النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تفسير سورة النساء
يعلمهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشْرة، فيقول لا تجمع الفرقةَ واسترداد
المال عليها، فإن ذلك تَرْكُ الكرم؛ فإنْ خَوَّلْتَ واحدة مالاً كثيراً ثم جفوتها بالفراق
فما آتيتها يَسيرٌ في جنب ما أَذَقْتَها من الفراق.
قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ .... ﴾: يعني أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا
عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَعَ ءَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَّ إِنَّهُ
كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ .
تشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حدّ الاحترام، فإن السَّجيَّةَ تتداخلها
الأَنَّفةُ من أن ينكح فِراشَه غيرُه، فنهى الأبناء عن تخطي حقوق الآباء في استفراش
منكوحة الأب .
قوله جلّ ذكره: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلُّكُمْ
وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأَمَهَنُكُمُ الَِّىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَنُكُمْ مِنَ الرَّضَدَعَةِ وَأُمَّهَتُ
نِسَآَبِكُمْ وَرَبَيِّئُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَآَبِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ
دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَمْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ .
تكلُّفُ انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محالٌ من الأمر؛ لأن
الشرعَ غيرُ مُعَلَّلٍ، بل الحق تعالى حرَّم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ولا
عِلَّةَ للشرائع بخالّ، ولو كانت المحرَّمَاتُ من هؤلاء محلَّلاتٍ [محرمات](١) لكان ذلك
سائغاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمّ كِنَبَ الَهِ عَلَيْكُمَّ
وَأُحِلَ لَكُ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُم ◌ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌّ فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ
فَقَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
إذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع
فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه منه تبِعة، فذلك مباحٌ طلقٌ.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ اَلْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضِ فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.

٢٠٢
تفسير سورة النساء
أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَ
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِّ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ
مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجِدّ، والأخذ بالاحتياط
والتضييق؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن
مراعاة القلوب فالأخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أولى من الاستقصاء فيما
يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجَلُّ، فمن نزلت
درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص(١).
ثم قال في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: يعني على مقاساة ما فيه الشدة،
وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
قوله جل ذكره: ﴿يُرِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
لما عرَّف النبي ـ وَّه ـ وأمَّته أخبار مَنْ مضى من الأمم، وما عملوا، وما
عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم؛ فإن فيهم أيضاً من ارتكب ما لا يجوز، فقالوا:
ليت شِغرنا بأي نوع يعاملنا ... أبا لخسف أو بالمسخ(٢) أو بالعذاب أو بماذا؟
فقال تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نعرفكم ما الذي عملنا بهم.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أمَّا أنتم فأتوب عليكم، أمّا من تقدَّم فلقد دمّرتُ عليهم.
ويقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِنَ لَكُمْ﴾: أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفي على
غيركم .
ويقال يريد الله ليبيِّن لكم انفرادَه- سبحانه - بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس لأحد شيء.
﴿وَيْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض
والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء.
وقيل: ﴿وَيَتُبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يتقَبَّلُ توبتكم بعدما خلقَ توبتكم، ثم يُثِبُكُم على ما
خلق لكم من توبتكم.
قوله جل ذكره: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَنِ يَتُوبَ عَلَيْهِكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهُوَاتِ أَنْ
تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾ .
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٣٨٠ في حديثه عن الوصية للمريدين.
(٢) الخسف: الظلم والإذلال. والمسخ: تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها.

٢٠٣
تفسير سورة النساء
عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين .
ومن أراد اللَّهُ توبتَه فلا يُشمِتُ به عدوًّا، ولا يناله في الدارين سوء.
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ﴾: إرادتهم منكوسة، وهي عند إرادة الحق -
سبحانه - ضائعة مردودة .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: يعني ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم،
ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار
المشاهدات .
ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات.
ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم.
ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول.
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾: وصف بهذا فقرهم وضُرّهم، و( ... )(١) بها
عذرهم .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تَِرَةً عَنْ تَرَضِ يِّنْكُمْ وَلَا نَعْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
كل نفقة كانت لغير الله فهي أكل مالٍ بالباطل.
ويقال القبض إذا كانٍ على غفلةٍ، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة، فكل ذلك
باطل، ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾: يعني بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته
سبحانه. ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها .
ويقال باستحسانكم شيئاً منها بإيثارها دون رضاء الحق.
ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فإنَّا لا نُخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نّكِلَها
إلى صاحبها، ونلقي حبْلَها على غاربها.
قوله جل ذكره: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا أُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَتُدِْذْكُمْ مُّدْخَلَا كَرِيمًا﴾.
الكبائر - على لسان العلم - ها هنا الشّرْكُ بالله، وعلى بيان الإشارة أيضاً الشّرْكُ
الخَفِيّ. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم،
والإغماض على حق الله بسببهم.
(١) بياض في الأصل.

٢٠٤
تفسير سورة النساء
ويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة الحد فهو بعيد عن التكفير.
ويقال أكبر الكبائر إثباتُك نَفْسَك فإذا شاهدت نَفْيَها تخلَّصْتَ من أسر المحن.
﴿وَنُدْخِلُّكُمْ﴾ في أموركم ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ إدخالاً حسناً لا ترون منكم دخولكم ولا
خروجكم وإنما ترون المُصَرِّفَ لكم .
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
أَكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْنَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمًا﴾ .
لسان المعاملة أن الأمر بالتعني لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر بالحُكْم
والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدَّمكم في قيامكم بحق الله، ولا
تتعرضوا لنَيْلِ ما خُصُوا به من فضل الله. قوموا بحقّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم
واختيار مناكم.
ويقال لا تتمنوا مقام السادة دون أن تسلكوا سُبُلَهُم، وتلازموا سيرهم، وتعملوا
عملهم .. فإن ذلك جَوْرٌ من الظن.
ويقال: كُن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة
(وإلَّا)(١) أشركت في توحيدك من حيث لم تشعر.
ويقال لا تتمنَّ مقامات الرجال فإنَّ لكل مقام أهلاً عند الله، وهم معدودون؛ فما
لم يمت واحد منهم لا يورثَ مكانه غيرُه، قال تعالى: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَفَ﴾ [الأنعام:
١٦٥، وفاطر: ٣٩] والخليفة من يخلف من تقدَّمه، فإذا تمثَّيْتَ مقام وليَّ منِ الأولياء
فكأنَّكَ استعجلتَ وفاتَه؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مُسَلَّم .
ويقال خمودُك تحت جريان حكمه ــ على ما سبق به اختياره - أخْظَى لكَ من
تعرضك لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك في مُنيتك.
ويقال مَنْ لم يؤدّب ظاهرهُ بفنون المعاملات، ولم يهذب باطنه بوجوه
المنازلات فلا ينبغي أن يتصدَّى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك!
﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾﴾: الفرق بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه:
يكون التمني للشيء مع غفلتك عن ربك؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير
توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق
نفسه فيخمِلُه صِدْقُ الإرادة على التملُّق والتضرع، والتمني يخلو عن هذه الجملة.
والآخر أن الله نهى عن تمني ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.

٢٠٥
تفسير سورة النساء
أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك.
ويقال لا تتمنَّ العطاء وسَلْ الله أن يعطيك من فضله الرضا بِفَقْدِ العطاء وذلك
أتمّ من العطاء، فإنَّ التَّحرّر من رقِ الأشياء أتمُّ مِنْ تملُّكِها.
قوله جل ذكره: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُبُ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ .
جعل المعاقدة في ابتداء الإسلام نظيرةَ النَّسَبِ في ثبوت الميراث بها فَنَسَخَ حكم
الميراث وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنُّك
بالمعاهدة مع الله؟ قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وأنشدوا:
إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى وجدوا المنيَّةَ منهلاً معسولا
قوله جل ذكره: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيِمَاً
أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمَّ ◌َالضَلِعَتُ قَلِنَتُّ حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظُ اَللَّهُ وَلَِّ تَخَافُونَ نُونَهُرَ
فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنِّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
خصَّ الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم؛ فالحمل على حسب القوة. والعبرة
بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث.
قوله: ﴿وَِّ تَّخَافُونَ نُوزَهُنَ فَعِظُوهُرَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٍّ﴾: أي
ارتقوا في تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإنْ صَلُحَ الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا
بالضرب، فالآية تتضمن آداب العِشْرة.
ثم قال: ﴿فَإِنْ أَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَتِهِنَّ سَبِيلاً﴾: يعني إن وَقَفَتْ في الحال عن
.. )(١) ورجعت إلى الطاعة فلا تَنْتَقِمْ منها عمَّا سَلَّفَ، ولا تتمنع
سوء العشرة (.
من قبول عذرها والتأبي عليها.
كبِيلاً﴾ بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب من نقمتك.
يقال: ﴿فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
قوله جل ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِنْ أَهْلِهَاً
إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ .
يقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأمَّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله، فلا
(١) بياض في الأصل.
٠

٢٠٦
تفسير سورة النساء
تكلّفها ما لا يرزقك الله منها؛ فإن القلوب بقدرة الله، يُحبِّبُ إليها من يشاء، ويُبَغْضُ إليها
من يشاء .
ويقال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي لا تنْسَ وفاءها في الماضي
بنادر جفاءٍ يبدو في الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى
اُلْقُرْبَ وَالْبَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ
السَبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾.
قوله: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه، وخفِيُّه: ملاحظةُ موجود سواه،
والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها
ومبقيها، وليس لأحد ذوة ولا شظية (١) ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع.
ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلق،
واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمّهم - كلُّ ذلك من الشّرْكِ الخَفّي .
قوله: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ﴾ الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ
أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك
وتتحقق بمعرفتك. وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين
واليتامى ومن في طبقتهم - رُقْيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه.
قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْفُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَاحِبِ بِالْجَنَبِ﴾ ... الآية من
جيرانك ( .... )(٢) فلا تؤذهما بعصيانك، وراع حقهما بما تُولِي عليهما من
إحسانك .
فإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك ـ وهو
قلبك ـ أولى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به .
وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك ــ وهو روحك - أولى أن تحامي على
حقّها، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك - وهو سِرُّك ــ أولى
أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.
(١) الشظية: جمع شظايا، وهي فلقة العود أو العظم ونحوها.
(٢) بياض في الأصل.

٢٠٧
تفسير سورة النساء
قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] الإشارة منه غير ملتبسة على
قلوب ذوي التحقيق .
قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْفَلُونَ﴾ ... الآية البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى
بيان الإشارة ترك الإيثار في زمان الاضطرار. وأمرُ الناسِ بالبخل معناه مَنْعُهم عن مطالبات
الحقائق في معرِض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن
العلائق وحذف فضولات الحالة فَمَن نصحه بأن يقول: ((ربما لا تَقْوَى على هذا، ولأن
تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكدياً، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون
كَلّ على المسلمين - ويَزْوِي له في هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا ... )» فلولا بُخْلُه
المستكن في قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه بَدَلَ أن يمنع عنه ما (يجب أن) يقول في
معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك
المُسْتَضْعَفِ بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة في الشرع.
وقوله: ﴿وَيَكْثُونَ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: إن كان الله أغناهم عن طلب
الفضيلة بما خوَّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعاً في الزيادة على غير وجه الإذن .
ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريدٌ شيئاً عندهم فيه نجاته،
وضنوا عليه بإرشاده.
ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخْلُ الفقراء بمنع الهمة .
قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ
اْآَخِرُّ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِنًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ .
أدخل هؤلاء أيضاً تحت قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾
فعقوبتهم في العاجل أنهم ليسوا من جملة مُحِبِيه، وكفى بذلك محنة.
والمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائي الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما
مُسَوَّمان بالشرك الخفيّ والله لا يحب المشركين. والفخور من الإبل كالمصراة من
الغنم وهو الذي سُدَّت أخلافه ليجتمع فيها الدر(١)، فيتوهم المشتري أن جميع ذلك
معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً ورتبة وهو في ذلك مدعٍ
وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائي الذي ينفق ماله رئاء الناس.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَأَلْيَّوْمِ آلْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهٌ وَكَانَ
اَللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ .
(١) الدَّر: اللَّبن.

٢٠٨
تفسير سورة النساء
ليس في إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عِزّ الدنيا والآخرة،
ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَمِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ
أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ .
لا ينقص من ثوابهم شيئاً بل يبتدئهم - من غير استحقاقهم - بفضله، ويضاعف
أجورَهم على أعمالهم؛ فأمَّا الظلم فمحالٌ تقديره في وصفه لأن الخلقَ خلْقُه، والمُلْكَ
ملكه. والظالم من يعتدي حداً رُسِمَ له - وهو في وصفه مُحال لِعزّه في جلال قدره.
قوله جل ذكره: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا
يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ .
إذا كان الرسول - * - الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما
يُبْقي للشفاعة موضِعَها.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ... الآية: يحصلون على ندم ثم لا
ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بِخِمار(١) الذُّل،
وينقلبون إلى أوطان المحن والضر.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّ تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ وَلَا ◌ُنُبًا إِلَّا عَبِى سَبِيلٍ حَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُمْ تَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمٍ
مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
النَّهيُ عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة
وأنتم بصفة السُّكْر، أي امتنعوا عن شُرْبٍ ما يُسْكِر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا
صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تُقْبَل منكم صلاتكم.
والسُّكْر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تَصخُّ معه المناجاة مع الحق.
المُصَلِّي يناجي ربَّه؛ فكلُّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من
حيث الإشارة؛ ولأجل هذه الجملة حَصَلَ، والسُكْرُ على أقسام:
فسُكْرٌ من الخمر وسُكْرٌ من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا.
وأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك في الفرقة عنه، فإنَّ مَنْ سَكِرَ
من الخمر فقصاراه الحرقة - إن لم يُغْفَر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة - في
الوقت - عن الحقيقة .
(١) الخمار: ما تغطي به المرأة رأسها (ج) أخمرة وخُمْر وخُمُر.

٢٠٩
تفسير سورة النساء
فأمَّا السُكْر الذي يشير إليه القوم(١) فصاحبه محفوظٌ عليه وقته حتى يصلي
والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبُه فاختطفه عنه ومن لم يكن
محفوظاً)(٢) عليه أحكام الشرع (فمشوبُ بحظ)(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ ... الآية: أذن للمضطر أن يترخّص
في عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائداً على قدر الضرورة
فمُعَاتَبٌ غيرُ معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت في القيام بشرائط الوقت
فمرفوعةٌ عن صاحبه المطالبة به .
ثم إنه - سبحانه - بفضله جعل التيمم(٤) بدلاً من الطهارة بالماء عند عَوَزِ الماء
كذلك النزولُ إلى ساحات الفَرْقِ عن ارتقاء ذرة الجمع - بِقَدْر ما يحصل من الضعف -
بَدَلٌ لأهل الحقائق.
ثم إن التيمم - الذي هو بَدَلُ الماء - أعمُّ وجوداً من الماء، وأقلُّ استعمالاً من
الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب.
ثم في الظاهر أمَرْنا باستعمال التراب وفي الباطن باستشعار الخضوع واستدامة
الذبول .
وردَّ التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانةً لرأسِك عن التُراب ولقَدَمِك؛ فإنَّ العزّ
بالمؤمن - ومولاه باستحقاق الجلال ــ أولى من الذل لِمَا هو مفلس فيه من الحال،
ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلَّل فعرفانُه بجلال سيِّده يوجب كل تَعَزُّزٍ
وتجمُّل .
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمّ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ
تَضِلُواْ السَِّيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَابِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بَِِّ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّقُونَ الْكَلِمَ
عَن ◌َوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا فِ الدِّينِّ وَلَوْ
أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا وَأَسْمَعْ وَنُظْهَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّمَنَهُمُ اللَّهُ يِكُفْرِ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ .
ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتٍ
الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا.
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٧١ - ٧٢ في حديث القشيري عن الصحو والسكر.
(٢) ما بين قوسين زيادة من الهامش.
(٣) انظر الرسالة القشيرية ص ٧٢.
(٤) التيمم: تيمم للصلاة: مسح وجهه ويديه بالتراب الظاهر على هيئة مخصوصة، عوض الوضوء.

٢١٠
تفسير سورة النساء
قوله: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ... الآية: تركوا حشمة الرسول - ◌َ﴿1 - ورفضوا
حرمته، فعوقبوا بالشك في أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) (١) إلا حيل
بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من
الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأَسْعِدوا به في
الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط
الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَّْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطَمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَذْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر في
رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعها ومنعها .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ
بَِلَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ .
العوام طولبوا بترك الشرك الجليّ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفيّ، فمن
توسَّل إليه بعمله ويظنه منه، أو نوهَّم أن أحكامه - سبحانه - معلولة بحركاته وسكناته،
أو راعى خلقاً أو لاحظ نَفْساً فوطنه الشرك عند أهل الحقائق(٢).
والله لا يغفر أن يُشرَكَ به وكذلك من توهَّم أن مخالفته حصلت من غير تقديره
فهو ملتحق بهم .
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّ مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ
فَتِيلًا أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِّبَ وَكَفَى بِهِ: إِثْمًا غُّبِينًا ﴾ .
مَن ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له - فضلاً عن العوام -
فهو من زكَّى نَفْسه، ورؤية النَّفْس أعظم حجاب، ومن توهَّم أنه بِتَكَلَّفِه يزكي نفسه:
بأوراده(٣) أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته - فهو في غطاء جهله .
قوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ ... الآية: الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من
غير تحقيق، والمُفْتَرِي - في قالته في هذا الأمر - لا ينطق بشيءٍ إلا أجبَّتْه الآذان
وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
(١) المحتشم: إنسان يتمتع بالحياء، ويقصد به إنسان من الأعيان والوجهاء.
(٢) انظر الرسالة القشيرية ص ٦٤ - ٦٦ حديث القشيري عن الجمع والفرق.
(٣) الوٍرد: النصيب من القرآن أو الذكر (ج) أوراد.

٢١١
تفسير سورة النساء
وَاُلَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اَللَّهُ وَمَن
يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ .
طاغوتُ كلٌ أحدٍ نَفسُه وهواه وجِبْتُه وهو ( .... ) (١) مقصوده من الأغيار، فمن
لاحظ شخصاً أو طالع سبباً أو عرَّجَ على عِلَّةٍ أو طاع هوىّ، فذلك جبته وطاغوته.
وأصحاب الجبت(٢) والطاغوت(٣) يستوجبون اللعن؛ وهو الطرد عن بساط العبودية،
والحجاب عن شهود الربوبية .
قوله جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ اٌلْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيًّا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكً عَظِيمًا فَمِنْهُم
◌َّنَّ مَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم ◌َّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَمِيرًا ﴾ .
مِنْ جُبِلَ على الشّحْ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق، كأنَّ
مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته ! .
قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما
يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه
مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من
آمن بهم، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم .
قوله: ﴿وَءَانَيْتَهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: المُلْك العظيم معرفة المَلِك، ويقال هو المُلْكُ
على النّفس .
ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء.
ويقال الاطلاع على أسرار الخلق .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصِْهِمْ نَارًا كَمَا نَصِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ
جُنُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
الإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء، يُقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم في
وحشة الإنكار؛ كلمًّا لاح لقلوبهم شيء من هذه القصة جرَّهم إنكارُهم إلى ترك
الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدَِّحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
(١) بياض في الأصل.
(٢) الجِبْتُ: كل ما عُبد من دون الله تعالى، والصنم والسحر والساحر والكاهن.
(٣) الطاغوت: الشيطان أو كل ما عُبد من دون الله من الجن والإنس والأصنام (ج) طواغيت.

٢١٢
تغير سورة النساء
اٌلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا لَهُمْ فِهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ◌ِلَّا ظَلِيلًا﴾.
هم اليوم في ظل الرعاية، وغداً في ظل الحماية والكفاية، بل هم في الدنيا
والعقبى في ظل العناية .
والناس في هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو في ظل رحمته، ومنهم من هو
في ظل رعايته، ومنهم من هو في ظل كرامته، ومنهم من هو في ظل عنايته، ومنهم
من هو في ظل قربته .
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
قوله جل ذكره:
أَنْ تَحْكُمُواْ بِلْعَدْلَّ إِنَّ اللَّهَ فِتَا يَعِتُكُم بِّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ .
ردُّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا
تفسد عليهم.
ويقال الله - سبحانه وتعالى - أماناتٌ وَضَعَها عِنْدَك؛ فردُّ الأمانة إلى أهلها
تسليمها إلى الله - سبحانه ــ سالمةً مِنْ خيانتِك فيها؛ فالخيانة في أمانة القلب ادعاؤك
فيها، والخيانة في أمانة السِّرُ ملاحظتك إياها .
والحُكْمُ بين الناس بالعدل تسويةُ القريب والبعيد في العطاء والبذل، وألا
تحملك مخامرةُ حقدٍ على انتقام لنفسٍ.
قوله جل ذكره: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ الّهَ وَلِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَزَعَهُمْ
فِيِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالَرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بَِلَّهِ وَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
قَرَنَ طاعته بطاعة الرسول - مَ ال * - تفخيماً لشأنه ورفعاً لِقَدْرِه.
وأمَّا أولو الأمر - فعلى لسان العلم - السلطان، وعلى بيان المعرفة العارفُ ذو الأمر
على المستأنف، والشيخُ أولو الأمر على المريد، وإمامُ كل طائفة ذو الأمر عليهم.
ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد)(١) للمريد.
قوله: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ على لسان العلم - إلى الكتاب والسُّنَّة،
وعلى بيان التوحيد فوَّض ذلك وَوَكَلَ علمَهُ إلى الله سبحانه، وإذا اختلف الخاطران في
قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه، ومن كان
صاحب قلب وكَلَ ذلك إلى الحق - سبحانه - وراعى ما خوطب به في سرائره، وأُلْقِيَ
- بلا واسطة ـ في قلبه.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن
(١) ما بين قوسين استدراك من الهامش.

٢١٣
تفسير سورة النساء
قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ .
أظهروا الإخلاص، ونافقوا في السّر، ففضحهم - سبحانه - على لسان جبريل
عليه السلام بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْاْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِّ ﴾ أي
يرفضوه. فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ .
كل شيء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين، فأمّا التوحيد فلا يسمع
كلمته إلا مخلص، وأهل الفترة في الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق؛ لأن
خلافَ الهوى يَشُقُّ على غير الصديقين. وكما أن ناظِرَ الخلق لا يقوى على مقابلة
الشمس فكذلك المنافقون لم يطبقوا الثبات له - 18 - فلذلك كان صدودهم.
قوله جل ذكره: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُولَ
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾.
تَضَرُّعُ غير المخلص عند هجوم الفُر لا أصل له، فلا ينبغي أن يكون به اعتبار
لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل من
التقصير)(١).
ويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدي عليك(٢).
قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ
وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ .
أُبْسُطُ لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انْقَبِضْ بقلبك عن المبالاة
بهم والسكون إليهم، واعلم أن من لا نكون نحن له لا يغني عنه أن تعينه شيئاً .
قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهُّ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
خَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوَكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾ .
ما أَمَرْنَا الرسلَ إلَّا بدعوة الخلْقِ إلينا.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَّلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوَكَ﴾. لو جعلوك ذريعتهم (٣) لوصلوا
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) انظر الرسالة القشيرية ص ٦٥ - ٦٦ حديث القشيري عن الوقت.
(٣) الذريعة: الوسيلة والسبب إلى الشيء (ج) ذرائع.

٢١٤
تفسير سورة النساء
إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة (١) المبار.
قوله جل ذكره: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا﴾ .
سدَّ الطريق - إلى نفسه - على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد حض ◌ّ، فَمَنْ لم يمشٍ
تحت رايته فليس له من الله نفس .
ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك .
قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ﴾: فلا بُدَّ لك من ( ... )(٢) تلك المهالك بوجه
ضاحك، كما قال بعضهم :
أتحسّى له الأمَرَّ وأسقيه ما صفا
وحبیب إن لم یکن منصفاً كنتُ منصفا
اخترتُ رضاً لا تَكَلَّفًا
إن يقل لي انشقَّ
قوله جل ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيَّهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيِتًا وَإِذَا لََّنَّيْتَهُم مِّن
لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
أخبر عن سُقْم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.
خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدُّوا
نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم
فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم
عطاء مقيماً.
والأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن
المألوفات، والخروج من ديار (تَقَبُّل النَّفْس)، ومفارقة أوطان (إرادة) الدنيا.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الَّهِ وَكَفَى بِلّهِ عَلِيمًا﴾ .
جعل طاعة المصطفى - * - مفتاح الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين
والشهداء على الوجه الذي يصحُّ للأمة وكفى له عليه السلام بذلك شرفاً.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾: جرَّد عليهم محلّهم عن كل علة
واستحقاق وسبب؛ فإن ما لاح لهم وأصابهم صرفُ فضله وابتداء كرمه .
(١) العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة، وجمعها عقاء.
(٢) بياض في الأصل.

٢١٥
تفسير سورة النساء
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ تُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا وَإِنَّ
مِنْكُمْ لَمَنْ لَيْبَيَِّّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَّ اللَّهُ عَلَ إِذْ لَمْ أَكُن ◌َّعَهُمْ شَهِيدًا وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ
فَضْلُ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا
عَظِيمًا﴾ .
الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد
القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله. والفرارُ من كل غَيْرِ شأنُ كل مُوَحْد.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيْبَّأَنَّ﴾ الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ
واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا:
الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة
وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا في الدنيا والآخرة: فَهُمْ لا
كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ.
قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ﴾: يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا
حرمتكم .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَثْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
بَلَآَخِرَةُ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَثْرً عَظِيمًا﴾ .
مَنْ لم يَقْتُلْ نَفْسَه في نَفْسِه لا يصحُّ جهادُه بنفسِه؛ فأولا (إخراج خطر الروح)
من القلب ثم تسليم النفس للقتل .
وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ يعني بقاؤنا بعده خيرٌ له من حياته بنفسه لنفسه،
قال قائلهم :
ألست لي عِوَضاً مني؟ كفى شَرَفاً فما وراءك لي قصدٌ ومطلوب
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَاْ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لََّا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِبْرًا﴾.
أي شيء يمنعكم عن القتال في سبيل الله؟ وما الذي لا يُرَغْبُكُم في بذل المهجة
الله؟ وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم في الله ولله؟ أتخافون أن تخسِرُوا على الله؟ أم لا
تعلمون أنكم تُحشَرُون إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم في الله؟
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَدُِّونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ
الَّاغُوتِّ فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنَّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنْ كَانَ ضَعِيفًا﴾ .
المخلصون لله لا يؤثِرُون شيئاً على الله، ولا يضنون بشيء عن الله، فهم أبداً
على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قوَّاهم

٢١٦
تفسير سورة النساء
وشجَّعهم بقوله: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطِنِّ﴾ أي لا تُضْمِرُوا لهم مخافة، فإني متوليكم
وكافيكم على أعدائكم.
قوا ه جل ذكره: ﴿أَلَّ قَرِ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوْءَ فَلَمًا
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَالُ إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَّةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَبْتَ عَلَيْنَا
اَلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَآَ إِلَى أَجَلٍ قَرِيٍ﴾ .
أخْرِجُوا أيديَكُم عن أمورِكم، وكلُوها إلى معبودكم.
ويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه.
ويقال امْتَنِعُوا عن الشهوات.
ويقال: ﴿كُّواْ أَيَدِيَّكُمْ﴾ إلا عن رَفْعِها إلى الله في السؤال بوصف الابتهال.
فلمَّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية في تَرْكٍ
الاستثقال، ونفى الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال.
قوله جل ذكره: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ .
مَكَّنَكَ من الدنيا ثم قال: ﴿قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِلٌ﴾ فلم يَعُدَّها شيئاً لك ثم لو تَصَدَّقْتَ
منها بِشقُ تمرةٍ لتَخَلَّصْتَ من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم.
واستقلالُ الكثير من نفسك - لأجل حبيبك - أقوى أمارات صُخبتك.
ويقال لما زَهْدَهم في الدنيا قلَّلَها في أعينهم ليهون (عليها) تركها .
ويقال قل متاعُ الدنيا بجملتها قليلٌ، والذي هو نصيبك منها أقلُّ من القليل،
فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل)، ولو سَلِم عهدك من التبديل؟
وإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخَسُّ من الخسيس مَنْ رَضِيَ بالخسيس بدلاً عن
النفيس .
وقد اخْتَلَعَ المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولاً: ﴿قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِلٌ وَالْآخِرَةُ
خَيرٌ﴾ (فأحفظهم) عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَ﴾ [طه ٧٣].
قوله جل ذكره: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِي بَرُجٍ تُتَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اَللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِهِ مِنْ عِنْدِكْ قَلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللّهِ فَلِ هَوَّلَاءِ
اَلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِينًا﴾ .
الموت فرح للمؤمن، فالخبرُ عن قربه بِشارةً له، لأنه سببٌ يوصله إلى الحق،
ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللَّهُ لقاءه.

٢١٧
تفسير سورة النساء
ويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعاً خيرٌ من أن يحمل
كرهاً .
ثم أخبر أنهم - لضَعْفِ بصائرهم ومرض عقائدهم - إذا أصابتهم حَسَنَةٌ فَرِحُوا
بها، وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرقُ
المجوسي(١) فأضافوه إلى المخلوق، فَرَدَّ عليهم وقال: قل لهم يا محمد كلُّ من عند
الله خلقاً وإبداعاً، وإنشاء واختراعاً، وتقديراً وتيسيراً.
قوله جل ذكره: ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَبَِّةٍ فَن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ
لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَ بِلَّهِ شَهِدًا﴾ .
ما أصابك من حسنة فمن الله فضلاً، وما أصابك من سيئة فمن نفسك كسباً
وكلاهما من الله سبحانه خَلْقاً .
قوله جل ذكره: ﴿َّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
هذه الآية تشير إلى الجَمْع لحال الرسول - وَ#، فقال سبحانه طاعته طاعتنا،
فمن تقرَّبَ منه تقرَّبَ منا، ومقبولُه مقبولُنا، ومردودُه مردودنا .
قوله جل ذكره: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيِّرَ الَّذِى
تَقُولٌ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونِّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَ بِلَّهِ وَكِيلًا﴾ .
يعني إذا حضروك استسلموا في مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور
إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا:
كذي الضنى عاد إلى نكسه
إذا ارعوى عساد إلى جهله
قوله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْئِلَفًا
كَثِيرً وَإِذَا جَآءَهُمْ أَغْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ
اُلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ .
تدبرُ إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق
الاستنباط .
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ﴾: لمَّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه
أسرارهم فأظهروا السرَّ بعضُهم لبعض. فأمَّا المؤمنون فعالِمُ أسرارهم مولاهم، وما
(١) المجوس: معزّب عن (منج كوش) بالفارسية ومعناها: صغير الأذنين. وهم أمة يعبدون الشمس أو
النار، وواحدهم مجوسي.

٢١٨
تفسير سورة النساء
يسنح لهم خَاطَبُوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السِّر لمخلوق؛ فسامِعُ نجواهم الله،
وعالِم خطابهم الله .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي لو بَثوا أسرارهم
عند من هو ( .... )(١) ومَنْ هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم
بنور الهداية والإرشاد (٢).
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في
الوقت .
قوله جل ذكره: ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَُّ إِلَّا نَفْسَكَّ وَحَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَذُّ بَأْسَا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .
اسْتَقِمْ معنا بتسليم الكُلُّ مِنْكَ إلى أمرنا؛ فإنَّك - كما لا يقارنُكَ أحَدٌ في رتبتك
لعلوّك على الكل - فنحن لا نكلْف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نُحَمِّل غيرك ما
تحملت لانفرادك عن أشكالك في القدوة.
قوله جل ذكره: ﴿مَّنْ يَشْفَعَ شَفَعَةً حَسَنَّةُ يَكُن لَُّ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ سَيِّئَةً
يَكُن لَُّ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِينًا﴾ .
الشفيع يخلّص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيعُ - من الله سبحانه على
شفاعته - عظيمَ الرتبة، ومَنْ سعى في أمرنا بالفساد تحمَّل الوِزْرَ واحتقب(٣) الإثم.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم بِنَحَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ
شَىءٍ حَسِيبًا﴾ .
تعليم لهم حُسْنَ العِشْرة وآداب الصحبة. وإن من حمَّلَكَ فضلاً صار ذلك - في
ذمتك ــ له قرضاً، فإمَّا زِذْتَ على فِعله وإلّا فلا تنقص عن مثله.
(١) بياض في الأصل.
(٢) أشار القشيري في هذا الخصوص في حديثه عن الوصية للمريدين قال: سمعت الأستاذ أبا علي
الدقاق يقول: تجب البداية بتصحيح الاعتقاد بينه وبين الله تعالى. صافٍ عن الظنون والشبه خالٍ من
الضلال والبدع، صادر عن البراهين والحجج، ويقبح بالمريد أن ينتسب إلى مذهب من مذاهب من
ليس من هذه الطريقة، وليس انتساب الصوفي إلى مذهب المختلفين سوى طريقة الصوفية إلا نتيجة
جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة، فإن حجج هؤلاء في مسائلهم أظهر من حجج كل واحد،
وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كل مذهب. فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور، والذي للخلق من
المعارف مقصود، فلهم من الحق سبحانه موجود، فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال.
(الرسالة القشيرية ص٣٧٨].
(٣) الوزْر: الإثم والذنب أو الحمل الثقيل. احتقب الإثم: ارتكبه.

٢١٩
تفسير سورة النساء
قوله جل ذكره: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهٍ وَمَنْ أَصْدَقُ
مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا﴾ .
هذا الخطاب يتضمن نفياً وإثباتاً؛ فالنفي يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما
نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته .
· فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنْفِقِينَ فِتَتَبْنِ وَاللَّهُ أَزَكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَن
قوله جل ذكره:
تَهْدُوا مَنْ أَضَلَ اَللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .
( ..... )(١) العهد فيهم أنهم أعدائي، لا ينالون مِنِّي في الدنيا والعقبى
رضائي، وإنكم لا تُنْقِذون بهمكم من أقمته بقسمتي فإن المدار على القُسَم دون
( .... ) (١).
قوله جل ذكره: ﴿وَذُوْ لَوَ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ حَتَّى
يُهَاِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَهِّ فَإِن تَوَلَّوْ فَعُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمَّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيَا وَلَا
نَصِيرًّا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِثَقُّ أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَئِلُوكُمْ أَوْ
يُقَدِلُواْ قَوْمَهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴾ .
الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم،
وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! وما دام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم
وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛
وموافِقٌ لك في قصدِك خيرٌ لك من مخالفٍ على الكره تعاشره.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الإشارة من هذه الآية أن عند الأعذار أذِن في
معاشرة في الظاهر رفقاً بالمستضعفين .
﴿فَإِنِ أَعْتَزَلُوكُمْ﴾ الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين في
أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن
تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم وإلا فسلْموا لهم أحوالهم.
قوله جل ذكره: ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوَكُمْ وَيَأْمَنُواْ فَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَىَ
اَلْفِئْنَةِ أُزَكِسُواْ فِيهَّا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوْ إِلَيْكُ السَّلَمَ وَيَكُفُواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ
نَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَتِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُأَنًا مُبِينًا﴾ .
إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيُه، ولم يرتفع عزمُه، فكما لا يكون شخص
(١) بياض في الأصل.

٢٢٠
تفسير سورة النساء
واحد منافقاً ومسلماً لا يكون شخص واحد مريداً للحق ومقيماً على أحكام أهل العادة.
فإن الإرادة والعادة (١) ضدان، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة الأجانب.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَبَلَ مُؤْمِنًا خَصَفًا
فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، إِلََّ أَنْ يَضَذَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَقٌّ فَدِيَةٌ
◌ُكَلَّمَةُ إِلَىَّ أَهْلِهِ، وَتَخْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُنْتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ
مِنَ اَللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
خفّف أمْرَ الخطأ على فاعله حتى حَمَّل موجب قتل الخطأ على العاقلة؛
فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ
عاقلة الفقراء؛ فسبيلُهم أن يخمِلوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَجِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
كما يُحرَّم قتلُ غيرك يحرَّمُ قتلُ نفسك عليك، ومن اتَّبِعَ هواه سعى في دَم نفسه،
ومن لم ينصح مريداً بحسنٍ وعظِه ولم يُعِنْه بهمته فقد سعى في دمِه، وهوَ مأخوذ
بحاله وخليق بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من
أحواله: ولقد قال - سبحانه -: يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له (خادماً).
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ الهِ فَتَبَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ
أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِهُ
كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
عَاشِرُوا الناسَ على ما يُظْهِرُون من أحوالهم، ولا تَتَفَرَّسوا (٢) فيهم بالبطلان؛
(١) قال القشيري برسالته: وقد تكلم الناس في معنى الإرادة فكلُّ عبّر حسب ما لاح لقلبه فأكثر المشايخ
قالوا: الإرادة ترك ما عليه العادة، وعادة الناس في الغالب التعريج في أوطان الغفلة، والركون إلى
اتباع الشهوة، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنية، والمريد منسلخ عن هذه الجملة، فصار خروجه
أمارة ودلالة على صحة الإرادة فسميت تلك الحالة إرادة، وهي خروج عن العادة فإذاً ترك العادة
أمارة الإرادة، وأما حقيقتها فهي نهوض القلب في ترك الحق سبحانه وتعالى، ولهذا يقال: إنها لوعة
تهوّن كل روعة. (الرسالة القشيرية ص٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) الفراسة: المهارة في تعرّف بواطن الأمور من ظواهرها. والثبت والنظر، ويطلق أيضاً على التوسم
من السمة وهي العلامة، والفراسة قد تكون عادية تُعرف بقرائن الأحوال، وقد تكون وهيبة إلهامية
يخلقها الله من القلب وهي المراد غالباً عند القوم.