النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تغير سورة طه
ويقال: ﴿ألقيت عليك محبةً مني﴾: أي أثْبَتُ في قلبك محبتي؛ فإن محبةَ العبدِ
الله لا تكون إلا بإثباتِ الحق - سبحانه - ذلك في قلبه، وفي معناه أنشدوا:
تُلْقَى عليكَ وما لها سَبَبُ
إنَّ المحبةَ أَمْرُها عَجَبٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِّ﴾ .
أي بمرأىّ مني، ويقال لا أُمَكِّن غيري بأَنْ يستَبْعِدَكَ عني.
ويقال أحفظك من كل غَيْرٍ، ومن كلٌ حديثٍ سوى حديثنا. ويقال ما وَكَلْنَا
حِفْظَكَ إلى أحدٍ .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ نَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَوُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلٍُّ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ
كَيْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ .
البلاء على حَسَب قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى،
وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أمُّ موسى ضعيفةً فَرَدَّ إليها وَلَدَها بعد
أيام، وكان يعقوبُ أقوى في حاله فلم يُعِدْ إليه يوسفَ إلا بعد سنين طويلة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِ﴾.
أجرى اللَّهُ عليه ما هو في صورةٍ كبيرةٍ مِن قَتْلِ النَّفْسِ بغير حق، ثم بيِّن اللَّهُ أنه
لا يضره ذلك، فليست العِبْرةُ فعل العبد في قلَّته وكثرته إنما العِبرةُ بعناية الحقِّ بشأنٍ
أحدٍ أو عداوته .
ويقال قد لا يموت كثيرٌ من الخلْقِ بفنون من العذابِ، وكم من أناس لا يموتون
وقد ضُرِبُوا ألوفاً من السياط (١)! وصاحبُ موسى عليه السلام ومقتولُه مات بوكزةٍ (٢)!
إيش الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنةً لموسى؟ وفي بعض الكتب أنه - سبحانه -
أقام موسى كذا وكذا مقاماً، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر، وفي كل مرة كان
يقول له: ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا﴾ .
﴿فَنَجَيْنَكَ مِنَ أَلْغَمْ﴾: أريناكَ عينَ الجمع حتى زال عنك ما داخَلَكَ من الغمُ
بصفة مقتضى التفرقة، فلمَّا أريناكَ سِرَّ جريانِ التقديرِ نجَّيْنَاكَ من الغم.
قوله جل ذكره :
﴿ وَفَتَكَ فَنُوْنَا ﴾
٠
استخلصناكَ لنا حتى لا تكون لغيرنا. ويقال جَثَّسْنَا عليك البلَاءَ ونَوَّعْنَاه حتى
جَرَّدْنَاكَ عن كل اختيارٍ وإرادة، ثم حينئذٍ رَقَّيْنَاكَ إلى ما استوجَبْتَه من العِلم الذي
أَمَّلْنَاكَ له .
(١) السياط: (ج) السوط: الذي يُجلد به. (اللسان ٣٢٦/٧ مادة: سوط).
(٢) الوكز: الطعن. وذكره أيضاً: طعنه بجمع كفه. (اللسان ٤٣٠/٥ مادة: وكز).

٢٦٢
تفسير سورة طه
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَذْيَنَ﴾ .
وكنتَ عند الناس أنك أجيرٌ لشعيب، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك، وكان يكفي
- عندهم - أن تكون خَتَنَاً (١) لشعيب.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ .
أي عَدَدْنا أيامَ كونك في مدين شعيب، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين
عرفوا شرَفَكَ ومحبَّتَكَ منتظرين لك؛ فجئتَ على قَدَرٍ .
ويقال إنَّ الأَجَل إذا جاء للأشياء فلا تأخيرَ فيه ولا تقديم، وأنشدوا في قريب
من هذا المعنى :
سابخ في فؤاده وفؤادي
بينما خاطرُ المنى بالتلاقي
هكذا بغتةً بلا ميعادٍ
جمع اللَّهُ بيننا فالتقينا
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِىِ﴾.
استخلصتُكَ لي حتى لا تَصْلُحَ لأحدٍ غيري، ولا يَتَأَتَّى شيءٌ منك غير تبليغ
رسالتي، وما هو مرادي منك.
ويقال أفرذتُ سِرَّك لي، وجعلْتُ إقبالَكَ عليَّ دون غيري، وحُلْتُ بينك وبين
كل أحدٍ ممن هو دوني.
ويقال: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾: قَطَعَهُ بهذا عن كلِّ أحدٍ، ثم قال له: ﴿اذهب إلى
فرعون﴾ .
قوله جل ذكره: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَخُوَكَ بِثَايَتِ وَلَا نَا فِ ذِكْرِى أَذْهَبَآ إلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ .
تعلَّلَ موسى عليه السلام لمَّا أرسله الحقُّ إلى فرعون بوجوهٍ من العِللِ مثل
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِىِ﴾ [القصص: ١٣]، ﴿إِنِ قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن
يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] .. إلى غير ذلك من الوجوه، فلم ينفعه ذلك، وقال الله:
﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، فاستقل موسى عليه السلام بذلك، وقال:
الآن لا أُبالي بعد ما أنت معي.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلًا لَيْنَا لَعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .
إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول مَنْ دَعَوْه إلى الدِّين، وفي
حال الدعوة يجب اللّين؛ فإنه وقت المُهلةِ، فلا بدَّ من الإمهال ريثما ينظر؛ قال الله
(١) الختن: زوج البنت أو الأخت (الصهر). وفي الحديث: عليّ ختن رسول الله ور أي زوج ابنته.
(لسان العرب ١٣٨/١٣ مادة: ختن).

٢٦٣
تفسير سورة طه
لنبينا وَّ: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]: وهو الإمهال حتى ينظروا
ويستدلوا، وكذلك قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَفَكَّرُواْ
مَا بِصَاحِبِكُ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
ثم إذا ظهر من الخَصم التمرُّدُ والإباء فحينئذٍ يُقابَلُ بالغلظة والحتف .
ويقال علَّمهما خطابَ الأكابرِ ذوي الحشمة؛ ففرعونُ - وإن كان كافراً - إلا أنه
كان سلطانَ وقتهِ، والمتسلِّطَ على عِبادِ الله.
ويقال إذا كان الأمرُ في مخاطبة الأعداء بالرّفق والملاينة ... فكيف مع المؤمن
في السؤال؟
ويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال المَلَكَين في القبر للمؤمن.
ويقال إذا كان رِفْقُه بِمَنْ جَحَدَه فكيف رِفْقُه بِمَنْ وَحَدَه؟
ويقال إذا كان رِفْقُه بالكفَّارِ فكيف رفقُه ب الأبرار؟
ويقال إذا كان رفقه بمن قال: أنا ... فكيف رفقه بمن قال: أنت؟
ويقال إنه أَحْسَنَ تربيةَ موسى عليه السلام؛ فأراده أن يرفق به اليومَ في الدنيا
على جهة المكافأة.
وقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَّلَى﴾ [النازعات:
١٨].
وقوله: ﴿أَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: أي كُونَا على رجاء أن يُؤْمِنَ. ولم يحبرهما أنه
لا يؤمن لئلا تتداخَلَهُما فَتْرةً في تبليغ الرسالة عِلْماً منه بأنه لا يؤمن ولا يقبل.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَا رَبََّآَ إِنََّ نَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطَغَى﴾ .
في الآية دليلٌ على أَنَّ الخوفَ (١) الذي تقتضيه جَبْلَةُ الإنسانِ غيرُ ملومٍ صاحبُه
عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: ﴿إِنَّنَا غَخَافُ﴾.
ثم إنَّه سبحانه سَكَّنَ ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.
ويقال لم يخافا على نَفْسَيْهِما شفقةً عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا
مكيدةٌ من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيامٌ بأمرك، فكان ذلك الخوفُ لأجل حقٌ
الله لا لأَجْل حظوظ أنفسهما .
ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما
تَأَدَّبا في الخطاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ .
(١) انظر حديث القشيري عن الخوف برسالته ص١٢٤ - ١٣١.

٢٦٤
تفسير سورة طه
تَلَطَّفَ في استجلاب هذا القول من الحق سبحانه، وهو قوله: ﴿ إِنَِّى مَعَكُمَا﴾
بقولهما: ﴿إِنََّا نَخَافُ﴾، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾
وإلا فأَنّي بالخوف لِمَنْ هو مخصوصٌ بالنبُوَّةِ؟!
ويقال سَكَّنَ فيهما الخوف بقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾، فَقَويا على الذهاب إليه؛
إذ مِنْ شَرْط التكليف التمكين.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَنِيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمّ﴾ .
طالَ البلاءُ ببني إسرائيل من جهة فرعون، فتدرَاكُهُم الحقُّ سبحانه ولو بعد
حين، بذلك أجرى سُنَتَهُ أنه يُرخي ◌ِنَانَ الظالم، ولكن إذا أَخَذَهُ فإِنَّ أَخْذَهُ أليمٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ جِثْنَكَ بِشَايَتٍِ مِّن رَّبِّكٌ﴾ .
من شَرْطِ التكليفِ التمكينُ بالبيِّنة والآيةِ للرسولِ حتى يَتَّضِحَ ما يَدُلُّ على صِدْقِه
فيما يدعو إليه من النبوة. ثم إن تلك الآية وتلك البيّنة ما نفعتهم، وإنا تأكدت بهما
عليهم الحُجَّةُ؛ فإِذا عَمِيَ بَصَرُ القلبِ فأَنَّى تنفع بصيرةُ الحجة؟ وفي معناه قالوا:
إذا كان ممنوعاً سبيل الموارد
وفي نَظَرِ الصادي إلى الماء حَسْرَةٌ
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْمُدَى﴾.
إنما يَتَّبِع الهُدَى مَنْ كَخَّلَ قلبَه بنور العرفان، فأما من كانت على قلبِه غشاوة
الجهل ... فمتى يستمع إلى الهُدَى؟
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَقَوَلَ﴾ .
ما بعث اللَّهُ نبياً إلَّا وقد أَنْذَرَ قومَه بالعذابِ على تَرْكِ الأمر، وبَشَّرَهُم بالثوابِ على
حِفْظِ الأمر. والعذابُ مُعَجَّلٌ ومؤجَّلٌ؛ فمؤجَّلُه لا يُوقَفُ على تفصيله الأعداءُ وكذلك
مُؤَجَّل الثوابُ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وأما مُعَجَّلُ العقوبةِ فأنواعٍ، وعلى حسب مقام المرءِ تَتَوَجَّهُ عليه المُطَالَبَاتُ،
والزيادةُ في العقوبةِ تَدُلَّ على زيادةِ استحقاقِ الرّتْبَةِ؛ كالحرِّ والعَبْدِ في الحَدِّ. وقسوةُ
القلبِ نوعُ عقوبة، وما يتداخل الطاعة نوعُ عقوبة، وخسرانُ نصيبٍ في المالِ والأَنْفُس
نوعُ عقوبة ... إلى غير ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى قَالَ رَبُنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى﴾ .
﴿فَمَنْ زَّتُّكُمَا﴾ على التثنية، ثم قال: ﴿يَمُوسَى﴾ فأفرده بالخطاب بعدما قال:
﴿فَمَنْ رَّتُّكُمَا؟﴾. فيحتمل أن ذلك لمُشَاكَّلَة رؤوسٍ الآي، ويحتمل أن موسى كان
مُقَدَّماً على هارون فَخَصَّه بالنداء .

٢٦٥
تفسير سورة طه
وإنما أجاب موسى عن هذا السؤال بالاستدلال على فِعْلِه - سبحانه فقال: ﴿رَبُّنَا
الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ ليُعْلَمَ أنَّ الدليلَ على إثباته - سبحانه - ما دلَّتْ عليه أفعالُه.
قوله جل ذكره: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَفٍ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ رَِِّ
وَلَا يَنسَى ﴾ .
لا يمكنني أن أُخْبِرَكُم إلا بما أخبرني به ربي فَمَا عَرَّفَنِي عَرَّفْتُ، وما ستره عليّ
وَقَفْتُ .
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُّلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ
فَأَخْرَحْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَقََّ﴾ .
جَعَلَ الأرضَ مستقراً لأبدانهم، وجعل أبدانَهم مستقراً لعبادته، وقلوبهم مستقراً
لمعرفته، وأرواحهم مستقراً لمحبته، وأسرارهم مستقراً لمشاهدته.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَى﴾ .
هيّأَ لهم أسبابَ المعيشة، وكما نَظَرَ إليهم وَرَزَقَهُم رَزَقَ دوابَّهم التي ينتفعون
بها، وأَمَرَهُم أنْ يَتَقَووا بما تَصِلُ إليه أيديهم، وأنْ ينتفِعُوا - ما أمكنهم - بأَنْعَامِهِم
لِيَكْمُلَ لديهم إنْعَامُهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ مِنْهَ خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيذُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِئُكُمْ نَارَةً أُخْرَى﴾ .
إذ خَلَقْنا آدمَ من الترابِ، وإذْ أخْرَ جْناكم من صُلْبه ... فقد خَلَقْنَاكم من الترابِ
أيضاً. والأجسادُ قوالِبُ والأرواحُ ودائعُ، والقوالب نسبتها التُربة، والودائع صفتها
القُرْبة، فالقوالب يزينها بأفضاله، والودائع يحييها بكشف جلاله ولطف جماله.
وللقوالب اليوم اعتكافٌ على بساطٍ عبادته، وللودائع اتصافٌ بدوام معرفته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ مَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ﴾ .
أمره بجهره، وأعماه عن شهود ذلك بِسِره، فما نَجَعَ فيه كلامهُ، وما انتفعَ بما
حذَّره من انتقامه، ويَسَّرَ له من إنعامه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى فَتَأْتِنَّكَ بِحْرٍ مِثْلِهِ.
فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا غُخْلِفُهُ غَمْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَانًا سُوَى﴾ .
دعاهم موسى إلى الله، وخاطَبَهُم في حديث الآخرة من تبشيرٍ بثواب، وإنذارٍ
بعذاب، فلم يُجِيبُوا إلَّا من حيث الدنيا، وما زادهم تذكيراً إلا ازدادوا غفلة وجهالة.
كذلك صفةُ مَنْ وَسَمِه الحقُّ بالإبعاد، لم يكن له عرفان، ولا بما يقال إيمان،
ولا يتأسَّفُ على ما يفوته، ولا تصديق له بحقيقة ما هو بصدده.

٢٦٦
تفسير سورة طه
قوله: ﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ ... ﴾ تأَهَّبُوا لِمُنَاصَبَةِ الحقيقة؛ وتَشَمَّرُوا
للمُخَالَفةِ، فَقَصَمْتُهُم المشيئةُ؛ وكَبَسَتْهُم القدرة، وكما قيل:
وقال لي واحدنا معـذول
استقبلني وسيفُه مسلول
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الْزِينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ .
فكان في ذلك اليوم افتضاحهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَوَلَّ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ﴾ .
كادَ فرعونَ فَكِيد لَه، وأراد فارتدَّ إليه، ودعا للاستعداد فأُذِلَّ وأُذِيقَ البأسَ. ولم
يَدَعْ موسى شيئاً من الوعظ والرِّفْقِ، ولم يغادِرْ فرعونَ شيئاً من البَلَهِ والحُمْق، ولكن:
﴿قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَّى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَزَعُوّأْ
أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَ ﴾ .
اعلموا أنه لا طاقةً لأحدٍ مع الله - سبحانه - إذا عذَّبَه، فحملوا مقالته على الإفك،
ورَمَوْا معجزته بالسحر فقالوا: ﴿قَالُواْ إِنْ هَذَنِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخِْحَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِمَا
وَيَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ الْلَى فَأَحِعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَّوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى ﴾ .
هما في دعواهما كاذبان يَقْصِدان إلى إخراجِكم من بَلَدِكم، والتشويشِ عليكم
في مُعْتَقَدِكم .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِغَّآ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْغَى﴾ .
أظهروا من أنفسهم التجلَّدَ ظنًّا بأَنَّ النصرةَ لهم، وإخلاداً إلى ما كان السَّحَرَةُ
يُسَوْلُون لهم، فَخَيَّروا موسى في الابتداء بناءً على ما توهموا من الإلقاء، فقال لهم
موسى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإذَا ◌ِبَالُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِخْرِهِمْ أَّا تَتْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً
مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَهُوَّ إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ سَخِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ
السَّاحِرُ حَيْثُ أَ فَأَلْقِىَ السَّحَةُ ◌ُجَّدً قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنّ ءَاذَّنَ لَّكُمْ إِنَّهُ
لَكَبِرُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّخْرِّ فَأُقَطِعَنَ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ ◌َِفٍ وَلَأُّصَلْنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّغْلِ
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَاَ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾ .
قال لهم موسى بل ألقوا أنتم، وليس ذلك إذْناً لهم في السحر، ولكن أراد الحقُّ
إظهارَ تمويههم، فلمَّا خَيَّلوا للناس بإلقاءِ الحِبال أنها حياتٌ ابتَلَعَتْ عصا موسى جُمْلَةً
ما صَنَعُوا، وتحقَّقَ السَّحَرة أنَّ ذلك أمرٌ سماويٍّ حيث تلاشى عين ما كان معهم من
أوقار الحِبَال، وصار الثعبانُ عَصَاً كما كان، فسجدوا لله مؤمنين، وانقلب فرعونُ
وقومُه خائِبِين، وتَوَعَّدَهم بالقتلِ والصَّلْبِ، وفنونٍ من العذابِ الصعب، وبعدما كانوا
يُقْسِمُون بِعِزَّةٍ فرعونَ صاروا يَحْلِفُونَ بالله.

٢٦٧
تفسير سورة طه
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ
قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الذُّنْيَاً﴾ .
أي بالله الذي فطرنا إنَّا لن نُؤْثِرَكَ على ما جاءَنا من البينات. ولما طلعت في
أسرارهم شموسُ العرفان، وانبسطت عليهم أنواز العناية أبصروا الحقَّ سبحانه
بأسرارهم؛ "فنطقوا ببيان التصديق، وسجدوا بقلوبهم لمشهودهم، ولم يحتشموا مما
توعدهم به من العقوبة، ورأوا ذلك من الله فاستعذبوا البلاء، وتحملوا اللأواء(١)،
فكانوا في الغَدَاةِ كُفَّاراً سَحَرَةً، وأَمْسَوْا أَخياراً بَرَرَةً.
قوله: ﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ ... ﴾ عَلِمُوا أَنَّ البلَاءَ في الدنيا يَنْقَضي - وإنْ تمادى،
وينتهي وإن تناهى.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّاَ ءَامَّا بِرَيْنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَ﴾ .
أَهمُّ الأشياء - على مَنْ عرَفه - مغفرتُه لخطاياه؛ فهذا آدمُ - عليه السلام - لما
استكشف من حاله، وحلَّ به ما حلَّ قال: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [القصص: ١٦]
وقال لنبينا - وَّهِ - ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ﴾ [غافر: ٥٥]. وقال ◌َّ: «إنه ليغان على قلبي
فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة))(٢). ومَنَّ عليه بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَّذَّمَ مِن ذَلِكَ
وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٣) [الفتح: ٢٠٠].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ
يَاً لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَّ مَا غَشَِهُمْ وَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا
هَدَیْ ﴾ .
لما عَبَرَ موسى ببني إسرائيل البحر، وقرب منه فرعون، ورأى البحرَ منفلقاً
والطريقَ فيه يَبْساً عَيَّرَ قَوْمَه بتلبيسه فقال: ((إنه بحشمتي انفلق، فأنا ربُّكم الأعلى!))
وحصل - كما في القصة - من دخوله بعَسْكَرِه البحرّ حتى دخل آخرهم، وهمَّ أن
(١) اللأواء: المشقة والشدة والقحط والعلة. (اللسان ٢٣٨/١٥).
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح (الذكر ٤١)، وأبو داود في (السنن ١٥١٥)، وأحمد بن حنبل في
(المسند ٢١١/٤، ٢٦٠)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٥٢/٧)، والطبراني في (المعجم الكبير ١/
٢٨٠)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٢٣٢٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٧/٥، ١٨
٢٩٩، ٥١٧، ٥٩/٩، ٦٢٨)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٤٣/٢)، والبغوي في (شرح السنة ٦/
١٨٠)، والسيوطي في (الدر المنثور ٦٣/٦)، وابن حجر في (فتح الباري ١٠١/١١)، والمتقي
الهندي في (كنز العمال ٢٠٧).
(٣) الآيات من ٧٤ حتى ٧٦ لم ترد.

٢٦٨
تفسير سورة طه
يخرج أَوَّلُهم، فأمر اللَّهُ البحرَ حتى التطمت أمواجه فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما
ظهر له اليأسُ، ولم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصرارُه، وقد أدركته الشقاوةُ
التي سَبَقَتْ له من التقدير .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَنِّ إِسْرَّهِيَلَ قَدْ أَنْجَِّكُ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَعَذَلَكُمْ جَاِبَ الْقُلُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ .
يُذَكِّرُهم آلَاءَهِ، ويعدُّ عليهم نعماءَه، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر لِمَا
أسبغ عليهم من فنون النّعم، ثم يذكرهم ما مَنَّ به على أسلافهم منَ إنزال المنَّ
والسلوى، وضروب المِحَنِ وفنون البلوى.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُوْ مِن طَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ .
الطيبُ ما كان حلالاً. ويقال الطيب من الرزق ما لا يَعْصِي اللَّهَ مُكْتَسِبهُ. ويقال
الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق. ويقال الطيب من الرزق ما حَصَل منه
الشكرُ. ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبدُ من اللَّهِ؛ فما لأهل الجنةِ مُؤَجَّلٌ فِي
عقباهم جهراً، معجّلٌ لأصفيائه في دنياهم سِرّاً، قال تعالى: ﴿َاخِذِينَ مَآ ءَالَّلهُمْ رَبُهُمَّ﴾
[الذاريات: ١٦].
والأرزاقُ مختلفةٌ؛ فلأقوام حظوظُ النفوس ولآخرين حقوقُ القلوب، ولأقوام
شهودُ الأسرار؛ فرزق النفوس التوفيق، ورزق القلوب التصديق، ورزق الأرواح
التحقیق .
قوله: ﴿وَلَا تَظْفَوْاْ فِيهِ﴾: بمجاوزة الخلالِ إلى الحرام.
ويقال: ﴿لا تطغوا فيه﴾: بالزيادة على الكفاف(١) وما لا بُدَّ منه مما زاد على
سدُ الرمق.
ويقال: ﴿لا تطغوا فيه﴾: بالأكل على الغفلة والنسيان.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَسِى فَقَدْ هَوَى﴾ .
فيحل عليكم غضبي بالخذلانِ لمتابعة الزَّلَّة بعد الزّلَّة .
ويقال فيحل عليكم غضبي لِفَقْدِكم التأسُفَ على ما فاتكم.
ويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ .
الغفّار كثيرُ المغفرة؛ فَمِنْك التوبةُ عن زَلَّةٍ واحدةٍ ومنه المغفرة الذنوبٍ كثيرةٍ،
(١) الكفاف: من القوت: الذي على قدر نفقه لا فضل فيها ولا نقص. (اللسان ٣٠٦/٩).

٢٦٩
تفسير سورة طه
ومنه السّرّيةُ التي لا اطلاع لأحدٍ غيره عليها وما للملائكة عليها اطلاع. وهو يغفر لِمَنْ
عَمِلَ مثل عَمَلِكَ، وهو يغفر لِمِنْ قَلْبُكَ مُرِيدٌ له بالخير والنعمة، وكما قالوا:
وبكل مُتَّصِلٍ بها متوسْلُ
إني - على جَفَواتها - فِرَبِها
نَزَّلَتْ بِه وأُحِبُّ أهلَ المنزلِ
وأُحِبُها وأُحِبَّ منزلَها الذي
قوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ﴾: فلا تَصِحُّ التوبةُ إلا لمن يكون مؤمناً.
وقوله هنا: ﴿وَءَامَنَ﴾: أي آمن في المآلِ كما هو مؤمِنٌ في الحال.
ويقال آمن بأنه ليست نجاته بتوبته وبإيمانه وطاعته، إنما نجاتُه برحمته .
ويقال ﴿وَإِنِّ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الزَّلَّة ﴿وَءَامَنَ﴾: فلم يَرَ أعماله من نَفْسه، وآمن
بأن جميع الحوادث من الحقِّ - سبحانه - ﴿وَمِلَ صَئِحًا﴾: فلم يُخِلْ بالفرائض ثم
اهتدى للسُّنَّةِ والجماعة .
ويقال ﴿ثُمَّ﴾: للتراخي؛ أي آمن في الحال ((ثم)) اهتدى في المآل.
ويقال مَنْ سَمِعَ منه ﴿وَإِ﴾ لا يقول بعد ذلك: ((إنِّي)).
ويقال من شَغَلِه سماعُ قوله: ﴿وَإِ﴾ اسْتُهْلِكَ في استيلاءِ ما غَلَبَ عليه من ضياء
القربة، فإذا جاءت ﴿لَغَفَّارٌ﴾ صار فيه بعين المحو، ولم يتعلق بذنوب أصحابه وأقاربه
وكل من يعتني بشأنه.
ويقال ﴿إني لغفار﴾ كثير المغفرة لمن تاب مرةً؛ فيغفر له أنواعاً من ذنوبه التي
لم يَتُبِ منها سِرِّها وجَهْرِها، صغيرِها وكبيرِها، وما يتذكر منها وما لا يتذكر. ولا
ينبغي أَنْ يقولَ: علمت ((عملاً صالحاً)): بل يلاحظُ عَمَلَه بعينِ الاستصغارِ، وحالته
بغير الاستقرار.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَهْتَدَى﴾: أي اهتدى إلينا بنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾ .
أَخَرْجَهُمْ مع نَفْسِه لمَّا استصحبهم، ثم تقدَّمَهم بخطواتٍ فتأخروا عنه، فقيل له
في ذلك مراعاةً لحقُ صحبتهم.
ويقال قومٌ يُعاتَبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم .. فشتان ما هما!
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ هُمْ أُوْلَآءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَّضَى﴾ .
أي عَجِلْتُ إليكَ شوقاً إليك، فاستخرج منه هذا الخطاب، ولولا أنه استنطقه لما
أخبر به وموسى .
قوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ أي ما خَلَّفْتُهم لتضييعي أيامي، ولكني عَجِلْتُ إليك

٢٧٠
تفسير سورة طه
لترضى. قال: يا موسى إنَّ رضائي في أن تكون مَعهم وأَلَّا تَسْبِقَهم، فكونُكَ مع
الضعفاءِ الذين استصحبتهم - في معاني حصول رضائي - أبلغَ مِنْ تَقَدُّمِكَ عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِلَ﴾ .
فَتَّنَا قومَك فَضَلُوا وعبدوا العِجْلَ؛ فأخبر الحقُّ - سبحانه - أنَّ ذلك منه تقدير،
وفي هذا تكذيبٌ لُمَنْ جَحَدَ القولَ بِالقَدَرِ .
ويقال طَلَبَ موسى - عليه السلام - رِضَاءَ الحق، وقدَّر الحقُّ - سبحانه - فتنةً
قَوْمِه فقال: ﴿إنا قد فتنا قومك من بعدك﴾، ثم الحُكْمُ لله، ولم يكن بُدِّ لموسى عليه
السلام من الرضاء بقضاء الله - فلا اعتراضَ على الله - ومِنَ العلم بِحقُ اللَّهِ في أنْ
يفعلَ ما يشاء، وأنشدوا:
أُريد وِصَالَه ويريد هجري
فأتركُ ما أُريد لما يُريد
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَضَلَّهُ السَّاسِرِىُّ﴾ .
بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وهو نوع من التعزير، وحصل ما حصل، وظهر
ما ظهر من ( ... )(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿فَرَجَعَ مُوسَّقَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ .
ورجع نبيّنا - رَّة - من المعراج بنعت البسط، وجاء بالنجوى لأصحابه فيما
أوجب الله عليهم من الصلاة، وأكرمهم به من القربة بالزلفة .. فشتان ما هما!
ورجع موسى إلى قومه بوصف الغضب والأسف، وخاطبهم ببيان العتاب:
﴿قَالَ يَقَوْرِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَاْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَتُمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ
غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَغْلَفْتُمُ مَّوْعِدِى﴾ .
ظنوا بنبيِّهم ظنَّ السَّوْءِ في خلفه الوعد، فَلَحِقَهُمْ شؤمُ ذلك حتى زاغوا عن
العهد، وأشركوا في العقد .. وكذلك يكون الأمر إذا لم يفِ المرءُ بعقده، فإنه ينخرط
في هذا السِّلْكِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّارِهُ﴾ .
قالوا لم نكن في ابتداءِ حالِنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا، ولا عالمين بما آلَتْ
إليه عاقبةُ حالِنًا، وإن الذي حملنا من حُلِيِّ القبط صاغَ السامريُّ منه العجلَ .. وكذلك
الحرامُ من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين
(١) بياض في الأصل.

٢٧١
تفسير سورة طه
حراماً عليهم، فاستعاروا الحليَّ من القبط، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملكِ،
فكان سبب عبادتهم العجل .. كذلك مَنْ انهمك في طلب الدنيا من غير وجهِ حلالٍ
يكون على خَطَرِ من رِئَّةِ دِينِهِ، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣].
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إَِهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى
فَسِىَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا ﴾ .
يقال إنهم لمَّا مَرُّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم قالوا لموسى: اجعل لنا إلهاً
كما لهم آلهة، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان مَيْلُهم إلى عبادته مُسْتَكِنَاً في
قلوبهم، فصاغ السامريُّ العجل على تلك الصورة. وفي هذه إشارة إلى أن خفايا
الهوى إذا استكنَّت في القلب فَمَا لم يُنْقَش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يُخْشَى أن
يَلْقَى صاحبهُ ( ... )(١).
ويقال إن موسى - عليه السلام - خرج من بين أمته أربعين يوماً فَرَضِيَ قومهُ
بعبادة العجل، ونبيّنا - عليه السلام - خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذَكَرَ
واحدٌ عند مَنْ أخلص مِنْ أمته في التوحيدِ حديثاً في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرةً ليس
له منها مَخْلَصٌ.
كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلاً، بينما ضَمَنَ الحقُّ - سبحانه -
إعزازَ هذا الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨].
قوله: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَزَجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلًا ... ﴾ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لا قول له لا يتكلم، ومِن
لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة، وفيه رَدّ على مَنْ لم يُثْبِتْ له في الأَزَلِ
القولَ، ولم يَصِفْه بالقدرة على الخير والشر:
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَّكُمُ الرَّحْمَنُ
فَِّعُونِ وَطِيعُواْ أَمْرِى﴾ .
إنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون، والإشارة في هذا أن من لم يحفظ
أمر مَنْ هو أعلى رتبةً كيف يحفظ أمر من هو أدنى منزلةً؟ فَمَنْ تَرَكَ أَمْرَأَ الحقُّ .. كيف
يُطْمَعُ فيه أن يحترم الشيوخَ وأكلَ الناس؟. لهذا قيل: لا حُرْمَةً لفاسق؛ لأنه إذا تَرَكَ حقَّ
الحقَّ فمتى يحفظ حَقَّ الخَلْقِ؟
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُوْ لَنْ تَّْرَ عَلَيْهِ عَلَكِفِينَ حَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ .
(١) بياض في الأصل.

٢٧٢
تفسير سورة طه
كان ذلك تَعَلُّلاً منهم بالباطل، فقالوا إنهم كانوا عازمين على تَرْكِ عبادة العجل؛
إذ به يتحققون أن موسى عليه السلام دعاهم إلى التوحيدِ وتَركِ عبادةٍ غير اللَّهِ .. ولكنْ
كلُّ مُتَعِلْلٍ يَسْتَنِدُ إلى ما يحتج به من الباطل.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوْاْ أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ .
ضاق قلبُ موسى - عليه السلام - لمَّا شاهد من قومه بالمعاينة عبادة العجل.
ولقد كان سمع من الله أَنَّ السامريّ أظلَّهم حين قال: ﴿إِنَّا قد فتنا قومك﴾ [طه:
٨٥]، ولكن قديماً قيل: ليس الخبر كالعيان، فلمَّا عايَنَ ذلك ضاق قلبهُ، فكان يقول
لأخيه ذلك فظهر منه ما ظهر، وقيل: مَنْ ضاق قلبُه اتسع لسانُه. ولما ظهر لموسى -
عليه السلام - ما ظهر أخذ هارون يقابله بالرفق واللطف وحسن المداراة .. وكذلك
الواجب في الصحبة لئلا يرتقي الأمرُ إلى الوحشة، فاستلطفه في الخطاب واستعطفه
بقوله :
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِنِىِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ
تَرْقُّبْ قَوْلِىِ﴾ .
أنتَ أَمَرْتَنِي أَلَّا أُفَارِقَهم. وقد يُقال إن هارون لو قال لموسى: في الوقتِ
الذي احتَجْتَ أَنْ تَمْضِيَ إلى فرعون قلتَ: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا﴾
[القصص: ٣٤]، وقلت: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ﴾ [القصص: ٣٤]، وقلت حين مضيتَ إلى
سماع كلام الحق: ﴿أَخْلُفْنِ فِي قَوْمِى ... ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فما اكتفيت بأَنْ لم
تستصحبني. وخَلَّفْتَني! وقد عَلِمْتَ أَني بريءُ الساحةِ مما فعلوا فأخذتَ بلحيتي
وبرأسي ... ألم ترضَ بما أنا فيه حتى تزيدني حَزِياً على حَرْيٍ؟ !... لو قال ذلك
لكان مَوْضِعَه، ولكنْ لِحِلْمِه، ولِعِلْمِه - بأنَّ ذلك كُلَّه حُكْمُ ربِّهمَ - فقد قابَلَ كلِّ شيءٍ
بالرضا .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِنُ﴾.
سأل موسى كلَّ واحدٍ منهم بنوع آخر، وإن معاتبته مع قومه، ومطالبته لأخيه،
وتَغَيُّرَه في نَفْسِه، واستيلاءَ الغضب عليه - لم يغيِّرْ التقدير، ولم يُؤَخّز المحكوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِىِ﴾.
عَلِمْتُ ما لم يعلمه بنو إسرائيل فرأيتُ جبريلَ، فَقَبضْتُ الترابَ من موضع حافٍ
دابته، وأُلْقِي فِي رَوْعي أن ذلك سببُ حياةِ العجل فطرحتُها في جوفه ... هكذاَ زَيَّنَتْ
لي نفسي فائبعتُ هواها.

٢٧٣
تفسير سورة طه
ثم كان هلاكُه .. لئلا يأْمَنَ أحدٌ خفي مَكْرٍ التقدير، ولا يركنَ إلى ما في الصورة
من رِفْقٍ فَلَعَلَّه - في الحقيقة - يكون مكراً، ولقد أنشدوا:
فأَمِنتُه فأَتَاحَ لي من مَأْمَنِي مَكْراً، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأحبابا
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ آلْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا
لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ .
لم يَخْفَ على موسى - عليه السلام - تأثيرُ التقديرِ وانفرادُ الحقِّ بالإبداع، فلقد
قال في خطابه مع الحق: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ولكنه لم يدع - مع
ذلك - بإِحلال العقوبةِ بالسامري والأمر في بابه بما يستوجبه؛ ليُعْلَمَ أن الحُكمَ في
الإِبداع والإيجاد - وإنْ كان الله - فالمعاتبةُ والمطالبة تتوجهان على الخَلْقِ في مقتضى
التكليف، وإجراءُ الحقِّ ما يُجْرِيه ليس حُجَّةٌ للعبد ولا عُذْراً له.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَّ إِلَِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّقًا لَُّحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِى
اَلْيَوِّ نَسْفًا﴾ .
كلُّ ما تَعَلَّقَ به القلبُ من دون الله يَنْسِفُه الحقُّ - سبحانه بمُحِبِّه ولهذا يُلْقي
الأصنامَ غداً في النار مع الكفار، وليس له جُزْمٌ، ولا عليها تكليف، ولا لها عِلْمٌ ولا
خبر .. وإِنما هي جماداتٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَاً إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُؤْ وَعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾.
أي إلهكم الذي تجب عليكم عبادتُه بحقُ أمره هو اللَّهُ الذي لا إله إلا هو، وهو
بوصف الجلال، والذي لا يخفى عليه شيءٌ من المعلومات هو الله، وليس مِثْلَ الذي
هو جماد لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ، ولا يحيا ولا يسمع ولا يبصر. ويمكنه أن يَسْحَقَ هذا
الجماد ویحرقه .
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانِيْنَكَ مِنْ لَّكُنَا ذِكْرًا﴾ .
نعرُّفك أحوالَ الأولين والآخرين لئلا يَلْتَبِسَ عليكَ شيءٌ من طُرُقِهِم؛ فتتأدبَ
بآدابهم وتجتمعَ فيك مُتَفَرْقَاتُ مناقِبهم .. ولكن اعلمْ أَنَّا لم تُبلِغْ أحداً مَبْلَغَكَ، ولم
يكن لأحدٍ منَّا مالَكَ؛ آتيناك من عندنا شَرَفاً وفخراً لم يشركك فيهما أحدٌ، وذكّرناك ما
سَلَفَ لَكَ من العهد معنا، وجَدَّذنا لك بينهم تخصيصنا إياك، وكريمَ إقبالِنا عليك.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ .
المُعْرضُون عنه شركاءُ يحملون غداً وزِراً وثِقْلاً، أولئك بعُدُوا عن محلٌ
الخصوصية، ولم يكن لهم خَطَرٌ في التحقيق؛ فعقوبتُهم لا تزيد على آلام نفوسِهم
وإحراقٍ أشباحهم، وأمَّا أهل الخصوصية فلو غفلوا عنه ساعةٌ ونَسَوْه لحظةً لدَار - في

٢٧٤
تفسير سورة طه
الحال - على رؤوسهم البلاءُ بحيث تتلاشى في جَهنَّم عقوبةُ كلُ أحدٍ (بالإضافة إلى
هذه العقوبة)(١) .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِي الصُّورِ وَتَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا يَتَخَفَتُونَ يَنَهُمْ إِن
لَيْتُمْ إِلَّا عَثْرًا تَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةٌ إِن لَّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴾ .
قومٌ يومُ القيامة لهم مُؤجَّل، وهو بعد النفخ في الصُّور على ما وَرَدَ في الكتاب
وفي الخبر المأثور.
وللآخرين قيامةٌ مُعَجَّلٌ؛ فيها محاسبة وعليهم فيها مطالبة، وهوان حاضر
وعذاب حاصل، فكما تَرِدُ على ظواهرٍ قوم في الآخرةِ عقوباتٌ، تَرِدُ على سرائر
آخرين عقوباتٌ في الحياة الحاضرة، والمعاملةُ مع كل أحدٍ تخالف المعاملةَ مع
صاحبه .
قوله: ﴿يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ ... ﴾ مَنْ تَفَرَّغَ لِعَدُ الأوقاتِ والتمييز بين اختلاف
الحالات فنوعٌ غيرُ مستوفٍ في بلائه، وأمره سهلٌ ... ومَنْ كان يُرَادُ المعنى من حديثه
لا يتفرغ إلى نعت الحال؛ فالأحوال تخبر عنه وهو لا يُسْأَلُ عن الخبر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لِلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِ نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَامًا صَفْصَفًا لَّا
تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْنًا ﴾ .
كما أنَّ في القيامةِ الموعودةِ تُغَيَّرُ الجبالُ عن أحوالِها فهي كالعِهْن المنفوش (٢)
فكذلك في القيامة الموجودة ... فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم كالرواسي
ثباتاً؛ فإنه يُدْخِلُ عليهم من الأحوال ما يمحقهم عن شواهدهم، ويأخذهم عن
أقرانهم ... كذا سُنَّتُه سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَيِذٍ يَتَبِعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَتَعَتِ الْأَسْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ
إِلَّا هَمْسًا﴾ .
تنقطع الأوهام، وتقف الأفهام، وتنخنس العقول، وتندرٍس العلومُ، وتتحير
المعارفُ، ويتلاشى ما هو نَعْتُ الخَلْقِ، ويستولي سلطانُ الحقيقة .. فعند ذلك لا عينٌ
ولا أَثَرٌ، ولا رسم ولا طلل ولا غَبَرٌ، في الحضور خَرَسٌ، وعلى البِساط فَنَاءٌ،
وللرسوم امتحاءُ، وإنما الصحة على الثبات.
قوله جلّ ذكره: ﴿ يَوْمَيِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. والآية (١٠١) لم ترد.
(٢) العهن: الصوف المصبوغ ألواناً. (اللسان ٢٩٧/١٣ مادة: عهن).

٢٧٥
تفسير سورة طه
دليلُ الخطابِ أَنَّ مَنْ أَذِنَ له في الشفاعةِ تنفعه الشفاعةُ، وإذا قُبلَتْ شفاعة أحدٍ
بإذن الرحمن فَمِنَ المُحالِ ألَّا تُقْبَلَ شفاعةُ الرسولِ - وَه ـ وهو أفضل الكافة، وشفاعةُ
الأكابر من صفوته مقبولةٌ في الأصاغر في المُؤجَلَّ وفي المُعَجْلِ. والحقُّ سبحانه يُشَفْعُ
الشیوخَ في مریدیهم اليوم.
ويقال شفاعة الرسول عليه السلام غداً للمطيعين بزيادة الدرجة، وللعاصين
بغفران الزَّلَّة، كذلك شفاعة الشيوخ - اليوم - للمريدين على قسمين: للذين هم
أصحاب السلوك فبزيادة التحقيق والتوفيق، وللذين هم أصحاب التَّخَبُّطِ والغِرَّة
فبالتجاوز عنهم، وعلى هذا يُحْمَلُ قولُ قائلهم:
إِذَا مَرِضْتُم أَتَيْناكُم نعودُكُم وتُذْنِبُون فنأتيكم ونعتَذِرُ!
وحكاياتُ السَّلفِ من الشيوخ مع مريديهم في أوقات فترتهم معروفة، وهي
مُشَاكِلةٌ لهذه الجملة، وإن شفاعتَهم لا تكون إلا بتعريفٍ من قِبَلِ الله في الباطن،
ویکون ذلك أدباً لهم في ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْلُّ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ .
لا يخفى على الحق شيءٌ مما مضى من أحوالهم ولا مِنْ آتيها، ولا يحيطون به
عِلْماً. والكناية في قوله: ((به)) يحتمل أن يعود إلى ما بين أيديهم وما خلفهم، ويحتمل
أن يعود إلى الحقُّ - سبحانه -، وهو طريقة السَّلَّف؛ يقولون: يعلم الخلقَ ولا يحيط
به العلم، كما قالوا: إنه يَرَى ولا يُذْرَك.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ نُظُلْمًا﴾.
ذَلَّتْ له الرقاب واستسلم لحُكْمِه الخلْقُ، وخَضَعَت له الجبابرةُ، ومَنْ اقترف
الظلمَ بقي في ظُلُماته، وعلى حسب ذلك في الزيادة والنقصان .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّدْلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ خُلِلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
العمل الصالح ما يصلح للقبول، وفاعِلُه هو المتجرّدُ عن الآفات الواقفة لحقيقة
الأمر.
ويقال العمل الصالح ما لم يستعجل عليه صاحبُه أجراً.
قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: أي في المآل كما هو مؤمن في الحال.
ويقال هو مؤمنٌ مصدِّق لربِّه أنه لا يعطي المؤمنَ لأَجْلٍ إيمانه شيئاً، ولكن
بفضله، وإيمانُه أمارةٌ لذلك لا موچِبٌ له.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبًِّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ
تُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا﴾.

٢٧٦
حسـ
تفسير سورة طه
أَتْبَعْنا دليلاً بعد دليل، وبعثنا رسولاً بعد رسول، وحَذَّرْناهم بوجوهٍ من
التعريفات، وإظهارٍ كثيرٍ من الآيات.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ﴾.
تعالى اللَّهُ في كبريائه؛ وكبرياؤه: سناؤه وعُلاء ومَجْدُهُ ورِفْعَتُه وعظَمَتُه، كل
ذلك بمعنى واحد، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم.
و ﴿اَلْمَلِكُ﴾: مبالغةً من المالك، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد، والانفراد
بذلك .
و ﴿اَلْحَقٌّ﴾: في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود، ومنه قوله عليه السلام:
((العين حق))(١) أي موجود.
ويكون الحق بمعنى ذي الحقِّ، ويكون بمعنى مُحِقٌّ الحق .. كل ذلك صحيح.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَ إِلَيْكَ وَحُْهٌ وَقُل زَبٍّ زِدْنِ
عِلْمًا﴾ .
كان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافةً النسيان، فأَمَرَه بالتثبت في التلقين، وأَمَّنَه
من طوارِق النسيان، وعرَّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله.
والآية تشير إلى طَرَفٍ من الاحتياط في القضاء بالظواهر قبل عرضها على
الأصول، ثم إنْ لم يوجد ما يُوجَبُ بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقِّ اللفظ،
بخلاف قول أهل التوقف .
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٧١/٧ - ٢١٤)، ومسلم في الصحيح (السلام ٤١، ٤٢)،
والطبراني في (المعجم الكبير ب ٣٦)، والترمذي في (السنن ٢٠٦١)، وأبو داود في السنن (العلب
ب١٥)، وابن ماجه في ـ (السنن ٣٥٠٦، ٣٥٠٧)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٨٩/٢، ٣١٩،
٤٢٠، ٤٨٧، ٦٧/٤، ٣٧٩/٥)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٣٥١/٩)، وعبد الرزاق في
(المصنف ١٩٧٧٨)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٤٤٣٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٧/
٤١٧)، والطحاوي في (مشكل الآثار ٧٥/٤)، وابن حجر في (فتح الباري ٢٠٣/١٠ - ٢٣٣ -
٣٧٩)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٣٤٤/٨)، والدولابي في (الكنى والأسماء ٤١/٢)،
والسيوطي في (الدر المنثور ٢٥٨/٦)، والكمال في (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية ١٥٤/١ -
١٥٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٧٦٥٦، ١٧٦٥٧، ١٧٦٥٨ - ١٧٦٦٠)، وصاحب
(الأذكار النووية ٢٨٣)، وابن كثير في (التفسير ٢٠٩/١، ٢٢٨/٨ - ٢٣٣)، والبخاري في (التاريخ
الكبير ٩/٢ - ٢٥١)، وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ٩١/١)، والألباني في (السلسلة الصحيحة
١٢٤٨)، والذهبي في (الطب النبوي ١٣٤، ١٣٥) والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتشرة في
الأحاديث المشتهرة ١١٤)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٥٦٣)، والعجلوني في (كشف الخفاء
٩٩/٢).

٢٧٧
تفسير سورة طه
فالآية تشير إلى التثبت في الأمور وضرورة التمكث واللبث قصداً للاحتياط.
قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾: فإذا كان أَعْلَمُ البَشَرِ، وسيِّدُ العرب والعجم، ومَنْ
شهد له الحقُّ بخصائص العلم حين قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [النساء: ١١٣]
يقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ - عُلِمَ أَنَّ ما يخصُّ به الحقُّ أولياءَه من لطائف العلوم
لا حصر له.
ويقال أحاله على نفسه في استزادة العلم. وموسى عليه السلام أحاله على
الخضر حتى قال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] فشتان
بين عبدٍ أحيل على عبدٍ في ذلك ثم قيل له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف:
٧٢] ثم بعد كل ذلك التلطف قال له في آخر الأمر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِىِ وَبَّنْيِكَ ... ﴾
[الكهف: ٧٨] وبين عبدٍ أَمَرَه عند استزادة العلم بأن يطلبه من قِبَلٍ ربه فقال: قُلْ يا
محمد: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ .
ويقال لما قال عليه السلام: ((أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له)) (١)، قال له: ﴿وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ لِيُعْلَمَ أَنَّ أشرف خِصالِ العبدِ الوقوفُ في محلٌ الافتقار، والاتصاف
بنعت الدعاء دون الوقوف في مَغْرِض الدعوى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى مَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ .
لم تجد له قوةً بالكمال، وانكماشاً في مراعاة الأمر حتى وقعت عليه سِمةُ
العصيان بقوله: ﴿وَعَصَّ مَادَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١].
ويقال: ﴿لم نَجِدْ له عزماً﴾: على الإصرار على المخالفة.
ويقال لم نجد له عزماً في القصد على الخلاف، وإنْ كان .. فذلك بمقتضى
النسيان، قال تعالى: ﴿فَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ على خلاف الأمر، وإنْ كان منه اتباعُ
لبعض مطالبات الأمر.
ويقال شرح قصة آدم - عليه السلام - لأولاده على حجة التسكين لقلوبهم حتى
لا يقنطوا من رحمة الله؛ فإن آدم عليه السلام وقع عليه هذا الرقم، واستقبلته هذه
الخطيئة، وقوله تعالى: ﴿فَِىَ﴾ من النسيان، ولم يكن في وقته النسيان مرفوعاً عن
الناس .
ويقال عاتبه بقوله: ﴿فَنَسِىَ﴾ ثم أظهر عُذْرَه فقال: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
(١) للحديث رواية أخرى: ((والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم)) أخرجه ابن حجر في (فتح الباري ١٠/
٥١٤).
ورواية تقول: ((والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له)) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ١٢٢/٦).

٢٧٨
تفسير سورة طه
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّأْ إِلَّ إِيَلِسَ أَبَ﴾.
السجود نوع من التواضع وإكبار القَذر، ولم تتقدم من آدم عليه السلام طاعة ولا
عبادة فَخَلَقه الحقُّ بيده، ورَفَعَ شأنَه بعدما علَّمه، وحُمِلَ إلى الجنة، وأمَرّ الملائكةَ في
كل سماءٍ أن يسجدوا له تكريماً له على الابتلاء، واختباراً لهم. فسجدوا بأجمعهم،
وامتنع إبليسُ من بينهم، فَلَقِيَ من الهوان ما سبق له في حكم التقدير. والعَجَبُ ممن
يخفى عليه أنَّ مثل هذا يجري من دون إرادة الحقِّ ومشيئته وهو عالِمْ بأنه كذلك
يجري، واعتبروا الحكمةَ في أفعاله وأحكامه، ويزعمون أنه علم ما سيكون من حال
إبليس وذريته، وكثرة مخالفات أولاد آدم، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم ... ثم
يقولون إن الحقَّ سبحانه أراد خلاف ما عَلِمَ، وأجرى في سلطانه ما يكرهه وهو عالِمْ،
وكان عالماً بما سيكون! ثم خلق إبليس ومكّنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون
ذلك! ويدَّعُون حُسْنَ ذلك في الفعل اعتباراً إنما هو الحكمة ... فسبحان مَنْ أَعْمَى
بصائِرَهم، وعَمَّى حقيقةَ التوحيد عليهم!
قوله جلّ ذكره: ﴿فَقُلْنَا يَّفَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوِْكَ فَلَ يُخْرِجَنَُّها مِنَ الْجَنَّةِ
فَتَشْقَى﴾ .
وما كان ينفعهم النّضْحُ وقد أراد بهم ما حذَّرَهم، وعَلِم أنهم سيلقون ما خوَّفهم به.
قوله: ﴿فَلَ يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَوَ﴾: علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء؛ وأَمَّا إنَّه
أضاف الشقاء إلى آدم وحدَه ـ وكلاهما لحقّهَ شقاءُ الدنيا - فذلك لمضارعة رؤوس
الآي، أو لأن التعبَ على الرجال دون النساء. ومَنْ أصغى إلى قول عدوّه فإِنه يتجَرَّعُ
النَّدَمَ ثم لا ينفعه.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ لَكَ أَّا تَجُرُعَ فِيَهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ .
لا تصديقَ أتمُّ من تصديقِ آدم، ولا وعظَ أشدُّ رحمةً من الله، ولا يقينَ أقوى من
يقينه .. ولكن ما قاسى آدمُ الشقاءَ قبل ذلك، فلمَّا استقبله الأمرُ وذاق ما خُوِّف به من
العناءِ والكدِّ نَدِمَ وأطال البكاء، ولكن بعد إبرام التقدير.
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى﴾ أُوْثِرَ بكل وجه؛ فلم يعرف قَدْرَ العافيةِ
والسلامةِ، إلى أن جرى ما هو محكومٌ به من سابقِ القسمة.
ويقال تنعَّمَ آدمُ في الجنة ولم يعرف قدر ذلك إلى حين استولى في الدنيا عليه
الجوعُ والعطشُ، والبلاء من كل ( ... )(١).
وكان آدم عليه السلام إذا تجدَّد له نوعٌ من البلاء أخذ في البكاء، وجبريل عليه
(١) بياض في الأصل.

٢٧٩
تفسير سورة طه
السلام - يأتي ويقول: ربُّك يُقْرِئِكُ السلامَ ويقول: لِمَّ تبكي؟ فكان يُذَكِّر جبريلَ عليه
السلام وهو يقول: أهذا الذي قُلْتَ: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى﴾ ..! وغير هذا
من وجوه الضمان والأمن؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يََّفَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ
لَّا يَبْلَى﴾ .
وسوس إليه الشيطان وكان الحقُّ يعلم ذلك ولم يذكُرْ آدمُ في الحال أن هذا من
نزعات مَنْ قال له - سبحانه -: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ﴾ [طه: ١١٧].
ويقال: لو عَمَّى على إبليس تلك الشجرة حتى لم يعرفها بعينها، ولو لم يكن
( ... )(١) حتى دلَّه على تلك الشجرة إيش الذي كان يمنعه منه إلا أنَّ الحُكمَ منه
بذلك سَبَقَ، والإرادةَ به تعلَّقت؟
ويقال إن الشيطان ظهر لآدم عليه السلام بعد ذلك فقال له: يا شقيٍّ، فعلتَ
وصنعت ..!
فقال إبليس لآدم: إنْ كنتُ شيطانَك فَمَنْ كان شيطاني؟
ويقال سُمِّي الشيطان شيطاناً لبعده عن طاعة الله، فكلُّ بعيدٍ عن طاعة الله يُبْعِدُ
الناسَ عن طاعة الله فهو شيطان، ولذلك يقال: شياطين الإِنْسِ، وشياطين الإِنْسِ شرٍ
من شياطين الجن.
ويقال لما طمع آدم في البقاء خالداً وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليه بوسوسَتِهِ.
والناسُ تكلموا في الشجرة: ما كانت؟ والصحيحُ أَنْ يقالَ إنها كانت شجرة المحنة .
ويقال لو لم تُخْلَقْ في الجنة تلك الشجرةُ لَمَا كان في الجنة نقصانٌ في رتبتها.
ويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لِتَصِلَ إليها
يَدُه، ولكنه ــ كما في القصة - كانت لا تصل إلى أوراقها يده - بعد ما أكل منها -
حينما أراد أَنْ يأخذَ منها لِيَسْتُرَ عورته.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَحَلَا مِنْهَ فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ .
لمَّا ارتكبا المنهيَّ عنه ظهر ما يُسْتَخْيَّي مِنْ ظهوره، ولكنَّ اللَّهَ - سبحانه - أَلْطَفَ
معهما في هذه الحالة بقوله: فَبَدَتْ لهما سوآتهما، ولم يَقُلْ - مُطْلَقاً - فبدت
سَوْءَتُهما؛ أي أنه لم يُطْلِع على سوءتهما غيرَهما.
ويقال لَمَّا تجرَّدًا عن لباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر.
(١) بياض في الأصل.

٢٨٠
تفسير سورة طه
قوله جلّ ذكره: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةَّ﴾ .
أولُ الحِرَفِ والصناعات - على مقتضى هذا - الخياطةُ، وخياطةُ الرِّقاع بعضها
على بعض للفقراء ميراثٌ من أبينا آدم - عليه السلام.
ويقال كان آدم - عليه السلام - قد أصبح وعليه من حُلَلِ الجنة وفنونِ اللباس ما
اللَّهُ به أعلمُ، ثم لم يُمسِ حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة، وهكذا كان
في الابتداء ما هو موزوثَ في أولاده من هناء بعده بلاء.
قوله تعالى: ﴿ وَنَادَهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَّكُمَا عَنْ تِلْكُمَا النَجَرَةِ﴾: [الأعراف: ٢٢] عند
ذلك وقعت عليهما الخَجْلةُ لمَّا وَرَدَ عليهما خطاب الحقُّ: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا ... عَنْ﴾
[الأعراف: ٢٢] ولهذا قيل: كفى للمُقَصِّر الحياء يوم اللقاء.
قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ◌َلَمْنَآ أَنْفُسَنَا ... ﴾: [الأعراف: ٢٣] لم يتكلما بلسان
الحجة فقالا: ﴿رَبَّنَا ◌َلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يقولا: بظلمنا صرنا من
الخاسرين، بل قالا: ﴿وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]
لِيُعْلَم أَنَّ المدارَ على حُكْمِ الرَبِّ لا على جُزْمِ الخَلْقِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَّعَصَقَ مَادَمُ رَبَُّ فَغَوَ﴾َ.
لَمَّا وَقَعَتْ عليه سِمَةُ العصيان - وهو أَوَّلُ البشرِ - كان في ذكر هذا تنفيسٌ
لأولاده؛ أن تجري عليهم زَلَّةٌ وهم بوصف الغيبة في حين الفترة.
ويقال كانت تلك الأكلةُ شيئاً واحداً، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيانُ إلى
يوم القيامة .
وعصى آدم ربَّه ليُعْلَم أن ◌ِظَّمَ الذنوبِ لمخالفةِ الآمر وعِظَمٍ قَدْرِه .. لا لكثرة
المخالفة في نفسها.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ أَبْتَهُ رَبُُّ فَأَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ .
أخبر أنه بعدما عصى، وبعد كلِّ ما فَعَلَه اجتباه ربُّه؛ فالذي اصطفاه أولاً بلا عِلَّة اجتباه
ثانياً بعد الزَّلَّة، فَتَابَ عليه، وغفر ذنبه، ﴿وَهَدَى﴾: أي هداه إليه حتى اغتذر واستغفر.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِنَّكُم مِّنِى هُدَّى
فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ .
أوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية،، وقد توالت المحنُ على آدم وحواء بعد
خروجهما من الجنة بسمة العصيان، ومفارقة الجنة، ودخول الدنيا، وعداوة الشيطان،
والابتلاء بالشهوات. ثم قال:
﴿فَمَنِ آَتََّعَ هُدَاىَ ... ﴾ وتَرَكَ هواه، ولم يعمل بوسوسة العدوّ فله كُلُّ خير، ولا
يلحقه ضَيْر.