النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَلْيِنِينَ﴾ .
إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةٍ يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على
ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يُرِذ يوسف أن يصيبهم بسببه - من
قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم، وهذه صفةُ الأولياءِ: أن يكونوا خَصْمَ أَنْفسِهم،
ولهذا قيل: الصوفي دمه هَدَرٌ ومِلْكُه مُبَاحٌ(١) - ولذلك قال:
( وَمَآ أُبَرِيُ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِيَّ إِنَّ رَبِ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ .
لمَّا تمدَّح بقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ﴾ كأنه نودي في سِرِّه: ولا حين
همَمْتَ؟ فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِئُ نَفْسِىّ﴾.
ويقال: قوله ﴿لِيَعْلَمْ أَنِى لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبٍ﴾ بيانُ الشكر على ما عصمه الله، وقوله:
﴿وَمَآ أُبْرِيُِّ نَفْسِىَّ﴾ بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان،
واستحقَّ بعذره العفوَ.
والعفو بادٍ من قوله :
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْنُونِي بِهِ: أَسْتَخْلِمْهُ لِنَفْسِىْ فَلَمَّا كَمَّهُمْ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾ .
لما اتضحت للملِك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمَّا
كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه، وضمنه بِرَّه وإحسانَه، فقال: ﴿إِنَّكَ أَلْيَّوْمَ لَدَيْنَا
مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآَيْنِ الْأَرْضِّ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ .
إنما سأل ذلك ليضعَ الحقَّ مَوْضِعَه، وليصلَ نصيبُ الفقراءِ إِليهم، فَطَلَبَ حقَّ
الله تعالى في ذلك، ولم يطلب نصيباً لنفسه.
ويقال لم يقل إني حَسَنٌ جميلٌ بل قال: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ أي كاتِبَ حاسِبٌ،
لِيُعْلَمَ أَنَّ الفضلَ في المعاني لا في الصورة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ بَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ
بِرَحْمَتَّنَا مَن نَّشَآَةٍ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لمَّا لم تكن له دواعي الشهوات من نَفْسِه مَكّنَه اللَّهُ من مُلْكِه - قال تعالى: ﴿وَمَن
يَقْتِفْ حَسَنَّهُ نَزِدْ لَهُ فِيهَا﴾ [الشورى: ٦٣] - فقال: ﴿وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:
٥٦].
ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أنه إِنما يوفّي عبادَه من ألطافه بفضله لا
(١) انظر الرسالة القشيرية ص٢٨١ فهذا تعريف سهل بن عبد الله للصوفي.

٨٢
تفسير سورة يوسف
بفعلهم، وبرحمته لا بِخُذْمتِهِم؛ فقال: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ﴾ ثم يرقى هممهم عما
أولاهم من النّعَم فقال:
﴿وَلَأَجْرُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ .
لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لا بُدّ من التقوى ومخالفة الهوى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
عَرَفَ يوسفُ - عليه السلام - إخوته وأنكروه، لأنهم اعتقدوا أنّه في رِقْ العبودية
لمّا باعوه، بينما يوسف - في ذلك الوقت ــ كان قاعداً بمكانٍ المَلِكِ. فَمَنْ طلب
الملِكَ في صفة العبيد متى يعرفه؟
وكذلك مَنْ يعتقد في صفات المعبودِ ما هو مِنْ صفات الخَلْقِ ... متى يكون
عارفاً؟ هيهات هيهات لما يحسبون!
ويقال لمَّا أَخْفَوْه صار خفاؤه حجاباً بينهم وبين معرفتهم إياه، كذلك العاصي ..
بخطاياه وزلاتِهِ تقع غَبَرَةٌ على وجه معرفته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا جَهَزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ قَالَ أَثْتُونِ بِأَعَ لَّكُم مِّنْ أَيَكُمْ أَلَا تَرَوَّنَ أَنّ أُوْفِ
اَلْكَيْلَ وَأَنَّأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ .
المحِبُّ غيورٌ؛ فلمَّا كان يعقوبُ عليه السلام قد تَسَلَّى عن يوسف برؤية ابنه
بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب(١).
ويقال تَلَطَّفَ يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب، وأما الترغيب
ففي مالِه الذي أوصله إليهم وهو يقول: ﴿أَلَا تَّرَوَّنَ أَنَّ أُوْفِي الْكَيْلَ﴾ وفي إقباله عليهم
وفي إكرامه لهم وهو يقول: ﴿وَأَنَّأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ .
وأمّا الترهيب فيمنع المال وهو يقول:
﴿فَإِ لَّْ تَأْتُونِ بِ، فَلَا كَيْلَ لَّكُمْ عِنْدِى وَلَا نَقْرَبُونِ﴾ .
أي فإن لم تؤامِنوني عليه فلا كيل لكم عندي، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ سَنُرَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ﴾ .
لما عَلِمَ يوسفُ من حالهم أنهم باعوه بثمنٍ بَخْسٍ عَلِمَ أنهم يأتونه بأخيهم طمعاً
في إيفاء الكيل، فلن يَضْعُبَ عليهم الإتيان به.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ لِفِْيَِهِ أَجْعَلُواْ بِضَنْعَنَهُمْ فِ رِحَالِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَّوْاْ إِلَ
أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٢٥٤ - ٢٥٩ حديث القشيري عن الغيرة.

٨٣
تفسير سورة يوسف
جَعْلُ بضاعتهم في رحالهم - في باب الكَرَمَ - أتمُّ مِنْ أَنْ لَوْ وَهَبَها لهم جَهْراً؛
لأنه يكون حينئذٍ فيه تقليد منه بالمواجَهَةِ، وفي تمليكها لهم بإشارةٍ تجَرُّدٌّ مِنْ تكلُّفٍ
تقليد منه بالمحاضرة .
ويقال عَلِمَ أنهم لا يَسْتحِلُون مالَ الغَيْرِ قَدَسَّ بضاعتَهم في رحالِهم، لكن إذا
رأوها قالوا: هذا وقع في رحالنا منهم بِغَلَطٍ، فالواجبُ علينا ردُّها عليهم. وكانوا
يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أَبَوْا .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا رَجَمُوْاْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآً
أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ .
لم يمنع يوسفُ منهم الكيْلَ، وكيف مَنَعَ وقد قال: ﴿أَلَا تَرَوّنَ أَنَّ أُوْفِ اَلْكَيْلَ﴾؟
ولكنهم تجوزوا في ذلك تفخيماً للأمر حتى تسمح نَفْسُ يعقوب عليه السلام
بإرسال بنيامين معهم.
ويقال أرادوا بقولهم: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَبْلُ﴾ في المستقبل إذا لم تَجْمِلْه إليه.
ويقال إنهم تَلَطَّفُوا في القول ليعقوبَ - عليه السلام - حيث قالوا: ﴿أَخَانَا﴾
إظهاراً لشفقتهم عليه، ثم أكَّدوا ذلك بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌ﴾ .
مَنْ عَرَفَ الخيانة لا يلاحظ الأمانة، ولذا لم تَسْكنْ نَفْسُ يعقوبَ بضمانهم لِمَا
سَبَقَ إليه من شأنهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَهُ خَيْرٌّ حَفِظًاً وَهُوَ أَرْحَمُ اٌلْزَّحِمِينَ﴾.
﴿فَلُّ خَيْرٌّ حَفِظَاً﴾: يحفظ بنيامين فلا يصيبه شيءٌ مِنْ قِبَلِهم.
ولم يقل يعقوب فالله خيرُ مَنْ يَرُدُّه إليَّ، ولو قال ذلك لعلَّه كان يرده إليه
سريعاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَأْبَنَا مَا
نَبْغِّ هَذِهِ، بِضَعَنْنَا رُدَّتْ إِلَيْنًا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَتَحْفَظُ أَنَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ
يَبِيرٌ﴾.
بيَّن يوسفُ - عليه السلام - أنه حين عاملهم لم يَخْتَجْ إلى عِوَضّ يأخذه منهم،
فلمَّا باعهم وجَمَعَ لهم الكيلَ ما أخذ منهم ثمناً، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى:
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
وكلُّ مَنْ خطا للدِين خطوةً كافأه اللَّهُ تعالى وجازاه، فَجَمَع له بين رَوحِ الطاعةِ
ولذّةٍ العيش من حيث الخدمة .

٨٤
تفسير سورة يوسف
-
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَمُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِنَ الَّهِ لَتَأْنُنِّى بِهِ: إِلَّ أَنْ
يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ .
إِنَّ الحَذَرَ لا يُغْنى من القَدَر. وقد عَمِل يعقوب - عليه السلام - معهم في باب
بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يُغْنِ عنه اجتهادُه، وحَصَلَ ما
حكم به الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَبََِّّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَغَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى
عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىٍّ إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوََّّلِ الْمُنَوَكِّلُونَ﴾.
يحتمل أن يكون أراد تفريقهم في الدخول لعلَّ واحداً منهم يقع بَصَرُه على
یوسف، فإن لم يره أحدهم قد يراه الآخر .
ويقال ظنَّ يعقوب أنهم في أمر يوسف كانوا في شدة العناية بشانِه، ولم يعلم
أنهم كارهون لمكانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ الَهِ مِنْ
شَىءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ .
إن لم يحصل مقصودُ يعقوب عليه السلام في المآل حصل مراده في الحال،
وفي ذلك القَدْرِ لأرباب القلوب استقلال.
ويقال على الأصاغر حفظُ إشاراتِ الأكابر، والقولُ فيما يأمرون به هل فيه فائدةٌ
أم لا - تَرْكٌ للأدب.
ويقال إذا كان مثل يعقوب عليه السلام يشير على أولاده ويتمنَّى به حصولَ
مرادِه . .
ثم لا يحصل مرادُه عُلِمَ أنه لا ينبغي أن يُعْتَقَدَ في الشيوخ أنَّ جميع ما يريدون
يَتَّفِقُ كونُه على ما أرادوا؛ لأَنَّ الذي لا يكونُ إلا ما يريده واجباً وما أراده فهو كائن ..
هو اللَّهُ الواحدُ القهارُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاءُ قَالَ إِّ أَنَأْ أَخُوكَ فَلَاَ
تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
حديثُ المحبةِ وأَحكامها أقسام: اشْتَاقَ يعقوبُ إلى لقاء يوسف عليهما السلام
فَبِقِيَ سنين كثيرة، واشتاقَ يوسف إلى بنيامين فَرُزِقَ رؤيته في أَوْجَزِ مدةٍ .
وهَكَذَا الأمر؛ فمنهم موقوفّ به، ومنهم صاحب بلاء.

٨٥
تفسير سورة يوسف
ويقال لئِن سَخِنَت(١) عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قَرَّتْ عيْنُ
يوسفَ بلقائه. كذا الأمر: لا تَغْرُبُ الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين.
قوله جل ذكره: ﴿فَلَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنَ
أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ نَسَرِقُونَ﴾ .
احتمل بنيامينُ ما قيل فيه من السرقة بعدما التقى مع يوسف.
ويقال: ما نُسِبَ إليه من سوء الفعال هان عليه في جَنْبٍ ما وجد من الوصال.
ويقال لئن نَسَبَ أخاه للسرقة تعرَّف إليه بقوله: ﴿إِنَّ أَنَأْ أَخُوَكَ﴾ - سِرَّاً، فكان
مُتَحَمْلاً لأعباء الملامة في ظاهره، محمولاً بوجدان الكرامة في سِرِّهٍ، وفي معناه
أنشدوا :
أَجِدُ الملامةَ في هواكٍ لذيذةٌ حُبّاً لذكركِ فَلْيَلُمْنِي اللُّومُ
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا كُنَّاً
سَرِقِينَ﴾(٢) .
يعني حُسْنُ سيرتنا في سير المعاملة يدلكم على حسن سريرتنا في الحالة .
ويقال لو كُنَّا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولَمَا وجدتموه في رحالنا بعد أن
غِبْنَا عنكم .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَّؤُهُ: إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ﴾.
تَجَاسَرَ إخوةُ يوسف بجريانِ جزاءِ السَّرقةِ عليهم ثقةً بأنفسهم أنهم لم يُباشِروا
الزَّلَّةِ، وكان بنيامينُ شريكُهم في براءة السَّاحةِ، فلما استُخْرِجَ الصَّاعُ مِنْ وعائه بَسَطَ
الإخوةُ فيه لسانَ الملامةِ، وبقي بنيامين فلم يكن له جوابٌ كأنَّه أقَرَّ بالسرقة، ولم يكن
ذلك صدقاً إذ أنه لم يَسْرِقْ، ولو قال: لم أَفْعَلْ لأفشى سِرَّ يوسف عليه السلام الذي
احتال معهم ذلك لأَجْلِه حتى يُبْقِيه معه، فَسَكَتَ لسان بنيامين، وتحقَّق بالحالِ قَلْبُه.
ويقال لم يستصعب الملامة - وإنْ كان بريئاً - مما قُرِنَ به، ولا يَضُرُّ سوءُ المقالةِ
بالمكاشفين بعد حُسْنِ الحالةِ مع الأحباب.
ويقال سيئ بما أَظْهَرَتْ عليه المقالة، ولكن حَصَلَ له بذلك صفاءُ الحالة.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَُّ مِن قَبْلَّ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ
فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنتُمْ شَرٌ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾(٣) .
(١) سخنت العين سخناً: لم تقرّ، فهي سخينة.
(٢) الآيتان (٧١ - ٧٢) لم تردا.
(٣) الآيتان (٧٥، ٧٦) لم تردا.

٨٦
تفسير سورة يوسف
كان بنيامينُ بريئاً مما رُمِيَ به من السرقة، فأنطقهم الله تعالى حتى رَمَوْا يوسف
عليه السلام بالسرقة، واحدٌ بواحد ليَعْلَم العالمون أَنَّ الجزاءَ واجبٌ.
ويقال كان القُرْحُ بالقَدح(١) أوجعَ ما سَمِعَه يوسف منهم حيث قالوا:
﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَُّ مِن قَبْلٌ﴾ فقد كان ذلك أشدَّ تأثيراً في قلبه من
الجفاءِ الأول .
ويقال إذا حَنْقَ عليك المِلكُ فلا تأمَنْ غِبَّه - وإن طالت المدة - فإن يوسف عليه
السلام حَيْق عليهم فلقوا في المستأنف منه ما ساءَهم مِنْ حَبْسٍ أخيه، وما صاحبَهم
من الخجل من أبيهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيُ إِنَّ لَهُ، أَبَا شَيْئًا كَبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ، إِنَّا
نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لم تنفعهم كثرةُ التَّنَصُّلِ(٢)، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاءَ التوسُّل، ولم
ينفعهم ما قيل منهم حين عَرَضُوا عليه أن يأخذَ أحدَهم في البَدَل .. كذلك فكلِّ
مُطَالَبٌ بفعل نفسه: ﴿لا تزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ [الأنعام: ٦٤]؛ فلا الأبُ يُؤْخَذُ بَدَلَ
الولد، ولا القريبُ يُرضَى به عوضاً عن أحد؛ لذلك قال يوسف عليه السلام:
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذا
أَظَلِمُونَ﴾ توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعَرَضُوا أنفسهم كي
يؤخَذ واحدٌ منهم بَدَلَ أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادَهِم في ذلك،
وأنَّ مقصودَه من ذلك ما استكَنَّ في قلبه مِنْ حُبُّ لأخيه، وكلَّا .. أَنْ يكونَ عن
المحبوبِ بَدَلْ أو لقوم مقامُ أحدٍ .. وفي معناه أنشدوا:
أَبَيْنا وقُلْنا: أنتَ أَوْلَى إلى القلب
إذا أَوْصَلْتَنا الخُلْدَ کیما تُذِیقنا
وقيل :
نساءٌ مالَهُنَّ ذُنُوبُ
أُحِبُّ لَيْلَى وبُغْضَتْ إليَّ
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَسْتَيْفَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ نَعْلَمُواْ أَنَ
أَبَّكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ قَوْقًا مِنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطَّتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِّ
أَبِّ أَوْ يَخْكُمَ اَللَّهُ لِيِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾.
لما عَلِموا أن يوسف عليه السلام ليس يبرح عن أخيه خلا بعضُهم ببعضٍ
(١) القُرْح: الجُرح (ج) قروح. القَدْح: الطعن والذم.
(٢) تنصل فلان من ذنبه: تبرّأ.

٨٧
تفسير سورة يوسف
فعملت فيهم الخجلة، وعلموا أن يعقوب في هذه الكرَّةِ يتجدد له مثلما أسلفوه من
تلك الفَعْلة، فلم يرجع، أكبرهم إلى أبيهم، وتناهى إلى يعقوبَ خَبَرُهم، فاتهمهم وما
صدّقهم، واستخونهم وما استوثقهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَأَبَنَا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا
بِمَا عَلِّمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ .
كان لهم في هذه الكَرَّةِ حجة على ما قالوه، ولكن لم يسكن قلبُ يعقوب
عليه السلام إليها، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْم في المرة الأولى أَوْجَبَ التُّهمةَ في الكرَّةِ
الأخرى .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَرَ الَّتِىِّ أَقْنَا فِيهَّا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ .
ما ازدادوا إقامةَ حُجَّةٍ إلا ازداد يعقوبُ - عليه السلام - في قولهم شُبْهةً.
ويقال: في مُساءلة الأطلال أَخْذٌ لقلوب الأحباب، وسَلْوَةٌ لأسرارهم .. وهذا
البابُ مما للشرح فيه مجال.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى
بِهِمْ جَيْعَا﴾.
لجأ إلى قُرْبِ خلاصه من الضُرِّ بالصبر.
ويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يُمْسِ حتى قال: ﴿يَكَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ليُعْلَمَ
أنَّ عَزْمَ الأحبابِ على الصبر منقوضٌ غيرُ محفوظ (١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأْسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ
فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ .
تولَّى عن الجميع - وإن كانوا أولادَه ـ ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ لا تُبْقِي ولا نَذَرْ.
ويقال أراد إخوةُ يوسفَ أن يكونَ إقبالُ يعقوب عليهم بالكليَّةَ فأَعْرَضَ، وتولَّى
عنهم، وفَاتَهُم ما كان لهم، ولهذا قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلِّ فاته الكلُّ.
(١) قال القشيري في رسالته موضحاً هذا المعنى: واعلم أن الصبر على ضربين: صبر العابدين وصبر
المحبين فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضاً، وفي
هذا المعنى أنشدوا:
على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
تبيّن يوم البين أن اعتزامه
وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: أصبح يعقوب عليه السلام وقد
وعد الصبر في نفسه، فقال: (فصبر جميل) أي فشأني صبر جميل، ثم لم يمس حتى قال: (يا أسفاً
على يوسف). (الرسالة القشيرية ص١٨٨ - ١٨٩).

٨٨
تفسير سورة يوسف
ويقال لم يَجِدْ يعقوبُ مُساعِداً لنفسِه على تأسفه على يوسف فتولَّى عن الجميع،
وانفرد بإظهار، أسفه، وفي معناه أنشدوا:
إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ
فريدٌ عن الخِلَّانِ في كل بلدةٍ
ويقال كان بكاءُ داود عليه السلام أكثرَ من بكاء يعقوب عليه السلام، فلم يذهب
بَصَرُ داود وذهب بَصَرَ يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأجْلٍ يوسف ولم يكن
في قذْرةٍ يوسف أن يحفظَ بصره من البكاء لأجله، وأمَّا داود فقد كان يبكي لله، وفي
قدرة الله - سبحانه - ما يحفظ بَصَرَ الباكي لأَجْلِه .
سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول ذلك، وقال رحمه الله: إن
يعقوبَ بكى لأجل مخلوقٍ فذهب بَصَرَهُ، وداود بكى لأَجْل الله فبقي بَصَرُه.
وسمعته - رحمه الله - يقول: لم يقل الله: ((عَمِيَ يعقوب)) ولكن قال: ﴿وَأَنْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ﴾، لأنه لم يكن في الحقيقة عَمَىّ، وإنما كان حجاباً عن رؤية غير يوسف.
ويقال كان ذهابُ بصرٍ يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا
شيءَ أشدُّ على الأحبابِ من رؤية غير المحبوب في حال فراقه، وفي معناه أنشدوا:
لما تَبَقَّنْتُ أني لَسْتُ أُنْصرِكم
أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: كان يعقوب عليه السلام
يتسلَّى برؤية بنيامين في حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: ﴿يَكَأَسَفَى عَلَى
يُوسُفَ﴾ أي أنه لما مُنِعَ من النظر كان يتسلى بالأثر، فلمَّا بقي عن النظر قال: يا أسفا
على يوسف .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ بُوسُفَ حَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ
مِنَ الْهَلِكِينَ﴾ .
هددوه بأن يصير حرضاً - أي مريضاً مشفياً على الهلاك - وقد كان، وخوفُوه
مما لم يبالِ أن يصيبه حيث قالوا ﴿أَوْ تَكُوُّنَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾.
ويقال أطيب الأشياء في الهلاكِ ما كان في حكم الهوى - فكيف يُخَوَّف بالهلاكِ
من كان أحبُّ الأشياءِ إليه الهلاكَ؟ .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ .
شكا إلى الله ولم يَشْكُ مِنَ اللَّهِ، ومَنْ شكا إلى الله وَصَلَ، ومَنْ شكا من الله
انفصل .

٨٩
تفسير سورة يوسف
ويقال لمَّا شكا إلى الله وَجَدَ الخَلَفَ من الله.
ويقال كان يعقوبُ - عليه السلام - مُتَحَمِّلاً بنفسه وقلبه، ومستريحاً محمولاً
بِسِرُّه وروحه؛ لأنه عَلِمَ من الله - سبحانه - صِدْقَ حالِه فقال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ وفي معناه أنشدوا:
إذا ما تمنّى الناسُ روحاً وراحةً تمنَّيْتُ أن أشكو إليكَ فَتَسْمَعَا
قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَّنِّىَ أَذْهَبُواْ فَتَحَسُواْ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِّ
إِنَّهُ لَا يَأْيْشَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ .
كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه في طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون
بطلب المسيرة وفي اعتقادهم هلاكُ يوسف .. وكلُّ إنسانٍ وهمُّه.
ويقال قوله ﴿فَحَتَسُواْ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أمرٌ بطلب يوسف بجميع حواسهم؛
بالبَصَرِ لعلَّهم تقع عليه أعينهم، وبالسَّمْع لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشمِّ لعلهم يجدون
رِيحَه؛ وقد توهّم يعقوبُ أنهم مثله فى إرادةِ الوقوفِ على شأنه. ثم أحالهم على فضل
الله حيث قال: ﴿لَا يَأَيْئَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ .
ويقال لم يكن ليعقوب أحدٌ من الأولاد بمكان يوسف، فَظَهَر من قِلَّةِ الصبرِ عليه
ما ظهر، وآثَرَ غيْبَةَ الباقين من الأولاد في طلب يوسف على حضورهم عنده .. فشتَّان
بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحدٌ لم يَرَهْ فابْيَضَّتْ عيناه من الحزن بفرقته،
وآخرون أَمرَهُم - باختياره - بِغَيْتِهم عنه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يََّتُهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْفُرُّ وَرِثْنَا بِضَعَةِ
مُزْجَنَةٍ فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَذِقِينَ﴾.
لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضُّرْ، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا
حديث يوسف عليه السلام، وما لأجله وَجَّهَهُم أبوهم.
ويقال استلطفوه بقولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْفُّرُ﴾ ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة
بضاعتهم .
ويقال لمَّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة
- ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: ﴿فَأَوْفِ لَنَا أَلَكَيَلَ﴾.
ويقال قالوا كلنا كيلاً يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا هذا
اللسان وقالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً﴾: نَزَلَوا أوْضَعَ مَنْزِلٍ؛ كأنهم قالوا: إنْ لم نستوجِبْ
معاملةَ البيع والشراء فقد استحققنا بَذْلَ العطاءِ، على وجه المكافأة والجزاء.
فإِنْ قيل كيف قالوا وتصدَّقْ علينا وكانوا أنبياء - والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟

٩٠
تفسير سورة يوسف
فيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقةُ غيرَ مُحَرَّمةٍ على
الأنبياء.
ويقال إنما أرادوا أنَّ مِنْ ورائنا مَنْ تَحِلُّ له الصدقة .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَِهِلُونَ﴾ .
افتضحوا بحضرة يوسف عليه السلام وقالوا: ﴿فَأَوْفٍ لَنَا اُلْكَيْلَ﴾ فعرفهم فعلمهم
ووقفهم عند أحدهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعني إنَّ مَنْ عَامَل
يوسفَ وأخاه بمثل معاملتكم فلا ينبغي له أن يتجاسَرَ في الخطاب كتجاسركم.
ويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم: أنهيتم كلامكم، وأكثرتم خطابكم، فما
كان في حديثكم إلا ذكر ضرورتكم .. أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟!
وذلك في باب العتابِ أعظم من كلِّ عقوبة .
ولمَّا أخجلهم حديث العتاب لم يَرْضَ يوسفُ حتى بسط عندهم فقال: ﴿إِذْ أَنْتُمْ
جَهِلُونَ﴾(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن بَتَّقِ وَيَصِْرْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب: ((يا أيها العزيز)» فلمّا
عرفوه قالوا: ﴿أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ لأنه لمَّا ارتفعت الأجنبيةُ سقط التكلُّفُ في
المخاطبة، وفي معناه أنشدوا:
إذا صَفَتْ المودّةُ بين قومٍ
ودام ودادُهم قَبُحَ الثناءُ
ويقال إنَّ التفاصُلَ والتفارُقَ بين يوسف وإخوته سَبَقا التواصلَ بينه وبين يعقوب
عليهما السلام؛ فالإخوةُ خَبَرَه عرفوه قبلَ أنْ عَرَفَه أبوه ليعلَم أن الحديث بلا شكٍ.
ويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته، بل إنهم -
وإن عرفوه - فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة، وإنما كان غرضُهم حديثَ الميرة
والطعام فقط، فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىٌ﴾: يعني إني لأَخْ لِمِثْلِ هذا لمثلكم؛ ولذا
قال: ﴿أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىٌ﴾، ولم يقل وأنتم إخوتي، كأنَّه أشار إلى طرفٍ من
العتاب، يعني ليس ما عاملتموني به فِعْلَ الإخوة.
ويقال هَوَّنَ عليهم حالَ بَدَاهَةٍ(٢) الخجلة حيث قال ﴿أَنَّأْ يُوسُفُ﴾ بقوله:
(١) هنا القشيري يطبق فكرة القبض والبسط (انظر الرسالة القشيرية ص٥٨ - ٦٠.
(٢) البداهة: ما يفجأ من الأمر.

.٩١
تفسير سورة يوسف
﴿وَهَذَآ أَخِىٌ﴾، وكأنه شَغَلَهم بقوله: ﴿وَهَذَّآ أَخِىّ﴾ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا
تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَهُوسَى﴾ [طه: ١٧] إنه سبحانه شَغَلَ موسى عليه السلام باستماع:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَهُوسَى﴾ [طه: ١٧] بمطالعة العصا في عين ما كوشِف به من
قوله: ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اَللَّهُ﴾ [طه: ١٤].
ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر في مقاساة الجهد والعناء فقال: ﴿إِنَّهُ مَن
بَنَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِينَ﴾.
وسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول لما قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
وَيَصْبِرْ﴾ أَحَالَ في استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر ... فأنطقهم الله حتى أجابوه
بلسان التوحيد فقالوا: ﴿تَأْللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ يعني ليس بِصَبْرِك يا يوسفُ ولا
بتقواك، وإنما هو بإيثارِ اللَّهِ إياك علينا؛ فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك. فقال يوسف -
على جهة الانقياد للحقّ: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمٌ﴾؛ فأسقط عنهم اللوم، لأنه لمَّا لم يَرَ
تقواه من نفسه حيث نَّهوه عليه نَطَقَ عن التوحيد، وأخبر عن شهود التقدير.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ تََللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾.
اعترفوا بالفضل ليوسف - عليه السلام - حيث قالوا: لقد آثرك الله علينا، وأكَّدوا
إقرارَهم بالقَسَمِ بقوله ﴿َاللَّهِ﴾ وذلك بعد ما جحدوا فَضْلَه بقولهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ
أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٍ مُّبِينٍ﴾، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد،
ومن شهد فما جحد.
ويقال لمَّا اعترفوا بفضله وأقرُّوا بما اتصفوا به من جُزْمِهم بقولهم: ﴿وَإِن كُنَّا
لَخَطِینَ﴾ وجدوا التجاوز عنھم حین قال یوسف:
﴿ قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾.
أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله: ﴿سَوْفَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ لأنه كان أشدَّ حباً لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب
فتجاوز عنهم على الوهلة، وفي معناه أنشدوا:
تركُ العتابِ إذا استحق أخ
مِنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ
ويقال أصابهم - في الحال - مِنَ الخجلة مقا مقام كلُ عقوبة، ولهذا قيل:
كفى للمقصّر الحياءُ يوم اللقاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُوفِى
بِأَهْلِكُمْ أَحْمَعِينَ﴾.

٩٢
تفسير سورة يوسف
البلاءُ إذا هَجَمَ هَجَمَ مَرَّةً، وإذا زال بالتدريج؛ حلَّ البلَاءُ بيعقوب مرةً واحدةً
حيث قالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّثْبُ﴾ ولما زال البلاءُ .. فأولاً وَجَدَ ريحَ يوسفَ عليه
السلام، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدي يوسف، ثم رؤية يوسف.
ويقال لمَّا كان سببُ البلاءِ والعمى قميصَ يوسف أراد اللَّهُ أن يكونَ به سَبَبُ
الخلاص من البلاء.
ويقال علمْ أن يعقوب عليه السلام - لِمَا يلحقه من فَرْطِ السرور - لا يطيقه عند
أخذ القميص فقال: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ﴾ .
ويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا
لوجدان ريح الأحباب .
ويقال كان العمى في العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجدَ الشفاءَ من
العمى .
ويقال لمَّا كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في الإلقاء على العين
التي في الوجه، وفي معناه أنشدوا :
وما بات مطوياً على أريحية عُقَيب النَّوى إلا فتّى ظلَّ مغرما
وقوله ﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: لما عَلِمَ حزنَ جميعَ الأهلِ عليه أراد أن
يشترك في الفرح جميعُ من أصابهم الحزن .
ويقال عَلِمَ يوسفُ أن يعقوبَ لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف
فاستحضَرَه، إبقاءً على حالِهِ لا إخلالاً لِقَدْرِهِ وما وَجَبَ عليه من إجلاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ قَالَ أَبُهُمْ إِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ﴾ .
ما دام البلاءُ مُقْبِلاً كان أمرُ يوسفَ وحديثُه - على يعقوب - مُشْكِلاً، فلما زالت
المحنة بعثرت بکل وجهٍ حاله.
ويقال لم يكن يوسف بعيداً عن يعقوب حين ألقوه في الجُبِّ ولكن اشتبه عنيه
خَبّرُه وحالُه، فلما زال البلاءُ وَجدَ ريحَه وبينهما مسافة ثمانين فرسخاً - من مصر إلى
كنعان .
ويقال إنما انفرد يعقوب عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند
فقدان يوسف، وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ
الأحبابِ إلا الأحبابُ، وأمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل .. إذ أنَّى يكون
للإنسان ربح!؟.
ويقال لفظ الريح ها هنا توسع، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ، ويقال إني لأَجِدُ ريح
الفتنة .. وغير ذلك.

٩٣
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ .
تَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه، فزادوا في الملامة
فقالوا : -
﴿قَالُواْ ثَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ .
قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة،
فوصفوه بالضلال في المحبة.
ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام،
وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سُنَّةُ الأحباب: مساءلة الديار
ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا :
إذا هي أقبَلتْ نحوكم بهُبُوب
وإنّي لأستهدي الرياح نسيمكم
فإنْ هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا
واسألها حَمْلَ السلامِ إليكمُ
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل
لَكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
لو أُلْقِيَ قميصُ يوسف على وجه مَنْ في الأرض مِنَ العميان لم يرتد بصرهم،
وإنما رجع بصرُ يعقوب بقميص يوسف على الخصوص؛ فإنَّ بَصَرَ يعقوبَ ذهب
الفراق يوسف، ولمَّا جاءوا بقميصه أَنْطَقَ لسانَه، وأَوْضحَ برهانَه، فقال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُل
لَّكُمْ إِنِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عن حياة يوسف، وفي معناه أنشدوا:
وَجْهُك المأمولُ حُجَّتُنا
يومَ يأتي النَّاسُ بالحجج
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَا خَطِينَ﴾ .
كلُّ إنسانٍ وهمُّه؛ وَقَعَ يعقوبُ ويوسفُ عليها السلام في السرور والاستبشار،
وأَخَذَ إخوةُ يوسف في الاعتذارِ وطَلَبَ الاستغفار .
ويقال إخوة يوسف - وإنْ سَلَفَتْ منهم الجفوة كلموا أباهم بلسان الانبساط
لتقديم شفقةِ الأبوةِ على ما سَبَقَ منهم من الخطيئة .
ويقال يوم بيوم؛ اليوم الذي كان يعقوب محزوناً بغيبة يوسف فلا جَرَمَ اليوم كان
يعقوب مسروراً بمقيص يوسف، وكان الأخوة في الخَجلة مما عملوا بيوسف.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وَعَدَهُم الاستغفارَ لأنه لم يَفْرَغْ من استبشاره إلى الاستغفار.
ويقال لم يُجِبْهُم على الوهلة ليدلَّهم على ما قَدَّمُوا من سوء الفَغْلةِ؛ لأن يوسفَ

٩٤
تفسير سورة يوسف
كان غائباً وقتئذٍ، فؤعدهم الاستغفارَ في المستأنف - إذا رضِي عنهم يوسف حيث كان
الحقُّ أكثرُه له، ولو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ
اَللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ .
اشتركوا في الدخول ولكن تباينوا في الإيواء فانفرد الأَبَوَان به لِبُعْدِهما عن
الجفاء، كذلك غداً، إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون في وجود الجنان، ولكنهم
يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُقَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُْيَىَ
مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا وَقَدْ﴾ .
أوقف كُلاَّ بمحلْه؛ فَرفَعَ أبويه على السرير، وتَرَكُ الإخوةَ نازلين بأماكنهم.
قوله: ﴿وَخَرُواْ لَمُ سُجَّدًا﴾: كان ذلك سجود تحيةٍ، فكذلك كانت عادتهم.
ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقُ الظاهر - لأنَّ قوله ﴿وَخَرُواْ﴾ إخبارٌ عن الجميع،
ولأنه كان عن رؤياه قد قال: ﴿إِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ
سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقال ها هنا: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُمْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَحْسَنَ بِيِّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدٍ أَن نَّزَغَ
الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِتَّ إِنَّ رَبٍِّ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ﴾.
شهد إحسانه فَشَكَرَه .. كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده.
وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر - لطول مدة السجن وقلة مدة البئر.
وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُزْم الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن ﴿ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَ
مِمَّا يَعُونَفِىّ إِلَيْهِ﴾. وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدىء يُرفَقُ به وفي السجن
فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال، وفي
معناه أنشدوا :
بقولٍ يحل العُضْم سهل الأباطح(١)
وأسررتني حتى إذا ما سَبَبْتَني
وغادرت ما غادرت بين الجوانح
تجافيتَ عنّي حين لا لي حيلة
وفي قوله: ﴿وَجَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإِخوته -
وإنْ كانوا أهل الجفاء، لأَنَّ الأَخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة.
(١) الأباطح: (ج) الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى والتراب.

٩٥
تفسير سورة يوسف
قوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَقِيَّ﴾ أظهر لهم أمرهم بما يشبه
العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال :
﴿بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِ﴾ يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث
قال: ﴿بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنِ﴾ .
ثم نطق عن عين التوحيد فقال: ﴿إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِمَا يَشَآءُ﴾ فبلطفه عصمهم حتى
لم يقتلوني .
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ اَلْأََّادِيثِ﴾.
في حرف تبعيض؛ لأن المُلك - بالكمال - لله وحده.
ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان: مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية، ومُلْكٌ
على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة.
ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاءَ على الخُلق، إنما المُلْكُ - على
الحقيقة - صفاءُ الخُلُق .
قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ﴾: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَآلْأَرْضِ أَنَتَ وَإِ، فِي الدُّنْيَا وَآَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِينَ﴾.
﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ - هذا ثناء، وقوله: ﴿تَوَقَّنِ﴾ - هذا دعاء.
فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء.
ثم قال: ﴿أَنَتَ وَلِ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَّةَ﴾ هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار.
ويقال معناه: الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ؛ فليس لي غيرك في
الدارين .
قوله: ﴿َتَوَقَِّ مُسْلِمًا﴾: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة.
وقيل من أمارات الاشتياق تمنّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه
السلام أُلْقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً،
وحُبِسَ في السجن سنينٍ فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر،
ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال:
﴿َتَوَقَِّ مُسْلِمًا﴾ (١) فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه).
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: عَلِمْتَ
أنَّا نلتقي فيما بعد الموت .. فلِمَ بكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟
(١) انظر الرسالة القشيرية ص٣٣١.

٩٦
تفسير سورة يوسف
فقال يعقوب، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً، خِفْتُ أن أسلك طريقاً وأنت تسلك طريقاً،
فقال يوسف عند ذلك: ﴿تَوَقَّتِ مُسْلِمًا﴾.
ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال: توفني مسلماً، فلا يبعد من حال
يعقوب أن لو قال: يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك، فلا
تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ: توفَّنِي مسلماً.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَغْرَهُمْ
وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ .
تبيّن للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجلٍ أميِّ لا يكون إلا
بتعريف سماويّ .
ويقال كونُ الرسولِ - بَّهِ - أُميًّا في أول أحواله علامةُ شَرَفِه وعلوٌ قذْرِه في آخر
أحواله، لأنَّ صِدْقَهُ في أن هذا من قِبَل اللَّهِ إنما عُرِفَ بكونه أميا، ثم أتى بمثل هذه
القصة من غير مدارسة كتاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَّوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
أخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حُكْمِه حكمته فيهم.
ويقال معناه: أَقَمْتُكَ شاهداً لإرادة إيمانهم، وشِدَّةِ الحِرصِ على تحقَّقِهِم
بالدِّين، وإيقانهم. ثم إنّ أعلم أنهم لا يؤمن أكثرُهم، وأخبرتك بذلكَ، وفُرِضَ عليكَ
تصديقي بذلك، وفرضتُ عليك إرادتي كونَ ما عَلِمْتُ أنه لا يكون من إيمانهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَيَّهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾.
هذه سُنَّةُ الله - سبحانه - مع أنبيائه حيث أَمَرَهُم بألا يأخذوا على تبليغ الرسالة
عِوَضاً ولا أجراً، وكذلك أمره للعلماءِ - الذين هم وَرثَةُ الأنبياء عليهم السلام - بأَلّا.
يأخذوا مِنَ الخُلقِ عِوَضاً على دعائهم إلى الله. فَمنْ أخذ منهم حَظا من الناس لم
يُبَارَكْ للمستمع فيما يسمع منه؛ فلا له أيضاً بركة فيما يأخذ منهم فتنقطع به.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُزُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا
مُعْرِضُونَ﴾ .
الآياتُ ظاهرة، والبراهين باهرة، وكلُّ جُزْءٍ من المخلوقات شاهِدٌ على أنَّه
واحد، ولكن كما أَنَّ مَنْ أَغْمَضَ عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك مَنْ قَصَّرَ في
نَظَرِه واعتباره لم يحظّ بعرفانه واستبصاره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ﴾ .
الشِّرْكُ الجَلَيُّ أن يَتَّخِذَ من دونه - سبحانه - معبوداً، والشّرْكُ الخفِيُّ أن يتخذ
بقلبه عند حوائجه من دونه - سبحانه - مقصوداً.

٩٧
تفسير سورة يوسف
ويقال شِرْكُ العارفين أن يتخذوا من دونه مشهوداً، أو يطالعوا سواه موجوداً.
ويقال مِنَ الشّركِ الخفيِّ الإحالةُ على الأشكال في تجنيس الأحوال، والإخلاد
إلى الاختيار والاحتيال عند تزاحم الأشغال.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَأَمِنُوْاْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَِّ أَ تَأْتِيَهُمُ الشَاعَةُ بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ﴾ .
أَفَأَمِنَ الذي اغتَرَّ بطول الإمهال ألا يُبْتلى بالاستئصال، أَفَأَمِنَّ مَنْ اغترَّ بطول
السلامة ألا يقوم البلاءُ عليه يومَ القيامة .
ويقال الغاشيةُ حجابٌ من القسوة يحصل في القلب، لا يزول بالتضرع ولا
ينقشِع بالتخشع .
ويقال الغاشيةُ من العذاب أن تزولَ من القلب سرعةُ الانقلاب إلى الله تعالى،
حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله في الطريق ما يوجب قنوطه من زواله، وفي
معناه أنشدوا :
قلتُ للنّفْسِ إِنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قَبْلُ أَنْ يُسَدَّ الْطريقُ
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيٍّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ أَنَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ الَهِ
وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
((البصيرة)): اليقين الذي لا مِرْيَةَ فيه، والبيان الذي لا شكَّ فيه. البصيرةُ يكون
صاحبُها مُلَاطَفاً بالتوفيق جَهْراً، ومكاشفاً بالتحقيق سِرًّا.
ويقال البصيرة أن تطلع شموسُ العرفانِ؛ فتندرجُ فيها أنوارُ نجومِ العقل.
قوله: ﴿أَنَّأْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ﴾ أي ذلك سبيلي، وسبيلُ مَنْ اقتدى بهديي فهو أيضاً
على بصيرة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
أَتَّقَوْاْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
تعجبوا أن يبعثَ اللَّهُ إلى الخلق بشراً رسولاً، فبيَّن أنه أجرى سُنَّتَه - فيمن تقدَّمَ
من الأمم - ألا يكونَ الرسولُ إليهم بَشَرّاً، فإما أن جحدوا جوازَ بعثةِ الرسولِ أصلاً،
أو أنهم استنكروا أن يبعث بشرّاً رسولاً .
ثم أَمَرهُم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنَّظَر فقال: ﴿أَفَمْ يَسِيرُوا فِى
اُلْأَرْضِ ... ﴾.

٩٨
تفسير سورة يوسف
قوله جل ذكره: ﴿حَتَّىَ إِذَا أُسْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا
فَنُِّىَ مَن ◌َّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اُلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِنَ﴾.
حتى إذا استيأس الرسلُ مِنْ إِيمانِ قومهم، وتَيَقُّنُوا أنهم كذبوهم - والظن ها هنا
بمعنى اليقين - فعند ذلك جاءهم نصرُنا؛ للرسل بالنجاةِ ولأقوامهم بالهلاك، ولا مَرَدَّ
لباسنا .
ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئاً من الأحوال إلا بعد يأسهم منها،
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُغَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]،
فكما أنّه يُنَزَّلُ المطَر بعد اليأسِ فكذلك يفتح الأحوالَ بعد اليأس منها والرضا
بالإفلاس عنها .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُذِى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
عِيْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام، وتأمينهم
أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أحسن إليهم، وأعتقهم حين مَلَكَهم.
وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى؛ فإن یوسف لمَّا ترك هواه رقّاه الله إلى ما
رقاه.
وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لمَّا تبعت
هواها لقيت الضرَّ والفقر.
وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ
العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالاً .
وعبرةً في العفو عند المقدرة، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته.
وعبرةٌ في ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء
يوسف عليه السلام.

السورة التي يذكر فيها «الرعد))
((بسم الله)) كلمةٌ سماعُها يُورِثُ لقوم طلباً ثم طرباً، ولقوم حزناً ثم هَرَباً، فَمَنْ
سَمِع بشاهد الرجاء طلب وجود رحمته فأذّنُه لها طَرَب، ومَنْ سَمِّعَ بشاهد الرهبة حزن
من خوف عقوبته ثم إليه هرب.
قوله جلّ ذكره: ﴿الْمَرَّ تِلْكَ مَنْتُ الْكِتَبِّ وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَيْكَ الْحَقُّ﴾ .
أقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إِنَّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرتُ
أَنِّي أُنَزِّلُ عليك .
فالألف تشير إلى اسم ((الله))، واللام تشير إلى اسم ((اللطيف))، والميم تشير إلى
(المجيد))، والراء تشير إلى اسم ((الرحيم)) قال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه
آياتُ الكتاب الذي أخبرتُ أني أنزله على محمد - وَ ﴾. ثم عَطَّفَ عليه بالواو قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِكَ الْحَقُّ﴾ هو حق وصدق، لأنه أنزله على نَبِّه ◌ِ وَل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
أي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به، فَهُمْ الأكثرون
عدداً، والأقلون قَدْراً وخَطَراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ التَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ثَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
دَلَّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفعُ السمواتِ وليس
تحتها عمادٌ يَشُدُّها، ولا أوتادٌ تُمْسِكُها. وأخبر في غير هذه المواضع أنه زَيَّنَ السماءَ
بكواكبها، وخصَّ الأرض بجوانبها ومناكبها .
و﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي احتوى على مُلْكِه احتواءَ قُدْرَةٍ وتدبير. والعرشُ هو
المُلْكُ حبث يقال: اندكَ عرشُ فلان إذا زال مُلْكُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمِّرْ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَنَّىَّ ... ﴾.
كلِّ يجري في فَلَكِ. ويدلُّ كل جزء من ذلك على أنه فِعلُ في مُلْكِه غير مشترك.
٩٩

١٠٠
تفسير سورة الرعد
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًّاً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ
فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى أَلَّيْلَ النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
بَسَطَ الأرضَ ودحاها، والجبالَ أرساها، وفَجَّرَ عيونها، وأجرى أنهارها،
وجَنَّسَ بِحارها، ونَوَّعَ من الحيوانات ما جعل البحرَ قرارها، وأنبت أشجارها، وصَنّفَ
أزهارَها وثمارَها، وكوَّر عليها ليلَها ونهارَها .. ذلك تقديرُ العزيز العليم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَغَخِيلٌ صِنْوَالٌ
وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيْتٍ لِّقَوْمِ
يَعْقِلُونَ﴾ .
فَمِنْ سبخ(١) ومن حَجَرٍ ومن رملٍ .. أنواع مختلفة، وأزواج متفقة. وزروع ونبات
وأشجار أشتاتَ، وأصل الكل واحد، فأجزاؤها متماثلة، وأبعاضها متشاكلة، ولكن جعل
بعضها غدقاً(٢)، وبعضها قشراً، وبعضها غُضْناً، وبعضها جذعاً، وبعضها أزهاراً،
وبعضها أوراقاً .. ثم الكلُّ واحد، وإن كان لكلُ واحدٍ طبعٌ مخصوص وشكلٌ
مخصوص، ولون مخصوص وقشر مخصوص مع أنها تُسْقَى بماءٍ واحدٍ؛ إذ يصل إلى كل
جزء من الشجر من الماء مقدارُ ما يحتاج إليه، ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴾ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبُّ قَوْهُمُّ أَوِذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٌ
أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَعْدَلُ فِىِّ أَعْنَافِهِمْ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَا
خَلِدُونَ﴾ .
وإن تعجبْ - يا محمد - لقولهم فهذا موضعٌ يَتَعَجَّبُ منه الخَلْقِ، فالعَجَبُ لا
يجوز في صفة الحقُّ، إذ إن التعجبَ الاستبعادُ والحقُّ لا يَسْتَبْعِدُ شيئاً، وإنما أثبت
موضعَ التعجب للخَلْقِ، وحَسَنٌ ما قالوا: ((إنما تعجب من حجب)) لأنَّ مَنْ يَنَلْ عيونَ
البصيرةِ لا يتعجَّبُ مِنْ شيء.
وقومٌ أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب
موافقتك له .
وإطلاق هذا - وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة - لا يجوز، والأدبُ السكوتُ
عن أمثال هذا. والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا: أعجبُ العجبِ قول ما لا يجوز في
وصفه العجب .. وإِنْ تعجّب.
(١) السَّبْخُ: المكان يسبخ فيُثْبِت الملح وتسوخ فيه الأقدام (لسان العرب ٢٤ مادة: سبخ).
(٢) الغدق: من العشب: بلله وريُّه. (اللسان ٢٨٢/١٠ مادة: غدق).