَعَلَّقت به المشيئة .
ويقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعَلَّقَ القولَ فيه بالرجاء فبالحريّ ألا يُخَيِّبَ
المؤمن في رجائه.
قوله جل ذكره: ﴿وَرَدَّ الَهُ الَِّينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِينَ الْقِتَالَّ
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
لم يُشمت بالمسلمين عَدُوًّا، ولم يُوصِّلْ إليهم مَنْ كيدهم سوءاً، ووضع كيدهم
في نحورهم، واجتثَّهم من أصولهم، وبيِّن بذلك جواهر صِذْقهم وغير صدقهم،
وشكَر مَنْ استوجب شكره مِنْ جملتهم، وفضحَ مَنْ استحقّ الذمّ من المدلسِين منهم.
﴿وَأَنَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِهِمْ وََّذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ .
إنّ الحقَّ - سبحانه - إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفى أوفى. فأظفر
المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلَهم، وأذلّ مُتعزّزَهم، وكفاهم بكلٌ وجهٍ أمرهم،
ومكَّنهم من قَتْلِهم وأسرِهم ونهبٍ أموالهم، وسَبى ذراريهم(١).
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزَوَِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاهَا جَمِيلًا وَلِن كُنتُنَّ تُرِدِنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهُ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
لم يُرِدْ أنْ يكونَ قلبُ أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل، أو يعود إلى
أحد منه أذى أو تعب، فخَيَّرَ - وَ﴿ه - نساءَه، ووفقَ اللَّهُ سبحانه عائشةَ أمّ المؤمنين -
رضي الله عنها - حتى أخبرت عن صِدْقٍ قلبها، وكمالٍ دينها ويقينها، وبما هو المنتظر
(١) الذراري: (ج) الذرية: النسل.
الآية (٢٧) لم ترد.

٣٨.
تفسير سورة الأحزاب
من أصلها وتربيتها، والباقي جرين على منهاجها، ونَسَجْنَ على مِنوالها.
قوله جل ذكره: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ ثُمَِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
زيادةُ العقوبة على الجُزْم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حدَّ الأحرار على
العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص؛ فلما كانت منزلتُهن في الشرف تزيد على منزلة
جميع النساء ضاعَفَ عقوبتهن على أجرامهن، وضاعف ثوابهن على طاعتهن. وقال:
﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَتَبْنِ وَأَعْتَدْنَا لَمَا رِزْقًا
كَرِيمًا﴾.
ثم قال :
﴿َنِسَآءُ اَلِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ الْنِسَاءُ إِنْ أَنَّقَتُنُّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْفَوَلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى ◌َِّهِ.
مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ .
نهاهن عن التبذُّل، وأمَرَهُنَّ بمراعاةٍ حُرْمَةِ الرسولِوَ﴿، والتصاون عن تَطَّمُّعِ
المنافقين في ملاینتهن.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا نَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ اَلْأُولِىّ وَأَقِيْنَ الضَّلَوةَ
وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمُ تَظْهِيرًا﴾ .
((الرجس)»: الأفعالُ الخبيثةُ والأخلاقُ الدنيئة؛ فالأفعال الخبيئة الفواحش ما ظهرّ
منها وما بطن، وما قلّ وما جلّ. والأخلاقُ الدنيئةُ الأهواءُ والبِدَعُ كالبخل والشحُ
وقَطْعِ الرَّحِم، ويريد بهم الأخلاقَ الكريمةَ كالجُودِ والإيثار والسخاء وصِلَةِ الرَّحِمِ،
ويديمَ لهم التوفيق والعصمة والتسديد، ويُطهرهم من الذنوب والعيوب.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاِْكَةِ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ لَطِيفًا خَيْرًا﴾.
أذْكُرْنَ عظيمَ النعمة وجليل الحالةِ التي تجري في بيوتكن؛ من نزول الوحي
ومجيء الملائكة، وحُزْمَةٍ الرسول - 18 - والنور الذي يقتبس في الآفاق، ونور
الشمس الذي يَنبسط على العالم، فاعرفن هذه النعمة، وَارعين هذه الحُرمة .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾.
الإسلام هو الاستسلام، والإخلاص، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة.
﴿وَاُلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ .
1

٣٩
تفسير سورة الأحزاب
الإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات، ويقال هو التصديق والتحقيق، ويقال
هو انتسامُ الحقيقةِ في القلب. ويقال هو حياة القلب أولاً بالعقل، ولقوم بالعلم،
ولآخرين، بالفهم عن الله، ولآخرين بالتوحيد، ولآخرين بالمعرفة، ولآخرين إيمانُهم
حَياةُ قلوبهم بالله .
﴿وَأَلْقَنِينَ وَاَلْقَائِشَتِ﴾.
القنوتُ طولُ العبادة.
﴿وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ﴾.
في عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم.
﴿وَأَلْصَِّينَ وَالصَِّرَاتِ﴾.
على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية.
﴿وَالْخَاشِمِينَ وَالْخَشِمَتِ﴾.
الخشوعُ إطراقُ السريرة عند بوادِه الحقيقة.
﴿وَالْمُصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ﴾.
بأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحدٍ خصومة فيما نالوا منهم، أو قالوا فيهم(١).
﴿وَالصَِّمِينَ وَالصَِّمَتِ﴾.
الممسكين عمَّا لا يجوز في الشريعة والطريقة.
﴿وَاَلْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاَلْحَفِظَتِ﴾ .
في الظاهر عن الحرام، وفي الإشارة عن جميع الآثام.
﴿وَلَّكِنَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَبِّ﴾.
بألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يَفْتُرُون، ولا يَتَدَاخَلُهم نسيان.
﴿أَعَذَّ ◌َلَّهُ لَهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
فهؤلاء لهم جميلُ الحُسْنَى، وجزيلُ العُقْبَى.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا﴾.
الافتياتُ عليه في أمره والاعتراضُ عليه في حُكْمِه وتَرْكُ الانقيادِ لإشارته. قَرْعٌ
لبابِ الشِّرْكِ، فَمَنْ لم يُمْسِكْ عنه سريعاً وَقَعَ في وهدته.
(١) هذا من أمارات الفتوة. (انظر الرسالة القشيرية ص٢٢٦ - ٢٣١.

٤٠
تفسير سورة الأحزاب
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا
وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِينَ حَرَجٌ فِىْ أَزْوَجٍ أَدْعِيََّبِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَ
أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
أنعم الله عليه بأن ذَكَرَه وأفرده من بين الصحابة باسمه.
ويقال: أنعم اللَّهُ عليه بإقبالِكَ عليه وتَبَنِيكَ له. ويقال: بأن أَعْتَقْتَه، ويقال:
بالإيمان والمعرفة. وأنْعَمْتَ عليه بالعتق وبأن تَبَنَّيْتَه. ﴿أَمِْكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إقامةٌ
للشريعة مع عِلْمِك بأن الأمر في العاقبة إلى ماذا يؤول؛ فإنَّ اللَّهَ أَطْلَعَكَ عليه، وقلت
له: ((اتق)». قوله: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُّبْدِيهِ﴾: أي لم تُظهِرْ لهم أنَّ الله عَرَّفَكَ
ما يكون من الأمر في المستأنف .
﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ﴾ مِنْ مَيْلِكَ ومحبتك لها لا على وجهٍ لا يَحِلُّ. ﴿وَتَخْشَى
النَّاسَ﴾ أي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد، وكانت تلك الخشية
إشفاقاً منكَ عليهم، ورحمةً بهم.
ويقال: وتستحي من الناسٍ - واللَّهُ أحقُّ أن تَسْتَجِيَ منه.
ويقال: تخشى الناسَ ألا يطيقوا سماعَ هذه الحالة ولا يَقْوَوا على تَحَمُّلِها، فربما
يخطر ببالهم ما يَنْفى عنهم وُسْعَهم.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ ◌ِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا﴾ لكي لا يكون عليك حَرَجٌ، ولكي لا يكونَ
على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم، فإنما ذلك يُحَرِّمُ في الابن إذا كان
من الضُلْبِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ .
لا يُعَارَضُ ولا يُنَاقَضُ، ولا يُرَدُّ ولا يُجْحَد. وما كان على النبيِّ من حَرَجٍ بوجهٍ
لكونه معصوماً.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يُلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللّهُ وَكَفَى
بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ .
((ويخشونه)): علماً منهم بأنه لا يُصِيبُ أحداً ضررٌ ولا محذورٌ ولا مكروهٌ إلا
بتقديره؛ فيفردونه بالخشية إذا عَلِموا أنه لا شيءَ لأحدٍ مِنْ دونه.
قوله جلّ ذكره: ﴿َا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنُّ
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ .
1