النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ تفسير سورة الفرقان جُحْدٍ ما وَرَدَ به الخبرُ والنقلُ؛ لأن النَّقْلَ كما وَرَدَ بكوْنِ الحَشْرِ وَرَدَ بكون الرؤية لأهل الإيمان . فالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم، وأنه مُسَلَّمٌ لهم ما اقترحوه من نزول الملائكة عليهم ورؤية ربهم، وذلك وإن كان في القدرة جائزاً - إلا أنه لم يكن واجباً بعد إزاحة عُذْرِهم بظهور معجزات الرسول عليه السلام، فلم يكن اقتراح ما قالوه جائزاً لهم . قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اُلْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيٍِ لِلْمُجْرِمِنَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا﴾ . اقترحوا شيئين: رؤيةً الملائكةِ ورؤيةَ اللَّهِ، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند التوفيٌّ، ولكن تقول الملائكةُ لهم: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ!﴾ . ﴿حِجْرًا تَحْجُورًا﴾: أي حراماً ممنوعاً يعني رؤية الله عنهم، فهذا يعود إلى ما جرى ذكره، وحَمْلُه على ذلك أَوْلى من حَمْلِه على الجنة، ولم يجرِ لها هنا ذكْرٌ. ثم فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة، قال تعالى: ﴿تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتْبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] فكما لا تكون للكفار بشارةٌ بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤيةُ للكفار وتكون للمؤمنين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنْهُ هَبَآَ مَنْشُورًا﴾ . هذه آفة الكفار؛ ضاع سعيُهم وخاب جُهْذُهم، وضاع عمرُهم وخَسِرَتْ صفقتُهم وانقطع رجاؤهم ﴿وَبَذَا لَهُم ◌ِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، ﴿يَحْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]. وأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فيلوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما يحصل به كمال رَوْحِهم، وتتأدَّى إلى قلوبهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهُم، ويتقاصر عن ثنائه نُطْقُهم، حيث يسمعون قوله: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَهُ فَنَثُورًا﴾ ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحقُّ لأجله: ﴿وَقَدِمْنَاً إِلَى ... ﴾ فَهُمْ إذا سمعوا ذلك وَجَبَ لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام لقوله: ﴿فَجَعَلْنَهُ هَبٍَّ تَنْتُورًا﴾ ويقولون: يا ليت لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تُقْبَلُ منها ذرةٌ وهو يقول بسببها: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ... ﴾! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من أعمالهم عدُّواً ذلك من أجلٌ ما ينالون من الإحسان إليهم، وفي معناه أنشدوا: سأرجع من حجّ عامِيَ مُخْجِلاً لأنَّ الذي قد كان لا يُتَقَبْلُ قوله جلّ ذكره: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. ٣٨٢ تفسير سورة الفرقان أصحابُ الجنةِ هم الراضون بها، الواصلون إليها، والمُكتَفون بوجدانها، فحسُنَتْ لهم أوطانُهم، وطابَ لهم مُستَقَرُّهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ رَزْلَ الْمَلَكَةُ تَنزِيلًا﴾. يريد يومَ القيامة إذا بَدَتْ أهوالُها، وظَهَرت للمبعوثين أحوالُها عَمِلوا وتحققوا ۔ ذلك اليومَ - أَنَّ المُلْكَ للرحمن، ولم يتخصص ملكُه بذلك اليوم، وإنما علْمُهم ویقینھُم حَصَلَ لهم ذلك الوقت. ويقال تنقطع دواعي الأغيار، وتنتفي أوهامُ الخلق فلا يتجدَّدُ له - سبحانه - وصفٌ ولكن تتلاشى للخلق أوصاف، وذلك يومٌ على الكافرين عسير، ودليل الخطابِ يقتضي أنَّ ذلك اليوم على المؤمنين يسيرٌ وإلا بطل الفرقُ؛ فيجب ألا يكون مؤمن إلَّا وذلك اليوم يكون عليه هيناً(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَيِلًا يَوَيْلَّ لَيْتَنِى لَوْ أَّخِذْ قُلَانًا خَلِيلًا ﴾ . يندم الكافر على صحبة الكفار. ودليل الخطاب يقتضي سرورَ المؤمنين بمصاحبة أخدانهم وأحبائهم في الله، وأمَّا الكافر فيُضِلُّ صاحبَه فيقع معه في الثور، ولكن المؤمن يهدي صاحبه إلى الرشد فيصل به إلى السرور(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ . شكا إلى الله منهم، وتلك سنَّةُ المرسلين؛ أخبر الله عن يعقوب - عليه السلام - أنه قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَقِّ وَحُزْنِ إِلَى اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] فَمِنْ شكا من الله فهو جاحد، ومنْ شکا إلی الله فهو عارف واجد. ثم إنه أخبر أنه لم يُخْلِ نبياً من أنبيائه صلوات الله عليهم إلا سلَّطَ عليه عَدُوَّاً في وقته، إلا أنَّه لم يغادِرْ من أعدائِهم أحداً، وأذاقهم وبالَ ما استوجبوه على كفرهم وغَيِّهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ . كفى بربك اليوم هادياً إلى معرفته، وغداً نصيراً على رؤيته. ويقال آخر فتنة للمؤمنين ما ورد في الخبر: ((أن كل أمة ترى في القيامة الصنم الذي عبدوه يتبعونه فيحشرون إلى النار، فيُلْقَوْن فيها ويبقى المؤمنون، فيقال لهم: ما وقفكم؟ فيقولون: إنهم رأوا معبودهم فتبعوه ونحن لم نرَ معبودنا! فيقال لهم: ولو رأيتموه ... فهل تعرفونه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: بِمَ تعرفونه؟ (١) الآية (٢٦) لم ترد. (٢) الآية (٢٩) لم ترد. ٣٨٣ تفسير سورة الفرقان فيقولون: بيننا وبينه علامة. فيريهم شيئاً في صورة شخص فيقول لهم: أنا معبودكم. فيقولون: معاذ الله ... نعوذ بالله منك! ما عبدناك. فيتجلَّى الحقُّ لهم فیسجدون له)). قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جْلَةُ وَبِدَةً كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْتَهُ نَرْبِيلًا﴾. أي إنما أنزلناه متفرقاً لِيسُهل عليك حِفْظُه؛ فإنه كان أمياً لا يقرأ الكتب، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه في كل وقت وكل حين ... وكثرةُ نزوله كانت أوجبَ لسكون قلبه وكمال رَوْحُه ودوام أُنْسه، فجبريل كان يأتي في كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقتُ من الكوائن والأمور الحادثة، وذلك أبلغُ في كونه معجزةً، وأَبعدُ عن التهمة من أن يكون من جهة غيره، أو أن یکون بالاستعانة بمن سواه حاصلاً . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِعَثَلٍ إِلَّا ◌ِشْتَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. كان الجوابُ لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحماً، ولفساد ما يقولونه موضحاً، ولكن الحقَّ - سبحانه - أجرى السُّنّة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شِفَاءً وبصيرةً، ولهم إلا عَمَىّ وشبهة . ثم أخبر عن حالهم من مآلهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَكَ شَرّ ◌َكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم، وإن في الخبر: ((الذين أمْشاهم اليومَ على أقدامهم يُمْشيهم غداً على وجوههم))(١) وهو على ذلك قادر، وذلك منه غير مستحيل . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَدُرُونَ وَزِيرًا﴾ . قَلَّمَّا يجري في القرآن لنبينا ــ وَل ◌َ ـ ذِكْرٌ إلا ويذكر الله عُقَيْبَه موسى عليه السلام. وتكررت قصته في القرآن في غير موضع تنبيهاً على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير في الذكر يوجب التفصيل في الوصف؛ لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مراتٍ كثيرة كانت في باب البلاغة أتمَّ لا سيما إذا كانت في كل مرة فائدةٌ زائدة. (١) أخرجه البخاري (تفسير سورة ٢٥، ١)، ومسلم (منافقين ٥٤)، والترمذي (تفسير سورة ١٧ - ١٢)، وأحمد بن حنبل ٢، ٣٥٤، ٣٦٣. ٣٨٤ تفسير سورة الفرقان ثم بيَّن أنه قال لهما : ﴿فَقُلْنَا أَذْهَبًا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَقِنَا فَدَقَّرْنَهُمْ تَدْمِيرً﴾. أي فَذَهَبا فَجَحَدَ القومُ فدمرناهم تدميراً أي أهلكناهم إهلاكاً، وفي ذلك تسليةٌ للنبي - * - فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء، ووَعْدٌ له بالجميل في أنه سَيُهْلك أعداءَه كُلَّهم. قوله جلَّ ذكره: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْتَهُمْ لِلنَّاسِ ،َآيَةٌ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . أَخْلَلْنَا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم، وعاملناهم بمثل معاملتنا لقرنائهم. ثم عَقَّبَ هذه الآيات بذكر عادٍ وثمود وأصحاب الرَّسُ(١)، ومَنْ ذكرهم على الجملة من غير تفصيل، وما أهلك به قوم لوطٍ حيث عملوا الخبائث ... كل ذلك تطييباً لقلبه وََّ، وتسكيناً لِسرِّه، وإعلاماً وتعريفاً بأنه سيهلك مَنْ يُعاديه، ويدمُر مَنْ یناویه، وقد فَعَلَ من ذلك الكثير في حال حياته، والباقي بعد مُضِيُّه - عليه السلام - من الدنيا و ذهابه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا﴾(٢) . كانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته، فإذا أخبر اللَّهُ وقصَّ عليه ما كان يلاقيه كان أَوْجَبَ للسَّلْوَةِ وأقربَ من الأنْسِ، وغايةُ سلوةٍ أربابِ المحن أن يذكروا لأحبائهم ما لقوا في أيام امتحانهم كما قال قائلُهم: يودُّ بأن يمشي سقيماً لَعَلَّها إذا سمعت منه بشكوى تراسله لتُذْكَرَ يوماً عند سلمی شمائلُه ويهتزّ للمعروفِ في طَلَبِ العِلَى وأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه - عليه السلام - بعين الازدراءِ والتصغيرٍ لشأنه؛ لأنهم كانوا لا يعرفون قَدْرَه، قال تعالى: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾(٣) [الأعراف: ١٩٨]. قوله جلّ ذكره: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُمْ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. (١) أصحاب الرس: يروى أن الرس ديار لطائفة من ثمود، ويُروى أن الرس قريسة باليمامة يقال لها: فلج، ويروى أنهم كذبوا نبيهم ورسّوه في بئر أي دسّوه فيها حتى مات. (لسان العرب ٩٨/٦ مادة: رسس). (٢) الآيات (٣٨، ٣٩، ٤٠) لم ترد. (٣) الآية (٤٢) لم ترد. ٣٨٥ تفسير سورة الفرقان كانوا يعبدون من الأصنام ما يَهْوَوْن؛ يستبدلون صنماً بصنم، وكانوا يَجْرُون على مقتضى ما يقع لهم. والمؤمنُ بِحُكْمِ اللَّهِ لا بحكم نفسه، وبهذا يتضح الفرقان بين رجل وبين رجل. والذي يعيش علىَ ما يقع له فعابِدُ هواه، وملتحِقٌ بالذين ذكرهم الحقُّ بالسوءِ في هذه الآية . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنْعَمِّ بَّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. كالأنعام التي ليس لها هَمِّ إلَّا في أَكْلَةٍ وشَرْبَة، ومَنْ استجلب حظوظَ نَفْسِه فكالبهائم. وإنَّ الله - سبحانه - خَلَقَ الملائكةَ وعلى العقلِ جَبَلَهم، والبهائمَ وعلى الهوى فَطَرَهم، وبنى آدم ورَكْبَ فيهم الأَمْرَيْنِ؛ فَمَنْ غَلَبَ هواه عَقْلَه فهو شرٌّ من البهائم، ومَنْ غَلَبَ عَقْلُه هواه فهو خيرٌ من الملائكة ... كذلك قال المشايخ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِلَا ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾ . قيل نَزَلَ الرسول - وَل ـ في بعض أسفاره وقت القيلولة في ظل شجرة وكانوا خَلْقاً كثيراً فَمَدَّ اللَّهُ ظِلَّ تلك الشجرة حتى وسع جميعَهم وكانوا كثيرين، فأنزل الله هذه الآية، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام. وقيل إن الله في ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرضَ كلَّها ظلاً، ثم إذا طلعت الشمسُ، وانبسط على وجه الأرض شعاعُها فكلُّ شخصٍ يُبْسَطُ له ظِلٍّ، ولا يُصيب ذلك الموضعَ شعاعُ الشمس، ثم يتناقص إلى وقت الزوال، ثم يأخذ في الزيادة وقت الزوال. وذلك من أماراتٍ قدرة الله تعالى؛ لأنه أجرى العادة بخلق الظلِ والضوء والفيء. قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَمُ سَاكِنًا﴾: أي دائماً: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي حال ارتفاعِ الشمسِ ونُقصانِ الظُّلِّ. ويقال: ألم تر إلى ربك كيف مدَّ ظل العناية على أحوال أوليائه؛ فقومٌ هم في ظل الحماية، وآخرون في ظل الرعاية، وآخرون في ظل العناية، والفقراء في ظل الكفاية، والأغنياء في ظل الراحة من الشكاية. ظلّ هو ظل العصمة، وظل هو ظل الرحمة؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم للأولياء، والرحمة للمؤمنين، ثم في الدنيا لكافة الخلائق أجمعين. ويقال قوله للنبي رَ *: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ثم قوله: ﴿كَيْفَ مَدَّ الَظِلٌ﴾ ستراً لما كان كاشفة به أولاً، إجراء للسُّنّةِ في إخفاء الحال عن الرقيب. قال لموسى عليه السلام: ﴿لَّنْ تَرَِّ﴾ ٠ ٥ '- ٣٨٦ تفسير سورة الفرقان [الأعراف: ١٤٣]. وقال لنبينا عليه السلام: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ وشتان ما هما! ويقال أحيا قلبه بقوله: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى أن قال: ﴿كَيْفَ مَدَّ الِظِلّ﴾ فجعل استقلاله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى أن سمع ذكر الظل. ويقال أحياه بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَّى رَبِّكَ﴾ ثم أفناه بقوله: ﴿ كَيْفَ مَذَّ الظَّلَّ﴾ وكذا سُنَّتُه مع عباده؛ يُردِّدُهم بين إِفناءٍ وإبقاء . قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتِلَ لِيَاسًا وَأَلنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾(١) . جعل الليلَ وقتاً لسكون قوم ووقتاً لانزعاج آخرين؛ فأربابُ الغفلة يسكنون في ليلهم، والمحبون يسهرون في ليّلهم إن كانوا في رَوحِ الوصال، فلا يأخذهم النومُ لكمال أُنْسِھم، وإن كانوا في ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم، فالسّھرُ للأحباب صِفَةٌ: إمَّا لكمال السرور أو لهجوم الهموم. ويقال جعل النومَ للأحباب وقتَ التجلِّ بما لا سبيلَ إليه في اليقظة، فإذا رَأَوْا ربّهم في المنام يؤثرون النومُ على السَّهر(٢)، قال قائلهم: وإني لأَستغفي وما بي نَعْسَةٌ لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا وقال قائلهم: فأحببتُ التَّنَعُّسَ والمناما رأيتُ سرورَ قلبي في منامي ويقال النوم لأهلِ الغفلة عقوبةٌ ولأهلِ الاجتهادِ رحمةٌ؛ فإن الحقَّ - سبحانه - يُذْخِلُ عليهم النوم ضرورةً رحمةً منه بنفوسهم ليستريحوا من كَدِّ المجاهدة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ الْرَّحَ بُثْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ . يُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مباره، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله الله، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَم، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب فتزعجها عن المساكنات، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا تستقِرُ إلا بالكشف والتجلّي. (١) السّبات: النوم أو النوم الخفيف أو النوم الثقيل. (٢) انظر حديث القشيري بالرسالة عن رؤيا القوم ص ٣٦٤، ٣٧٧ ففيها ترى الكرامات التي تحققت للأولياء أثناء نومهم. ٣٨٧ تفسير سورة الفرقان ويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود. قوله جل ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا لِتُحْتِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْئًا وَنُتْفِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ . أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ، وأنبت به الأزهار والأنوار، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فَغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار، وما تدنّسوا به من الأوزار. و﴿الطَّهُور﴾ هو الطاهرُ المُطَهِّرُ، وماءُ الحياءِ يُطْهِرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات. وماء الرعاية يُخيي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات. قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيْرًا﴾ . إنَّ الله - سبحانه - خصَّ نبينا ◌َّر بأن فضَّله على الكافة، وأرسله إلى الجملة، وبألا يُنْسَخَ شَرْعُه إلى الأبد. وبهذه الآية أدَّبه بأدقٌ إشارة، حيث قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا ◌َبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرِّيَةٍ نَّذِيرًا﴾ وهذا كما قال: ﴿وَلَيْن شِئْنَا لَتَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]. وَقَصْدُ الحقُّ أن يكون خواصُّ عباده أبداً معصومين عن شواهدهم. وفي القصة أن موسى عليه السلام تَبَرَّمَ وقتاً بكثرة ما كان يُسْأل، فأوحى الله في ليلة واحدة إلى ألف نبي من بني إسرائيل فأصبحوا رُسلاً، وتفرَّقَ الناسُ عن موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام، فضاق قلبُ موسى وقال: يا رب، إني لا أطيق ذلك! فقبض اللَّهُ أرواحهم في ذلك اليوم. قوله جل ذكره: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُمْ يِهِ، چِهَادًا كَبِيرً﴾ . أي كُنْ قائماً بحقُنا من غير أن يكون منك جنوحٌ إلى غيرنا أو مبالاةٌ بِمَنْ سوانا، فإنَّا نَعْصِمُكَ بكلٌ وجهٍ، ولا نرفع عنك ظِلَّ عنايتنا بحالٍ . قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَحَعَلَ بَنَهُمَا بَرْزًَّا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ . البحر المِلْحِ لا عذوبة فيه، والعَذْبُ لا ملوحة فيه، وهما في الجوهرية واحد، ولكنه سبحانه ـ بقدرته - غَايَرِ بينهما في الصفة، كذلك خَلَقَ القلوبَ؛ بعضُها مَعْدِنُ اليقينِ والعرفانِ؛ وبعضُها مَحَلُّ الشكِّ والكفران. ٣٨٨ تفسير سورة الفرقان ويقال أثبت في قلوب المؤمنين الخوف والرجاء، فلا الخوف يغلب الرجاء، ولا الرجاء يغلب الخوف. ويقال خَلَقَ القلوبَ على وصفين: قلبَ المؤمن مضيئاً مشرقاً وقلبَ الكافر أسود مظلماً، هذا بنور الإيمان مُزَيَّن، وهذا بظلمة الجحود مُعَلَّم. ويقال قلوبُ العوام في أسْرِ المطالب ورغائب الحظوظ، وقلوبُ الخواصِ مُعْتَقَةٌ عن المطالب، مُجَرَّدَةٌ عن رِقُ الحظوظ . قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيْرًا﴾ . الخَلْقُ متشاكلون في أصل الخِلقة، متماثلون في الجوهرية، متباينون في الصفة، مختلفون في الصورة؛ فنفوسُ الأعداء مطاياهم تسوقهم إلى النار، ونفوس المؤمنين مطاياهم تحملهم إلى الجنة. والخلقُ بَشَرّ .. ولكن ليس كلُّ بَشَرٍ كبشر؛ واحدٌ عدوٍّ لا يسعى إلا في مخالفته، ولا يعيش إلا بنصيبه وحظُه، ولا يحتمل الرياضة ولا يرتقي عن حدُ الوقاحة والخساسة، وواحدٌ وليٍّ لا يَفْتَرُ عن طاعته، ولا يَنْزِل عن هِمَّتِهِ، فهو في سماء تعززه بمعبوده. وبينهما للناس مناهل ومشارب؛ فواحِدٌ يكون كما قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمُّ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرً﴾ . يكتفي بالمنحوتِ من الخشب، والمصنوع من الصَّخْرِ، والمُتَّخَذِ من النحاس، وكلُّها جمادات لا تعقل ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع. أما المؤمنُ فإنَّ من صفاته أنَّه لا يلتفت إلى العرش - وإن علا، ولا ينقاد بقلبه المخلوقٍ - وإن لتصف ممناقب لا تُحْصَى. قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشْرًا وَنَذِيرًا﴾ . رسولاً مِنَا، مأموراً بالإنذار والتبشير، واقفاً حيث وقفناك على نعت التبليغ، غير طالبٍ منهم أجراً، وغير طامع في أن تجد منهم حظّاً. قوله جل ذكره: ﴿قُلْ مَاْ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَيْهِ، سَبِيلًا﴾ . ﴿إِلَّ﴾ أداة استثناء منقطع؛ إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربِّهم ليس بأجرٍ يأخذه منهم، فهو لِمَنْ أقْبَلَ بشيرٌ، ولِمَنْ أعرض نذير. قوله جل ذكره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى أَلْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ . التوكلْ تفويضُ الأمور إلى الله. وحقُه وأصْلُهُ عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله تعالى، وأنه لا يقدر أحدٌ على الإيجاد غيرُه. فإذا عَرَفَ هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا عَلِمَ أن مرادَهُ لا يرتفع إلا مِنْ قِبَلِ الله - حصل ٣٨٩ تفسير سورة الفرقان له أصل التوكل. وهذا القَدْرُ فَرْضٌ، وهو من شرائط الإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُتُمِ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وما زاد على هذا القَدْرِ - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل(١) على وجه كماله. فإن تقرَّرَ هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام، ولكلُ درجةٍ من هذه الأقسام اسم: إمَّا من حيث الاشتقاق، أو من حيث الاصطلاح. فأول رتبة فيه أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب زيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة .. وتسمى هذه الحالة القناعة، وفيها يقف صاحبها حيث وقف، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاءُ كلٌ أحدٍ يختلف في القلة والكثرة، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الْحِرصِ وإرادة الزيادة. ثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَم وجود الأسباب، فيكون مجرداً عن الشيء، ويكون في إرادته متوكلاً على الله. وهؤلاء متباينون في الرتبة، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه .. ويسمى هذا توكلاً، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ، أو سكون الجاش في طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد. وألطف من هذا أن يكتفي بِعِلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله؛ ويعمل على طاعته؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَه؛ بَلَ يكِلُ أمرَه إلى الله .. وهذا هو التسليم. وفوق هذا التفويض(٢)، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله، ولا يقترح على مولاه بحالٍ، ولا يختار؛ ويستوي عنده وجودُ الأسباب وعَدَمُها؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه؛ والسيِّدُ أوْآَ بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه(٣). (١) انظر الرسالة القشيرية ص ١٦٢ - ١٧٣ حديث القشيري عن التوكل. (٢) قال القشيري برسالته عند حديثه عن التوكل: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: التوكل ثلاث درجات: التوكل ثم التسليم ثم التفويض: فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه. ويقول: التوكل بداية، والتسليم واسطة والتفويض نهاية. وقال: التوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين، فالتوكل صفة العوام، والتسليم صفة الخواص، والتفويض صفة خواص الخواص وكان يقول: التوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام، والتفويض صفة نبينا محمد *. (الرسالة القشيرية ص١٦٦ ، ١٦٧). (٣) قال القشيري في حديثه عن نفس الموضوع: وقيل: دخل جماعة على الجنيد، فقالوا: أين نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم في أي موضع فاطلبوه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فاذكروه، فقالوا: ندخل البيت فنتوكل، فقال: التجربة شك. قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة. (الرسالة القشيرية ص ١٦٨، ١٦٩). ٣٩٠ تفسير سورة الفرقان فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدُ .. وتلك هي مرتبة الرضا (١)؛ ويحصل له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود. وبعد هذا الموافقة؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْع، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأنّس بنسيان كلٌ أَرَبٍ، ونسيان وجود سببَ أو عدم وجود سبب؛ فكما أنّ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَزْدِ الرضًا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله. بنسيانٍ كلٌّ فَقْدٍ ووَجْدٍ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزولَ إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف الرضا نقصاناً في الحال. ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء .. وأمثال هذا، وذلك هو عين التوحيد، فعند ذلك لا أَنْسَ ولا هيبة، ولا لذة ولا راحة، ولا وحشة ولا آفة . هذا بيان ترتيبهم فأمّا دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شربهم - يختلف على حسب اختلاف محالّهم. فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد؛ لا شيء مِنْ قِبَلِه إلا أن يرضعه مَنْ هو في حضانته(٢) . ويقال التوكل زوال الاستشراف، وسقوط الطمع، وفراغ القلب من تعب الانتظار. ويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها. ويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب، ولا يقدح في توكله. ويقال عوام المتوكلين إذا أُعْطُوا شكروا، وإذا مُنعُوا صبروا. وخواصُهم إذا أُعْطُوا آثروا، وإذا مُنِعُوا شكروا. ويقال الحقُّ يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يُخْتَسَبُ ولا يُخْتَسَبُ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب .. وإذا لم يكن الأرَبُ فمتى يكون الطلب؟ ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدٍّ، فأمَّا التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمورَ آخرةِ العبدٍ فهذا أشدُّ غموضاً، وأكثرُ خفاءً. فالواجبُ فى الأسباب (١) انظر حديث القشيري عن الرضا برسالته ص ١٩٢ - ١٩٧. (٢) القشيري هنا تأثر بشيوخه حيث قال برسالته بهذا المعنى: قيل: المتوكل كالطفل لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يهتدي إلا إلى ربه تعالى. (الرسالة القشيرية ص ١٦٨). وقال دلف الشبلي بهذا المعنى: الصوفية أطفال في حجر الحق. (الرسالة القشيرية ص ٢٨٢). ٣٩١ تفسير سورة الفرقان الدنيوية أن يكون السكونُ عن طلبها غالباً، والحركةُ تكون ضرورةً. فأمَّا في أمور الآخرة وما يتعلَّقُ بالطاعةِ فالواجبُ البِدارُ والجِدُّ والانكماشُ، والخروجُ عن أوطان الكسل والجنوحِ إلى الفشل. والذي يتَّصِفُ بالتواني في العبادات، ويتباطؤ في تلافي ما ضيَّعَه من إرضاء الخصوم والقيام بحقُ الواجبات، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكّلّ على الله وأنه - سبحانه - يعفو عنه فهو مُتَّهَمٌ معلولُ الحالِ، ممکورٌ مُسْتَدْرَجٌ، بل يجب أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه. ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستنِدُ إلى سكونه وحركته، ويتبرأُ بِرِّه من حَوْلِهِ وقوَّتِهِ. ثم يكون حَسَنَ الظنِّ بربِّه، ومع حُسْنِ ظنه بربه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقتُ غالِبٌ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم: الوقت سيف(١). قوله جل ذكره: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى اٌلْعَرْشِّ﴾ . انتظم به الكونُ - والعرشُ من جملة الكون - ولم يتجمَّل الحقُّ - سبحانه - بشيءٍ من إظهار بَرِيَّتِه؛ فعلوُّه على العرش بقهره وقدرته، واستواؤه بفعلٍ خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ ◌َفَسَّجُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًا﴾ . أقبل الحقُّ - سبحانه - بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه، وأعرض عن آخرين بتكبره وتعزُّزِه فلذلك جحدوه؛ فَطَرَهُم على سِمَةِ البُعْدِ، وعَجَنَ طينتهم بماء الشقاوة والصدِّ، فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد. قوله جل ذكره: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَِّ بُرُوجَا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمْرًا مُنِيرً﴾ . زيَّنَ السماء الدنيا بمصابيح، وخَلَق فيها البروجَ، وبَثَّ فيها الكواكب، وصان عن الفطورِ والتشويش أقطارَها ومناكبها، وأدار بقدرته أفلاكها، وأدام على ما أراد إمساكها. وكما أثبت في السماء بروجاً أثبت في سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجاً؛ فبروج السماء معدودة وبروج القلب مشهودة. (١) قال القشيري عند حديثه عن الوقت بالرسالة: وقالوا: الوقت سيف أي كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب. وقيل: السيف لين مسته قاطع حده، فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم، كذلك الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وترذى، ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عليه مقت. وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك. (الرسالة القشيرية ص ٥٥، ٥٦). ٣٩٢ تفسير سورة الفرقان وبروجُ السماء بيوتُ شمسها وقمرها ونجومها، وبروجُ القلب مطالعُ أنوارها ومشارِقُ شموسها ونجومها. وتلك النجوم هي نجوم القلوب كالعقل والفهم والبصيرة والعلم، وقمرُ القلوبِ المعرفةُ . قمرُ السماء له نقصان ومحاق، وفي بعض الأحايين هو بَذْرٌ بوصف الكمال، وقمر المعرفة أبداً له إشراق وليس له نقصان أو محاق، ولذا قال قائلهم: لها بَذْرّ تذلُّ له البدو دع الأقمارَ تخبو أو تنير فأمّا شمسُ القلوب فهي التوحيد، وشمسُ السماءِ تغرب ولكن شمسَ القلوب لا تغيب ولا تغرب، وفي معناه قالوا: وشمسُ القلوب ليست تغيب إن شمس النهار تغرب بالليل ويصحُّ أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل، وشمس القلوب سلطانُها في الضوء والطلوع بالليل أتمّ. قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةُ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ . الأوقاتُ متجانسةٌ، وتفضيلُها بعضها على بعض على معنى أنَّ الطاعة في البعض أفضل والثوابُ عليها أكثر. والليلُ خلفَ النهار والنّهارُ خلفَ الليلِ، فَمَنْ وقع له في طاعة الليل خَلَلٌ فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جُبْرانه، وإن حصل في طاعة النهار خللٌ فإذا حضر بالليل ففي ذلك إتمامٌ لنقصانه . قوله جل ذكره: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ . الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفّقُوا للطاعات، فبرحمتِّه وصلوا إلى التوفيق للطاعة. وعِباد الرحمن الذين يستحقون غداً رحمته هم القائمون برحمته؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته .. هكذا بيان الحقيقة، وبطاعتهم وصلوا إلى جَنَّتِه .. هكذا لسان الشريعة . ومعنى ﴿هَوْنًا﴾ متواضعين متخاشعين. ويقال شرطُ التواضع وحَدُّه ألا يستَحْسِنَ شيئاً من أحواله، حتى قالوا(١): إذا نَظَرَ إلى رِجْلِه لا يستحسن شِسْعَ نَعْلِهِ (٢)، وعلى هذا القياس لا يُساكِنُ أعماله، ولا يلاحظ أحواله. (١) انظر هذا القول للدقاق في الرسالة القشيرية ص ١٤٥. (٢) الشع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الاصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. (اللسان ٨/ ١٨٠ مادة: شع). ٣٩٣ تفسير سورة الفرقان قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾: قيل سداد المنطق؛ ويقال مَنْ خاطبهم بالقدح فهم یجاوبونه بالمدح له . ويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرُّفق، وحُسْنِ الخُلقِ، والقولِ الحَسَنِ والكلام الطيب. ويقال يخبرون مَنْ جفاهم أنهم في أمانٍ من المجافاة. قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَسِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا﴾ . يبيتون لربهم ساجدين، ويصبحون واجدين؛ فَوَجْدُ صباحهم ثمراتُ سجودٍ أرواحهم، كذا في الخبر: (مَنْ كَثُرَتْ صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار))(١) أي عَظُم ماءُ وجهه عند الله، وأحسنُ الأشياء ظاهِرّ بالسجود مُحَسَّنٌ وباطنٌ بالوجود مُزَيَّنٌ. ويقال متصفين بالسجود قياماً بآداب الوجود. قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتّمٌ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَفَرَّا وَمُقَامًا﴾ . يجتهدون غاية الاجتهاد، ويستفرغون نهاية الوسع، وعند السؤال ينزلون منزلة العصاة، ويقفون موقف أهل الاعتذار، ويخاطبون بلسان التّتَصَّل كما قيل: وما رُمْتُ الدخولَ علیه حتى حَلَلْتُ محلة العبد الذليل قوله جل ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. الإسرافُ أن تنفق في الهوى وفي نصيب النّفْس، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف، والإقتارُ ما كان ادخاراً عن الله. فأمَّا التضييقُ على النَّفْس منعاً لها عن اتباع الشهوات ولتتعود الاجتراء باليسير فليس بالاقتار المذموم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْتُوبٌ﴾. ﴿إِلَّهَا مَاخَرَ﴾: في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة من الأشجار. وكما تتصف بهذا النفوسُ والأبْشارُ فكذلك توَهَّمُ المبارِّ والمضارّ من الأغيار شِرْكٌ. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ من النفوس المُحَرَّمِ قَتْلُها على العبد نَفْسه المسكينةُ، قال تعالى: ﴿وَلَ نَقْتُلُوَأْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَتْلُ النّفس من غير حقٌّ تمكينُك لها من اتباع ما فيه هلاكُها في الآخرة؛ فإنَّ العبدَ إذا لم يُنَّهَ مأمورُ (١) أخرجه ابن ماجه ١٧٤. ٣٩٤ تفسير سورة الفرقان ثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحقِّ، وذلك بِذَبْحِها بسكين المخالفات، فما فَلَاحُكَ إلا بقتل نَفْسِكَ التي بين جنبيك. قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْقَ أَثَامًا﴾ . يضاعَفُ لهم العذابُ يومَ القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة. وآخرون يضاعف لهم العذابُ اليومَ بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان. بل مَنْ كان مضاعَفَ العذاب في عقباه فهو الذي يكون مضاعَفَ العذاب في دنياه؛ جاء في الخبر: (مَنْ كان بحالٍ لقي الله بها)». قوله جل ذكره: ﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَبِحًا فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمًا﴾(١). إلا من تاب من الذنب في الحال؛ وآمن في المآل. ويقال: ﴿وَءَامَنَ﴾ أن نجاته بفضل الله لا بتوبته، ﴿وَعَمِلَ صَلِكًا﴾ لا ينقض توبتُهُ. ويقال إن نقَضَ توبته عَمِلَ صالحاً أي جَدَّدَ توبتَه؛ ﴿فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَةٍ﴾. ويخلق لهم التوفيق بدلاً من الخذلان. ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم. ويقال يمحو ذِلَّ زَلَّاتِهِم، ويثبت بَدَلَها الخيرات والحسنات، وفي معناه أنشدوا: حتى أنالوا كفّه وأفادوا ولما رضوا بالعفو عن ذي زلةٍ قوله جل ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَرُواْ حِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِتَايَتِ رَيْهِمْ لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾(٢) . يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنها ليلاً ونهاراً، وقولاً وفعلاً. وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين مُعْرِضين لا يساكِنون أهل تلك الحالة . ويقال نزلت الآية في أقوام مرَّوا - لمّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرةً - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فَشَكَرَ اللَّهُ لهم ذلك. ثم قال في صفتهم: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِثَايَتٍ رَبِّهِمْ لَمْ يَجِزُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ بل قابلوها بالتفكير والتأمل، واستعمال النظر. (١) الآية (٦٩) لم ترد. (٢) الآية (٧١) لم ترد. ٣٩٥ تفسير سورة الفرقان قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَّدِنَا قُرَّةَ أَعْيُفٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ . قرة العين مَن به حياة الروح، وإنما يكون كذلك إذا كان بحقُ الله قائماً. ويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقاً، ولمخالفة أمره مفارقاً. ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ الإمام مَنْ يُقْتَدى به ولا يَبْتَدِع. ويقال إن الله مدح أقواماً ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع، ولم يدَّعوا فيها اختيارهم؛ فالإمامةُ بالدعاء لا بالدعوى، فقالوا: ﴿ وَلَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ . قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَوْنَ فِيهَا ثِيَّةٌ وَسَلَمًا﴾. يعطي - سبحانه - الكثير من عطائه ويعده قليلاً، ويقبل اليسير من طاعة العبد ويعده كثيراً عظيماً، يعطيهم الجنة؛ قصوراً وحوراً ثم يقول: ﴿أُوْلَكَ يُجْزَوْنَ اٌلْغُرْفَةَ﴾ ويقبل اليسير من العبد فيقول: ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٢]. لَيّرؤه من غير تكلف نقل، ولا تحمل قطع مسافة. ويقال: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]: اليومَ يحضر العبدُ بيتَه لأداء العبادة، وينقل أقدامه إلى المساجد، وغداً يجازيهم بأن يكفيهم قطع المسافة، فهم على أرائكهم - في مستقرٌ عِزّهم - يسمعون كلام الله، وينظرون إلى الله . قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي صبروا عمَّا نهوا عنه، وصبروا على الأحكام التي أجراها عليهم بِتَرْكِ اختيارهم، وحُسْن الرضا بتقديره. قوله جل ذكره: ﴿خَكلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُغَامًا﴾ . مقيمين لا يبرحون منازلهم، وفي أحوالهم حَسُنَ مستقرُّهم مستقراً، وحَسُن مقامهم مقاماً. قوله جل ذكره: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ يَكُنْ رَنٍِ لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ . لولا عبادتكم الأصنامَ ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادةِ وتسميتكم لها آلهةً .. متى كان يخلدكم في النار؟ ويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء، ولكن لما أخذْتُم في الاستكانةِ والدعاء، وتضَرَّعتُم رحِمَكم وكَشَفَ الضرَّ عنكم. السورة التي يذكر فيها الشعراء بسم الله اسم عزيز يرتضي من الزاهد تَرْكَ دنياه، ومِنَ العابِدِ مخالفة هواه، ومن القاصدِ قَطْعَ مُناه، ولا يَرْضَى مِنَ العارِفِ أنْ يُساكِنَ شيئاً غيرَ مولاه. إنْ خَرَجَ عِن كُلِّ مرسوم - بالكلية، وانسلخ عن كل معلوم - مِنْ غير أن تبقى له منه بقية فلعلَّه يَجِدُ شفيَّة. وإنْ عَرَّجَ على شيء، ولم يَصْفُ مَن الكدورات - حتى عن يسيرها - وإنْ دَقَّ - فإنه كما في الخبر: ((المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه درهم))(١) . قوله جل ذكره: ﴿مِّ ◌ِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْمُّينِ﴾ . ذَكَرْنَا فيما مضى اختلافَ السَّلَفِ في الحروف المُقَطَّعَة؛ فعند قوم: الطاءُ إشارة إلى طهارة عِزَّه وتَقَدَّسٍ عُلُوِّه، والسين إشارةٌ ودلالةٌ على سناء جبروته، والميم دلالةٌ على مَجْدٍ جلاله في آزَاله. ويقال الطاء إشارة إلى شجرة طوبى (٢)، والسين إلى سِذْرَةِ المُنتهى(٣)، والميم إلى اسم محمد وَّر؛ أي ارتقى محمدٌ ليلةَ الإسراء عن شهوده شجرةَ طوبى حتى بَلَغَ سدرةَ المنتهى، فلم يُسَاكِنْ شيئاً من المخلوقات في الدنيا والعُقْبى. ويقال الطاء طَرَبُ أربابِ الوصلة على بساط القرب بوجدان كمال الروح، والسين سرورُ العارفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده والميم إشارة إلى موافقتهم الله بِتَرْكِ التخيُّر على الله، وحُسْنِ الرضا باختيار الحق لهم. ويقال الطاء إشارةٌ إلى طيبٍ قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العَيْشِ بمعرفة وجود الرزّاق بَدَلَ طيب قلوب العوام بوجود الأزفاق والأرزاق. ويقال الطاء إشارةٌ إلى طهارة أسرار أهل التوحيد، والسين إشارة إلى سلامة f (١) أخرجه أبو داود (عتاق، ١) والترمذي (بيوع ٣٥)، والموطأ (مكاتب ١، ٢). (٢) الطوبى: الحسنى، والخير، وكل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء، وعز بلا زوال وغنى بلا فقر. (٣) سدرة المنتهى: شجرة في الجنة . ٣٩٦ ٣٩٧ تفسير سورة الشعراء قلوبهم عن مساكنة كلٌّ مخلوق، والميم إشارة إلى مِنَّةِ الحقّ عليهم بذلك. قوله جل ذكره: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِينَ﴾ . أي لِحِرْصِكَ على إيمانهم ولإشفاقِكَ من امتناعهم عن الإيمان فأنت قريبٌ مِنْ أنْ تقتلَ نَفْسَكَ من الأسفِ على تَركِهم الإيمان. فلا عليكَ - يا محمد - فإنه لا تبديلَ لِحُكْمِنَا؛ فَمَنْ حَكَمْنَا له بالشقاوة لا يُؤْمِن. ليس عليك إلا البلاغ؛ فإن آمنوا فيها، وإلَّا فَكُلُّهُمْ سَيَرَوْنَ يومَ الدِّين ما يستحقون . قوله جل ذكره: ﴿إِن ◌َّشَأْ نُعَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ اُلتَّمَاءِ مَيَّةً فَظَلَّتْ أَعْنَهُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ . أخبر عن قدرته على تحصيل مرادِه من عباده، فهو قادرٌ على أن يُؤْمِنوا کَرْهاً؛ لأن التقاصُرَ عن تحصيل المراد يوجِبُ النقصَ والقصورَ في الألوهية. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّعْمَنِ تُحْدَثِ إلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ . أي ما نُجَدِّد لهم شَرْعاً، وما نرسل لهم رسولاً .. إلا أعرضوا عن تأمل برهانه، وقابلوه بالتكذيب. فلو أنهم أنعموا النظرَ في آياتِ الرسل لا تضح لهم صِدْقُهم، ولكن المقسوم لهم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. فقد كَذَّبوا، وعلى تكذيبهم أصَرُّوا، فسوف تأتيهم عاقبةُ أعمالهم بالعقوبة الشديدة، فيذوقون وبالَ (١) شِزْكهم(١). قوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَتْنَ فِهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ كَرِهِرٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . فنونُ ما ينبت في الأرض وقتّ الربيع لا يأتي عليه الحَصْرُ، ثم اختصاصُ كلّ شيءٍ منها بلون وطعم ورائحة مخصوصة، وَلكلٌ شكلٌ وهيئةٌ ونَوْرٌ مخصوص، وورق مخصوص ... إلى مَا تَلْطُفُ عنه العبارة، وتَدِق فيه الإشارة. وفي ذلك آياتٌ لِمَن استبصر، ونَظَرَ وفكْرَ. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾: القاهرُ الذي لا يُقْهَر، القادر الذي لا يُقْدَر، المنيعُ الذي لا يُخْبَر. ﴿الرَّحِيمُ﴾: المحسنُ لعباده، المريدُ لسعادة أوليائه. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ أَنْتِ أَلْقَوْمَ القَِّمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَّ أَلَا يَنَّقُونَ ﴾ . أخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله عَلِمَ أن شديد الخصومة، قد غَرَّتْه نَفْسُه فهو لا يبالي بما فعل. وأخَذَ (موسى)(٢) يتعلَّلُ - لا على جهة الإباء والمخالفة - ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن عَلِمَ أنَّ الأمرَ به جَزْمٌ، والحُكْمَ به علیه خَثْمٌ. (١) الآية (٦) لم ترد. (٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ٣٩٨ تفسير سورة الشعراء قوله جل ذكره: ﴿قَالَ رَبٍّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُنِ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَطَلِّقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَدْرُونَ وَلَهُمْ عَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ . سأل موسى - عليه السلام - أن يَشْفَعَه بهارون ويُشْرِكَه في الرسالة. وأخبر أنه قَتَلَ نَفْساً، وأنه في حُكْم فرعون عليه دَمٌ، فقال: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُّلُونِ﴾ إلى أنْ قال له الحقُّ :- قوله جل ذكره: ﴿قَالَ كَلَّ فَذْهَبَا بِثَايَِنَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ . ﴿كَّ﴾ حرفُ رَذْع وتنبيه؛ أي كلا أن يكون ذلك كما توهمتَ، فارْتَدِعْ عن تجويز ذلك، وانتَبِهِ لغيره. إني معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة، واليدُ ستكون لكما، والسلطانُ سيكون لكما دونَ غيركما، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم، وأُبْصِرُ ما يُبْصِرُونَ وما تُبْصِرُون أنتم. قوله جل ذكره: ﴿فَأْنِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. ويقال في القصة: إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنةٌ كاملةٌ ولم يجدا طريقاً إليه. ثم بعد سَنَّةٍ عَرَضًا الرسالة عليه، فقابلهما بالتكذيب، وكان من القصة ما كان (١) .. وقال فرعون لمَّا رأى موسى: ﴿قَالَ أَرْ ثُرَبِّكَ فِيِنَا وَلِدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَِّى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ اَلْكَفِينَ ﴾ . فلم يكن لموسى - عليه السلام - جوابٌ إلا الإقرارَ والاعترافَ، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الشَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ ﴾ . قال: كل ذلك قد كان، وفررت منكم لمَّا خفتكم، فأكرمني الله بالنبوة، وبعثني رسولاً إليكم .. ويقال: لم يجحد حقَّ تربيته، والإحسانَ إليه في الظاهر، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر اللَّهُ بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره. ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجِبُ حَقّاً فتربيةُ اللَّهِ أوْلَى بأن يُعَظُّمَ العبدُ قَدْرَها. قوله: ﴿فَفَرَّرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾: يجوز حَمْلُه على ظاهره، وأنه خاف منهم على نَفْسِه. والفرارُ - عند عَدَمِ الطاقة - غيرُ مذمومٍ عند كلٌّ أحد. ويقال: فررت منكم لمَّ خِفْتُ أن تنزلَ بكم عقوبةٌ من الله لِشُؤْمِ شِرْكِكِم، أو من قول فرعون: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَاٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]. (١) الآية (١٧) لم ترد. ٣٩٩ تفسير سورة الشعراء قوله جل ذكره: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَتُّهَا عَلَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيِّ إِسْرََّيِلَ﴾. ذَكَرَ فرعونُ - من جملة ما عدَّ على موسى من وجوه الإحسان إليه - أنه استحياه بين بني إسرائيل، ودفع عنه القتلَ، فقال موسى: أو تلك نعمة تمنها عليَّ؟ هل استعبادُك لبني إسرائيل يَعَدُّ نعمةً؟ إنَّ ذلك ليس بنعمة، ولا لَكَ فيها مِنَّة . قوله جل ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ . نَظَرَ اللعينُ بجَهْلِهِ، وسألَ على النحو الذي يليق بِغَيُّه؛ فسأل بلفظ ﴿ما﴾ - و((ما)) يُسْتَخْبَرُ بها عمَّا لا يعقل، فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَّمِينَ﴾. ولكنَّ موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه، وأخبر عمَّا يصحُ في وصفه تعالى فقال : قوله جل ذكره: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ إِن كُمْ تُوقِنِينَ﴾ . فَذَكَرَ صفتَه - سبحانه وتعالى - بأنَّه إله ما في السموات والأرض، فأخذ في التعجب، وقال : ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، أَلَا تَسْتَعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآَيِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ . قال موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَيِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فحاد فرعونُ عن سنن الاستقامة في الخطاب، وأخذ في السفاهة قائلاً: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُوٌ﴾ . لأنه يزعم أنَّ هناك إلهاً غيره. ولم يكن في شيءٍ مما يجري من موسى - عليه السلام - أو مما يتعلّق به وصفُ جنونٍ. ولم يُشْغَلْ بمجاوبته في السفاهة فقال: ﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . أي إن كنتم من جملة مَنْ له عقلٌ وتمييزٌ. فقال فرعون: ﴿َلَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيِْ لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ . مضى فرعونُ يقول: لأفعلنَّ، ولأصنعنَّ ... إن اتخذتَ إلهاً غيري وجرى ما جری ذِكْرُه وشَرْحُه في غير موضع . ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا، وقَلَبَها - سبحانه - ثعباناً كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها، ووثَبَ فرعونُ هارباً، واختفى تحت سريره، وهو ينتفض من الخوف، وتَلَطَّخَتْ بِزَّتُه(١) وافتضح في دعواه، واتضحت حالته، فاستغاث بموسى واستجاره، وأخذ موسى الثعبان فردَّه الله عصاً. (١) البِزّة: الهيئة والشارة واللبسة (اللسان ٣١٢/٥ مادة: بزز). ٤٠٠ تفسير سورة الشعراء ولمَّا فَارقَه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة، وأدركه شؤمُ الكفر، واستولى عليه الحرمانُ، فجَمَعَ قومَه وكلَّمهم في أمره، وأجمعوا كلُّهم على أنه سحَرَهم. وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيّه ... كما قيل: إذا ازْعَوَى عَادَ إلى جَهْلِه كَذِي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه ثم إنه جَمَعَ السَّحَرَة، واستعان بهم، فلمَّا اجتمعوا قالوا: ﴿إِنَّ لَّنَا لَأَجْرًا﴾ [الأعراف: ١١٣]. فنطقوا بخساسة هِمَّتِهم، فَضَمَنَ لهم أجْرَهم. وإنَّ مَنْ يعمل لغيره بأُجْرَةٍ ليس کَمَنْ یکون عملُه لله. ومَنْ لا يكون له ناصِرٌ إلّا بضمانِ الجَعَالَة وبَذْل الرِّشَا فَعَنْ قريبٍ سَيُخْذَل(١). قوله جل ذكره: ﴿ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرِِّينَ﴾ . قال فرعون: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾، ومَنْ طَلَبَ القربةَ عند مخلوقٍ فإنَّ ما يصل إليه من الذُّلُ يزيد على ما أمَّله من العِزُ في ذلك التَّقَرُّب. والمُقَرَّبون من الله أوَّلُ من يدخل عليه يومَ اللقاء، فهم أولُ مَنْ لهم وصولٌ. والمُقَرَّبون من الله لهم على الله دَخْلَة، والناسُ بوصف الغفلة والخَلْقُ في أسْرِ الحجبة . ثم لمَّا اجتمع الناسُ، وجاء السَّحَرةُ بما مَوَّهُوا، التقَمَتْ عصا موسى جميعَ ما أتوا به، وعادت عصاً، وتلاشت أعيانُ حِبَالِهم التي جاءوا بها، وكانت أوقاراً، وأَلْقِيَ السحرةُ سُجَّداً، ولم يحتفلوا بتهديد فرعون إياهم بالقَتْل والصَّلْبِ والقَطْع، فأصبحوا وهم يُقْسِمُون بعِزَّة فرعون، ولم يُمْسُوا حتى كانوا يقولون: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ اَلْبَيْنَتِ﴾ [طه: ٧٢]. ثم لمَّا ساعَدَهم التوفيقُ، وآمنوا بالله كان أهمَّ أمورهم الاستغفارُ لِمَا سَلَفَ من ذنوبهم، وهذه هي غاية هِمَّةٍ الأولياء، أن يستجيروا بالله، وأن يستعيذوا من عقوبة الله، فأَغْرَفُهُم بالله أخْوَفُهُم مِنَ الله. ولمَّا أَمَرَ اللَّهُ موسى بإخراج بني إسرائيل، وتَبِعَهم فرعونُ بجَمْعِه، وقال أصحابُ موسى(٢). ﴿فَمَّا تَرََّ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُومَقٍ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَّعِىَ رَبِ سَهْدِينِ﴾ . فكان كما قال، إذ هداهم اللَّهُ وأنجاهم، وأغْرَقَ فرعونَ وقومه وأقصاهم، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَعْلَمُوْا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] يُنَجِّيهم من كلِّ بلاء، ويَخْصُّهم بكل نعمة (٣). (١) الآيات من (٣٠ حتى ٤١) لم ترد. (٣) الآيات من (٦٣ حتى ٦٨) لم ترد. (٢) الآيات من (٤٣ حتى ٦٠) لم ترد.