النص المفهرس

صفحات 1-20

تُفْسَيْرُ الْقُشِيرِى
المسَتّى
لِطَائِفْ الإِشَارات
تأليفه
الإِمَّامُبِّ الْقَاسِعَبْدُ الكَرِثْ بُ هَوازنٌ بُ عَبد الملكُ
القُشْرِيِ النَّسَابُيِ الشّافِعِى
المتوفى ٤٦٥ منه.
وضعَ حَوَاشِيُهُ وَعَلّقْ عَلَيْه
عَبْدُ اللّطيفٌ حَسَن عَبد الرحمن
الجزء الثّالِثُ
المحتوى:
أوّل سُورة الرُّوم - آخِرِ سُورة النّاسُ
DKI
دار الكتب العلمية.
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان

دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
C
OKI
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Excluelve rights by @
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban
Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite
sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite
et exposerait le contrevenant à des poursuites
judiciaires.
الطبعة الثانية
٢٠٠٧ م - ١٤٢٨ هـ
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان
Mohammad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
عرمون ، القبة
مبنى دار الكتب العلمية
هاتف: ١٢ /١١ /٨١٠ ٥٨٠٤ ٩٦١+
فاكس: ٨١٣ ٨٠٤ ٥ ٩٦١ +
ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
رياض الصلح -بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧
Aramoun, al-Quebbah.
Dar Al-Kotob Al-ilmiyan Bldg.
Tel : +961 5 804 810/11/12
Fax:+961 5 804813
P.o.Box:11-9424 Beirut-lebanon
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
http://www.al-ilmiyah.com
sales @al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com
Title: Tafsir al-Qušayri
"Latā'f al-'išārāt"
(The exegesis of the Holy coran)
classification: Exegesis of the coran
Author: Abdul-Karīm ben Hawazin al-Qušayri
Editor: Abdul-Latif Hasan 'Abdul-Rahman
Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Pages: 1408 (3volumes)
Year: 2007
Printed in: Lebanon
Edition: 21
الكتاب: تفسير القشيري
المسمى : لطائف الإشارات
التصنيف: تفسير قرآن
المؤلف: الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري
المحقق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: 1408 (3 أجزاء)
سنة الطباعة: 2007
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الثانية
ISBN 2-7451-2837-X (10 dig)
ISBN 978-2-7451-2837 -9 (13 dig)
90000
9 782745 128379

السورة التي يذكر فيها الروم
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ﴾.
بسم الله اسم عزيز شفيعُ المذنبين جودُه، بلاء المتهمين قصودُه، ضياء
الموحّدين عهوده. وسلوةُ المحزونين ذِكرُه، وحِرفةُ المُمتحنين شكرُه.
اسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وجبّارٌ سناؤه بهاؤه، وبهاؤه علاؤه.
العابدون حَسْبُهم عطاؤه، والواجدون حسبهم بقاؤه.
قوله جلّ ذكره: ﴿الّ غُلِيَتِ الرُّوُ فِّ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنَ بَعْدِ غَلَيْهِمْ سَيَغْلُونٌ فِی
يَضْع مِنِينٌَ﴾.
الإشارة في ((الألف)) إلى أنه ألِفَ صُحْبتنَا مَنْ عَرف عظمتنا. وأنّه أَلْف بلاءنا مَنْ
عَرَفَ کبریاءنا .
والإشارة في ((اللام)) إلى أنه لزمَ بابنا مَنْ ذاق محابّنا، ولزمَ بساطنَا مَنْ شهد
جمالنا .
والإشارة في ((الميم)) إلى أنه مُكُنَ منْ قُرْبنَا مَنْ قام على خدمتنا، ومات على
وفائنا مَنْ تحقق بولائنا .
قوله ﴿غُلِيَتِ الرُّوٌ﴾: سُرّ المسلمون بظفر الروم على العجم - وإن كان الكفر
يجمعهم - إلا أن الروم اختصوا بالإيمان ببعض الأنبياء، فشكر الله لهم، وأنزل فيهم
الآية .. فكيف بمن يكون سروره لدين الله، وحُزنُه واهتمامه لدين الله؟.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِلَِّ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌّ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونُّ بِنَصْرِ اللّهِ
يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قَبْلُ﴾ إذا أُطْلق انتظم الأزل، ((وبَعْدُ)) إذا أطلق دلّ على الأبد؛ فالمعنى الأمر
الأزليُّ الله، والأمر الأبديُّ لثهٍ، لأنَّ الرَّبِّ الأزليّ والسَّيِّدَ الأبديّ اللَّهُ.
الله الأمرُ يومَ العرفان، ولله الأمرُ يومَ الغفران .
الله الأمرُ حين القسمة ولا حين، ولله الأمرُ عند النعمة وليس أي معين.
ويقال: لي الأمرُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وقد علمتُ ما تفعلون، فلا يمنعني أحدٌ من تحقيق
٣

٤
تفسير سورة الروم
عرفانكم، ولي الأمر ﴿مِّنُ بَعْدِ﴾ وقد رأيتُ ما فعلتم، فلا يمنعني أحدٌ من غفرانكم.
وقيل: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ﴾ بتحقيق ودُكم، والله الأمر من بعد بحفظ عهدكم:
إني - على جفواتها - وبربِها وبكلُ مُتصل بها مُتوسلٍ
﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونِّ يِنَصْرِ اللهِ﴾:
يومَ اللقاء حقيقةُ الإرجاف
اليومَ إرجافُ السرور وإنما
اليومَ ترحٌ وغداً فرح، اليوم عبرة وغداً خبرة، اليوم أسف وغداً لطف، اليوم
بكاء وغداً لقاء.
قوله جل ذكره: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
الكريمُ لا يُخلفُ وعده لا سيما والصدقُ نعته.
يقول المؤمنون: مِنا يومَ الميثاق وعدٌ بالطاعة، ومنه ذلك اليومَ وعدٌ بالجنة،
فإن وَقع في وعدنا تقصيرٌ لا يقع في وعده قُصورٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ .
استغراقُهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم في تعليق القلب بها ... مَنَعَهم عن
العلم بالآخرة. وقيمةُ كلِّ امرىءٍ عِلمه بالله؛ ففي الأثر عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه
قال؛ أهل الدنيا عَلَى غفلةٍ من الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة كذلك بوجودها في
غفلة عن الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا
بِآلْحَقِّ وَأَجَلٍ تُسَنَّىَّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِقَآيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ .
إِنَّ مَنْ نَظَرَ حقَّ النظر، ووَضَعَ النظر موضعَه أثمر له العلم واجباً، فإذا استبصر
بنور اليقين أحكامَ الغائبات، وعَلِمَ موعوده الصادق في المستأنف - نجا عن كَدُ التردد
والتجويز فسبيلُ مَنْ صحا عقلُه ألا يجنحَ إلى التقصير فيما به كمال سكونه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
ڪَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَّرُوهَآ أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوهَا وَبََّتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ
فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُّوْاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
سَيْرُ النفوسِ في أقطار الأرض ومناكبها لأداء العبادات، وسَيْرُ القلوبِ بِجَولَانِ
الفِكْرِ في جميع المخلوقات، وغايته الظَّفَرُ بحقائق العلوم التي توجِبُ ثلج الصدر - ثم
تلك العلوم على درجات. وسير الأرواح في ميادين الغيب بنعت حرق سرادقات
الملكوت، وقصاراه الوصولُ إلى محلٌ الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير

٥
تفسير سورة الروم
الأشرار بالترقي عن الحِذثان بأَسْرِها، والتحقق أولاً بالصفات، ثم بالخمود بالكلية
عمَّا سِوى الحقُّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُنَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ الُّوَ أَنْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا
يَسْتَهْزِءُونَ﴾ .
مَنْ زَرَعَ الشوكَ لم يحصُدْ الوَرْدَ، ومَنْ استنبت الحشيشَ لم يقطف الثمار، ومَنْ
سَلَكَ طريق الغيّ لم يَخْلُلْ بساحة الرشد.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ يَبْدَوْ اْلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُ ثُمَّ إِلَيْهِ نُحَمُونَ﴾.
يبدأ الخلق على ما يشاء، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
شهودِهم ما جحدوه في الدنيا عياناً، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما
يعرفون قطعاً هو الذي يفتت أكبادهم، وبه تتمُّ محنتُهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّن شُرَّكَبِهِمْ شُفَعَكَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَّكَبِهِمْ
كَفِرِينَ﴾.
تغلب العداوةُ مِنْ بعضٍ على بعضٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ﴾ .
فريقٌ منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمِنَّة، وفريقٌ
للعذاب والمحنة. فريقٌ في السعير، وفريقٌ في السرور. فريقٌ في الثواب، وفريقٌ في
العذاب. فريقٌ في الفراقِ، وفريقٌ في التلاقي.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْصََّلِحَتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ .
فهم في رياض وغياض.
﴿وَمَا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآَي الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِ اَلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
فهم في بوارٍ وهلاك.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ
وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ .
مَنْ كان صباحُه لله بُورِكَ له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليله :
صَبَاحٌ على قلبٍ الغريبِ حبیبُ
وإنَّ صباحاً نلتقي في مسائه
شتّان بين عبدٍ صباحُه مُفْتَتَحْ بعبادته ومساؤه مُخْتَتَمٌ بطاعته، وبين عبدٍ صباحه
مفتتح بمشاهدته ورواحة مفتتح بعزيز قربته!

٦
تفسير سورة الروم
ويقال الآية تتضمن الأمر بتسبيحه في هذه الأوقات، والآية تتضمن الصلوات
الخمس، وإرادةَ الحقِّ من أوليائه بأَنْ يجددوا العهدَ في اليوم والليلة خمسَ مراتٍ؛
فتقف على بساط المناجاة، وتستدرك ما فاتك فيما بين الصلاتين من طوارق الزلات.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُخْرِعُ اَلْحَىَّ مِنَ الْمَّيْتِ وَتُخْجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ وَيْهِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً
وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
﴿ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ﴾: الطيرَ من البيض، والحيوان من النُّطفةِ.
﴿وَيُخْجُ أَلْمَّيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: البيض من الطير، والنطفة من الحيوان.
والمؤمنَ من الكافِرِ والكافِرَ من المؤمن.
ويُظْهِرُ أوقاتاً من بين أوقات؛ كالقبض من بين أوقات البسط، والبسط من بين
أوقات القبض.
﴿وَبْحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً﴾: يحييها بالمطر، ويأتي بالربيع بعد وحشة الشتاء؛
كذلك يوم النشور يحيي الخلقَ بعد الموت .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَ مِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَشِرُونَ﴾.
خَلَقَ آدَمَ من التراب، ثم من آدم الذُّرِّيَة. فَذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم.
ويقال الأصل تُزبة ولكن العِبْرَة بالتربية لا بالتربة، القيمةُ لما مِنْه لا لأعيان
المخلوقات. اصطفى واختار الكعبة فهي أفضل من الجنة؛ الجنة جواهر ويواقيت،
والبيت حجر! ولكن البيت مختارُه وهذا المختار حجر! واختار الإنسانَ، وهذا
المختار مَدَرٌ! والغنيُّ غنيٌّ لِذَاتِه، غنيٌّ عن كلِّ غيرٍ من رَسْم وأثر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَشْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ
بَيْنَصِكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ .
رَدَّ المِثْلَ إلى المِثْلِ، ورَبَطَ الشكلَ بالشكلِ، وجعل سكونَ البعض إلى البعض،
ولكنَّ ذلك للأشباح والصُّوَر، أمَّا الأرواح فضَّخْبَتُها للأشباح كرهً لا طوعٌ. وَأَمَّا
الأسرار فمُعْتَقَةٌ لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْئِلَفُ أَنَِّئِكُمْ وَأَلْوَيِكُمْ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ .
خَلَوَّ السماواتِ في علوُها والأرضَّ في دنوُها؛ هذه بنجومها وكواكبها، وهذه
بأقطارها ومناكبها. وهذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومَدَرِها.
ومن آياته اختلافُ لغات أهل الأرض، واختلافُ تسبيحات الملائكة الذين هم

٧
تفسير سورة الروم
سكان السماء. وإنَّ اختصاصَ كلِّ شيءٍ منها بحُكم - شاهدُ عَذْلٍ، ودليلُ صِدْقٍ على
أنها تناجي أفكار المتيقظين، وتنادي على أنفسها .. أنها جميعها من تقدير العزيز
العليم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَّلِ وَالنَّهَارِ وَآبِْغَا ؤُكُمْ مِن فَضْلِ؛ إِنَّ فِی
ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْرٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
غَلَبُه النومِ بغيرِ اختيارِ صاحبه ثم انتباهُه مِنْ غير اكتسابٍ له بِوُسْعِه يدلُّ على
موته ويَعْئِهِ بعد ذلك وقتَ نشوره. ثم في حال منامه يرى ما يسرُّه وما يضرُّه، وعلى
أوصافٍ كثيرة أمره .. كذلك الميت في قبره. اللَّهُ أعلمُ كيف حاله في أمره، وما يلقاه
من خيره وشرّه، ونفعه وضرّه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ، يُرِكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
فَيْخِى، بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
يُلْقِي في القلوب من الرجاء والتوقع في الأمور، ثم يختلف بهم الحال؛ فمِنْ
عبدٍ يحصلُ مقصودُه، ومِنْ آخر لا يتفق مرادُه.
والأحوال اللطيفة كالبروق، وقالوا: إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم شوارق ثم
متوع النهار(١)، فاللوائح في أوائل العلوم، واللوامع من حيث الفهوم، والطوالع من
حيث المعارف، والشوارق من حيث التوحيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ مَئِهِ أَنْ تَّقُوَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ
اَلْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ﴾ .
يُفْنِي هذه الأدوار، ويُغَيِّر هذه الأطوار، ويبدِّل أحوالاً غير هذه الأحوال؛ إماتةٌ
ثم إحياءً، وإعادةً وقبلها إبداءٌ وقبرٌ ثم نَشْر، ومعاتبةٌ في القبر ثم محاسبةٌ بعد النّشْرِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّمُ قَُِّونَ﴾ .
له ذلك مِلْكاً، ومنه تلك الأشياء بَدْءاً، وبه إيجاداً، وإليه رجوعاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى
فِي التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهِ﴾ أي في ظنّكم وتقديركم.
وفي الحقيقة السهولةُ والوعورةُ على الحقُّ لا تجوز.
(١) مَتَع نهاره: كناية عن استمرار العطاء الإلهي والكشف الرباني بتمديد وقت النهار إلى الليل، حتى
ينعدم الليل:

٨
تفسير سورة الروم
﴿وَلَهُ اٌلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ : له الصفةُ العليا في الوجود بحقُ القِدَم، وفي الجود بنعت
الكَرَم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النصرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم
التعلُّق، وفي الحكم بوجوب التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية بحكم
النفوذ، وفي الجبروت بعين العزّ والجلال، وفي الملكوت بنعت المجد والجمال.
قوله جلّ ذكره: ﴿ضَرَبَ لَّكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم مِّن
شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَّةٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْأَيَتِ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
أي إذا كان لكم مماليك لا تَرْضَوْن بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون
بكلٌ وجه - إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم - فَمَا تقولون في الذي لم يَزَلْ، ولا يزال
كما لم يزل؟
هل يجوز أن يُقَدَّرَ في وصفه أن يُسَاوِيَه عبيدُه؟ وهل يجوز أن يكون مملوكُه
شريكَه؟ تعالى اللَّهُ عن ذلك علواً كبيراً!
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهٌ
وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ﴾ .
أشدُّ الظلم متابعةُ الهوى، لأنه قريبٌ من الشِّرْكِ، قال تعالى: ﴿أَفَرََّيْتَ مَنِ اتََّذّ
إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فَمَنْ اتَّبَعَ هواه خالف رضا مولاه؛ فهو بوضعه الشيءَ غيرَ
موضعه صار ظالماً، كما أنَّ العاصيَ بوضعه المعصيةَ موضعَ الطاعةِ ظالمٌ .. كذلك
هذا بمتابعة هواه بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متمادياً.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ
لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِيبُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
أخْلِصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظُ عهدك مع الله، وأَفرِذ عملَكَ في سكناتِك
وحركاتك وجميعٍ تصرفاتك لله.
﴿حَنِيفًا﴾: أي مستقيماً في دينه، مائلاً إليه، مُعْرِضاً عن غيره، والزّمْ ﴿فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي أثْبَتْهُم عليها قبل أن يُوجَدَ منهم فِعْلٌ ولا كَسْب، ولا
شِرْكٌ ولا كُفْر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف
بهذه الجملة، ثم افعل ما أُمِرْتَ به، واحذر ما نُهِيتَ عنه.
فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي أَغْرَفْ
واعْلَمْ أن فطرة الله التي فطر الناس عليها: تَجَرُّدُهم عن أفعالهم، ثم اتصافهم بما
يكسبون - وإن كان هذا أيضاً بتقدير الله.

٩
-
تفسير سورة الروم
وعلى هذا تكون ﴿فِطْرَتَ﴾ الله منصوبة بإضمار اعْلَمْ - كما قلنا.
سبحانه فَطَرَ كلَّ أحدٍ على ما عَلِمَ أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديلَ
لحُكْمِه، ولا تحويلَ لما عليه فَطَرَه. فمَنْ عَلِمَ أنه يكون سعيداً أراد سعادته وأخبر عن
سعادته، وخَلَقَه في حُكْمِه سعيداً. ومَنْ عَلِمَ شقاوته أراد أن يكون شقياً وأخبر عن
شقاوته وخَلَقَه في حكمه شقياً .. ولا تبديل لحُكمه، هذا هو الدين المستقيم والحقُّ
الصحيح .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ مُنِينَ إِلَيْهِ وَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
أي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفاته، منحرفين بكل
وجهٍ عن خلافه، مُثَّقين صغيرَ الإثم وكبيره، قليله وكثيره، مُؤثرين يسيرَ وفاقه
وعسيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهراً، متحققين بمراعاة فضائلها
سِراً.
قسوله جلّ ذكره: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ .
أقاموا في دنياهم في خمار الغفلة، وعناد الجهل والفترة؛ فركنوا إلى ظنونهم،
واستوطنوا مركب أوهامهم، وتموَّلوا منْ كيس غيرهم، وظنوا أنهم على شيء. فإذا
انكشف ضبابُ وقتهم، وانقشع سحابُ جحدِهم .. انقلب فرحُهم ترحاً، واستيقنوا
أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرّجوا إلَّا في أوطان الجهالة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا مَسََّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُِّينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةٌ
إِذَا فَرِقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُنَ﴾ .
إذا أظلتهم المحنةُ ونَالتهم الفتنةُ؛ وَمَسَّتْهُم البليَّةُ رجعوا إلى الله بأجمعهم
مستعينين، وبلطفه مستجيرين، وعن محنتهم مستكشفين.
فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم: ﴿إِذَا فَرِيقٌ
مِّنْهُمِ﴾ لا كلَّهم - بل فريقٌ منهم بربهم يشركون؛ يعودون إلى عاداتهم المذمومة في
الكفران، ويقابلون إحسانه بالنسيان، هؤلاء ليس لهم عهدٌ ولا وفاء، ولا في مودتهم
صفاء .
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَعَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي عن قريبٍ سيحدث بهم مثلما أصابهم، ثم إنهم يعودون إلى التضرع،
ويأخذون فيما كانوا عليه بدءاً من التخشع، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس
خطاياهم.

١٠
تفسير سورة الروم
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِ يُشْرِكُونَ﴾ .
بين أنهم بنوا على غير أصلٍ طريقَهم، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم، وعلى غير
شَرعٍ من الله أو حجةٍ أو بيانٍ أَسَّسُوا مذاهبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَاْ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
تستميلهم طوارقُ أحوالهم؛ فإن كانت نعمة فإلى فرح، وإن كانت شدة فإلى
قنوطٍ وَتَرح .. وليس وصفُ الأكابر كذلك؛ قال تعالى: ﴿لَّكَّيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا
تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ﴾ .
الإشارة فيها إلى أن العبدَ لا يُعلِّقُ قلبه إلا بالله؛ لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إِلا
بالله، وما يسرُّهم ليس وجودُه إِلا من الله، فالبسطُ الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده،
والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصولُه، فالواجبُ لزوم عَقْوَةٍ (١) الأسرار،
وقطعُ الأفكار عن الأغيار .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ اَلسَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ
وَعْدَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
القرابةُ على قسمين: قرابةُ النسب وقرابة الدِّين، وقرابةُ الدين أَمسٌّ، وبالمواساة
أحقُّ وإذا كان الرجلُ مشتغلاً بالعبادة، غيرَ متفرِّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمانٌ
بحاله، وإشرافٌ على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقدر ما يمكنهم، مما يكون له
عونٌ على الطاعة وفراغ القلب من كل علة؛ فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقّه
آكدَ، وتَفَقُّدَه أَوْجَبّ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَِّينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾: المريدُ هو الذي يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظّ
نَفْسِه؛ فإيثارُ المريد وَجه اللَّهِ أتمُّ من مراعاته حال نفسه، فهِمَّتُه في الإحسان إلى ذوي
القربى والمساكين تتقدم على نَظَرِهِ لِنَفْسِه وعياله وما يهمه من خاصته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَّبُوَ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَانْتُمُ
مِّنِ ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْدَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ .
إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجه الله، وألا تستخدم الفقير لما تَبَرُّه به من رافقه، بل
(١) العقوة: الساحة، وما حول الدار والمحلة. (اللسان ٧٩/١٥ مادة: عقا).

١١
تفسير سورة الروم .
أفضل الصدقة على ذي رَحم كاشح(١) حتى يكون إعطاؤه للَّهِ مجرداً عن كل نصيبٍ
لَكَ فيه، فهؤلاء هم الذين يضاعِفُ أَجْرَهم: قَهرُهم لأنفسهم حيث يخالفونها،
وفوزهُم بالعِوَض مِنْ قِبَلَ الله .
ثم الزكاة هي التطهير، وتطهيرُ المالِ معلومٌ ببيان الشريعة في كيفية إخراج
الزكاة، وأصناف المال وأوصافه.
وزكاة البَدَنِ وزكاةُ القلبِ وزكاةُ السِّرُ .. كلُّ ذلك يجب القيام به .
قوله جلّ ذكره: ﴿اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِن
شُرَّكَآَيِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿ثُمَّ﴾ حرفٌ يقتضي التراخي؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خَلْقِه
إياك أن يرزقك؛ كنتَ في ضعف أحوالك ابتداءً ما خَلَقَكَ، فأثبتك وأحياك من غير
حاجةٍ لك إلى رزقٍ؛ فإلى أن خرجتَ من بَطْنٍ أُمّك: إمّا أن كان يُغْنِيكَ عن الرزق
وأنت جنينٌ في بطن الأم ولم يكن لك أكلٌ ولا شُرْبٌ، وإمَّا أن كان يعطيك ما يكفيك
من الرزق - إنْ حَقَّ ما قالوا: إن الجنينَ يتَغَذَّى بدم الطمث(٢). وإذا أخرجك من بطن
أمك رَزَقَكَ على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فَيَسَّرَ لك أسبابَ الأكل والشرب
من لَبنِ الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان
وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق للسان من الأذكار وغير ذلك مما
جرى ذكره.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم.
﴿ثُمَّ تُپیگُمْ﴾ بحياة قلوبكم ثم یحییکم بربكم.
ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق ومنها ما هو شهود الرزاق.
ويقال: لا مُكْنَةَ لك في تبديل خَلْقِكَ، وكذلك لا قدرةَ لَكَّ على تَعَسُّر رزقِك،
فالمُوَسَّعُ عليه رزقُه - بِفَضْلِه سبحانه .. لا بمناقِب نَفْسِه، والمُقَتّرُ عليه رزقُه بحُكْمِه
سبحانه .. لا بمعايب نَفْسِه.
﴿هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ﴾؛ هل من شركائكم الذين أثبتموهم
أي من الأصنام أو توهمتموهمّ من جملة الأنام .. مَنْ يفعل شيئاً من ذلك؟ ﴿سُبْحَتَهُ
وَتَعَلَى﴾ تنزيهاً له وتقديساً.
(١) الكاشح: العدو المبغض. (اللسان ٢/ ٥٧٢ مادة: كشح).
(٢) الطمث: دم الحيض.
٠

١٢
تفسير سورة الروم
قوله جلّ ذكره: ﴿ظَهَرَ اٌلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ
الَّذِى عَيِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ﴾ .
الإشارة من البرّ إلى النَّفْسِ، ومن البحر إلى القلب.
وفسادُ البرّ بأَكْلِ الحرام وارتكاب المحظورات، وفسادُ البحر من الغفلة
والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشّرّ والفِسْقِ .. وغير
ذلك. وعَقْدُ الإصرارِ على المخالفاتِ من أعظم فسادِ القلب، كما أَنَّ الْعَزْمَ على
الخيرات قبل فِعْلها من أعظم الخيرات.
ومن جملة الفساد التأويلاتُ بغير حقٌّ، والانحطاطُ إلى الرُّخَصِ في غير قيامٍ
بِجَدٍ، والإغراق في الدعاوى من غير استحياءٍ من الله تعالى.
﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: بعض الذي عملوا من سقوط تعظيم
الشرع من القلب، وعدم التأسُّف على ما فاته من الحقِّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنْقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُّ كَانَ
أَكْتَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
﴿يَسِيرُواْ﴾ بالاعتبار، واطلبوا الحقَّ بنعت الأفكار.
﴿فَأَنْظُرُواْ﴾ كيف كانت حال مَنْ تقدَّمكم من الأشكال والأمثال، وقيسوا عليها
حُكْمَكُم في جميع الأحوال. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُشْرِكِينَ﴾ كانوا أكثرَهم عدداً، ولكن كانوا
في التحقيق أَقَلَّهم وزناً وقَدْراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَفِِّ وَجْهَكَ لِذِينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِّ يَوْمَيِذٍ
يَصَّدَّعُونَ﴾ .
أَخْلِص قَصْدَك وصِدْقَ عَزْمِكَ للدين القيِّم بالموافقة والاتباع دون الاستبداد
بالأمر على وجه الابتداع. فَمنْ لم يتأدب بِمَنْ هو إِمامُ وقته ولم يتلقف الأذكار ممن
هو لسان وقته كان خُسْرَاتُه أَتَّمَّ من رِبْحِه، ونقصانُه أَعَمُّ من نَفْعه (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَ مِنْ ءَنِ: أَنْ يُرْمِلَ الرَّحَ مُبَشْرَةٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ
بِأَمْرِهِ، وَلَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
يرسل رياحَ الرجاءِ على قلوب العباد فتكنس عن قلوبهم غبارَ الخوف وغُثَاء
اليأس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق فتحملهم إلى بِساط الجُهْدِ، وتكرمهم بقوى
النشاط. ويرسل رياحَ البسطِ على أرواح الأولياء فيطهرها من وحشة القبض، وينشر
(١) الآيتان (٤٤، ٤٥) لم تردا.

١٣
تفسير سورة الروم
فيها إرادة الوصال. ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء فيطهرها من آثار
العناء، ويبشرها بدوام الوصال .. فذلك ارتياح به ولكن بعد اجتياحٍ عنك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمِ نَاءُ وُهُم بِالْبَِّنَتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ
أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أرسلنا من قبلك رسلاً إلى عبادنا، فَمَنْ قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة
التحقيق، ومَنْ عارضَهم بالجحود أذقناهم عذابَ الخلود، فانتقمنا من الذين أجرموا،
وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا، وشَوَّشْنا عليهم ما أَمَّلوا، ونقضنا عليهم ما استطابوا
وتَنَعَّموا، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مکروا.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بتوطئتهم بأعقاب أعدائهم، ولم يلبثوا إلا يسيراً
حتىٍ رقيناهم فوق رقابهم، وخرَّبنا أوطانَ أعدائهم، وهدَّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانَهم،
وعَطَّلْنا عنهم ديارَهم، ومَحَوْنا بقَهْرِ التدمير آثارَهم، فظَلَّتْ شموسهُم كاسفة، ومكيدةُ
قَهْرِنا لهم بأجمعهم خاسفة .
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَنُثِيرُ سَحَبًا فَيَبْسُطُهُ فِ الشَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ
وَيَجْعَلُمُ كِسَفًا فَرَ أَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ ◌َِلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
يرسل رياح عَطْفِه وجُودِهِ مبشراتٍ بَوَصْلِه وجوده، ثم يُمْطِر جودَ غيبِه على
أسرارهم بلُطْفِه، ويطوي بساطَ الحشمة عن ساحات قُرْبِهِ، ويضرب قبابَ الهيبة
بمشاهد كَشْفِه، وينشر عليهم أزهارَ أُنْسِه، ثم يتجلّى لهم بحقائق قُدْسِه، ويسقيهم بيده
شرابَ حُبِّه، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم - لا بِهِم - ولكنْ بِنَفْسه،
فالعبارات عن ذلك خُرْسٌ، وَالإشارات دونها طُمْسٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ الَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
لَمُحِ الْمَوْنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يحيي الأرضَ بأزهارها وأنوارها عند مجيء الأمطار لِيُخْرِجَ زَرْعَها وثمارَها،
ويحيي النفوس بعد نَفْرَتِها، ويوفقها للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطانُ الرِّفاق بصادق
إقدامهم، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم، ويحيي القلوب بعد غفلتها بأنوار
المحاضرات، فتعود إلى استدامة الذكر بحُسْنِ المراعاة، ويهتدي بأنوار أهلها أهلُ
العسر من أصحاب الإرادات، ويحيي الأرواح بعد حَجْبَتِها - بأنوار المشاهدات،
فتطلع شموسُها عن بُرجِ السعادة، ويتصل بمشامٌ أسرار الكافة نسيمُ ما يفيض عليهم
من الزيادات، فلا يبقىَ صاحبَ نَّفَسٍٍ إلا حَظِيَ منه بنصيب، ويُخيي الأسرارَ - وقد
تكون لها وَقْفَةٌ في بعض الحالات - فتنتفي بالكلية آثارُ الغيرية، ولا يَبْقَى في الدار ديَّار

١٤
تفسير سورة الروم
ولا من سكانها آثار؛ فسَطَواتُ الحقائق لا تثبت لها ذَرَّةٌ من صفات الخلائق، هنالك
الولاية لله .. سقط الماء والقطرة، وطاحت الرسوم والجملة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا أَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ﴾ .
إذا انسدَّت البصيرةُ عن الإدراك دام العمِى على عموم الأوقات .. كذلك مَنْ
حَقَّتْ عليهم الشقاوةُ جَرَّته إلى نفسها - وإنْ تَبَوَّأَ الجنةَ منزلاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُنْجِعُ الصُّهَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّأْ مُدَّبِينَ﴾ .
مَنْ فَقَدَ الحياةَ الأصلية لم يَعِشْ بالرُّقَى والتمائم، وإذا كان في السريرة طَرَشٌ
عن سماع الحقيقة فَسَمْعُ الظاهر لا يفيده آكَدُ الحُجَّة. وكما لا يُسْمِعُ الصُّمَّ الدعاءَ
فكذلك لا يمكنه أن يهدي العُمْىَ عن ضلالتهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقَ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَةُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب
ثم :
آخر الأمر ماترى
القبر واللحد والشرى
كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد
والحيرة في الطلب، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد.
ويقال أولاً ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله، ثم قوة البيان في حال
العرفان، لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود، لأنه الخمود يتلو الوجود ولا
يبقى معه أثر .
ويقال ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾: أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة
الوجود ثم بعده ضعف المسكنة، قال تعالي: «أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني
في زمرة المساكين))(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِئُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ
يُؤْفَكُونَ﴾ .
إنما كان ذلك لأحد أمرين: إمَّا لأنهم كانوا أمواتاً .. والميت لا إحساسَ له، أو
لأنهم عَدُّواً ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يَرَون ذلك اليوم يسيراً. وإن أهل
التحقيق يخبرونهم عن طول لُبْئِهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما
(١) أخرجه الترمذي (زهد ٣٧)، وابن ماجه (زهد ٧).

١٥
تفسير سورة الروم
كانوا يظهرون من جَخْدهم على موجب جهلهم، ثم لا يُسْمَعُ عُذْرُهم، ولا يُدْفَعُ
ضُرهم.
وأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهماكهم في غيِّهم، وأن ذلك
نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم.
ثم خَتَمَ السورة بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام باصطباره على مقاساة مسارهم
ومضارهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَصِْرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.

السورة التي يذكر فيها لقمان
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الََّرِ الرَّحَيَةِ﴾.
(«بسم الله» كلمةٌ مَنْ سمعها أَقَرَّ أنَّه لا يسمع مِثْلَها، ومَنْ عَرَفَها أَنِفَ أَنْ يسمعَ
غيرها. كلمةٌ مَنْ سمعها طابت قِصَّتُه، وزالت بكل وجهٍ غُصَّتُه، وتَمَّتْ من النّعَم في الدنيا
والعقبى حِصَّتُه، وزَهِدَ في دنياه من غيرِ رغبةٍ في عقباه؛ لأنَّها - وإِنْ جَلَّتْ - غيرُ مولاه.
كلمةٌ مَنْ سمعها لم يرغب في عمارة فنائه، ولم يتحشم سرعةً وفائه .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّ تِلْكَ مَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾.
الألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلى لطفه وعطائه، والميم تشير إلى مجده
وسنائه؛ فبآلائه يرفع الجَحدَ عن قلوبٍ أوليائه، وبلطفه وعطائه يثبت المحبةَ في أسرار
أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغنٍ عن جميع خَلْقِهِ بوصف كبريائه.
﴿وَتِلْكَ ◌َايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾: المحروس عن التغيير والتبديل.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم
بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .
هو هدّى وبيان، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله، والمقيمين عبادةَ اللَّهِ
كأنهم ينظرون إلى الله. وشَرْطُ المُحسِنِ أن يكون محسناً إلى عبادِ الله: دانيهم
وقاصيهم، ومطيعهم وعاصيهم.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾: يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة،
وتقديم الطهارة، واستقبال القِبلة، والعلم بدخول الوقت، والوقوف في مكانٍ طاهر.
وفي الباطن يأتون بشرائطها من طهارة السّرِّ عن العلائق، وسَتْرِ عورةِ الباطنٍ بتنقيته عن
العيوب، لأنها مهما تكن فاللَّهُ يراها؛ فإذا أَرَدْتَ ألا يرى اللَّهُ عيوبَك فاحْذَرْها حتى لا
تكون. والوقوف في مكان طاهر، وهو وقوف القلبِ على الحدِّ الذي أُذِنْتَ في
الوقوف فيه مما لا يكون دعوى بلا تحقيق، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ وقف عند حدِّه. والمعرفة
بدخول الوقت فتعلم وقت التذلّل والاستكانة. وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط،
وتستقبل القبلةَ بنَفْسِك، وتعلّق قلبَكَ بالله من غير تخصيص بقَطْرٍ أو مكان.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَكَ عَلَى هُدُى ◌ِّن رَّبِّهِمٌّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
١٦

١٧
تفسير سورة لقمان
الذين يقومون بشرط صلاتهم وحقٌ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا في الدنيا
والعُقبى فسلِموا ونَجَوْا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لُِضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَيَتَِّذَهَا هُزُوَاْ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
﴿لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾: ما يشغل عن ذكر الله، ويَحْجُبُ عن اللَّهِ سماعُه. ويقال:
هو لَغْوُ الظاهر الموجِبُ سَهْوَ الضمائر، وهو ما يكون خَوضاً في الباطل، وأخذاً بما
لا يعنيك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَثُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَمْهَا كَأَنَّ فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرَّ
فَبَشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
المُفْتَرِقُ بِهَمُه، والمُتَشتّتُ بقلبه لا تزيده كثرةُ الوعظِ إلا نفوراً ونُبُوَّاً؛ فسماعُه
گلا سماع، ووعظه هباءً وضياع، كما قيل:
إذا أنا عاتَبْتُ الملولَ فإنما أُخُطُّ بأقلامي على الماءِ أحرُفا
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الَّذِحَتِ لَهُمْ جَثَّتُ النَِّ خَئِينَ فِيهَّا وَعْدَ اللَّهِ
حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿َءَامَنُواْ﴾: صَدَّقوا ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: تَحَفِّقُوا؛ فاتصافُ تحقيقِهم راجعٌ إلى
تصديقهم، فَتَجَوْا وسَلِمُوا؛ فهم في راحاتهم مقيمون، دائمون لا يَبْرَحُون.
قوله جلّ ذكره: ﴿خَلَقَ الْتَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَّرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
وَمَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ نَفْجِ كَرِيمٍ﴾.
أمسك السمواتِ بقدرته بغير عماد، وحفَظَهَا لا إلى سِناد أو مشدودةً إلى أوتاد،
بل بحكم الله وبتقديره، ومشيئته وتدبيره.
﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ ... ﴾ في الظاهر الجبال، وفي الحقيقة الأبدال والأوتاد
الذين هم غياث الخلق، بهم يقيهم، وبهم يَصرِف البلَاءَ عن قريبهم وقاصيهم.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ ... ﴾ المطر من سماء الظاهر في رياض الخُضْرَة؛ ومن
سماء الباطن في رياض أهل الدنوّ والحَضْرَة.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا خَلْقُ اَللَّهِّ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ اٌلَّالِمُونَ فِ
ضَلَالٍ تُِينٍ﴾ .
هذا خَلْقُ الله العزيز في كبريائه، فأروني ماذا خلقَ الذين عَبدْتم من دونه في
أرضه وسمائه؟

١٨
. تفسير سورة لقمان
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ الِْكَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كُفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِّ حَمِيدٌ﴾.
﴿اَلِكْمَةَ﴾ الإصابة في العقل والعقد والنطق. ويقال ﴿الْحِكْمَةَ﴾ متابعة الطريق
من حيث توفيق الحق لا من حيث هِمةً النفس. ويقال ﴿اَلْمِكْمَةَ﴾ ألا تكون تحت
سلطان الهوى. ويقال ﴿اَلْحِكْمَةَ﴾ الكون بحكم من له الحكم. ويقال ﴿اَلْحِكْمَةَ﴾ معرفة
قذْر نَفسك حتى لا تمدّ رِجليك خارجاً عن كسائك. ويقال ﴿اَلْحِكْمَةَ﴾ ألا تستعصي
عَلَى مَنْ تعلم أنك لا تقاومه.
﴿أَنْ أَشْكُرْ لِلَّهِ﴾: حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرَّبِّ. فهو
مقلوب قولهم: كَشَرَتْ عن أنيابها الدايةُ؛ فيقال شكر وكشر مثل جذَّب وَجبذَ .
ويقال الشكرُ تحققكَ بعجزك عن شكره. ويقال الشكر ما به يحصل كمالُ
استلذاذ النعمة. ويقال الشكر فضلةٌ تظهر عَلَى اللسان من امتلاء القلب بالسرور؛
فينطلق بمدح المشكور. ويقال الشكر نعتُ كلّ غنيٌ كما أن الكفرانَ وَصفُ كلِّ لَئيم.
ويقال الشكر قرُع باب الزيادة. ويقال الشكر قيد الإنعام. ويقال الشكر قصة يمليها
صميم الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال. ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠]:
لأنه في صلاحها ونصیبها يسعى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُغَىَّ لَا تُشْرِكُ بِاللهِ إِنَ الشِّرْكَ
لَظُلٌْ عَظِيمٌ﴾ .
الشّرْكُ عَلَى ضربين: جَليّ وخفيّ؛ فالجليُّ عبادة الأصنام، والخفيّ حسبان
شيء من الحدثان من الأنام. ويقال الشِّرْكُ إثباتُ غَيْرٍ مع شهود الغيب. ويقال الشرك
ظلم عَلَى القلب، والمعاصي ظلم عَلَى النفس، وظلم النفوس مُعَرَّضٌ للغفران، ولكنّ
ظلمَ القلوب لا سبيل إليه للغفران.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ
أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾.
أوجب الله شُكرَ نفسه وشكر الوالدين. ولما حصل الإجماع على أن شكر
الوالدين بدوام طاعتهما، وألا يُكْتَفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما عُلِمِ أنَّ شُكْرَ
الحقِّ لا يكْفي فيه مجرَّدُ القول ما لم تكن فيه موافقهُ العقل؛ وذلك بالتزام الطاعة،
واستعمال النعمة في وجه الطاعة دون صّرفِها في الزَّلَّة؛ فشكرُ الحقّ بالتعظيم
والتكبير، وشكرُ الوالدين بالإنفاق والتوفير.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ جَهَدَالَّ عَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِه ◌ِمْ فَلَا تُطِعْهُمَاً

_١٩
تفسير سورة لقمان
وَصَاحِبْهُمَا فِ الذُّنْيَا مَعْرُوفًا وَتَّبِعْ سَِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِمُكُمْ فَأَيْثُكُم بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ .
إن جاهداك على أن تشرك بالله، أو تسعى بما هو زلة في أمر الله - فلا تطعهما،
ولكن عاشرهما بالجميل؛ تخشين في تليين، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس فيه حرَجْ،
وانفرد بسرِّك لله، ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ﴾: وهو المنيبُ إليه حقاً من غير أن تبقى
بقية في النفْس.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَبُّنَّ إِنَّ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْزَةٍ أَوْ فِ
السَّمَوَّتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ◌َللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِفُ خَبِيرٌ﴾ .
إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمةُ فلا محالةَ تصل إلى المقسوم
له بغير مرية .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾: عالم بدقائق الأمور وخفاياها.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الضَلَّوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُكَّرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْجِ الْأُمُورِ﴾.
الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تُنهى عنه،
واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك، ومنْ لا حُكْمٌ له عَلَى نَفسه لا ينفذ
حكمه على غيره.
والمعروف الذي يجب الأمرُ به هو ما يُوَصِّلُ العبدَ إلى الله، والمنكرُ الذي يجب
النهي عنه هو ما يشغلِ العبدَ عن الله.
﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ﴾ تنبيه عَلَى أنَّ منْ قام لله بحقُ امْتُحِنَ في الله؛ فسبيله أنْ
يصبرَ الله - فإنْ منْ صبرَ لله لا يَخسر عَلَى الله.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَ نَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَمًّاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ
مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ .
يعني لا تتكبرْ عَلَى الناسِ، وطالِعْهم من حيث النسبة والتحقق بأنكَ بمشهدٍ منْ
مولاك. ومَنْ عَلِمَ أنّ مولاه ينظر إليه لا يتكبرُ ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل.
قوله جل ذكره: ﴿وَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ إِنَّ أَنَكَرَ الأَصْوَتِ لَصَوْتُ
اِْيرِ﴾.
كُنْ فانياً عن شواهدكٌ، مُصْطَلَمً (١) عن صَوْلَتِك، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتِك،
مُنْتَشِقاً(٢) مما استولى عليك من كشوفات سِرّك.
(١) اصطلم: استأصل.
(٢) انتشق الماء في أنفه واستنشقه: صبه فيه. (اللسان ٣٥٣/١٠).

٢٠
تفسير سورة لقمان
وانظر مَنْ الذي يسمع صوتَكَ حتى تستفيق من خمار غفلتك؛ ﴿إِنَّ أَنكَرَ
اَلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾: في الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذنٍ من
الحقِّ. وقالوا: إنه الصوفيُّ يتكلم قبل أوانه .
ويقال إنما ينهق الحمارُ عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكرَ الأصوات.
قوله جِلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ ظَهِرَةُ وَبَِنَّةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِى اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ﴾ .
أثبت في كل شيءٍ منها نَفْعاً لكم، فالسماء لتكونَ لكم سقفاً، والأرض لتكون
لكم فراشاً، والشمس لتكون لكم سراجاً، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب،
والنجوم لتهتدوا بها .
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَلُ ظَاهِرَةً وَبَاِنَةٌ﴾ : الإسباغُ ما يَفْضُلُ عن قدرة الحاجة ولا تحتاج
معه إلى الزيادة .
قوله: ﴿نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾: تكلموا فيه فأكثروا. فالظاهرةُ وجودُ النعمة، والبطانةُ
شهودُ المنعِمِ. والظاهرةُ الدنيويةُ، والباطنةُ الدينيةُ. والظاهرة حُسْنُ الخَلْقِ، والباطنة حُسْنُ
الخُلُقِ. الظاهرةُ نَفْس بلا زَلّة، والباطنةُ قلبٌ بلا غفلة. الظاهرةُ العطاء، والباطنة الرضاء.
الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في الأحوال وصفائها. الظاهرةُ النعمةُ، والباطنةُ
العصمةُ. الظاهرةُ توفيقُ الطاعات، والباطنةُ قبولُها. الظاهرة تسوية الخَلْقِ، والباطنة تصفية
الخُلُقِ. الظاهرة صحبة الصالحين، والباطنة حِفْظُ حُزْمَتِهم. الظاهرةُ الزهدُ في الدنيا،
والباطنةُ الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى. الظاهرة الزهد، والباطنةُ الوَجْدُ. الظاهرة
توفيق المجاهدة والباطنة تحقيق المشاهدة. الظاهرة وظائف النَّفْس، والباطنة لطائف
القلب. الظاهرةُ اشتغالُكَ بنَفْسِك عن الخَلْقِ، والباطنةُ اشتغالُك بربِّك عن نَفْسِك. الظاهرة
طَلَّبُه، الباطنةُ وجوده(١). الظاهرةُ أَنْ تَصِلٍ إليه، الباطنة أن تبقى معه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَشَِّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَّ أَوَلَوْ
كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
لم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم، ولم يهتدوا إلى مُحَوِّل أحوالهم. فأمَّا منْ سَمَتْ
نَفْسُه، وخلص في الله قَصْدُه فقد استمسك بالعروة الوثقى، وسَلَكَ المحجَّةَ المُثْلَى : -
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ، إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىُ وَإِلَى اَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
(١) انظر حديث القشيري عن الوجود بالرسالة ص ٦١ - ٦٤.