النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ تفسير سورة الأعراف يقل: عذابي أصيب به العصاة بل قال: ﴿مَنْ أَشَاءٌ﴾؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال: ﴿أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ﴾ فإذا شاء ألا يصيب به أحداً كان له ذلك، وإلا لم يكن حينئذٍ مختاراً. ثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال: ﴿وَرَحْمَنِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ لم يُعَلّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلَّما كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ مجانٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم ﴿شَىءٍ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ . أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزّه في ذاته . قوله ها هنا: ﴿لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ أي يجتنبون أَنْ يرو؛ الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم - استوجبوا الرحمة، ویحکم بها لهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بَِايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال. قوله جلّ ذكره: ﴿ الَّذِينَ يَفَِّعُونَ الرَّسُولَ النَِّنَّ الْأُنِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ الثَّوْرَةِ وَالْإِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِبَتِ وَيُحَرِمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ . أظهر شرفَ المصطفى - وَل9 - بقوله: ﴿النَّىَّ الْأَنِىَّ﴾ أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه، أو من تعلُّمه وتكلُّفه، أو من اجتهاده وتصرُّفه .. بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنَ قِبَله - سبحانه - فقد كان هو أميّاً غير قارئٍ للكتب، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ . ثم قال: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: والمعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في أوطان المُنَى، وما تصوّره للعبد تزويراتُ الدعوى. والفاصلُ بين الجسمين، والمميِّزُ بين القسمين - الشريعةُ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهي والزجرِ فليس لهم فعل ذلك. ٣٦٢ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ﴾ . الإصرُ الثُّقلُ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روح شهود التقدير، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر، وكُفِيَ كُلِّ وِزر وأمر. والأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزام طاعات الله ما لم يُفْتَرضُ عليهم، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهِمُ ومُثَّتِهم فيها؛ فأهملوها، ونقضواً عهودهم . ومَنْ لَقِيَ - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُو أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . اعترف لهم بنصرة الرسول - 9 - وإلا فالنبي ◌َّ كان الله حسيبه، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىِ، وَيُمِثٌ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ النَّبِيّ الأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِاَللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. صَرِّحْ بما رِفَيْنَاكَ إليه من المقام، وأفصِحْ عما لقيناك به من الإكرام، قُلْ إني إلى جماعتكم مُرسلٌ، وعلى كافتكم مُفَضَّل، وديني - لِمَنْ نظر واعتبر، وفكّر وسَبَرَ - مُفَصَّل. فإِلهي الذي لا شريكَ له ينازعه، ولا شبيهَ يُضَارِعه له حقُّ التصرف في مُلْكِه بما يريد من حكمه. ومن جملة ما حكم وقضى، ونفذ به التقدير وأَمْضى - إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذورا من ارتكاب ما يزجركم. وإِنَّ مما أَمَرَكُم به أنه قال لكم: آمِنوا بالنبي الأمّي، واتبعوه لتُفْلِحوا في الدنيا والعقبى، وتستوجبوا الزُّلفى والحسنى، وتتخلصوا من البلوى والهوى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ . هم الذين سبقت لهم العناية، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم الرحمةُ السابقةُ، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير، ولا خفي تبدیل . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَّعْنَهُمْ أَثْنَ عَثْرَةً أَسْبَالَمَا أُمَّمَّأْ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ أُسْتَسْقَدَهُ قَوْمُهُ أَنِ أَضْرِب يِّعَصَاكَ الْمَجَرِّ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً عَيْئًّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمّ وَهَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . ٣٦٣ تفسير سورة الأعراف فَرَّقهم أصنافاً، وجعلهم في التحزب أخيافاً، ثم كفاهم ما أَهَمهُم، وأعطاهم ما لم يكن لهم بُدُّ مِنه فيما نابَهم؛ فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحرِّ والبرد، وأنزلنا عليهم المَنَّ والسلَّوى مما نفى عنهم تعبَ الجوع والجهد والسعي والكد، وفجّرنا لهم العيونَ عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عياناً، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين، ولكن ليست العِبْرةُ بأفعال الخَلْقِ ولا بأعمالهم إنما المدارُ على مشيئة الحق، سبحانه وتعالى فيما يُمضِي عليهم من فنون أحوالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قِلَ لَهُمُ أَسْكُنُوا هَذِهِ أَلْقَرَّبَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْئَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِينَ﴾ . يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ألزمهم من التكليف، ولقّاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من شاءً منهم بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفاً، وأذاقهم من سوء الجزاء، حُكْماً - من الله - حتما، وقضاء جزماً . قوله جلّ ذكره: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَدِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ . جاء في التفسير أنهم زادوا حرفاً في الكلمة التي قيلت لهم فقالوا: حنطة بدل ((حِطَّة)) فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفاً أن الزيادةَ في الدِّين، والابتداعَ في الشرع عظيمُ الخَطَرِ، ومجاوزةُ حدِّ الأمر شديدُ الضرر. ويقال إذا كان تغييرُ كلمةٍ هي عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب - فما الظنُّ بتغيير ما هو خبرٌ عن صفات المعبود؟ ويقال إنَّ القولَ أَنْقَصُ من العمل بكلِ وجهٍ - فإذا كان التغيير في القول يُوجِبُ كلَّ هذا .. فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟. قوله جلّ ذكره: ﴿وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَِّى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي الشَّتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ . كان دينهم الأخذ بالتأويل، وذلك رَوَغَانٌ(١) - في التحقيق، وإن الحقائق تأبى إلا الصدق، وإنَّ التعريج في أوطان الحظوظ والجنوحَ إلى محتملات الرُّخَص فسْخٌ (١) رواغه: خادعه، وصارعه. ٣٦٤ تفسير سورة الأعراف لأكيد مواثيق الحقيقة، ومن شاب شوِّبَ له، ومن صَفَّى صفي له. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًاً قَالُواْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَيَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ . الحقائق - وإن كانت لازمة ــ فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذِرةٌ بل الوجوبُ يُفْتَرَضُ شرعاً، وإن كان التقدير غالباً بكل وجه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِةٍ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ أَلُوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ يَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ . إذا تمادى العبد في تَهُّكِه، ولم يُبالِ بطول الإمهال والسَّتْر لم تُهْمِلْ يدُ التقرير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر. ثم البرءُ في فضاء السلامة، وتحت ظِلْ الحفظ، ودوام روح التخصيص وبَرْدٍ عيش التقريب . قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَّا عَتَوْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةٌ خَسِينَ﴾. إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبدُ من عين الله لم ينتعشْ بعده أبداً، فمن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبول له بعد الردِ، وفي معناه أنشدوا : إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تُقْبِلُ إذا انصرفَتْ نفسي من الشيء لم تگذ قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْتَعَثَنَ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَدِمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَّءَ اَلْعَذَابُّ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْمِغَابِ وَإِنَّمُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. إذا الحقُّ - سبحانه - أمضى سُنَتَه بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كلُّ أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداءً للعذر ــ وإنْ جلت رتبته عن كل عذر - فإِنْ يَنْجَعْ فيهم القولُ وإلا دَمَّرَ عليهم بالعذاب . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْخَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومَعَاصٍ وفساد. ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محنٍ أزاحها، ومن مِنَنٍ أتاحها، وطالبهم بالشكر على ما أسدى، والصبرٍ على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرَهم في الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق؛ فأمَّا الحسناتُ فهي ما يُشْهِدهم المُجْرِي، ولا يُلْهِيهم عن المُبْدي، وأمَّا السيئاتُ فالتردد بين الإنجاز والتأخير، والإباحة والتقصير. ٣٦٥ تفسير سورة الأعراف ويقال الحسنة أن يُنْسِيَك نفسك، والسيئةُ أَنْ يُشْهِدَكَ نفسك. ويقال الحسنات بتيسير وقتٍ عن الغفلات خالٍ، وتسهيل يوم عن الآفات بائن. والسيئاتُ التي ابتلاهم بها خذلانٌ حاصل وحرمانٌ متواصل. قوله جلّ ذكره: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغَفَرُ لَنَا﴾ . استوجبوا الذم بقوله - سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ لأنهم آثروا العَرَض الأدنى، وركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. ويقال من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة، والاغترارُ بزمان المُهْلة، وحَمْلُ تأخيرٍ العقوبة على استحقاق الوصلة .. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلٌ يَأْخُذُوهُ﴾. أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى، وإيثار متابعة الهوى. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ◌ِيَتَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا﴾. استفهام في معنى التقرير، أي أُمِروا ألا يَصِفُوا الحقَّ إلا بنعت الجلال، واستحقاق صفات الكمال، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأتِ منه خبر، ولم يشهد بصحته برهانٌ ولا نظر . قوله جلّ ذكره: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان. يعني التعرضُ لنفحات فضله - سبحانه - خيرٌ لمن أَمَّلَ جودَه من مقاساة التعب ممن بَذَّلَ - في تحصيل هواه - مجهوده . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. يمسكون بالكتاب إيماناً، وأقاموا الصلاة إحساناً، فبالإيمان وجدوا الأَمَان، وبالإحسان وجدوا الرضوان؛ فالأَمَانُ مُعَجَّل والرضوان مؤجل. ويقال ﴿يمسكون بالكتاب﴾ سبب النجاة، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة. فالنجاة في المآل والمناجاة في الحال . ويقال أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة الطاعات ليُعْلمَ أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُصِْينَ﴾. ٣٦٦. تفسير سورة الأعراف مَنْ أَمَّلَ سببَ إنعامنا لم تَخْسِرْ له صفقة، ولم تخْفِق له في الرجاء رفقة، ويقال من نقل ( ... )(١) إلى بابه قَدَمَه لم يَعْدم في الآجل نِعمَهَ، ومَنْ رَفَعَ إلى ساحاتٍ جوده هِمَمَه نالَ في الحالِ کرمه . ويقال مَنْ تَوَصَّلَ إليه بجوده نال في الدارين شَرَفَه. ومن اكتفى بجوده كان اللَّهُ عنه خَلَفَه . قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَإِذْ نَقْنَا الَْلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآَ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِهِ لَعَلَّكٌ نَتَّقُونَ﴾ . ليس من يأتي طوعاً كمن يأتي جَبْراً، فإن الذي يأتي قهراً لا يعرف للحق - سبحانه - قدراً، وفي معناه أنشدوا: فلا خير في ود يكون لشافعٍ إذا كان لا يرضيك إلا شفاعة وأنشدوا : أَخْطُّ بأقلامي على الماء أَخْرُفَا إذا أنا عاتبتُ الملولَ فإنَّما ألم يكن تودده طبعاً، فصار تكلُّفا؟ وَهَبْهُ ازْعَوَى بعد العتاب ويقال قصارى من أتى خيراً أن ينكص على عقبيه طوعاً، كذلك لمَّا قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف. قوله جلّ ذكرِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَيْكُمْ قَالُواْ بَلُ شَهِدْنَُّ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَوْ نَقُولُواْ إِّآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَحَكُنَّا ذُرِيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ . أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج(٢) ودِّه، بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا: كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها سُقياً لليْلَى والليالي التي يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها أفديكِ بل أيامُ دهري كلها ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرّ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وصَادَفَ قلبي فارغاً فتمكنًّا (١) بياض في الأصل. (٢) العِنَّاج: خيط أو سَير يُشّد في أسفل الدلو ثم يُشد في عروتها أو عرقوتها (اللسان ٣٣٠/٢). ٣٦٧ تفسير سورة الأعراف ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال. وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم . ويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود. ويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة ( ... )(١). ويقال تجلّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا: ((بلى)) عن حاصل يقين، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطانَ الجحد فقالوا: ((بلى)) عن ظنٍ وتخمين. ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فَجَذَبَ قلوبَ قومٍ إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم منَ العيان وكاشفهم به من الأسرار. ويقا فرقةٌ ردّهم إلى الهيبة فهاموا، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا. ويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم. ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، رقم عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً . ويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكْرِ مَا سَلَفَ لهم من العهد المتقدم. ويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود . ويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَّفَة . (١) بياض في الأصل. ٣٦٨ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . إذا سُدَّت عيونُ البصائر فما ينفع وضوح الحُجَّة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ . الحقُّ - سبحانه - يظهر الأعداء في دار الخُلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القسمة، ويُبْرِزُ الأولياء بنعتِ الخلاف والزَّلَّة، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة. ويقال أقامه في محل القربة، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعدَّ له من سابق التقدير؛ فأصبح والكلّ دونه رتبة، وأمسى والكلب فوقه - مع خساسته .. وفي معناه أنشدوا : فبينا بخيرٍ والدُّنى مطمئنة وأصبح يوماً - والزمان تَقَلَّبَا ويقال ليست العِبْرَةُ بما يلوح في الحال، إنما العبرة بما يؤول إليه في المآل. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْتَهُ بِهَا﴾ . لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلْحَقْه الشقاوةُ الأبدية، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق. قوله جل ذكره: ﴿وَلَكِنَّهُ، أَغْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. إذا كانت مساكنةُ آدم للجَنَّةِ وَطمُعُه في الخلود فيها أوجبا خروجَه عنها، فالركونُ إلى الدنيا - متى يوجب البقاء فيها؟. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّبَعَ مَوَةٌ﴾ . موافقة الهوى تُنْزِلُ صاحبَها من سماءِ العِزِّ إلى تراب الذُّل، وتلقيه في وهدة الهوان؛ ومن لم يُصَدِّقِ عِلْماً فعن قريبٍ يقاسيه وجوداً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَلُمُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾. من أخلاق الكلب التعرُّضُ لِمَنْ لم يُخِفْه على جهة الابتداء، ثم الرضاء عنه بلقمة .. كذلك الذي ارتدَّ عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر، سيئ الخُلُق، يبدأ بالجفاء كُلَّ بريءٍ، ثم يهدأ طياشه بِنَيْل كُلِّ عَرَضٍ خسيس. قوله جلّ ذكره: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ بَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَاْ فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَمَلَّهُمْ يَتَتَكَّرُونَ﴾ . المحجوب عن الحقيقة عنده الإساءةُ والإحسانُ (سيان)(١)، فهو في الحالين: (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. ٣٦٩ تفسير سورة الأعراف إمَّا صاحب ضَجَر أو صاحب بَطَر؛ لا يحمل المحنة إلا زوال الدولة، ولا يقابل النعمة إلا بالنهمة، فهو في الحالين محجوبٌ عن الحقيقة. ويقال الكلب نجاسته أصلية، وخساسته كلية، كذلك المردوده في الصفة؛ له نقصان القيمة وحرمان القسمة . قوله جلّ ذكره: ﴿سَءَ مَثَلًا الْقَوْمُ اَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ . أي صفته أدنى من نعتى من بُلِيَ بالإعراضِ الأزليِّ، وأُّ نعتٍ أعلى من وصف مَنْ أُكْرِمَ بالقبول الأبديّ؟ وأيُّ حيلةٍ تنفع مع مَنْ يخلق الحيلة؟ وكيف تَصِحُّ الوسيلةُ إلا لمن منه الوسيلة؟ . قوله جل ذكره: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾. ليست الهدايةُ من حيث السعايةَ، إنما الهداية من حيث البداية، وليست الهداية بفكر العبد ونَظَرِه، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ﴾. مَنْ خَلَقه لجهنم - متى يستوجب الجنَّاتِ؟ ومَنْ أَهْلَه للسخطة - أَنَّى يستحق الرضوان؟ ولولا انسداد البصائر وإلا فأيُّ إشكالٍ بقي بعد هذا الإيضاح؟ ويقال هم - اليومَ - في حجيم الجحود، مُقَرَّنين في أصفاد الخذلان، مُلْبَسِين ثياب الحرمان، صعامُهم ضريع الوحشة، وشرابهم خميم الفرقة، وغداً هُمْ في جحيم الحرقة كما فَصَّلَ في الكتاب شرعَ تلك الحالة. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنَّ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ مَانَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ وَ أُوْلَ كَالْأَنْعَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. أي لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهم المُحَدَّثون، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان، ولهم أعينٌ لا يُبْصِرون بها شواهدَ التوحيد وعلاماتٍ اليقين؛ فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة، ولا ينخرطون إلا مع من سلك ركوب الشهوة. ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَِ بَلْ هُمْ أَضَلٌّ﴾: لأنَّ الأَنْعَامَ قد رُفِعَ عنها التكليفُ، وإن لم يكن لها وِفاقُ الشرع فليس منها أيضاً خلاف الأمر. والأنعامُ لا يَهُمُّها إلا الاعتلاف، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس، فكذلك مَنْ أُقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النّفْس، وفي معناه أنشدوا: وليلك نوم والرَّدى لك لازِمٌ نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ ٣٧٠ تفسير سورة الأعراف كذلك فى الدنيا تعيش البهائمُ وسعيك فيها سوف تكره غِبَّه قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِّهِ آلْأَمْمَاءُ اَلْنَ فَأَدْعُوهُ بِهَّا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلِْدُونَ فِىَ أَسْمَنَّهِ. سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . سبحان مَنْ تعرَّف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرَّفهم أنه مَنْ هو، وبأي وصفٍ هو، وما الواجب في وصفه، وما الجائز في نعته، وما الممتنع في حقّه وحكمه؛ فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته، فإن العقولَ محجوبةٌ عن الهجوم بذواتها بِمَا يَصِحُّ إطلاقُه في وصفه، وإنْ كانت واقفةً على الواجب والجائز والممتنع في ذاته، فللعقل العرفان بالجملة، وبالشرع الإطلاق والبيان في الإخبار، والقول فيما وَرَدَ به التوفيق يُطْلَقِ، وما سَكَتَ عنه التوفيق يُمْنَعِ. ويقال مَنْ كان الغالب عليه وصفٌ من صفاته ذَكَره بما يقتضي هذا الوصف؛ فمن كان مكاشَفاً بعَطائه، مربوطَ القلبِ بأفضاله فالغالبُ على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمُعْطِي وما جرى مجراه. ومن كان مجذوباً عن شهود الإنعام، مكاشفاً بنعت الرحمة فالذي يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما في معناه. ومَنْ سَمتْ هِمَّتُه عن شهود وجوده، واستهلك في حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق. ولذلك فأكثر أقوال العلماء في الإخبار عنه: ((البارىء)) لأنهم في الترقي في شهود الفعل إلى شهود الفاعل. وأمَّا أهل المعرفة فالغالب على لسانها ((الحق)) لأنهم مُخْتَطفُون عن شهود الآثار، متحققون بحقائق الوجود. وقال إنَّ الله - سبحانه - وقف الخلق بأسمائه فهم يذكرونها قالةً، وتعزّزً بذاته، والعقول - وإنْ صَفَتْ لا تهجم على حقائق الإشراف، إذ الإدراك لا يجوز على الحق؛ فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات، والأبصار حسيرةٌ عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية، والحق سبحانه عزيز، وباستحقاق نعوت التعالي مُتَفَّرَد. قوله: ﴿وَذَرُواْ أَلَّذِينَ يُلْسِدُونَ فِي أَسْمَنْبِهِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: الإلحاد هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِتَنْ خَلَقْنَا أُنَّةٌ يَبْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بألا يُخْلِيَ البسيطةَ من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق في الظهور، وفي معناه قالوا: فمن ذايديرها؟ إذا لم يكن قطب فهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق، ويدلون على الحق، ويتحركون بالحق، ٠ ٣٧١ تفسير سورة الأعراف ويسكنون للحق بالحق، وهم قائمون بالحق؛ يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخَلْقِ؛ بهم يُسْقَوْنَ إذا قحطوا، ويُمْطَرون إذا أجدبوا، ويُجَابُون إذا دَعَوْا. قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَدْنَا سَنَّْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِ لَهُمَّ إِنَّ گیدِی مَتِینُ ﴾ . الاستدراج أن يلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة، وفي الحقيقة: السابقُ لهم من القسمة حقائقُ الفُرقة . ويقال الاستدراجُ انتشار الصيت بالخير في الخلق، والانطواء على الشر - في السر - مع الحق. ويقال الاستدراج ألا يزداد في المستقبل صحبةً إلا ازداد في الاستحقاق نقصان رتبة . ويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال، ولو كان صادقاً في حاله لكان معصوماً في أعماله. ويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معانٍ مريضة. ويقال الاستدراج إفاضة البِرٍ مع ( ... )(١) الشكر. قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَّكَّرُواْ مَا بِصَاحِيهِم ◌ِن حِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله - عليه السلام - ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص. ويقال إن برود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - كانت بنسيم القربة معطرة، ولكن لا يُذْرَكُ ذلك النَّشْرُ إلا بِشَمِّ العرفان، فمَنْ فَقَدَ ذلك - فأي خبر له عن حقيقة حاله - صلوات الله عليه . قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ اَلَّمَوَتِ وَآلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَهْءٍ﴾. أطلع الله - سبحانه - أقمار الآيات، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات؛ فَمَنْ استضاء بها ترَّقى إلى شهود القدرة. ويقال ألاح الله تعالى - لقلوب الناظرين بعيون الفكر - حقائقَ التحصيل؛ فَمَنْ لم يُعَرُّج في أوطان التقصير أَنْزَلَتْه مراكبُ السِّرِّ بساحات التحقق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْ عَوَ أَن يَكُونَ قَدِ أَقْرَبَ لَبَلُهُمْ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَمُ يُؤْمِنُونَ﴾ . الناس في مغاليط آمالهم ناسون لو شيك آجالهم، فكم من ناسج لأكفانه! وكم من بانٍ لأعدائه! وكم من زارعٍ لم يحصد زرعه! (١) بياض في الأصل. ٣٧٢ تفسير سورة الأعراف هيهات! الكبش يعتلف والقَصَّابُ مسْتَعِدُّ له ! . ويقال سرعة الأَجَل تُتَغِّص لذة الأمل . قوله جل ذكره: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ نَّمُّ وَيَذَرُهُمْ فِ تُغْيَِّهِمْ يَعْمَعُونَ﴾. منْ حرمة أنوار التحقيق فهو في ضباب الجهل، فهو يَزِلُّ يميناً ويسقط شمالاً. قوله جل ذكره: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةٍ أََّنَ مُهْسَنَّهَّا قُلْ إِنََّا عِلْمُهَا عِنْدَ رَّبِي لَا يُحِيهَا لِوَقِيّاً إِلَّا هُوَ نَقُلَتْ فِ التَّمَوَيِّ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ يَسْئَلُونَكَ كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ السائلُ عن الساعةِ رجلان؛ مُتْكِرٌ يتعجَّبُ لفَرْطِ جهله، وعارِفٌ مشتاقٌ يستعجل لِفَرْطِ شوقه، والمتحقق بوجوده ساكِنٌ في حاله؛ فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة. ويقال الحق - سبحانه - استأثر بعلم الساعة؛ فلم يُطلِع على وقتها نَبيًّا ولا صفيًّا، فالإيمان بها غيبيُّ، ويقين أهل التوحيد صادق عن شوائب الرِّيب. ثم مُعَجَّل قيامتهم يُوجِبُ الإيمانَ بمؤجَّلها(١). قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ الَهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اُلْغَيْبَ لَأَنْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَفِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . أَمَره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومُنثَّهِ، وأن قيامه وأمرَه ونظامّه بطول ربِّه ومتَّه؛ ولذلك تتجئَّسُ عليَّ الأحوال، وتختلف الأطوار؛ فَمِنْ عُسْرٍ يَمَسُّني، ومِنْ يسرٍ يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بِيدٍ غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر. قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ . أخرج النَّسَمة من نَفْسٍ واحدة وأخلاقهم مختلفة، وهممهم متباينة، كما أن الشخص من نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاؤه مختلفة. فَمَنْ قَدِرَ على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخَلْق الذين أخرجه من نَفْس واحدة. قوله جلّ ذكره: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَفَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَمَا أَنْقَلَت دَعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَدِلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ﴾. (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٧٨ قال القشيري في حديثه عن الوصية للمريدين: الناس إما أصحاب النقل والأثر، وإما أرباب العقل والفكر، وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور، والذي للخلق من المعارف مقصود، فلهم من الحق سبحانه موجود، فهم أهل الوصال، والناس أهل الاستدلال. ٣٧٣ تفسير سورة الأعراف ردَّ المِثْل إلى المِثْل، وربط الشّكلَ بالشكل، ليَعْلَمَ العالمون أن سكون الخلق مع الحقُ لا إلى الحق، وكذلك أنسل الخلق من الخلق لا من الحق، فالحقُّ تعالى قدوس؛ منه كل حظ للخلق خلقاً، منزه عن رجوع شيءٍ إلى حقيقته حقاً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنْهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاْ فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . شرُّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع والبكاء، فإذا أزيلت شكاتِه، ودُفِعت - بِمِنثَّهِ - آفاتُه ضيَّعَ الوفاء، ونَسِيَ البلاء، وقابل الرُّفْدَ بنقض العهد وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم، وخرطهم في سِلْك أهل الرد. قوله جلّ ذكره: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُعْلَّقُونَ﴾ . كما لا يجوز أن يكون الربُّ مخلوقاً لا يجوز أن يكون غير الرب خالقاً، فَمَنْ وَصَفَ الحقَّ بخصائص وصف الخلق فقد ألْحَدَ، ومَنْ نَعَتُ الخلَّقَ بما هو من خصائص حق الحق فقد جخد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَمْ نَصْرًا وَلََّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾. مَنْ حَكَمَ بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعاً إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فَمُضَاهٍ الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ﴾. المعبودُ هو القادر على هداية داعيه، وعِلْمُ العبد بقدرة معبوده يوجِبُ تَبَرِّيه عن حوله وقوته، وإفراد الحق - سبحانه - بالقدرة على قضاء حاجته، وإزالة ضرورته فتقاصر عن قعصدِ الخلق خطاه، وتنقطع آماله عن غير مولاه. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾. إذا قُرِنَتْ الضرورةُ بالضرورة تضاعف البلاء، وترادف العناء؛ فالمخلوق إذا استعان بمخلوقٍ مثلِه ازداد بُعْدُ مرادِه عن النّجح. وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! هيهات! إن ذلك خطأ من الظن، وباطل من الحسبان. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَهُمْ أَرَجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِّ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنَّ يُّصِرُونَ بِهََّّ أَمْ لَهُمْ ءَذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. ٣٧٤ تفسير سورة الأعراف بيَّن بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونَهم فيما اعتقدوا فيه صفة المدح، ثم لم يعبد بعضهم بعضاً، فكيف استجازوا عبادةَ ما فاقهم في النقص؟ . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَّكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُظِرُونِ﴾ . صدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله، كيف لا .. والمتفرّدُ بالقدرة - على النفع والضرر، والخير والشر - اللَّهُ؟ قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ وَلِغِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبِّ وَهُوَ يَنَوْلَى الصَّلِينَ وَلَِّينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ . مَنْ قام بحقِّ الله تولَّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى مثاله، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلَّا أجراه على ما يريده بِحُسْنٍ أفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبدَ راضياً بما يفعل، ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء عل القلوب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ . شاهدوه بأبصارهم لكنهم حُجِبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فَلَمْ يُعْتَدَّ برؤيتهم . ويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات الغيب، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان . قوله جلّ ذكره: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِآلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾. من خصائص سُنَّةِ الله في الكرم أنه أمر نبيَّه - صلوات الله عليه وعلى آله - بالأخذ به، إذ الخبر وَرَدَ بأنَّ المؤمن أخذ من الله خُلُقاً حسناً. وكلما كان الجُرْمُ أكبرَ كان العفو عنه أجرَّ وأكمل، وعلى قَدْرٍ عِظَم رتبة العبد في الكرم يتوقف العفو عن الأصاغر والخدم، قال النبي ◌َّل في الجراحات التي أصابته في حرب أحد (١): ((اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون)) (٢). (١) أَحُد: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، بينه وبين المدينة قرابة ميل شمالها وعنده كانت الوقعة الفظيعة التي قُتل فيها حمزة عم النبي ◌َّله وسبعون من المسلمين، وكسرت رباعية النبي ◌َّاد، وشج وجهه الشريف، وكُلِمت شفته، وكان يوم بلاء وتمحيص، وذلك لسنتين وتسعة أشهر وسبعة أيام من مهاجرة النبي ﴿له، وهو في سنة ثلاث. (معجم البلدان ١٠٩/١). (٢) أخرجه البخاري في (الصحيح ٢١٤/٤)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٤٤١/١)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١١٧/٦)، والطبري في (التفسير ١٣/١)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٣/ ٤١٩)، والقرطبي في (التفسير ١٩٩/٤، ٢٧٣/٨، ١٥٦/١٤)، والقاضي عياض في (الشفا ١/ ٢٢٢)، والطحاوي في (مشكل الآثار ١٨٩/٣)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٣١٣/١، = ١ ٣٧٥ تفسير سورة الأعراف قوله ﴿وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء، وبذلك عامل الرسول - صلى الله عليه وعلى آله - الناسَ. قوله: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾: الإعراض عن الأغيار بالإقبال عن من لم يَزْل ولا يزال، وفي ذلك النجاة من الحجاب، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنَّا يَغْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِلَلَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . إنْ سَنَح في باطنك من الوساوس أَثَرٌ فاستعِذْ بالله يدركك بحسن التوفيق، وإِنْ هَجَسَ في صدرك من الحظوظ خاطر فاستعِذْ بالله يدركك بإزالة كل نصيب، وإنْ لَحِقَتْكَ في بذل الجهد فَترَةٌ فاستعذ بالله يدركك بإِدامة آلائه، وإنْ اعْتَرَتْكَ في الترقي إلى محل الوصول وقفةٌ فاستعِذْ بالله يدركك بإدامة التحقيق، وإنْ تقاصر عنك شيء من خصائص القرب - صيانةً عن شهود المحل - فاستعِذْ بالله يُثْبِتك له بدلاً مِنْ لَكَ بِكْ. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَُّهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾ . إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله؛ لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارم نبوة، ولكلّ عالم هفوة، ولكل عابدٍ شدة، ولكل قاصدٍ فترة، ولكل سائر وَقمة، ولكل عارفٍ حجبة، قال وَّر: ((إنه لُيغَان على قلبي ... ))(١) أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيره، وقال ◌َ: ((الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي))(٢)، فأخبر أنَّ الأمة - وإنْ جَلَّتُ رُثْبَتَهُم لا ٠٦٨/٣- ٢٨٣)، (مناهل الصفا ١٦)، والآجري في (الشريعة ٤٦٠)، والسيوطي في (الدر المنثور ٣/ ٩٥)، والطبراني في (المعجم الكبير ١٤٦/٦ - ٢٠١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٤/٥، ٩٣/٧ - ١٠٨ - ٣٦٠، ٢٥٨/٨)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٩٨٨٣ - ٣٥٥٦٣)، والسيوطي في (جمع الجوامع ٩٧٩٩ - ٩٨٧٢) وابن حجر في (فتح الباري ٧/ ٣٧٣، ٢٨٢/١٢)، والبيهقي في (دلائل النبوة ٢١٥/٣). (١) أخرجه مسلم في الصحيح (الذكر ٤١)، وأبو داود في (السنن ١٥١٥)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢١١/٤، ٢٦٠)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٥٢/٧)، والطبراني في (المعجم الكبير ١/ ٢٨٠)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٢٣٢٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥/ ٥٧، ٨/ ٢٩٩، ٥١٧، ٥٩/٩ - ٦٢٨)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٤٣/٢) (البغوي ١٨٠/٦)، والسيوطي (الدر المنثور ٦٣/٦)، والألباني في (فتح الباري ١٠١/١١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٠٧). (٢) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ١٩٤/١١)، وأبو نعيم في (تاريخ أصفهان ٧/٢ - ٦١) والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٨٠١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٣/٨)، وابن حجر في= ٣٧٦ تفسير سورة الأعراف يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم، فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْغَيْ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ . إخوانُ الشيطانِ أربابُ دوام الغيبة؛ فهم في كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة؛ فمنهم بالزَّلَّةَ مَنْ لم يُلِمْ، أَو أَلَّم ولكن لَم يُصِرّ فهم خِيارِه، ومنهم مَنْ غَفَلَ واغترَّ. وعلى دوام العيبة أَصَرَّ - فهم المحجوبون قطعاً، والمُبْعَدُون - عن محلٌ القربِ - صدًّا وردًّا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِّايَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْنَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَِّعُ مَا يُوحَىَ إِلَ مِن زَّبِىُّ هَذَا بَصَآِرُ مِن رَّبِِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْرِ يُؤْمِنُونَ﴾ . مَنْ شَاهَدَ الحقَّ من حيث الخلق سقط في مهواة المغاليط، فهو في متاهات الشَّكُ يجوب منازلَ الرِّيب، ولا يزداد إلا عمى على عمىّ. ومَنْ طالَعَ الخَلْق بعين تصريف القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا في معرض اختيار الحق لهم، فهو ينظر بنور البصيرة، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِكَ الْقُرْءَانُ فَأْسْتَمِعُوْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾ . اسْتَمِعُوا بسمع الإيمان والتصديق، وأنْصِتوا (بصون) الخواطر عن معارضات الاعتراض، ومطالباتَ الاستكشاف. ومن باشرَ التحقيقُ سِرَّه لازم التصديقُ قلبَه . والإنصات - في الظاهر - من آداب أهل الباب، والإنصات - بالسرائر - من آداب أهل البساط، قال الله تعالى في نعت تواصي الجنّ بعضهم لبعض عند شهود الرسولِ بَل﴿ ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوَاْ أَنْصِتُواْ﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ فإذا كان الحضور إلى الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزومُ الهيبة وحفظُ الأدب عند حضور القلب بشهود الربُ أولى وأَحَق، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَسْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوّلِ ◌ِلْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِنَ الْغَفِلِينَ﴾ . التضرعُ إذا كوشِفَ العبدُ بوصف الجمال في أوان البسط، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة، وهذا للأكابر. (المطالب العالية ٣٢٣١)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ٣٦٤)، والعجلوني في (كشف = الخفاء ٣٦٥/١ - ٤٢٢)، وابن عزاق في (تنزيه الشريعة ٢/ ٤٠٤)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ١١٤٨/٣)، والفتني في (تذكرة الموضوعات ١٩٠)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية ٢٤٧/٢)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٧٤)، والألباني في (السلسلة الضعيفة ٢٦). ٣٧٧ تفسير سورة الأعراف فأمَّا مَنْ دونَهم فَتَنوُّعُ أحوالهم من حيث الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناء، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مُثْبَتُون في أوطان التمكين، فلا تَلَوُّنَ لهم ولا تجنُّسَ لقيامهِم بالحق، وامتحائهم عن شواهدهم . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ . أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم، وهذه سُنّة الله تعالى مع خواص عباده؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق لئلا يُخِلُّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة . السورة التي تذكر فيها الأنفال قال الله تعالى : بسم الله إخبار عن قدرته على الإبداع والاختراع، الرحمن الرحيم إخبار عن تصرفه بالإقناع وحُسْنِ الدُّفاع؛ فبقدرته أوجد ما أوجد من مراده، وبنصرته وَخَّد مَنْ وخَّد. قوله جلّ ذكره: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . الأنفال ها هنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين، وكان سؤالهم عن حكمها، فقال الله تعالى: قُلْ لهم إنها للَّهِ مِلْكاً، ولرسوله - عليه السلام - الحُكْمُ فيها بما يقضى به أمراً وشرعاً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ . أي أجيبوا لأمر الله، ولا تطيعوا دَوَاعِيّ مناكم والحكم بمقتضى أحوالكم، وابتغوا إيثارَ رضاء الحقُّ على مراد النَّفْس، وأصلحوا ذات بَيْنِكم، وذلك بالانسلاخ عن شُحّ النَّفْس، وإيثار حقِّ الغير على مَالَكُم من النصيب والحظْ، وتنقية القلوب عن خفايا الحَسَد والحقد. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَأَطِيعُواْ أَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ . أي في الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد. قوله جلّ ذكره: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. أي سبيلُ المؤمنِ ألا يخالفَ هذه الجملة. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوََّلُونَ﴾ . الوَجَلِ شِدَّة الخوف، ومعناه ها هنا أَن يُخْرِجَهم الوَجَلُ عن أوطان الغفلة، ويزعجهم عن مساكن الغيبة. فإِذا انفصلوا عن أودية التفرقة وفاؤوا إلى مَشَاهِدِ الذكر ٣٧٨ ٣٧٩ تفسير سورة الأنفال نالوا السكون إلى الله - عز وجل؛ فيزيدُهم ما يُتْلَى عليهم من آياته تصديقاً على تصديق، وتحقيقاً على تحقيق. فإذا طالعوا جلال قَدْرِهِ، وأيقنوا قصورهم عن إدراكه، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم. ويقال سُنَّة الحقُّ - سبحانه مع أهل العرفان أن يُرَدِّدَهم بين كَشْفِ جلالٍ ولُطْف جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وَجِلَتْ قلوبُهم، وإذا لاطفهم بجماله سَكَنَتْ قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروح وصاله. وذكر الفراق يُفْنيهم وذكر الوصال يُضحیھم ويُخییھم . ويقال الطالبون في نَوْح رهبتهم، والواصلون في روح قربتهم، والموحّدون في محو غيبتهم؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقتٍ مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع، ولا لهم إحساس فَتَمْلِكُهم لذة؛ إذ لَّما اصْطُلِمُوا ببوادهِ ما مَلَكَهُمْ فَهُمْ عنهم مَحْوٌّ، والغالبُ عليهم سواهم. قوله جلّ ذكره: ﴿اَلَِّينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ أُوْلَتِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ لَهُمْ دَرَجَتُّ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . لا يرضَوْن في أعمالهم بإخلال، ولا يتصفون بجمْع مال من غير حلال، ولا يُعَرِجون في أوطان التقصير بحال، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل. ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقٌّ﴾ أي حققوا حقاً وصدقوا صدقاً. ويقال حق لهم ذلك حقاً. قوله: ﴿لَّمْ دَرَجَثُ عِندَ رَّيِّهِمْ﴾ على حسب ما أَهَّلَهُمْ له من الرُّتَبِ؛ فَبِسَابِقٍ قِسْمَتِه لهم استوجبوها، ثم بصادقٍ خِدْمَتهِم - حين وفَّقَهم لها - بلغوها . ولهم مغفرةٌ في المآل، والسَّتْرُ في الحال لأكابرهم، فالمغفرة الستر، والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم، وفَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ، وشَتَّان ما هما ! وأَمَّا الرزق الكريم فيتحمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يُخْتَسَبُ، ويحتمل أنه الذي لا يَنْقُصُ بإجرامهم، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات. قوله جلّ ذكره: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ . ٣٨٠ تفسير سورة الأنفال بَيَّنَ - سبحانه - أن الجِدالَ منهم عادةٌ وسَجِيَّة، ففي كل شيء لهم جدال واختيار؛ فكرهُوا خروجَه إلى بَذْرٍ، كما جادلوا في حديث الغنيمة، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقرب إلى الصفح عنه والتجاوز، فأمَّا إذا صار ذلك عادةً فهو أصعب . ويقال ما لم تباشر خلاصةُ الإيمان القلبَ يوجد كمالُ التسليم وترك الاختيار، وما دام يتحرك من العبد عِرْقٌ في الاختيار فهو بعيدٌ عن راحة الإيمان. ولقد أجرى الله سُنَّتِه مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمالَ النُّغمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان، والتجرد عن مساكنة ما فيه حظ ونصيب مِنْ كل معهود. ويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السلام - عن أوطانهم أماناً لهم من عادية الأعادي، وإحياءً لقلوب قوم تقاصرت أقْدَامُهم عن المسير إليهم. وكذلك هجرة الأولياء من خواصه؛ فيها لهم خلاصٌ من البلايا، واستخلاصٌ للكثيرين من البلايا . قوله جلّ ذكره: ﴿يُحَدِلُونَكَ فِى الْحَقّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ . جحودُ الحقَّ بعد وضوح برهانه عَلَمٌ لاستكبار صاحبه، وهو - في الحال - في وحشة غَيْه، مُعَاقَبٌ بالصُّد وتَنْغُّص العَيْشِ، يَمِلُّ حياتَه ويتمنى وفاتَه؛ ﴿كَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَ أَلْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَِّفَنَّيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتٍ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِينَ﴾. التعريجُ في أوطان الكسل، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النَّفْس، فهي بطبعها تؤثر في كل حالٍ نصيبَها، وتتعجل لذَّةَ حظّها. ولا يصل أحدٌ إلى جلائل النّعم إلا بتجرّع كاسات الشدائد، والانسلاخ عن معهودات النصيب. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقّ بِكَلِمَتِهِ،﴾ أي إذا أراد اللَّهُ - سبحانه - تخصيصَ عبدٍ بولايته قضى على طوارقٍ نفسه بالأفول، وحكم لبعض شهواته بالذبول، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها، ولجامع الموانع باستحقاقها. قوله جلّ ذكره: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ . ليحق الحقَّ بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود، والتحقيق لما يظهر من عين الجود. ويقال لِيُحِقِّ الحقّ بنشر أعلام الوصل، ويُبْطِلَ الباطلَ بقهر أقسام الهزل.