النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ تفسير سورة النحل ثم قال: ﴿أَيُمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ﴾ أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، ﴿أَمْ يَدُسُهُ فِ اُلُّابِ﴾ ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ .. ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء! قوله جل ذكره: ﴿لِلَِّينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَىّ وَهُوَ الْعَزِيُ اَلْحَكِيمُ وَلَوَ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَا تَرَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ . مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء. والله صفات الجلال ونعوت العِزْ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّثْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضٍ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه . أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّرْكِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصْلة. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ ... ﴾ أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإِمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالهِم في مآلهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَّ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنَّى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّغْرُونَ﴾ . انخدعوا لمَّا لانَ لهم العيشُ، فظنوا أنهم ينجون، وبما يُؤَمِّلونه يحيطون؛ فَحْسُنَتْ في أعينهم مقابحُ صفاتهم، ويومَ يُكْشَفُ الغطاءُ عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة، فلا تسْمَعُ منهم دعوة، ولا تتعلق بأحدهم رحمة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلََّ أُمَمِ مِّن قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبي - وَ*؛ وذلك أنه أخبر أن مَنْ تَقدَّمَه من الأمم كانوا في سلوك الضلالة، والانخراط في سِلْكِ الجهالة كما كان من قومه، ولكن اللّهَ - سبحانه - لم يعجز عنهم. وكما سَوَّلَ الشيطانُ لأَمَّتِهِ، وكان ولياً لهم، فهو وليُّ هؤلاء. وأمَّا المؤمنون فالله وليُّهم، والكافرون لا مَوْلى لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُ الَّذِى أُخْتَلَفُواْ فِيَّةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةُ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . ١٦٢ تفسير سورة النحل أنت الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى؛ تُبَلْغُ عنَّا وتؤدِّي مِنَّا، فأنت رحمةٌ أرسلناك لأوليائنا .. فَمَنْ تَّبِعَكَ اهتدى، ومَنْ عصاك ففي هلاكه سعی . قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ . أحياء بماء التوفيق قلوبَ العابدين فَجَنَحَتْ إلى جانب الوفاق، وأحيا بماء التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال، وأحيا بماء التجريد أسرار الموحدين فتحررت من رِقِّ الآثار، وانفردت بحقائق الاتصال. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّ لَّكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُشِقِيَكُ ◌ِمَا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيِّ فَرْتٍ وَدَمِ لَبَا خَالِصًا سَآئِفًا لِلشَّرِبِينَ﴾ . سَخَّرَها لكم، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها، وجِلْدِها وشَعْرِها ودَرْها، وأصلها ونَسْلِها. ثم عجيبٌ ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن - مع صفائه وطعمه ونَفْعِه - من بين الروث(١) والدم، وذلك تقدير العزيز العليم. والذي يقدر على حفظ اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزَّلَّةِ من وجوهها المختلفة. قوله جل ذكره: ﴿وَمِنْ ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْ كَرًا وَرِزْقًا حَسَنَاْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . مَنَّ على العباد بما خَلَقَ لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس .. وغير ذلك. والرزق الحسن ما كان حلالاً. ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، ويقال هو الذي لا مِنَّة لمخلوقٍ فيه ولا تَبِعَةَ عليه . ويقال هو ما لا يعصي الله مکتسبه في حال اكتسابه . ويقال هو ما لا يَنْسَى الله فيه مُكْتَسِبُه . قوله جل ذكره: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَتَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلَا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةُ لِّقَوْمٍ يَتَفَّكَّرُونَ﴾ . أوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام .. ولما حَفِظَ الأمر وأكل حلالاً، طَابَ مأكلُه وجعل ما يخرج منه شفاءً للناس . (١) الروث: رجيع ذي الحافر، والجمع أرواث. (اللسان ١٥٦/٢ - ١٥٧ مادة: روث). ١٦٣ تفسير سورة النحل ثم إن الله - سبحانه - عَرَّفَ الخَلْقَ أَنَّ التفضيل ليس من جهة القياس والاستحقاق؛ إذ أن النحلَ ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه العَسَلَ الذي هو شفاء للناس. والإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى .. فأيُّ فضيلةٍ للنحل؟ وأيُّ ذنبٍ للإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره - سبحانه . ويقال إن الله - سبحانه - أجرى سُنَّتَه أَنْ يُخْفِيَ كلَّ شيء عزيز في شيءٍ حقير؛ فجعل الإبْرَيَسْمَ(١) في الدود وهو أضعف الحيوانات، وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدُّرَّ في الصدف(٢) وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج(٣) في الحجر ... كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي وفيهم من يخطىء . قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنَوَقَّكُمْ وَمِنْكُرُ مَّن يُرَّةُ إِلَى أَزَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. خَلَق الإنسانَ في أحسن تركيب، وأملح ترتيب، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، والنور والضياء، والفهم والذكاء. ورَزَقَه من العقل والتفكر، والعلم والتبصر، وفنون المناقب التي خُصَّ بها من الرأي والتدبير، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردوداً، ويرى في كل يومٍ أَلَماً جديداً. ويقال ﴿وَمِنْكُ مَّن يُرَةُ إِلَى أَزَلِ آلْعُمُرٍ﴾: وهو أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعاً ثم يصير في آخر عمره عاصياً. ويقال أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة، ويسلك طريق الله مدةً، ثم تقع له فترةٌ، فيفسخ عقد إرادته، ويرجع إلى طلب الدنيا. وعند القوم هذه رِدَّةٌ في هذا الطريق. ويقال أرذلُ العمر رغبةُ الشيخ في طلبٍ. ويقال أرذلُ العمر حُبُّ المرءِ للرياسة. ويقال أرذلُ العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يُرْضِيَ خصومَه. (١) الإِبْرَيْسَمُ: أحسن الحرير (معربة فارسية). (٢) الصدف: صدف الدرة: غشاؤها (اللسان ١٨٨/٩ مادة: صدف). (٣) الفيروزج: حجر كريم غير شفاف، أزرق اللون، بلون السماء أو أميل إلى الخضرة يُحَلّى به (مع). ١٦٤ تفسير سورة النحل قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُرْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآِى رِزْفِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاْءٍ أَفَيِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . أرزاق المخلوقات مختلفة؛ فَمِنْ مضَيَّقِ عليه رزقُه، ومَنْ مُوَسَّع عليه رزقه، ومِنْ أرزاق هي أرزاق النفوس، وأرزاقٍ للقلوب وأرزاق للأرواح، وأرزاقٌ للأسرار؛ فأرزاقُ النفوس لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي. وأرزاق القلوب لقوم حضور القلب باستدامة الفكر، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة. وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم وبين أشكالهم، فيكون بلاؤهم في محبتهم لأمثالهم. وأرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحقّ، فأمَّا من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّهُ جَعَلَ لَّكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ . شَغَلَ الخَلْقَ لأنَّ الجنس أَوْلَى بالجنس. ولمَّا أراد الحقُّ - سبحانه - بقاء الجنس هَيَّأْ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل. ثم مَنَّ على البعض بخلق البنين، وابتلى قوماً بالبنات - كلُّ بتقديره على ما يشاء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ اُلْطَيَِّتِّ أَفَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ الَهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ . والرزق الطيب لعبدٍ ما تستطيبه نَفْسُه، ولآخر ما يستطيبه سِرُّه. فمنهم من يستطيب مأكولاً ومشروباً، ومنهم من يستطيب خلوةً وصفوة ... إلى غير ذلك من الأرزاق . ﴿أَفَّ لْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وهو حسبان حصول شيءٍ من الأغيار، وتعلَّق القلبِ بهم استكفاء منهم أو استدفاعاً لمحذور أو استجلاباً لمحبوب. ﴿وَيِنِعْمَتِ لَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ والنعمة التي كفروا بها هي الثقةُ بالله، وانتظارُ الفَرَجِ منه، وحسنُ التوكل عليه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَعْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . ومَنْ يَتَعَلَّقُ بشخصٍ أو بسببِ مُضَاهِ لعُبَّاد الأصنام من حيث إنه يضيعُ وقتَه فيما لا يُعِينُه، فالرزقُ، من الله - في التحقيق - مُقَدَّرٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . كيف تُضْرَبُ الأمثالُ لمن لا يساويه أحدٌ في الذات والصفات وأحكام الأفعال؟ ومَنْ نَظَرَ إلى الحقُّ من حيث الخَلْق وقع في ظلمات التشبيه، وبقي عن معرفة المعبود. ١٦٥ تفسير سورة النحل ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوَكَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا قوله جل ذكره: رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًّا هَلْ بَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . شَبَّهَ الكافرَ بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا مِلْكَ له في الشرع، والمؤمنَ المخلصَ بمَنْ رَزَقَه الخيراتِ ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثوابَ وحُسْنَ المآبِ على ما أنفقه . ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس مَنْ كان بنفْسِه، ملاحظاً لأبناء جِئْسِه، متمادياً في حسبان مغاليطه كمَنْ كان مُذْرِكاً بربُه مصْطَلماً عن شاهده، غائباً عن غيره، والمُجرِي عليه ربُّه ولا حَوْل له إلا به . قوله جل ذكره: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلُ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِرٍ﴾ . هذا المثلُ أيضاً للمؤمن والكفار؛ فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجيء منه شيءٌ، ولا يحصل منه نفع، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حَوْلِه وقُوَّتِه، ولا يغترف إلا بطوله - سبحانه - ومِنَتِه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْجِ اَلْصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . استأثر الحقُّ - سبحانه - بعلم الغيبيات، وسَتَرِهَا على الخلق؛ فيخرِجُ قوماً في الضلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية، ويقيم قوماً برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية .. فالعواقبُ مستورة، والخواتيم مبهمة، والخَلْقُ في غفلة عما يُرَادُ بهم . قوله جل ذكره: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُنَهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ نَّكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ نَشْكُرُونَ﴾ . خلَقَهُم مِنْ غير أَنْ شاورهم، وأثبتهم - على الوصف الذي أراده ــ دون أن خَيَّرهم، ولم يعلموا بماذا سبق حُكْمُهم .. أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدَم أخرجهم من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاحَ أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا، ولا صفةَ ربِّهم عَرفوا. ثُمَّ بحُكْم الإلهام هداهم حتى قَبَّلَ الصبيُّ ثدي أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف . ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾: لتسمعوا خطابه، ﴿ وَاُلْأَبْصَرَ﴾ لتُبصِرُوا أفعالَه، ﴿ وَاَلْأَفْئِدَةُ﴾ لِتَعْرِفُوا حقَّه، ثم لتَشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس. ١٦٦ تفسير سورة النحل قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْطَيْرِ مُسَخََّتٍ فِى جَوّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَّيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . الطائر إذا حَلْقَ في الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط، وقد قامت الدلالة على أن الحقَّ - سبحانه - متفرُّدٌ بالإيجاد، ولا يَخْرُجُ حادثٌ عن قدرته، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِهِكُمُّ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَثًا وَمَتَنِعًا إِلَى حِينٍ﴾ . للنفوس وطن، وللقلوب وطن. والناس على قسمين مستوطنّ ومسافر: فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم؛ فالمريد أو الطالب مسافِرٌ بقلبه لأنه يَتَلَوَّنُ، ويرتقي من درجة إلى درجة، والعارف مقيمٌ ومستوطِنّ لأنه واصل متمكن. والطريق منازلُ ومراحلُ، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب، والمريد سالِكُ والعارف واصِلٌ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِّمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ شُسْلِمُونَ﴾ . في الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالاً .. كذلك جعل في ظل عنايته لأوليائه مثوّى وقراراً. وكما سَتَرَ ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأس عدوكم - كذلك ألبس سرائركم لباساً يلفكم به في السراء والضراء، ولباس العصمة يحميكم من مخالفته، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته، وكساكم بحُلَلِ الوصل مما يؤهلكم لقربته وصحبته . قوله: ﴿كَذَلِكَ يُنِدُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ... ﴾، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتُهم مختومة بالخير، ويكفيهم أمور الدين والدنيا، ويصونهم عن اتباع الهوى، ويُسَدِّدُهم حتى يؤثروا ما يوجبُ من الله الرضاء . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تَوَلَوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُِّينُ﴾ . إذا بَلَّغْتَ الرسالة فما جعلنا إليك حكم الهداية والضلالة. قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا وَأَكْتُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾. يَسْتَوْفِقُونَ إلى الطاعةِ، فإذا فعلوا أُعْجِبُوا بها(١). (١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن المقام: سمعت الشيخ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول : = ١٦٧ تفسير سورة النحل ويقال يستغيثون، فإذا أجابهم قَصَّروا في شُكْرِهِ. ويقال إذا وَقَعَتْ لهم محنةٌ استجاروا بربهم، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ما كانوا فيه من الشدة، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت لهم تلك الحالة. ويقال يعرفون في حال توبتهم قُبْحَ ما كانوا فيه حال زلتهم، فإذا نقضوا توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ . إذا كان يومُ الحشر سأل الرسلُ عن أحوال أُمَمِهم، فمن نَطَقَ بحجةٍ أُكْرِمَ، ومَنْ لم يُدْلِ بحجةٍ لا تُراعى له حُزْمةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلَ يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنُظَرُونَ﴾ . أي يُشَدَّد عليهم الأمرُ ولا يُسَهَّل. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ شُرَكَآءَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُتَّا نَدْعُواْ مِن دُونٌِ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . تمنوا أن يَنْقِمُوا من إخوانهم الذين عاشروهم، وحملوهم على الزَّلَّة، فيتبرأون من شركائهم، ويلعن بعضهم بعضاً، وتضيق صدورهم من بعض . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِدٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ . واستسلموا لأمر الله وحُكْمه، ويومئذ لا تضرُّع منهم يُرَى، ولا مِخنةَ - يصرخون من ويلها - عنهم تُكْشَف. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَ هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . تأتي - يومَ القيامة - كلُّ أمة مع رسولها، فلا أُمةَ كهذه الأمةِ فضلاً، ولا رسولَ كرسولنا وَلَه رتبةً وقَدْرَاً. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أي القرآن تبياناً لكل شيء، فيه للمؤمنين شفاء، وهو لهم ضياء، وعلى الكافرين بلاء، وهو لهم سبب محنة وشقاء. لما دخل الأسطي نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا = بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها، فقال: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها، وإنما أراد الواسطي بهذا صيانتهم عن محل الإعجاب، لا تعريجاً في أوطان التقصير أو تجويزاً للإخلال بأدب من الآداب. (الرسالة القشيرية ص٥٧). ١٦٨ تفسير سورة النحل قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . العدل ما هو صواب وحسن، وهو نقيض الجور والظلم. أمر اللَّهُ الإنسانَ بالعدل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخَلْقِ؛ فالعدلُ الذي بينه وبين نفسه مَنْعُها عما فيه هلاكُها، قال تعالى: ﴿وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَهُ ﴾ [النازعات: ٤٠]، وكمالُ عدلِه مع نفسه كيُّ عُروقٍ طمعِه . والعدلُ الذي بينه وبين ربّه إيثارُ حقٌّه تعالى على حظّ نفسه، وتقديمُ رضا مولاه على ما سواه، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر. أو العدل الذي بينه وبين الخَلْق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف بكل وجه وألا تَشِيَ إلى أحد بالقول أو بالفعل، ولا بِالهَمْ أو العزم. وإذا كان نصيبُ العوامِ بَذْلَ الإنصافَ وكَفَّ الأذى فإِنَّ صفةَ الخواص تَرْكُ الانتصاف، وإسداءُ الإِنْعَامِ، وتَرْك الانتقام، والصبرُ، على تَحَمُّلِ، ما يُصيبُكَ من البلوى. وأما الإحسان فيكون بمعنى العلم - والعلمُ مأمورٌ به - أي العلم بحدوثِ نَفْسه، وإثباتِ مُحدِثه بصفات جلاله، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها. وأما الإحسانُ في الفعل فالحَسَنُ منه ما أمر الله به، وأَذِنَ لنا فيه، وحَكَمَ بمدح فاعله . ويقال الإحسان أن تقوم بكل حقٌّ وَجَبَ عليك حتى لو كان لطيرٍ في مِلكِك، فلا تقصر في شأنه . ويقال أن تَقْضِيَ ما عليك من الحقوق وألا تقتضِيَ لك حقاً من أحد. ويقال الإحسان أن تتركَ كل ما لَكَ عند أحد، فأما غير ذلك فلا يكون إحساناً . وجاء في الخبر: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) وهذه حال المشاهدة التي أشار إليها القوم . قوله: ﴿وَإِيتٍَّ ذِى الْقُرْفَ﴾ إعطاء ذي القرابة، وهو صلةُ الرَّحِمِ، مع مُقاساةِ ما منهم من الجَوْرِ والجفاءِ والحَسَدِ . ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ﴾: وذلك كلُّ قبيح مزجورٍ عنه في الشريعة. قوله جلَ ذكره: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدَ ثُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ نَّوْكِيدِهَا وَقَّدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . يُفْرَضُ على كافةِ المسلمين الوفاءُ بعهد الله في قبول الإسلام والإيمان، فتجبُ عليهم استدامةُ الإيمان. ثم لكلُ قوم منهم عهدٌ مخصوص عاهدوا الله عليه، فهم مُطَالَبُون بالوفاء به؛ فالزاهدُ عَهْدُه ألا يُرجعَ إلى الدنيا، فإذا رجع إلى ما تركه منها فقد ١٦٩ تفسير سورة النحل نَقْضَ عهده ولم يفِ به. والعابد عاهده في تَرْكِ الهوى. والمريدُ عَاهَدَه في ترك العادة، وآثره بكل وجه. والعارف عهده التجرد له، وإنكار ما سواه. والمحب عهده تركُ نَفْسِهِ معه بكل وجه والموحّد عهده الامتحاء(١) عنه، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد مَنْهِيٍّ عن تقصير عهده، مأمورٌ بالوفاء به. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُرْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُنَّهُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍّ﴾ . مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرٍ أمرِهِ أَوَّلَه، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً (٢) أي من بعد ما أبرمت فَتْلَه. وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة، والمريدَ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ، والعارف إذا حصلت له حجبَةٌ، والمحبَّ إذا استقبلته فرقةٌ - فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ، فكما قيل: فَلْأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسُهُم، وينطفِىءَ - في الليلة الظلماءِ - سِراجُهم، ويتشتّتَ من السماء نجومِهم، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهِم وربيعَ وَصْلِهِم إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ، وعذابٌ أليم. فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَنْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوك مُوجِعةٌ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل: إلا عليكَ - فإنّه مذمومٌ(٣) والصبر يَخسُنُ في المواطن كلها هنالك تنسكب العَبَراتُ، وتُشَق الجيوب، وتُلْطَم الخدود، وتُعطّلُ العِشار، وتخَرَّبُ المنازلُ، وتسودُّ الأبواب، وينوح النائح : بر أنهم رحلوا قريبا وأتى الرسول فأخـ فجرى لهم دمعي صبيبا رجعوا إلى أوطانهم (١) قال القشيري برسالته: من أقاويل الشيوخ بالمحبة: محو المحب لصفاته، وإثبات المحبوب. (الرسالة القشيرية ص٣٢١). (٢) الأنكاث: واحدها نِكْث: وهو الغزل من الصوف أو الشعر، تُبرم وتُنسج، فإذا خَلَقَت النسيجة قُطّعت قطعاً صغاراً، ونكثت خيوطها المبرومة، وخُلطت بالصوف الجديد، ونَشِبت به، ثم ضُربت بالمطارق وغزلت ثانية واستعملت، والذي ينكثها يقال له: نكّاث ومن هذا نكث العهد وهو نقضه بعد إحكامه، كما تُنكث خيوط الصوف المغزول بعد إبرامه. (لسان العرب ١٩٧/٢ مادة: نكث). (٣) رواية البيت في الرسالة القشيرية ص ١٨٤ : الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يـجـمل ١٧٠ تفسير سورة النحل وتركن ناراً في الضلوع وزر عن في رأسي مشيبا قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَيُبَيَِّنَّ لَكُرْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . بلاءُ كلُ واحدٍ على ما يليق بحاله؛ فمن كان بلاؤه بحديث النّفْسِ أو ببقائه عن هواه، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ، وإنما هذا بلاء العوام. ولكنَّ بلَاءَ الكِرام غيرُ هذا فهو كما قيل: لم يَذْرِ كيف تَفَتَّتُ الأكبادِ. مَنْ لم يَبِثَ - والحبُّ مِلْءُ فؤاده قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَدَةٍ وَلَتُقَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ليست واقعةُ القوم بخسرانٍ يُصيبهم في أموالهم، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولِمَا صنيَّعوه من أحوالهم .. فهذه - لعمري - وجوهٌ وأسبابٌ، ولكنَّ سِرَّ القصة كما قيل : أَنّا صَبُّ لِمَنْ هَوَیْتُ ولكن. ما احتيالي بسوء رأي الموالي؟ قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾: لو شاء الله سَعَادَتَهمُ لَرَحِمَهُم، وعن المعاصي عَصَمَهُم، وبدوامِ الذكر - بَدَلَ الغفلة - ألهمهم .. ولكن سَبَقَتْ القسمةُ في ذلك، وما أحسن ما قالوا: مَنْ خانه فيك الجَلَدْ شكا إليك ما وَجَدْ حيرانُ .. لو شِئْتَ اهتدى ظمآنُ .. لو شِئْتَ وَرَدْ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ أَيْمَكُمْ دَخَلَا بَيْنَصِكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . أَبْعَدَكُم عَدَمُ صِدْقِكم في إِيمانِكم عن تحقَّقِكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حَدٌ التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم تردُّدُكم إلى أوطانِ شِرْكِكُم، إذ الشكُّ في الله والشّركُ به قرينان في الحُكْم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لا تختاروا على القيام بحقُ اللَّهِ والوفاء بعهده ◌ِوَضاً يسيراً مما تنتفعون به من حُطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإِنَّ ما أعدَّ اللَّهُ لكم في جناته - بشرط وفائكم لإيمانكم - يوفي ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم. ١٧١ تفسير سورة النحل قوله جلّ ذكره: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدِّ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَائِيُ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . الذي عندكم عَرَضٌ حادت فانٍ، والذي عند الله من ثوابكم في مالِّكُم نِعَمْ مجموعةٌ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة. ويقال ما عندكم أو ما منكم أو مالكم أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة، وما عند اللهَ فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ. ويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ، وأصناف متناوبة، أعيانُها غيرُ باقية وإن كانت أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية. ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعَرَّضُ للزوال، وقابلٌ للانقضاء، وما وَصَفْنَا بِهِ أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى، كما قيل: ألا طال شوقُ الأبرار إلى لقائي وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ ... ﴾: جزاءُ الصبر الفوزُ بالطُّلْبَةِ، والظّفَرُ بالْبُغية. ومآلهم في الطلبات يختلف: فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله. فعِوَضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله، قال تعالى: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لِأَجْل الله، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله فجزاؤه كما قال تعالى: ﴿أُوْلِِّكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَعِيَّةً وَسَلَمَا﴾ [الفرقان: ٥٧]. ومَنْ صبر تحت جريان حُكْم الله، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى: ﴿إِنّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾(١) [البقرة: ١٥٣]. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ عَمِلَ صَِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُغْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ لِبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . الصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به. وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾: في الحال، ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾: في المآل؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان، ولذا قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. ويقال ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي مصدّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح. ويقال (١) انظر الرسالة القشيرية ص ١٨٣ - ١٨٩ حديث القشيري عن الصبر. ١٧٢ تفسير سورة النحل ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه. قوله: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾: الفاء للتعقيب، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ... ﴾ الواو للعطف ففي الأولى مُعَجِّل، وفي الثانية مؤجّل، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق، وإنما يعرف ذلك بالذوق؛ فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنه النجوى، وقوم قالوا إنه نسيم القرب ... والكل صحيحٌ ولكل واحدٍ أهل. ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، وفي معناه قالوا: ليس إلا بكم يَتِمُّ السرورُ نحن في أكمل السرور ولكنْ أنكم غُيِّبٌ ونحن حُضُورُ عَنْبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودي ويقال الحياة الطيبة للأولياء ألا تكون لهم حاجةٌ ولا سؤالٌ ولا أَرَبّ ولا مُطالبَةٌ؛ وفرقٌ بين من له إرادة فتُرْفَع وبين من لا إرادةً له فلا يريد شيئاً (١)، الأولون قائمون بشرط العبودية، والآخرون مُعْتَقُون بشرط الحرية. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِ﴾. شيطانُ كُلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه، فمن تَسَلَّطَتْ عليه نَفْسُه حتى شَغَلَتْه عن ربه ولو بشهود طاعةٍ أو استحلاءِ عبادة أو ملاحظةِ حال - فذلك شيطانُه. والواجبُ عليه أن يستعيذ بالله من شرِّ نَفْسِه، وشرّ كل ذي شر. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَمُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَنَوَكَّلُونَ﴾ . أنَّى يكون للشيطانِ سلطانُ على العبد والجقُّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإبداع، متوحَّدٌ بالاختراع؟ قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوْلَّوْنَمُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾. إنما سلطانُه على الذين هم في غطاء غفلتهم، وستر ظنونهم ومشتبهاتهم. فأمَّا أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثاتِ بالله ظهورُها، ومن اللَّهِ ابتداؤها، وإلى الله مآلها وانتهاؤها . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّفُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتٍَّ بَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَمُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن زَّبِّكَ بِالْخِ لِيُنَبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . (١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الإرادة بهذا الصدد: والمريد على موجب الاشتقاق من له إرادة، كما أن العالم من له علم، لأنه من الأسماء المشتقة، ولكن المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريداً، كما أن من لا إرادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريداً. (الرسالة القشيرية ص٢٠١). ١٧٣ تفسير سورة النحل ما ازدادوا في طول مدتهم إلا شكاً على شكٍ، وجحداً على جحدٍ، وجرَوا على منهاجهم في التكذيب، فلم يُصَدِّقوهِ وَّةِ، وما زادوا في ولايته إلا شكاً ومُزية: وكذا الملولُ إذا أَرَادَ قطيعةٌ مَلَّ الوصال وقال كان وكانا قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَمُ رُوعُ الْقُدُسِ مِنْ زَيِّكَ بِالْحِ﴾: ردّ على فرط جهلهم بربهم، ويُعْدِ رتبتهم عن التحصيل، فلمَّا كانوا متفرقين في شهود المَلِكِ رُدُّوا في حين التعريف إليهم بِذِكْرِ المَلَكِ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى ◌ُلِْدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَئِذَا لِسَانُ عَرَبتُ تُبِكُ﴾ . لم يستوحش الرسولُ - وَل ـ من تكذيبهم، وخفاءِ حاله وقَدْرِه عليهم .. وأيُّ ضررٍ يلحق مَنْ كانت مع السلطان مُجَالَسَتُه إذا خَفِيَتَ على الأَخَسْ مِنَ الرعيةِ حالتُه؟ ثم إنه أقام الحجةَ في الردّ عليهم حيث قال: ﴿لِسَاثُ الَّذِى يُلْجِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِّتُ قُبِينٌ﴾: فَمِنْ فَرْطِ جهلهم توهموا أنَّ القرآنَ - الذي عجز كافةُ الخَلْقِ عن معارضته في فصاحته وبلاغته - مقولٌ وحاصلٌ باتصاله بِمَنْ هو أعجمي النطق . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾ . إِنَّ منْ سَبَقَتْ بالشقاوة قسمتُه لم تتعلق من الحق - سبحانه - به رحمتُه، ومَنْ لم يَهْدِه اللَّهُ في عاجله إلى معرفتِهِ لا يهديه اللَّهُ في آجِلِه إلى جنته. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِىِ الْكَذِبَ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُونَ بَِايَتِ اَللّهِ وَأُوْلَكَ هُمُ اُلْكَذِبُونَ﴾ . هذا من لطائف المعاريض؛ إذ لمَّا وصفوه - عليه السلام - بالافتراء أنار الحقُّ - سبحانه - في الجواب، فقال: لستَ أَنت المفترِي إنما المفترِي مَنْ كذَّبَ معبودَه وجَّهِلَ توحیدَه . قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌّ بِأَلْإِيمَنِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإخلاصَه في عَقْدِه، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ودَفَع عنه عناءَه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهاً - وهو مُوَحِّدٌ، وهو مستحقّ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى ... وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، ١٧٤ تفسير سورة النحل وتجردوا لسلوكِ طريق الله ثم عَرَضَتْ لهم أسبابٌ، واتفقت لهم أعذارٌ؛ كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ أو إلى شيءٍ من العلوم رجوعٌ ... لم يكن ذلك قادحاً في صحة إرادتهم، ولا يُعَدُّ ذلك فسخاً لعهودهم، ولا ينفي بذلك عنهم سِمَةَ القَصْدِ إلى الله تعالى . أَمَّا ﴿مَن شَرَحَ بِأَلْكُفْرِ صَدْرًا﴾: فرجع باختياره، ووضع قَدَماً - كان قد رَفَعَه في طريق الله - بِحُكْم هواه فقد نَّقَضَ عهْدَ إرادته، وفَسَخَ عقده، وهو مستوجب ( ... )(١) إلى ( .... )(١) تَتداركه الرحمة. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ . السالك إذا آثر الحظوظ على الحقوق بَقِيَ عن الله، ولم يبارِكْ له فيما آثره على حقٌّ الله، ولقد قالوا: قد تركناكَ والذي تريد فعسى أَنْ تَمَلهم فتعود قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ . إذا تمادى في غفلته، ولم يتدارك حالَه بملازمةِ حَسْرَتِهِ، ازداد قسوةً على قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره: ﴿َ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ . هم في الآخرة محجوبون، وبِذُلِ البعد موسومون. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ومَنْ صَبَرّ حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرُّخَصِ، وأخذ في الأمور بالأشَقُ أكرم اللَّهُ حَقَّه، وقرَّب مكانَه، ولَقَّه في كلِ حالةٍ بالزيادة، وربحت صفقتُه حين خسِرَ أشكالُه، وتَقَدَّم على الجملة وإِنْ قَلَّ احتيالُه. يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَدِلُ عَن نَّفِهَا وَتُوَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . قوله جلّ ذكره: غداً كلٍّ مشغولٌ بنفسه، ليس له فراغ إلى غيره. وعزيزٌ عبدٌ لا يشتغل بنفسه، قال ◌َ: ((من كان بحالٍ لقي الله بها)). إنما يكون الفارغ غداً من كان اليوم فارغاً، (١) بياض في الأصل. ١٧٥ تفسير سورة النحل ويجادل عن نفسه من كان له اليوم اهتمامٌ بنفسه. والمؤمن لا نَفْسَ له؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] اشتراها الحقُّ منهم، وأودعها عندهم، فليس لهم فيها حق، وإنما يراعون فيها أمرَ الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً بَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. فراغ القلبٍ من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبدٌ بهذه النعمة بأَن فتح على نَفْسِه بابَ الهوى، وانجرف في فساد الشهوة، شَوَّشَ الله عليه قلبه، وسَلَبَه ما كان يَجِدُه من صفاء وقته؛ لأنَّ طوارقَ النفسِ تُوجِبْ غِروبَ شوارقٍ القلب، وفي الخبر: ((إذا أقبل الليلُ من ها هنا أدبر النهارُ مَن ها هنا)»(١). وكذلك القلبُ إذا انقطع عنه معهودُ ما كان الحقُّ أتاحه له أصابه عطّشٌ شديد ولهبٌ عظيم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ﴾ . كما جاءهم الرسولُ جهراً فإنه تتأدَّى إليهم منْ قِبَل خواطرهم إشاراتٌ تترى، فمَنْ لم يستجبْ لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق أخذه العذابُ من حيث لا يشعر. قوله جلّ ذكره: ﴿فَكُلُواْ مِنَّا رَزَقَِّكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ إِن كُنْتُمْ إَِّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . الحلالُ الطيبُ ما يتناوله العبدُ على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية الأدب في ترك الشبهة، وحقيقةُ الشكر على النعمةِ الغيبةُ عن شهودِ النعمة بالاستغراق في شهود المنعم . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِيرِ وَمَآ أُمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيِّرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يُبَاحُ تناولُ المحرماتِ عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع، ولا يُرَخَّصُ في ذلك إلا على أوصاف مخصوصة، وبِقَدْرِ ما يَسُدُّ الرَّمق، كذلك عند استهلاكِ العبدِ (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٤٦/٣)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٢١٦/٤)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ١٩٨٥)، والبغوي في (شرح السنة ٢٥٩/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٣٨٧٦)، وابن كثير في البداية والنهاية ٣١٣/٨)، والسيوطي في (الدر المنثور ١ (٢٠٠)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١٩٥/١)، والطبري في (التفسير ١٠٣/٢) (بغوي ١/ ١٦٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٥٢/٣)، والحميدي في (المسند ٢٠). ١٧٦ تفسير سورة النحل بغلبات الحقيقة لا بد من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه، ثم لا يُمكّن من التعريج في أَوْطان التفرقة والتمييز بعد مضي أوقات الصحو من أجل أداء الشرع (١)، كما قيل: فإنْ تَكُ منه غيبة بعد غيبةٍ فإنَّ إليه بالوجود إيابي قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسَِنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَتْعُ قَلِيلٌ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . الصدق في كل شيء أَوْلَى من الكذب، وكثيرٌ من أقوالهم في الاعتراض عَيِّنَاتُ(٢) من الكذب. والصِّدِيق لا يكذب صريحاً، ولا يتداول أقوال كاذبٍ مهين. وصاحبُ الكذبِ تظهر عليه المذَلَّةُ لما هو فيه من الزّلَّةِ، وله في الآخرة عذاب أليم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَزَّمْنَا مَا فَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلٌّ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُوَّأَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . بيَّن أنه أوضح لِمَنْ تَقَدَّمَ الحلال والحرامَ، فمنهم مَنْ أتى بما أُمِرَ به ومنهم مَنْ خالف .. وكلَّ عُومِل بما استوجبه؛ فمن أطاع قلبُه قرَّبَه، ومَنْ عَصَى رَدَّه وحَجَبَه . قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ الشّوَءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . إذا نَدِمُوا على قبيح ما قَدَّمُوا، وٍأَسِفوا على كثيرٍ مما أسلفوا وفيه أسرقوا، ومَحًا صِدْقُ عَبْرَتِهِم آثارَ عَثْرَتِهِم - نظَرَ اللَّهُ إليهم بالرحمة، فتابَ عليهم إذا أصلحوا، ونجَّاهم إذا تضرَّعوا. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُّ فَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . قيل آمن بالله وحدَه فقام مقام الأمة، وفي التفسير: كان معلِّماً - للخير - لأمةٍ . ويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون في أمةٍ متفرقاً. ويقال لمَّا قال إبراهيمُ لكلِّ ما رآه: ﴿هَذَا رَبٍ﴾ [الأنعام: ٧٧] ولم ينظر إلى المخلوقات من حيث هي بل كان مُسْتَهْلَكاً في شهودِ الحقُّ، ورأى الكوْنَ كُلَّه بالله، وما ذكر حين ذكر غيرَ الله .. كذلك كان جزاء الحق فقال: أنت الذي تقوم مقام الكلِّ، ففي القيام بحق الله منك على الدوام غُنيةٌ عن الجميع. (١) هذه هي حالة الفرق الثاني (انظر الرسالة القشيرية ص٦٦). (٢) العيّنات: (ج) العيّنة: جزء من المادة يؤخذ منها نموذجاً لسائرها. ٠ ١٧٧ تفسير سورة النحل و(«الحنيف»: المستقيم في الدِّين، أو المائل إلى الحق بالكلية. قوله جلّ ذكره: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِةٍ أَجْتَبَنَهُ وَهَدَنْهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . الشاكرُ في الحقيقة - مَنْ يرى عَجْزَه عن شكره، ويرى شُكْرَهُ من الله عزَّ وجل، لِتَحَقُّقِه أنه هو الذي خَلَقَه، وهو الذي وَفَّقَه لشكره، وهو الذي رزقه الشكرَ، وهو الذي اجتباه حتى كان بالكلية له - سبحانه . ﴿وَدَنْهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيٍ﴾ أي تحقَّق بأنه عَبْدُه، وأنه رقّاه إلى محلٌ الأكابر. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَانَيْتَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّينَ﴾ . الحسنةُ التي آتاه اللَّهُ هي دوامُ ما آتاه حتى لم تنقطِع عنه . ويقال هي الخلة. ويقال هي النبوة والرسالة. ويقال آتيناه في الدنيا حسنةً حتى كان لنا بالكلية، ولم تكن فيه لغيرِ بقية . قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . ﴿مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ﴾ أي الكون بالحق، والامتحاء عن شاهد نفسه؛ فكان نبينا - وَ ل - في اتباعه إبراهيم مؤتَمِراً بأمر الله. وكانت ملةُ إبراهيم - عليه السلام - الخُلُقَ والسخاءَ والإيثارَ والوفاء، فاتبعه الرسول ◌َ﴿ وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مَزِيَّتُه . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بََّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْلِفُونَ﴾ . قومٌ حرَّموا العملَ فيه وقومٌ حللوه معصيةً منهم، وقيل جعل الجمعةَ لهم فقالوا: لا نريد إلا يومَ السبت .. فهذا اختلافهم فيه . والإشارة من ذلك أنهم حادوا عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ثم إنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْنَدِينَ﴾. الدعاءُ إلى سبيل الله بحثُ الناسِ على طاعةِ الله، وزجرهم عن مخالفة أمر الله. والدعاءُ بالحكمة ألا يخالفَ بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق. والموعظة الحسنة لمَّا يكون صادراً عن علمٍ وصوابٍ، ولا يكون فيها تعنيف. ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾: بالحجة الأقوى، والطريقة الأوضح. قال تعالى: ﴿َمَّ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئِكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]: فَشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمال ما تأمر به، والانتهاء عما تنهي عنه . ١٧٨ تفسير سورة النحل قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بِهٌِّ وَلَيِنِ صَبّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِضَّبِينَ﴾ . إذا جرى عليكم ظُلُمٌ من غيرَكم وأردتم الانتقامَ .. فلا تتجاوزُوا حَدَّ الإذنِ بما هو في حكم الشرع. ﴿وَلَيِنِ صَبِرْتُمْ﴾: فتركتم الانتصافَ لِأَجْلِ مولاكم فهو خيرُ لكم إِنْ فَعَلْتُمْ ذلك. والأسبابُ التي قد يترك لأجلها المرءُ الانتصافَ مختلفة؛ فمنهم من يترك ذلك طمعاً في الثواب غداً فإنه أوفر وأكثر، ومنهم من يترك ذلك طمعاً في أن يتكفَّل اللّهُ بخصومه، ومنهم من يترك ذلك لأنه مُكْتَفٍ بعلم الله تعالى بما يجري عليه، ومنهم من يترك ذلك لِكَرَم نَفْسِه، وتَحرُّرِه عن الأخطار ولاستحبابه العفوَ عند الظَّفَرِ، ومنهم مَنْ لا يرى لنفسه حقاً، ولا يعتقد أَنَّ لأحدٍ هذا الحق فهو على عقد إرادته بِتَرْكِ نَفْسِه؛ فمِلْكُه مُبَاحٌ ودَمَهُ هَدَر. ومنهم من ينظر إلى خصمه - أي المتسلط عليه - على أنَّ فِعْلَه جزاءٌ على ما عمله هو من مخالفة أمر الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. فاشتغاله باستغفاره عن جُزْمِه يمنعه عن انتصافه من خصمه . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّ بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْفٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ . ((واصبر)) تكليف، ((وما صبرك إلا بالله)): تعريف. ((واصبر)) تحققٌ بالعبودية، ((وما صبرك إلا بالله)) إخبارٌ عن الربوبية. ((ولا تحزن عليهم .. )) أي طالِعْ التقدير، فما لا نجعلُ له خطراً عندنا لا ينبغي أن يوجِبَ أثراً فيك، فمَنْ أَسْقَطْنا قَدْرَه فاستَصْغِر أَمْرَه. وإذا عرفتَ انفرادَنا بالإيجادِ فلا يضيق قلبُك بشدة عداوتهم، فإِنَّا ضَمّنًا كِفايتَك، وألا نُشْمِتَهم بك، وألا نجعلَ لهم سبيلاً إليك. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾. إن الله معهم بالنصرة، ويحيطهم بالإحسان والبسطة . ((الذين اتقوا)) رؤيةَ النصرةِ مِنْ غيره، والذين هم أصحاب التبري من الحَوْلِ والقوة . والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، وهذه حال المشاهدة . السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل قوله تعالى وتَقَدَّس: ﴿بِسْمِ أَقَِّ الرََّبِ الْرَّـ ◌ِ﴾. كلمةٌ ما سَمِعَها عابدٌ إلَّا شكر عصمتَه، وما سمعها سالِكٌ إلا وَجَدَ رحمته، وما تَحَقِّقَها عارفٌ إِلَّا تَعَطّرَ قلبُه بنسيم قُربته، وما شهدها موحِّدٌ إلا تَقَطِّرَ دمُه لخوفٍ فُرقته. قوله جلّ ذكره: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِثُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناءِ على نَفْسه فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىَ﴾ [الإسراء: ١]: الحقُّ سَبِّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِهِ، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه، وعن توخُّده بعلوٌ نُعُوتِه. ولمَّا أراد أَنْ يَعْرِفَ العبادُ ما خَصَّ به رسولَه - ﴿ ـ ليلة المعراج من عُلوُ ما رقّاه إليه، وعِظَم ما لَقَّاه به أَزالَ الأَعْجوبةَ بقوله: ﴿أَسْرَى﴾، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله: ﴿بِعَبْدِهِ،﴾؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته، واستحقاقّه لكمالِ العِزّ فلا يُتَعَجِّبُ منه أن يفعل ما يفعل، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نَفَى التعجَّبِ من إظهارٍ فِعْلِ اللَّهِ عزّ وجل، ونفَى الإِعجاب في وصف رسول الله عليه السلام. ويقال أخبر عن موسى عليه السلام - حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة - فقال: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وأخبر عن نبينا وَلَزَ بأنه ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه، فهذا مُتَحَمِّلٌ وهذا محمول، هذا بنعت الفَرْقِ وهذا بوصف الجمع، هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ. ويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب، ومن غير ميعاد، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد، كما قيل: ويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ، وتكذيبٌ مَنْ تعجّب و گذَّبَ أو أنکر وجحد. ويقال لما كان تعبَّدَهُ وَ﴿ وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ. بالليلِ. ليلةُ الوَصْلِ أَصْفَى من شهور ودهور سواها ويقال : ١٧٩ ١٨٠ تفسير سورة الإسراء ويقال أرسله الحقُّ - سبحانه - ليتعلَّم أهلُ الأرضِ منه العبادة، ثم رَقَّاه إلى السماءِ ليتعلَّمَ الملائكةُ منه آدابَ العبادة، قال تعالى في وصفه - بَّهـــ: ﴿مَا زَّاغَ الْبَصَرُ وَا ◌َنَى﴾ [النجم: ١٧]، فما التَّفَتَ يميناً ولا شمالاً، وما طمع في مقامٍ ولا في إكرام؛ تجرَّد عن كلِّ طلبٍ وأَرَبٍ. قوله: ﴿لِيَكُ مِنْ مَئِنَاْ﴾: كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كَشّفٌ بالذات. ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله - سبحانه - شيءٌ في جلاله وجماله، وعزه و کبریائه، ومجده وسنائه . ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه - أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثله في نبوته ورسالته وعلو حالته وجلال رتبته. قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَِّىّ إِبْرَّهِيَ أَلَّا تَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلاً﴾ . أرسل موسى عليه السلام بالكتاب كما أرسل نبينا وَ﴿، ولكنَّ نَبِيَّنَا - صلوات الله عليه - كان أوفى - سماعاً، فإنَّ الشمسَ في طلوعها وإشراقها تكون أقربَ ممن طلعت له من حقائقها . قوله جلّ ذكره: ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . أي يا ذريةَ مَنْ حملنا مع نوح - على النداء .. إنه كان عبداً شكوراً. والشكور الكثير الشكر؛ وكان نوح قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وكان يضرب في كل ( ... )(١) كما في القصة - سبعين مرة، وكان يشكر. كما أنه كان يشكر الله ويصبر على قومه إلى أن أوحى الله إليه: أنه لن يؤمن إلا من قد آمن، وأُمِرَ حين دعا عليهم فقال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح: ٢٦] ويقال الشكور هو الذي يكون شكره على توفيقِ اللَّهِ له لِشُكْرِه، ولا يتقاصر عن شكره لِنْعَمِه . ويقال الشكور الذي يشكر بماله، ينفقه في سبيل الله ولا يدَّخِره، ويشكر بنفْسِه فيستعملها في طاعة الله، ولا يُبْقِي شيئاً من الخدمة يدخره، ويشكر بقلبِه ربَّه فلا تأتي عليه ساعةٌ إلا وهو يذكره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَضَيْنَاً إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَبْنِ وَلَثَعْلُنَّ عُلُوا كَبِيرًا﴾. (١) بياض في الأصل.