النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ تفسير سورة النور وخاضَ في ذلك الحديث، وكان في رفق أبي بكر فقطع عنه ذلك، وأخبر به الرسول - وَّ - وانتظر الأمرَ من الله في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ فلم يرضَ من الصديق رضي الله عنه أن يتحرك فيه عِزْقٌ من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله في ماضي أيامه. والإحسان إلى المحسن مكافأة، وإلى مَنْ لا يسيء ولا يحسن فضل، وإلى الجاني فُتُوَّةٌ وَكَرَمٌ، وفي معناه أنشدوا: حتى أنالوا كَفْه وأفادوا وما رضوا بالعفو عن كلْ زَلةٍ قوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾: العفو والصفح بمعنىَ، فكررهما تأكيداً. ويقال العفو في الأفعال، والصفح في جنايات القلوب. قوله جل ذكره: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ . هذا من كمال تلطفه - سبحانه. وفي الخبر: أن الله لما أنزل هذه الآية قال أبو بكر - رضي الله عنه: ((لي، أُحِبُّ يا رب))، وعفا عن مسطح. وإن الله يغادر في قلوب أوليائه كراهة من غيرهم، وأنَّى بالكراهة مِنَ الخَلْقِ والمتفرِّدُ بالإيجاد اللَّهُ؟! وفي معناه أنشدوا : لم أجِدْ بُدّاً من العطف عليه رُبَّ رامٍ لي بأحجار الأذى فَذْح القوم فيذنيني إليه فعسى أن يَطْلعَ اللَّهُ على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُعْصَنَتِ الْغَّفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . بالغ في توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة في شأنهم. ووَصَفَ المحصنات بالغفلة: أي بالغفلة عما يُنْسَبْنَ إليه؛ فليس الوصف على جهة الذمٌ، ولكن لبيان تباعدهن عمَّا قيل فيهن. واستحقاقُ القَذَفَةِ لِلْعَنةِ - في الدنيا والآخرة - يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير عواقبهم، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام. قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قريش، أبو عباد، صحابي من الشجعان الأشراف. كان اسمه وفاً ولقب بمسطح فغلب عليه أمه بنت ۔ خالة أبي بكر، وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، فلما كان حديث أهل الإفك في أمر عائشة جلده النبي * مع من خاضوا فيه، وحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. فنزلت الآية ﴿ولا يأتل ... ﴾ فعاد أبو بكر إلى الإنفاق عليه، وأطعمه رسول الله ﴿ بخيبر خمسين وسقاً، وهو ممن شهد معه بدراً وأحداً والمشاهد کلها . الأعلام ٢١٥/٧، والإصابة ت ٧٩٣٧، وأسد الغابة ٣٥٤/٤، ونسب قريش ٩٥. ٣٦٢ تفسير سورة النور تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا من غير اختيار منهم، ثم كما تشهد بعض أعضائهم عليهم تشهد بعض أعضائهم لهم، فالعين كما تشهد: أنه نَظَر بي، تشهد بأنه بكى بي .. وكذلك سائر الأعضاء. ويقال شهادةُ الأعضاء في القيامة مُؤْجَّلَةٌ، وشهادتها في المحبة اليومَ مُعَجِّلة؛ من صُفْرَةِ الوجهِ إذا بدا المحبوب، وشحوبِ اللون، ونحافةِ الجسم، وانسكابِ الدموع، وخفقان القلب، وغير ذلك . قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُِّينُ﴾ . يجازيهم على قَدْر استحقاقهم؛ للعابدين بالجِنان والمثوبة على توفيةِ أعمالِهم، . وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفيةٍ أحوالهم؛ فهؤلاء لهم عُلوُّ الدرجات، وهؤلاء لهم الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أَلْعُينُ﴾: فتصيرُ المعرفةُ ضروريةً؛ فيجدون المُعافَاةَ من النَّظَرِ وتَذَكَّرِهِ، ويستريح القلبُ من وَصْفَيْ تَرَدُّدِهِ وتَغَيُّرِه: لاستغنائه ببصائره عن تَبَصُرِهِ . ويقال لا يشهدون غداً إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم . قوله جل ذكره: ﴿اُلْخَبِيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَيِشَتِّ﴾. ﴿اَلْخَبِيئَتُ﴾: من الأعمال وهي المحظورات ﴿لِلْخَبِيِنَ﴾: من الرجال المُؤْثِرِين لها طوعاً، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها، كلُّ مربوطً بما يليق به؛ فالفِعْلُ لائقٌ بفاعله، والفاعلُ بِفِعْلِهِ في الطهارة والقذارة، والنفاسة والخساسة، والشرفِ والسَّرَفِ. ويقال: ﴿اَلَِْيئَتُ﴾: من الأحوال؛ وهي الحظوظُ والمُنَى والشهواتُ لأصحابها والساعين لها. والساعون لمثلها لها، غيرَ ممنوع أحَدُهما من صاحبه، فالصفةُ للموصوف مُلازِمة، والموصوفُ لِصِفَتِهِ ملازِمٌ. ويقال: ﴿اَلَيْئَتُ﴾: من الأشياء للخبيثين من الأشخاص، وهم الراضون بالمنازل السحيقة ... وإنَّ طعامَ الكلابِ الجِيَفُ. ويقال ﴿اَلِّْيئَتُ﴾: من الأموال - وهي التي ليست بحلال - لمن بها رتبته، وعليها تعتكف هِمَّتُه؛ فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلّا لمثل تلك الأموال، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثلَ أولئك الرجال. ٣٦٣ تفسير سورة النور قوله جل ذكره: ﴿وَاَلَِّبَتُ لِلِّينَ وَالَِّبُونَ لِلَّيِّبَِّ﴾. ﴿وَلَّيِّبَتُ﴾: من الأعمال هي الطاعات والقُرَبُ للطيبين، والطيبون هم المُؤْثِرُون لها والساعون في تحصيلها . ﴿وَالَّتِبَتُ﴾: من الأحوال - وهي تحقيق المواصلات بما هو حقُّ الحق، مُجَرَّداً عن الحظوظ ﴿لِلَطِّينَ﴾ من الرجال، وهم الذين سَمَتْ هِمَّتهم عن كلِّ مُبْتَذَلٍ خسيس، ولهم نفوسٌ تسمو إلى المعالي، وهي التجمُّلُ بالتذلل لِمَنْ له العِزَّةُ. ويقال الطيبات من الأموال - وهي التي لا نكِيرَ للشرع عليها، ولا مِنَّةً لمخلوقٍ فيها - للطيبين من الرجال، وهم الأحرار الذين تخلّصوا من رِقْ الكون. ويقال ﴿ وَاَلَّيِّبَتُ﴾ من الأشخاص وهن المُبَرَّاتُ من وهجِ الخطر، المتنقيات عن سفساف أخلاق البشرية، وعن التعريج في أوطان الشهوات - ﴿ لِلَطِّينَ﴾ من الرجال الذين هم قائمون بحقّ الحقُّ؛ لا يصحبون الخلقَ إلا للتعفُّفِ، دون استجلابِ الشهوات. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ﴾. لهم مغفرةٌ في المآل، ورزقٌ كريم في الحال وهو ما ينالون من غير استشرافٍ، ولا تطلب طمعٍ، ولا ذلْ مِنّْةٍ ولا تقديم تعبٍ . قوله جل ذكره: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوْنَا غَرَ بُيُوتِكُمْ حَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأَّ ◌َلِكُمْ خَرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾ . الخواصُ لا يَرَوْنَ لأنفسِهم مِلْكاً يتفردون به؛ لا مِنَ الأموال المنقولة ولا من المساكن التي تصلح لأن تكون مدخولة، فَمَنْ فاتحهم بشيءٍ منها فلا يكون منهم مَنْعٌ ولا زَجْرٌ، ولا حَجْبٌ لأحدٍ ولا حظْرٌ .. هذا فيما نيط بهم. أمَّا فيما ارتبط بغيرهم فلا يتعرَّضون لمن هي في أيديهم؛ لا باستشرافِ طَمَع، ولا بطريقِ سؤالٍ، ولا على وجهِ انبساطِ. فإن كان حكمُ الوقت يقتضي شيئاً من ذلك فالحقُّ يُلجِىءُ مَنْ في يده الشيءُ ليحمِلَه إليه بحكم التواضع والتقرُّب، والوليُّ يأخذ ذلك بنعتِ التعزُّزِ، ولا يليق معنى ذلك إلا بأحوال تلك القصة، وأنشد بعضهم في هذا المعنى: أسيرَ بخيلٍ ليس منه بعيرُ وإني لأستحي مِنَ الله أنْ أُرَى وبعران ربِّي في البلادِ كثيرُ وأنْ أسألَ المرءَ اللئيمَ بعيره قوله جل ذكره: ﴿فَإِنِ أَّرْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُوهَا حَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. في هذا حِفْظُ أَمْرِ الله وحِفْظُ حُزمةٍ صاحب الدارِ؛ لأنَّ مَنْ دَخَلَها بغيرٍ إذنٍ صاحبِها ربما تكون فيها عورةُ منكشفة، وربما يكون لصاحب الدار أمرٌ لا يريد أن يطَّلِعَ عليه غيرُه، فلا ينبغي أن يدخل عليه من غير استئذان. ٣٦٤ تفسير سورة النور قوله جل ذكره: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . إن قيل لكم: ارجعوا ... فارجعوا؛ فقد تكون الأعذارُ قائمةً، وصاحبُ الملكِ پملكه أولى. قوله جل ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَنْعُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ . رَفَعَ اللَّهُ الجُنَاحَ والحَرَجَ في الانتفاعِ بما لا يُسْتَضَرُّ به صاحبُه بغير إذْنِهِ؛ كدخولٍ أرضٍ للداخلِ فيها أغراضٌ لقضاء حاجتهَ - ولا يجد طريقاً غير ذلك - إذا لم يكن في دخوله ضَرَرٌ على صاحبها، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظِلَّ حائطٍ إذا لم يكن قاعداً في مِلْكِه، وكالنظر في المرآة المنصوبة في جدار غيره .. وكل هذا إنما يُستباح بالشرع دون قضية العقل - على ما توهمَّه قومٌ. قوله جل ذكره: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَّكَى لَمُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . ﴿يَغُضُواْ﴾: من أبصار الظواهر عن المُحَرَّمات، ومن أبصار القلوب عن الفِكْرِ الرَّدِيّة، ومن تصوُّرِ الغائبات عن المعاينة، ولقد قالوا: إنَّ العينَ سببُ الحَيْن، وفي معناه أنشدوا : وأنتَ إذا أرسلتَ طَرْفَك رائداً لقلبِك - يوماً - أتْعَبَتْكَ المناظرُ. وقالوا: مَنْ أرسل طَرْفَه اقتضى حَتْفَه . وإن النظرَ إلى الأشياء بالبَصَرِ يوجِبُ تَفْرِقَةَ القلوب. ويقال إن العدوَّ إبليسَ يقول: قومي القديمُ وسهمي الذي لا يخطىء النظرُ. وأرباب المجاهدات إذا أرادوا صَوْنَ قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المحَسَّات - وهذا أصلٌ كبيرٌ لهم في المجاهدة في أحوال الرياضة . ويقال قَرَنَ اللَّهُ النهي عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفَرْج فقال: ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ تنبيهاً على عِظَم خَطَرِ النظر؛ فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل. ويقال قومٌ لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزُّهَّاد، وقومٌ لا ينظرون إلى الكون وهم أهل العرفان، وقومٌ هم أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى الأغيار لا يرون نفوسهم أهلاً للشهود، ثم الحق - سبحانه - يكاشفهم من غير اختيارٍ منهم أو تعرُّضٍ أو تكلف. ٣٦٥ تفسير سورة النور قوله جل ذكره: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظُنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا وَلَيَضْرِنَ بِثُمُرِهِنَّ عَ خُبُِّنَّ﴾. المطالبةُ عليهن كالمطالبة على الرجال لشمول التكليف للجنسين، فالواجبُ عليهن تركُ المحظوراتِ، والندبُ والنَّفْلُ لهن صونُ القلب عن الشواغل والخواطر الردية، ثم إنِ ارتْقَيْنَ عن هذه الحالة فالتعامي بقلوبِهن عن غيرِ المعبود، والله يختص برحمته من يشاء. قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: ما أباح الله - سبحانه - على بيان مسائل الفقه فمُستثنى من الحظرِ، وما وراء ذلك فالواجبُ عليهن حفظُ أنفسهن عن العقوبات في الآجل، والتصاون عن أن يكون سبباً لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه كما يحفظ أولياءه عما يضرهم في الدِّين يصونهم عما يكون سبباً لفتنة غيرهم، فإن لم يتصل منهم نفعٌ بالخَلْقِ فلا تصيبُ أحداً بهم فتنةٌ. وفي الجملةِ ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره؛ فكما أنَّ للنساءِ عورةً ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك مَنْ أظهر للخَلْقِ ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله، وزکاء أعماله انقلب زَيْنُه شَيْناً، إلا إذا ظهر على أحدٍ شيءٌ - لا بتعمله ولا بتكلُّفه - فذلك مستثنىَ لأنه غير مُؤاخَذٍ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يُسْتَثْنَى حُكْمُهن عن الْحَظُر. قوله جل ذكره: ﴿أَوِ الَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطَّهْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِسَاءِ﴾ . تُراعى في جميع ذلك آدابُ الشرع في الإباحة والحظر. قوله جل ذكره: ﴿وَتُوبُوَاْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . التوبةُ الرجوعُ عن المذموماتِ من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبةٌ عن الزَّلَّةِ وهي توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص .. وتوبةٌ على محاذرة العقوبة، وتوبةٌ على ملاحظة الأمر. ويقال أمر الكافة بالتوبةِ؛ العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفّق. ويقال أمَرَ الكلَّ بالتوبة لئلا يخجلَ العاصي من الرجوع بانفراده. ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء - رِفْقاً بهم - من أمارات الكَرَم. ويقال في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِعُونَ﴾ يتبين أنَّه أمَرَهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك، لا ليكون للحقِّ - سبحانه - بتوبتهم وطاعتهم تجمُّلٌ. ٣٦٦ تفسير سورة النور ويقال أحوجُ الناسِ إلى التوبة مَنْ تَوَهَّمَ أنَّه ليس يحتاج إلى التوبة. قوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَغَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ . إذا كان القصدُ في المناكحة التأدب بآداب الشرع يكفي الله ببركاته مطالبات النفس والطبع، وإنما يجب أن يكون القصدُ إلى التعفُّفِ ثم رجاءِ نسْلٍ يقوم بحقُ الله . قوله: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يُغْنِيهِمُ اللَّهُ في الحال، أولاً بالنفس ثم غِنَى القلب؛ وغنيُّ القلبِ غَنِي عن الشيء، فالغَنِيَ عن الدنيا أتَّمُّ من الغني بالدنيا. ويقال إن يكونوا فقراء في الحال يُغْنِهم الله في المستأنف والمآل. قوله جل ذكره: ﴿ وَلِيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . مَنْ تَقاصر وسعهُ عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل في الحال، فَعَنْ قريبٍ تجيبه نَفْسُه إلى سقوط الأرب، أو الحق - سبحانه - يجود عليه بتسهيل السبب من حيث لا يَخْتَسِب، ولا تخلو حالُ المتعفّفِ عن هذه الوجوه . قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُمْ مِن ◌َّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَّنْكُمْ﴾ . أي إن سَمَحَتْ نفوسكم بإزالة الرُّقُ عن المماليك - الذين هم في الدين إخوانكم - من غير عِوَضٍ تلاحظون منهم فلن تخسروا على الله في صفقتكم. وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة، وعلمتم بغالب ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قِبَلِهم فكاتبوهم(١)، ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجهٍ؛ من قذرٍ يحط من مال الكتابة، وإعانةٍ لهم من فروض الزكاة، وإمهالٍ بِقَدْرٍ ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيهاً له . وإذا كنا في الشرع مأمورين بكل هذا الرُّفقِ حتى يصل المملوكُ المسكينُ إلى عتقه فبالحريِّ أن يسمو الرجاءُ إلى الله بجميل الظنِّ أن يُعْتَقَ العبدُ من النار بكثرة تضرعه، وقديم سعيه - بقدر وسعه - من عناءِ قاساه، وفضلٍ من الله - عن قديمٍ - رجاه . ثم في الخبر: ((إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم))(٢): والعبد يسعى بجهده ليصل إلى تحرر قلبه، وما دام تبقى عليه بقية من قيام الأخطار وبقية من الاختيار (١) معنى الكتاب والمكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال يُنجّمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه، في كل نجم كذا وكذا، فهو حر، فإذا أدى جميع ما كاتبه عليه، فقد عتق، وولاؤه لمولاه الذي كاتبه. (لسان العرب ١/ ٧٠٠ مادة: كتب). (٢) أخرجه أبو داود (عتاق ١)، والترمذي (بيوع ٣٥)، والموطأ (مكاتب ١، ٢). ٣٦٧ تفسير سورة النور وإرادة شيءٍ من الأغيار فهو بكمال رِقُه وليس في الحقيقة بِحُرِّ .. فالمكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاِ إِنْ أَرَدْنَ تَمَضُّنَا لِلْبَغُواْ عَرَضَ الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَّ وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللََّ مِنْ بَعْدِ إِكْزَمِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . حامِلُ العاصي على زَلَّتِهِ، والداعي له إلى عَثرَته، والمُعينُ له على مخالفته تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أَكثرُ مِنْ غيره، وبعكسه لو كان الأمر في الطاعة . والإعانة على العبادة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُرْ ءَايَتٍ مُّبَيْنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . لم يغادر على وجه الدليل غُبْرَةً، ولم يترك الحقُّ - سبحانه - للإشكال محلاً؛ بل أَوْضَحَ المنهاجِ وأضاءَ السِّراجَ، وأنار السبيلَ وألاح الدليل، فَمَنْ أراد أن يستبصر فلا يلحقه نَصَبْ، ولا يمسُّه تعبٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآِقَةُ الْمَوْتِ﴾ . أي هادي أهل السمواتِ والأرض، ومنه نورهما والذي منه الشيء يسمى باسمه الشيء. ومنه نور السموات والأرض خَلْقَاً؛ فنظامُ السموات والأرض وإحكامها وترتيبها بوصف إتقانها حاصلٌ بالله تعالى. ويقال نور السموات والأرض أي منورها وخلقُ ما فيها من الضياء والزينة، وموجِدُ ما أودعها من الأدلة اللائحة. ويقال نوَّر اللَّهُ السماءَ بنجومها فقال: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾ [فصلت: ١٢] فكذلك زينَ القلوب بأنوارٍ هي نورُ العقل ونورُ الفهم ونورُ العلم ونورُ اليقين ونورُ المعرفة ونورُ التوحيد، فلكلّ شيءٍ من هذه الأنوار مطرحُ شعاع بقدره في الزيادة والنقصان . قوله جلّ ذكره: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ أَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاءَةِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّ كَوَّكَبٌ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مَُّرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ تُورٌّ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِهِ مَن ◌َشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ .. ﴾: أراد بهذا قلب المؤمن وهو معرفته، فشبَّهَ صدرَه بالمشكاة، وشبَّه قلبه في صدره بالقنديل في المشكاة، وشبّه القنديل - الذي هو قلبه - بالكوكب الدريِّ، وشبه إمداده بالمعرفة بالزيت الصافي الذي يمدُّ السراج في الاشتعال. ثم وصفَ الزيتَ بأنَّه على كمال إدراك زيتونه من غير نقصان أصابه، أو ٣٦٨ تفسير سورة النور خلَلِ مسَّه، ثم وصف ذلك الزيت - في صفوته - بأنه بحيث يكاد يضيء من غير أن تمسَّه نار . ويقال إن ضَرْبَ المثل لمعرفة المؤمن بالزيت أراد به شريعة المصطفى - والله - ودينه الجنيفي، فما كان يهودياً - وهم الذين قبلتُهم إلى جانب المغرب، ولا نصرانياً - وهم الذين قبلتهم في ناحية المشرق. وقوله: ﴿نُورٌّ عَلَى نُورٍّ﴾: نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونور وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم، أو عيان أضافه إلى بيانهم، فهو نور على نور. ويقال أراد به قلب محمد - وَال#َ ـ ونورُ معرفته موقدّ من شجرةٍ هي إبراهيم عليه السلام، فهو ◌َّ على دين إبراهيم. قوله: ﴿لَّا شَرْفِيَّةٍ﴾ بحيث تصيبه الشمس بالعشي دون الغداة، ولا غربية بحيث تصيبه الشمس بالغداة دون العشي، بل تصيبه الشمسُ طولَ النهارِ ليتمَّ نضج زيتونه، ويكمل صفاءُ زيته. والإشارة فيه أنه لا ينفرد خوف قلوبهم عن الرجاء فيقرب من اليأس، ولا ينفرد رجاؤهم عن الخوف فيقرب من الأمن، بل هما يعتدلان؛ فلا يغلب أحدهما الآخر؛ تقابل هيبتهم أَنَسهم، وقبضُهم بسطَهم، وصحوهُم محوَهم، وبقاؤهم فناءهم، وقيامُهم بآداب الشريعة تحقَّقَهم بجوامع الحقيقة . ويقال ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ﴾: أي أن هِمَمّهم لا تسكن شرقياً ولا غربياً، ولا علوياً ولا سفلياً، ولا جنياً ولا إنسياً، ولا عَرْشاً ولا كرسياً، سطعت عن الأكوان، ولم تجد سبيلاً إلى الحقيقة؛ لأن الحقَّ مُتَزَّةٌ عن اللحوق والدرك، فبقيت عن الحق منفصلة، وبالحق غير متصلة؛ وهذه صفة الغرباء .. ((وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ))(١) . (١) أخرجه مسلم في الصحيح (الإيمان ٢٣٢)، والترمذي في (السنن ١٦٢٩)، وابن ماجه في (السنن ٣٩٨٨)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٣١٨/١)، والدارمي في (السنن ٣١٢/٢) والدولابي في (الكنى والأسماء ١٩٣/١)، والسيوطي في (جمع الجوامع ٥٣٨٠، ٥٣٨١، ٥٣٨٢، ٥٣٨٣ - ٥٣٨٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١١٩٢، ١١٩٣ - ١١٩٨، ١١٩٩ - ١٦٨٩)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٠٦/١ - ١٥٦، ٢٥٩/٧ - ٢٧٨)، وابن كثير في (التفسير ٢٣/٣، ٢٣٩/٧) والبغوي في (شرح السنة ١١٨/١)، والقرطبي في (التفسير ١٤٠/١٦)، والطبراني في (المعجم الصغير ١٠٤/١)، والطبري في (التفسير ٧٥/١٥)، والشجري في (الأمالي ١٥٦/٢)، والسيوطي ني (الدر المنثور ٣٠/٦)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٦٥/١)، والطحاوي في (مشكل الآثار ٢٩٨/١)، وصاحب (تاريخ واسط ١٤٦)، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٢١٨/٢)، والألباني في (السلسلة الصحيحة ١٢٧٣)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٠٢/٦ - ٣١٤، ١٨ = ٣٦٩ تفسير سورة النور ويقال نور القلب: ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرِّج في أقطار الكسل، فيصل سَيْرَه بِسُراه في استعمالِ فكرِهِ، والحقُّ يمده: بنور التوفيق حتى لا يصده عن عوارضٍ الاجتهادِ شيءٌ من حُبِّ رياسةٍ، أو ميلٍ لسوءٍ، أو هوادة. فإذا أسفر صُبْحُ غفلته، واستمكن النظر من موضعه حصل العلمُ لا محالة. ثم لا يزال يزداد يقيناً على يقين مما يراه في معاملته من القبض والبسط، والمكافأة والمجازاة في زيادة الكشف عند زيادة الجُهْد، وحصول الوَجْدِ عند أداء الوِزْد. ثم بعده نور المعاملة، ثم نور المنازلة، ثم متوع نهار المواصلة. وشموس التوحيد مشرقة، وليس في سماءِ أسرارِهم سحابٌ ولا في هوائِها ضبابٌ، قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ . ويقال نور المطالبة يحصل في القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نَظَرَ في ديوانه، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة، فيعود على نفسه باللائمة، ويتجرَّعُ كاساتِ نَدَمِهِ، فيرتقي عن هذا باستدامة قَصْدِهِ، والتَّنَقْي عما كان عليه في أوقات فترته. فإذا استقام في ذلك كوشِفَ بنور المراقبة؛ فيعلم أنَّه - سبحانه - مُطَّلِعٌ عليه. وبعد هذا نورِ المحاضرة وهي لوائحُ تبدو في السرائر. ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلّي الصفات. ثم بعده نور المشاهدة فيصير ليلُه نهاراً، ونجومُه أقماراً، وأقمارُه بدوراً، وبدورُه شموساً .. ثم بعد هذا أنوار التوحيد، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد، ثم ما لا تتناوله عبارةٌ ولا تدركه إشارةٌ، فالعبارات - عند ذلك - خُرْسٌ، والشواهد طُمْسٌ، وشهود الغير عند ذلك محال. عند ذلك: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُكِرَتْ وَإِذَا الْمِشَارُ عُطِلَتْ﴾ [التكوير: ١ - ٤]، و﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وانفطرت ... فهذه كلها أقسام الكون. وما من العَدَمِ لهم صار إلى العدم. القائمُ عنهم غيرُهم، والكائن عنهم سواهم. وجلَّتْ الأحديةُ وَعَزَّتْ الصمدية، وتَقَدَّسَتْ الديمومية، وتنزهت الإلهية. قوله جلّ ذكره: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَلْأَصَالِّ رِجَالٌ لَّا نُلْهِبِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةُ﴾ . = ١٧٩، ١٢٢/١٠، ٧٠/١١)، والخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث ٣٧، ٣٨، ٣٩)، وابن سعد في (الطبقات الكبرى ٢/١، ٨٢)، وابن حجر في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٤٨)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٢٣٦/١٣، ٢٣٧)، وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ١/ ٢١٢، ٨٣/٢)، والبيهقي في (دلائل النبوة ٢٤٤/٢، ٥٢٠)، والعجلوني في (كشف الخفاء ١/ ٣٣٣)، وابن حبان في (المجروحين ٢٢٦/٢)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٤٦٢/٢، ٤/ ١٦١٥، ١٨٢٣/٥). ٣٧٠ تفسير سورة النور المساجدُ بيوتَه - سبحانه - وإنَّ الله أَذِنَ أَنْ تُرْفَعُ الحوائجُ فيها إليه فيقضيها، ورَفَعَ أقدارَ تلك البيوتِ على غيرها من الأبنية والآثار. المساجدُ بيوتُ العبادة والقلوبُ بيوتُ الإرادة؛ فالعابِدُ يَصِلُ بعبادته إلى ثوابِ الله، والقاصدُ يصل بإرادته إلى الله . ويقال القلوبُ بيوتُ المعرفة، والأرواحُ مَشاهِدُ المحبة، والأسرار محالّ المشاهدة . قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ ... ﴾ لم يقل: لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون، بل قال: لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، فإنْ أمكن الجمع بينهما فلا بأسَ - ولكنه كالمتعذر - إلَّا على الأكابر الذين تجري عليهم الأمورُ وهم عنها مأخوذون. ويقال هم الذين يُؤْثِرون حقوقَ الحقُّ على حظوظِ النَّفْس. ويقال إذا سمعوا صوت المؤذن: حيَّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع، وقاموا الأداء حقه . ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله: ﴿هَلْ أَوْلُّكُمْ عَلَى تَِزَقْر ◌ُجِيكُ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] عن التحقق بذكره من غير ملاحظة عِوَضٍ أو مطالعة سبب. قوله جلّ ذكره: ﴿يَخَافُونَ يَوْمَا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾. أقوامٌ ذلك اليومُ مُؤَجَّلٌ لهم، وآخرون: ذلك لهم مُعَجَّلٌ وهو بحسب ما هم فيه من الوقت؛ فإنَّ حقيقةَ الخوفِ تَرَقُّبِ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس. قوله جلّ ذكره: ﴿وَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . مَنْ رَفَعَ الحسابَ من الوَسَطِ يَرْفَعْ معه الحساب، ومَنْ هو في أَسْرٍ مطالباته فالوزنُ يومئذٍ الحقُّ . والرزقُ بغير حسابٍ في أرزاق الأرواح، فأَمَّا أرزاقُ الأشباحِ فمحصورةٌ معدودةٌ؛ لأن أرزاقَ الأشباحَ حظوظٌ؛ وهي وجودُ أفضال وفنونُ نوالٍ. وما حَصَرَه الوجودُ مِنَ الحوادثِ فلا بُدَّ أن يأتيَ عليه العَدَدُ، وأما مكاشفةُ الأرواحِ بشهودِ الجمالِ والجَلال فذلك على الدوام. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِفِيعَةٍ يَحْسَبُ اَلَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَمُ فَوَقَّنَهُ حِسَابَةٌ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وقال: ﴿وَيَحْسَبُونَ ◌َهُمْ عَلَى شَعْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]. ومَنْ أَمَّل السرابَ شراباً فلا يلبث إلا قليلاً حتى يعلمَ أنَّه كان تخييلاً؛ فالعَطَشُ يزداد، والروح تدعو للخروج. ٣٧١ تفسير سورة النور قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِيٍ يَغْشَنَهُ مَوْجُ مِّن فَوْقِهِ. مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ◌ُكُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا وَمَنْ لَّْ يَجْعَلِ الَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ ثُّورٍ﴾. ظلماتُ الحسبان، وغيومُ التفرقة، وليالي الجُخدِ، وحنادسُ الشَّكُ إذا اجتمعت فلا سِراجَ لصاحبها ولا نجوم، ولا أقمارَ ولا شموسَ ... فالويلُ ثم الويل! قوله: ﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُم مِن نُورٍ﴾ : إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة، ولم يساعده تَعَلُّقٌّ فجهدُه وكدُّه، وسَعْيُهِ وجِدُّه عقيمٌ من ثمراته، موئِسٌ من نَّيْلِ بركاته. والبدايات غالبةٌ للنهايات؛ فالقبولُ لأهْلِه غيرُ مُجْتَلَبٍ، والردُّ لأهله غير مُّكْتَسَبٍ. وسعيدْ مَنْ سَعِدْ بالسعادة في عِلْمِه في آزاله، وأراد كُونَ ما عَلِمَ من أفعاله يكونَ، وأخبر أن ذلك كذلك يكون، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعَلِمَ. وهكذا القول في الشقاوة؛ فليس لأفعاله عِلَّةٌ، ولا تتوجَّهُ عليه لأحدٍ حُجَّةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَرْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَِّّحُ لَهُ مَن فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّيْرُ صَنَّغَّتٍ كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسْبِحَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . م التسبيح على قسمين: تسبيحُ قولٍ ونطقٍ، وتسبيحُ دلالة وخَلْق؛ فتسبيحُ الخَلْقِ عام من كل مخلوقٍ وعينٍ وأثرٍ، منه تسبيحٌ خاصٍّ بالحيوانات، وتسبيحٌ خاصٍّ بالعقلاء وهذا منقسم إلى قسمين: تسبيحٌ صادرٌ عن بصيرة، وتسبيحٌ حاصلٌ من غير بصيرة؛ فالذي قرينته البصيرة مقبولٌ، والذي تجرَّدَ عن العرفان مردود. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى الَّهِ الْمَصِيرُ﴾ . المُلْكُ مبالغةٌ من المِلْك، والملك القدرة على الإِيجاد؛ فالمقدورات - قَبْلَ وجودها - للخالق مملوكة، كذلك في أحوال حدوثِها بعد عَدَمِها عائدةٌ إلى ما كانت عليه، فَمُلْكهُ لا يحدث ولا يزوال ولا يَؤُولُ شيءٍ منه إلى البطول. قوله جلّ ذكره: ﴿أَ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَمَابًا ثُمَّ يُؤَُّ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ ◌َِِهِ، وَيُغَزِّلُ مِنَ التَّمَآءِ مِن حِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرٍَ فَيُصِيبُ بِهِ، مَن ◌َّهُ وَبَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ بَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ يُغَلِّبُ اَللَّهُ الَّلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ . تعرَّف إلى قلوب العلماء بدلالات صُنْعِه في بديع حكمته، وبما يدل منها على كمال قدرته، وشمول علمه وحكمته، ونفوذ إرادته ومشيئته. فَمَنْ أنعم النظرَ وَصَلَ إلى بَرَدِ اليقين، ومَنْ أعرض بقي في وَهْدَةِ الجُخدِ وظلمات الجهل. ترتفع بقدرته بخاراتُ البحرِ، وتصعد بتسييره وتقديره إلى الهواء وهو السحاب، ثم يُديرها إلى سَمْتٍ يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر قطرةً قطرةً؛ ويكون الماء قبل حصول بخارات البحر غير عَذْبٍ فيقلبه عَذْباً، ويُسِحُّه ٣٧٢ تفسير سورة النور السحاب سَكْباً، فيوصل إلى كلِّ موضع قَدْراً يكون له مُراداً معلوماً، لا بالجهدِ مِنَ المخلوقين يُمْسَكُ أو يُنَزَّلُ، ولا بالحيلةِ يُسْتَنْزِلُ على المكانِ الذي لا يُمْطِرِه. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ أَلَيْلَ وَالنَّهَارُ﴾: وكذلك جميع الأغيار من الرسوم والآثار .. ذلك تقدير العزيز العليم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ خَقَ كُلّ ◌َآبَّقٍْ مِنِ مَّلْءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى ◌ِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ الَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يريد خلقَ كُلَّ حيوانٍ من ماء، يخرج من صُلْب الأب وتريبة الأمُّ. ثم أجزاءُ الماءِ متساويةٌ متماثلة، ثم ينقسم إلى جوارح في الظاهر وجوارح في الباطن، فيختصُّ كلُّ عضو وينفرد كل شِلْوٍ(١) بنوع من الهيئة والصورة، وضَرْبٍ من الشكلِ والبِنْيَةِ. ثم اختلاف هيئات الحيوانات في الريش والصوف والوبر والظفر والحافر والمخلب، ثم في القامة والمنظر، ثم انقسام ذلك إلى لحم وشحم وجِلْدٍ وعَظُمٍ وسِنُ ومخٌ وعَصب وعِزْقٍ وشَغْرٍ . فالنظرُ في هذا - مع العبرة به - يوجِبُ سجودَ البصيرةً وقوة التحصيل. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ مُّبِيِّنَتٍ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . الآيات بَيِّنةٌ ولكنَّ اللَّهَ يهدي إليها قوماً ويُلَبِّس على آخرين، والذي سُدَّ بَصَرُه أنَّى ينفعه طلوعُ الشمسِ والنجوم؟ وكذلك الذي سُدَّت بصيرته أنَّى تنفعه شواهدُ العلوم ودلائل الفهوم؟ وقالوا في معناه: إذا اسْتَوَتْ عِنْدَه الأنوارُ والظُلَمُ وما انتفاعُ أَخي الدنيا بمقلته قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَعْنَا ثُمَّ يَتَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنُ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَكَ بِالْمُؤْمِينَ﴾ . يستسلمون في الظاهر ويُقِرُّون باللسان، ثم المخلص يبقى على صدقه. والذي قال لخوفٍ سيفِ المسلمين، أو لِغَرَضٍ له آخر فاسد يتولى بعد ذلك، وينحاز إلى جانب الكفرة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا دُهُواْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . علموا أن افتضاحهم في حكم نيتهم، فيمن علم أنه قاسط في خصومته لم يَطِب نَفْساً بحُكْمِه. وكذلك المريبُ يَهُرَبُ من الحقِّ، ويجتهد في الفرار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنِ يَكُن لَُّ لِلُّْ يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ . (١) الشِّلْو: العضو (ج) أشلاء. ٣٧٣ تفسير سورة النور منقادين يميلون مع الهوى، ولا يقبلون حُكمه إيماناً. وكذلك شأن المريض الذي يميل بين الصحة والسقم؛ فأرباب النفاق مترددون بين الشك والعلم، فليس منهم نَفْيٌ بالقطع ولا إثباتٌ بالعلم، فهم متطوّحون في أودية الشك، وهذا معنى قوله: ﴿أَفِ قُلُوبِهِمْ فَرَضُ أَمِ أَرْقَابُواْأَمْ يَانُونَ أَنْ يَحِفَ اللَّهُ عَيْهِمْ وَرَسُولٌ بَلْ أُوْلَتْكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ . فلمَّا انخرطوا في سلك التجويز ما حصلوا إلا في ظُلْم الشك، ولما لم يكن لهم يقينّ في القلب لم يكن معهم لأهل القلوب ذكر. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . الذين إيمانهم حقيقةً بحكم التصديق شأنُهم قيامُهم بإظهار ما ضمنوه من التحقيق. ومن يُقابِلْ أمرَ الله بالطاعة، ويستقبلْ حُكمه بالاستخذاء .. فأولئك هم الصادقون في الحقيقة، السالكون في الطريقة، الآخذون بالوثيقة (١). قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَأَفْسَعُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُنُّ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِبْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . أقسموا بالله غاية اليمين، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج في المستقبل، فقال: لا تَعِدُوا بما هو معلومٌ منكم ألا تفوا به؛ فطاعةٌ في الوقت أَوْلى من تسويفٍ بالوعد . ثم قال: قُلْ يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا الرسول .. فإن أجابوا سَعِدُوا في الدارين، وأحسنوا إلى أنفسهم. وإنْ تَوَلّوا عن الإجابة فما أَضَرُّوا إلا بأنفسهم ويكون الندم في المستقبل عليهم، وسوف يَلْقَوْنَ سوء عواقبهم، وليس على الرُسلِ إلا حُسْنُ البلاغ. ويومَ الحَشْرِ يُعْطَى كُلُّ أحدٍ كتابَه، ويُعامَلَ بمقتضى حساب نفسه(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلَِنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُمُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَنَّا يَعْبُّدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ . وَعْدُ الله حقٍّ وكلامُه صدقٌ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه - بالإجماع ــ لم يتقدمهم في الفضيلة - إلى يومنا - أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم، وصدَق وعدُ الله فيهم، وهم على الدين المرضيِّ من قِيلِ الله، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذَّبِ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام. (١) الآية (٥٢) لم ترد. (٢) الآية (٥٤) لم ترد. ٣٧٤ تفسير سورة النور وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله؛ إذ الخلَلُ في أمر المسلمين من الولاةِ الظّلمَةِ ضَرَرُه مقصورٌ على ما يتعلَّق بأحكام الدنيا، فأَما حفَّاظُ الدين فهم الأئمة من العلماء وهم أصناف : قومٌ هم حفَّاظ أخبار الرسول عليه السلام وحفّاظُ القرآن وهم بمنزلة الخزنة، وقوم هم علماءُ الأصولِ الرادُون على أهلِ العِناد وأصحابِ البِدَع بواضح الأدلة، وهم بطارِقَةٌ الإسلام وشجعانُه . وقوم هم الفقهاء المرجوعُ إليهم في علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وما يتعلق بأحكام المصاهرات وحكم الجراحات والدِّيَّات، وما في معاني الأَيْمانِ والنذور والدعاوى، وفصل الحُكم في المنازعات وهم في الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في المُلْك. وقوم هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وهم في الدِّين كخواصٌ المَلِك وأعيان مجلس السلطان؛ فالذين معمورٌ بهؤلاء - على اختلافهم إلى يوم القيامة(١). قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِّ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارِّ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ﴾ . إنَّ الباطلَ قد تكون له دولةُ ولكنها تخييل - وما لذلك بقاء ــ وأقلُّ لُبْشاً من عارضٍ ينشأ عن الغيظ . قوله جل ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فِيَسْتَقْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اْحُكُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوْقِ اَلْفَجْرِ﴾ . ضيَّق الأمر من وجهٍ ووسَّعَه من وجهٍ، وأمر بمراعاة الاحتياط وحسن السياسة لأحكام الدين ومراعاة أمر الحُرُم، والتحرر من مخاوف الفتنة، وإذا كانت الجوانبُ محروسةً صارت المخاوفُ مأمونة (٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَمًا فَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَامُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَرِحَتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّهُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . يحدث تأثيرٌ بالمضَرّة لبناتِ الصدور من دواعي الفتنة واستيلاء سلطان الشهوة؛ فإذا سَكنَتْ تلك الثائرة سَهُل البابُ، وأُبيحت الرُّخَصُ وأُمِنَتْ الفتنة. قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْسَ عَلَ الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَيٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ﴾ . (١) الآية (٥٦) لم ترد. (٢) الآية (٥٩) لم ترد. ٣٧٥ تفسير سورة النور إذا جاءت الأعذار سُهلَ الامتحانُ والاختيارُ، وإذا حصلت القرابةُ سقطت الحشمة، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية؛ فبشهادة هذه الآية إذا انتفت هذه الشروط صَحَّتْ المباسطة في الارتفاق . ثم قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]: وعزيزٌ منْ يصدُقُ في الصداقة؛ فيكون في الباطن كما يُرَى في الظاهر، ولا يكون في الوجه كالمرآة ومِنْ ورائِك كالمقْراض(١)، وفي معناه ما قلت: فإذا تَرَحَّلَ لم يزغ عن عهده مَنْ لي بمن يثق الفؤاد بودِّه حسنَ الوفاء بوعده لا نَقْدِه يا بؤس نفسي من أخ لي باذلٍ ويدسُ صاباً في حلاوة شَهْده يُولِي الصفاءَ بُنُطِقه لا خُلقه وجَّنانه تغلي مراجلُ حقده فلسانُه يبدي جواهر عقده بك أستيعد من الحسود وكيده لا هُمَّ إني لا أطيق مِراسَه وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] مَنْ تُؤْمَنُ منه هذه الخصال وأمثالها. قوله جل ذكره: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَلْمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيُِّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَمْقِلُونَ﴾ . السلامُ الأمانُ، وسبيلُ المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلْمَ مِنَ اللَّهِ على نَفْسِه؛ أي يطلب الأمانَ والسلامةَ من الله لِتَسَلَم نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضاه الله، إذ لا يحل لمُسلِم أَنْ يفْتُرَ لحظةً عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه - سبحانه - ظِلَّ عِصْمَتِه؛ بإدامة حِفْظِه عن الاتصاف بمكروهٍ في الشرع. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَايِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أَسْتَخْذَنُكَ لِيَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. شرطُ الاتباع موافقةُ المتبوع، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزاباً كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] و((العلماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ))(٢). والمريدون لشيوخهم (١) المقراض: المقص، وهو ما يقرض به الثوب أو غيره، وهما مقراضان. والمقراض: آلة تقرض بها تذكرة الراكب في القطار وغيره. (ج) مقاريض. (٢) أخرجه ابن ماجه في (السنن ٢٢٣)، وابن حجر في (تلخيص الحبير ٣/ ١٦٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٧١/١ - ٣٣٨ - ٤٥٠)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٨٦٧٩) والقرطبي في (التفسير ٤١/٤، ١٦٤/١٣)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار) والبخاري في (التاريخ الكبير ٣٣٧/٨)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ٢٠)، والعجلوني في= ٣٧٦ تفسير سورة النور كالأُمَّةِ لنبيِّهم؛ فَشَرْطُ المريدِ ألا يَتَنَفَّسَ بِنَفَسِ إلا بإذن شيخه، ومَنْ خَالَفَ شيخَه في نَفَسٍ - سِرَّاً أو جَهْراً - فإنه يرى غِنَّه سريعاً في غير ما يُحبُّه. ومخالفةُ الشيوخ فيما يستّسرونه عنهم أشدُّ مِمَّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة. ومَنْ خَالَفَ شيخَه لا يُشمُّ رائحةَ الصّدقِ، فإن بَدَرَ منه شيءٌ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمَّا حَصَلَ منه من المخالفة والخيانة، لِيَهْدِيَه شيخُه إلى ما فيه كفَّارةُ جُزْمِه، ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه. وإذا رجعِ المريدُ إلى شيخه بالصدق وَجَبَ على شيخه جبران تقصيره بهمته؛ فإِن المريدين عِيالْ على الشيوخ؛ فُرِضَ عليهم أن يُنْفِقُوا عليهم من قُوَّةِ أحوالهم بما يكون جبراناً لتقصيرهم. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُلِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَلَُّونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾. أي عَظُموه في الخطاب، واحفظوا في خدمته الأدبَ، وعانِقوا طاعتَه على مراعاة الهيبة والتوقير . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِةٍ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَبِئُ﴾ . سعادة الدارين في متابعة السنّة، وشقاوة المنزلين في مخالفة السُّنَّة. ومِنْ أَيْسَرٍ ما يُصيب مَنْ خَالَفَ سُنتَه حرمانُ الموافقة، وتَعَذُّرُ المتابعة بعده، وسقوط حشمة الدارين عن قلبه . قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَِّ مَا فِىِ الشَعَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَّ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنِثُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . إنَّ لليوم غداً، ولِمَا يفعلُ العبدُ حساباً، وسيُطالَبُ المكَلَّفُ بالصغيرِ والكبير، والنقير والقطمير. (كشف الخفاء ٢٢/٢ - ٨٣)، والسهمي في (تاريخ جرجان ٣٣٦)، وابن حجر في (الكاف الشاف في = تخريج أحاديث الكشاف ١٢٤)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١١٤)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٣٠ - ٢٤٧). سورة الفرقان قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . بسم الله اسم جليل شهدت بجلاله أفعالُه، ونَطَقَتْ بجماله أفضالُه. دَلَّتْ على إثباتِه آياتُه، وأخْبَرَتْ عن صفاتِه مفعولاتُه . بسم الله اسم عزيز عُرِفَتْ بفعله قدرتُه، اسم كريم شَهِدَتْ بفضله نصرته . بسم الله اسم عزيز عَرَفَه العقلاءُ بدلالات أفعاله، وعَرَفَه الأصفياءُ باستحقاقه الجلاله وجماله؛ فبلطف جماله عرفوا جودَه، وبكشف جلاله عرفوا وجوده. بسم الله اسم عزيز مَنْ دعاه لبَّاه، ومَنْ توكل عليه كَفَاه، ومَنْ تَوَسَّلَ إليه أكرمه وآواه، ومن تَنَصَّلَ إليه رَحِمَه وأدناه، ومن شكا إليه أشكاه، ومن سأله خوَّله وأعطاه . قوله جلّ ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ . يقال بَرَكَ الطيرُ على الماء إذا دام وقوفُه على ظهر الماء. ومَبَارِكُ الإبلِ مَواضِعُ إقامتها بالليل. وتبارك على وزن تَفَاعَل تفيد دوامَ بقائه، واستحقاقَه لِقِدَمِ ثوبته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع. وفي التفاسير ﴿تَبَارَكَ﴾ أي تعظّمَ وتَكبّر. وعند قوم أنه من البركة وهي الزيادة والنفع، فدوامه وجودُه، وتكبره استحقاق ذاته لصفاته العلمية، والبركة أو الزيادة تشير إلى فَضْلِه وإحسانه ولُطْفِه . فوجوهُ الثناء عليه تنحصر بهذه الأوجه الثلاثة: ثناء عليه بذكر ذاته وحقّه، وثناء بذكر وصفه وعِزّه، وثناء بذكر إحسانه وفضله؛ فكلمةُ ﴿تَبَارَكَ﴾ مجمعُ الثناء عليه - سبحانه . ﴿اَلَّذِى نَزَّلَ اٌلْفُرْقَانَ﴾، وهو القرآن ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: فأكرمه بأن نَبَّاه وفَضَّلَه، وإلى الخَلْقِ أرسله، وبَيَّنَ مُعْجِزَتَه وأمارةً صِدْقه بالقرآن الذي عليه أنزله، وجعله بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً. قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. تَفَرَّدَ بالمُلْكِ فلا شريكَ يساهمه، وتَوَخَّدَ بالجلالِ فلا نظيرَ يُقَاسِمُه؛ فهو الواحد بلا قسيم في ذاته، ولا شريك في مخلوقاتِهِ، ولا شبيهٍ في حَقُّه ولا في صفاته . ٣٧٧ ٣٧٨ تفسير سورة الفرقان قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ◌َالِهَةَ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا بَعْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَعْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ . اتخذوا من دون اللَّهِ آلهةً لا يملكون قطميراً، ولا يخلقون نقيراً، ولا يدفعون عنهم كثيراً ولا يسيراً، ولا ينفعونهم ولا يُسهّلُون عليهم عسيراً، ولا يملكون لأحدٍ موتاً ولا نُشوراً. قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَقْتَرَّهُ وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌ فَقَدْ جَهُو ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِرَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . ظنوه كما كانوا، ولمَّا كانوا بأمثالهم قد استعانوا فيما عجزوا عنه من أمورِهم، واستحدثوا لأمثالهم واستكانوا - فقد قالوا من غير حُجَّةٍ وتَقَوَلُّوا، ولم يكن لقولهم تحصيل، ولأَساطيرُ الأولين تُرَّهاتُهم التي لا يُذْرَى هل كانت؟ وإن كانت فلا يُعْرَفُ كيف كانت ومتى كانت؟ ثم قال: يا محمد، إن هذا الكتاب - الذي أنزله الذي يعلم السِّرَّ في السموات والأرض - لا يَقْدِر أحد على الإتيان بمثله ولو تشاغلوا من الوقت الذي أتى به أعداء الدين، وهم على كثرتهم مجتهدون في معارضته بما يوجب مساواته؛ فادَّعوا تكذيبه. وانقطعت الأعصار وانقضت الأعمال، ولم يأتِ أحدٌ بسورة مثله. فانتفى الرَّيْبُ عن صِدْقِهِ، ووَجَبَ الإقرارُ بحقُّه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُوْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ بَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِ فِي الْأَسْوَاقِّ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُنَ مَعَهُمِ نَذِيرً أَوْ يُلْقَّ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَأَ وَقَالَ الْظَالِمُونَ إِن تَشَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِنِ ذَلِكَ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ . لما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بَشَراً من جنسهم يمشي في الأسواق، ويأكل الطعام، وعابوه بالفقر وقالوا: هَلَا نَزَّلَ عليه الملائكةَ فَيُرَوْنَ عياناً؟ وهلَّا جعل له الكنوزَ فاستكثر مالاً؟ وهلَّا خُصَّ بآياتٍ - اقترحوها - فَتَقْطَعَ العُذْرَ وتُزِيلَ عنَّا إشكالاً؟! وما هذا الرجلُ إلا بشرٌ تعتريه مِنْ دواعي الشهوات ما يعتري غيره! فأيُّ خصوصيةٍ له حتى تلْزَمَنا متابَعَتَهُ ولن يُظْهِرَ لنا حجةً؟ فأجاب الله عنهم وقال: إنَّ الحقَّ قادرٌ على تمليكلك ما قالوا وأضعافَ ذلك، وفي قدرته إظهارُ ما اقترحوه وأضعافُ ذلك، ولكن ليس لهم هذا التخير بعدما أزيح العذرُ بإظهار معجزة ٣٧٩ تفسير سورة الفرقان واحدة، واقتراح ما يَهْوَوْنَ تحكّمٌ على التقدير، وليس لهم ذلك. ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافَه لم يؤمنوا؛ لأن حُكْمَ الله بالشقاوة سابق لهم، وقال : ﴿بَلّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ . فهم في حُكم الله من جملة الكفار، والله أَعَدَّ لهم ولأمثالهم من الكفار وعيدَ الأبدِ . . فلا محالة يُمْتحنون به. قوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: دليلٌ على جواز التكليف بما لا يقدر عليه العبدُ في الحالِ؛ لأنه أخبر أنهم لا يستطيعون سبيلاً، وهم معاتبُون مُكَلَّفُون . قوله جلّ ذكره: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ . فوحشةُ النارِ توجد من مسافة بعيدة قبل شهودِها والامتحان بها، ونسيمُ الجنةَ يوجد قبل شهودِها والدخول فيها، والنار تُسَجَّر منذ سنين قبل المحترقين بها، والجنة تُزَيَّن منذ سنين قَبْلَ المسْتَمتِعين بها. وكذَبَ مَنْ أحال وجودهما قبل كون سكانهما وقطانهما من المنتفعين أو المعاقبين، لأن الصادق أخبر عن صفاتهما التي لا تكون إلا بموجود حيث قال : ﴿وَإِذَا أَلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. راحةً الجنة مقرونة بسعتها، ووحشة النار مقرونة بضيقها، فيُضيق عليهم مكانَهم، ويضيِّق عليهم قلوبهم، ويضيق عليهم أوقاتهم. ولو كانت حياتُهم تبطل وكانوا يتخلصون منها لم يكن البلاء كاملاً، ولكنها آلام لا تتناهى، ومِحَنّ لا تنقضي؛ كلما راموا فرجةً قيل لهم: فلن نزيدكم إلا عذاباً. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ اٌلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا﴾ . المتقون أبداً في النعيم المقيم؛ حور وسرور وحبور، ورَوْحٌ وريحان، وبهجة وإحسان، ولطف جديد وفضل مزيد، وألذُّ شرابٍ وكاساتُ محابٌ، وبسطُ قلبٍ وطيبُ حالٍ، وكمال أُنْسٍ ودوام طرب وتمام جَذَلٍ، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس(١) وإستبرق(٢). والأسماء أسماءً في الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها. (١) السندس: رقيق الديباج ورفيعه. وقيل: السندس ضرب من البُزيون يُتخذ من المرعزيّ (معرّب). (لسان العرب ١٠٧/٦ مادة: سندس). (٢) الإستبرق: هو الديباح الصفيق الغليظ الحسن، وهو اسم أعجمي أصله بالفارسية اسْتَقْره ونقل من العجمية إلى العربية كما سمي الديباج وهو منقول من الفارسية. (لسان العرب ٥/١٠ مادة: إستبرق). ٣٨٠ تفسير سورة الفرقان ثم فيها ما يشاؤون، وهم أبداً مقيمون لا يبرحون، ولا هم عنها يخرجون. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾. ولكن لا يخلق في قلوبهم إلا إرادةَ ما عَلِم أنه سيفعله، فما هو المعلوم لله أنه لا يفعله لا تتعلق به إرادتُهم، ويمنع من قلوبهم مشيئته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّيِلَ﴾ . اللَّهُ يحشرُ الكفارَ ويحشر الأصنامَ التي عبدوها من دون الله، فَيُخبِيها ويقول لها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون ... كلَّه تهويلٌ وتعظيمٌ للشأن، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن. فالأصنام تُتبرأ منهم، وتقابلهم بالتكذيب، وهم ينادون على أنفسهم بالخطأ والضلالِ، فَيُلْقَوْن في النار، ويَبْقَوْنَ في الوعيد إلى الأبد (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْثُونَ فِىِ اَلْأَسْوَانِ﴾ . أخبر أن الذين تَقْذَّموه من الرسل كانوا بَشَراً، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهورَ المعجزات عليهم. وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونُّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ . فَضَّلَ بعضاً على بعض، وأمر المفضولَ بالصبر والرضاء، والفاضلَ بالشكر على العطاء وخصَّ قوماً بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخصّ قوماً بالعوافي، وآخرين بالأسقام والآلام، فلا لِمَن نَعَّمَه مناقبٍ، ولا لِمَنْ امتحنه معايب ... فبحُكمِه لا يِجُزْمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا بأوضارهم، وبأقذاره لا بأوزارهم، وبه لا یھم. قوله: ﴿أَنَصْبِرُونُّ؟﴾ استفهام في معنى الأمر، فَمَنْ ساعَدَه التوفيقُ صبر وشكر، ومن قارنه الخذلان أبي وكفر . قوله جلّ ذکرہ: ﴿ وَقَالَ الَِّينَ لَا يَرْجُونَ لِقَّءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبََّاً لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُنُوَّا كَبِيرًا﴾ . ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾: لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله في القيامة من الدنيا. وكما كانوا لا يخافون العذابَ، ولا ينتظرون الحَشْرَ كذلك كانوا لا يُؤمِنون لقاءَ الله. فَمُتْكِرُ الرؤيةِ من أهل القِبْلَةِ - ممن يؤمِن بالقيامة والحشرِ - مُشَارِكٌ لهؤلاء في (١) الآيتان (١٨، ١٩) لم ترد.