النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ تفسير سورة الأنعام من هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافاً، وخلقكم أخيافاً(١) فمنْ مُسَخَّرٍ له، مُرَفَّةٍ، مُرَوَّحِ، يتعب لأَجْله كثيرٌ. ومن مُعَنَّيّ، وذي مشقةٍ أُدِير عليه رأسهُ. وجاء البلاءُ ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إنَّ حسابه لكم لاحِقٌ، وحكمه فيكم سابق. والله أعلم. سـ (١) الأخياف: من الناس: الضروب المختلفة الأخلاق والأشكال. وإخوة أخياف، أي: أمهم واحدة والآباء شتى. السورة التي يذكر فيها الأعراف الباء مكسورة في نفسها وعملها الخفض لأنها من الحروف الجارة للأسماء، وهي صغيرة القامة في الخط، ونَقْطُها الذي تتميز به عن غيرها واحد وهو نهاية القِلَّة، ثم موضع هذه النقطة أسفل الحرف، فهي تشير إلى التواضع والخضوع بكل وجه. والسين ((من بسم الله)) حرفٌ ساكنٌ فالإشارة من الباء ألا تَذَرَ - في الخضوع والتذلل، والجهد والتوسل ـ ميسوراً، ثم تسكن منتظراً للتقدير؛ فإنْ مَنَّ القبولَ بفضله . فذلك المأمول، وإنْ ردَّ بحكم فله الحكم، فتوافق تقديره بالموافقة في الرضا به، إذا الميم تشبر إلى مِنته إن شاء، ثُم إلى موافقتك لتقديره بالرضا به إنْ لم يَمُنَّ. ويقال الباء تشير إلى بيان قلوب أهل الحقائق بلطائف المكاشفات بما يختصهم الحق - سبحانه - بذلك من دون الخلق، فهم على بيانٍ مما يخفى على الخلق، فالغيب لهم كشف، والخبرُ لهم عيان، وما للناس ◌ِلْم فلهم وجود. والسين تشير إلى سرور قلوبهم عند تقريبات البسط بما ( ... )(١) فيه من وجوه المراعاة! وصنوف لطائف المناجاة، فهم في جنات النعيم، وعيش بسطٍ وتكريم، ودوام روحٍ مقيم والميم تشير إلى محبة الحق - سبحانه - لهم بدءاً فإنها هي الموجبة لمحابُهم، إذ عنها صَدَرَ كلَّ حب فبمحبته لهم أحبوه، وبقصده إليهم طلبوه، وبإرداته لهم أرادوه. ويقال نزهة أسرار الموحدين في الإناخة بعقوة بسم الله، فَمَنْ حَلَّ تلك الساحة رَتَعَ في حدائق القُدْس، واستروح إلى نسيم الأنْس. ويقال بسم الله موقف الفقراء بقلوبهم؛ فللأغنياء موقفهم عرفات، وللفقراء موقفهم المكاشفات والمشاهدات. (١) بياض في الأصل. ٣٢٢ ٣٢٣ تفسير سورة الأعراف ويقال قالة ((بسم الله)) ربيع الأحباب؛ أزهارها لطائف الوصلة، ونَوْرُها زوائد القربة . قوله جلّ ذكره: ﴿الَّصّ﴾ [الأعراف: ١]. هذه الحروف من المتشابه في القرآن على طريقة قوم من السَّلَف، والحق - سبحانه - مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معانٍ تُعْرَف، وفيها إشارات إلى أشياء توصَف: فالألِف تشير إلى أُلفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة، فهي - في التحقيق - في ذلك المعنى كالمتحدة؛ فمنه تقع الألفة بين المتشاكين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون . ويقال أَلِفَ القلبُ حديثَه فلم يحتشم من بَذْل روحه . ويقال الألف تجرُّد مَنْ قَصَدَه عن كل غَيْرٍ فلم يتصل بشيء، وحين استغنى عن كل شيء اتصل به كل شيء على جهة الاحتياج إليه. ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف؛ فمرةً أصبحت مفتوحة، ومرةً مسكونة، ومرة مرفوعة، وأمّا الألف التي هي بعيدة عن الاتصال بالعلاقات فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهي على سكونها الأصلي. وأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين في القصد، وصدق أحوال العارفين في الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كلِّ قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واحد. ويقال الصاد تبدي محبةً للصدورٍ وهو بلاء الأحباب. ويقال الصاد تطالبك بالصدق في الود، وأمارة الصدق في الود بلوغ النهاية والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع. قوله جلّ ذكره: ﴿ كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجُ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . كتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاءً لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مُزِيل، ولشفاء الشكُ مُقِيل، وقال تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ ولم يقل: في قلبك؛ فإن قلبه - عليه السلام - في محل الشهود، ولذلك قال ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] وكذلك قال موسى عليه السلام: ﴿رَبّ أَشْرَح ◌ِ صَدْرِى﴾. وقال للمصطفى صلوات الله عليه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. فإن القلب في محل الشهود، وهو أبداً بدوام أُنْس القرب، قال ◌َله: («تنام عيني ولا ينام ١ ٣٢٤ تفسير سورة الأعراف قلبي))(١) وقال: ((أسألك لذة النظر))(٢) وصاحب اللذة لا يكون له حرج. قوله جل ذكره: ﴿ أَتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُنْ وَلَا تَنَِّعُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَُّ قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . اسْتَسْلِموا لمطالبات التقدير، قِفُوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيراً، ولا تركنوا إلى عِلَّةٍ، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَّكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَ هُمْ بَأْسُنَاً إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَا ظَلِينَ﴾ . يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في (خَفْضٍ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضيةُ فجأة، فلا بلاء كُشِفَ عنهم، ولا دعاءَ سُمِع لهم، ولا فرار نَفَعَهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسٌّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحدٍ منهم (خبر). تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ .. ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ سؤال تعنيف وتعذيب. ﴿ولنسأل المرسلين﴾ سؤال تشريف وتقريب. ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ عن القبول فيتقنَّعون بذل الخجل. ﴿ولنسألن المرسلين﴾ عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكلُّ بِسِمةِ العبودية والتوقير، والحقُّ بنعت الكبرياء والتقدير. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَا غَيِينَ﴾. فلنخبرنهم يومَ الفضلِ ما هم عليه اليوم، ونوقفهم على ما أسلفوه، ونقيمنهم في مقام الصَّغَارِ ومحل الخزي، وسيعلمون أنه لم يَغِبْ عن علمنا صغير ولا كبير. ويقال أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوَّفهم بعقوبته تارة؛ فقال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨] يعني العذاب الواقع في ذلك (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٢٣٢/٤)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٥١/٢، ٤٣٨) وابن الجارود في (المنتقى ١٢). (٢) أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة ١٨٥/١). ٣٢٥ تفسير سورة الأعراف اليوم، وقال في موضع آخر: ﴿ويحذّركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] وهذا أبلغ في التخويف، وقال ﴿أَلَّ يَعْلَم ◌ِنَّ اللَّهَ بَرَى﴾ [العلق: ١٤]. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيدٍ الْحَقٌّ فَمَن تَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِشَايَِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ . يَزِنُ أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فَمَعنْ كانت أعمالُهم بالرياء مصحوبة لم يَقْبَلُ أعمالَهم، ومَنْ كانت أحوالُهم بالإعجاب مشوبةً لم يرفع أحوالهم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَكَتَّكُمْ فِ اَلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَرْ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . سَهَّلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسَّرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أَنْ تتخذوا إليه سبيلاً، ولم يعتصٍ عليه فراد. ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ لاستعمالكم - في الخلاف - أبدانكم، ولإنفاقكم - بالإسراف - أحوالكم، ولاستغراقكم - في الحظوظ - أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من مسٌ العقوبة شكوتم ... خسرتم وما شعرتم! قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَبِّكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ فَسَجَدُوّأْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّجِدِينَ﴾. ثَبَّتْنَاكم على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم في الشواهد التي اخترنا لكم؛ فمِنْ قبيح صورته خَلْقاً ومن مليح، ومن سقيم حالته خُلُقاً، ومن صحيح. ثم إنا نعرفكم سابِقَ آيادينا إلى أبيكم، ثم لاحِقَ خلافه بما بقي عِرْقٌ منه فيكم، ثم ما علمنا به (من مکان یحسدكم) ويعادیکم . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ مَا مَنَعَلَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْذَنِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ . أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما مُوجِبُ امتناعك عن السجودِ لآدم لو كُنْتَ تُعَظّم أمري؟ فيتحقق الموحدون أن موجِبْ امتناعه عن السجود الخذلانُ الحاصلُ، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود. قال: ﴿أنا خير منه﴾ اذَّعى الخيرية، وكان الواجب عليه - لولا الشقوة - أَنْ يُثِرَ التذلَّلَ على التكبِّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ. ثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النّفس لأنه بِحَظُّ، فلم يزِذه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه - سبحانه - وقسمته . ٣٢٦ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّنْفِرِينَ﴾. فارِقْ بساطَ القربة؛ فإنَّ التكبّرَ والترفّعَ على البساط تركٌ للأدب، وتركُ الأدبِ يوجب الطرد. ويقال مَنْ رأى لنفسه محلاً أو قيمة فهو متكبِّر، والمتكبِّر بعيد عن الحق سبحانه، ورؤية المقام قَدْحْ في الربوبية إذ لا قَدْرَ لغيره تعالى، فَمَنْ ادَّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية . قوله جلّ ذكره: ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ . أجاب دعاءه في الحال ولكن كان ذلك مكراً به لأنه مكّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزِذْه بذلك التمكين إلا شِقوةً. ليعلمَ الكافةُ أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمةٌ ولطفاً بل قد تكون بلاءً ومكراً. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَيِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ جَاهَرَ الحقيقةَ بالخلاف بعدما أظهر من نفسه غايةَ الخلوص في العبودية، فَعُلِمَ أن جميع ما كان منه في سالف حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَتِهِمْ وَعَنْ شَيْلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْتَهُمْ شَكِنَ﴾ . أخبر أنه يأخذ عليهم جوانَبهم، ويتسلطُ عليهم من جميع جهاتهم، ولم يَعْلَمْ أن الحقَّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنَّ ما يكيد بهم مِنَ القدرةِ حَصَلَ، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لَكَانَ أوْلى الخلْقِ بأنْ يُؤَثِّرَ فيه كذْحُه نَفْسَه، وحيث لم ينفعه جهدُه في سالف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْهُوَمَا مَّدْحُورًا لَّمَن تَيِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . أخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم تخليده أبداً في عقوبته، ولا يذيقه ذرةً من يَزْدِ رحمته، فأصبح وهو مقدَّمٌ على الجملة، وأمسى وهو أبعد الزُّمرة، وهذه آثار قهر العِزَّة. فأيُّ كَبِدٍ يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟ !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَّكَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ بِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ النَّجَرَةَ فَتَكُنَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . لما أسكن آدمَ الجنةَ خَلَق معه سببَ الفتنةِ، وهو ما أكرمه به من الزوجة، وأي نقصٍ يكون في الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هي شجرة المحنة لولا ما أخفى من سِرِّ القسمة؟ . ٣٢٧ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ . نِسْبَتُه ما حَصَلَ منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئةُ منهما لكنَّه تعالى قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَانُ﴾. ويقال التقى آدمُ بإبليس بعد ذلك فقال: يا شَقِيٍّ! وسوستَ إليَّ وفعلتُ!، فقال إبليس لآدم. يا آدم! هَبْ أنّ إبليسَك فَمَنْ كان إبليسي!؟ . قوله جلّ ذكره: ﴿لِيُبْدِىَ لَّمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا﴾. وفي ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال: ﴿يُبْيِىَ لَّمَا﴾ فلم يطلع على سوأتهما غيرهما . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ اَلْخَلِدِينَ﴾ . تاقت أنفسهما إلى أن يكونا مَلَكين - لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم عليه السلام - ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما. ويقال لمَّا طمعا في الخلود وقعا في الخمود، ووقعا في البلا والخوف؛ وأصلُ كلٌ محنةِ الطمعُ . ويقال إذا كان الطمع في الجنة - وهي دار الخلود - أَوْجَبَ كُلَّ تلك المحن فالطمع في الدنيا - التي هي دار الفناء - متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيبٍ أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، وهذا أَوْلى لأنه يوجب تنزيه محلٌ النبوة. وقيل ساعاتُ الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة، فما لبثا في دار الوصلة إلَّا بعضاً من النهار؛ دَخَلَا ضحوةَ النهار وخَرَجًا نِصْفَ النهار! ويقال إن الفراقَ عينٌ تصيب أهلَ الوصلة، وفي معناه قال قائلهم: إنْ تكُنْ عينٌ أصابتك فما إلا لأنَّ العين تصيب الحَسَنًا ويقال حين تمَّتْ لهما أسباب الوصلة، وَوَطَّأَ نفوسهما على دوام البربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما ما انتظم، كما قيل: وحَسِبْنا مِنْ الفراق أَمنًّا حين تمَّ الهوى وقلنا شُرِزنىا فأبادوا من شملنا ما جمعنا بَعَثَ البَيْنُ رُسْلَه في خفاءٍ قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَاسَمَهُمَّ إِّ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ . حُسْنُ ظنِّ آدم - عليه السلام - حَملَه على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب في يمينه بالله، ثم لمَّا بان له أنه دلَّاهما بغرورٍ تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فَعَلِمَ - سبحانه - صِدْقَة فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم. ٣٢٨ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾. لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب ، وتَنَغُّصِ الحال، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك مَنْ اذَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ مِنْ الوجوه - لا يبارك الله فِيه، قال تعالى في صفة الأعداء: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]. ويقال مَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ، وطَفِقًا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة، كما قيل: الله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا مثل الملوك، وراحوا كالمساكين وأنشدوا : عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذا كانت الأشجار أجمع كلّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها. وقيل ذلك كان لا يلاحظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال: وكانت ـ على الأيام - نفسي عزيزة فلمَّا رأت صبري على الذلّ ذَلَّتٍ ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُشْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجّدد بكاؤه، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول: أهذا الذي قيل لك: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]. فَلَمْ تعرِف قدره. ((فَذُقْ جزايا خِلافِك)) فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل : وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ وزيدت على مكروهها فاستقرتٍ قوله جلّ ذكره: ﴿وَطَّفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْنَّةِ وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَاْ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّ الشَّيْطَّنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمةً للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ. ﴿وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا النَّجَرَةِ﴾: فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، ٣٢٩ تفسير سورة الأعراف فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ، وفي معناه أنشدوا: إذ قال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟ واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ . اعترفا بالظلم جهراً، وعرفا الحكم في ذلك سِرّاً؛ فقولهما: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدار على الحكم من حيث الحقيقة، فَمَنْ لم يعترف بظلم الخلق طوى الشريعة، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فَقَدْ جَحَدَ الحقيقة، فلمَّا أقرّا بالظلم قالا: ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خَسِرْنا، بل قالا: فَعَلْنَا فإنْ لم تغفر لنا خسرنا، فبِتَرْكِ غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَهْيِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ ﴾ . أهْبَطَهم، ولكنه أهبط إبليسَ عن رتبته فوقع في اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته فتداركته الرحمة . ويقال لم يُخْرِج آدم عليه السلام من رتبة الفضيلة وإنْ أُخرِجَ عن دار الكرامة، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَهُ رَبُُّ﴾ [طه: ١٢٢] وأما إبليس - لعنةُ الله عليه - فإنه أُخْرِجَ من الحالة والرتبة؛ فلم ينتعش قط عن تلك السَّقْطة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِكُمْ فِ اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَتَهُ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ﴾ هذا عامٌّ ﴿وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾: أراد به إبليسَ على الخصوص . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ . أخبر أنه يستقبلهم اختلافُ الأحوالِ في الدنيا، ويتعاقب عليهم تفاوتُ الأطوار، فَمِنْ عُسْرٍ ومن يُسْر، ومن خير ومن شر، ومن حياةٍ ومن موت، ومن ظَفَرٍ ومِنْ فَوْت ... إلى غير ذلك من الأحوال. قوله جلّ ذكره: ﴿يَنِىّ ءَدَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِشَّاً وَلِبَاسُ اَلنَّقْوَى ذَلِكَ غَّ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ . سترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويَسَّرنا لكم ما تدفعون به صنوفَ المضار عنكم بما مَكَّنًا لكم من وجوه المنافع. ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ اَلنَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فإن اللباس الظاهر يقي آفاتِ الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه. وللنَّفْس لباسٌ من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، لباس من ٣٣٠ تفسير سورة الأعراف التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق. وللسرّ لباسٌ من التقوى وهو نفي المساكنات والتصاون من الملاحظات . ويقال تقوى العُبَّاد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفي مساكنة الأنام. ويقال للعوام التقوى، وللخواص للباس التقوى عن شهود التقوى . قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَفِىّ ءَادَمَ لَا يَفْلِئَنَِّكُمُ الشَّيْطَنُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَبِّكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيرُيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً﴾ . من أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكَّ بين وسواس(١) الشيطان وهاجس النَّفْس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطرُ وزواجرُ العلم مغمورةٌ مقهورةٌ - فعن قريب تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط في سلك موافقة الهوى فيسقط في مهواة الزلة (٢)، فإذا لم يحصل تدارك بوشيك التوبة صارت الحالةُ قسوةً في القلب، وإذا قسا القلبُ فارقته الحياة وتمَّ له البلاء. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّهُ يَرَّكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَوْتَهُمّ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . لا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق - سبحانه - بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيُدْخِلْه - سبحانه - في كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَمَنَا وَلَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَنَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . استروحوا في التعلل إلى سلوكهم نهجَ أسلافِهم، فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ فزلَّت بهم أقدامُ الغرور، وقعوا في وهذه المحنة. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِى بِالْقِسْطِ﴾. القسط العدل، ويقع ذلك في حق الله تعالى، وفي حق الخلق، وفي حق نفسك؛ فالعدلُ في حقّ الله الوقوفُ على حدٌ الأمر من غير تقصير في المأمور بِهِ أو إقدامٍ على المنهي عنه، ثم ألا تدخرَّ عنه شيئاً مما خوَّلك، ثم لا تُؤْثِرَ عليه شيئاً فيما (١) الوسواس: (ج) وساوس، وهو الاسم من وسوس ويعني الشيطان، أو مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن، أو حديث النفس مما يخطر بالقلب من شر ومما لا خير فيه. (٢) انظر الرسالة القشيرية ص ٨٣- ٨٥ في حديث القشيري عن الخواطر. ٣٣١ تفسير سورة الأعراف أحلَّ لك. وأمَّا العدل مع الخلق - فعلى لسان العلم - بذلُ الإنصاف، وعلى موجِب الفتوة ترك الانتصاف. وأمَّا العدل في حق نَفْسِك فإدخال العتق عليها، وسدُّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال في كل نَفَس. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُّ﴾. الإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة، وألا تنساه لحظةً في كلِّ ما تأتيه وتذره وتقدمه وتؤخره. قوله جلّ ذكره: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ أَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اَلَّهِ وَتَخْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَّدُونَ﴾ . من كانت قِسمتهُ - سبحانه - له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله وَالر: ((من كان بحالةٍ لقي الله بها)) . وجملة العلم بالقضاءِ والقَدَرِ أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما عِلِم ألا يكون - مما جاز أن يكون أراده ألا يكون - أخبر أنه لا يكون. وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدَّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف. قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمٌ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . على لسان العلم: يجب سَتْرُ العَوْرة في الصلاة، وعلى موجِب الإشارة: زينة العبد بحضور الحضرة، ولزوم الشُّدَّة، واستدامة شهود الحقيقة. ويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود؛ فالعبد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتَّان بين عبدٍ وعبد !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفَوْ إِنَّهُ لَا يُحِبُ الْمُسْرِفِينَ﴾. الإسراف ما تناولته لك ولو بقدر سمسمة. ويقال الإسراف هو التعدي عن حدِّ الاضطرار فيما يتضمن نصيباً لك أو حظّاً بأي وجهٍ كان. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ مَنْ حَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَلَّيْبَتِ مِنَ الْرِزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَّمَةُ كَذَلِكَ نُفَعِلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . الإشارة منها إلى زينة السرائر؛ فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة الواجدين أنوار - ٣٣٢ تفسير سورة الأعراف التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن العبادة. ويقال زينةُ النفوس صدارُ الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة . ويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر. ويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود. ويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات . ومعنى قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلَّ﴾ يعني إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها فهي مباحة له من غير تأخير قصود. قوله جلّ ذكره: ﴿وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ اُلْرِزْقِّ﴾. أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى. ويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . ما ظهر منها الزَّلَّةُ، وما بطن منها الغفلةُ. ويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة. ويقال لقوم تركُ الرخص يكون علة، والأولى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقومٌ لو ركنوا إلىّ الرُّخص لقامت عليهم القيامة . ويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة ولو بذرة أو سِنَّة. ويقال فاحشة الأحبابِ الصبر على المحبوب(١). ويقال فاحشةُ الأحبابِ أن تبقى حيّاً وقد منيت بالفراق، قال قائلهم: هذا هو الخطب الأَجَلُ لا عيش بعد فراقهم ويقال فاحشة قوم أن يلاحظوا غيراً بعين الاستحقاق، قال قائلهم: بمنظر حسنٍ مذغبت عن عيني؟ يا قُرَّةً العين سَلْ عيني هل اکتحلت ويقال فاحشةُ قوم أَنْ تبقى لهم قطرةً من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى لهم نَفَسْ لم يَتَنَفْسُوا به في حسرة، وفي معناه أنشدوا: لئن بقِيَتْ في العين منّي دمعةٌ فإني إذاً في العاشقين دخيلُ (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣١٧ - ٣٢٩. تفسير سورة الأعراف ٣٣٣ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌّ فَإِذَا ◌َ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَّأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ . لكلِّ قوم مدةٌ مضروبةٌ، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة؛ فلنعمةٍ المُتْرَفين مُدَّةً، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشِّدّة، ولمحنةِ المستضعفين مدةٌ فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة. ويقال إذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة، فإذا ارتحلت عساكرُ الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمةٌ . قوله جلّ ذكره: ﴿يَبَِّيّ ◌َادَمَ إِمَّا يَأْتِنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُرْ ءَايَتِى فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . إذا أتاكم الرَّسُلُ فلا تركنوا إلى مجوزاتِ الظنون، واحملوا الأمرَ على الجِدُ فإنّا - مع استغنائنا عن الأغيار، وتَقَدَّسِنا عن المنافع والمضار - نُطَالِبُ بالقليل والكثير، ونحاسِبُ على النقير والقطمير(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ . مَنْ قَابَلَ ربوبيتَنا بالجُخْدِ، وحكمنا بالرد، لقِيَ الهوانَ، وقاسى الآلام والأحزان، ثم العَجْزُ يلجئه إلى الخنوع، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع. قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِقَنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ أُوْلَيْكَ يَنَهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ حَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَفَوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِّ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ أَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ . يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكمُ وقع عليه رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكمُ حُقَّ عليه عَلَمُ الشقاوة. ويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع في قَعْرِ اللَّظَى تداركتْه العنايةُ وأخرجتْه الرحمةُ، ومَنْ سَبَقَتْ له قسمةُ الشقاوةِ .. فلو نزل الفراديس (٢) تداركته السخطة وأخرجته اللعنة . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ آَدْخُلُواْ فِىَ أُمَعٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْنَا حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا ◌َجِيعًا قَالَتْ أُخْرَنَّهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا مَؤُلاءِ أَضَلُونَا (١) النقير: النقطة في ظهر النواة كالثقبة فيها، ويُضرب بها المثل في القلة. القطمير: القشرة الرقيقة الملتفة على النواة أو الشيء الهيّن يُضرب مثلاً للتافه القليل الشأن. (٢) الفراديس: (ج) الفردوس: حديقة في الجنة (مذكر ومؤنث)، وفردوس النعيم: اسم الجنة . ٣٣٤ تفسير سورة الأعراف فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ التَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَئِهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ . آثار إعراض الحق عنهم أورثَتْ لهم وحشةً الوقت؛ تبرَّم بعضُهم ببعض، وضاق كلُّ واحدٍ منهم عن كل شيء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرَّأ بعضهم من بعض، وكذلك صفة المطرودين . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُقَنَّعُ لَهُمْ أَبْوَبُ اَلَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاِ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ لَهُم مِّنِ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ . فلا دعاؤهم يُسمَع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يُرْفَع. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ، وَكَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ﴾. كما أحاطت العقوبات بهم في الدنيا فَتَدَنَّس بالغفلة باطنُهم، وتلوَّثَ بالزَّلة ظاهرهم، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم؛ فَمَنْ فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب، وكذلك من جوانبهم في القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفي ويزيد على الكل . قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَكَ أَصَْبُ الْجَنَّ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ . رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسَّرنا عليهم الطاعاتِ بحسن التوفيق، وخَفَّفْنَا عنهم العباداتِ بتقليل التكليف. قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرِّ﴾. طهرنا قلوبهم من كل غش، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة. وظَهَّرَ قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة، كما طهَّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومُنْية، وطهَّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة، وطهَّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر - كل واحد على قدر رتبته. ويقال لمَّا خَلَق الجنة وَكَلَ ترتبيها إلى رضوان، والعرش ولي حفظه إلى الجملة، والكعبة سلّم مفتاحها إلى بني شيبة، وأمَّا تطهير صدور المؤمنين فتولّاه بنفسه . وقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾ . ويقال إذا نزع الغل من الصدور مِنْ قِيَله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حیث کان منه سبحانه وجه آدائه. ٣٣٥ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ لَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُلَّا لِتَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا ◌َللَّهُ لَقَدْ جَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالمِّ﴾ في قولهم اعترافٌ منهم وإقرارٌ بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات، وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف . قوله جلّ ذكره: ﴿وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . تسكينّ لقلوبهم، وتطييبٌ لهم، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات. قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَادَّ أََْبُ الْجَنَّةِ أَصَْبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ◌َّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَكَّا قَالُواْ نَرَّ فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّمْنَةُ اللَّهِ عَلى النَّلِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الَهِ وَغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِلَآَخِرَةِ كَفِرُونَ ﴾ . اعترف أهل النار بحقيقة الدِّين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم إقرارٌ بحالٍ من الأحوال. قوله جلّ ذكره: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ . ذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق؛ لمَّا حُجِبُوا في الابتداء في سابق القسمة عما خُصَّ به المؤمنون من القربة والزلفة حُجِبوا في الانتهاء عما خَصَّ به السعداء من المغفرة والرحمة. ويقال حجاب وأي حجاب! لا يُرفَع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة. حجابٌ سبق به الحكم قبل الطاعة والجُزْم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِمَهُمْ﴾ . هؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلق بأسرارهم، ويشرفون غداً على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم. ويقال يعرفونهم غداً بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم؛ فأقوامٌ موسومون بأنوار القرب، وآخرون موسومون بأنوار الرد والحجب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَادَوْ أَمْعَبَ اَلْنَّةِ أَنْ سَلَهُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ . سَلِمُوا اليومَ عن النكرة والجحودِ، وأكرِمُوا بالعرفان والتوحيد. وسلموا غداً من فنون الوعيد، وسَعِدُوا بلطائف المزيد. وتحققوا أنهم بلغوا من الرتب ما لم يَسْمُ إليه طرْفُ تأميلهم، ولم يُحِطْ بتفصيله كُنْهُ عقولهم. ٣٣٦ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَمْنَبِ النَّارِ قَالُواْ رَّ لَا تَجْعَلْنَ مَعَ الْقَوْمِ الظََّلِمِينَ﴾ . إنما يصرف أبصارهم اليومَ تقديراً عليهم عظيم المِنّة التي بها نجاتُهم، فيزيدون في الاستغاثة وصدق الابتهاء، فتكمل بهم العارفة بإدامة ما لاطفهم به من الإيواء والحفظ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَادَ أَمْحَبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَلَا يَعْرِ فُونَهُم بِسِيمَعُمْ قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنْكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُمْ تَسْتَكْيُونَ أَهَلُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ أَبْنَّةً لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ . ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهي مما لا يخفى على ذي عينين، فيقولون لهم: هل يُغْنِي عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهِدوا ۔ اليومَ - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم، وانظروا هل يغني عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَصِكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنََّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوَّا وَلَعِبًا وَغَرَّنْهُمُ الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا قَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا بَجْحَدُونَ﴾ . دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام، والعادة - اليوم - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شدید. ثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعِزَّ الأحدية، وأنه فَعَّالٌ لما يريد. فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا: وأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً ولو فُجّرت من أرضهن بحورُ ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى قيل: يا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به وفي هذا المعنى أنشدوا. عيناً لغيرك دمعها مدرار جرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِزْ أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار؟ مَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها ٣٣٧ تفسير سورة الأعراف قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَفْسَنُهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِئَايَِنَا يَجْحَدُونَ﴾ . كما تركوا أمره وضيَّعوه تركهم في العقوبة، ولا ( ... )(١) فيما يشكون، فتأتي عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا بَرْد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرامٌ بخطاب. ذلك جزاءٌ لِمَنْ يعرف قَدْرَ الوصلة في أوقات المهلة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْرِ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . أنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق وصاحَبُوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد، ونالوا لضياء بقرب الوداد، ووصلوا في الدنيا والعقبى إلى جميل المراد، ولكنه - سبحانه أبَى القسمة في نصيبهم إلا الشُقوة . قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ يَتُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُمْ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِآلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن ◌ُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ نُرَّدُّ فَتَعْمَلَ غَيْرَ أَلَّذِىِ كُنَا نَعْمَلٌّ قَدْ خَسِرُوَّا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ . إذا كُشِفَ جلالُ الغيب، وانتفت عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب، فلا بكاءً لهم يَنْفَع، ولا دعاء منهم يُسْمَع، ولا شكوى عنهم ترْفَع، ولا بلوى من دونهم تُقْطَع . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنكَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّاءٍ ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْنِىِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُمُ حَثِينًا وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَزَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتِمٍ بِأَمَهْدِهِ أَلَا لَهُ اْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ . تعرّف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهي أفعاله، وتعرّف إلى الخواص منهم بآياته الدالة على نصرته التي هي أفضاله وإقباله، وظهر لأسرار خواص الخواص بنعوته الذاتية التي هي جماله وجلاله، فشتان بين قومٍ وقوم !. ثم كما يدخل في الظاهر الليل على النهار والنهارَ على الليل فكذلك يدخل القبض على البسط والبسط على القبض. ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار القلوب: فَمِنْ عبدٍ أحواله أجمع قبض، ومن عبدٍ أحواله أجمع بسط، ومن عبيد يكون مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالم فيها نهار بلا ليل، وفي بعضها ليل بلا نهار، وفي بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ليل. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فمنه الخير والشر، والنفع والضر، فإن له الخلقَ والأمر. (١) بياض في الأصل. ٣٣٨ تفسير سورة الأعراف ﴿َتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ هذه الكلمة مجمع الدعاء الاشتمالها على إفادة معنى قِدَمِه ودوام ثبوته من حيث يُقال بَرَكَ الطيرُ على الماء. وأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العِزُّ لأنه قد تبارك أي تعظّم. وأشارت إلى إسداد النّعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البَرَكَة هي الزيادة فهي مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه. قوله جلّ ذكره: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا نُفْسِدُوا فِي اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً﴾ . الأمر بالدعاء إذنّ - في التسلّي - لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روح المناجاة في حال الدعاء؛ والدعاء نزهةً لأرباب الحوائج، وراحةٌ لأصاحب المطالبات، ومعجل من الإنس بما ( ... )(١) إلى القلب عاجل التقريب. وما أخلص عبدٌ من دعائه إلا رَوَّحَ - سبحانه - في الوقت قلبه . ويقال علَّمهم آداب الدعاء حيث قال: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ وهذا أدب الدعاء؛ أن يَدْعُوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكَكَ عن دعائه - الذي لا بد منه - اعتداء منك. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها(٢) حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسال القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظْ إلى طلبٍ مقامٍ منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب. وفي الجملة: الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفساد في الأرض بعد الإصلاح. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً، فالأول العابدون والثاني العاصون. (١) بياض في الأصل. (٢) العذار: يقال: خلع فلان عذاره؛ أي: انهمك في الفيّ ولم يستح منه واتبع هواه. ٣٣٩ تفسير سورة الأعراف ويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقّه. ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق . ويقال المحسن الذي لم يخرج ( ... ) (١) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُثْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾﴾. تباشير القرب تتقدم فيتأدّى نسيمُه إلى مشام الأسرار، وكذلك آثار الإعراض تتقدم فتوجد ظلمة القبض في الباطن، فظلّ الوحشة يتقدمها، ونسيم الوصلة بعدها، وفي قریبٍ منه قال قائلهم: فإذا له من راحتيك نسيم ولقد تشمَّمْتُ القضاءَ لحاجتي قوله جلّ ذكره: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا فِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَِّتٍ فَأَلْنَا بِهِ الْمَاءِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثََّزَّنِ كَذَلِكَ تُخرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . الإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويُبَرِّحُ به الوجه ويَنْحِلُ به الجسم، بل يُبْطِلُ كلَّه البعدُ، فيأتيه القُرب فيعود عود وصاله بعد الذبول طرياً، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا، كما قال بعضهم: وقرَّب النعشُ من اللَّحد كُنّا كمن أُلْبِسَ أكفانه وردَّه الوصلُ إلى المولد فجالتْ الروحُ في جسمه قوله جلّ ذكره: ﴿وَالْبَُّ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُكَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدَّأَ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. إذا زكا (٢) الأصلُ نما الفرع، وإنْ خبُث الجوهر لم يَطِبْ ما تحلَّل منه، وإن طاب العنصر فالجزء يحاكي أصله، والأسِرَّةُ تدل على السريرة، فَمَنْ صفا باطنُ قلبه زکا ظاهر فعله، ومن كان بالعكس فحاله بالضد. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ، إَِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. بَلْغَ الرسالةَ فلم ينجح فيهم ما أظهر من الآلاء، لأنَّ محرومَ القسمة لا ينفعه مجهودُ الحيلة . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ، إِنَّا لَكَ فِ ضَلَالٍ تُبِينٍ قَالَ يَقَّوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. (١) بياض في الأصل. (٢) زكا: نما وزاد. ٣٤٠ تفسير سورة الأعراف قوله: ﴿لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ﴾: نسبوا نوحاً - عليه السلام - إلى الضلالة، فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال ﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَهٌ﴾، ونبيّنا - بَّهِ - نُسِبَ إليه فتولَّى الحق - سبحانه - الردَّ عنه فقال: ﴿مَا ضَلَ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] فشتّان بين مَنْ دافع عن نفسه، وبين مَنْ دَافَع عنه ونفى عنه ربُّه !. قوله جلّ ذكره: ﴿أَبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ . إني أعلم أَنِّي وإنْ بالغت في تبليغ الرسالة فمَنْ سبقت له القسمة بالشقاوة لا ينفعه نصحي، ولا يُؤَثِّرُ فيه قولي، فمَنْ أسقطته القسمةُ لم تنعشه النصيحة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَ ◌َغِبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن زَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَّكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾ . عجبوا مِنْ كوْنِ شخصٍ رسولَ اللَّهِ، ولم يتعجبوا من كون الصنم شريكاً لله، هذا فَرْطُ الجهالة وغاية الغباء! قوله جلّ ذكره: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِىِ الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَاأَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ﴾ . تسربلوا غِبَّ (١) التكذيب لمَّا ذاقوا طعم العقوبة، فلم يسعدوا بما حملوه ولم يصلوا إلى ما أملُّوه. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا تَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَا لَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظْتُكَ مِنَ الْكَذِينَ قَالَ يَنْقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ أُبْلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍ وَأَنَاْ لَكُنْ نَامِعُ أَمِنُّ أَوَ ◌َمْتُمْ أَنْ جَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيِّكُمْ عَ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِسُذِرَكُمْ﴾ . أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبِحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله . قوله جلّ ذكره: ﴿ وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ . جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَزَادَكُمْ فِىِ الْخَلْقِ بَصْطَةٌ﴾ (١) تسربل: لبس. الغِبُ: العاقبة. ٠