النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ تفسير سورة طه قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ . الكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك في الدنيا، وفي القبر، وفي النار، وبالقلب من حيث وحشة الكفر، وبالوقتٍ من حيث انغلاق الأمور. ويقال مَنْ أعرض عن الانخراط في قضايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان، ومن أعرض عن استدامة ذكره - سبحانه - بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما يسلب عنه كلَّ رَوْحٍ . ومَنْ أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوسُ الشيطان وهواجسُ النَّفس بما يوجِب له وحشةً الضمير، وانسداد أبواب الراحة والبسط . ويقال مَنْ أعرض عن ذِكْرِ الله في الخلوةِ قَيَّضَ اللَّهُ له في الظاهر من القرينِ السوءِ ما توجِبُ رؤيتُه له قَبْضَ القلوبِ واستيلاءَ الوحشة . قوله جلّ ذكره: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ مَا يَتُنَا فَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَّوْمَ نُنَى﴾ . في الخبر: (مَنْ كان بحالةٍ لَقِيَ اللَّهِ بها)) فَمَنْ كان في الدنيا أعمى القلب يُخْشَّرُ على حالته، ومَنْ يَعِشْ على جهلٍ يحشر على جهلٍ، ولذا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَّأْ﴾؟ [يس: ٥٢] إلى أَنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً. وكما يَتْرُكُون - اليومَ - التَّدبُّرَ في آياتِهِ يُتْرَكُون غداً في العقوبة من غير رحمةٍ على ضعفِ حالاتهم . قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ رَبِهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ وَأَبْقَ﴾ . جَرَتْ سُنَّتُه بأَنْ يُجازِيَ كُلاّ بما يليق بحاله، فما أسلفه لنفسِه سيلقى غِبَّه؛ على الخبر خيراً، وعلى الشرِّ شَرَّاً. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَّ يَهْدِ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَئِكِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى﴾ . أي أفلا ينظرون فيتفكرون؟ ثم إذا استبصروا أفلا يعتبرون؟ وإذا اعتبروا أفلا يزدجرون؟ أم على وجوههم - في ميادين غَفَلاتِهِم يركضون، وعن سوءٍ معاملاتهم لا يرجعون؟ ألا ساء ما يعملون! قوله جلّ ذكره: ﴿وَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن ◌َبِّكَ لَكَنَ لِزَمَا وَأَجَلٌ مُسَمَّىَ﴾ . لولا أَنَّ كلمةَ اللَّهِ سَبَقَتْ بتأخير العقوبة عن هذه الأمة، وأنه لا يستأصلهم لأنَّ ٢٨٢ تفسير سورة طه جماعةٌ من الأولياء في أصلابهم لعَجَلَّ عقوبتَهم، ولكن .. كما ذَكَرَ من الأحوال أمهلهم مدةً معلومة، ولكنه لم يهملهم أصلاً . وإذا كانت الكلمةُ بالسعادة لقوم والشقاوة لقوم قد سبقت، والعلمُ بالمحفوظ بجميع ما هو كائن قد جرى - فالسعيُ والجهدُ، والانكماشُ والجدُّ .. متى تنفع؟ لكنه من القسمة أيضاً ما ظهر . قوله جل ذكره: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيْحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً وَمِنْ ءَانٍَّ الَّيْلِ فَسَيِحْ وَأَطْرَافَ النََّارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ . سماعُ الأذى يوجِب المشقة، فأزال عنه ما كان لَحِقَه من المشقة عند سماع ما كانوا يقولون، وأَمَرَهُ: إنْ كان سماعُ ما يقولون يُوحشُكَ فتسبيحُنا - الذي تُثْنِي به علينا - يُرَوِّحُك. ﴿قَبْلَ مُطُلُوعٍ الشَمْسِ﴾: أي في صدر النهار؛ ليُبَارِكَ لكَ في نهارِك، ويَنْعَمَ صباحك . ﴿وَقَبْلَ غُرُوِبًا﴾ أي عند نقصان النهار؛ ليطيبَ لَيْلُكَ، وينعم رَواحُك. ﴿وَمِنّ ◌َنَآٍَ آَلَّيْلِ﴾ أي في ساعات الليل؛ فإن كمال الصفوة في ذكر الله في حال الخلوة . ﴿وَأَطْرَافَ اَلنَّهَارِ﴾ أي اسْتَدِمْ ذِكْرَ اللَّهِ في جميع أحوالك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَثَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةً اٌلْحَزْوِ الدُّنْيَا لِنَفْتَِهُمْ فِئٍ﴾ . فضل الرؤية فيما لا يُحْتَاجُ إليه معلولٌ كَفَضْلِ الكلامِ، والذي له عند الله مَنْزِلٌ وقَدْرٌ فَلِلْحَقُ على جميع أحواله غَيْرَةٌ؛ إذ لا يَرْضَى منه أَنْ يبذل شيئاً من حركاته وسكناته وجميع حالاته فيما ليس الله - سبحانه - فيه رِضاءً، وفي معناه أنشدوا: فعيني إذا اسْتَخْسَنتْ غَيرَكم أَمَزْتُ الدموعَ بتأديبها ويقال لمّا أَدَّبَه في ألا ينظرَ إلى زينة الدنيا بكمال نظره وَقَفَ على وجه الأرض بِفَرْدٍ قَدَم تصاوناً عنها حتى قيل له: ((طه)) أي طَأُ الأرضَ بِقَدَمِك .. ولِمَ كلُّ هذه المجاهدةً وكل هذا التباعد حتى تقف بفَرْدٍ قَدَم؟ طَّأ الأرض بقدميك. ﴿َزَهْرَةَ لَلَيَّوَوِ اَلُّنْيَا ... ﴾ الفتنة ما يُشْغَل به عن الحقِّ، ويستولي حُبُه على القلب، ويُجَسِّر وجودُه على العصيان، ويحمل الاستمتاع به على البَطَر والأشَر(١). (١) البَطّر: النشاط. أو قلة احتمال النعمة والطغيان بها وشدة المرح. الأشر: البطر. ٢٨٣ تفسير سورة طه قوله جلّ ذكره: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيٌَّ وَأَبَقَى﴾ . القليلُ من الحلال - وفيه رضاءُ الرحمن - خيرٌ من الكثير من الحرام والحطام .. ومعه سُخْطُه. ويقال قليلٌ يُشْهِدُكَ ربَّكَ خيرٌ مِنْ كثير يُنْسِيكَ ربَّك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهًا﴾. الصلاةُ استفتاحُ بابِ الرزق، وعليها أحال في تيسير الفتوح عند وقوع الحاجة إليه. ويقال الصلاة رزق القلوب، وفيها شفاؤها، وإذا استأخر قُوتُ النَّفْس قَوِيَ قُوتُ القلب . وأَمَرَ - الرسولَ - عليه السلام - بأن يأمرَ أهلَه بالصلاةِ، وأَنْ يَضْطَبِرَ عليها. وللاصطبار مزية على الصبر؛ وهو أَلَّا يَجِدَ صاحبهُ الألمَ بل يكون محمولاً مُرَوَّحاً. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا ﴾ . أي لا نكلفك برزق أحدٍ؛ فإنَّ الرازقَ اللَّهُ - سبحانه - دون تأثير الخَلْق، فنحن نرزقك ونرزق الجميع . قوله جلّ ذكره: ﴿نَّعْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِنَّقْوَى﴾ . هما شيئان: وجود الأرزاق وشهود الرزاق؛ فوجود الأرزاق يوجب قوة النفوس، وشهود الرزاق يوجب قوة القلوب. ويقال استقلال العامة بوجود الأرزاق، واستقلال الخواص بشهود الرزّاق. ويقال نَفي عن وقته الفَرْقَ بين أوصاف الرزق حين قال: ﴿َّحْنُ نَرْزُقُكْ﴾؛ فإنَّ مَنْ شَهِدَ وتحقق بقوله: ﴿نَمْنُ﴾ سقط عنه التمییز بین رزقٍ ورزقٍ. ويقال خفّفَ على الفقراءِ مقاساةً قِلَّةِ الرزقِ وتأخّرِه عن وقتٍ إلى وقتٍ بقوله: قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾: أي العاقبة بالحسنى لأهل التقوى. ويقال المراد بالتقوى المُتَّقِي، فقد يسمَّى الموصوف بما هو المصدر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِيِنَا بِشَايَةٍ مِّن رَّبِهِ، أَوْلَمْ تَأْتِهِم بِنَهُ مَا نِى الضُّحُفِ الأُولَى﴾ . عَمِيَتْ بصائرهم وادَّعوا أنه لا برهانَ معه، ولم يكن القصورُ في الأدلة بل كان الخَلَلُ في بصائرهم، ولو جمع اللَّهُ لهم كلَّ آيَةٍ اقْتُرِحَتْ على رسولٍ ثم لم يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يؤمِنُوا لَمَا ازدادوا إلا طغياناً وكفراً وخسراناً ... وتلك سُنَّةُ أسلافهم في تكذيب أنبيائهم، ولذا قال: ٢٨٤ - تفسير سورة طه قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّبِعَ ءَلِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَغَخْزَنْ﴾ . إِنْ أرسلنا إليهم الرسلَ قابلوهم بفنونٍ من الجحد، ووجوهٍ من العلل؛ مرةً يقولون فما بالُ هذا الرسول بَشَر؟ هلَا أرسله مَلَكاً؟ ولو أرسلنا مَلَكاً لقالوا هلَّ أرسل إلينا مثلنا بَشَراً؟ ولو أظهر عليهم آيةً لقالوا: هذا سِخْرٌ مُفْتَرَى! ولو أخليناهم من رسول وعاملناهم بما استوجبوه من نكيرٍ لقالوا: هلَّا بَعَثَ إلينا رسولاً حتى كنا نُؤْمِن؟ فليست تنقطع أعلالُهم، ولا تنفك ـ عما لا يُرْضَى - أحوالُهم. وكذلك سبيلُ مَنْ لا يجنح إلى الوصال ولا يرغَب في الوداد، وفي معناه أنشدوا: وكذا الملولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصال وقال كان وكانا قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ ككُلِّ مُتَرَبِصٌْ فَقُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَِ السَّوِيّ وَمَنِ أُهْتَدَى﴾ . الكل واقفون على التجويز غير حاصلين بوثيقة، ينتظرون ما سيبدو في المستأنف، إلَّا أَنَّ أربابَ التفرقة ينتظرون ما سيبدو مِمَّا يقتضيه حُكْمُ الأفلاك، وما الذي توجبه الطبائعُ والنجومُ. والمسلمون ينتظرون ما يبدو من المقادير فهم في رَوْحٍ التوحيد، والباقون في ظُلُمَاتِ الشَّرْكِ. السورة التي يذكر فيها الأنبياء قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. بسم الله اسم عزيز مَنْ توسَّلَ إليه بطاعته تفضَّلَ عليه بجميل نعمته؛ إنْ أطاع فَضَّلَه، وإن أضاع أمْهَلَه، ثم إنْ آبَ وأقرّ .. ذَكْرَه، وإن عصى وعاب سَتَّرَه، فإن تَنَصَّلِ رَحِمَه، وإنْ تَكْبَّرَ قَصَمَه . اسم عزيز ما استنارت الظواهر إلَّا بآثار توفيقه، وما استضاءت السرائرُ إلا بأنوار تحقيقه؛ بتوفيقه وَصَلَ العابدون إلى مجاهدتهم، وبتحقيقه وَجَدَ العارفون كمالَ مشاهدتهم، وبتمام مجاهدتهم وجدوا آجِلَ مثوبتهم، وبدوام مشاهدتهم نالوا عاجل قربتهم . قوله جلّ ذكره: ﴿أَقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ . فالمطيعون منهم عَظُمَ لدينا ثوابُهم، والعاصون منهم حَقَّ مِنَّا عقابُهم. ﴿فِ غَفْلَةِ﴾ [الأنبياء: ١] يقال الغفلة على قسمين: غافل عن حسابه باستغراقه في دنياه وهواه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه؛ فالغفّلة الأولى سِمَةُ الهجر والغفلة الثانية. صِفَةُ الوَّصْل؛ فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق تعالى. قوله جلّ ذكره: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَِّّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. لم يجدد إليهم رسولاً إذا ازدادوا نفوراً، ولم يُنزِّلْ عليهم خطاباً إلا ردُّوه جحداً وتكذيباً، وما زدناهم فصلاً إلا عدُّوه هَزْلاً، وما جددنا لهم نعمةً إلا فعلوا ما استوجبوا نقمة، فكان الذي أكرمناهم به محنةً بها بلوناهم .. وهذه صفة مَنْ أساء مع الله خُلُقَه، وخَسِرَ عند الله حقَّه . قوله جلّ ذكره: ﴿لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُنَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ . عَمِيَتْ بصائرُهم وعامت أفهامهم، فهم في غباوة لا يستبصرون، وفي أكنة عمَّا أقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون. قوله: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى ... ﴾ لَمَّا عجزوا عن معارضته، وسقطوا عند التحدي، = ٢٨٥ ٢٨٦ تفسير سورة الأنبياء وظهرت عليهم حُجَّتُهُ رَجَّمُوا فيه الفِكْرَ، وقَسَّمُوا فيه الظن؛ فمرةً نسبوه إلى السحر، ومرةً وصفوه بقول الشعر، ومرة رَمَوْه بالجنونِ وفنونٍ من العيوب. وقبل ذلك كانوا يقولون عنه: هو محمدٌ الأمين، كما قيل: أشاعوا لنا في الحيّ أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سلماً فصاروا لنا حزبا قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. الأقاويل التي يسمعها الحقُّ - سبحانه - مختلفة؛ فَمِنْ خطابٍ بعضهم مع بعض، ومن بعضهم مع الحق. والذين يخاطِبون الحقَّ: فَمِنْ سائلٍ يسأل الدنيا، ومِنْ داعٍ يطلب كرائمَ العُقْبَى، ومِنْ مُثْنٍ يثني على الله لا يقصد شيئاً من الدنيا والعقبى. ويقال يسمع أنينَ المُذْنبين سِراً عن الخَلْقِ حَذَراً أن يفتضحوا، ويسمع مناجاةً العابدين التسبيح إذا تهجدوا، ويسمع شكوى المحبين إذا مَسَّتْهم البُرَحاء (١) فَضَجُوا من شدة الاشتياق . ويقال يسمع خطابَ مَنْ يناجيه سِرًّا بسرٌ، وكذلك تسبيح مَنْ يمدحه ويثني عليه بلسان سِرُّه. قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ آَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةِ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. نَوَّعُوا ما نسبوا إليه - بعدما نزَّلنا إليه الأمر - من حيث كانوا، ولم يشاهدوا هِمَمَه على الوصف الذي كانوا يصفونه به من صدق في الحال والمقال، وكما قيل: رمتني بدائها وانسلت قوله جلّ ذكره: ﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَاْ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ . أخبر أن الله تعالى أجرى سُنَّتَه أن يُعَذِّبَ من كان المعلوم من شأنه أنه لا يؤمن لا في الحال ولا في المآل. وإنَّ هؤلاء الذين كفروا في عصر الرسول وَ﴿ أمثالُهم في الكفران، وقد حَكَم الحقُّ لهم بالحرمان والخذلان. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَتَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . لمَّا قالوا لولا أَنَزل علينا الملائكة أخبر أنه لم يُرْسِلْ إلى الناس رسولاً فيما سَبَقَ من الأزمان الماضية والقرون الخالية إلا بشراً، وذَكَرَ أنَّ الخصوصية لهم كانت بإرسال الله إياهم . (١) البُرحاء: البشدة والمشقة. ٢٨٧ تفسير سورة الأنبياء ثم قال: ﴿فَسَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: الخطاب للكلِّ والمراد منه الأمة، وأهلُ الذكر العلماءُ من أكابر هذه الأمة والذين آمنوا بنبينا محمد - وَ له - ويقال هم أهل الفهم من الله أصحاب الإلهام الذين في محل الإعلام من الحقِّ - سبحانه - أو من يُحْسِنُ الإفهامَ عن الحق . ويقال العالم يرجع إلى الله في المعاملات والعبادات، وإذا اشتكلت الواقعةُ فيخبر عن اجتهاده، وشرطه ألا يكون مقلداً، ويكون من أهل الاجتهاد، فإذا لم يخالف النصّ وأدى اجتهاده إلى شيء ولم يخالف أصلاً مقطوعاً بصحته وجب قبول فتواه، وأمَّا الحكيم فإذا تكلم في المعاملة فإنما يقبل منه إذا سبقت منه المنازلة لما يُفْتَى به فإن لم تتقدم له من قِبَله المنازلة ففتواه في هذا الطريق كفتوى المقلّد في مسائل الشرع . فأمَّا العارف فيجب أن يتكلم في هذا الطريق عن وَجْدِه - إنْ كان - وإلا فلا تُقْبَلُ فتواه ولا تُشْمَّع . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا جَعَلْتَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ﴾ . لمَّا عَيَّروا الرسول - عليه السلام - بقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟ .. أخبر أن أَكْلَ الطعام ليس بقادح في المعنى الذي يختص به الأكابر، فلا منافاة بين أكل الطعام وما تُكِنُّه القلوبُ والسرائر من وجوه التعريف. ويقال: النفوس لا خبر لها مما به القلوب، والقلب لا خبر له مما تتحقق به الروح وما فوق الروح وألطف منه وهو السرَّ. قوله: ﴿وَمَا كَانُوْ خَالِدِينَ﴾: أي إنهم على ممرٍ ومعبرٍ، ولا سبيلَ اليومَ لمخلوقٍ إلى الخُلْد. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَيُْهُمْ وَمَن نَّشَاهُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. الحقُّ - سبحانه - يُحَقِّق وعُدَه وإنْ تباطأ بتحقيقه الوقتُ فيما أخبر أنه يكون. والموعود من نصرة الله لأهل الحق إنما هو بإعلاء كلمة الدِّين، وإرغام مَنْ نَابَذَ الحقّ مِنَ الجاحدين، وتحقيق ذلك بالبيان والحجة، وإيضاح وجه الدلالة، وبيان خطأ الشبهة . قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . يريد بالكتاب القرآن، وقوله: ﴿فِيهِ ذِكْرَّكُمْ﴾: أي شرفُكم ومحلُكم، فَمَنْ استبصرَ بما فيه من النور سَعِدَ في دنياه وأخراه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَتِ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَاَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ . ٢٨٨ تفسير سورة الأنبياء إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلِ الظالمَ حيناً لكنه يأخذه أَخْذَ قهرٍ وانتقام، وقد حَكَمَ اللَّهُ بخرابٍ مساكنِ الظالمين، وقد جاء الخبر: ((لو كان الظلم بيتاً في الجنة لَسُلْطَ عليه الخراب))؛ فإذا ظلم العبدُ نَفْسَه حَرَّمَ اللَّهُ أَنْ يقطنها التوفيقُ وجعلها موطنَ الخذلان، فإذا ظَلَّمَ قلبَه بالغفلة سَلَّط عليه الخواطرَ الردية التي هي وساوس الشيطان ودواعي الفجور. وعلى هذا القياس في القلة والكثرة؛ إنَّ الروح إذا خربت زايلتها الحقائقُ والمحابُّ، واستولت عليها العلائقُ والمساكنات. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَكُونَ﴾ . لمَّا ذاقوا وبالَ أفعالهم اضطربوا في أحوالهم فلم ينفعهم نَدَمُهم، ولم تَعْدُ إلى محالّها أقدامُهم، وبعد ظهور الخيانة لا تُقْبَلُ الأمانة . قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تَرَّكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أَثْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ﴾ . وللخيانة سراية، فإذا حصلت الخيانة لم تقف السراية، وإذا غرقت السفينةُ فليس بيد المَلَّاحِ إلا إظهار الأسف، وهيهات أن يُجْدِي ذلك! قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ . للإقرار زمانٌ؛ فإِذا فات وقتُه فكما في المَثَل: يسبق الفريض الحريصُ. ووَضْعُ القوسٍ بعد إرسال السهم لا قيمة له. قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَقََّ جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾ . إنّ مِنَ البلاءِ أَنْ يشكوَ المرءُ فلا يُسْمَع، ويبكي فلا يَنْفَع، ويدنو فَيُقْصَى، ويمرض فلا يُعادَ، ويعتذر فلا يُقْبَل .. وغايةُ البلاءِ التَّلَفُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ﴾ . اللَّعِبُ نعتُ من زَالَ عن حَدِّ الصواب، واستجلب بفعله الالتذاذ، وانجرَّ في حَبْلِ السَّفَهِ. وحَقُّ الحقْ مُتَقَدِّسٌ عن هذه الجملة . قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن تَّنَّفِذَ لَوَّ لََّتَّخَذْنَهُ مِن لَّهُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ . يخاطبهم على حسب أفهامهم؛ وإلا .. فالذي لا يعتريه سهوٌ لا يستفِزُّه لَهْوٌ، والحقُّ لا يعتريه ولا يضاهيه كُفْوٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿بَّ نَقْذِفُ بِاَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَا نَصِفُونَ﴾ . نُدْخِلُ نهارَ التحقيق على ليالي الأَوهام فينقشع سحابُ الغيبة، وينجلي ضبابُ الأوهام، وتنير شمسُ اليقين، وتصحو سماءُ الحقائق عن كلٌ غُبار التُّهَم . ٢٨٩ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَخِرُونَ﴾ . الحادثات له سبحانه مِلْكاً والكائنات له حُكماً، وتعالى اللَّهُ عن أنْ يَتَجَمَّلَ بوِفَاقٍ أو ينقص بخلاف، وبالقَدَرِ ظهورُ الجميع، وعلى حسب الاختيار تنصرف الكلمة . قوله جلّ ذكره: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّتْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ﴾ . المطيعُ المختارُ يُسبحه بالقول الصدق، والكلُّ من المخلوقات تسبيحها بدلالة الخِلْقَة، وبرهان البَيِّنة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ . تفرَّد الحقُّ بالإبداع والإيجاد، وتقدَّس عن الأمثال والأنداد، فالذين يُعْبَدُون مِنْ دونه أمواتٌ غيرُ أحياءٍ. وهم بالضرورة يعرفون .. أفلا يَعْتَبِرُون وألا يَزْدَجِرُون؟ قوله جل ذكره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَأْ فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِ الْعرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . أخبر أَنَّ كلَّ أمر يُنَاطُ بجماعةٍ لا يجري على النظام؛ إذ ينشأ بينهم النزاعُ والخلافُ. ولمَّا كانت أمورُ العالَم في الترتيب مُنَسَّقَة فقد دلَّ ذلك على أنها حاصلةٌ بتقديرِ مُدَبِّرٍ حكيم؛ فالسماءُ في علوها تدور على النظام أفلاكُها، وليس لها عُمُدٌ الإمساكها، والأرضُ مستقرةٌ بأقطارها على ترتيب تعاقب ليلها ونهارها. والشمسُ والقمرُ والنجومُ السائرةُ تدور في بروج، ورقعة السماء تتسع من غير فروج .. ذلك لتقديرِ العزيزِ العليم علامةٌ، وعلى وحدانيته دلالةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْشَلُونَ﴾ . لِكَوْنِ الخلق له، وهم يُسأَلُون للزوم حقه عليهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: ◌َاِهَةٌّ قُلْ هَاتُواْ بُرُهَتَكٌُ هَذَا ذِكْرُ مَنْ شَعِىَ وَذِّكْرُ مَن قَبْلِ بَلْ أَكْثَرُهُوْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُم مُعْرِضُونَ﴾. دلت الآيةُ على فسادِ القولِ بالتقليد، ووجوبٍ إقامة الحجة والدليل. ودلّت الآية على توحيد المعبود، ودلَّت الآية على إثبات الكسب للعبيد؛ إذ لولاه لم يتوجه عليهم اللومُ والعَثْبُ. وكلُّ مَنْ علَّقَ قلبه بمخلوقٍ، أو تَوَهَّمَ من غير الله حصولَ شيءٍ فَقَد دَخَلَ في غمار هؤلاء لأنَّ الإله مَنْ يصحُّ منه الإيجاد . قوله: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ نَفِىَ وَذِّكْرُ مَنْ قَبْلِيْ﴾: الإشارة منه أن الدِّينَ توحيدُ الحق، وإفرادُ الربِّ على وصف التفرد ونعت الوحدانية. ٢٩٠ تفسير سورة الأنبياء ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُرْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقٍّ فَهُم مُعْرِضُونَ﴾ إنما عدموا العلم لإعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر موضعه لوَجَبَ لهم العلم لا محالة، والأمر يدل على وجوب النظر، وأنَّ العلومَ الدينية كُلَّها كسبية. قوله جل ذكره: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَا فَاعْبُدُونِ﴾ . التوحيدُ في كل شريعة واحدٌ، والتعبدُ - على من أرسل إليه الرسول - واجبٌ، ولكنَّ الأفعالَ للنسخ والتبديلِ مُعَرَّضةٌ، أما التوحيدُ وطريقُ الوصول إليه فلا يجوز في ذلك النسخُ والتبديلَ. قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْزَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُكَّرَُّونَ﴾ . في الآية رخصةٌ في ذِكْر أقاويل أهل الضلال والبدع على وجه الردّ عليهم، وكَشْفِ عوراتهم، والتنبيه على مواضع خطاياهم، وأنَّه إنْ وَسْوَسَ الشيطان إلى أحدٍ بشيء منه كان في ذلك حجةٌ للانفصال عنه . قوله جل ذكره: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ يِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ . أخبر أن الملائكة معصومون عن مخالفة أمره - سبحانه، وأنهم لا يُقَصِّرون في واجبٍ علیھم . قوله جل ذكره: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ . عِلْمُه القديمُ - سبحانه - لا يختصُّ بمعلوم دون معلوم، وإنما هو شامل لجميع المعلومات، فلا يعزب عن علم الله معلوم. قوله: ﴿لا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ دلَّ على أنهم يشفعون لقوم، وأنَّ الله يتقبل شفاعتهم. قوله: ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾: ليس لهم ذنب ثم هم خائفون؛ ففي الآية دليل على أنه سبحانه يعذبهم وأن ذلك جائز، فإذا لم يَجُزْ أن يُعذّب البريء لكانوا لا يخافونه لعلمهم أنهم لم يرتكبوا زلةً . وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّنِ دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّمُّ قوله جل ذكره: ﴿٥ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ﴾ . أخبر أنهم مُعْرِضُون عن الزَّلَّةِ بكلُ وجهٍ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّ إِلَهٌ مِّن دُونِيٍ﴾ وقد علم أنهم لا يقولون ذلك، ولكن علم لو كان ذلك كيف كان يكون حکمہ، فالحقُّ ۔ سبحانہ ـ یعلم ما لا يكون کیف کان يكون. ٢٩١ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْفًا فَفَنَقْنَهُمَّاً﴾ . داخَلَتْهُم الشبهةُ في إعادة الخلْقِ والقيامةِ والنَّشْرِ، فأقام الله الحجةَ عليهم بأن قال: أليسوا قد عَلِمُوا أنه خلق السموات والأرض؛ سَمَكَ السماء وبَسَط الأرض .. فإذا قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة؟ قوله جل ذكره: ﴿وَحَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ . كُلُّ شيءٍ مخلوقٍ حيٍّ فَمِنَ الماءِ خَلْقُه، فإنَّ أصلَ الحيوان الذي حَصَلَ بالتناسل النطفةُ، وهي من جملة الماء. وحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء، وحياة القلوب بماء الرحمة، وحياة الأسرار بماء التعظيم. وأقوام حياتُهم بماءِ الحياء .. وعزيزٌ هُمْ. قوله جل ذكره: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ . الأولياء هم الرواسي في الأرض وبهم يُرْزَقُون، وبهم يُدْفع عنهم البلاء، وبهم يُوفَى عليهم العطاءُ. وكما أنه لولا الجبالُ الرواسي(١) لم تكن للأرض أوتادٌ .. فكذلك الشيوخ الذين هم أوتادُ الأرضِ (فلولاهم) لِنَزَلَتْ بهم الشدة. قوله جل ذكره: ﴿ وَحَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُّلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. كما أن في الأرض سُبُلاً يسلكونها ليَصِلُوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السُبُلَ إليه مسلوكة بما بيَّن على ألسنتهم من هداية المريدين، وقيادة السالكين، كما يَسَّر بهداهم الاقتداء بهم في سيرهم إلى الله . قوله جل ذكره: ﴿ وَحَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ . في ظاهر الكون السماء منيرة، والأرض مسكونة .. كذلك للنفوس أراضٍ هي مساكن الطاعات، وفي سماء القلوب نجومُ العقل وأقمارُ العلم وشموسُ التوحيد والعرفان. وكما جُعِلَتْ النجومُ رجوماً للشياطين جَعَلَ من المعارفِ رجوماً للشياطين. وكما أن الناس عن آياتها معرضون لا يتفكرون فالعوام عن آياتِ القلوب مما فيها من الأنوار غافلون، لا يكاد يعرفها إلا الخواص. قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَاَلنَّمْسَ وَالْقَمَّرْ كُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ . كما أن الحق ـ سبحانه ــ في الظاهر يكوِّر الليل على النهار، ويكور النهار على الليل فكذلك يُدْخِلُ في نهارِ البسط ليلَ القبض .. والبسط في الزيادة والنقصان. فكما أنَّ الشمس أبداً في برجها لا تزيد ولا تنقص، والقمرَ مرةً في المحاق(٢)، ومرةً في (١) أي الجبال الشوامخ. (٢) المحاق: آخر الشهر القمري حيث لا يظهر القمر، وقيل: ثلاث ليالٍ من آخره، أو أن يستسرّ القمر ليلتين فلا يُرى غدوة ولا عشية . ۔ ٢٩٢. تفسير سورة الأنبياء الإشراق .. فصاحبُ التوحيدِ بنعت التمكين - يرتقي عن حَدِّ تأمُّلِ البرهان إلى رَوْحِ البيان، ثم هو متحققٌ بما هو كالعيان. وصاحبُ العِلْمِ مرةً يُرَدُّ إلى تجديد نَظَرِهَ وتَذَكُرِهِ، ومرةً يغشاه غَيْرٌ في حال غفلته فهو صاحب تلوين. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلُّ أَفَإِيْن ◌ِتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾. إنك في هذه الدنيا عابرُ سبيلٍ، لكننا لم نتركك فرداً في الدنيا، ولذلك قال عليه السلام لصاحبه في الغار: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!))(١). قوله جل ذكره: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾ . الموتُ به آفةُ قوم، وفيه راحة قوم؛ لقوم انتهاء مدة الاشتياق، والآخرين افتتاح باب الفراق، لقوم وقوّع فتنتهم ولآخرين خلاصٌ من محنتهم، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلّامة . قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا رَءَالَ الَّذِينَ كَفَرُوّاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الَّهْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ . لو شهدوا بما هو به من أوصاف التخصيص وما رقّاه إليه من المنزلة لظلوا له خاضعين، ولكنهم حُجِبُوا عن معانية وسريرته، وعاينوا منه جسمه وصورته. قوله جل ذكره: ﴿ خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَبَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَيَقٍ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ . العَجِلَةُ مذمومةٌ والمُسَارَعَةُ محمودٌ؛ فالمسارعة البِدارُ إلى الشيء في أول وقته، والعَجَلَةُ استقباله قبل وقته، والعجلةُ نتيجةُ وسوسة الشيطان، والمسارعةُ قضية التوفيق . قوله جل ذكره: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. اعتادوا تكذيب الأنبياء عليهم السلام فيما وعدوهم، فاستعجلوا حصولَ ما توعدوهم به. ولو علموا ما ينالهم لكان السكونُ منهم، فالفَزَعُ يَدُلُّ على استعجالهم. قوله جل ذكره: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَِّينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾. لأمسكوا اليوم عن الانخراط في عذاب الظنون، والاغترار بمواعيد الشيطان. (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٤/٥، ٨٣/٦)، ومسلم في (الصحيح فضائل الصحابة ب١ رقم ١) وأحمد بن حنبل في (المسند ٤/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٦٨/٧)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٣٣٣/١٤)، وابن حجر في (فتح الباري ٣٢٥/٨)، وابن أبي عاصم في (السنة ٢/ ٥٧٦)، وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ١٤٩/١)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٣/ ٤٤٠)، وصاحب (الأذكار النووية ٢٤٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٤٣٥/٥، ٤٣٤/١١، ١٣٤/١٢)، وابن حبان في (المجروحين ٢٩٥/١). ٢٩٣ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةٌ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾. العقوبة إذا أتت فجأةً كانت أنكى وأشد. وسُنَّةُ الله في الانتقام أن يُثِيرَ ريحَ البغتةِ في حال الانغماس في النِّعْمة والمِنَّة . قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ تَمَا كَانُواْ ◌ِهِ يَسْنَهْزِءُونَ﴾ . تسليةٌ له، وتعريفٌ بوشك الانتصار على الذين كانوا يؤذونه من أعداء الدين؛ أي عن قريبٍ ستجدون وَبالَ ما استوجبوه من العقوبة. قوله جل ذكره: ﴿قُلّ مَن يَكْلُوُكُمْ بِلَِّ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ﴾. تقرير عليهم بأن ليس بتداخل المخلوقين نجاتهم، وقد جرَّبوا ذلك في أحوال محنتهم، فكيف لا يتبرءون ممن ليس لهم شيء، ومما ليس منه نَفْعٌ ولا ضرِّ؟ وفي ذلك تنبيه للمؤمنين بأن مآربهم إلى الخيرات من نوعي النفع والدفع من الله عز وجل، فالواجبُ دوامُ اعتكافِهم بقلوبهم بقوة كَرمِه وجُوده . قوله جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأَ﴾. بسط القول وكرره في تعريفهم استحالة حصول الضر والنفع من الجمادات؛ وأصنامُهم التي عبدوها من تلك الجملة، ولم يَرِذ منهم - على تكرار هذه الألفاظ - إلَّا عجزٌ وانقطاعُ قولٍ . قوله جل ذكره: ﴿بَّ مَثَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرِّ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاْ أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ . طولُ الإمتاع إذا لم يكن مقروناً بالتوفيق، مشفوعاً بالعصمة كان مكراً واستدراجاً، وزيادةً في العقوبة. والحقُّ كما يعاقِبُ بالآلام والأهوال يعاقِب بالإملاء والإمهال. وقال: ﴿أفلا يرون أنا نأتي الأرض﴾ تتوالى القسوة حتى لا يَبْقَى أثرٌ، للصفوة؛ فيتعاقبُ الخذلانُ حتى يتواتر العصيان، ويتأدى ذلك إلى الحرمان الذي فيه ذهاب الإيمان. ويقال تنقص بذهاب الأكابر ويبقى الأراذل ويتعرض الأفاضل .. وفي هذا أيضاً إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل: آخِرُ الأمر ما ترَى القبرُ واللَّحدُ والثرى وكما قيل : وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيُّ طوى العصران (١) ما نَشْرَاه مني (١) العصران: الليل والنهار، وقيل: الغداة والعشي. (لسان العرب ٥٧٦/٤ مادة: عصر). ٢٩٤ تفسير سورة الأنبياء ولا يبقى ـ مع النقصان - شيء أراني كلَّ يوم في انتقاص قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيَّ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّ الدُّعَّةَ إِذَا مَا يُذَرُونَ﴾ . أي بأمر الله أُعْلِمكم بموضع المخافة، ويُوحى إليَّ في بابكم أنْ أُخَوْفَكُم بأليم عقابه، ولكنَّ الذي عَدِمَ سمْعَ التوفيقِ .. أنى ينفعه تكرارُ الأمر بالقبول عليه؟! قوله جل ذكره: ﴿وَلَيْن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنتَ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّاً ظَلِمِينَ﴾. أي إنهم لا يصبرون على أقلُ شيءٍ من العقوبة؛ وإن الحقَّ إذا شاء أن يؤلِمَ أحداً فلا يحتاج إلى مددٍ وعون. قوله جل ذكره: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ . توزن الأعمالُ بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاصٌ لا يُقبَل، وتوزن الأحوالُ بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجابُ لا يُقْبَل، وتوزن الأنفاسُ بميزان ( .... )(١) فما فيه حظوظ ومساكنات لا يُقْبَل. ويقال ينتصِفُ المظلومُ من الظالم، وينتقم الضعيفُ من القوي. ويقال ما كان لغير الله يَصْلُح للقبول. ويقال يكافىء كلاً بما يليق بعمله فَمَنْ لم يرحم عبادَه في دنياه لا يَرْحَمَهُ الله، ومن لم يُحسِن إلى عباده تقاصر عنه إحسانه، ومَنْ ظلم غيره كوفى بما يليق بسوء فعله. قوله: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾: أي يُجازي المظلومين وينتقم من الظالمين، ويُنْصِفُ المظلومَ من مثقال الذرة ومقياس الحَبَّة، وإن عَمِلَ خيراً بذلك المقدار فسيلقى جزاءه، ويجد عِوَضَه. قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ﴾. ما آتاه الحق سبحانه للأنبياء عليهم السلام من الضياء والنُّور، والحُجَّةِ والبرهان يشاركهم المستجيبون من أُمَمِهم في الاستبصار به .. فكذلك الأكابر من هذه الأمة يشاركون نبينا - - في الاستبصار مور اليقين. و((المُتَّقِي)) هو المُجَانِبُ لما يشغله ويحجبه عن الله، فيتقي أسبابَ الحجاب وموجباتها . (١) بياض في الأصل. ٢٩٥ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ وَهُمْ مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ . صار لهم في استحقاق هذه البصائرِ والخشية بالغيب إطراقُ السريرة، وفي أوان الحضور استشعارُ الْوَجَلِ من جريان سوء الأدب، والحذَّرُ من أن يبدو من الغيبٍ من خفايا التقدير ما يوجبُ حجبة العبد . والإشفاق من الساعة على ضربين: خوف قيام الساعة الموعودة للعامة، وخوفُ قيام الساعة التي هي قيامة هؤلاء القوم؛ فإنَّ ما يستأهل الكافة في الحشر مُعَجَّلٌ لهم في الوقت من تقريبٍ ومن تبعيد، ومن مَخوٍ ومن إثبات. قوله جل ذكره: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنَّهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ : وَصَفَ القرآن بأنه ﴿مبارك﴾، وهو إخبارٌ عن دَوَامِه، من قولهم: بَرَكَ الطائرُ على الماءِ أي دَامَ . وإنَّ هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفِه؛ وما لا ابتداء له - هو كلامه القديم - فلا انتهاء للكتاب الدالْ عليه. قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزْفِيَمَ رُشْدَمُ مِن قَبْلُ وَّكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾ . أراد به ما تعرَّف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال والأفول، لولا أنّه خصَّه في الابتداء بالتعريف .. وإلّا متى اهتدى إلى التمييز بينه وبين خَلْقِه لولا ما أضاء عليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر في المخلوق؟ ويقال هو ما كاشَفَ به رُوحَهُ قبل إبداعها من تجلِّي الحقيقة . قوله جل ذكره: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التََّائِلُ الَّيِ أَنْتُمْ لَمَا عَّكِّفُونَ﴾ . خاطَبَ قومه وأباه ببيان التنبيه طمعاً في استفاقتهم من سَكْرَةِ الغفلة، ورجوعهم من ظلمة الغلظة، وخروجهم من ضيقِ الشُّبْهَةَ. ثم سأل الله إعانَتُهم بطلب الهداية لهم. فلمَّا تَبَيَّن له أنهم لا يؤمنون، وعلى کفرهم یُصِرُّون تبرأ منهم أجمعين. قوله جل ذكره: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَّءَنَا لَمَا عَيِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَبَاؤُكُمْ فِ ضَلَلٍ ◌ُّبِينٍ قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ﴾ . ما استروحوا في الجواب إلا إلى التقليد، فكان من جوابه الحُكْمُ بالتسوية بينهم وبين آبائهم في الضلال، والحجة المتوجهة على سلفهم لزموها وتوجهت عليهم، فلم يرضوا منه بتخطئة آبائهم حتى قالوا: ﴿أَجِثْتَنَا بِلِّْ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّعِينَ﴾ فطالبوه بالبرهان إلى ما دعاهم إليه من الإيمان فقال. ﴿قَالَ بَلَ زَّبِّكُمْ رَبُّ التَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُ مِّنَ الشَِّهِدِينَ﴾. ٢٩٦ تفسير سورة الأنبياء فأحالَهم على النظر والاستدلال والتعرُّف من حيث أدلة العقول لأنَّ إثباتَ الصانع لا يُغْرَفُ بالمعجزاتُ، وإنما المعجزاتُ علم بصدق الأنبياء عليهم السلام، وذلك فرع لمعرفة الصانع . ثم بيَّن لهم أنَّ ما عبدوه من دون الله لا يستحق العبادة، ثم إنه لم يَخْفِلْ بما يُصيبه من البلاء ثقةً منه بأنَّ الله هو المتفرِّدُ بالإبداع، فلا أحد يملك له ضراً من دون الله، فتساءلوا فيما بينهم وقالوا: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ اُلَِّينَ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: ٩ أي يذكرهم بالسوء. ويحتمل أن يكون مَنْ فعله .. فاسألوه، فسألوه فقال: بل فَعَلَہ کبیرُهم . فقالوا كيف ندرك الذنب عليه؟ وكيف تحيلنا في السؤال عليه - وهو جماد؟ فقال: وكيف تستجيزون عبادة ما هو جمادٌ لا يدفع عن نَفْسِه السوء؟! قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِفُونَ﴾(٢). فقال: شرِّ وأمَرُّ .. كيف تستحق أمثالُ هذه .. العبادة؟! فلمَّا توجَّهَتْ الحجةُ عليهم ولم يكن لهم جواب دَاخَلَتْهم الأنْفَةُ والحمية فقالوا: سبيلنا أن نقتلَه شَرَّ قتله، وأن نعامِلَه بما يخوفنا به من النار. فقالوا: ﴿أَبُواْ لَهُ بُنْيًَ فَأَلْقُوهُ فِ الَْحِيمِ﴾ (٣) [الصافات: ٩٧]، فلما رموه في النار: قوله جل ذكره: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَّدًا وَسَمَّا عَلَى إِنَهِيمَ﴾ . لو عَصَمَه من نار نمرود ولم يمكنه مِنْ رَمْيه في النار من المنجنيقِ (٤) لكان - في الظاهر - أقرب من النصر، ولكنَّ حِفْظَه في النار من غير أَنَّ يَمَسَّه أَلَمّ أتمُّ في باب النصرة والمعجزة والكرامة . ويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان كثيراً ما يقول: أواه من النار! قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. فلمَّا رُمِيَ في النار، وجعل اللَّهُ عليه النارَ بَرْدَاً قيل له: لا تقُلْ بعد هذا. أواه من النار! فالاستعاذةُ بالله مِنَ الله ... لا من غيره. (١) الآيتان (٥٧، ٥٨) لم تردا. (٢) الآيات من (٦١ حتى ٦٤) لم ترد. (٣) الآيات من (٦٦ حتى ٦٨) لم ترد. (٤) المنجنيق (مع) (مؤ): آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن، كانت تُرمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها (ج) منجنيقات ومجانق ومجانيق. ٢٩٧ تفسير سورة الأنبياء قوله: ﴿وسلاماً﴾: أي وسلامةً عليه وله، فإنه إذا كان للعبد السلامة فالنارُ والبَرْدُ عنده سِیّان. ويقال إن الذي يحرق في النار مَنْ في النار يقدر على حِفْظِه في النار. ولمَّا سَلِمَ قلبُه من غير الله بكل وجهٍ في الاستنصار والاستعانة وسَلِمَ من طَلَبِ شيءٍ بكلِ وجهٍ .. تعرَّض له جبريلُ - عليه السلام - في الهواء وقد رمي من المنجنيق وقال له: هل مِنْ حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ .. فَلَا! فجعل اللَّهُ النار عليه برداً وسلاماً؛ إذ لمَّا كان سليمَ القلبِ من الأغيار وَجَد سلامة النّفْسِ من البلايا والأعلال. قوله جل ذكره: ﴿وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. مَنْ حَفَرَ لأوليائه وقع فيما حَفَر، ومَنْ كان مشغولاً بالله لم يَتَوَلَّ الانتقامَ منه سوى الله قوله جل ذكره: ﴿ وَجَّيِّنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾. مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في أنبيائه - عليهم السلام - أنه إذا نَجَّى منهم واحداً أشرك معه مَنْ كان مُسَاهِماً له في ضُرِّه ومُقَاساةِ مشقته. قوله جل ذكره: ﴿وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾. مَنَّ عليه بأن أخرج مِنْ صلبه مَنْ كان عابِداً لله، ذاكراً له، فإنَّ مفاخِرَ الأبناءِ مناقِبُ للآباء، كما أنَّ مناقبَ الآباء شرفٌ للأبناء. قوله جل ذكره: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الْعَلَوَةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُوْ لَنَا عَِدِينَ﴾. الإمامُ مُقَدَّمُ القوم، واستحقاقُ رتبةِ الإمامة باستجماع الخصال المحمودة التي في الأمة فيه، فَمَنْ لم تتجَمعْ فيه مُتَفَرْقاتُ الخِصالِ المحمودةِ لم يستحق منزلةً الإمامة . قوله جل ذكره: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِىِ كَانَتْ تَعْمَلُ اَلَْبَكَِّتُّ ◌ِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. أكمل له الأنعام بعصمته مِنْ مِثلِ ما امْتُحِنَ به قومُه، ثم بخلاصِه منهم بإخراجه إيّاه مِنْ بينهم، فميزه عنهم ظاهراً وباطناً. قوله جل ذكره: ﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِى رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ٢٩٨ تفسير سورة الأنبياء بيَّن أنه أدخله في رحمته ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ فلا محالة مَنْ أدخله في رحمته كان صالحاً. وقوله: ﴿وَأَدْخَلَْهُ فِ رَحْمَتِنَآ﴾ إخبارٌ عن عين الجمع، وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنَ اُلصَّلِحِينَ﴾: إخبار عن عين الفرق. قوله جل ذكره: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَنُهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَُّواْ بِثَايَتِنَأْ إِنَهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْعِينَ ﴾ . كان نوح - عليه السلام - أطولَهم عمراً، وأكثرهم بلاءً. ففي القصة أنه كان يُضْرَبُ سبعين مرةً، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول. لا تقبل قولَ هذا الشيخ وكان يوصيه بمخالفته. وكان نوح - عليه - يصبر على مقاساة الأذى، ويدعوهم إلى الله، فلمَّا أيِسَ من إيمانهم، وأُوحِيَ إليه: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] دعا عليهم فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فقال تعالى: ﴿ونوحاً إذ نادى من قبل﴾ فأَزْهِقَ الشُرْكُ وأُغْرِقُ أَهلُه. قوله جل ذكره: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ فِي الَّْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اٌلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَثْنَا حُكْمًا وَعِلْمَّاً﴾ . أشركهم في حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت .. ففي مسألة واحدة أثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية؛ إذ مَنَّ عليه بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ ولم يَمُنْ عليه بشيءٍ من المُلْكِ الذي أعطاه بمثل ما منَّ عليه بذلك، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافُهم في فروع الدين؛ حيث قال: ﴿وَكُلّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئة الآخر فله تعلُّقٌ بقوله: ﴿فَفَهَّمْتَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾. أمَرَ الجبالَ وسخّرها لتساعدَ داود - عليه السلام - في التسبيح، ففي الأثر، كان داود - عليه السلام - يمرُّ وصُفَاحُ(١) الجبالِ تجاوبه، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه . قوله جل ذكره: ﴿وَعَلََّهُ صَنْعَةً لَبُوُسٍ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ . (١) الصفاح: (ج) الصَّفح من الجبل: سفحه . ٢٩٩ تفسير سورة الأنبياء سخّر الله - سبحانه - لداود الحديد وألانه في يده، فكان ينسج الدروع، قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] ليتحصن من السهام في الحروب، قال تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] وأحكِمْ الصنعة وأوثِقْ المسامير .. ولكن لما قصدته سِهَامُ التقدير ما أصابت إلا حدقَتَه حين نظر إلى امرأة أوريا - من غير قصدٍ - فكان ما کان . ولقد خلا ذلك اليوم، وأغلق على نَفْسه بابَ البيت، وأخذ يصلي ساعةً، ويقرأ التوراة مرةً، والزبور أخرى، حتى يمضي وينتهي ذلك اليوم بالسلامة. وكان قد أُوجِيَ إليه أنَّه يومُ فتنةٍ، فَأَمَرَ الحُجَّابِ والبواب ألا يُؤْذَّنَ عليه أَحَدٌ، فَوَقَعَ مِنْ كَوَّةِ البيتِ طِيرٌ لم يَرَ مِثْلَه في الحُسْنِ، فَهَمَّ أَنْ يأخذه، فَتَبَاعَدَ ولم يَطِرْ كالمُطْمِع له في أخذه، فلم يَزَلْ يستأخر قليلاً قليلاً حتى طار من كوَّةِ البيت، فتبعه داودُ ينظر إليه من الكوة من ورائه، فوقع بصرهُ على امرأة أوريا، وكانت قد تجرَّدَتْ من ثيابها تغتسلُ في بستانٍ خَلْفَ البيتِ الذي به داود، فحَصَلَ فِي قلبه ما حصل، وأصاب سَهْمُ التقدير حَدَقَتْه، ولم تَنْفَعْهُ صَنْعَةُ اللَّبوسِ التي كان تعلَّمها لِتُحَصِّنَه من بأسه. قوله جل ذكره: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْتَ فِيَهَاْ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ . سخّر اللَّهُ له الريحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ورواحُها شَهْرٌ، ولو أراد أن يزيد في قَدْر مسافتها شِبْراً لما استطاع، تعريفاً بأنه موقوفٌ على حكم التقدير، فشهود التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أُكْرِمَ به من التسخير، ولقد نبَّه - سبحانه - من حيث الإشارة أن الذي مَلَكَه سليمان كالريح إذا مرَّ وفات، أو أنه لا يَبْقَى باليدِ منه شيء. وفي القصة أنه لاحَظَ ذلك يوماً فمالت الريح بِبَساطِه قليلاً، فقال سليمانُ للريح : استو. فقالت له الريح: استوٍ أنت. أي إنما مَيْلِي بِيِسَاطِكَ لميلك بقلبك بملاحظتك فإذا استويتَ أنتَ استويتُ أناً . قوله جل ذكره: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ وَكُنَاً لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ . إنما كان ذلك أياماً قلائل في الحقيقة. ثم إنه أراد يوماً أن يعود إلى مكانه فجاءه مَلَكُ الموتِ فَطَالَبَه بروحه، فقال: إليَّ حين أرجع إلى مكاني. فقال له: لا وجه للتأخير، وقَبضه وهو قائم يتكىء على عصاه وبقي بحالته، ولم تعلم الجِنُّ، إلى أنْ أُكُلَتْ دابة الأرض - كما في القصة - عصاه، فلما خَرَّ سليمان ٣٠٠ تفسير سورة الأنبياء عَلِمَتْ الشياطينُ بموته، وتحققوا أنَّ الذي بالعصا قِيامُه فَقَهْرُ الموت يلحقه . قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِى مَسَّفِىَ الشُّهُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾. أي واذكر أيوبَ حين نادى ربَّه. وسمِّي أيوب لكثرة إيابه إلى الله في جميع أحواله في السرَّاء والضرَّاء، والشّدَّةِ والرَّخاءِ. ولم يَقُلْ: ارحمني، بل حَفِظَ أدب الخطاب فقال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾. ومن علامات الولاية أن يكونَ العبدُ محفوظاً عليه وقتُه في أوانٍ البلاء. ويقال إخبارُه عنه أنه قال: ﴿مسني الضر﴾ لم يَسْلُبْه اسمَ الصبرِ حيث أخبر عنه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً﴾ [ص: ٤٤] لأنَّ الغالبَ كان من أحواله الصبر، فنادِرُ قالتِه لم يَسْلبْ عنه الغالِبَ من حالته. والإشارة من هذا إلى أنَّ الغالبَ من حال المؤمن المعرفةُ، أو الإيمانُ بالله فهو الذي يستغرِقُ جميعَ أوقاته، ولا يخلو منه لحظةً؛ ونادِرُ زلَاتِهِ - مع دائمٍ إيمانِه - لا يُزَاحِمُ الوصفَ الغالب. ويقال؛ لمَّا لم يكن قوله: ﴿مَسََِّ الضُّرُّ﴾ على وجه الاعتراض على التقدير - بل كان على وجه إظهار العجز - فلم يكن ذلك مُنافياً لصفة الصبر. ويقال استخرج منه هذا القولَ ليكونَ فيه مُتَنَفَّسٌ للضعفاء في هذه الأمة حتى إذا ضَجَّوا في حالِ البلاء لم يكن ذلك منافياً لصفة الصبر. ويقال لم يكن هذا القولُ منه على جهة الشكوى، وإنما كان من حيث الشكر ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ الذي تخصُّ به أولياءك، ولولا أنك أرحم الراحمين لَمَا خصصتني بهذا، ولكن برحمتك أهّلْتني لهذا. ويقال لم يكن هذا القولُ من أيوب ولكنه استغاثةُ البلاء منه، فلم يُطِقْ البلاءُ صُخْبَتَه فضجَّ منه البلاءُ لا أيوبُ ضَجَّ من البلاء ... وفي معناه أنشدوا. صابَرَ الصبرَ فاستغاثٌ به الصبرُ فصاح المحبُّ بالصبر صبراً(١) ويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة، ومعناه: أيمسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين؟ كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمِنُهَا عَلَىّ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي أتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل؟ ويقال إن جبريلَ - عليه السلام - أتى أيوبَ فقال: لِمَ تسكت؟ فقال: ماذا أصنع؟ فقال: إن الله سيان عنده بلاؤك وشفاؤك .. فاسأل الله العافيةَ فقال أيوب: ﴿أني مسني الضر﴾ فقال تعالى: ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ [الأنبياء: ٨٤] والفاء (١) البيت في الرسالة القشيرية ص١٨٦.