النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ تفسير سورة الإسراء ويقال إعراضُه في هذا الموضوع نسيانُه، ورؤية الفضل منه لا من الحقّ، وتوهمه أنَّ ما به من النِّعم فباستحقاق طاعةٍ أخلصها أو شدةٍ قاساها .. وهذا في التحقيق شِرْكٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِتِهِ، فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ . كُلِّ يترشح بِمُودَع باطنه، فالأَسِرَّةُ تدل على السريرة، وما تُكِنُّه الضمائرُ يلوح على السرائر، فَمَنْ صفاً مِنَ الكدورة جوهرهُ لا يفوح منه إلا نَشْرُ مناقبه، ومنْ طبِعَتْ على الكدورةِ طينتُه فلا يشمُّ مَنْ يحوم حولَه إلا ربحَ مثالبه. ويقال حركات الظواهر تدُلُّ وتُخْبِرُ عن بواطنِ السرائر. ويقال حَبُّ ( ... )(١) لا يُثْبِتُ غضَّ العود. ويقال من عُجِنَتْ بماء الشِّقْوةِ طينتُه، وطُبِعَتْ على النَّكَرَةِ جِبِلْتُه(٢) لا تسمح بالتوحيد قريحتُه، ولا تنطِقُ بالتوحيد عبارتُه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُِّحْ فُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . أرادوا أن يجادلوه ويُغَلِّطُوه فَأَمَرَه أن ينطق بلفظٍ يُفْصِحُ عن أقسام الروح؛ لأَنَّ ما يُطْلَقُ عليه لفظُ ﴿الرُّوحَ﴾ يدخل تحت قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَّ﴾ . ويقال إن روح العبد لطيفة أودعها الله سبحانه في القالب، وجعلها محل الأحوال اللطيفة والأخلاق المحمودة، (وكما يصح أن يكون البَصَرُ محلَّ الرؤية والأذنُ محلَّ السمع .. إلى آخره، والبصير والسامع إنما هو الجملة - وهو الإنسان - فكذلك محل الأوصاف الحميدة الروح، ومحل الأوصاف المذمومة النّفْس، والحكم أو الاسمُ راجعٌ إلى الجملة)(٣) . وفي الجملة الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد ما دام الروح في جسده . والروح لطيفة تقررت للكافة طهارتها ولطافتها، وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوفٍ من السنين. وقيل إنه أدركها التكليف، وإن لها صفاء التسبيح، وصفاء المواصلات، والتعريف من الحق. (١) بياض في الأصل. (٢) الجبلَّة: الخلقة (ج) جبلات. (٣) ما بين قوسين صُحح استناداً للرسالة القشيرية ص ٨٧. ۔ ٢٠٢ تغير سورة الإسراء ﴿وَمَّا أُوتِيتُم مِّنَ أَلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لأن أحداً لم يشاهد الروح ببصره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَيْنَ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا غَمِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. سُنَّةُ الحقُّ - سبحانه - مع أحبائه وخواص عباده أن يُدِيمُ لهم افتقارهم إليه، ليكونوا في جميع الأحوال مُتْقادين لجريانِ حُكْمِه، وألا يتحركَ فيهم ◌ِرْقٌ بخلافٍ اختيارِه، وعلى هذه الجملة خاطب حبيبه - صلوات الله عليه - بقوله: ﴿وَلَيْن شِئْنَا لَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: فمن كان استقلاله بالله يقدِّم مرادَ سيده - في العزل والولاية - على مراد نفسه. قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا رَحْمَةُ مِّنْ زَّيْكَّ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرً﴾ . والمقصودُ من هذا إدامةُ تَفَرُّدٍ سِرِّهِ وَلِ به - سبحانه - دونَ غيره. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَأَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْوَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. سائر الأنبياء معجزاتُهم باقيةٌ حُكْماً، ونبيُّنا - وَ﴿ه ـ معجزته باقيةٌ عيناً، وهي القرآن الذي نتلوه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خَلْفِهِ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. لا شيءَ أَخْظَى عند الأحباب من كتاب الأحباب، فهو شفاء من داء الضنى، وضياء لأسرارهم عند اشتداد البلا، وفي معناه أنشدوا: و کتبك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ◌ِّنِ تَّخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خَِلَهَا تَفْسِيرًا أَوْ تُتْفِطَ السَّمَاءَ كُمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِنِ زُخْرُفٍ أَوْ تَّرَقَ فِ الشَمَآءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِّكَ حَتّى تُفَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبَا نَّفْرَؤُمُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾. اقترحوا الآيات بعدإزاحة العِلَّة وزوالِ الحاجة، فَرَكَضُوا في مضمارٍ سوءٍ الأدب، وحُرِموا الوُصْلة والقُربة. ولو أُجِيبوا إلى ما طلبوا ما ازدادوا إلا جُحْدَاً ونَكَرَةً، وقد قيل: سَتَّرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا إنَّ الكريمَ إذا حباكَ بودُّه مَلّ الوصال وقال كان وكانا وكذا الملولُ إذا أراد قطيعةٌ ٢٠٣ تفسير سورة الإسراء ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا زَّسُولًا﴾: قل يا محمد: سبحان ربي! مِنْ أين لي الإتيانِ بما سألتم من جهتي؟ فهل وَصْفِي إلا العبودية؟ وهل أنا إلا بَشْر؟ قال تعالى: ﴿أَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا زَّسُولًا﴾ . تعجّبوا مما ليس بمحلُ شُبهة، ولكن حَمَلَهم على ذلك فَرْطُ جَهْلِهم، ثم أَصَرُّوا على تكذيبهم وجحدهم. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ آلْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِم ◌ِنَ الشَّمَآءِ مَلَكًا زَّسُولًا﴾. الجنسُ إلى الجنسِ أميلُ، والشكلُ بالشكلِ آنَسُ، فقال سبحانه لو كان سكانُ الأرضِ ملائكةٌ لَجَعَلْنا الرَسولَ إليهم مَلَكاً، فلمَّا كانوا بَشَرَاً فلا ينبغي أن يُسْتَبَعدَ إرسالُ البشرِ إلى البشرِ . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خِيرًا بصِیرًا﴾ الحقُّ - سبحانه - هو الحاكم وهو الشاهد، ولا يُقَاسُ حُكْمَه على حُكْمِ الخَلْقِ، ولا يجوز في صفةِ المخلوقِ أَنْ يكونَ الحاكمُ هو الشاهد، فكما لا تشبهَ ذاتُه ذاتٌ الخَلْقِ لا تشبه صفتُه صفةَ الخَلْقِ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن ◌َجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونٌِّ وَخْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبُّكَا وَحُمَّ ◌َّأْوَنَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَجِيرًا﴾. مَنْ أراده بالسعادةِ في آزاله استخلصه في آباده بأفضاله، ومَنْ عَلِمَه في الأزل بالشقاء وَسَمَه وفي أيده بِسِمةِ الأعداء. فلا لِحُكْمِه تحويل، ولا لِقَوْلِهِ تبدیل. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِشَايَئِنَا وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَّاً عِظَمًا وَرُفَنَتَا أَمِنَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . لمَّا أَصَرُّوا على تكذيبهم جازاهم الحقُّ بإدامة تعذيبهم، ولو ساعدهم التوفيقُ لَوُجِدَ منهم التحقيق، لكنهم عَدِمُوا التأييد فحُرِموا التوحيد. ، أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ الَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌّ عَ أَن يَخْلُقَ قوله جل ذكره: مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبِىَ الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ . ٢٠٤ تفسير سورة الإسراء مَهَّدَ بهذه الآية طريق إثبات القياس، فلم يغادر في الكتاب شيئاً من أحكام الدِّين لم يؤيده بالدليل والبيان، فَعَلِمَ الكُلُّ أن الركونَ إلى التقليد عينُ الخطأ والضلال. قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَعْلِكُونَ خَزَآَبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِّ وَكَانَ اُلَّإِنَنُ قَتُورًا﴾ . إذ البُخْلُ غريزةُ الإنسان، والشخُ سجيته [( ..... )(١) المعروف لا يعرف "الخلقة](٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَاتٍ بَيْتَتٍ﴾ . هي أمارات كرامته وعلامات محبته . قوله جلّ ذكره: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَنْمُوسَى مَسْخُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنَزَّلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ . أنت - يا فرعون - سلكتَ طريق الاستدلال فَعِلمْتَ أن مثل هذه الأشياء لا يكون أمرها إلا مِنْ قِبَلِ الله، ولكنَّكَ رَكَنْتَ إلى الغفلةِ في ظلمات الجهل. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَغِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَدُ جَمِيعًا﴾ . أراد فرعونْ إهلاكَ بني إسرائيل واستئصالَهم، وأراد الحقُّ - سبحانه - نصرتهم وبقاءهم، فكان ما أراد الحقُّ لا ما كاد اللعين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِيَنِيَ إِسْرَوِيلَ أَسْكُنُواْ أَلْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ ◌ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ . أورئهم منازلَ أعدائهم، ومكنهم من ذخائرهم ومساكنهم، واستوصى بهم شُكْرَ نعمته، وعرَّفَهم أنهم إِنْ سلكوا في العصيان مَسْلَكَ مَنْ تَقَدَّمَهم ذاقوا من العقوبة مثلَ عقوبتهم . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَبَقِّ نَزَلَّ وَمَآ أَرْسَلَكَ إِلَّا مُبَثِيرًا وَنَذِيرًا وَقُرْمَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ وَنَزَّلْنَهُ نَِيلًا ﴾ . القرآن حقٌّ، ونزوله بحق، ومُنَزِّلُهُ حق، والمُنَزَّلُ عليه حق، فالقرآن بحقِّ أنزل ومِنْ حقِّ نزل وعلى حقِّ نزل. وقد فَرَّق القرآنَ لِيُهَوَّنَ عليه - صلوات الله عليه - حِفْظَه، وليكثر تردد الرسول من ربِّه عليه، وليكون نزوله في كل وقت وفي كل حادثة وواقعة دليلاً على أنه ليس مما أعان عليه غيره. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَاِنُواْ بِهَ أَوْ لَا تُؤْمِنُوْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَ عَيْهِمْ (١) بياض في الأصل. (٢) ما بين حاصرتين غامض. ٢٠٥ تفسير سورة الإسراء يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِثاً إِن كَنَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ﴾ . إنْ آمنتم حَصَلَ النفعُ لكم، وإنْ جَحَدْتُم ففي إيمان مَنْ آمن مِنْ أوليائنا عنكم خَلَفٌ، وإنَّ الضَّرَرَ عائدٌ عليكم. وإنَّ مَنْ أَضأْنَا عليهم شموس إقبالنا لتُشْرِقُ أنوار معارفهم؛ فإذا تُليت عليهم آياتُنا سَجَدُوا بَدَلَ جُخْدِهم، واستجابوا بدل تمردهم، وقابلوا بالتصديق ما يقال لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُنَ وَيَزِيدُهُزْ خُشُوعًا ﴾ . تأثيره في قلوب قوم يختلف؛ فتأثير السماع في قلوب العلماء بالتبصُّر، وتأثير السماع في أنوار الموحّدين بالتحير؛ تبصّر العلماء بصحة الاستدلال، وتحيُّر الموحدين في شهود الجمال والجلال. وبكاء كل واحدٍ على حسب حاله: فالتائب يبكي لخوف عقوبته لما أَسْلَفَهُ من زَلَّته وحَوْبته، والمطيعُ يبكي لتقصيره في طاعته، ولكيلا يفوته ما يأمله من مِنَّتِه . وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم. وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين. وآخرون يبكون تحسراً على ما يفوتهم من الحق . والبكاء عند الأكابر معلول، وهو في الجملة يدل على ضعف حال الرجل، وفي معناه أنشدوا : خُلِقْنا رجالاً للتجلدِ والأَسَى وتلك الغواني للبُكا والمآتِم قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ﴾ . مِنْ عظيم نعمته - سبحانه - على أوليائه تَنَزُّهُهم بأسرارهم في رياض ذِكْرِه بتعداد أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة، ومن مَأَنَسٍ إلى مأنس. ويقال الأغنياءُ ترددهم في بساتينهم، والأولياءُ تنزههم في مشاهد تسبيحهم، يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَبْتَعِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ . لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكُلّها، وارفع صوتك في بعضها دون بعض. ويقال ولا تجهر بها جهراً يَسْمَعهُ الأعداءُ، ولا تخافت بها حيث لا يسمع الأولياء . ﴿وَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: يكون للأحباب مسموعاً، وعن الأجانب ممنوعاً. ويقال ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾: بالنهار، ﴿وَلَا نَُّافِتْ بِهَا﴾: بالليل. ٢٠٦ تفسير سورة الإسراء قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَذَا وَلَمْ يَكُ لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرُهُ تَكْبِرًا﴾ . اخْمَذْه بذكر تقدسه عن الولد، وأنه لا شريك له؛ ولا ولي له من الذل؛ إما على أنه لم يَذَلَّ فيحتاج إلى ولي، أو على أنه لم يوالٍ أحداً من أجل مذلة به فيدفعها بموالاته. ويقال أشكره على نعمته العظيمة حيث عرَّفك بذلك. ويقال له الأولياءُ ولكن لا يعتريهم بِذُلِّهم، إذ يصيرون بعبادته أَعِزَّةً. ﴿وَكَيِّهُ تَكْبِيرًا﴾ بأَنْ تَعْلَمَ أَنَّك تصل إليه به لا بتكبيرك. السورة التي يذكر فيها الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ما سَعِدَتْ القلوبُ إلا بسماع اسم الله، وما استنارت الأسرارُ إلا بوجود الله، وما طَرِبَتْ الأرواح إلا بشهود جلالَ الله. سماع ﴿يِسْمِ اللَّهِ﴾ راحةُ القلوبِ وضياؤُها، وشفاءُ الأرواح ودواؤها. ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ قُوتُ العارفين؛ بها يزول كدُّهم وعناؤهم، وبها استقلالهم وبقاؤهم. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَ يَجْعَل لَّهُ عِوَبَا﴾ [الكهف: ١]. إذا حُمِلَ ﴿الْخَبْدُ﴾ هنا على معنى الشكر فإنزالُ الكتابِ من أَجْلِ نِعَمِهِ، وکتابُ الحبيب لدى الحبيب أجلُ مَوْقِع وأشرفُ محلٌ، وهو من كمال إنعامه عليه، وإِنْ سمَّاه - عليه السلام - عَبْدَه فهو من جَلائلٍ نَعمه عليه لأَنَّ من سمَّاه عَبْدَهَ جَعَلَه من جملة خواصه . وإذا حُمِلَ ﴿الْخَبْدُ﴾ في هذه الآية على معنى المدح كان الأمر فيه بمعنى الثناء عليه - سبحانه، بأنَّه الملِكُ الذي له الأمرُ والنهيُ والحكمُ بما يريد، وأنه أعدَّ الأحكامَ التي في هذا الكتاب للعبيد، وسمَّاهَ﴿ عبده لمَّا كان فانياً عن حظوظه، خالصاً لله بقيامه بحقوقه . قوله جلّ ذكره: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن ◌َّكُنْهُ﴾ . ﴿قَيِّمًا﴾: أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز. (واليأس الشديد)»: مُعَجَّلُه الفراق، ومؤجَّلُه الاحتراق. ويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله. ومعنى الآية لینذرهم ببأس شديد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرً حَسَمًّا﴾ . والعملُ الصالحُ ما يصلح للقبول، وهو ما يُؤَدَّى على الوجهِ الذي أُمِرَ به. ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبُه صادقٌ فيه. ٢٠٧ ٢٠٨ تفسير سورة الكهف سـ ويقال هو الذي لا يستعجل عليه صاحبه حَظّاً في الدنيا مِنْ أَخذٍ عِوَضٍ، أو قَبُولِ جاهٍ، أو انعقادِ رياسة ... وما في هذا المعنى. وحصلت البشارةُ بأَنَّ لهم أجراً حسناً، والأجرُ الحَسَنُ ما لا يجري مع صاحبه استقصاءٌ في العمل . ويقال الأجر الحَسَنُ ما يزيد على مقدار العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما لا يُذَكِّر صاحبَه تقصيرَه، ويستر عنه عيوبَ عمله. قوله جلّ ذكره: ﴿مََّكِنِينَ فِيهِ أَبَدًّا﴾ . البشارة منه أَنَّ تلك النّعم على الدوام غير منقطعة، وأعظم من البشارة بها قوله: ﴿وَمُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا بَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍْ وَلَا لِلَّبَبِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَيِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّ كَذِبًا ﴾ . قالتهُم القبيحةُ نتيجةُ جَهْلِهم بوحدانيةِ الله، ولقد توارثوا ذلك الجهلَ عن أسلافهم؛ والحيَّةُ لا تَلِدُ حَيَّةً! كبُرَتْ كلمتُهم في الإثم لمَّا خَصَّت في المعنى. ومَنْ نطق بما لم يحصل له به إذنْ لِحَقَه هذا الوصف. ومَنْ تكلّمَ في هذا الشأن قبل أوانه فقد دخل في غمار هؤلاء. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَِّهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ . مِنْ فَرْطِ شفقته - مَّ ـ داخَلَه الحزنُ لامتناعهم عن الإيمان، فهوَّن الله - سبحانه - عليه الحالَ، بما يشبه العتابَ في الظاهر؛ كأنه قال له: لِمّ كل هذا؟ ليس في امتناعهم - في عَدْنا - أثر، ولا في الدِّين من ذلك ضرر .. فلا عليكَ من ذلك. ويقال أشهده جريانَ التقدير، وعَرَّفَه أنه - وإِنْ كان كُفْرُهم منْهِيّاً عنه في الشرع - فهو في الحقيقة مُرَادُ الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَمَا﴾ . ما على الأرض زينة لها تُذْرَكُ بالأبصار، وممن على الأرض من هو زينة لها يُعْرَفُ بالأسرار. وإنَّ قيمةَ الأوطانِ لقُطَّانها، وزينة المساكن في سُكْانها. ويقال العُبَّاد بهم زينة الدنيا، وأهلُ المعرفة بهم زينة الجنة. ويقال الأولياءُ زينةُ الأرض وهم أَمانُ مَنْ في الأرض. ويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد في أسرار الموحدين أشرقت جميع الآفاق بضيائهم. قوله جلّ ذكره: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . ٢٠٩ تفسير سورة الكهف أحسنهم عملاً أصدقهم نِيَّةً، وأخلصهم طوية(١). ويقال أحسنهم عملاً أكثرهم احتساباً؛ إذ لا ثوابَ لمن لا حسبة له، وأعلى من هذا بل وأَوْلى من هذا فأحسنهم عملاً أشدُّهم استصغاراً لفعله، وأكثرهم استحقاراً لطاعته؛ لشدة رؤيته لتقصير فيما يعمله، ولانتقاصه أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقٌ أمره. ويقال أحسنُ أعمال المرءِ نَظَرُه إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار، لقول الشاعر : تصغيرُهُ فِعْلَه الذي فَعَله وأكبرهُ من فِعْله وأعظمُه معناه: أكبرُ مِنْ فعلِه - الذي هو عطاؤه وبَذْلُه - تقليلُه واستصغارُه لِمَا يُعْطِيه ويجود به . قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ . كَوْنُ ما على الأرض زينةً لها في الحال سُلِبَ قَدْرُه بما أخبر أنه سيُفْنِيهِ في المآل . قوله جل ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا تَجَبًا﴾ . أزال الأعجوبةَ عن أوصافهم بما أضافه إلى ربِّه بقوله: ﴿مِنْ ءَايَتِنَا﴾؛ فَقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ غيرُ مُسْتَنْكْرٍ ولا مُبْتَدَعٍ . ويقال مكثوا في الكهف مدةً فأضافهم إلى مُسْتَقَرُّهم فقال: ﴿أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ﴾، وللنفوس مَحَالٍّ، وللقلوب مَقَارِّ، وللهمم مَجَال، وحيثما يعتكف يُطْلَبُ أبداً صاحبه. ويقال الإشارة فيه ألا تَتَعَجَّبَ من قصتهم؛ فحالُك أعجبُ في ذهابك إلينا في شطر من الليل حتى قاب قوسين(٢) أو أدنى، وهم قد بقوا في الكهف سنين. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْبَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَإِنَا مِن لَّدُنكَ رَبْمَةُ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ . آواهم إلى الكهف بظاهرهم، وفي الباطن فهو مُقِيلُهم في ظِلُّ إقباله وعنايته، ثم أخذهم عنهم، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم. وأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله. ﴿رَبَّآ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَبْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾: (١) الطّريّة: الضمير ينطوي عليه الإنسان. يقال: فلان حسن الطوية، أي: النية والضمير (ج) طوايا. (٢) القاب: المقدار، أو ما بين نصف وتر القوس وطرفه. يُقال: هو على قاب قوسين: كناية عن القُرب. ٢١٠ تفسير سورة الكهف أي أنهم أَخَذُوا في التبرِّي مِنْ حَوْلِهم وقُوَّتِهِم، ورجعوا إلى الله بِصِدْقٍ فَافَتِهم، فاستجاب لهم دعوتَهم، ودفع عنهم ضرورتَهم، وبَوَّأَهم في كنف الإيواء مقيلاً حسناً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى مَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ . أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه من حقائقٍ ما كاشفناهم به من شهود الأحدية، وأطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية . قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمْ أَبُّ الْخِزْبَنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا﴾ . أي رددناهم إلى حال صحوهم وأوصاف تمييزهم، وأقمناهم بشواهد التفرقة بعد ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّمْنُ نَقُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم ◌ِآلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ﴾. لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قَصَّ عنهم، وفَزْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته .. وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه . ويقال لا تُسَمِعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسَمعُ من الأحباب، قال عزَّ من قائل: ﴿أَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، وأنشدوا: وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني حنيناً فَزِذْني من حديثكَ يا سعدُ قوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾: يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا - على الوهلة - بربّهم، آمنوا من غير مهلة، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة(١). ويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى وَرَبَطْنَا عَلَ قُلُوبِهِمْ﴾ . لاطفهم بإحضارهم، ثم كاشفهم في أسرارهم، بما زاد من أنوارهم، فلقّاهم أولاً التبيين، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بزيادة اليقين حتى متع نهار(٢) معارفهم، واستضاءت شموسُ تقديرهم، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم، و ( ... )(٣) في التجريد أسرارهم، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم. (١) انظر حديث القشيري برسالته ص٢٢٦ عن الفتوة. (٢) فَتَح نهاره: كناية عن استمرار العطاء الإلهي والكشف الرباني بتمديد وقت النهار إلى الليل، حتى ينعدم الليل. (٣) بياض في الأصل. ٢١١ تفسير سورة الكهف ويقال: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بأن أفنيناهم عن الأغيار، وأغنيناهم عن التفكّر بما أوليناهم من أنوار التبصر. ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكُنًا فيها من شواهدِ الغيب، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. قاموا لله بالله، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله . ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله. ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله. قوله جلّ ذكره: ﴿لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ، إِلَهَّا لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا﴾. مَنْ أحال الشيءَ على الحوادثِ فقد أشرك بالله، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله . قوله جلّ ذكره: ﴿هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَرِ بَيِّنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ آَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . لمَّا لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبُهم، فمن اكتفى بِنَفي القالة دون ما یشهد لقوله من أدلته فهو معلول في نحلته. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ فمن ذَكَرَ في الدِّين قولاً لم يؤيّد ببرهان عقلي أو نقلي فهو مفترٍ، ومَنْ أظهر مِنْ نَفْسه حالاً لم يوجبه صدق مجاهدته أو منازلته فهو على الله مُفْتَرٍ. والذي يصدق في قوله - في هذه الطريقة - فهو الذي يسمع من الحق بسرّه، ثم ينطق بلفظه(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَهُ رَبَّكُم مِن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُ مِرْفَقًا﴾. العزلةُ عن غير الله توجِبُ الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلةُ بالله إلا بعد العُزْلَةِ عن غير الله . ويقال لما اعتزلوا ما عُبِدَ من دون الله آواهم الحقُّ إلى كنف رعايته، ومهد لهم مثوىّ في کھف عنایته . ويقال مَنْ تبرَّأُ مِنَ اختياره في احتياله، وصَدَقَ رجوعه إلى الله في أحواله، ولم يستَعِنْ - بغير الله - من أشكاله وأمثاله آواه إلى كَنَفِ أفضاله، وكفاه جميعَ أشغاله، وهّياً له مَحَلاَ يتفيؤ فيه في بَرْدٍ ظِلالِه، بكمالٍ إقباله. (١) انظر حديث القشيري عن الصدق بالرسالة ص ٢١٠ - ٢١٤. ٢١٢ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتَ تَّزَوَرُ (١) عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ الَّهِ﴾ . كانوا في مُتَّسَعٍ من الكهف، ولكن كان شعاعُ الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب " الرياح عليهم. ويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم. إن نورَ الشمسِ ضياءً يستضيءُ به الخَلْقُ، ونور معارفهم أنوار يُعْرَف بها الحق، فهذا نور يظهر في الصورة، وهذا نور يلوح في السريرة. وبنور الشمس يدرك الخلق وبنورهم كانوا يعرفون الحق. وفي قوله - عَزَّ اسمه: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهُ﴾ فيه دلالة على أن في الأمر شيئاً بخلاف العادة، فيكون من جملة كرامات الأولياء؛ ويحتمل أن يكون شعاعُ الشمسِ إذا انتهى إليهم ازورَّ عنهم، ومضى دونّهم بخلاف ما يقول أصحاب الهبة، ليكونَ فعلاً ناقضاً للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يُسْتَهْلَكُ في النور الذي عليهم. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ يَهْدِ اَللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَِّّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُمْشِدًا﴾. فاللَّه يهْدِي قوماً بالأدلة والبراهين، وقوماً بكشف اليقين؛ فمعارفُ الأولين قضية الاستدلال، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال، فهؤلاء مع برهان، وهؤلاء على بيان كأنهم أصحاب عيان: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: أي مَنْ وَسَمه بِسِمَةِ الحرمان فلا عرفانَ ولا علمَ ولا إيمان. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودُ وَتُقَلِيُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ اُلِشِمَالِ﴾. هم مسلوبون عنهم، مُخْتَطَفُون منهم، مُستَهلَكون فيما كوشِفُوا به من وجود الحق؛ فظاهرهم - في رأي الخَلْق - أنهم بأنفسهم، وفي التحقيق: القائمُ عنهم غيرُهم. وهم محوّ فيما كوشفوا به من الحقائق. ثم قال: ﴿وَتُقَلِيُّهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِ﴾: وهذا إخبارٌ عن حُسْنِ إيوائه لهم؛ فلا كشفقةِ الأمهات بل أتم، ولا كرحمة الآباء بل أعزّ ... وبالله التوفيق. ويقال إن أهلَ التوحيد صفتهم ما قال الحقُّ - سبحانه - في صفة أصحاب الكهف: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ فَهُمْ بشواهد الفَرْقِ في ظاهرهم، لكنهم بعين الجمع بما كُوشِفوا به في سرائرهم، يُجْرِي عليهم أحوالِهم وهم غير متكلّفين، بل هم يثبتون - وهم خمود عما هم به - أن تصرفاتِهم القائمُ بها عنهم سواهم، وكذلك في نطقهم. (١) الزَّوَرُ: الميل. ٢١٣ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدٍ لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ . كما ذَكَرَهُم ذَكْرَ كلبَهم، ومَنْ صَدَقَ في محبة أحدٍ أحبَّ مَنْ انتسب إليه وما ◌ُنْسَبُ إليه. ويقال كلبٌ خَطَا مع أحبائه خطواتٍ فإِلى القيامة يقول الصبيان - بل الحق يقول بقوله العزيز -: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ﴾ فهل ترى أَنَّ مُسْلِماً يصحب أولياءَه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردُّه يوم القيامة خائباً؟ إنه لا يفعل ذلك. ويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعي الذي تبعهم والكلب معه: اصرف هذا الكلب عنًّا .. فقال الراعي: لا يمكنني، فإني أنا ديته. ويقال أنطق الله سبحانه - الكلبَ فقال لهم: لِمَ تضربونني؟ فقالوا: لِتَنْصَرِفَ عنَّا. فقال: لا يمكنني أن أنصرف .. لأنه ربّاني. ويقال كلبٌ بَسَطَ يده على وصيد(١) الأولياء فإلى القيامة يقال ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ ... فهل إذا رَفَعَها مسلمٌ إليه خمسين سنةٍ ترى يردُّها خائبةً؟ هذا لا یکون . ويقال لما صَحِبَهم الكلبُ لم تضره نجاسةُ صِفتِهِ، ولا خساسةُ قيمته. ويقال قال في صفة أصحاب الكهف إن كانوا ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، أو ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فقد قال في صفة هذه الأمة: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. وشتَّان ما هما! ويقال كُلّ يُعامَلُ بما يليق به من حالته ورتبته؛ فالأولياء قال في صفتهم: ﴿وَتُقْلُِّهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ اُلْشِمَالِ﴾، والكلب قال في صفته: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. ويقال كما كرَّر ذكرَهم، کرر ذِكْرَ کلبِهم. وجاء في القصة أن الكلبَ لما لم ينصرف عنهم قالوا: سبيلنا إذا لم ينصرف عنّا أَنْ نَحْمِلَه حتى لا يُسْتَدَّلَ علينا بأثر قَدَمِه فحملوه، فكانوا في الابتداء (بل إياه) وصاروا في الانتهاء مطاياه .. كذا مَنْ اقتفى أَثَّرَ الأحباب. (١) الوصيد: فناء الدار والبيت. ٢١٤ تفسير سورة الكهف ويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم، وبِنُطْقِهِ رَبَطَ على قلوبهم بأَنْ ازدادوا يقيناً بسماع نطقه، فقال: لِمَ تضربوني؟ فقالوا: لتنصرف، فقال: أنتم تخافون بلاءً يصيبكم في المستقبل وأنتم بلائي في الحال. ثم إنَّ بلَاءَكم الذي تخافون أنْ يصيبكم من الأعداء، وبلائي منكم وأنتم الأولياء. ويقال لما لزم الكلبُ محلَّه ولم يجاوزْ حَذَّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء ... كذا أدب الخدمة يوجب بقاءَ الوُصلة. قوله جلّ ذكره: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ . الخطاب له - ***. والمراد منه غيره. ويقال لو اطلعتَ عليهم من حيث أنت لوليت منهم فراراً، ولو شاهدتَهم من حيث شهود تولّي الحق لهم لبقيت على حالك. ويقال لو اطلعتَ عليهم وشاهدْتَهم لَوَلَّيْت منهم فراراً مِنْ أَنْ تُرَدَّ عن عالي منزلتك إلى منزلتهم؛ والغنيُّ إذا رُدِّ إلى منزلة الفقير فَرَّ منه، ولم تَطِبْ به نَفسُه. ﴿وَلَّمُلِّئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ بأن يُسْلَبَ عظيمُ ما هو حالك، وتُقَامَ في مثل حالهم النازلة عن حالك. ويقال: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَنْنَهُمْ لَِتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمَّ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. استقلوا مدة لُبْثهم وقد لَبِثُوا (طويلاً)، ولكنهم كانوا مأخوذين عنهم، ولم يكن لهم عِلْمٌ بتفصيل أحوالهم، قال قائلهم: كيف يدري بذاك من يتقلّى؟ لست أدري أطال لَيْلِي أم لا؟ ورغيت النجومَ كنتُ مُخِلا لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةٍ لَيْلِي ويقال أيامُ الوصالِ عندهم قليلة - وإنْ كانت طويلة، ولو كان الحال بالضدّ لكان الأمر بالعكس، وأنشدوا: صَبَاحُكَ سُكْرٌ والمِساءُ خُمار (١) نَعِمْتَ وأيامُ السرورِ قِصَارُ قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. لأنه هو الذي خَصَّكُم بما به أقامكم. (١) الخُمار: ما يعقب شرب الخمر من صُداع وأذى. ٢١٥ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَبْعَثُّواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيَّ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِزْقٍ مِّنْهُ﴾ . ما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلبٌ لأكِلٍ ولا شربٍ ولا شيء من صفة النَّفْس، فلمَّا رُدُّوا إلى التمييز أخذوا في تدبير الأكل أوَّلَ ما أحسوا بحالهم، وفي هذا دلالة على شدة ابتداء الخَلْق بالأكل . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ . تَوَاصَوْا فيما بينهم بحسن التَّخَلقِ وجميل الترفْقِ، أي ليتلطف مع من يشتري منه شيئاً . ويقال أوصوا مَنْ يشتري لهم الطعامَ أَنْ يأتيهم بألطف شيءٍ وأطيبِهِ، ومن كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل في المطعم من المأكول. ويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك والذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف، ولا يستأنس إلا بكل مليح. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ . تواصوا فيما بينهم بكتمان الأسرار عن الأجانب وأخبر أنهم إن اطلعوا عليهم وعلى أحوالهم بالغوا في مخالفتهم إمَّا بالقتل وإما بالضرب وبما أمكنهم من وجوه الفعل، ولا يرضون إلا بردِّهم إلى ما منه تخلصوا، فمَنْ احترق كدسهُ فما لم يحترق كدس غيره لا تطيب نَفْسُه. ويقال من شأن الأبرار حفظ الأسرار عن الأغيار. ويقال مَنْ أظْهَر لأعدائه سِرَّه فقد جَلبَ باختياره ضُرَّه، وفَقَّدَ ما سَرَّه. قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِبَعْلَمُوْ أَنتَ وَعْدَ اَلِّ حَقٍّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَئًّا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ . جعل أحوالَهم عِبْرةً لِمَنْ جاءَّ بَعْدَهم حين كشف لأهل الوقت قصتهم، فعاينهم الناس، وازداد يقين مَنْ كان يؤمن بالله حين شاهدوا بالعيان ما كان نَقْضاً للعادة المستمرة . ثم إن الله تعالى ردّهم إلى ما كانوا عليه من الحالة، كانوا مأخوذين عن التمييز، متقلبين في القبضة على ما أراده الحق، مستودعين فيما كوشفوا، مستهلكين عنهم في وجود الحق - سبحانه. ٢١٦ تفسير سورة الكهف قوله جل ذكره: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ . أخبر أنَّ علومَ الناسِ متقاصرةٌ عن عددهم؛ فالأحوالُ التي لا يطلع عليها إلا الله في أسرارهم وقلوبهم ... متى يكون للخَلْق عليها إشرافٌ؟ أشكل عليهم عددهم، وعددهم يُعْلَم بالضرورة، وهم لا يُذْرَكُون بالمشاهدة. ويقال سَعِدَ الكلبُ حیث کَرَّرَ الحقُّ - سبحانه - ذِكْرَهم وذكَرَ الكلبَ معهم على وجه التكرار، ولمَّا ذَكّرَهم عَدَّ الكلب في جملتهم. قوله جل ذكره: ﴿قُل ◌َّبِ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم ◌َا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾. لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواصُ عباده، ومَنْ كان قريباً في الحالِ منهم؛ فهم في كتم الغَيْرة وإيواء الستر لا يَطَّلِعُ الأجانبُ عليهم؛ ولا يعلمهم إلا قليلٌ؛ لأنَّ الحق - سبحانه - يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة؛ فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب. كذلك قال شيوخ هذه الطائفة: ((الصوفية أهل بيتٍ واحدٍ لا يدخل فيهم غيرهم)) . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ . كما لا يعرفهم من كان بمعزلٍ عن حالتهم، ولا يهتدي إلى أحكامهم من لا يعرفهم .. فلا يصحُ استفتاءُ مَنْ غاب علمهم عنه في حالهم. ومَنْ لم يكن قلبُه محلاً المحبة الأحباب لا يكون لسانُه مقراً لذكرهم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ . إذا كانت الحوادثُ صادرةً عن مشيئة الله فَمَنْ عَرَفَ الله لم يَعُدّ من نفسه ما علم أنه لا يتم إلا بالله . ويقال مَنْ عَرَفَ الله سقط اختيارُه عند مشيئته، واندرجت أحكامه في شهوده لحكم الله . ويقال المؤمن يعزم على اعتناق الطاعة في مستقبله بقلبه، لكنه يتبرأ عن حَولِهِ وقُوَّتِه بِسِرُّه، والشرعُ يستدعي منه نهوض قلبه في طاعته، والحقُّ يقف سِرَّه عند شهود ما منه لمحبوبه تحت جریان قسمته . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُ زَبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ وَقُلْ عَسَوَ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ . ٢١٧ تفسير سورة الكهف إِنْ طَرأَتْ عليك طوارقُ النسيان - لا يتعهدك - فجرِّذ بذكرك قَصْدَكَ عن أوطان غفلتك . ويقال ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٍّ﴾: في الحقيقة نَفْسُك تمنعك من استغراقك في شهود ذكرك . ويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربِّك: فإن العبدَ إذا كان ملاحظاً لذكره كان ذلك آفة في ذكره. ويقال واذكر ربك إذا نسيت حظّك منه. ويقال واذكر ربَّك إذا نسيت غيرَ ربِّك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِنْتَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ قِشْعًا﴾ . كانوا مأخوذين عنهم في إحساسهم بأنفسهم لم يقفوا على تطاول مدتهم، وفي المثل: أيام السرور قصار والذهور في السرور شهور، والشهور في المحن دهور، وفي معناه : وقد كنت قبلاً لا أعد اللياليا أَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَيِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعٌ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ . مَنْ لم يعد أيامَه لاشتغاله بالله أحصى اللَّهُ أنفاسَه التي الله، قال تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٨ قوله جلّ ذكره: ﴿وَتْلُ مَآ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ﴾ . تَسَلَّ - حينما تتنوع عليك الأحوال - بما نُطْلِعُكَ عليه من الأخبار؛ وإنَّ كُتُبَ الأحبابِ فيها شفاءٌ لأنها خطابُ الأحباب للأحباب . قوله جل ذكره: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَدًا﴾. أي لا تغيير لِحُكْمِه؛ فَمَنْ أقصاه فلا قبولَ له، ومَنْ أدناه فلا وصولَ له، ومَنْ قَبِلَه فلا رَدَّ له، ومَنْ قَرَّ به فلا صَدَّ له. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾ . قال: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ولم يقل: ((قلبك)) لأن قلبه كان مع الحقِّ، فأمره بصحته جَهْرَاً بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سِرَّاً بِسرٌّ. ويقال ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾: معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال، وذلك يشير إلى دوامٍ دُعائهم ربهم بالغداة والعشيّ وكون الإرادة على الدوام. ويقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾: فآويناهم في دنياهم بعظائمنا، وفي عقباهم بكرائمنا .. ٢١٨ تفسير سورة الكهف -- ويقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَمِّ﴾: فكشف قناعَهم، وأظهر صفَتهم، وشَهَرَهم، بعدما كان قد سَتَرَهم، وأنشدوا: نعم وهتكنالك المستورا وكشفنا لك القناعَ وقلنا ويقال لما زالت التُّهمُ سَلِمَتْ لهم هذه الإرادة، وتحرروا عن إرادةٍ كلٌ مخلوقٍ وعن محبةٍ كل مخلوق . ويقال لمَّا تقاصَرَ لسانُهمِ عن سؤالِ هذه الجملة مراعاةً منهم لهيبة الرسول اَرَ، وحُزْمَةِ باب الحقُّ - سبحانه - أَمَرَه بقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ وبقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّيّ﴾ . أي لا ترفع بصَرَكَ عنهم، ولا تُقْلِعْ عنهم نظرك. ويقال لما نظروا بقلوبِهم إلى الله أَمَرَ رسولَه - عليه السلام - بألا يرفعَ بَصَرَه عنهم، وهذا جزاء في العاجل. والإشارة فيه كأنه قال: جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعةً لهم إلينا، وخَلَفاً عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تَقْطَعْ اليومَ عنهم نَظَرَكَ فإنا لا نمنع غداً نظرهم عنَّا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُ فُرْطَا﴾. هم الذين سألوا منه - ◌َّ# - أن يُخْلِيَ لهم مجلسَه من الفقراء، وأن يطردهم يوم حضورهم من مجلسه - صلى الله عليه وسلم وعلى آله. ومعنى قوله: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾: أي شغلناهم بما لا يعنيهم. ويقال: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المِنْعِم . ويقال هم الذين طوَّح قلوبَهم في التفرقة، فهم في الخواطر الرَّدِيَّة مُثْبَتُون، وعن شهود مولا هم محجوبون . ويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابْتُلُوا بنسيان الحقيقة لا يتأسَّفُون على ما مُنُوا به ولا على ما فَاتَّهُم. ويقال الغفلةُ تزجيةُ الوقتِ في غيرِ قضاءٍ فَرْضٍ أو أداء نَفْلٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلِ آلْحَقُّ مِنْ زَّيَّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرُّ﴾ . قُلْ يا محمد: ما يأتيكم من ربّكم فهو حقٌّ، وقوله صِدْقٌ ﴿فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلَيَكْفُرْ﴾ .. هذا غاية التهديد، أي إنْ آمنتم ففوائدُ إيمانكم عليكم مقصورة، وإنْ أَبَيْتُم فَعذَابُ الجحود موقوفٌ عليكم، والحقُّ - سبحانه - عزيز لا يعود إليه بإيمان الكافة - إذا وَخَّدُوا - زَيْنٌ، ولا مِنْ كُفْرِ الجميع - إنْ جحدوا - شَيْنٌ. ٢١٩ تفسير سورة الكهف قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَِّينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاْ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِتْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ . العقوبة الكبرى لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على ما فاتهم من الحقُّ، ولو علموا ذلك لَعَلَّه كان يرحمهم. والحقُّ - سبحانه - أكرم من أن يعذَبَ أحداً يُتَّهَمُ لْأَجْلِه . ويقال لو علموا مَنْ الذي يقول: ﴿وَسَآَمَتْ مُرْتَفَقًا﴾ لعله كان لهم تَسَلَ ساعةٌ، ولكنهم لا يعرفون قَدْرَ مَنْ يقول هذا، وإلا فهذا شِبْهُ مرتبةٍ لهم، والعبارة عن هذا تدق. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخْنِمُ الْأَرُ بُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَآَيِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ . أهلُ الجنة طابتْ لهم حدائقُها، وأهلُ النار أَحَاط بهم سُرادِقُها . والحقُّ - سبحانه - مُتَزَّهُ عَنْ أَنْ يعود إليه من تعذيبٍ هؤلاء عائدة ولا من تنعيم هؤلاء فائدةٌ ... جَلَّتْ الأحديةُ، وتَقَدَّسَتْ الصمدية! ومَنْ وَقَعَتْ عليه غَبَرَةٌ في طريقنا لم تَقَعْ عليه قَتَرَةُ فراقنا، ومَنْ خطا خطوةً إلينا وَجَدَ حظوةً لدينا، ومَنْ نَقَلَ قَدَمَه نحونا غفرنا له ما قَدَّمَه، ومَنْ رَفَعَ إلينا يَدَاً أَجْزَلْنا له رَغَداً، ومَنْ التجأ إلى سُدَّةٍ(١) كَرَمِنا آويناه في ظِلُ نِعَمِنا، ومن شكا فينا غليلاً مَهَّدْنا له - في دار فضلنا - مقيلاً. ﴿أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: العملُ أحسنُه ما كان مضبوطاً بشرائط الإخلاص. ويقال: ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ بأن غاب عن رؤية إحسانه. ويقال مَنْ جَرَّدَ قَصْدَه عن كلِّ حظّ ونصيب. ويقال الإحسان في العمل ألا ترى قضاء حاجتك إلا في فَضلِه، إذا أخلصتَ في. تَوسلِكَ إليه بفضله، وتوصّلِكَ إلى ما مَوَّلَكَ من طَوْلِهِ بِتَبرْيكَ عن حَوْلِكَ وقُوَّتِك استوجبتَ حُسْنَ إقباله، وجزيل نواله . قوله ﴿أُوْلَّهُكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخْنِمُ الْأَنْهَرُ﴾ أولئك هم أصحابُ الجنان، في رَغَدِ العيش وسعادة الجَدٍ(٢) وكمال الرفْد (٣)، يلبسون حُلَلَ الوُصلة، ويُتَوَّجُون بتاج القُربة، ويُحْمَلون على المباسط، ويَتَّكِئون على الأرائك(٤)، ويشمون رياحينَ الأَنّس، (١) السُّدّة: باب الدار. (٢) الجَدُّ: الحظ والحظوة. (٣) الرّفد: العطاء والصلة (ج) أرفاد. (٤) الأرائك: (ج) الأريكة: مقعد منجَّد. ٢٢٠ تفسير سورة الكهف ويقيمون في مجال الزُّلفة، ويُسْقَوْنَ شرابَ المحبة، ويأخَذُون بِيَدِ الزلفة ما يتحفهم الحقُّ به من غير واسطة، ويسقيهم شراباً طهوراً يُطَهِّر قلوبَهم عن محبة كلٌ مخلوقٍ. ﴿نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾: نِعْم الثوابُ ثوابُهم، ونعم الربُّ ربُّهم، ونعم الدارُ دارُهم، ونعم الجارُ جارُهم، ونعم الحالُ حالُهم. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنِ مِنْ أَعْتَبٍ وَحَفَفَتَهُما يَنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَّمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَّا وَأَعَزُّ نَفَرًّا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَا أُنُّ أَن تِيدَ هَذِهِةٍ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الشَاعَةَ قَآيَةٌ وَلَيْن زُدِدتُ إِلَى رَبٍ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا لَّكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِّ وَلَ أُشْرِلُ بِرَبِّ أَحَدًا وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِىَ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرً مِّنِ جَنَئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَنْصِحَ صَعِيدًا زَلَغَّا أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن نَسْتَطِيعَ لَمُ طَلَبًا ﴾ . أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه، فَشَكَرَ أحدُهما الخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه، فأصبح الكافرُ وجنّتُه أصابتها جائحةٌ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر، وتوجَّه عليه اللومُ. وفي الإشارة يخلق عَبْدين يُطَيِّبُ لهما الوقت، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف، ويمكن لهما من البَسْط .. فيستقيم أحدهما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة، فتميز له المجاهدةُ ثمراتٍ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسن الاستقامة، ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد، ويصبح مُنْتَفّى عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق. والثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِهِ، فينتكِسُ أمرُه، بانحطاطه إلى ذميم عاداته، فيرتدُّ عن سلوكٍ الطريقة ويترذَّى في ظلْمَةِ الغفلة؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً، ويتطوعُ في أودية التفرقة، ويُوسَمُ الطرد، ويُسْقى شرابَ الإِهانة، وينخرطُ في سلك الهَجْر .. وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَضْلاً: تبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةٌ لِمَنْ ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كُفَّيْهِ عَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَى عُرُوِهَا وَيَقُولُ يَيْتِى لَوْ أَثْرِهِ بِرَبِّ أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَُّ فِتَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنَصِرًا ﴾ . إذا ظَهَرَ خسرانُ مَنْ آثر حظّه على حقٌّ الله، قَرَعَ بابَ ندامته، ثم لا ينفعه .