النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ تفسير سورة المؤمنون بحار القُدْرة، وإنَّ بحارَ القدرة تتلاطم أمواجها، والناسُ فيها غَرْقَى إلا مَنْ يحفظه الحقُّ - سبحانه - في سفينة العناية . وصفةُ أهل الفُلكِ إذا مستْهم شِدَّة خوفِ الغَرَقِ ما ذكر الله في قوله: ﴿فَإِذَا رَحِكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] كذلك مَنْ شاهدَ نفسه على شَفًا الهلاكِ والغرقِ، والتجأ إلى صِدْق الاستعانة ودوام الاستغاثة فعند ذلك يحميه الحقُّ - سبحانه - من مخلوقات التقدير. ويقال إنَّ وَجهَ الأرضِ بحارُ الغفلة، وما عليه الناسُ من أسباب التفرقة بحارّ مهلكةٌ والناس فيها غرقى. وكما قال بعضهم: والبعدُ عنهم سفينة الناسُ بحرٌ عميقٌ لنفسك المسكينة وقد نصحتُك فانظر قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمُ مِنْ إِلَّهِ غَيْرُهُ أَفَلَا نَتَّقُونَ﴾ . كَرَّرَ قصةً نوح لِمَا فيها من عظيم الآيات من طولٍ مقامه في قومه، وشدةٍ مقاساة البلاء منهم، وتمام صبره على ما استقبله في طول عمره، ثم إهلاك الله جميع مَنْ أَصَرَّ على كفرانه، ثم إهلاك الله جميع مَنْ أصَرّ على كفرانه، ثم لم يغادر منهم أحداً، ولم يبال - سبحانه - بأن أهلك جملتهم. ولقد ذكر في القصص أن امرأةً من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولودٌ، فَحَمَلَتْه وقامت حاملةً له ترفعه عن الطوفان، فلمَّا بلغٍ الماءُ إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها - قذْرَ ما أمكنها - إبقاءً على وَلَدِها، وإشفاقاً عليه من الهلاك، إلى أن غَلَبَها الماءُ وتَلِفَتْ وولدها. فأوحى الله إلى نوح - عليه السلام - لو أني كنتُ أَرْحَمُ واحداً منهم لَرَحِمْتُ تلك المرأة وولدها. وفي الخبر أن نوحاً كان اسمه يشكر، ولكثرة ما كان يبكي أوحى الله إليه: يا نوح ... إلى كم تنوح؟ فسمَّاه نوحاً. ويقال إنّ ذنبَه أنه مرّ يوماً بكلب فقال: ما أوحشه! فأوحى الله إليه: اخلق أنت أَحْسَنَ من هذا! فكان يبكي معتذراً عن قالته تلك. وكان قومُه يلاحظونه بعين الجنون، وما زاد لهم دعوةٌ إلا ازدادوا عن إجابته نبوةً، وما زاد لهم صفوةً إلا ازدادوا على طول المدة قسوةً على قسوة. ولما عمل السفينة ظهر الطوفان، وأدخل في السفينة أَهْلَه، تعرّض له إبليسُ - كما جاء في القصة - وقال: اخمِلْني معك في السفينة، فأبى نوح وقال: يا شقيّ ... تطمع في حملي إياك وأنت رأسُ الكفَرَةِ؟! فقال إبليسُ: أَمَا عَلِمْتُ - يا نوحُ - أَنّ الله أنْظَرني إلى يوم القيامة، وليس ينجو اليومَ أحدٌ إلّا في هذه السفينة؟ ٣٤٢ تفسير سورة المؤمنون فأوحى الله إلى نوح أَن احمله فكان إبليسُ مع نوح في السفينة، ولم يكن لابنه معه مكانٌ في السفينة. وفي هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من الله غير معلول لأنه إن كان المعنى في أن ابنه لم يكن معه له مكان لكُفْرِه فبإبليس يُشكل ... ولكنها أحكامٌ غيرُ معلولة، وجاز له - سبحانه - أن يفعل ما يريد: يَصِلُ مَنْ شاءَ ويَرُدُّ مَنْ شاء . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنِى مُنًَّا مُّبَارَكاً وَأَنْتَ خَّرُ الْمُنْزِلِينَ﴾(١). الإنزالُ المباركُ أن يكون بالله ولله، وعلى شهودِ الله من غير غفلة عن الله، ولا مخالفاً لأمر الله. ويقال الإنزال المبارك الاستيعاب بشهود الوصف عنك، ثم الاستغراق باستيلاء سلطان القُرْب عليك، ثم الاستهلاك بإِحداق أنوار التجلّي حتى لا تبقى عين ولا أثر، فإذا تَمَّ هذا ودامٍ هذا فهو نزولٌ بساحات الحقيقة مبارك؛ لأنك بلا أنت ... بكليتك من غير بقيةٍ أو أثرٍ عنك. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَالخَرِنَ﴾(٢). تتابعت القرونُ على طريقةٍ واحدةٍ في التكذيب، وغرّهم طولُ الامهالِ، وما مكثّهم من رَفَهِ العيش وخَفْض الدّعَةِ، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم، ولم يَسْمُ لهم طَرَفّ إلى مَنْ فوقهم في الحال والمنزلة، فقالوا: أنؤمن بمن يتردد في الأسواق، وينتفع مثلنا بوجوه الأرفاق؟ ولئن أطعنا بشراً مثلنا لَسَلَكنا سبيلَ الغَيِّ، وتَنَكَبْنا سُنَّةً الرُّشْدِ. فأجراهم اللَّهُ في الإهانةِ وإحلال العقوبة بهم مجرّى واحداً، وأذاقهم عذابَ الخزي. وأعظمُ ما دَاخَلَهم من الشُّبهةِ والاستبعادِ أمر الحشْرِ والنشر، ولم يرتقوا للعلم بأنَّ الإعادة كالابتداء في الجواز وعدم الاستحالة، والله يهدي مَنْ يشاء ويُغْوِي مَنْ یرید . ثم إن الله في هذه السورة ذَكْرَ قصةَ موسى عليه السلام، ثم بعده قصةً عيسى عليه السلام، وخَصَّ كُلَّ واحدٍ منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(٣). كلوا من الطيبات مما أَحلَّ لكم وأباح، وما هو محكوم بأنَّه طيب - على شريطة مطابقة رُخْصَةِ الشريعة - مما كان حلالاً في وقتهم، مطلقاً مأذوناً لهم فيه. وكذلك (١) الآيات من (٢٤ - ٢٨) لم ترد. (٣) الآيات (٣٢ - ٥٠) لم ترد. (٢) الآية (٣٠) لم ترد. ٣٤٣ تفسير سورة المؤمنون أعمالهم الصالحة ما كان موافقاً لأمر الله في زمانهم بفنون طاعاتهم في أفعالهم .وعقائدهم وأحوالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُرْ أُمَّةُ وَحِدَةُ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ﴾. معبودكم واحدٌ، ونبيُّكم واحد، وشرعكم واحد؛ فأنتم في الأصول شرعٌ سواءٌ، فلا تسلكوا ثِنْيَاتِ الطرق(١) فتطيحوا في أودية الضلالة. وعليكم باتباع سَلَفِكم، واحذروا موافقة ابتداع خَلّفكم. ﴿وَأَنّا رَبُّكُمْ فَنَّقُونٍ﴾ خافوا مخالفةً أمري، واعرفوا عظيمَ قَدْرِي، واحفظوا في جريان التقدير سِرِّي، واستديموا بقلوبكم ذكري، تجدوا في مآلكم غفري، وتَحْظَوْا بجميلٍ پري. قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَقَطّعُواْ أَقْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبٌ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . فمستقيم على حَقُّه، وتائه في غَيِّه، ومُصِرُّ على عصيانه وفِسْقِهِ، ومقيمٌ على إحسانه وصِذْقه، كُلُّ مربوطٌ بحدِّه، موقوفٌ بما قُسِمَ له في البداية من شأنه، كلّ ينتحل طريقَته ويَدَّعى بحسن طريقته حقيقةً، وعند صحوٍ سماءِ قلوبٍ أربابِ التوحيدِ لا غُبارَ في الطريق؛ وهم على يقين معارفهم؛ فلا زَيْبَ يتخالجهم ولا شُبْهة. وأهل الباطل في عَمَى جَهْلِهم، وغبارِ جُخْدِهم، وظلمة تقليدهم، ومحنة شكهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَْرَتِهِمْ حَ بِينٍ﴾ . إنَّ مدةَ أَخْذِهم لقريبةٌ، والعقوبة عليهم - إذا أُخِذُوا - الشديدة، ولسوف يتبين لهم خطؤهم من صوابهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُّهُر ◌ِهِ، مِن مَالٍ وَبِنٌّ تُسَارِعُ لَمْ فِ الْخَيَْتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ . هذا في شأن أصحاب الاستدراج من مَكْرِ الحقِّ بهم بتلبيس المنهاج؛ رَأَوا سَرَاباً فَظَنْوه شراباً، ودَس لهم في شهْدِهم صاباً فتوهموه عِذَاباً(٢)، وحين لقوا عَذَاباً عَلِموا أنهم لم يفعلوا صواباً. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ . أمارةُ الإشفاق من الخشيةِ إطراقُ السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب، ومحاذرةُ بَغَتَاتِ الطَّرْد، لا يستقر بهم قرارٌ لِمَا داخَلَهم من الرُّغْبِ، واستولى عليهم من سلطانِ الهيبة . (١) الثني من الوادي: منعطفه. (٢) العذاب: (ج) العَذْب: من الشراب والطعام: كل مستساغ. (لسان العرب ٥٨٣/١ مادة: عذب). ٠ ٣٤٤ تفسير سورة المؤمنون قوله جل ذكره: ﴿ وَلَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ . تلك الآياتُ مختلفةٌ؛ فمنها ما يُكاشَفون به في الأقطار من اختلاف الأدوار، وما فيه الناس من فنون الهِممَ وصنوفِ المُنى والإرادات، فإذا آمن من العبدُ بها، واعتبر بها اقتنع بما يرى نَفْسَه مطالباً به . قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ بِيِهِمْ لَا يُشْرِكُنَ﴾ يَذَرُونِ جَليَّ الشِّرْكِ وخَفِيَّه؛ والشّرْكُ الخفيّ ملاحظةُ الخَلْقِ في أوانٍ الطاعات، والاستبشارُ بمَذْحِ الخَلْقِ وقبولهم، والانكسارُ والذّبولُ عند انقطاع رؤية الخلق. ويقال الشّرْكُ الخفيُّ إحالةُ النادرِ من الحالات - في المَسَارُ والمَضَارِّ - على الأسباب كقول القائل: ((لولا دعاءُ أبيك لهلكت)) و((لولا هِمَّةُ فلان لما أفلحت)» ... وأمثال هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. وكذلك تَوَهُمُ حصولِ الشِّفَاءِ من شُرْبِ الدواء. فإذا أيقن العبدُ بِسرِّه ألا شيء من الحدثان، ولم يتوهم ذلك، وأيقن ألَّ شيء إلا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشِّرْكِ. قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَسِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَيْهِمْ رَجِعُونَ﴾ . يُخْلِصُون في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ، أو تعريح في أوطانِ الكسل، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص. ثم يخافون كأنّهم أَلَمُّوا بالفواحشَ، ويلاحظون أحوالَهم بعينٌ الاستصغار والاستحقار، ويخافون بغتاتٍ التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل: فكأنما حَسَنَاتُه آثامُ يتجنّبُ الآثامَ ثم يخافها قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَتِ وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾ . مُسارعٌ بِقَدَمِه من حيث الطاعات، ومُسارعٌ بِهِمَمِه من حيث المواصلات، ومُسارعٌ بِنَدَمِه من حيث تجرُّع الحسرات، والكلُّ مصيبٌ، وللكلِّ من إقباله - على ما یلیق بحاله - نصيب . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَبُ يَطِقُ بِالِّْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . المطالباتُ في الشريعةِ مُضَمِّنَةٌ بالسهولة، وأمَّا مطالباتُ الحقيقة فكما قالوا: ليس إلّا بَذْل الروح، ولهذا فهم لا تشغلهم التُّرَّهَات(١). قال لأهل الرخص والمستضعفين في الحال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وأمَّا أربابُ الحقائق؛ (١) الترهات: الأباطيل، واحدتها تُرهة، وهي في الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم. (اللسان ١٣/ ٤٨٠ مادة: تره). ٣٤٥ تفسير سورة المؤمنون فقال: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وقال: ﴿وَتَحْسَبُوْنَُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وقال: ﴿وَحَهِدُواْ فِى اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِنَ﴾ [الحج: ٧٨]. قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: لولا غفلتُهم عن مواضع الحقيقة لما خوَّفهم بكتابة المَلّكِ، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوَّفهم باطلاع الملائكة، وكتابتهم عليهم أعمالهم . قوله جل ذكره: ﴿بَّ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَمْ أَعْمَلٌ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ . لا يَضْلُحُ لهذا الشأن إلا من كان فارغاً من جميع الأعمال، لا شغلَ له في الدنيا والآخرة، فأمَّا مَنْ له شُغْلٌ بدنياه، أو على قلبِه حديثُ عقباه، فليس له نصيبٌ من حديث مولاه، وفي الخبر ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ))(١). ويقال أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأرباب العُقبى مشغولون بعُقباهم، وأهل النار مشغولون بما ينالهم من بلواهم؛ وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه - حين الفراغ - عزيز؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥]. قوله جل ذكره: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَخْتَرُونَ﴾. إنه - سبحانه - يُمْهِلُ ولكنَّه لا يُهْمِلُ؛ فإذا أخَذَ فَبَطْشُه شديدٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطَشَ رَبِكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ٠ ١٢] ... فإذا أخذَ أصحابُ الكبائرِ - حين يحل بهم الانتقامُ - في الجوابِ رُدُّوا في الهوان، ويقال لهم: ﴿لَا تَخْتَرُواْ الْيَوْمَّ إِنَّكُ مِّنَا لَا نُصَرُونَ﴾ . فإذا انفصل من الغيبِ حُكْمٌ فلا مَرَدَّ لتقديره .. ويقال للجناية سراية؛ فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم يمض حكم السراية . (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٠٩/٨)، والترمذي في (السنن ٢٣٠٤)، وابن ماجه في (السنن ٤١٧٠)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٣٤٤/١)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣/ ٣٧٠)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٢٤٣/١٣)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٥١٥٥) والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٩٠/١٠)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٢٢٢/٩)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٤٤٣/٤)، وابن المبارك في (الزهد ٢)، والذهبي في (الطب النبوي)، وأحمد بن حنبل في (الزهد ٤٣٥)، وابن حجر في (فتح الباري ٢٢٩/١١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٦٤٤٤)، والسيوطي في (الدر المنثور ٣٨٨/٦)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٧٤/٣، ١٧٤/٨)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة ١٦٦). ٣٤٦ تفسير سورة المؤمنون قوله جل ذكره: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَ عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ نَنكِصُونَ مُسْتَكْبِينَ بِهِ. سَِرًا تَهْجُرُونَ﴾ . ذَكَرَ هذا من باب إملاءِ العُذْرِ، وإلزام الحجة، والقطع بألا ينفعَ - الآنَ - الجزعُ ولا يُسْمَعُ العُذْرُ، والملوكُ إذا أبرموا حُكْماً، فالاستغاثةُ غيرُ مُؤَثْرَةٍ في الحاصل منهم، قال قائلهم : إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيءلم تكد إليه بوجهٍ - آخِرَ الدهرِ - تُقْبِلُ قوله جل ذكره: ﴿أَفَلَمَّ يَّبَرُواْ أَلْقَوْلَ أَفْر ◌ََّهُم مَّا لَرْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَِّينَ﴾. يعني أنهم لو أنعموا النظر، وسلطوا على أحوالهم صائبَ الفِكْر لاستبصروا في الحال، ولانتفى عن قلوبهم الاستعجامُ والإشكال، ولكنهم استوطنوا مركبَ الكسل، وعرَّجُوا في أوطان التغافل، فتعودوا الجهل، وأيسوا من الاستبصار. قوله جل ذكره: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُّنْكِرُونَ﴾ . ذُهِلُوا عن التحقيق فتَطَوَّحُوا في أودية المغاليط، وتَرجَّمَتْ بهم الظنونُ الخاطئةُ، ومَلَكَتْهُم كواذبُ التقديرات، فأخبر اللَّهُ (الرسول)(١) عن أحوالهم؛ فمرةً قابلوه بالتكذيب، ومرةً رَمَوْه بالسّحرِ، ومرةً عابوه بتعاطيه أفعالَ العادة بما عليه الناس من المآكل والمشارب، ومرةً قَدَحُوا فيه بما هو فيه من الفقر وقِلَّةِ ذات اليد ... فأخبر اللَّهُ عن تَشَتَّتِ أحوالِهِم، وتَقَسُّم أفكارهم(٢). قوله جل ذكره: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ وَمَن فِيهِرَّ بَلْ أَنَيْنَهُم بِذِكْرِهِم فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ﴾ وذلك لتضادّ مُنَاهم وأهوائهم؛ إذ هم متشاكسون في السؤال والمراد، وتحصيلُ ذلك مُحَالٌ تقديرُه في الوجود. فَبَيِّنَ الله - سبحانه - أنه لو أجرى حُكْمَه على وفق مرادِهم لاختلّ أمرُ السمواتِ والأرض، ولَخَرَجَ عن حَدِّ الإحكام والإتقان. قوله جل ذكره: ﴿أَمّ ◌َثَلُهُمْ خَرْهً فَخَرَجُ رَبِكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ . أي إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرٍ، ولا بإعطاءِ عِوَضٍ حتى تكونَ بموضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة. أم لعلّكَّ تريد أن يَعْقِدُوا لكَ الرياسة. ثم قال: والذي لَكَ من الله سبحانه من جزيل الثواب وحسن المآب يُغْنيك عن التصدّي لنّيْل ما يكون في حصوله منهم مطمع. وهذا كان سُنَّة الأنبياء والمرسلين؛ عملوا لله ولم يطلبوا أجراً من غير الله. والعلماءُ وَرَثَةُ الأنبياء فسبيلُهم التوقّي عن التّدَنْسِ (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٢) الآية (٧٠) لم ترد. ٣٤٧ تفسير سورة المؤمنون بالأطماع، والأكلِ بالدِّين فإنه رِياءٌ مُضِرٍّ بالإيمان؛ فإذا كان العملُ لله فالأجرُ مُنْتَظَرٌ من الله، وهو موعودٌ من قِبَل الله. قوله جل ذكره: ﴿وَإِّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرْطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. الصراط المستقيم شُهودُ الربِّ بنعت الانفراد في جميع الأشياء، وفي الإيجاد، والاستسلام لقضايا الإلزام بمواطأة القلب من غير استكراهِ الحُكْم. قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ عَنِ الْصِرَطِ لَكِبُونَ﴾ . زاغوا عن الحجة المُثلى بقلوبهم فوقعوا في جحيم الفرقة، وستميل وتزل أقدامُهم غداً عن الصراط، فيقعون في نار الحرقة؛ فهم ناكبون في دنياهم وعقباهم. قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَلَوْ رَحْنَهُمْ وَكَثَفْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُرّ لََّجُواْ فِ كُغْيَدِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . أخبر عن صادق علمه بهم، وذلك صادر عن سابق حُكْمِه فيهم، فقال: لو كشفنا عنهم في الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان في المآل، ولقد عَلِمَ أنهم سيكفرون، وحَكَمَ عليهم بأنهم يكفرون؛ إذ لا يجوز أن يكون حُكْمُه فيهم بخلافٍ عِلمه بهم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابٍ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنْضَّعُونَ﴾ . أذقناهم مقدماتِ العذابِ دونَ شدائِده ... تنبيهاً لهم، فما انتبهوا وما انزجروا، ولو أنهم إذا رأوا العذاب فزعوا إلى التضرع والابتهالِ لأسرع اللَّهُ زواله عنهم، ولكنهم أصرُّوا على باطلهم، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمراً كان مفعولاً . قوله جل ذكره: ﴿حَّىَ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابَّاذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ﴾ . لما أحللنا بهم أشدَّ العقوبات ضّعُفُوا عن تَحمُّلِها، وأُخِذُوا بغتةً، ولم ينفعهم ما قدَّموا من الابتهال، فَيَئِسُوا عن الإجابة، وعرَّجوا في أوطان القنوط. قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِّ أَنْشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْتِدَةُ قَلِلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . ذكر عظيمَ مِنْتِهِ عليهم بأن خَلَقَ لهم هذه الأعضاء، وطالَبَهم بالشكر عليها . وشُكْرُهُمْ عليها استعمالُها في طاعته؛ فَشُكْرُ السَّمْعِ ألا تسمعَ إلا بالله ولله، وشُكْرُ البَصَر ألا تنظرَ إلا بالله لله، وشكرُ القلب ألَّا تشهدَ غيرَ الله، وألَّا تحبَّ به غيرَ الله. قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ مُخْشَرُونَ﴾ . الابتداءُ للحادثاتِ من الله بدءاً، والانتهاءُ إليه عوداً، والتوحيد ينتظم هذه المعاني؛ فتعرف أنَّ الحادثات بالله ظهوراً، ولله مِلْكاً، ومن الله ابتداءً، وإلى الله انتهاءً . قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يُحِىءٌ وَيُمِيتُ وَلَهُ أُخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ . ٣٤٨ تفسير سورة المؤمنون يُخيي لنفوسَ ويُميتُهَا والمعنى في ذلك معلومٌ، وكذلك يحيي القلوبَ ويميتها؛ فموتُ القلب بالكُفْرِ والجُحد، وحياةُ القلبِ بالإيمان والتوحيد، وكما أنَّ للقلوبِ حياةً وموتاً فكذلك للأوقات موتٌ وحياةٌ، فحياةُ الأوقاتِ بيُمْنِ إقباله، وموتُ الأوقاتِ بمحنة إعراضه، وفي معناه أنشدوا: أموت إذا ذكرتك ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموت قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ فليس كلُّ اختلافها في ضيائها وظلمتها، وطولها وقِصَرِها، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَرِ، وفي الروح والنوح؛ فَمِنَ الليالي ما هو أضوأْ من اللآلي، ومن النهار ما هو أشدُّ من الحنادس، يقول قائلهم: لياليّ بعد الطاعنين شُكُولُ. ويقول قائلهم : تُخَبْرُ أَنَّ المانويةَ تَكْذِبُ وكَمْ لظلام الليلِ عِنْدِيّ من يدٍ وقريب من هذا المعنى قالوا : لآلي عقودٍ في نحور الكواعبِ(١) ليالي وصالٍ قد مُضَيْن كأنّها وأيامُ هَجْرٍ أعقبتها كأنّها بياضُ مشيبٍ في سواد الذوائبِ قوله جل ذكره: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُواْ أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَعِقَا لَبْعُوتُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ﴾ . سلكوا في التكذيب مَسْلَكَ سَلَفِهم، وأسرفوا في العناد مثل سَرَفِهم، فأصابهم ما أصاب الأولين من هلاكهم وتَلَفِهم. قوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا﴾ لمَّا طال عليهم وقتُ الحشر، وما توعدهم به من العذاب بعد البعث والنَّشْرِ زَادَ ذلك في ارتيابهم، وجعلوا ذلك حُجَّةً فِي لَبْسِهِم واضطرابهم ، فقالوا: لقد وُعِدْنا مثل هذا نحن وآباؤنا، ثم لم يكن لذلك تحقيق، فما نحن إلّا أمثالُهم. فاحتجَّ اللَّهُ عليهم في جواز الحشر بما أقروا به من ابتداء الخَلْق: فقال جل ذكره: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَاْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ قُلْ مَن رَبُّ الْعَمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ . (١) نحور. (ج) نحر: أعلى الصدر، وموضع القلادة منه. الكواعب: (ج) الكاعب: كعبت الفتاة: نهد ثديها. ٣٤٩ تفسير سورة المؤمنون أُمَرَه - عليه السلام - أَنْ يُلَوْنَ عليهم الأسئلة، وعَقَّبَ كُلَّ واحدٍ من ذلك - مُخْبِراً عنهم - أنهم سيقولون: لله، ثم لم يَكْتَفِ منهم بقالتهم تلك، بل عائَبَهم على تجرُّدٍ قولهم عن التَّذَكُر والفَهْم والعلم، تنبيهاً على أن القول - وإن كان في نفسه صدقاً - فلم تكن فيه غنية؛ إذ لم يصدر عن علمٍ ويقينٍ . ثم نَبَّهَهُمْ على كمالٍ قدرته، وأنَّ القدرة القديمة إذا تعلَّقت بمقدورٍ له ضدٌّ تعلَّقت بضدْه، ويتعلق بمثل متعلقه. والعَجَبُ من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله، ثم تجويزهم عبادة الأصنام التي هي جماداتٌ لا تحيا، ولا تضرّ ولا تنفع . ويقال أولاً قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال بعده: ﴿أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾ فَقَدَّمَ التذكُرَ على التقوى؛ لأنهم بتذكرهم يَصلُونِ إِلى المغفرة، ثم بعد أن يعرفوه فإنهم يجب عليهم اتقاءُ مخالفته. ثم بعد ذلك: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؛ أي بعد وضوح الحجة فأيُّ شَكْ بَقِيَ حتى تنسبوه إلى السّخْرِ؟ قوله جل ذكره: ﴿بَلْ أَتَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . بَيَّنَ أنهم أصرُّر على جحودهم، وأقاموا على عُتُوَّهم ونْبُوْهم، وبعد أن أُزيحت العِللُ فلات حين عذر، وليس لتجويز المُسَاهَلَةِ موجِبٌ بَّاً . قوله جل ذكره: ﴿مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَ﴾. اتخاذ الأولاد لا يصحُّ كاتخاذ الشريك، والأمران جميعاً داخلان في حدٌ الاستحالة، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة في القَدْرِ، والصمدية تتقدَّسُ عن جواز أن يكون له مِثْلٌ أو جنس . قوله جل ذكره: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَيْهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا بُشْرِكُونَ﴾ . كُلُّ أمرٍ بِيطَ (١) باثنين فقد انتفى عنه النظامُ وصحةُ الترتيب، وأدلة التمانع مذكورة في مسائل الأصول. ﴿سُبْحَنَ الَّهِ﴾ تقديساً له، وتنزيهاً عما وصفوه به. ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾: تَنَزَّهَ عن أوهام منْ أشرك، وظنون مَنْ أَفِك . قوله جل ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِ مَا يُوعَدُونَ﴾ . يقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلني في جملتهم، ولا توصل إليَّ (١) نيط عليه الشيء: عُهد به إليه. ٣٥٠ تفسير سورة المؤمنون سوءاً مثلما توصل إليهم عمن عقوبتهم. وفي هذا دليلٌ على أنَّ للحقّ أن يفعل ما يريد، ولو عذَّبَ البريء لم يكن ذلك منه ظلماً ولا قبيحاً (١). قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ﴾ . تدل على صحة قدرته على خلاف ما عَلِمَ؛ فإنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك، فَصَحَّتْ القدرةُ على خلاف المعلوم. قوله جل ذكره: ﴿ أَدْفَع ◌ِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ السَِّّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ . الهمزة في ﴿أحسن﴾ يجوز ألا تكون للمبالغة؛ ويكون المعنى ادفع بالحسن السيئة. أو أن تكون للمبالغة؛ فتكون المكافأة جائزةً والعفوُ عنها - في الحُسْنِ - أشدَّ مبالغةً . ويقال ادفع الجفاءَ بالوفاء، وجُرْمَ أهل العصيانِ بحكم الإحسان. ويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له . ويقال اسلك مسلكَ الكَرَم، ولا تجنح إلى طريق المكافأة. ويقال الأحسنُ ما أشار إليه القَلبُ، والسيئةُ ما تدعو إليه النَّفْسُ. ويقال الأحسنُ ما كان بإشارة الحقيقة، والسيئةُ ما كان بوساوس الشيطان. ويقال الأحسنُ نورُ الحقائقِ، والسيئةُ ظلمةُ الخلائق. قوله جل ذكره: ﴿وَقُل رَّتٍ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ . الاستعاذة - على الحقيقة - تكون بالله من الله كما قال رَّلي: ((أعوذ بك منك)) (٢)، ولكنه - سبحانه ــ أراد أن نَعْبُدَه بالاستعاذة به من الشيطان، بل مِنْ كلُ ما هو مُسَلَّطْ علينا، والحقُّ عندئذٍ يوصل إلينا مضرتنا بجري العادة. وإلّا .. فلو كان بالشيطان من إغواء الخَلْقِ شيءٌ لكان يُمْسِكُ على الهدايةِ نَفْسَه! فَمَنْ عَجَزَ عن أنْ يحفَظَ نَفْسَه كان عن إغواءِ غيرِهِ أَشَدَّ عجزاً، وأنشدوا: وعقلي فيك تهويس جحودي فيك تلبيس ومن في ( ... )(٣) إبليس فَمَنْ آدم إلَّاكَ (١) الآية (٩٤) لم ترد. (٢) أخرجه مسلم (صلاة ٢٢٢)، وأبو داود (صلاة ١٤٨)، (وتر، ٥)، والترمذي (دعوات ١١٢) والنسائي (طهارة ١١٩)، (سهو ٨٩)، وابن ماجه (دعاء ٣)، وأحمد بن حنبل ١، ٩٦، ١١٨، ١٥٠، ٦، ٥٨، ٢٠١. (٣) بياض في الأصل. ٣٥١ تفسير سورة المؤمنون قوله جل ذكره: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ لَعَلِّيّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاْ وَمِن وَرَآَبِهِمْ بَغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . إذا أخذ البلاءُ بخناقهم، واستمكن الضُّرُّ من أحوالهم، وعلموا ألّا محيصَ ولا محيدَ أخذوا في التضرُّع والاستكانة، ودون ما يرومون خرطُ القتادِ! ويقال لهم هلّا كان عُشْرُ عشرِ هذا قبلَ هذا؟ ولقد قيل: قلتُ للنفسِ: إِنْ أَرَدتِ رجوعاً فارجعي قبل أن يُسدّ الطريق قوله جل ذكره: ﴿فَإِذَا تُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنَابَ يَنْنَهُمْ يَؤْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَلَّمَلُونَ﴾ . يومئذٍ لا تنفع الأنسابُ وتنقطعُ الأسبابُ، ولا ينفع النّدم، وسيلقى كلِّ غِبَّ ما اجترم؛ فَمَنْ ثَقُلتْ بالخيرات موازِينُه لاحَ عليه تزيينُه. ومن ظهرَ ما يشينه فله من البلاء فنونه؛ تلفح وجوههم النار، وتلمح من شواهدهم الآثار، ویتوجه علیھم الحجاج، فلا جواب لهم يُسْمَع، ولا عُذْر منهم يُقْبل، ولا عذاب عنهم يُرْفَع، ولا عقابُ عنهم يُقْطَع(١) . قوله جل ذكره: ﴿قَالُواْ رَبَّبَا غَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًّاً ضَآَلِينَ﴾ . نطقوا بالحقّ ... ولكن في يومٍ لا ينفع فيه الإقرار، ولا يُقْبَلُ الاعتذار، ثم يقولون : قوله جل ذكره: ﴿رَبَّآ أَخْرِيْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾ . والحقُّ يقول: لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه. عِلمَ أنّ ردَّهم إلى الدنيا لا يكون، ولکنه علم أنّه لو کان فکیف کان یکون. قوله جل ذكره: ﴿قَالَ أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ . عند ذلك يتمّ عليهم البلاء، ويشتدُّ عليهم العناء، لأنهم ما داموا يذكرون الله لم يحصل الفراق بالكلية، فإذا حِيلَ بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة، وهو أحدُ ما قيل في قوله: ﴿لَّا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وفي الخبر: ((أنهم ينصرفون بعد ذلك فإذا لهم عواءً كعواء الذئب)). وبعض الناس تغار من أحوالهم؛ لأن الحق يقول لهم: ﴿أَخَْثُواْ فِيهَا﴾، فيقولون: يا ليتنا يقول لنا! أليس هو يخاطبنا بذلك؟! وهؤلاء يقولون: قَدْحُ الأحباب ألذٌّ من مَذْح الأجانب، وينشدون في هذا المعنى: أتاني عنكِ سَبُّكِ لي .. فسُبِي (١) الآيات من (١٠٢ حتى ١٠٥) لم ترد. أليس جرى بِفِيكِ اسمي؟ فَحسْبِي ٣٥٢ تفسير سورة المؤمنون قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ فَّخَذْتُمْ سِخْرِيًّا خَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنَّهُمْ هُمُ الْغَآْبِرُونَ ﴾ . الحقُّ - سبحانه - ينتقم من أعدائه بما يطيِّبُ به قلوبَ أوليائه، وتلك خصومةُ الحق، فيقول: قد كان قومٌ من أوليائي يُفْصِحون بمدحي وثنائي، ويتصفون بمدحي وإطرائي، فاتخذتموهم سخرياً ... فأنا اليوم أُجازيهم، وأنتقم ممن كان يناويهم. قوله جل ذكره: ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لِيِثْنَا يُؤْمًّا أَوْ بَّضَ يَوْرٍ فَسْئَلِ اَلْعَادِِّنَ قَلَ إِن ◌َبِئْتُمْ إِلَّا قَلِلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . عددُ سنين الأشياء - وإن كانت كثيرة - فقد تقصر أو تقل بالإضافة إلى ما يوفي ويُزْبِي عليها، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض؛ إن كانوا في الراحة فقد تقل بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة، وإن كانت شدائد فتتلاشى في جنب ما يرونه ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات المتوالية . قوله جل ذكره: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ . العبثُ اللهو، واللَّعِبُ والاشتغالُ بما يُلْهِي عن الحقُّ، والله لم يأمر العبادَ بذلك، ولم يَدْعُهم إلى ذلك، ولم يندبهم إليه. والعابثُ في فِعْلِهِ مَنْ فِعْلُه على غير حدِّ الاستقامة، ويكون هازلاً مُسْتَجْلِباً بفعله أحكامَ اللهوِ إلى نَفْسه، متمادياً في سهوه، مستلِذَّ التفرقةِ في قصده. وكلُّ هذا من صفات ذوي البشرية، والحقُّ ـ سبحانه ــ مُنزَهُ النّعَت عن هذه الجملة، فلا هو يفعل شيءٍ عابث، ولا بشيءٍ منَ العَبَث آمِرٌ. قوله جل ذكره: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ اَلْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾. الحقُّ - بنعوت جلاله - متوحِّدٌ، وفي عِزْ آزاله وعلوٍ أوصافه متفرِّدٌ، فذاتُه حقٍّ، وصفاته حقّ، وقولُه صِدْقٌ، ولا يتوجَّه لمخلوق عليه حقٌّ، وما يفعله من إحسان بعباده فليس شيء منها بمستحق . ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ﴾: ما تَجَمَّلَ بالعرشِ، ولكن تَعَزَّزَ العرشُ بأنَّهُ أضافه إلى نَفْسِه إضافة خصوصية . والكريمُ الحَسَنُ، والكرمُ نَفْيُ الدناءة. قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبٍِِّّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ . حسابُه على الله في آجِلِه. وعذابُه من الله له في عاجله، وهو الجهل الذي أودعَ ٣٥٣ تفسير سورة المؤمنون قلبَه حتى رَضِيَ بأن يَعْبُدَ معه غيرَه. وقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] كلامٌ حاصلٌ من غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ أو نقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان. قوله جل ذكره: ﴿وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ﴾. اغفز الذنوبَ، واستز العيوبَ، وأجْزِلْ الموهوب. وارحمْ حتى لا تستولي علينا هواجمُ التفرقة ونوازل الخطوب. والرحمةً المطلوبةً بالدعاء من صنوف النعمة، ويسمى الحاصل بالرحمة باسم الرحمة على وجه التوسع وحكم المجاز. السورة التي يذكر فيها النور قوله جل ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. بسم الله اسم نذيرُ الوفاةِ فُرْقَتُه، اسمٍ بشبِرُ الحياةِ وصلته، اسم سببُ الزَّوحِ عرفانُه، اسم راحةُ الرُّوحِ إحسانُه، اسم كمالُ الأَنْسِ إقبالُه، اسم فتنةُ قلوبِ المُهَيَّمين جمالُه، اسم مَنْ شَهِدَه دامت سلامته، اسم مَنْ وَجَدَه قامت قيامتُه، اسم لا إليه حظوة، ولا بدونه سلوة. قوله جل ذكره: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْتَهَا﴾ [النور: ١]. سورة هي شَرَفٌ لك - يا محمد - أنزلناها لأن أقلَّ ما ورد به التحدي سورة؛ فكلُّ سورةٍ شَرَفٌ له عليه السلام لأنها له معجزة، بيَّناها وشرعنا فيها من الحلال والحرام، وبيَّنا فيها من الأحكام لكم به اهتداء، وللقلوب من غمرة الاستعجام شفاء. أنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ، ودلائلَ واضحاتٍ، وحُجَجاً لائحات؛ لتتذكروا تلك الآيات، وتعتبروا بما فيها من البراهين والبينات. قوله جل ذكره: ﴿الَِّيَةُ وَلَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْئَةَ جَلْدَّةٍ﴾ . والعقوبة على الزنا شديدة أكيدة، ولكن جعل إثباتَ أمره وتقريرَ حُكْمِه والقطعَ بكونه على أكثر الناس خصلةً عسيرةً بعيدةً؛ إذ لا تُقْبَلُ الشهادةُ عليه حتى يقولُ: رأيتُ ذلك منه في ذلك منها! وذلك أمرٌ ليس بالهيْن، فسبحان مَنْ أَعْظَمَ العقوبةَ على تلك الفَعْلَةِ الفحشاء، ثم جعل الأمر في إثباتها بغايه الكدّ والعناء! وحين اعترف واحدٌ له بذلك قال له ◌َ: ((لعلَّك قَبَّلْتَ ... لعلَّك لامَسْتَ)) وقال لبعض أصحابه: ((استنكهوه)(١) وكلُّ ذلك رَوْماً لِدَرْءِ الحدِّ عنه، إلى أن ألحَّ وأصرَّ على الاعتراف. قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ الّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ . ما يأمر به الحقُّ فالواجب مقابلته بالسمع والطوع. (١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٢٣٨/١ - ٢٧٠ - ٢٨٩)، والحاكم في (المستدرك ٣٦١/٤)، والطبراني في (المعجم الكبير ٣٣٨/١١)، والدارقطني في (السنن ١٢١/٣)، والقرطبي في (التفسير ١٠٥/١٩). ٣٥٥ تفسير سورة النور والرحمة من موجب الشرع وهو المحمود، فأمّا ما يقتضيه الطَّبعُ والعادة والسوء فمذمومٌ غيرُ محمود. ونهى عن الرحمة على من خَرَقَ الشرعَ، وتَرَكَ الأمرَ، وأساءَ الأدبَ، وانتصبَ في مواطنِ المخالفة . ويقال نهانا عن الرحمة بهم، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم - بتلك الفَعْلة الفحشاء - رقم الإيمان، قال رسول الله ◌َالتر: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (١) ولولا رحمته لما استبقى عليه حُلّة إيمانه مع قبيح جُرْمِهِ وعصيانه . قوله جل ذكره: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ . أي لِيَكُونَ عليهم أشَدَّ، وليكون تخويفاً لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقٌّ الذين يشهدون ذلك الموضعَ أن يتذكروا عظيمَ نعمةِ الله عليهم أنهم لم يفعلوا مِثْله، وكيف عَصَمَهم من ذلك. وإن جرى منهم شيءٌ من ذلك يذكروا عظيمَ نعَمةِ الله عليهم؛ كيف سَتَرَ عليهم ولم يفضحهم، ولم يُقِمْهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المُبْتَلَى به. وسبيلُ من يشهد ذلك الموضعَ ألا يُعَيِّرَ صاحبَه بذلك، وألا ينسى حُكْمَ الله تعالى في إقدامه على جُزْمِه . قوله جل ذكره: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِفٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِينَ﴾. الناسُ أشكالٌ؛ فكلُّ نظيرٍ مع شكله، وكلُّ يُساكِنُ شكله، وأنشدوا: فكلُّ قرينٍ بالمُقَارَنِ يقتدي عن المرء لا تسأل وسلْ عن قرینه (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٧٨/٣، ١٣٦/٧، ١٩٥/٨ - ١٩٧)، ومسلم في الصحيح (الإيمان ب ٢٤ رقم ١٠٠ - ١٠٥)، وأبو داود في (السنن ٤٦٨٩)، والترمذي في (السنن ٢٦٢٥)، والنسائي في (السنن ٦٤/٨ - ٦٥ - ٣١٣)، وابن ماجه في (السنن ٣٩٣٦)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢/ ٣٧٦، ٣٤٦/٣، ١٣٩/٦)، وعبد الرزاق في (المصنف ٣٦٨٨) والبيهقي في (السنن الكبرى ١٠/ ١٨٦)، والدارمي في (السنن ١١٥/٢)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٠٠/١ - ١٠١ - ١٥٢، ٧/ ٢٩٥)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٤٠٤/٤ - ٤٠٥، ٦/٨ - ٩ - ١١، ١٤، ٣٢، ٣٣)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٤٤/١١، ٣٤٦/١٢)، وابن عبد البر في (التمهيد ٢٣٦/٤، ٩/ ٢٤٣ - ٢٥٥)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٥٤/٢، ٥١١/٨)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٣٠٩ - ١٣١٠، ١٣١١ - ١٣٢٥، ١٣٢٦ - ١٧٣٣)، وابن حجر في (فتح الباري ٥٪ ١١٩، ٨١/١٢ - ١١٤)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٢٤٩/٣)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١٦٤/٣ - ٣٢٢ - ٣٦٩ - ٢٥٦، ١١٧/٨ - ٢٥٧) والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٥٣)، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٢٤٧/٣)، والآجري في (الشريعة ١١٣)، وابن أبي شيبة في (الإيمان ٣٩ - ٤٠)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ١٤٢/٢، ٢٢٣/٥، ١١٨، ٤٥٦/١٠)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٢٩٨/١ ٥٠٧/٢ - ٥٤٢ - ٦٢٧ - ٦٣١، ١٨٧/٥، ٢٢٠٥/٦، ٢٧٠٧/٧) . ٣٥٦ تفسير سورة النور فأهلُ الفسادِ الفسادُ يجمعهم - وإنْ تَبَاعَدَ مزارُهم وأهل السدادِ السدادُ يجمعهم - وإن تناءت ديارهم. قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَعَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ . لئلا يستبيحوا أعراضَ المسلمين، ولئلا يهتكوا أستارَ الناس أُمَرَ بتأديبِهم، وإقامةِ الحدّ عليهم إذا لم يأتوا بالشهداء. ثم بالَغَ في عدد الشهود، وألَّا تُقْبَلَ تلك الشهادةُ إلَّا بالتضرع التام، ثم أكمله بقوله ﴿وَلا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾. وفي الخبر المسند قوله عليه السلامَ: ((مَنْ أتى منكم بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنَّ مَنْ أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه حدَّ الله))(١) . قوله جل ذكره: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾. جَعَلَ من شرطٍ قبول شهادتِهِ صِحَّةً توبته، وجعل علامةَ صحة توبته إصلاحه، فقال: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾، وهو أن تأتي على توبته مدةٌ تنتشر فيها بالصلاح صفتُه، كما اشتَهَرَتْ بِهَتْكِ أعراض المسلمين قالتهُ .. كلُّ هذا تشديداً لمن يحفظ على المسلمين ظاهر صلاحه . قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ بَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الضَدِقِينَ﴾ . لمّا ضاق الأمرُ على من رأى أهلَه على فاحشة، إذ أن في ذلك قبول نسبٍ غير صحيح - فقد نهى الشرعُ عن استلحاقه ولداً مِنْ غيره. وكان أمراً محظوراً هتكُ عِرْضٍ المرأة والشهادةُ عليها بالفحشاء، إذ يجوز أن يكون الأمر في المُعيب؛ أي بخلاف ما يدْعيه الزوجُ. ولأن ذلك أمرٌ ذو خَطَرٍ شَرَعَ اللَّهُ حُكْمَ اللعان(٢) ليكون للخصومة (١) للحديث روايات أخرى: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله .. )) أخرجه الموطأ ( حدود ١٢). ورواية تقول: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها)) أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار ٢٠/١). (٢) اللعان: لاعن امرأته في الحكم ملاعنة ولعان، ولاعن الحاكم بينهما لعاناً: حكم، والملاعنة بين الزوجين إذا قذف الرجل امرأته أو رماها برجل أنه زنى بها، فالإمام يُلاعن بينهما ويبد أبا لرجل ويقفه حتى يقول: أشهد بالله أنها زنت بفلان، وإنه لصادق فيما رماها به، فإذا قال ذلك أربع مرات قال في الخامسة: وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين فيما رماها به، ثم تُقام المرأة فتقول أيضاً أربع مرات: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تقول في الخامسة: وعليّ غضب الله إن كان من الصادقين، فإذا فرغت من ذلك بانت منه ولم تحل له أبداً، وإن كانت حالاً فجاءت بولد= ٣٥٧ تفسير سورة النور قاطعاً، وللمُقْدِمِ على الفاحشة زاجراً، ففي مثل هذه الأحوال عنها خَرْجَةٌ. ولولا أنَّ الله على كل شيءٍ قدير وإلا ففي عادة الناس .. مَنِ الذي يهتدي لِمِثْلٍ هذا الحكم لولا تعريفٌ سماوي وأمر نبوي، من الوحي مُتَلَقَّاهُ، ومَنِ اللَّهِ مُبْتَداهُ وإليه منتهاهُ(١)؟ قوله جل ذكره: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللََّ تَوََّبُّ حَكِيمٌ﴾ . لبقيتم في هذه الواقعة المعضلة، ولم تهتدوا للخروج من هذه الحالة المشكلة. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَهُو بِلْإِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكْ ◌ِكُلِّ أَحْرٍِ مِنْهُم مَّ أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْرِّ وَالَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَمُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . هذه قصة عائشة رضي الله عنها، وما كان من حديث الإفك . بَيَّنَ اللَّهُ - سبحانه - أنه لا يُخْلِي أحداً من المحنة والبلاء، في المحبة والولاء؛ فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه، كذلك قال وَّ ((يُمْتَحَنُ الرجلُ على قَدْرِ دينه))، وقال: ((أشدُ الناسِ بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)). ويقال إن الله - سبحانه - غيورٌ على قلوب خواصٌ عباده، فإذا حصلت مساكنةُ بعضٍ إلى بعضٍ يُخْرِي اللّهَ ما يَرُدُّ كُلَّ واحدٍ منهم عن صاحبه، ويردُّه إلى نفسه، وأنشدوا : إذا عَلِقَت روحي بشيءٍ، تعلَّقَتْ به غِيّرُ الأيام كي تسْلُبَنْيَا وإن النبي - * - لمَّا قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة))(٢) فساکنها . وفي بعض الأخبار أن عائشة قالت: ((يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك)) ... فهو ولدها ولا يلحق بالزوج، لأن السنة نفته عنه سمي ذلك كله لعاناً لقول الزوج: عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وقول المرأة: عليها غضب الله إن كان من الصادقين. (لسان العرب ٣٨٨/١٣ مادة: لعن). (١) الآيات (٧، ٨، ٩) لم ترد. (٢) أخرجه البخاري في (الصحيح ٦/٥ - ٢٠٩)، ومسلم (فضائل الصحابة ٧)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٠٣/٤)، والبيهقي في (الأسماء الصفات ٦/ ٣٧٠، ٢٩٩/٧، ٢٣٣/١٠)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٦٠١٤)، وابن سعد في (الطبقات الكبرى ١/٣، ١٢٥، ٤٦/٨) والهيثمي في (مجمع الزوائد ٤٥/٨)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٢٨/٨)، وابن أبي عاصم في (السنة ٥٧٧/٢، ٥٧٨)، والبخاري في (التاريخ الصغير ١٢٤/٢)، وابن حجر في (فتح الباري ٧/ ١٨، ٨/ ٧٤)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٥٦٣٩، ٣٥٦٤٠ - ٣٥٦٥١ - ٣٥٦٦٢ - ٣٥٦٨٧ - ٣٦٤٤٦)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٢٤/٦)، وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ٢/ ٩٤ - ١٣٢) وابن كثير في (البداية والنهاية ٢٣١/٣، ٢١٩/٥). والقرطبي في (التفسير ٢١٨/١٤)، وابن أبي حاتم الرازي في (علل الحديث ٢٦٥١ - ٢٦٦٦). ٣٥٨ تفسير سورة النور فأجرى اللَّهُ حديثَ الإفك حتى ردَّ قلبَ رسولِ الله - بَّه ــ عنها إلى الله، وردَّ قلب عائشة عنه إلى الله؛ حيث قال - لما ظَهَرَتْ براءةُ ساحتها: بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحنة، وأزال الشكَّ، وأظهر صِدْقَها وبراءة ساحتها. ويقال إن النبي ◌َ﴿ قال: ((اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّ المؤمن ينظر بنور الله))، فإذا كانت الفراسةُ صفة المؤمن فأولى الناس بالفراسةِ كان رسولَ الله ◌ِّر، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءةُ ساحتها، حتى كان يقول: ((إِنْ فَعَلْتِ فتوبي)). والسبب فيه أنه في أوقات البلاء يَسُدُّ اللَّهُ على أوليائه عيونَ الفراسةِ إكمالاً للبلاء. وكذلك إبراهيم - عليه السلام - لم يميِّز ولم يعرف الملائكة حيث قَدَّمَ إليهم العِجْلَ الحنيذ(١)، وتوهمهم أضيافً. ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة . ويقال إنه كان - ◌َ﴾ - يقول لعائشة: ((يا حُمَيْرَاء))(٢). فلما كان زمان الإفك، وأرسلها إلى بيت أبويها، واستوحش الأبوان معها، ومَرِضَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - من الحزن والوجد، كان رسول الله - وَطَو - إذا رأى واحداً من دار أبي بكر يقول: («كيف بيتكم؟ لا عائشة ولا حميراء فما كان يطيب بالتغافل عنها، فتعبيره - إن لم يُقْهَمْ بالتصريح - فيُفْقَهُ بالتلويح. ثم إنه - سبحانه - قال: ﴿لَا تَّحْسَبُوُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آمْرٍِ مِنْهُم ◌َّا أَكْتَبَ مِنَ اُلْإِثْمِ﴾: فبمقدار جُرْمِهم احتمل كلُّ واحدٍ ما يخصُّه من الوِزْرِ . قوله جل ذكره: ﴿لَوْلَآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَأَلْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِنْكٌ قُبِينٌ﴾ . عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وبَسْطٍ ألسنتهم بالسوء عنها، وتَركِهم الإعراض عن حُرَم النبيِ وَلّ. ثم قال: وهلَّا جاءوا على ما قالوا بالشهداء؟ وإذا لم يجدوا ذلك فَهَلَّا سكتُوا عن بَسْطِ اللسان(٣)؟ قوله جل ذكره: ﴿وَلَوَّلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ اَلُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ لَمَتَكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (١) العجل الحنيذ: المحنوذ المشوي، وقيل: هو الذي يقطر ماؤه وقد شوي. (لسان العرب ٤٨٤/٣ مادة: حنذ). (٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٥٥/٥)، وابن حبان في (المجروحين ٣٥٣/١)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٣٨٩). (٣) الآية (١٣) لم ترد. ٣٥٩ تفسير سورة النور لأنه أخبر أن جُرْمَهم - وإنْ كان عظيماً - فإنه في عِلْم اللَّهِ عنهم غير مُؤَثِّر، ولولا أن الله - سبحانه - ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه فلعلّه لم يذكُر هذه المبالغة في أمرهم؛ فإنَّ الذي يقوله الأجانبُ والكفارُ في وصف الحق - سبحانه - بما يستحيل وجوده وكونه يوفي ويُرْبي على كل سوء - ثم لا يقطع عنهم أرزاقهم، ولا يمنع عنهم أرفاقهم، ولكن ما تتعلَّق به حقوقُ أوليائه - لا سيما حق الرسول ◌َطهر ــ فذاك عظيمٌ عند الله . قوله جل ذكره: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْمِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُرُ مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. بالَغَ في الشكاية منهم لِمَا أقدموا عليه بما تأذَّى به قلبُ الرسولِ ـ مَّه ــ وقلوبُ جميع المخلصين من المسلمين. ثم قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾: وسبيلُ المؤمنِ ألا يستصغرَ في الوفاق طاعةً، ولا يستصغرَ في الخلافِ زَلَّةً، فإنَّ تعظيمَ الأمْرِ تعظيمٌ للآمِرِ. وأهل التحقيق لا ينظرون ما ذلك الفعل ولكن ينظرون مَنْ الآمرُ به. ويقال: يَسيرُ الزَّلَّةِ - يلاحِظُها العبدُ بعين الاستحقار - فتُخْبِط كثيراً من الأحوال، وتكدِّر كثيراً من صافي المشارب. واليسير من الطاعة - ربما يَسْتَقِلُها العبدُ - ثم فيها نجاتُه ونجاةُ عالَمٍ معه . قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّتَكَّمَ بِهِذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَلُ عَظِيمٌ﴾ . استماعُ الغيبةِ نوعٌ من الغيبة، بل مستمِعُ الغيبة شَرُّ المغتابين؛ إذ بسماعه يَتِمُ قَصْدُ صاحِبِه. وإذا سمِع المؤمنُ ما هو سوءُ قالةٍ في المسلمين - مما لا صِحَّةَ له في التحقيق - فالواجبُ الردّ على قائله، ولا يكفي في ذلك السكوتُ دون النكير، ويجب ردُّ قائله بأحسنٍ نصيحةٍ، وأدقُ موعظةٍ، ونوع تَشَاغُلٍ عن إظهار المشاركة له فيما يستطيب من نَشْرِه من اخجالٍ لقائله موحشٍ، فَإن أبى إلا انهماكاً فيما يقول فيرد عليه بما أمكن؛ لأنه إن لم يسْتَحِ قائلهُ من قولَه فلا ينبغي أن يستحيّ المستمعُ من الرَّدٌّ عليه . قوله جل ذكره: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُرُدُوا لِمِثْلِ أَبَدًا إِن كُم ◌ُؤْمِينَ﴾ . يتعلَّق هذا بأنَّ مَنْ بَسَطَ لسانَه في عائشة - رضي الله عنها - بعد ذلك لم يكن مؤمناً لظاهر هذه الآية، ولعمري قائلُ ذلك مرتكبُ كبيرةٍ ولكن لا يخرج عن الإيمان بذلك؛ أي ينبغي للمؤمن ألا يتكلم في هذا، وهذا كما يقول القائل: ((إذا كُنْتَ أخي ٣٦٠ تفسير سورة النور فواسِنِي عند شِدَّتي؛ فإنْ لم تواسِني لم تخرج عن الأَخوَّةِ بذلك)» .. ومعنى هذا القول أنَّه ينبغي للأخ أن يواسِيَ أخاه في حال عَثْرَتِهِ، وتَرْكُ ذلك لا يُبْطِلُ النّسبَ(١). قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . هؤلاء في استحقاق الذمِّ أقبحُ منزلةً، وأشدُ وِزْراً حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ومن أركان الدين مظاهرةُ المسلمين، وإعانةُ أولي الدِّين، وإرادةُ الخير لكافة المؤمنين. والذي يودُّ فتنةً للمسلمين فهو شرَّ الخَلْق، واللَّهُ لا يرضى منه بحاله، ولا يؤهله لمنالٍ خلاصة التوحيد. قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَهُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . كرَّر قوله: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لِيُبَيْنَ للجميع أنَّ حُسْنَ الدفعِ عنهم كان بفضله ورحمته وجميل المنح لهم، وكلَّ يشهد حُسنَ المَنْحِ ويشكر عليه،َ وعزيزٌ عبدٌ يشهد حُسْنَ الدفع عنه فيحمده على ذلك. قوله جل ذكره: ﴿يَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ وَمَن يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُ بِلْفَحْنَآِ وَالْمُنكَرِّ﴾ . إذا تَنَقى القلبُ عن الوساوس، وصفا عن الهواجس بَدَتْ فيه أنوارُ الخواطر، فإذا سما وقتُ العبدِ عن ذلك سَقَطَتْ الخواطر، وبدت فيه أحاديث الحق - سبحانه - كما قال في الخبر: ((لقد كان في الأمم محدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر)). وإذا كان الحديث منه فذلك يكون تعريفاً يبقى مع العبد، ولا يكون فيه احتمالٌ ولا إشكال ولا إزعاج، وصاحبُه يجب أن يكون أميناً، غيرَ مُظْهِرٍ لِرُ ما كوشِفَ به. قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُ مَا زَكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِعُ عَلِيمٌ﴾. ردَّهم في جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منَّ الحقُّ في قمي النفع والدفع، وحالتي العسر واليسر، والزَّكى من الله، والنُّعمى من الله، والآلاءُ من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نِعْمَلٍ فَمِنَ اَللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَنِكِينَ وَأْمُهَِنَ فِى سَبِيلِ اللهِّ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ . تحرَّك في أبي بكر عِزْقٌ من البشرية في وصف الانتقام من مسطح (٢) حين شرع (١) الآية (١٨) لم ترد. (٢) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف (٢٢ق هـ - ٣٤هـ = ٦٠١ - ٦٥٤م) من=