النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ تفسير سورة المائدة ويقال حيَّرهم في مفاوزهم حتى عموا عن القَصْد؛ فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيَّره اللَّهُ في مفاوز القلب يتقلب ليلاً ونهاراً في مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث يرحلون عنها، فلا وجه للرأي الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع في روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم. قوله جل ذكره: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىَّ مَادَمَ بِلْحَقٍ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ﴾ . كانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحَدُهما صاحبه، فلم يصبر حتى أسرع في شيء بإتلافه، وحين لم يُقْبَلْ قربانُه اشتد حسدُه على صاحبه، ورأى ذلك منه فهدَّدَه بالقتل. فأجابه بنطق التوحيد . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ اَلْمُنَّقِينَ﴾ . يعني إنما يُتَقَبَّلُ القربانُ(١) مِمَّن طالَع في القربان مساعدةَ القدرة، وألقى توهُم كونه باستحقاقه واستيجابه . قوله جلّ ذكره: ﴿لَيْنُّ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِّأَقْتُلَكٌ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ . لئن بدأتني بالإثارة لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أُكِلُ أمري إلى من بيده مقاليد الأمور. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوُاْ اٌلََّلِمِينَ﴾ . تحقّق بأنَّ العقوبة لاحِقةٌ به على ما يسلفه من الذَّنب فَرَضِيَ بانتقامِ اللَّهِ دون انتقامه لنفسه . وقوله: ﴿أَنْ تَبُوّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ الذي تستوجبه بسبب قتلك إياي، فأضافه إلى نفسه، وإذا رأى المظلوم ما يحلُّ بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ويطيب قلبه . قوله جلّ ذكره: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَنَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ لْخَسِرِينَ﴾. (١) القُربان: ما يُتقرب به إلى الله من ذبيحة وغيرها (ج) قرابين. ٢٦٢ تفسير سورة المائدة لا تستولي هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق، فإذا توالت العزائمُ الرديئةُ، واستحكمت القصودُ الفاسدةُ من العبد صارت دواعي الحق خفيةً مغمورةً. والنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى اتباع الشهوات ومتابعة المعصية، وهي مجبولةٌ على الأخلاق المجوسية. فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات الندم ثم لا ينفعه ذلك . قوله جلّ ذكره: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيةٍ قَالَ يَوَيَِّتَ أَعَجَرْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ . إرادة الحق - سبحانه - وصولُ الخلْقِ إلى لطف الاحتياط في أسباب التعيش، فإذا أشكل عليهم وجهٌ من لطائف الحيلة سبَّب الله شيئاً يُعَرِّفُهم ذلك به. قوله جلّ ذكره: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنََّا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ نَمُسْرِقُونَ﴾ . هذا قريب مما قال النبي ◌َّهِ: ((من سنَّ حسنة فله أَجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(١). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُوْ أَوْ تُقََعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِىِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . السعي في الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة فى مسائل الفقه بلسان العلم، وفي الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلاً من واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط . والحجاب استشعار الوحشة بعد الأنْس، وتبديل توالي التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط العبادة، والإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك - واللَّهِ - خِزْيٌ عظيم وعذابٌ ألیم. قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَِهِمْ فَأَعْلَمُوْ أَتَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. (١) أخرجه مسلم (زكاة ٦٩)، (علم ١٥)، والنسائي (زكاة ٦٤)، وابن ماجه (مقدمة ١٤). ٢٦٣ تفسير سورة المائدة من أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه - في الظاهر - حدودُ الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذاً بظاهرٍ ما يثبت من حاله مَالَه في استيجاب السداد، فإذا بدا للإمام جُزْمُه أُقيم عليه الحدُّ وإنْ تقنَّع بنقاب التقوى. وكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق - سبحانه . قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمِنَّة . ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه . ويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة . ويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل. ويقال الوسيلة خلوص (العَقد) عن الشك. ويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق في الولاء إلى آخر العمر. ويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النّفْسِ عن الحظوظ . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَّمَةِ مَا نُقُئِلَ مِنْهُمّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾ . اليومَ - يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغداً - لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهباً، كذا يكون الأمر. ويقال إفراط العدو في التقرب موجبٌ للمقت، وتستر الولي في التودد إحكامٌ لأسباب الحب. قوله جلّ ذكره: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . كما أن الأعداء لا محيص(١) لهم من النار كذلك المُبْعَدُون عن التوفيق كلما أرادوا إقلاعاً عن التهتك أدركهم - من فجأة الخذلان - ما يركسهم في وهدة (٢) العناء. (١) المحيص: المهرب والمفر. (٢) ركس الشيء: رد أوله على آخره وقلبه على رأسه. والوهدة: الأرض المنخفضة كأنها حفرة. ٢٦٤ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا فَكَلًا مِّنَ الَهِ وَاللَّهُ عَنْيُ حَكِيمٌ﴾. لو أنَّ ولياً من الأولياء سرق نصاباً(١) من جرذ، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدُّ كما يقام على المتهتك، ولا يَسْقُطُ الحدُّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أَمْرَ الملك مُقَابَلٌ بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبةً فَخَطَرُه أتمُّ وأخفى، والمطالبةُ عليه أشدُّ. فلا يَسْتَخِفَنَّ أحدٌ الإلمام بزلة ﴿ وَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . من استوفى أحكام التوبة فتَدَاركَ ما ضَيَّعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ما أفسده - أقبل الله عليه بفضله فَغَفَره، وعاد إليه باللطف فَجَبَرَهُ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَاءٍ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . بَيَّنَ أنه لا يعذِّب مَنْ يعذّبُ بِعَلَّة، ولا يرحم من يرحم بعلة، وإنما يتصرف في عبده بحق ملكه، وأنَّ الحكمَ حكمه، والأمرَ أمرُه. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ بِأَنُوكَ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن ◌َّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُمْ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ . مَنْ أقصاه الحقُّ عن محلٌ التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وَكَلَه إلى مكره، ولبَّسَ عليه حاله وسِرَّه، فهو ينهمك في أودية حسبانه، وإنما يسعى في أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وبالُه، فَأَمَرَ نَبيَّه - وَل ـ بترك المبالاة بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرَّفه أنهم بمعزلٍ عن رحمته؛ وإِنَّ مَنْ ردَّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال في الاستقبال، فقال: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ يعني إِنْ أَهَّلَه الله للحرمان، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ولطائف القبول إليه غير موصولة . قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ اُلَِّينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ﴾ . أولئك الذين لم تعجن طينتُهم بماء السعادة فَجُبِلُوا على نجاسة الشِرْك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقَّى بفنون المعاملات. (١) النصاب: القدر من المال الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغه. ٢٦٥ تفسير سورة المائدة ويقال: ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾: مَنْ أرسل عليه غاغة الهوى، وسلَّط عليه نوازع المنى، وأذلَّه ( .... )(١) القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء. قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وَرَدُوا من الهوان إلى الهوان، ووُعِدُوا بالفراق، وَرُدُّوا إلى الاحتراق، فلا تدري أي حالهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم في الرد أم نهايتهم في الشِرْك والجحد؟ قوله جلّ ذكره: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلشُّحْنِّ فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . يعني إنهم طرحوا حشمة الدِّين، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا بالأعواض النذرة، فإذا تحاكموا إليك فأحدلهم من حِلْمك على ما يستحق أمثالهم من الأزال، وأنت مُخيرٌ فيما تريد؛ فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: الإقساط الوقوف على حدِّ الأمر من غير (حَنَفٍ)(٢) إلى الحظ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ الثَّوْرَنَةُ فِيَهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَّ وَمَآ أُوْلَِّكَ بِالْمُؤْمِينَ﴾. يعني أنهم قارفوا الجحد، وأصرُّوا على الغي، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، فمتى تؤثِّر فيهم دعوتُكَ، وقد سُدَّتْ مسامعُهم عن القبول، وطُبعَ على قلوبهم سابقُ الحكم؟ قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَّةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ ◌ِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً﴾. يخبر أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرَّفوها، فلما وَكلَ إليهم حفظها ضيعوها . وأمَّا هذه الأمة فخصهَّم بالقرآن، وتولَّى - سبحانه - حفظه عليهم فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فلا جَرَمَ لو غيَّرَ واحدٌ حركة أو سكوناً من القرآن لنادى الصبيان بتخطيئه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِّ﴾. (٢) الخَنّف: الاعوجاج والاستقامة (ضدّ). (١) بياض في الأصل. ٢٦٦ تفسير سورة المائدة إنَّ الخلقَ تجري عليهم أحكامُ القدرة وأقسام التصريف؛ فالخشية منهم فرعٌ من المحال، فإنَّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنَّى تصحُّ منه الخشية؟! قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَّهِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ . لا تأخذوا على جحدٍ أوليائي والركونِ إلى ما فيه رضاءُ أعدائي عِوَضاً يسيراً فتبقوا بذلك عنّي، ولا يُبَارَكُ لكم فيما تأخذون من العوض. ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ... ﴾ فمن اتخذ بغيره حكماً، ولم يجد - تحت جريان حكمه - رضى واستسلاماً ففي شِرْكٍ خَامَرَ قلبَه، وكفرٍ قَارَنَ سِرَّه. وهيهات أن يكون على سَوَاء! قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْبَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِلْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنٍ وَالسِّنَّ بِلسِنِّ وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَذَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَارَةٌ لَّهُّ وَمَن لَّْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِّكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾. بيّن أن اعتبار العدالة كان حتماً في شرعهم، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام. ﴿فَمَنْ تَّصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾، يعني فمن آثر ترك مالهُ باعتناق العفو لم يخسِرْ علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تمادياً في إجابة دواعي الهوى فهم الذين وضعوا الشيءَ في غير موضعه؛ أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعةً الحظوظ، وبإيثار الفتوة (١) موافقةَ البشرية . قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَقَّنَا عَلَى ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَءَيْنَهُ آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . يعني أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفي الإنجيل تصديق لما تقدَّمه، وتحقيقٍ لِمَا أوجب الله وألزمه، فلا الدِّينَ قضوا حقه، ولا الإنجيلَ عرفوا فرضه، ولا الرسولَ حفظوا أمره؛ ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلُّوا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ . قال الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ ... فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ ... فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أمّا في الأول فقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ ﴿فَأُوْلَكَ (١) انظر حديث القشيرية بالرسالة عن الفتوة ص٢٢٦ - ٢٣١. ٢٦٧ تفسير سورة المائدة هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر. وفي الثاني قال: ﴿وَكَّنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ لأن مَنْ جاوز حدّ القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظَلَّمَ بعضهم على بعض. وأمّا ها هنا فقال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أراد به معصيةً دون الكفر والجحد. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ اَلْكِتَبَ بِالْحَقْ مُصَدِّفًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَّةِ﴾ . قدَّم تعريفه ـ وَّل ــ قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدَّمه فيستوجب ما استوجبوه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَحِكُمْ أُمَّةً وَسِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ . لا تتملكك مودةُ قريبٍ أو حميمٍ، واعتنِقْ ملازمةَ أمرِ الله - تبارك وتعالى - بترك کل نصيبٍ لك . ثم قال: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ يعني طريقةً وسُنَّة؛ أي أفردنا كلَّ واحدٍ منكم ــ معاشِرَ الأنبياء - بطريقة، وأمَّا أنت فلا يدانيك في طريقتك أحد، وأنت المقدَّمُ على الكافة، والمُفَضَّلُ على الجملة، ولو شاء الله لَسَوَّى مراتَبَكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفَضَّلَ بعضكم على بعض امتحاناً. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَةِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . مسارعة كل أحدٍ على ما يليق بوقته؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد. ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقَطْع الهوى، واستباق العارفين بنفي المُنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنياً والعُقبى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَـ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ . قُمْ بالله فيما تحكم بينهم، وأقِمْ حقوقه فيما تؤخر وتقدم، ولا تلاحظ الأغيار فيما (تُؤْثِر) أو تَذَر، فإن الكلَّ محوّ في التحقيق. ٢٦٨ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّا يُرُبِدُ اَللَّهُ أَنْ يُصِيَّهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلنَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ . يعني (عِظهم) بلسان العلم فإنْ أبَوْا قبولاً فشاهِدْهم بعين الحكم. ويقال: أشْدُذ عليهم باعتناق لوازم التكليف، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف؛ فإنَّ الحقُ - سبحانه - بشرط التكليف يلزمهم؛ وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم، فالتكليف فيما أوجب، والتصريف فيما أوجد، والعبرة بالإيجاد والإيجاب. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ . أيعودون في ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فَجْرُ العرفان، وطلعت شموسُ التحقيق، وانهتكت أستارُ الريب؟ ويقال أيطلبون منك أن تحيد عن المحبة المثلى، وقد اتضحت لك البراهين وتجلَّى اليقين؟ ويقال أيطمعون في استتار الحقائق في السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟ ويقال أتحسبون أن ( .... )(١) ظلمة الشك لها سلطان، وقد متّتَعَ نهارُ كلّا، فإن ذلك محال. الحقائق؟ . ﴿ وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَدَرَىّ أَوْلِيٌَ بَعْشُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ قوله جل ذكره: وَمَنْ يَتَوَُّ فِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَِّمِينَ﴾. لا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه - سبحانه - إيثاراً للسكون إلى الحظ، أو احتشاماً من القيام للحق، أو ركوناً إلى قرابة نَسَبٍ، أو استحقاقاً لمودة حميم، أو تهيباً من استيحاش صديق. بل صمموا عقودكم على التبرّي منهم بكل وجه فهم بعضهم أولياء بعض، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين. ﴿وَمَن يَتَوَلَّم ◌ِنْكُمْ﴾ التحق بهم، وانخرط في سِلكهم، وعُدَّ في جملتهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَ أَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضَُّ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ غَْشَوْ أَنْ تُصِيبَنَا دَآِرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْنِيَ بِالْفَتْجِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَّا أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِأَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمُّ إِنَهُمْ ◌َمَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ﴾ . يعني إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت في التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة الأعداء خوفاً من معاداتهم، وطمعاً في المأمول من صحبتهم، ولو استيقنوا أنهم في أسر العجز وذل الإعراض ونفي الطرد لأملُّوا الموعود من كفاية (١) بياض في الأصل. ٢٦٩ تفسير سورة المائدة الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حُجِبُوا عن محل التوحيد؛ فتفرَّقوا في أودية الحسبان والظنون، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ - أيها المؤمنون، وتُرْزَقُون الفتحَ بحسن الإقبال، والظفر بالمسؤول السابق الاختيار، فيشعرون الندم، ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) رؤوسكم بعد الإطراق، وتصفوا لكم مشارِب الإكرام، وتضيء بزواهر القرب مَشارِقُ القلوب. حينئذٍ يقول الذين آمنوا هؤلاء اللذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب في أسرارهم، ويَصِلُون من موعودهم إلى ما يوفي ويربو على مقصودهم. قوله جلّ ذكره: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْرِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . جعل صفة من لا يرتدُّ عن الدين أن اللَّهَ يحبه ويحبُّ الله، وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يُعْلَمَ أن من كان غير مرتد فإنَّ الله يحبه. وفيه إشارة دقيقة فإن من كان مؤمناً يجب أن يكون لله محباً، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه. وفي الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد. ومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه: إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه، والمدح والثناء عليه. أويقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله. وكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعام مخصوص، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبةُ أخصَّ من الرحمة، واللفظان يعودان إلى معنًى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق. وأمَّا محبة العبد لله - سبحانه - فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه، وتحمله تلك الحالة على إيثَارٍ موافقة أمره، وتَرْكِ حظوظ نفسه، وإيثارٍ حقوقه - سبحانه - بكل وجه . وتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد في الوقت الذي يعبّر عنه؛ فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب، ويقال المحبة ذهاب المُحِبُّ بالكلية في ذكر المحبوب، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه، والمحبة بلاء كل كريم، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى . ويقال المحبة سُكْرّ لا صحوَ فيه ودَهَشٌْ في لقاء المحبوب يوجِب التعطُّلَ عن التمييز، ويقال المحبة بلاء لا يُرْجَى شفاؤه، وسقام لا يعرف دواؤه. ويقال المحبة ، ٢٧٠ تفسير سورة المائدة غريمٌ يلازمك لا يبرح، ورقيب من المحبوب يستوفي له منك دقائق الحقوق في دوام الأحوال، ويقال المحبة قضية توجب المحبة؛ فمحبة الحق أوجبت محبة العبد(١). قوله جلّ ذكره: ﴿يُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ أَِلَّةٍ عَلى اَلْمُؤْمِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِىِ سِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدَهُ وَالَهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ . لولا أنه يحبهم لما أحبهم، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنَّى تكون للطينة ذِكْرُ المحبة؟ ثم بيَّن الله تعالى صفة المحبين فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلىَ الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة، ويبذلون الأرواح في الذَبِّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور. ثم قال تعالى في صفتهم: ﴿يُجَهِدُونَ فِ سَيِدِ الَِّ﴾ أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات. ثم قال: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيَرٍّ﴾ أي لا يلاحظون نُصْحَ حميم، ولا يركنون إلى استقلال حكم، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب، ولا يزيغون عن سَنَنِ الوفاء بحالٍ . ثم بيَّن - سبحانه - أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال: و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ متفضْلٌ عليم بِمَنْ يَخُصَّ بذلك من عبيده. قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَکِمُونَ﴾ . الولي أي الناصر، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق - سبحانه - فأعداء الحقُّ هم أعداء الدين. و ((إنما)» حرفٌ يقتضي أن ما عداه بخلافه، وأعدى عدوُك نَفْسُكَ ــ كما في الخبر - ومَنْ عادى نَفْسَه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يَوَّلَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِّبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾. الفائزون على حظوظهم الذين هم خصم للحقِّ على أنفسهم لا خصم لأنفسهم على مولاهم، والغلبة بالحُجَّةِ والبرهان دون اليد. ويقال من قام لله بصدق انخنس دونه كلُّ مُبْطِل. ويقال إذا طلعت أنوار الحق أدبر ليل أهل الباطل. (١) انظر حديث القشيري بالرسالة عن المحبة ص ٣١٧ - ٣٢٩. ٢٧١ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَِّذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبَّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءٍ وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِن كُمْ مُؤْمِينَ﴾ . نَبَّهَهُم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم، فإن المخالف في العقيدة لا يكون موافقاً في الحقيقة . ويقال: أَمَّرَهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين الاستحقار. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ . الأَذانُ دعاءٌ إلى محلٌ النجوى، فَمَنْ تحقَّقَ بعلوٌ المحلِّ فسماعُ الأذانِ يوجب له روحَ القلب واسترواح الروح، ومن كان محجوباً عن حقيقة الحال لاحَظّ ذلك بعين اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء، وذلك حكمُ الله: غايَرَ بين عباده على ما يشاء. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَّكُمْ فَسِقُونَ﴾ . ما لنا عندكم عيبٌ إلا أننا تحققنا أننا محو في الله وأنَّ الكائنات حاصلة بالله ولا نتقفى أثراً سوى لله في الله، وهذا - واللَّهِ - عيبٌ زائلٌ، ونقصٌ ليس له - في التحقيق - حاصل . قوله جلّ ذكره: ﴿قُلّ هَلّ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَّةً عِندَ اللَّهِ مَن لََّنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ أَلْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَرَ وَعَبَدَ اَلَّغُوتَّ أُوَلَكَ شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَِّ السَّبِيلِ﴾. يعني أخسُ من المذكورين قَدْراً، وأقل منهم خطراً من سقط عن عين الله فأذلّة، وأبعده عن نعت التخصيص فأضلَّه، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده، وحجبه عن شهود الحقيقة وطرده . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا جَآءُوَكُمْ قَالُوَاَ ءَامَنَا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّ، وَاللّهُ أَعْلُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ﴾ . أظهروا الصدق، وفي التحقيق نافقوا، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبَّسُوا؛ فلا حالُهم بقيت مستورة، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة، وهذا نعتُ كل مبطل. وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة في أنوار فراستهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ ◌َبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . تَملكتْهُم الأطماعُ فاستهوتهم في متاهات العناء، وذلك نعت كل (طالع) في غير مطمع؛ ذُلِّ حاضر، وصَغَارٌ مستولٍ. ٢٧٢ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرََّّبِيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ . الربانيُّ من كان الله وبالله؛ لم تبق منه بقية لغير الله. ويقال الربّانيُّ الذي ارتقى عن الحدود. والربانيُّ مَنْ توقَّى الآفات ثم ترقّى إلى الساحات، ثم تلَّقى ما كوشِفَ به من زوائد القربات، فخلا عن نفسه، وصفا عن وصفه، وقام لِرَبِّه وبربُه. وقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدِّين، فهم خلفاءً ينهون الخلْقَ بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم، فإنهم إذا أشاروا إلى الله حقق الله ما يُؤمِنُون إليه، وتحقق ما علقوا هممهم به. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَتِ آلْهُودُ يَدُ الَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُفِقُ كَيْفَ بَةٍ وَلَيَزِيدَنَ كَيْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَّكَ مِن زَّيْكَ مُغْيَنًا وَكُفْرَاً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَّمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَنْفَأَهَا الَّهَّ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ اُلْمُفْسِدِينَ﴾ . صغّر سوء قالة الموحّدين - في اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد قائلين وبالشهادة ناطقين - بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول في الله؛ يعني أنهم وإن أساءوا قولاً فلقد كان أسوأ قولاً منهم مَنْ نَسبَنَا إلى ما نحن عنه مُتَزَّةٌ، وأطلق في وصفنا ما نحن عنه مُقدَّسٌ . ثم إن الحق - سبحانه قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ فلا ريح الصدق يشمون، ولا نَفَساً من الحقُّ يجدون. ثم أنثى على نفسه فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ أي بل قدرته بالغة ومشيئته نافذة، ونعمته سابغة وإرادته ماضية . ويقال ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوْطَانٍ﴾ أي يرفع ويضع، وينفع ويدفع، ولا يخلو أحدٌ عن نِعَمِ النفع وإن خلا عن نعم الدفع. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ اٌلَّعِمِ﴾ . إنما وعدهم الغفرانَ بشرط التقوى. ودليل الخطاب يقتضي أنه لا يغفر لمن لم یتق منهم. وقال لظالمي هذه الأمة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَمْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَاِمٌ ٢٧٣ تفسير سورة المائدة لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ثم قال في آخر الآية: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] أي أهل التقوى لأنه أهل المغفرة، فإِنْ تركتم التقوى فهو أهلٌ لأن يغفر. ويقال لو أنهم راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم، ولكنهم وَقَفُوا فوُقِفُوا. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ الثَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّنْ زَبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْجِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ . أي لو سلكوا سبيلَ الطاعة لوسَّعنا عليهم أسباب المعيشة وسَّهلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمينٍ ما لقوا غيرَ الْيُمْن، وإِنْ ذهبوا يعسْرةً ما وجدوا إلا اليُسْر. قوله جلّ ذكره: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيْرُ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ . المقتصد الواقف على حدِّ الأمر؛ لا يُقَصِّر فيُنْقِص، ولا يجاوزُ فيزيد. ويقال المقتصدُ الذي تساوى في هِمَّتِهِ الفقدُ والوجودُ في الحادثات. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ وَلَهُ﴾ . لا تكتم شيئاً مما أوحينا إليك مُلَاحَظَةٌ لِغَيْرِ، إذ لا غير - في التحقيق - إلا رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية. ويقال بَيِّنْ للكافة أنك سيِّدُ ولد آدم، وأنَّ آدم دون لوائك. ويقال بلّغْ ما أُنْزِلَ إليك أنّي أغفر للعصاة ولا إِبالي، وأردُّ مِنَ المطيعين مَنْ شِئْتُ ولا أبالي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ﴾. يحفظ ظاهرك من أن يَمَسَّكَ أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوٍّ، أو يصون سِرَّك عنهم حتى لا يقع احتشامٌ منهم. ويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم؛ بل تشاهدهم كما هُمْ؛ وجوداً بين طرفي العَدَم. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَكَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَّاً أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّيَّكُمُّ وَلَيَزِيدََ كَثِيرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ تُغْيَئِنَا وَكُفْرَا فَلاَ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ . أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قَدْركم في الدنيا والعُقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهي، والمحافظة على أحكام الشرع. ٢٧٤ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاُلَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّدِئُونَ وَالنَّصَِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَدِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . بَيَّنَ أنهم - وإنْ تجنَّسَتْ أحوالهم - فبعدما تجمعهم أصولُ التوحيد فلهم الأمانُ من الوعيد، والفوزُ بالمزيد. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمْ رُسُلًاٌ كُلَماً جَآءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُواْ أَلَا تَكُونَ فِتْسَةٌ فَعَمُواْ وَصَقُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ . داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء. ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم، وبَرَّحَ بهم الألم. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَةٌ وَقَالَ اُلْمَسِيحُ يَنِيّ إِسْرَّهِيَلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّأُ وَمَا لِنَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. سَقِمَتْ بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخَلَطُوا في عقائدهم استحقاقَ أوصافِ القِدَمِ بنعوت الحدوث ! . قوله جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ أَلَِّينَ قَالُواْ إِتَّ الَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَِدُّ وَإِن لَّمْ يَنَّهُوْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَّمْسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَ اَللَّهِ وَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ .. فكيف على عاقل؟! قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَ اللَّهِ وَيَسْتَغْفُرُونَةٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لم يُغْلِقْ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم - تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته . قوله جلّ ذكره: ﴿َّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ الطّعَامُّ أَنْظُرْ حَكَيْفَ نُبَيْنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ اُنْتُرْ أَنَّى يُؤْنَكُونَ﴾ . مَنْ اشتملت عليه الأرحامُ، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنَّى يليق بوصف الإلهية؟ ٢٧٥ تغير سورة المائدة ثم مَنْ مَسَّتْه الحاجةُ حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورةُ إلى أن يَخْلُصَ من بقايا الطعام فَأَنَّى يليق به استيجابُ العبادة والتسميةُ بالإلهية؟ انظر - يا محمد - كيف نزيد في إيضاح الحجة وكيف تلبَّس عليهم سلوكُ المحجة؟ قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَنْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَحِكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعَأْ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . تعليقُ القلوب - بدون الرب - في استدفاع الشر واستجلاب الخير تمحيق للوقت فيما لا يُجْدِي، وإذهابٌ للعمر فيما لا يُغْني؛ إذ المتفردُ بالإيجاد بريءٌ عن الأنداد. قوله جل ذكره: ﴿قُلْ بَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ أُلْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَِّيلِ﴾ . التعمقُ في الباطل قطعٌ لآمال الرجوع؛ فكلما كان بُعْدُ المسافةِ مِنَ الحقِّ أتمَّ كان اليأسُ من الرجعةِ أوجبَ، ومُتَّبِعُ الضلالة شرِّ مِنْ مبتدِعها؛ لأن المبتدعَ يبني والمُتَّبع يُتِمُّ البناء، ومنْ به كمالُ الشرّ شرَّ ممن منه ابتداءُ الشر. قوله جلّ ذكره: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ . أَمَر الأنبياء - عليهم السلام - حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأمَّا الأولياء فخصَّهم بذكر نفسه فقال: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فلعنةُ الكفار بلسان الأنبياء، وذِكْرُ المؤمنين بالجميل بلسان الحقِّ - سبحانه، ولو كان ذلك ذِكْراً بالسوء لكان فيه استحقاقُ فضيلةٍ، فكيف وهو ذكرٌ بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم: لئن ساءني أَنْ تَلْقَني بمساءةٍ فقد سرَّني أَني خَطَرْتُ ببالِكا قوله جلّ ذكره: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِفْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . الرضاءُ بمخالفة أمر الحبيب مُوَافَقَةٌ للمخالف، ولا أَنْفَةً بعد تميز الخلاف. والسكوتُ عن جفاءٍ تُعامَلْ به كَرَمٌ، والاغضاءُ عما يُقَال في محبوبك دناءةٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿تَرَّى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ ◌َهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ اَلْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ . شرٌّ خِصال اللئام مطابقةُ مَنْ يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله في موالاة أعدائه فرحمته - سبحانه - في معاداة أعدائه. ٢٧٦ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ . صَرَّحَ بأنَّ مُوَافِقَ مَنْ ناوَءَكَ آثَرَ التباعدَ عنك؛ إذ لو كانت بينكما شَعْرَةٌ غيرُ مُنْقَطِعَةٍ لأخلصت في موالاته، وأخلصَ في مصافاتك. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوأُ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَنَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيْبِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ . بَيَّنَ أَنَّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداةُ بعضهم تزيد على بعض، وبقدر ما للنصارى من التّرهُب أثر فيهم بالمقاربة من أهل الحق؛ فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه - بمقاربة أهل الاختصاص. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَفُواْ مِنَ أَلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّاَ ءَامَنًا فَأَكْبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾. هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قَرَعَتْ سَمْعَهُم دعوةُ الحقِّ ابتسمت البصيرة في قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اَلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾. وأي عذر لنا في التعريج في أوطان الارتياب، وقد تجلّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حُسْنِ العاقبة .. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟. قوله جلّ ذكره: ﴿فَتَبَهُمُ اَللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَّاً وَذَلِكَ جَزَآءُ اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ . لمَّا صَدَقَتْ آمالهم قابلها بالتحقيق، سُنَّةً منه - سبحانه - ألا يخيب راجيه، ولا يرد مؤمليه، وإنما علَّق الثواب على قولِ القلب الذي هو شهادةٌ عن شهوده، فأمّا النظر المنفردُ عن البصيرةِ فلا ثوابَ عليه ولا إيجاب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَعْمَبُ لْمَحِيمِ﴾. (هذا) أثر الإعراض عن الأعداء في مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجلاً ومؤجلاً . قوله جلّ ذكره: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تُحَزِّمُواْ طَتْبَتِ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَمْتَدُوَّأَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ٢٧٧ تفسير سورة المائدة من أمارات السعادة الوقوفُ على حد الأمر؛ إنْ أَبَاحَ الحقُّ شيئاً قَبِلَه، وقابله بالخشوع، وإنْ خَطَرَ شيئاً وقف ولم يتعرض للجحود. ومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان الخلوة، وتحريم ذلك: إنْ اسْتَبِدَلَ تلك الحالة بالخلطة دون العزلة؛ والعِشْرَةِ دون الخلوة، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين. قوله جلّ ذكره: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلا ◌َيِّبًا وَأَثَّقُواْ اللّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ . الحلال الصَّافي بأن يأكلَ العبدُ ما يأكلُ على شهوده - سبحانه - فإنْ نَزَلَتْ الحالةُ عن هذا فَعَلَى ذِكْرٍ - سبحانه - فإنَّ الأكلَ على الغفلة حرامٌ في شريعة الإرادة. قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَتِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَلِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفََّتُ إِطْعَامُ عَثَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطِعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبْرُ رَقَبٍَّ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَغََّةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . الإشارة منه إلى وقتٍ يغلب على قلبك التعطشُ إلى شيء من إقباله أو وصاله، فَتُقْسِمُ عليه بجماله أو جلاله أن يرزقَك شظيةً من إقباله، فكذلك في شريعة الرضا نوعٌ من اليمين، فيعفو عنك رحمةً عليك لضعف حالك. والأولى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يُجْرِي عليكَ من أحكامه في الردِّ والصد، وأن تؤثِرَ استقامتَك في أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم: أُريدُ وصالَه ويريد هجري فأتركُ ما أريد لما يريد ومِنَّ اللغْوِ في اليمين - عندهم - ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول: وحقُّك ما نظرتُ إلى سواكا، ولا قُلْت بغيرك .. ولا حُلْتُ عن عهدك، وأمثال هذا ... وكلُّه في حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهوٌ ... ومَنْ أنتَ في الرِّفعةِ حتى تَعْدِمَ نَفْسَكَ؟ وأين في الدار ديَّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا ... بل هو الله الواحد القهار (١). (١) قال القشيري برسالته في حديث مشابه عندما تحدث عن التوحيد: سُئل الشبلي عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد، فقال: ويحك من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو تنوي ومن أوماً إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن رأى قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بخيالكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود إليكم. فحدث مصنوع مثلكم. (الرسالة القشيرية ص٣٠١). ٢٧٨ تفسير سورة المائدة وكما أن الكفَّارة الشرعيةَ إمَّا عِثْق أو إطعامٌ وإما كسوةٌ فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام: فكفَّارتهم - على موجب الإشارة - إمّا بذل الروح بحكم الوَجْدِ، أو بذل القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والزواجر . قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِيُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَوْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَحْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُغْلِحُونَ﴾ . الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام. والإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس . ومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة . وكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ . وكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبٍ عليه الحدُّ فكذلك من شرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف. وكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته . وكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر (فالغفلة)(١)، أصلُ كلِ زَلَّة، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى. ويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر، وفي معناه أنشدوا: عقار لحاظ كأسه يسكر اللُبًا فما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فصحوك من لفظي هو الوصل كله وحُرِّم الميسر(٢) في الشرع، وفي شريعة الحب القوم مقهورون؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القُرْعةُ من ( .... )(٣)، قال تعالى ﴿فَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. (١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق. (٣) بياض في الأصل. (٢) الميسر: قمار العرب في الجاهلية. ٢٧٩ تفسير سورة المائدة قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الْقَّلَوْ فَهَلْ أَنْهُم ◌ُّنَهُونَ﴾ . طال بُعْدُهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان في مطارح الغربة، وصاروا سخرة للشيطان؛ فبقوا عن الصلاة التي هي محل النجوى وكمال الراحة، وفَسَدَتْ ذاتُ بَيْنِهِم بما تولد من الشحناء والبغضاء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُوْ اَللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِنِ تَّتْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينٌ﴾ . كما كان العبد أعرفَ بربه كان أخوٍفَ من ربه، وإنما ينتفي الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله: ﴿أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢] وذلك عند دخول الجنة. وحقيقةُ الحذر نهوضُ القلب بدوام الاستغاثة مع مجاري الأنفاس. قوله جلّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْ إِذَا مَا أَنَّقَواْ ؤَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَهُ يُحِبُّ الْمُحْنِينَ﴾. من حافظ على الأمر والنهي فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يُضَايَق فيها، وإنما المقصود من العبد التأدبُ بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتَّقى الشِرْكَ تعَرّف، ثم اتقى الحرامَ فما تصرّف، ثم اتقى الشحَّ فآثر وما أسرف. وقوله ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَّمَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَواْ﴾ يعني اتقوا المنع وأحسنوا للخلق - وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلق؛ فأحسنُ الشهودِ الحقُّ، والإحسانُ أَنْ تعبد الله كأنك تراه - وهذا للخواص. والله يحب المحسنين أعمالاً والمحسنين (آمالاً) والمحسنين أحوالاً . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الْغَيْدِ تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ وَرِمَاُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَفُ بَلْغَيْءٍ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُمْ وَمَنْ قَلَكُ مِنْكُمْ مُتَعَيِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَذْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ لَعَامُ مَسَنِكِينَ أَوْ عَدّلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْيِهِّهِ عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفْ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اَللَّهُ مِنَّةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَارٍ﴾ . أباح الصيد لمن كان حَلَّالاً، وحرَّم الصيد على المُخرِمِ الذيٍ قَصدْهُ زيارة البيت. والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر. ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال. ٢٨٠ - تفسير سورة المائدة وكما أنَّ الصيدَ على المُخرِمِ حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُخرِماً بقلبه . ويقال العارفُ صيدُ الحق، ولا يكون للصيد صيد. وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع، ولكن كفَّارته تجرده ـ على الحقيقة - عن كل غير، قليل أو كثير، صغير أو كبير. قوله جلّ ذكره: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِسَيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. حُكْمُ البحرِ خِلافُ حُكْم البر. وإذا غرق العبدُ في بحار الحقائق سَقَطَ حكمه، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محواً، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محوّ، واللَّهُ غالِبٌ على أمره. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ أَلْبَيْتَ الْعَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ أَلْحَرَمَ وَالْمَدْىَ وَالْقَبَدَّ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَنَ اَللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ﴾ . حَكْمَ الله سبحانه - بأن يكون بيتُه - اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمِّل، ويستقيم ببركات زيارته كلِّ مائلٍ عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنالك كلُّ ذي أَرَبٍ، والبيتُ حَجَرٌ والعبد مَدَرّ (١)، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليُعْلَمَ أنه الذي لم يَزَلْ لا سبيل إليه للحدثان والغير. قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَادٍ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . شديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء. ويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إن زاغوا عن الشهود لحظةً، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة. قوله جلّ ذكره: ﴿َّ عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَاتَّقُواْ اللّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ . المتفرّدُ بالإلهية اللَّهُ. والرسولُ - وإنْ جلَّ قَدْرُه - فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً (بتسييره). (١) المدر: قطع الطين اليابس المتماسك.