النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
تفسير سورة النساء
ويقال الراسخ في العلم أن يكون بعلمه عامِلاً حتى يفيد عِلمَ ما خفي على
غيره، ففي الخبر: ((من عمل بما علمه ورَّثه الله علم ما لم يعلم)).
وخَصَّ ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ في الإعرابِ فَنَصَب اللفظ بإضمار أعني على المدح
لِمَا للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان في أكثر المواضع في
القرآن، ولأن الله - سبحانه - أمر الرسول وَ﴾ (بها)(١) ليلة المعراج(٢) بغير واسطة
جبريل عليه السلام ... وغير هذا من الوجوه.
قوله تعالى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق
بالعمل.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إلَى
إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا
دَاوُودَ زَبُورًا﴾ .
إفراد النبي ملة من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص والفضيلة؛ فأفرد نوحاً
على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا عليه السلام على ما استحقه هو، فاشتركا في
الإفراد لكنهما تباينا في الفضيلة على حسب المقام، فتفرد واحد من بين أشكاله بغير
فضائل، وتفرَّد آخر من بين أضرابه بألف فضيلة .
قوله جل ذكره: ﴿وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيَّكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .
سُنَّةُ الله في أوليائه سترُ قوم، وشَهْرُ قوم، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُه أيضاً في الأنبياء -
عليهم السلام - أظهر أسماء قوَم وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب بجميع
الأنبياء جملة وتفصيلاً، كما أنّ الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلاً،
وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضاً وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها لهم - طالبهم
بالإخلاص فيها، وما سترها عليهم - فلأنه غار(٣) على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم
تأهيلاً لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها .
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) المعراج: ما عَرَج عليه النبي # ليلة الإسراء.
(٣) جاء في حديث القشيري عن الغيرة: قال رسول الله ﴿ر: ((ما أحد أغير من الله تعالى، ومن غيرته
حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)). وقال رسول الله #1: ((إن الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة
الله تعالى أن يأتي العبد المؤمن ما حرم الله تعالى عليه)». فالغيرة كراهية مشاركة الآخرين، وإذا
وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة غيره معه، فيما هو حق له من طاعة عبده.
(الرسالة القشيرية ص ١٥٤ - ٢٥٥).

٢٤٢
تفسير سورة النساء
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة.
قوله جلّ ذكره: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
.وقَفَ الخلْقَ عند مقاديرهم؛ وبيَّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى
اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلق سبيل إلى راحة
يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما في الحال أو في المآل.
قوله جلّ ذكره: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الزُّسُلِّ ◌َكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
أنَّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حُجَّة؟! ولكنَّ الله خاطبهم على حسب
عقولهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿لََّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَّلَ إِلَيْكٌَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَتْبِكَةُ
يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
سلَّاء الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال:
﴿و كفى بالله شهيداً﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا
أَبَدَأْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرًا﴾ .
جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله، واللَّهُ تعالى عظّم حقوق
أوليائه كتعظيم حقٌّ نفسه، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ﴾ جعل ظُلْمَهُم سبيلَ
كفرهم، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً. والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر
في استحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللَّهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على
الكفر .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِأَلْحَقِّ مِن زَبِّكُمْ فَعَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ
وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا﴾ .
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾: أخبر أنه سبحانه غني عنهم، فإنْ آمنوا فحظوظ أنفسهم
اكتسبوها وإن كفروا فَبَلَايَاهُم لأنفسهم اجتلبوها. والحقُّ - تعالى - مُنَزَّه الوصف عن
(الجهل) لوفاق أحدٍ، والنقص لخلاف أحد.
قوله: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِّ وَاَلْأَرْضَِّ﴾ يعني إن خرجوا عن استعمال
العبودية - فعلاً، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده - خلقاً، قال تعالى: ﴿إِن كُلُ
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْزَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].

٢٤٣
تفسير سورة النساء
قوله جلّ ذكره: ﴿يَّأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَّ
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهٌ فَامِنُواْ بِلَّهِ
وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَةٌ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهُ وَحِدٌ سُبْحَهُ، أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَكُ لَهُ
مَا فِ السَّمَوَتِ وَبَا فِى الْأَرْضُِ وَكَفَ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
غُلُوُهم في دينهم جَرْيُهم على مقتضى حسبانهم؛ حيث وصفوا - بمشابهة الخلق
- معبودّهم، ثم مناقضتهم؛ حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، والتمادي في
الباطل لا يزيد غير الباطل.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُغَرَّبُونَ
وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْشُرُهُ إِلَيْهِ ◌َمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَةٍ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ.﴾.
كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي
استكباره تَلَفُه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إني عبد الله، وتجمُّل
العبيد في التذلل للسَّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة.
وقوله: ﴿وَلَا اُلْمَلَّكَةُ الْمُرَّبُونَ﴾ لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما
خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمَّا أَلَّذِينَ أَسْتَنَكَفُواْ وَأَسْتَكْبُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا
يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اَلَِّ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ .
العذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفُهم
ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَّدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانُ مِّنِ زَّيِّكُمْ﴾ .
البرهان ما لاح في سرائرهم من شواهد الحق.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ .
وهو خطابه الذي في تأملهم معانيه حصولُ استبصارِهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُّدٌّ ◌ِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنَّهُ
وَفَضْلٍ﴾ .
﴿فَسَيُدْيِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ﴾: والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند
التوفي، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان في الحال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَهْدِهِمْ إِلَيْهِ صِرَّطَا مُسْتَقِيمًا﴾.

٢٤٤
تفسير سورة النساء
هذه الهداية هي إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله فضل لا لأنهم
استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وکدهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ إِنِ آَمْرُ هَلَّكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
وَلَهُ: أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لََّا وَلَدْ فَإِن كَانَتَا أَثْسَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلُّلْثَانِ مِمَّا
نَرَكْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
قطع الخصومة بينهم في قسمة الميراث فيما أظهر لهم من النصُ على الحكم،
فإن المال محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبِلَت النفوس على الشحّ؛ فلو لم ينص على مقادير
الاستحقاق القابلة الأشباه) في الاجتهاد، فكان يؤدي ذلك إلى التجاذب والتواثب؛
فَحَسَمَ تلك الجملة بما نصَّ على المقادير في الميراث قطعاً للخصام. ولتوريثه
للنسوان - وإن لم يوجد منهن الذبُّ عن العشيرة - دلالة على النظر لضعفهن. وفي
تفضيل الذكور عليهنٍ لِمَا عليهم مِنْ حَملِ المؤن وكذا السعي في تحصيل المال،
والقيام عليهن.

السورة التى تذكر فيها المائدة
بدايه الحالي
سَمَاعُ اسم الله يُوجِبُ الهيبة، (والهيبة)(١) تتضمن الفناء والغيبة، وسماع الرحمن
الرحيم يوجب الحضور والأوبة، والحضور يتضمن البقاء والقربة.
فمن أسمعه ((بسم الله)) أدهشه في كشف جلاله، ومن أسمعه ((الرحمن الرحيم))
عَيَّشَهِ بِلُطْفِ أفضاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِآلْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
(يا)) حرف نداء، و((أي)) اسم منادى، ((ها)) تنبيه و ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ صلة
المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسمَّاهم قبل أن يراهم، وأَمَّلهم في آزالهِ لِمَا
أوصلهم إليه في آباده .
شَرَّفهم بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وكلَّفهم بقوله ﴿أوفوا﴾ ولمَا عَلِمَ أن
التكليف يوجب المشقة قَدَّم التشريف بالثناءِ على التكليف الموجب للعناءِ.
ويقال الإيمانُ صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل
المجهود. فَبَذْلُ المجهودِ خِدْمَتُك، وعين الجود قِسْمَتُه؛ فبخدمتك عناءُ الأشباح،
وبقسمته ضياءُ الأرواح.
وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب.
ويقال ﴿بَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: يا مَنْ دخلوا في إيماني، ما وصلتم إلا أَماني إلا
بسابق إحساني. ويقال يا مَنْ فتحتُ بصيرتَهم لشهود حقي حتى لا يكونوا كمن
أعرضتُ عنهم مِنْ خَلْقِي .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَقُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ .
كُلِّ مُكلَّفٍ مُطَالَبٌ بالوفاء بعقده، والعقد، ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفقَّكَ -
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
٢٤٥

٢٤٦
تفسير سورة المائدة
بعدما أظهرك عند خطابه - بجوابه (١)، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول
بالجواب .
ويدخل في ذلك - بل يلتحق به - ما عَقَدَ القلبُ معه سِرًّا بِسِرِّ؛ من خلوصٍ له
أضمره، أو شيء تبيَّنه، أو معنّى كوشف به أو طولب به فقَبِله.
ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرِّي من المُنّة،
والتحقق بتولي الحق - سبحانه - بلطائف المِنَّة .
قوله جلّ ذكره: ﴿أُحِّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ يُحِلَّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ .
تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جُزْمِ سَبَق منها، وتحريم بعضها والمنع
من ذبحها من غير طاعة حصلت منها - دليلٌ على أَلَّا عِلَّةَ لصنعه.
وحرَّم الصيد على المُخرِم خصوصاً لأن المُخْرِمَ متجرِّدٌ عن نصيب نفسه بقصده
إليه، فالأليق بصفاته كُفُّ الأذى عن كل حيوان.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ ◌َّهَ يَحْكُ مَا يُرِيدُ﴾ .
لا حَجْرَ عليه في أفعاله، فيخصُّ من يشاء بالنُّعْمى، ويفرد من يشاء بالبلوى؛
فهو يُمْضِي الأمور في آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى في آزاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَكَيْرَ اللَّهِ﴾.
الشعائر معالم الدِّين، وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا
بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال الشعائر
(يكون) بالإخلال بالأوامر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ وَلَا أَلْهَذْىَ وَلَا الْقَلَتِدَ﴾.
تعظيم المكان الذي عظّمه الله، وإكرامُ الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف الإعلام
على ما أمر به الله - هو المطلوب من العبيد أمراً، والمحبوب منه حالاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانً﴾ .
وبالحريّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربَّ البيت.
والابتغاء للفضل والرضوان بتوقّي موجبات السخط، ومجانبة العصيان.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْرٍ أَنْ صَذُّوكُمْ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ .
(١) يلمح هنا القشيري إلى قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] شهدوا بذلك
(اللسان ٣٠٤/٤).

٢٤٧
تفسير سورة المائدة
وإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأمّا ما دمتم
تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا .
قوله ﴿وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَمَثَانُ قَوْيٍ ... ﴾ أي لا يحملكم بغضُ قوم لأنهم صدوكم
عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدَّ الإذن في الانتقام، أي كونوا قائمين بنا،
متجردين عن كل نصيب وخَظِّ لكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ﴾ .
البِرُّ فِعْلُ ما أُمِرْتَ به، والتقوى تَرْكُ ما زُجِرتَ عنه .
ويقال البِرُّ إيثار حقه - سبحانه، والتقوى تركُ حظّك.
ويقال البِرُ موافقة الشرع، والتقوى مخالفةُ النّفْس.
ويقال المعاونة على البِرّ بحُسْنٍ النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة
على التقوى بالقبض على أيدي الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ وبليغ
الزجر، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم.
والمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئاً مما يقتدى بك لا يرضاه الدِّين،
فيكون قولُك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سُنَّةً تظهرها و (عليك) نبُوُّ وِزْرِها. وكذلك
المعاونة على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخِصال على الوجه الذي يُقْتدَى بكل
فيه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ .
العقوبة ما تعقب الجُزْم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المُعَاقَبِ عن
شهود المُعَاقِب؛ فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء بشهود المُبْلِي أحلى من العسل والشهد.
قوله جلّ ذكره: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ وَّمُ اَلِنِزِيرِ﴾ .
وأكل الميتة أن تتناول من عِرْضٍ أخيك على وجه الغيبة، وليس ذلك مما فيه
رخصةٌ بحالٍ لا بالاضطرارِ ولا بالاختيارِ، وغير هذا من المَيْئَةِ مباحٌ في حالٍ
الضرورة .
ويقال كما أَنَّ في الحيوان ما يكون المزكى منه مباحاً والميتة منه حراماً فكذلك
من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطَهَّرَ نفسه - مُبَاحٌ قربه، حلال صحبته. ومَنْ
ماتت نفسه في ظلمة غفلته حتى لا إحساسَ له بالأمور الدينية فخبيئةٌ نفسه، محظورٌ
قُربُه، حرام معاشرته، غیرُ مباركةٍ صحبتِه .
وإنَّ السلف سموا الدنيا خنزيرةً، ورأوا أَنَّ ما يُلْهِي قربُهُ، ويُنْسِي المعبودَ
ركونُه، ويحمل على العصيان جنوحُه ــ فهو مُحرَّمٌّ على القلوب؛ ففي طريقة القوم

٢٤٨
تفسير سورة المائدة
حبُّ الدنيا حرامٌ على القلوب، وإن كان إمساكُ بعضها حلالاً على الأبدان والنفوس.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أُهِنَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَاُلْنَّطِيحَةُ﴾ .
كما أنَّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيِّبٍ فَمَنْ بَذّلَ رُوحَه فيه وَجَدَ رَوْحه منه،
ومن تهارشته (١) كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأَسَرَتْهُ مطالبُ الأغراض
والأعراض - فحرامٌ ماله على أهل الحقائق في مذهب التعزز، فللشريعَةِ الظرف
والتقدير .
وأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك في حبال المنى والرغائب، وأخذه
خناقُ الطمع، وخنقته سلاسل (الحِرص) فحرامٌ على السالكين سلوك خطتهم،
ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم.
وأمّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جُبِلَت على طلب الخسائس حتى
استملكتها كنها فهي التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرامٌ على أهل
هذه القصة .
والإشارة من المتردية إلى من هلك في أودية التفرقة، وعمي عن استبصار رشد
الحقيقة؛ فهو يهيم في مفاوز الظنون، وبنهك في متاهات المنى.
والإشارة من النطيحة إلى من صَارَعَ الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب
الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من :
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَكَلَ السَُّعُ إِلَّا مَا ذَّكَيْتُ﴾ .
وأكيلة السبع ما ولغت(٢) فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأَكَلَةُ الجيفِ
الكلابُ ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله؛ لأن زادَ المؤمِنِ من
الدنيا: ما كان الله فهو محمود، وما كان للنّفْس فهو مذموم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾ .
فهو ما أُرْصِدَ لغير الله، ومقصودُ كلِّ حريصٍ - بموجب شرعه - معبودُه من
حيث هواه قال الله تعالى. ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَّهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] يعني اتخذ هواه
إلهه .
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَئِ﴾، الإشارة منه إلى كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على
استجلاب الحظوظ الدنيوية - لا على وجه الإذن - إذ القمار ذلك معناه. وقَلَّتْ
المعاملات المجرّدة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت.
(١) تهارشت الكلاب: تواثبت وتقاتلت.
(٢) ولغ الكلب وغيره من السباع في الإناء، ومنه، وبه: شرب ما فيه بطرف لسانه.

٢٤٩
تفسير سورة المائدة
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكُمْ فِسْؤٌ﴾ .
أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين .
قوله جلّ ذكره: ﴿ أَلْيَوْمَ بِيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾ .
أي بعدما أزَحتُم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن
فلا تلاحظوا سواي، ولا يُظَلْلَنْ قلوبكم إشفاقٌ من غيري .
ويقال إذا كانت البصائرُ متحققة بأن النّفع والضر، والخير والشر لا تحصل شظية
منها إلا بقدرة الحق - سبحانه، فمن المحال أن تنطوي - من مخلوق - على رَغَبِ أو
رَهَبٍ .
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
إكمالُه الدين - وقد أضافه إلى نفسه - صَوْنُه العقيدة عن النقصان؛ وهو أنه لما
أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أُمَّلها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا النظر
مَوْضِعَه من غير تقصيرٍ، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور:
ويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول
في الحال: فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول.
ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد
علَّمك.
ويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل -
أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار.
وإنما أراد بذكر ﴿اَلْيَوْمَ﴾ وقتَ نزول الآية. وتقييد الوقت في الخطاب بقوله
﴿أَلْيَوْمَ﴾ لا يعود إلى عين إكمال الدِّين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت.
والدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوبُ ما سبق
منه حصوله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ .
النعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة
المذكورة ها هنا نعمة الدِّين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال
الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة
المسلمين، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعتري في الآحاد
والأفراد هل يبقى على الإيمان؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِنًَّ﴾.

٢٥٠
تفسير سورة المائدة
وذلك لما قَسَمَ للخَلْقِ أديانَهم؛ فخصّ قوماً باليهودية، وقوماً بالنصرانية، إلى
غير ذلك من النّحَلِ والمِلَلِ، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران .
وقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وَصَفَ به
النعمة لقبول النّعم للزيادة، ولا رتبةً بعد الكمال فلذلك وصف به الدين.
،
ويقال لا فرق بين الدِّين والنعمة المذكورة ها هنا، وإنما ذُكِرَ بلفظين على جهة
التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: ﴿نِعْمَتِىِ﴾ وإلى العبد فقال: ﴿دِينِكُمْ﴾. فَوَجْهُ
إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخَلْق.
فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع
الجريان الحكم بلا نزاع في السُّرِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخَْصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ فَإِنَّ اللََّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
الإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالكٍ فترة، أو لمريدٍ في السلوك وقفة، ثم
تنبَّه لعظيم وقاعة فبادر إلى جميع الرَّجْعَةِ باستشعار التحسّر على ما جرى تدَارَكَتْه
الرحمة، ونظر الله - سبحانه - إليه بقبول الرجعة .
والإشارة من قوله ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ أي غير معرّج على الفترة، ولا مستديم
العُقْدةِ الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رُخْصِّ
العلم لضعفٍ وَجَدَه في الحال فربما تجري معه مُساهلةٌ إذا لم يفسخ عَقْدَ الإرادة.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيِّبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ
مُكِينَ تُعلُِّونَهُنَّ ◌ِمَا عَلََّكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذْكُرُوْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ الَهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
اَلِسَابِ﴾ .
لما علموا أن الحَسَنَ من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرَّفوا ذلك
من تفصيل الشرع، فقال: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُمِلَّ لَّ﴾ ثم قال:
﴿قُلّ أُمِلَّ لَكُمُ الَِّيِّبَتُ﴾ وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبةُ القلوب فإنَّ
أَكْلَ الحرامِ يُوجِبُ قسوة القلبِ، والوحشةُ مقرونةُ بقسوةِ القلبِ، وضياءُ القلوب
وطِيَبَ الأَوقَات متصلٌ بصَوْن الخُّلُق عن تناول الحرام والشبهات.
وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِلِينَ﴾: ولمَّا كان الكلب المُعَلَّمَ تركَ حظّه،
وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق في ذلك حكم
خساسته فكذلك مَنْ كانت أعماله وأحواله لله - سبحانه مختصة، ولا يشوبها حظ تَجِلَّ
رتبتُه وتعلو حالته.
ويقال حُسْنُ الأدب يُلْحِقُ الأَخِسَّة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يَرُدُّ الأعِزَّة إلى
حالة الأصاغر.

٢٥١
تفسير سورة المائدة
ثم قال: ﴿وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: بيَّن أنَّ الأكلَ - على الغفلة - غير مَرْضِيٍّ عنه
(في القيمة).
﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، وسريعُ الحسابِ
- اليومَ - مع الأحباب والأولياء، فهم لا يُسَامَحون في الخطوة ولا في اللحظة، معجَّلٌ
حسابُهم، مُضَاعَفٌ - في الوقتِ - ثوابُهم وعقابُهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْيَّوْمَ أُحِلَّ لَكُ الطَّيِبَثُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ
◌ٌِّ لَّ وَالْمُحْصَنَتُّ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ
مِنَ اٌلْخَسِنَ﴾ .
ليس الطَّيِّبُ ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق -
سبحانه - فتوجد عند ذلك راحةُ القلوب .
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُ﴾: القَدْرُ الذي بيننا وبينهم من الوفاق في إثبات
الربوبية لم يَعْرَ من أثرٍ في القربة فقال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَ﴾ [المائدة: ٨٢].
وكذلك الأمر في المحصنات من نسائهم. وأُحِلَّ الطعامُ والذبيحةُ بيننا وبينهم
من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج
بنسائهم يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى.
ثم قال ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ يعني إنهم وإن كانوا كفاراً فلا تجب صحبتهن
بغير نكاح تعظيماً لأمرٍ السّفاح، وتنبيهاً على وجوب مراعاة الأمر من الحق. وكذلك
﴿وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾ لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة(١)
فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَمْبَيْنِّ﴾ .
كما أنَّ في الشريعة لا تصحُّ الصلاةُ بغيرِ الطهور فلا تصحُ - في الحقيقة - بغير
طهور .
وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر أيضاً طهارة، وطهارةُ الأبدان بماء السماء أي
المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل.
(١) المخادلة : المصادقة .

٢٥٢
تفسير سورة المائدة
وكما يجب غسلُ الوجهِ عند القيام إلى الصلاة يجب - في بيان الإشارة - صيانةُ
الوجه عن التبذُّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض.
وكما يجب غسلُ اليدين في اليدين في الطهارة يجب قصرهما عن الحرام
والشبهة .
وكما يجب مسحُ الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد.
وكما يجب غسل الرجلين في الطهارة يجب صونهما في الطهارة الباطنة عن
التنقل فيما لا يجوز.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُمِ نَّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌّ
◌ِنَّكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ .
كما يقتضي غسل جميع البدن في الطهارة، كذلك في الطهارة الباطنة ما يوجب
الاستقصاء؛ وذلك عندما تقع للمريد فَتْرةٌ فيقوم بتجديد عقدٍ، وتأكيد عهد، والتزام
عزامة، وتسليم وقتٍ، واستدامة ندامة، واستشعار خجل.
وكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرْضُه التَّيَمُمْ فكذلك إذا لم يجد المريد مَنْ
يفيض عليه صَوْبَ همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يؤوب به من زيادة حالته
- اشتغل بما تيسَّر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سِيَرِهِم،
وما ورد من حکایاتھم.
وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه
الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ .
وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة
فلْيَخْطُطْ رِجْلَه بساحات العبادة، فإذا عَدِمَ اللطائف في سرائره فَلْيَسْتَدِمْ الوظائف على
ظاهره، وإذا لم يتحقَّقْ بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم يتحرج عن
تَزْكِه الفضيلة فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِطُهْرَكُمْ﴾ .
أي يظهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويظهر قلوبكم عن الغفلة برحمته .
ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع في
شباك الأشغال .
ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنْسَ المقادير بالأعلال.

٢٥٣
تفسير سورة المائدة
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّحِكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
إتمام النعمة على قوم بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم،
وشتان بين قوم وقوم ! .
ويقال إتمام النعمة في وفاء العاقبة؛ فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان
والإيمان فقد تَمتْ سعادته، وصَفَتْ نعمته.
ويقال إتمام النعمة في شهود المنعِم؛ فإنَّ وجودَ النعمة لكل أحد ولكنَّ إتمامها
في شهود المنعِم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَّهُ الَّذِى وَانَقَكُمْ بِهِ﴾﴾ .
الإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمْتَ أنه من هو.
ويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القِسَمِ وهم في كَتْمِ العَدَم، فلا للأغيار عنهم
خبر، ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد سمَاهم بالإيمان، وحكمٍ لهم
بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرَّفهم التوحيد قبل أن كلّفهم
الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذّرهم الخيانة، فقابلوا قوله بالتصديق،
ووعَدُوا من أنفسهم الوفاء بشرط التحقيق، فأمدَّهم بحسن التوفيق، وثَبَّتهم على الطريق،
ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَّأْ﴾.
ثم قال: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ﴾: يعني في نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عمَّا
قدمتم من العهود، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم
ونيات صدوركم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِّ﴾ .
لا يُعَوِّقنَّكم حصولُ نصيبٍ لكم في شيء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجّب
علیکم من حقنا .
ويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمحُ عنه نواجم شهواته ومطالبه لم
يقم لله بحق ولم يفٍ لواجباته بشرط .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَكَانُ تَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ
وَأَتَّقُواْ الَهَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
أي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنَّ مرتعَ الظلم
وبيٌ، ومواضع الزيغ مهلكة .
ثم صرَّح بالأمر بالعدل فقال: ﴿اعدلوا﴾ ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول
عن كل حظٍ ونصيب.

٢٥٤
تفسير سورة المائدة
والعدلُ أقربُ إلى التقوى، والجَوْرُ أقربُ من الرَّدَى، ويُوقِعُ عن قريبٍ في
عظيم البلوى .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََِّّحَتِّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرُ
عَظِيمٌ﴾ .
والمغفرة لا تكون إلَّا للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم
المغفرة لِيُعْلَمَ أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها،
بخلاف ما تَوَهَّمَ مَنْ قال إن المعاصي تَخْبِطُ الطاعات.
ويقال بيَّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عَفْوِه وغفرانه،
ولولا ذلك لَهلَكَ، خلافاً لمن قال إنه لا يجوز أن يَعذِّبَ البريءَ ويجب أن يثيب
المحسنين .
ويقال لو كان ثوابُ المحسنين واجباً، وعقوبةُ البريء غيرَ حسنة لكان التجاوزُ
عنه واجباً عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَغَرُواْ وَكَذَّبُوا بِثَايَتِنَآ أُوْلَمِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
لهم عقوبتان: معجلة وهي الفراق، ومؤجلة وهي الاحتراق.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ
يَبْسُطُوّاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ نَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
يذكّرهم ما سلف لهم من نِعَم الدفع وهو ما قصر عنهم أيدي الأعداء، وذلك
من أمارات العناية. ولقد بالغ في الإحسان إليك مَنْ كان يُظهر لك الغيبَ من غير
التماس أو سَبْق شفاعة فيك، أو رجاءٍ نفع من المستأنف منك، أو حصول ربحٍ في
الحال عليك، أو وجود حق في المستأنف لَك.
ثم قال: ﴿وَعَلَى الَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني كما أحسنت إليكم في السالف من
غير استحقاق فانتظروا جميل إحساني في الغابر من غير استيجاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ
نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِّ مَعَكُمْ﴾ .
يذكرهم حُسْنَ أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) في مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم.
وعرف المؤمنين - تحذيراً لهم - ألا ينزلوا منزلتهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه
من عقوبتهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الْضَلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُهُمْ﴾ .

٢٥٥
تفسير سورة المائدة
أي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمري في العاجل
لأجِئْن قَدْرَكم في الآجل.
وإقامة الصلاة أن تشهد مَنْ تعبده، ولذا قال النبي ◌َّرِ: ((اعبد اللَّهَ كأنَّكَ
تراه))(١).
ويقال إقامة الصلاة شرطها أَنْ تُقْبِلَ على ما مَنْ تناجيه بأن تستقبل القُطْرَ الذي
الكعبة فيه .
وأمَّا إيتاء الزكاة فحقُّه أن تكسب المال من وجه، وتصرفه في حقه، ولا تمنع
الحق الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تُخوج الفقير إلى طلبه
فإنَّ الواجبَ عليكَ أن توصل ذلك إلى مستحقه .
وتعزير الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد
والاستقلال، وإيثارهم عليك في جميع الأحوال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا﴾ .
الأغنياء ينفقون أموالهم في سبيل الله، والفقراء يبذلون مهجَتهم وأرواحهم في
طلب الله، (فأولئك) عن مائتي درهم يُخْرِجُون خَمْسَة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره
نَفَساً ولا ذرَّة.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَلَأَنََِّنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الأنھَا﴾.
التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن العاصي فيمحو من
ديوانه، وبنسِي الحَفظّة سوالف عصيانه. وينفي عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه في
العرصة(٢) على ما قَدَّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال:
﴿وَلَأُذِْلَّهُمْ جَنَّاتٍ تَّجْرِئٍ مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ﴾، كما قيل:
حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
ولما رضوا بالعفو عن ذي زلة
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ١٣٢/٢)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢/ ٤٠، ٢١٨/٤) وابن
حجر في (المطالب العالية ٣٠٩٦ - ٣٠٩٧)، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢٦٨/١، ٣/
٥٩٢، ٢٤٧/٤)، وابن كثير في (التفسير ١٧٩/٢)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١١٥/٦) وابن
حجر في (فتح الباري ٢٣٤/١١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٢٤/٢، ٤٥٣/٧، ١٠/
٥٩)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١٠٦/٣)، والسيوطي في (الدر المنثور ٢٩٩/١)،
والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٢٥٠ - ٥٢٥١ - ٥٢٥٦ - ٥٢٧٩ - ٤٤١٥٤) وابن أبي شيبة في
(المصنف ٢٢٥/١٣).
(٢) العرصة: البقعة الواسعة بين الدور ليس فيها بناء (ج) عرصات وعراص.

٢٥٦
تفسير سورة المائدة
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾.
فَمَنْ جَحَدَ هذه الأيادي بعد اتضاحها فقد عَدَلَ عن نَهْج أهل الوفاء، وحاد عن
سَنَّنِ أصحاب الولاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم ◌ِينَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ﴾ .
جعل جزاءَ العصيان الخذلانَ للزيادة في العصيان.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ يُحَرَّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َوَاضِعِهِ،﴾.
وتحريفُهم الكلم عن مواضعه نوعُ عصيان منهم، وإنما حرَّفوا لقساوة قلوبهم.
وقسوة القلب عقوبة لهم مِنْ قِبَل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد
أعظمُ وِزْرٍ يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يُعَاقَبُ بها العبد، وقسوة القلب
عدم التوجع مما يُمتَحَنَ به من الصدِّ، وعن قريبٍ يُمتَحَن بمحنة الرد بعد الصدْ،
وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد.
ويقال قسوة القلب أولها فَقْدُ الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم
استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع من هذه الجملة فهو تمام الشقوة.
ومن تحريف الكلم ــ على بيان الإشارة - حَمْلُ الكلم على وجوه من التأويل مما
تسوّل لصاحبِهِ نَفْسُه، ولا تشهد له دلائلُ العلم ولا أصلُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَسُواْ حَظًا مِمَا ذُكِرُواْ بِدٍ﴾.
أوَّلُ آفاتِهِم نسيانُهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان،
والنسيانُ حاصلٌ من الخذلان.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ﴾ .
الخيانة أمرها شديد وهي من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوَّد
اتباع الشهوات، وأَشْرِبَ في قلبه حُبَّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخُلُق إلى آخر
عمره، اللهم إلا أن يجودَ الحقُّ - سبحانه - عليه بجميلٍ اللطف.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحدٍ أهلاً للعقاب.
وللصفح على العفو مزية وهي أن في العفو رفع الجناح، وفي الصفح إخراج ذكر
الإثارة من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه - بعد التجاوز - بعين
الاستحقار والازدراء(١) فهو صاحب الصفح.
(١) ازدراء: احتقره.

٢٥٧
تفسير سورة المائدة
والإحسان تعميمٌ - للجمهور - بإسداء الفضل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ جَفًَّا
مِمَا ذُكِرُوا بِهِ، فَأَغْرهَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا
كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .
الإشارة في هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: ﴿قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَى﴾ وسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرَّفوا وبدَّلوا، وأما المسلمون فقال:
﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].
كما قال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٢] فلا جَرَمَ ألا يسموا
بالتناصر. ولمَّا سمَّاهم الحقُّ بالإِسلام ورَضِيَ لهم به صانهم عن التبديل فَعُصِمُوا.
ولما استمكنٍ منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين(١)؛
فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال تشملير:
((المؤمنون كنفس واحدة))(٢)، وقال تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿إِخْوَنًا عَلَى سُرُدٍ
مُتَقَبِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤].
قوله جلّ ذكره: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَا
كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرُ﴾.
وصف الرسول - * - بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه؛ إذ
لولا صدقه لما عَرَفَ ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات
خُلُقِه؛ إذ لولا خُلُقُهُ لَمَا فعل ذلك؛ فإظهار ما أبداه دليل عِلْمه، والعفو عما أخفى
برهانٍ حلمه.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ جَآءُكُمْ مِنَ اَللَّهِ نُورٌّ وَكِتَبُ تُبِيبٌ يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ
مَرْنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الْفُلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغني عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم
العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سِرّه شواهد الأغيار،
وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمُّ قُلْ فَمَن
(١) ذات البين: ما بين القوم من العداوة والبغضاء أو القرابة والصلة والمودة.
(٢) هناك رواية أخرى للحديث: ((المؤمنون كرجل واحد)) أخرجه مسلم (برّ ٦٧ - ٦٨).
فقط . ع

٢٥٨
تفسير سورة المائدة
يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ
جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَّدِيرٌ﴾ .
مَنْ اشتملت عليه أرحامُ الطوامتُ(١) متى يفارقه نَقْصُ الخِلْقة؟
ومَنْ لاحت عليه شواهدُ التغيُّر أَنَّى يليق به نعت الربوبية؟
ولو قَطَعَ البقاءَ عن جميع ما أوجد فأي نقصٍ يعود إلى الصمد؟.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ وَالنَّصَكَرَى غَحْنُ أَبْنَوْ الَّهِ وَأَحِبَّتُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم
◌ِذُنُوبِكُمْ بَّ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَ إِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَّأْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
البنوة تقتضي المجانسة، والحقُّ عنها مُنَزَّةٌ، والمحبةُ بين المتجانسين تقتضي
الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مُقدَّس .
فردَّ الله - سبحانه - عليهم فقال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ﴾ .
والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضاً للقديم؛ فالقديم لا بعض له لأن الأحدية
حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم تجز -
على الوجه الذي اعتقدوه - بينهم وبينه محبة .
ويقال في الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُّكُم بِذُنُوبِكُمْ﴾ .
ويقال بيَّن في هذه الآية أن قصارى الخلق إمَّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى
شيء وراء ذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ
تَقُولُواْ مَا جَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيٍّ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَلَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
يقال في: كل زمان تقع فَتْرَة في سبيل الله ثم تجدد الحال، ويُعَمُّ الطريق بإبداء
السالكين من كتم العَدَم، ولقد كان زمانُ الرسولِ - وَ * - أكثرَ الأزمنة بركةً، فأحيا
بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل، وبذلك مَنَّ عليهم،
وذكّرهم عظیم نعمتِه فيهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ
(١) طمئت المرأة: حاضت أول ما تحيض فهي طامث أي: حائض.

٢٥٩
تفسير سورة المائدة
كان الأمر لبني إسرائيل - على لسان نَبِّيهم - بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، وكان
الأمر لهذه الأمة - بخطاب الله لا على لسان مخلوق - بأن يذكروه فقال: ﴿قَاذْكُرُونِيّ
أَذْكُرَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وشتان بين من أمره بذكره - سبحانه - وبين من أمره بذكر
نعمته! ثم جعل جزاءهم ثوابَه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو
قوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلَكُم مُلُوًا﴾ .
المَلِكُ مِنَ المخلوقين مَنْ عَبَدَ المَلِكَ الحقيقي.
ويقال المَلِكُ مَنْ مَلَكَ هواه، والعبد من هو في رِقْ شهواته.
ويقال ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه
بأشغالكم، وسَهَّلَ إليه سبيلكم في عموم أحوالكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاتَنَكُم ◌َّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾.
لئن آتي بني إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا
بوجوده، والاستقلال بوجوده أتمَّ من الاستغناء بمقتضى جوده.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
من الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل أنه أباح لهم دخولَ الأرض المقدسة
على الخصوص فقال: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَتِىِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثم إنهم لم
يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال في شأن هذه الأمة ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ اٌلْضَلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فأولئك كتب
لهم دخول الأرض كتابةً تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على
جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا.
وقال: ﴿أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ وقال لهذه الأمة: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الْأَرْضَ
ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهٌِ﴾ [الملك: ١٥] فهؤلاء ذلَّل لهم وسَّهل عليهم،
وأولئك صعَّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ نْئِدُواْ عَلَّ أَذَبَرِكُ فَنَقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ .
الارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس
بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشّقْوَة - التي هي الفراق - على القلوب.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّ يَخْرُجُواْ مِنْهَا
فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ .

٢٦٠
تفسير سورة المائدة
لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئاً من الحدثان، وداخلتهم هواجِمُ
الرعبِ فأصروا على ترك الأمر. ومَنْ طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم في أَسْرٍ
التقدير قوالبَ متعريةً عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظلُّ الثّوهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ عَلَيْهِمُ
الْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونٌ﴾ .
أنعم الله (عليهما)(١) بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما أن من
رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركته عواجلُ الكفاية ثم قال :
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ .
أي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغي للمؤمن أن يتوكل.
ويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين
العلم بأن قضاءه لا رادّ له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود
الحادثات بالله ومِنْ الله ولله، فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَّأُ مَّا دَامُواْ فِيهَّ﴾ .
مَنْ أَقْصَتْه سوابِقُ التقدير لم يزِذْه تواترُ (العظة) إلا نفوراً وجحوداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾.
تركوا آداب الخطابِ فصرَّحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآَّ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ
اَلْفَاسِقِينَ﴾ .
لما ادَّعى أَنَّه يملك نَفْسَه عرف عجزه عن مِلْكِه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه
يجرُّه إليه .
ويقال: لا أملك إلا نفسي أي لا أدخرها عن البذل في أمرك. لا أملك إلا أخي
فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه مِنْ قِبَلِكَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِ اَلْأَرْضِّ فَلَا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ اَلْفَسِفِينَ﴾.
مجاهرة الرد تعجّل العقوبة؛ فإن من ماكَرَ الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن
التقدير ما يُلْجِثُه إلى التطوُّح في أوطان الذُلُ.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.