النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ تفسير سورة النساء فإنَّ مُتَوَلِّيَ الأسرار الله. هذا إذا كان غرضٌ فاسدٌ يحملكم عليه من أحكام النَّفْس، فأمَّا من كان نظرُه بالله ولم يَنْسَيِّرْ عليه شيءٌ فَلْيَخفظُ سِرَّ الله فيما كوشِفَ به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه . قوله جل ذكره: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ. بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ الَهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةُ وَّكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَّ وَفََّ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ . الحقُّ سبحانه جمع جميع أوليائه في أفضاله لكنه غَايَرَ بينهم في الدرجات، فَمِنْ غنيٍّ ومن عبدٍ هو أغنى منه، ومِنْ كبيرٍ ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب دُرِّية ولكن القمرَ فوقها، وإذا طلعت الشمسُ بهرت الجميع بنورها! قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَِّينَ تَوَفَّهُمُ الْمَتَبِكَةُّ ◌َالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّ مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِنَّ قَالُواْ أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتَّ مَصِيًّا﴾ . الإشارة منه إلى من أدركه الأجلُ وهو في أسْر نَفْسه وفي رِقُ شهواته - ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظِلْ قُربته ليتخلّصَ مِنْ هوى نفسِه إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلا هواك. قوله جل ذكره: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورً ﴾ . الإشارة منه إلى الذين مَلَكَتْهُم المعاني فأفنتهم عنهم، فَبَقُوا مُصَرَّفِين له، لا لهم حَوْلٌ ولا قوة، يبدو عليهم ما يُجْرِيه - سبحانه - عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محوّ عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلاً، ولا يتنفَّسون لغيره نَفَساً. ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضَّل الحقُّ - سبحانه - عليهم بالعفو. قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَبِرًا وَسَمَّةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُّ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . مَنْ هَاجَرَ في الله عما سوى الله، وصحح قَصَده إلى الله وَجَدَ فسحة في عقوة الكَرَم، ومقيلاً في ذرى القبول، وحياة وَسَعةً في كنف القرب. والمهاجر - في الحقيقة - من هجر نَفْسَه وهواه، ولا يصحُّ ذلك إلا بانسلاحه عن جميع مراداته، ومَنْ قَصَدَه ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محطّ روحه إلا أوطان قربه. ٢٢٢ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ اٌلْأَرْضِ فَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُِّيْنًا﴾ . القَصْرُ في الصلاة سُنَّةٌ في السفر، وكان في ابتداء الشرع عند الخوف، فأقرَّ ذلك مع زوال الخوف رفقاً بالعباد، فلما دخل الفرضَ القَصرُ لأجل السفر عوضوا بإباحة النَّفل(١) في السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال، فكذلك الماشي؛ ليُعْلَم أنَّ الإذنَ في المناجاة مستديمٌ في كل وقت؛ فإن أردتَ الدخول فمتى شئت، وإن أردت التباعد مترخصاً فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سُنّة الوفاء، وتحقق معنى الولاء. قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الضَّلَوةَ فَلْنَغُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةُ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَوَ أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ . تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد ما دام فيه نَفَسٌ من الاختيار لا في الخوف ولا في الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحققة إذا كنتَ بعين الجمع. قوله جل ذكره: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾. الوظائف الظاهرة مُوَقته وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع؛ أمَّا بالرسوم فوقتاً دون وقت، وأمَّا بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما اختلفت بكم الأحوال .. الذكرُ كيفما كنتم وكما كنتم، وأما الصلاةُ فإذا اطمأننتم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ أَلْقَوْمِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُوتٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَبُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . قوموا بالله وليكن استنادكم في جهادكم إلى الله . ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ : القومُ شاركوكم في إحساس الألم، ولكن خالفوكم في شهود القلب، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون، وتجدون لقلوبكم ما لا يجدون، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجد والجهد. (١) النَّقل: ما شرع زيادة على الفريضة والواجب. ٢٢٣ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِأَلْحَقّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَحِيمًا ﴾ . لم يأمرُك بالحكم بينهم على عمّى ولكن بما أراك الله أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك. قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِّلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾: أي لا تناضِل عن أرباب الحظوظ ولكن مع أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومَنْ رَكَنَ إلى أنواع نوازع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى. ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ ﴾ لامتك؛ فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك . قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّنَا أَشِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ الَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ . هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج في أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم - لا جَرَم ــ ولا يكرمهم. قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنَّ الحق مُطَّلِعٌ على قلوبهم أولئك الذين وَسَمَ الله قلوبهم بوسم الفرقة . قوله جل ذكره: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ . أي ندفع عنهم - بحرمتك ــ لأنك فيهم، فكيف حالهم يوم القيامة إذ زالت عنهم بركاتكم أيها المؤمنون؟! قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . (ثم): حرفٌ يدل على التراخي؛ أي يزجون عمرهم في البطالات والمخالفات ثم في آخر أعمارهم يستغفرون الله. وقوله: ﴿يَجِدِ اَللَّهَ﴾: الوجود غاية الحديث(١)، والعاصي لا يطلب غير الغفران، ولكن الله - سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله - إذا شاء، فسُنَّتُه تحقيق ما فوق المأمول لمن رجاه. (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٦١ - ٦٤ في حديث القشيري عن التواجد والوجد والوجود. ٢٢٤ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . الحقُّ غنيٌّ عن طاعة المطيعين، وزلة العاصين، فمن أطاع فحظُه حَضَّلَ، ومن عصی فحظه أخذ. قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيْئَةٌ أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ . من نسب إلى بريء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال، وألبس ذلك البريء ثواب محاسن راميه، وسحب ذيل العفو على مساويه، وقَلَبَ الحال على المتعدّي بما يفضحه بين أشكاله، في عامة أحواله. قوله جل ذكره: ﴿وَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّتِ ظَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . الفضلُ (١) إحسانٌ غيرُ مستحق، والإشارة ههنا - من الفضل - إلى عصمته إياه، فالحقُّ - سبحانه - عَصَمَه تخصيصاً له بتلك العصمة، وكما عصمه عن تَرْكِ حقه - سبحانه - عصمته بأن كفَّ عنه كيد خلقه فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ الآية. كلَّا، لن يكونَ لأحدٍ سبيلُ إلى إضلالك فأنت في قبضة العزة، وما يُضِلُّون إلا أنفسهم، وما يضرونك بشيء، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير، وإنَّ الله سبحانه قد اختصك بإنزال الكتاب، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب، وعلَّمك ما لم تكن تعلم، ولم يمن عليك بشيءٍ بمثل ما مَنَّ به على من خصَّه به من العلم. ويحتمل أنه أراد به علمه - صلى الله عليه - بالله وبجلاله، وعلمه بعبودية نَفْسه، ومقدار حاله في استحقاق عِزّه وجماله. ويقال علَّمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبساً عليك معرفة الحقيقة . ويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحدٍ نور إلا مُقْتَبّساً مِنْ نورِك، ومَنْ لم يمشٍ تحت رايتك لا يصل إلى جميع برّنا، ولا يحظى بقربنا وَوصلنا. ﴿وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيَّكَ عَظِيمًا﴾: في الآباد؛ أنَّكَ كنت - لنا بشرف العز وكرم الربوبية في الآزال - معلوماً. ويقال وعلَّمك ما لم تكن تعلم من عُلُوِّ رُثْبَتِكَ على الكافة . (١) الفضل: الزيادة. 1 ٢٢٥ تفسير سورة النساء ويقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ﴾ أنَّ أَحَداً لا يُقَدِّرُ قَدْرَنا إلا بمقدار مُوافَقَتِهِ لأمرِنا. قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبه إلى غيره؛ ففضيلة الصَّدَقَة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفُتُوةُ أن يكون سعيك لغيرك، ففي الخبر: ((شَرُّ الناسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَه)) وكلُّ أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة . قالِ مََّ في قَصْرِ الصلاة في السفر: ((هذه صدقة تصدَّقها الله عليكم فاقبلوا صَدَقَتْه))(١). والصدقة على أقسام: صدقتك على نفسك، وصدقتك على غيرك؛ فأمَّا صدقتك (على نفسك فَحْملُها على أداء حقوقه تعالى، ومَنْعُها عن مخالفة أمره، وقصرُ يدها عن أذية الخَلْقِ وصَوْنُ خواطرها وعقائدها عن السوء. وأمَّا صدقتك)(٢). على الغير فَصَدقةٌ بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن . فصدقة بالمال بإنفاق النعمة، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة، وصدقة بالقلب بحسن النية وتوكيد الهمة . والصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكالَ فيها، أمَّا الصدقة على الأغنياء فتكون بأن تجود عليهم بهم، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم. وأمّا المعروف: فكلُّ حَسَنٍ في الشرع فهو معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله، وزلفى عنده، وإعلاء النواصي(٣) بالطاعة. ومن تصدَّق بنفسه على طاعة ربه، وتصدَّقْ بقلبه على الرضا بحكمه، ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحثّ الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه، وأصلح بين الناس بِصِدْقه في حاله - فإنَّ لسانَ فعله أيلغ في الوعظ من لسان نطقه، فهو الصِّدِيق في وقته. ومن لم يؤدِّبْ نَفْسَه لم يتأدبُ به غيرُه، وكذلك من لم يهذِّب حالَه لم يتهذب به غيره. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ غيرَ سائلٍ به مالاً أو حائزٍ لنفسه به حالاً فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة في طريق الله، وهذا هو الأجر الموعود في هذه الآية . (١) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٢٦٤/٣)، والقرطبي في (التفسير ٣٦٣/٥). (٢) ما بين قوسين مستدرك من الهامش يقتضيه السياق (٣) الزلفى: المنزلة والدرجة والقُربة. والنواصي (ج) الناصية: ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس. ٢٢٦ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ أُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَثُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾. خواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد، فمن خَالَفَ إشارات ما طولب به مِنْ طريق الباطن استوجب عقوبات القلوب، ومنها أنْ يَعْمَى عن إبصار رشده. وكما أن مخالفَ الإجماع عن الدين خارجٌ فمخالِفُ ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق - ساقط . قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِلَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلْ بَعِيدًا إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَئِنَّا قَرِيدًا لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَيُبَيْكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمُهُنَّهُمْ فَيُغَيَُِّ خَلْقَ اَللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًَّا مِّن دُوَيِنِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ . قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلّا، بل هو الله الواحد. قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا﴾: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة. ﴿وَ إِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَا قَرِيدًا لَّعَنَهُ اللّهُ﴾، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس إلا مُقَلَّبُ في القبضة على ما يريده المنشىء، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلًّا، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق ( .... )(١) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيُّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ﴾ ... الآية ومعنى قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ . قوله جل ذكره: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُعَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطِنُ إِلَّا غُرًا أُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ . الذين قسم لهم الضلالة في الحال حكم عليهم بالعقوبة في المآل، ولولا أنه (١) بياض في الأصل. ٢٢٧ تفسير سورة النساء أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوفُ على صدق التوحيد عزيزٌ، وأربابُ التوحيد قليلٌ. قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْزِى مِنْ تَخْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ . الذين أسعدناهم حكماً وقَوْلاً، أنجدناهم حين أوجدناهم كرماً وطَوْلاً، ثم إنَّا نُحقّق لهم الموعودَ من الثواب، بما نُكْرِمُهم به من حسن المآب. قوله جل ذكره: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيَ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اُلَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ . مَنْ زَرَعَ الحنظلِ(١) لم يجثْنِ الورد والعبهر(٢)، ومن شرب السُّمَّ الزَّعاف(٣) لم يجد طعم العسل، كذلك مَنْ ضيَّعَ حقَّ الخدمة لم يستمكِنْ على بساط القربة، وَمَنْ وُسِمَ بالشّقوة لم يُرْزَقْ الصفوة، ومَنْ نَفَتْه القضية فلا ناصرَ له من البَريَّة . قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَِّحَتِ﴾ الآية. مَنْ تَعَنَّي في خدمتنا لم يبق عن نَّيْلِ نعمتنا، بل من أغنيناه في طلبنا أكرمناه بوجودنا، بل من جرَّغْنَاه كأسَ اشتياقنا أنلناه أُنْسَ لقائنا. قوله جل ذكره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطَا﴾ . لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله؛ يعني أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده لله عما سوى الله، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله، ولم يدَّخِزْ شيئاً عن الله؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه، ولا من روحه ولا من جَلَدِه، ولا من أهله ولا من وَلَدِه، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحَسِنٌ﴾: الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنَّك تراه، ولا بد للعبد من بقية (٤) من عين الفرق حتى يصح قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل (١) الحنظل: نبات عشبي بري حولي معترش من فصيلة القرعيات، ثمرته في حجم البرتقالة ولونها، فيها لب شديد المرارة. كان ولا يزال يُستعمل في الطب، ويُزرع في الحدائق الطبية. (٢) العبهر: الياسمين، سمي به لنعمته، وقيل: النرجس، وقيل: هو نبت ولم يُحَلِ (اللسان ٥٣٦/٤). (٣) سمّ زعاف: سريع القتل. (٤) أي يجب أن يرد إلى الفرق الثاني وهو أن يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض ليجري عليه القيام بالفرائض في أوقاتها فيكون رجوعاً لله بالله تعالى. (الرسالة القشيرية ص٦٦). ٢٢٨ تفسير سورة النساء مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام. وقوله: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾: جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال: ﴿ وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِنْزَهِيمَ خَلِيلًا﴾ فَعُلمَ أَنْ الخلَّةِ لُبسةٌ يُلِسها الحقُّ لا صفَةٌ یکتسبها العبد . ويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هيّ الخَصَاصة وهي الحاجة. ويقال إنه من الخلة التي هي المحبة، والخلة أن تباشر المحبةُ جميع أجزائه، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير. فلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - (عليه السلام) عنه، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس الله سبحانه . ثم قال: ﴿وَأَذِّنَ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] لا يلبي الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع. قوله جل ذكره: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتَبِ فِ يَتَعَى النِّسَاءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيٍّ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا﴾ . نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف(١) والظلم على المستضعفين من النِّسْوان واليتامى، وبَيَّنَ أنَّ المنتقِمَ به لهم الله، فَمَنْ راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليمَ البلاء. قوله جل ذكره: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَأْ وَاَلُلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّخَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . صحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض الوحشة والملامة، وممازجة النفرة والسامة(٢). فمَنْ أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلقُ عن مراعاة حقه، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قَدْرِهِ. ومَنْ رجع إلى الله بقلبه، استوى له - في الجملة والتفصيل - أمرُه، واتسع لاحتمال ما يستقبل من (١) الحيف: الجور والظلم. (٢) النفرة: من الأمر: الانقباض منه. والسآمة: الملل والضجر. ٢٢٩ تفسير سورة النساء سوء خُلُقِ الخَلْقِ صدرُه فهو يسحب ذيلَ العفو على هَنَاتِ جميعهم، ويُؤْثِرُ الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. واتضاعك في نفسك عن منافرة مَنْ يخاصمك أجدى عليك، وأحرى لك من تطاولك على خصمك باغياً الانتقام، وشهودٍ مَالَكَ في مزية المقام. وأكثر المنافقين في أسْرِ هذه المحنة . قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَ نفُسُ الشُّخُّ﴾: وشُحُّ النَّفْس قيام العبد بحظُّه. فلا محالة مَنْ حُجِبَ عن شهود الحق رُدَّ إلى شهود النَّفْس. قوله تعالى: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾: يعني يكن ذلك خيراً لكم. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه . ﴿وَتَتَّقُواْ﴾: يعني عن رؤيتكم مقامَ أنفسكم، وشهود قَدْرِكم، يعني وأنْ تروا ربّكم، وتفنوا برؤيته عن رؤية قذرٍ كم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): يعني إذا فنيتم عنكم وعن عملكم، فكفى بالله عليماً بعد فنائكم، وكفى به موجداً عقب امتحائكم. قوله جل ذكره: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَضْتُمّ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍّ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَحِيمًا﴾ . يعني أنْكم إذا ( .... )(١) في أموركم انعكس الحال عليكم، وانعكس صلاح ذات بينكم فساداً لكم، فإذا قمتم بالله في أموركم استوى العيشُ لكم، وصفا عن الكدر وقتكم . ويقال مَنْ حَكَم الله بنقصان عقله في حاله فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بکفایتکم. قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ﴾: يعني لا تزيغوا(٢) عن نهج الأمر. قِفوا حيثما وُقْفتم، وأنفذوا فيما أُمِرْتُم. وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين؛ لا منكم نصيب، ولا إلى غيركم سبيل، وإن هذا الحيف عظيم. والإشارة من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فَتَحَ - سبحانه - عليك شهود حقه، ووجود لطفه؛ فإنَّ من كان في الله تلَفُه فالحق - سبحانه - خَلَفُه، وإنْ تُصْلِحوا ما بينكم وبين الخَلْق، (١) بياض في الأصل. (٢) الزيغ: الميل عن الحق. ٢٣٠ تفسير سورة النساء وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم، رحيم بالعفو عن ذنوبكم. قوله جل ذكره: ﴿وَإِن يُنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّنِ سَعَتِهٍ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ . الصحبة التي لا بُدَّ منها صحبةُ القلب مع دوام افتقارٍ إلى الله؛ إذ الحقُّ لا بُدَّ منه. فأمَّا الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر، وذلك في ظنون أصحاب التفرقة، فأمَّا أهل التحقيق فلا تحرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها إلى الله سبحانه . قوله جل ذكره: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَثَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضَِّ وَكَانَ اَللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ . كلَّف الكافة بالرجوع إليه، ومجانبة مَنْ سِواه، والوقوف على أمره، ولكن فريقاً وُفْق وفريقاً خُذِل. ثم عَرَّفَ أهلَ التحقيق أنه غَنِيٍّ عن طاعة كلٌ وليٍّ، وبريء عن زلة كل غويٌّ . قوله جل ذكره: ﴿وَلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ . قَطَعَ الأسرار عن الثَّعلُّق بالأغيار بأن عزَّفهم انفراده بمُلْكِ ما في السموات والأرض، ثم أطمعهم في حسن توليه، وقيامه بما يحتاجون إليه بجميل اللطف وحسن الكفاية بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يصلح يملك حالك ولا يختزل مالك. قوله جل ذكره: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِتَاخِنَّ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ . من استغنى عنه في آزاله فلا حاجة له إليه في آباده. ويقال لا يحتاج إلى أحدٍ والعبد لا يستغني عنه في نَفَسٍ . ويقال لا نهاية للمقدورات فإن لم يكن عمرو فَزَيْدٌ، وإن لم يكن عبدٌ فعبيد، والذي لا بَدَلَ عنه ولا خَلَفَ فهو الواحد احد. قوله جل ذكره: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ تَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . لمَّا علَّقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكَّرهم حديث الآخرة، فقال: ﴿فَمِنْدَ اللَّهِ تَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ﴾ تعريفاً لهم أنَّ فوق هممهم من هذه الخسيسة ما هو أعلى منها من نعيم الآخرة، فلمَّا سَمَتْ إلى الآخرة قصودُهم قطعهم عن كل مرسوم ومخلوق بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ [طه: ٧٣]. قوله جل ذكره: ﴿﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى ٢٣١ تفسير سورة الناء أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُِأْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾ . القسط العدل، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه مِنْ كلِّ مَنْ هو لَكَ عليه أمر، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إمَّا أمر بمعروف أو زجر عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق . ومَنْ بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله . وأصل الدِّين إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله - سبحانه أحداً إمَّا والداً أو أُمّاً أو وَلَداً أو قريباً أو نسيباً، أو اذَّخر عنه نصيباً فهو بمعزل عن القيام بالقسط . قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلُّ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ . يا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمِنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث الكشف والعيان . ويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقاً آمنوا تحقيقاً بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم. ويقال يا أيها الذين آمنوا في الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل. ويقال يا أيها الذين آمنوا وراء كل وصل وفصل ووجد وفقد. ويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة الوصول، واستمكنت منكم حيرة البديهة وغلبات الذهول ثم أفقتم عن تلك الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالباً عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد، ووصل وفصل. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَاً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ . الذين تبدَّلَتْ بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم سطوة العزة حكماً، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالاً - فالحقُّ سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبَشْرهم بالفُرقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية(١). (١) الشّرمد: الدائم الذي لا ينقطع. ٢٣٢ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ أَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُوا مَعَهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِينَ فِى جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا ﴾ . من اعتصم بمخلوقٍ فقد التجأ إلى غير مُجير، واستند إلى غير كهفٍ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العِزَّ عند الذي أصابه ذلّ التكوين؟! متى يكون له عزّ على التحقيق؟ ومَنْ لا عزَّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدّى إلى غيره؟ ويقال لا ندري أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟ ويقال مَنْ طَلَبَ الشيء من غير وجهه فالإخفاق غاية جهده، ومن رام الغنى في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدّه. ويقال لو هُدُوا بوجدان العِزْ لما صُرِفَتْ قُصُودُهم إلى من ليس بيده شيءٍ من الأمر. قوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ العزّ على قسمين: عزَّ قديمٌ فهو الله وصفاً، وعزّ حادث يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - مِلْكاً ومنه لطفاً. قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ﴾ الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلماتِ أنفسِهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يَرُدُّون من أنفاسهم، فمن كان بوصفٍ ما متحققاً شاركه حاضروه فيه؛ فجليسُ مَنْ هو في أَنْسٍ مستأيِسٍ، وجليسُ من هو في ظلمةٍ مستوحِش. ويقال هجرانُ أعداءِ الحقُّ فرضٌ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قَرْعُ بابِ الفرقة. قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾: أوضحُ برهانٍ على سريرة ( ..... )(١) صحبة من يقارنه وعِشْرة مَنْ يخادنه؛ فالشكل مقيد بشكله، والفرعُ منتشِرٌ عن أصله . قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَتَرَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اَلَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِنَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْتَعَكُم ◌ِنَ الْمُؤْمِنَّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلًا﴾. (١) بياض في الأصل. ٢٣٣ تفسير سورة النساء لمَّا عَدِموا الإخلاص في الحقيقة، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة، امتازوا(١) عن المسلمين في الحُكْم، وباينوا الكافرين في الاسم، وواجبٌ على أهل الحقُّ التحرُّزُ عنهم والتحفّظ منهم، ثم ضمن لهم - سبحانه - جميلَ الكفاية بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وهذا على العموم؛ فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مَكْرِهم عليهم موقوف، والحقُّ - من قِبَلِ الحقِّ سبحانه - منصورٌ أهلُه، والباطلُ - بنصر الحقِّ سبحانه - مُجْتثٌ أصلُه. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كَُالَى بُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَّ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَّا إِلَى هَنُلَاءٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ . خداع المنافقين: إظهار الوفاق في الطريقة واستشعار الشرك في العقيدة. وخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص، فإذا كُشِفَ الغطاء أيقنوا أن الذي ظلُّوه شراباً كان سراباً، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]. وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوْاْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُوا﴾ الآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق. وقوله: ﴿ُّذَبَذَ بِيِنَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الآية: أخَسُّ الخَلْقِ من يَدَعُ صدار العبودية، ولم يجد سبيلاً إلى حقيقة الحرية(٢)، فلا له من العز شظية، ولا في الغفلة عيشة هنية. قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَنَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ أَلْمُؤْمِنِينُّ أَتْرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ . كرّر عليهم الوعظ، وأكَّد بمباينة الأعداء عليهم الأمر، إبلاغاً في الإنذار، وتغليظاً في الزجر، وإلزاماً للحجة ( .... )(٣) موضع العذر. قوله: ﴿أَزِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْهِكُمْ سُلْطَانًا ◌ُبِينًا﴾: تَوَعَّدَهم على موالاتهم للكفار بما لم يتوعَّد على غيره من المخالفات، لما فيه من إيثار الغير على المعبود؛ وإيثارُ الغير على المحبوب من أعظم الكبائر في أحكام الوداد. فإذا شَغَلَ من قلبه (١) امتاز الشيء: اعتزل وانفرد، أو بان من غيره لا يختلط ولا يلتبس. (٢) قال القشيري برسالته: إن الحرية تتحدد في أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء، فتتساوى عنده أخطار الإعراض. (الرسالة القشيرية ص٢١٨ - ٢١٩). (٣) بياض في الأصل. ٢٣٤ تفسير سورة النساء محلاً - كان للمؤمنين - بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل محلاً من قلبه - هو للحق - بالغير؟! والعقوبة التي تَوَعَّدَهم بها أنْ يَكِلهَم وما اختاروه من موالاة الكفار، وبئس البدل! كذلك مَنْ بقي عن الحق تركه مع الخَلْقِ؛ فيتضاعف عليه البلاءُ للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق، وكلاهما شديدٌ مِنَ العقوبة. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. دلَّت الآية على أنَّ المنافق ليس بمُسْتأمنٍ لأنَّ الإيمان ما يوجب الأمان، فالمؤمن يتخلَّص بإيمانه من النار، فما يكون سبب وقوعه في الدرك الأسفل من النار لا يكون إيماناً، ويقال هذا تحقيق قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ اَلْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤، والأنفال: ٣٠] أي مَكْرُه فوق كل مَكْرٍ. لمَّا أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من عقوبة من جاهر بكفره. ويقال نقلهم في آجلهم إلى أشد ما هم عليه في عاجلهم، لِمَا في الخبر: ((من كان بحالةٍ لقي الله بها)) فالمنافق - اليومَ - في الدرك - الأسفل من الحجر - فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار. والدرك الأسفل من الحجر - اليوم - لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر. ويقال استوجبوا الدرك الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم لا على طريقة الحرمة. ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب في حال حضورهم بألسنتهم، وسوءُ الأدبِ يوجِبُ الطردَ. قوله جل ذكره: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِالَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَكَ مَعَ الْمُؤْمِنَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . لم يشترط كل هذه الشرائط في رجوع أحدٍ عن جُزْمِه ما اشترط في رجوع المنافقين عن نفاقهم لصعوبة حالهم في كفرهم. وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل من المؤمنين، وفي هذا إشارة أيضاً إلى نقصان رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم، وفي معناه أنشدوا: والغُذر مبسوطٌ ولكنما شتان بين العذر والشكر ويقال إن حرف (مع) للمصاحبة، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب جماعة المؤمنين، فالتوبة ههنا أي رجعوا عن نفاقهم، وأصلحوا - بصدقهم في إيمانهم، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم، وشاهدوا المِنَّة لله عليهم حيث هداهم، وعن نفاقهم نجّاهم. ٢٣٥ تفسير سورة النساء قوله: ﴿وَأَخْلَصُواْ دِيْنَهُمْ لِلَّهِ﴾: ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم في الحال، ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال. ويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله في أن يثبتهم على الإيمان، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق. ويُقال: تابوا عن النفاق، وأصلحوا بالإخلاص في الاعتقاد، واعتصموا بالله باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله في أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا بإتيانهم بهذه الأشياء - في التحقيق. قوله جل ذكره: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ . هذه الآية من الآيات التي توجب حُسْنَ الرجاء وقوة الأمل، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين: الشكر والإيمان، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان؛ فإن الشكر قالة، والإيمان حالة، ولقد هوَّن السبيل على العبد حين رضي منه بقالته وحالته. والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمَّا الكافر فلا يصح منه الشكر؛ لأن الشكر طاعته والطاعة لا تصح من غير المؤمن. وقوله: ﴿وَءَامَنتُّمْ﴾ يعني في المآل؛ فكأنه بيَّن أن النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد، إن شكرتم في الحال وآمنتم في المآل. ويقال: إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم. ويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله في النعمة، فكأنه قال: إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنكم شهودها عن شهود المُنْعِم. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أي والله شاكر عليم، ومعنى كونه شاكراً أنه مادِحٌ للعبد ومُشْهِدٌ عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحَدَّه الثناء على المُحسِن بذكر إحسانه؛ فالعبد يشكر الله أي يثني عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه، والربُّ يشكر للعبد أن يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له، فإن الله يثني عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوباً كثيرة. ويقال يشكره - وإنْ عَلِمَ أنه سيرجع في المستأنف إلى قبيح أعماله. ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصي وقَصْدُه مخالفةُ ربِّه ولكنه يُذْنِبُ لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة. ويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أنه له رباً يغفر له. ٢٣٦ تفسير سورة النساء قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالشُوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ . قول المظلوم في ظالمه ـ على وجه الإذن له - ليس بسوءٍ في الحقيقة، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّقُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] والجزاء ليس بسيئة . ويقال مَنْ عَلِمَ أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثيرٍ مما تدعو نفسه إليه. ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تُحدِّثُ في نفسك من مساءة الخلق؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم بما (يعد) لا يُطالَب به كثيرٌ من العوام فيما يَسمعُ منهم الناس. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٍُّ﴾: قيل ولا من ظُلِمَ. وقيل معناه ولكن مَنْ ظُلِمَ فله أن يذكرَ ظالمه بالسوء. ويقال من لم يُؤثِرْ مدحَ الحقُّ على القَدْحِ (١) في الخَلْقِ فهو المغبون في الحال. ويقال من طَالَعَ الخلْقَ بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم يبسط فيهم لسان اللوم؛ يقول الرجل لصاحبه: ((أنا أخْتَمِل من ( .... )(٢) خدمتك لك ما لا أحتمله من ولدي»، فإذا كان مثل هذا معهوداً بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب - بینه وبین مولاه - أولی. ويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام، ولا يحب ذلك بخطوره من الخواص. ويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول في صفة الله ما لم يَرِذ به الإذن والتوفيق . والجهر بالسوء من القول في صفة الخَلْق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه، وتقول في صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذباً، وفي صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان - وإن كنت فيه صادقاً. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: سميعاً لأقوالكم، عليماً بعيوبكم، يعني لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بهثابتهم. ويقال سميعاً لأقوالكم عليماً ببراءةٍ ساحةٍ مَنْ تَقَوَّلْتُم عليه، فيكون فيه تهديد للقائل - لبرىء الساحة - بما يتقَوَّلُ عليه. (١) القَدْح: الطعن والذم. (٢) بياض في الأصل. ٢٣٧ تفسير سورة النساء ٠ ويقال سميعاً: أيها الظالم، عليماً: أيها المظلوم؛ تهديدٌ لهؤلاء وتبشيرٌ لهؤلاء. قوله جل ذكره: ﴿إِن نُّبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا فَدِيرًا﴾ . ﴿إِن نُبْدُوا خَيْرًا﴾ تخلقاً بآداب الشريعة، وتخفوه تحققاً بأحكام الحقيقة. ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوٍّ﴾ أخذاً من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخُلُق . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ لعيوبكم ﴿قَدِيرًا﴾ على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم. ويقال إن تبدوا خيراً لتكونوا للناس قدوة فيما تُسِنُون وما تعينون غيركم على ما يُهَذْون به من سلوك سُنَّتكم، وإن تخفوه اكتفاء بعلمه، وصيانة لنفوسكم عن آفات التصنّع، وثقةً بأن من تعملون له يرى ذلك ويعلمه منكم، وإن تعفوا عن سوءٍ أي تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون، وهو قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم، فيكون تحذيراً لهم من أن يغفلوا عن شهود المنَّة، وتنبيهاً على أن يستعيذوا أن يُسلّبوا العصمة، وأنْ يُخْذَلُوا حتى يقعوا في الفتنة والمحنة. ويقال إنْ تبدوا خيراً فتحسنوا إلى الناس، أو تخفوه بأن تدعوا لهم في السرِّ، أو تعفوا عن سوءٍ إِنْ ظُلِمْتم. ويقال من أحسن إليك فأبْدِ معه خيراً جهراً، ومن كفاك شرَّه فأخلِصْ بالولاء والدعاء له سِرَّاً، ومن أساء إليك فاعفُ عنه كرماً وفضلاً؛ تجِدْ من الله عفوَه عنك عما ارتكبت، فإن ذنوبَك أكثرُ، وهو قادرٌ على أنْ يُعطيَك من الفضل والإنعام ما لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك، وما تجده بالانتقام. قبوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيِدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُّؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًاٌ أُوْلَكَ هُمُ الْكَثِرُونَ حَقَّأْ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِنَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ . أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عُدَّ من ذميم فعلهم، ثم بَيَّنَ أنه ضاعف من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لِتَعْلَمَ أنه لأهل الفساد بالمرصاد. قوله جل ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَّمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ . لما آمنوا بجميع الرسل، وصَدَقُوا في جميع ما أُمِروا به استوجبوا القبول وحسن الجزاء. وتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان، فكما أنه لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع ( .... )(١) إلى آخر ما له - كذلك لا يقبل (١) بياض في الأصل. ٢٣٨ تفسير سورة النساء إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع من أُمِرَ بالإيمان به؛ إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله. فالإشارة في هذا أن من لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية، قال وَلهى: ((الحجُّ عرفة))(١) فمن قطع المسافة - وإن كان من فج عميق - ثم بقي عن عرفات(٢) بأدنى بقية لم يُدْرِك الحج. وقال ◌َله: ((المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم))(٣). قوله جل ذكره: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىّ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الضَّحِقَةُ بِظُلِّمِهِمْ ثُمَّ ◌َتَّخَذُواْ الْمِجْلَ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآَتْهُمُ اٌلْنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنًا قُّبِينًا﴾. اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه: أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعدما ظهرت لهم الآيات الباهرة. فأمّا سؤالهم الرؤية فَذُمُّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم، أو على موجب التصديق به، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق، وكل ذلك سوء أدب. الإشارة فيه أيضاً أنْ مَنْ يكتفي بأن يكون العجلُ معبوده - متى - يسلم له أن یکون الحقُّ مشهوده؟ . ويقال القومُ لم يباشِرْ العرفانُ أسرارهم فلذلك عكفوا بعقولهم(٤) على ما يليق بهم من محدودٍ جوَّزوا أنْ يكون معبودهم. قوله جل ذكره: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَّا قُبِينًا﴾ . حجةً ظاهرةً، بل تفرداً صَانَه من التمثيل والتعطيل. والسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه. (١) أخرجه أبو داود في السنن (المناسك ب٦٩)، والترمذي في (السنن ٨٨٩)، والنسائي في (السنن ١٥ ٢٥٦، ٢٦٤)، وابن ماجه في (السنن ٣٠١٥)، والبيهقي في (السنن الكبرى ١٥٢/٥ - ١٧٣) والحاكم في (المستدرك ٢٦٤/١، ٢٧٨/٢)، وابن حجر في (فتح الباري ٩٤/١)، والألباني في (إرواء الغليل ٢٥٦/٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٨٩/٤)، والزيلعي في (نصب الراية ٩٢/٣، ٩٣)، وابن حجر في (تلخيص الحبير ٢٥٥/٢)، وابن الجوزي في (زاد المسير ٢١٠/١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٢٠٦١، ١٢٠٦٥)، والبخاري في (التاريخ الكبير ١١١/٢، ٥/ ٢٤٢)، وابن خزيمة في (الصحيح ٢٨٢٢)، والعقيلي في (الضعفاء ٢/ ٣٢) والعجلوني في (كشف الخفاء ٤٤٠/١)، والدارقطني في (السنن ٢٤١/٢). (٢) عرفات: جبل قرب مكة يقف عليه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة. (٣) أخرجه أبو داود (عتاق، ١)، والترمذي (بيوع ٣٥)، والموطأ (مكاتب ١، ٢). (٤) انظر الرسالة القشيرية ص٣٧٨. ٢٣٩ تفسير سورة النساء . ويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة . ويقال السلطان المبين لهذه الأمة غداً، وهو بقاؤهم في حال لقائهم - قال مدير: ((لا تضامون في رؤيته)»(١) - في خبر الرؤية. قوله جل ذكره: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُوَرَ بِمِثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ مُجَّدًا وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيْتَقًّا غَلِغَا﴾. ما زادهم في الظاهر آيةً إلا زادوا في قلوبهم جحداً ونُكْراً، فلم تنفعهم زيادة نصيب الإعلام؛ لمّا لم تنفتح لشهودها بصائرُ قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. قوله جل ذكره: ﴿فَيِّمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . معناه لارتكابهم هذه المناهي، ولاتصافهم بهذه المخازي، أحدلناهم منازل الهوان، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان. ويقال لِحَقَهُمْ شؤم المخالفات حالة بعد حالة، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان لغيرها من ارتكاب المناهي؛ فَبِنَقْضِهم الميثاق، ثم لم يتوبوا، جرَّهم إلى كفرهم بالآيات، ثم لشؤم كفرهم خذِلُوا حتى قتلوا أنبياءهم - عليهم السلام - بغير حقٍ، ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادَّعوا شدةً التفَهُّم، وقالوا: قلوبنا أوعية العلوم، فَرَدَّ الله عليهم وقال: ﴿بَلَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فحَجَبَهُمْ عن محلٌ العرفان، فعمهوا في ضلالتهم . قوله جل ذكره: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَّوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَفَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُِّّهَ لَُّ وَإِنَّ الَّذِينَ أْخَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَلَكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍْ إِلَّا أَنْبَعَ الَِّنَّ وَمَا قَلُوهُ يَقِيَنَا بَل ◌َّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. مجاوزةُ الحدّ ضلالٌ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقُّ ضلالٌ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا: ابنُها ابنُ الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال. ويقال مريم - رضي الله عنها - كانت وليَّةَ الله، فَشَقِيَ بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم، (١) أخرجه مسلم (مساجد ٢١١)، والبخاري (توحيد ٢٤)، (مواقيت ١٦، ٢٦)، (تفسير سورة ٥٠، ٢)، وأبو داود (سنة ١٩)، والترمذي (جنة ١٦، ١٧)، وابن ماجه (مقدمة ١٣)، وأحمد بن حنبل ٤، ٣٦٠، ٣٦٢، ٠٣٦٥ ٢٤٠ تفسير سورة النساء والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر. قوله تعالى: ﴿وَقَّوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْتَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن ◌ُّهَ لَّ وَإِنَّ الَّذِيْنَ أَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَغِى شَِّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍْ إِلَّا أَنْبَاعَ الَِّنَّ وَمَا قَدَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَمْ﴾ ﴿عَزِزًا حَكِيمًا﴾ قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه، وقد قيل: مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها . وقيل إن عيسى عليه السلام قال: مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فَيُقتَل دوني فله الجنة، فرضي به بعضُ أصحابه، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدم من الله الخلف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. ويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة . قوله جل ذكره: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَّوْءِّهِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ . لما حكم بأن لا أمَان لهم في وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان في تلك الحالة، فِعُلِمَ أنَّ العِبْرَةَ بأمان الحقِّ لا بإيمان العبد. قوله جل ذكره: ﴿فَيُّلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَّمْنَا عَلَهِمْ طَيْبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِهِمْ عَن سَبِيلِ الَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرَّبَوْاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلَّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المُبَاحَات. فَمَنْ ركب محظوراً بظاهره حُرِم ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة في سرائره. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّكِ الرَّسِخُونَ فِ الْمِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَاَ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الضَلَوَةَ وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ آلْآَخِ أَوْلَيْكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ . الراسخ في العلم هو ألا يكون في الدليل مُقَلِّداً، كما لا يكون في الحكم مقلداً، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهي إلى حد لا يكون للشكّ في عقله مساغ. ويقال الراسخ في العلم من يرتقي عن حد تأمل البرهان ويصل إلى حقائق البيان.