النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٠
تفسير سورة آل عمران
ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب!
البيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن:
فانظروا بعدنا إلى الآثار
تلت آثارنا تدلُّ علينا
ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر .
حَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج (١)، لا بل لقلوب
قومٍ مِثْلِجْ مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.
وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم
ويشهد آثارهم.
بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي
بكل تقريب وإيجاب، كما قيل :
عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا
إن الدیار - وإن صَمَتَتْ ۔ فإنَّ لها
بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته .
ويقال قال سبحانه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾ [الحج: ٢٦] وأضافه إلى نفسه، وقال ها
هنا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع.
وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون في
الطواف حواليْه، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه.
والبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ، ولم يستقبل أحداً بحظوة، ولا راسل
أحداً بسطر في رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما
ظنُّك بِمَن البيتُ له. قال ◌َ﴾ مخبراً عنه سبحانه: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري))(٢).
ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع
المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات
ومفارقة الراحات؟!
ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِذْ سِرْك لأول حبيبٍ آثرك .
ويقال شتّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول
عزيز كان له .
(١) نفج الشيء: ارتفع، والنفج: الفخر والكبر أي فخر المرء بما ليس عنده.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٤١٤/٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٢٨/٦، ٨/
٣٣٦، ٢٨٧/٩)، والهيثمي في (موارد الظمآن ٤٩)، وأبو حنيفة في (جامع المسانيد ٨٨/١ -
١١٣) وفي (المسند ١٦٠)، والبيهقي في (الأسماء والصفات ١٣٨).
١٦٢
تفير سورة آل عمران
ويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت
عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ.
ويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص
الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين؛ فمن دخل بيت ربُّه فبالحريّ أن يخرج
عن معاهد نفسه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ .
شرط الغَنيُّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه، وشرط الفقير ألا يدخر عن
الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه .
ويقال الاستطاعة فنون؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم، ومستطيع
بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت
كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا .
ويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال، وربِّ البيتِ فرضٌ على الفقراء
فرض حتم؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت، ولا
يُمْنَعُ الفقير عن ربُّ البيت.
ويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظّمه: فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد
بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند
قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم، فأمّا
القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمَّا القاصدون
بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ .
ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب
العلماء في كدّ التأويل، ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اَلْعَلَيِينَ﴾ وهذا زيادة تهديد تدل على
زيادة تخصيص .
ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام
يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا
التحقيق، وإذا طُهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم
بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق
الذميمة، وإذا لبَّ بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرُةٌ مِنْ بَدَنهِ إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ
الموقف وقف بقلبه وسِرُّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص؛
١٦٣
تفسير سورة آل عمران
فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى
الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِهِ وحَوْلِه، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله، فإذا بلغ
المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه لربّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ
مَنيّ نفي عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى، وكلَّ شهوةٍ وهوى .
وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى.
وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ
على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.
وإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه
بالجولان في الملكوت.
فإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية .
فإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له.
وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه،
فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.
فمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال
وَلجر: ((الحاج أشعث(١) أغبر))، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته
فليس بأشعث ولا أغبر .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَهُ شَهِيدُ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ .
الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يَسُدُّ الحجة
عليهم، فهم مدعوون - شرعاً وأمراً، مطرودون - حُكْماً وقهراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
كيف يصد غيره مَنْ هو مصدودٌ في نَفْسِهِ؟ إنَّ في هذا لَسِرًّا للربوبية .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يُذُوَكُمْ بَعْدَ
إِيَيِّكُمْ كَفِينَ﴾ .
الوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هي متعدية إلى كل من يحوِّم حول أهلها،
فَمَنْ أطاع عدوَّ الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) ألقاه في وهدته.
(١) الشعث: التلبد والتغير.
١٦٤
-
تفسير سورة آل عمران
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيهِكُمْ رَسُولُهُ, وَمَن
يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمِ﴾ .
لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظلَّه، فإنه إذا
أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليلُ من ها هنا.
وقوله: ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ﴾ الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدُ العصمة من الله، فأمَّا مَنْ
لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية، لا
الاعتصام منك يوجب الهداية .
وحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه، ودوامُ الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة
إليه. ومَنْ كشف عن سِرْه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، فهذا
الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى
آله: ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ﴾ .
ومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ
وطنُه وليس يشعر.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقّ تُقَائِهِ﴾ .
حقُّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قِبَلِ نَفْسِه ولا ينقص.
هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحَتْم وعلى
وجه النّذب وكذلك القول في النهي على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل في جملة
هذا أن يكون حق تقاته أولاً اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم
التنقي من كل عِلَّة، فإذا تَقِيتَ عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتَّقَيْت حقَّ
تقواك .
وحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود،
وشهود الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد
اجتناب كل جُزْم وظلم، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون
صرف كرمه، والتحقق بأنه لا يَقْبل أحداً بعِلَّة ولا يَرُدُّ أحداً بعلة.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَمُتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ .
لا تُصَادِفَتَكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنْتُمْ عَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ .
١٦٥
تفسير سورة آل عمران
الاعتصامُ بحبله - سبحانه - التمسك بآثار الواسطة - العزيز صلوات الله عليه -
وذلك بالتحقق والتعلُّق بالكتاب والسُّنَّة.
ويصح أن يقال: الخواص يُقال لهم ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ﴾، وخاص الخاص
قيل لهم ﴿وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ﴾، ولِمَنْ رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته
واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره -
فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله.
وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾: التفرقة أشد العقوبات وهي قرينة الشرك.
وقوله: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ﴾. وكانوا أعداء حين كانوا قائمين
بحظوظهم، مُعَرِّجِين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شُحُ النفوس.
﴿فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾: بالخلاص من أسْرٍ المكونات، ودَفَعَ الأخطار عن
أسرارهم، فصار مقصودُهم جميعاً واحداً؛ فلو ألَّفَ أَلْفَ شخص في طلبٍ واحدٍ -
فهم في الحقيقة واحد.
﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا﴾ نعمته التي هي عصمته إياكم، إخواناً مُتَّفْقِي القصدَ
والهمة، متفانين عن حظوظ النّفْس وخفايا البخل والشحُ.
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: بكونكم تحت أسْرٍ مُنَاكم، ورباط حظوظكم
وهواكم .
﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقاً هي
المكانة العُظمى والدرجة الكبرى، ويدخل في هذه الجملة تَرْكُ السكون إلى ما مِنْك من
المناقب والتُّقى، والعقل والحجا، والتحصيل والنُّهى، والفرار إلى الله - عزَّ وجلَّ - عن
كل غَيْرِ وسوى .
قوله جل ذكره: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ﴾ .
هذه إشارة إلى أقوام قاموا بالله الله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم عن الله
استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصَرُوا أنفاسَهم واستغرقوا
أعمارَهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودَعَوْا خَلْقَ الله إلى الله،
فَرَبِحَتْ تجارتُهم، وما خَسِرتْ صفقتهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْبَيْنَةُّ وَأُوْلَكَ
لَمُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
هؤلاء أقوام أظهر عليهم في الابتداء رقومَ الطلب، ثم وسمهم في الانتهاء بِكَيِّ
١٦٦
تفسير سورة آل عمران
الفُرقة، فباتوا في شق الأحباب، وأصبحوا في زمرة الأجانب.
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِيَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَّضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴾ .
أرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم، وأهل
الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم، وأصحاب الحجاب تسودُ بالحجبة
وجوهُهُم، فتعلوها غَبَرة، وترهقها قَتَرَة.
ويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه، ومَنْ كان بالضد فحاله
العكس .
ويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه ـ ابيضَّ وجهه بروح التفويض، ومَنْ
علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسود محيَّاه بغبار الطمع؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم
ففي أَنْسٍ وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح.
قوله جل ذكره: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُنَِّ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِى
الشَمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ .
نُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير، عمارة لسبيل
الوداد: ﴿وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَلَمِينَ﴾ وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً -
والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه؟
﴿وَلِلَِّ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ حُكماً.
قوله جل ذكره: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِلهِ﴾.
لمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرف الأنبياء كانت أُمَّتُه - عليه السلام -
خيرَ الأمم. ولمَّا كانوا خير الأمم كانوا أشرفَ الأمم، ولمَّا كانوا أشرف الأمم كانوا
أشْوَقَ الأمم، فلمَّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارهم أقْصَرَ الأعمار، وخلقَهم آخِرَ
الخلائق لئلا يطولَ مُكْثُهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتُهم بكثرة صلواتهم
وعبادتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب
ولكن لما خرج الإذنُّ بالدخول تقدَّم المتأخرون:
وكم باسطين إلى وَضلِنا أكُفَّهُم لم ينالوا نصيبا
قوله جل ذكره: ﴿تَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
١٦٧
تفسير سورة آل عمران
المعروف خدمة الحق، والمنكر صحبة النفس.
المعروف إيثار حقِّ الحق، والمنكر اختيار حظ النفس.
المعروف ما يُزْلِفُك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه.
وشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفاً بالمعروف، وحُّ النَّاهي عن المنكر أن
يكون منصرفاً عن المنكر.
﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرً لَهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
لو دَخَلَ الكافةُ تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العِز في الدنيا والعقبى، ولكن
بَعُدُوا عن القبول في سابق الاختيار فصار أكثرُهم موسوماً بالشُرْك.
قسوله جل ذكره: ﴿لَنْ يَضُرُوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَدِّلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَرْ ثُمَّ لَا
يُنْصَرُّونَ﴾.
إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله
فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب
حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان .
قوله جل ذكره: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُفِقُواْ إِلَّا بِحِبَلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ
بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ .
علَمُ الهجرانِ لا ينكتم، وسِمَةُ الْبُعْد لا تَخْفَى، ودليل القطيعة لا يستتر؛ فهم في
صغار الطرد، وذُلْ الرد، يعتبر بهم أولو الأبصار، ويغترُّ بهم أضرابُهم من الكفار
الفُجَّار.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ الَّهِ مَانَّةَ
الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَِّحِينَ﴾.
كما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك تضاد فكذلك أثبت منافاة بين
أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتُّهمة،
والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب،
والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟!
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
لن يخيبَ عن بابه قاصد، ولم يخسر عليه (تاجر)، ولم يستوحش معه
مصاحب، ولم يَذِلَّ له طالب.
١٦٨
تفسير سورة آل عمران
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً
وَأُوْلَبَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ .
لا في الحال لهم بدل ولا في المآل عنهم خلف. في عاجلهم خَسِروا، وفي
آجلهم في قطعٍ وهجْرٍ، وبلاءٍ وخُسْرٍ، وعذابٍ ونُكْر:
تبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرةً لمن ابتغى عِوَضاً لسلمى فلم يَجِدَ
قوله جل ذكره: ﴿َثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِ هَذِهِ اُلْحَيَوِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ
حرّثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اَللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسراتٍ متتابعة، وما حصلوا من
حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولّى.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَّةُّ ◌ِّنِ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْ مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن
كُنُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
الركون إلى الضد - بعد تبين المشاق - إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو،
فأشار الحقُّ - سبحانه - على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار البراءة عن كل
غير، ودوام الخلوص للحق - سبحانه - بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم
للرسول ﴿ أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلّ الإقبال
وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليلُ والنهار؟ ! .
قوله جل ذكره: ﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبٍ كُلِّهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ
قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾.
أنتم بقضية كرمكم تصفو - عن الكدورات - قلوبُكم؛ فتغلبكم الشفقة عليهم،
وهم - لعتوّهم وخُلْفِهم - يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم
إلا قطرات غيظهم. فَفَرِّغْ - يا محمد - قلبك منهم.
﴿قُلّ مُوتُواْ بِغَيْفِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
دَعْهُمْ يتفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ
بهم، فإن الله أولى بعباده؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء.
قوله جل ذكره: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَّسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَفِئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِنْ
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْلَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .
الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال
١٦٩
تفسير سورة آل عمران
أهل العادة؛ لا يعجبهم أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترةً لقاصِد استراحوا إلى
ذلك. وإنَّ الله - بفضله ومِنَّته - يُتِمُّ نورَه على أهل عنايته، ويَذَرُ الظالمين الزائغين عن
سبيله في عقوبة بعادهم، لا يبالي بما يستقبلهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ
قلِيمٌ﴾ .
أقامَه - مَله - بتبوئه الأماكن للقتال، فانْتُدبٍ لذلك بأمره ثم أظهر في ذلك الباب
مكنونات سِرُّه، فالمدار على قضائه وَقَدَرِه، والاعتبار بإجرائه واختياره.
قوله جلت قدرته: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلَ اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ .
يُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم، وفعلهم
وتركهم، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللّهُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
تذكير ما سَلَفَ من الإنْعَامِ فتحّ لباب التملق في اقتضاء أمثاله في المُسْتَأْنَف(١).
قوله جل ذكره: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
اٌلْمَلَئِكَةِ مُنْزَلِينَ بَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَبِأَتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالََّفٍ مِّنَ
اٌلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ .
كان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - نَّو - بلا واسطة من الله - سبحانه،
والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول وَ # ـ فلولا بقية بقيت عليهم ما رأَّهم في
حديث النصرة إلى إنزال المَلَك، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك؟!
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ
عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه مع أوليائه أنه إذا ضعفت نِيَّاتُهم، أو تناقصت إرادتهم
أو أشرفت قلوبهم على بعض فترة - أراهم من الألطاف، وفنون الكرامات ما يُقَوِّي به
أسباب عِزْفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم.
فعلى هذه السُّنَّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار
بالكلية فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
(١) استأنف الشيء: أخذ أوله، ابتدأه، استقبله.
١٧٠
تفسير سورة آل عمران
قوله جل ذكره: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِنَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَبِِّينَ﴾ .
إِنَّ الله لا يُشْمِتُ بأوليائه عدواً؛ فالمؤمن وإن أصابته نكبة، فعدوُه لا محالة يكبه
الله في الفتنة والعقوبة .
قوله جل ذكره: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ وَلِلَّهِ
مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الإله من له الأمر والنهي، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - ({َ ل﴾)(١) -
من الأمر والنهي شيء.
ويقال جرَّده ــ بما عرَّفه وخاطبه ــ عن كلِ غيرِ ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه
ليس له من الأمر شيء، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّدَ الأولين والآخرين شيء من الأمر
فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر؟
ويقال استأثر (بِسَتْرٍ عباده في حكمه) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من
عبادي وأعذِّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك ـ يا محمد - لا تدري سرى
فیھم .
ويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَفَىَّ﴾
[الأنفال: ١٧] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له في وقت آخر:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ ثم زاد في البيان فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾.
فإذا كان المُلْك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذّبه، ومن شاء قرَّبه،
ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَثَّقُواْ النَّارَ أَلَّىيَ أُعِدَّتْ لِلْكَعِرِينَ ﴾ .
ب
حرَّم الربا على العباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض
الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو
صفة الحق سبحانه .
﴿وَأَنَّقُواْ النَّارَ أَلَِّىّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾: دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذّبُ بها، وإن
عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها.
قوله جل ذكره: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
قَرَنَ طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفاً لِقَدْرِه، وتخفيفاً على
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
١٧١
تفسير سورة آل عمران
الأمة حيث ردّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم، فإنَّ الجنسَ إلى الجنسِ أسكنُ .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَطِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُخِْينَ﴾.
معناه سارعوا إلى علم يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك
أمرٌ شديد فقال ◌َله: ((الندمّ توبة)) وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي
يحتاج إلى الغفران.
والناس في المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات،
والعارفون يسارعون بهممهم في القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرَّع
الحسرات. فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع
بندمه وجد رحمته .
ولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في
مقابلة العَرْض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقومٌ قالوا: المغفرة من
صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو
كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.
ومن قال: مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية،
إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب.
قوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّاءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ .
لا يدَّخِرون عن الله شيئاً، ويؤثرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على
الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات
بوجوه الصدقات، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء
المحبَّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع
الأوقات؛ ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات.
قوله: ﴿وَالْكَِمِينَ الْغَيْظَ﴾: يتجاوزون عن الخَلْقِ لملاحظاتهم إياهم بعين
النسبة، وأقوام يَخْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُزْمِهم فيشهدونهم بعين
التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون
عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذَّلْ
لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء؛
فعلموا أنَّ المنشىء الله؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه
١٧٢
تفسير سورة آل عمران
بالإبداع انقادوا لحكمه؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق
سبحانه بِبَزْدِ الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة .
قوله: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على
الناس، قال قائلهم:
لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه
رُبَّ رام لي بأحجار الأذى
﴿وَ اَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْيِينَ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه .. هذا في معاملة
الحق، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقّك بالكلية كم كان على من
كان، وتقبل ( ... )(١) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة.
قوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ
مَّغْفِرَةٌ مِن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ .
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ((قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني
أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة)). وقال لظَلَمَةِ هذه الأمة.
﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ويقال فاحشةُ كلٌ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم وإن خطور
المخالفات ببال الأكابر كفِغْلها من الأغيار، قال قائلهم:
أنت عيني وليس من حق عيني
غضُّ أجفانها على الأقذاء (٢)
فليس الجُزْم على البساط كالذَّنب على الباب.
ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم،
فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا
به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور
الحقائق، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية.
﴿أُوْلَبِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ﴾ بردّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من
الحسنى في سابق القسمة .
﴿وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِنْ تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ مؤجلاً من الفراديس، ومُعَجلاً في روح
المباحات وتمام الأنْس.
(١) بياض في الأصل.
(٢) الأقذاء (ج) القذى: وهو ما يتكون في العين من رَمّصٍ وغَمصَ. أو ما يقع في العين من تبئةٍ.
١٧٣
تفسير سورة آل عمران
قوله جل ذكره: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ فَسِيرُواْ فِ اُلْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يعني اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن وَالَى وكيف انتقمنا ممن
عَادَى، وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين
من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجّلى الحق في الأسرار.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ .
يعني إذا قلتم بالله (ووصلتم) بالله فلا ينبغي أن تخافوا من غير الله، ولا تَهِنوا
ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى الله فليس منهم ذرة ولا
منهم سينة .
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي ينبغي للمؤمن ألا تظله مهابةٌ من غير الله.
قوله جل ذكره: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرٌْ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَلَهُ لَا يُحِبُّ النََّلِينَ﴾.
إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومُنوا بمثل ما به مُنيتم،
فمن صبر منهم ظفر، ومَنْ ضجر مِنْ حَمْلِ ما لقي خَسِر، والأيامِ نُوَبٌ والحالات
دُوَّلٌ، ولا يخفى على الحق شيء.
قوله جل ذكره: ﴿وَلِيُمَّحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِينَ﴾.
اختبارات الغيب سبك للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير
كالذهب الخالص لا خَبَثَ فيه، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله.
﴿وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾ في أودية التفرقة. ﴿فَأَمَّا الزََّدُ فَذْهَبُ جُمَاَءُ﴾ [الرعد: ١٧].
قوله جل ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلِمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ﴾ .
من ظنَّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة
الهلاك، وإنَّ من عرف قَدْر مطلوبه سَهُلَ عليه بَذْلُ مجهوده: ( ..... )(١) وهو بلذاته
على من يظن يخلع العذار وقال قائلهم:
فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد
إذا شام(٢) الفتى برق المعاني
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ﴾ .
(١) بياض في الأصل.
(٢) شامَ: أي ظهرت بجلدته الشامة.
١٧٤
تفسير سورة آل عمران
طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن :
تبيَّن من بكى ممن تباكى
إذا انسكبت دموعٌ في حُدُودٍ
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
أَنْقَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الَهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾.
إن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرِفُوا؛ فإذا
أُيُّدُوا بأنوار البصائر اطّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أَعْطُوا من
الإشراق بوظائف البلوغ.
﴿أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَلِكُمْ﴾ لما تُوُفِّي المصطفى - وَلَّ ـــ سقمت
البصائر إلا بصيرة الصديق رضي الله عنه فأمَدَّه الله بقوة السكينة، وأفرغ عليه قوة
التولي فقال: ((من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات))(١) فصار الكُلُّ مقهورين تحت
سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها
أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم.
وإنما قال: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ لأنه ◌َِّ مات. وقيل أيضاً لأنه قال: ((ما زالت
أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري))(٢) .
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِتَبًا مُؤَجَّلَا وَمَنْ يُرِدْ
ثَوَبَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَبَ اَلْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاْ وَسَنَجْزِى الشَّنْكِرِينَ﴾ .
الأنفاس محصورة؛ لا زيادة فيها، ولا نقصان منها.
﴿وَمَنْ يُرِّدِّ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾: للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَبَ اَلْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾: وثواب الآخرة أوله الغفران ثم الجنان ثم
الرضوان .
﴿وَسَيَجْزِى أَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾: وجزاء الشكرِ الشكرُ.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَيِّن مِّن نَّبٍِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ﴾ .
إنَّ الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق،
(١) أخرجه البخاري (جنائز ٣)، (فضائل أصحاب النبي ٥)، (مغازي ٨٣)، وابن ماجه (جنائز ٦٥)،
وأحمد بن حنبل (٦، ٢٢٠).
(٢) أخرجه القاضي عياض في (الشفا ٦٠٩/١)، والخطابي في (إصلاح خطأ المحدثين ٣٣) والقرطبي
في (التفسير ١٦٣/٥)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٢١٨٩)، (وصاحب ميزان الاعتدال
٣٢٦٣)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ١٢٣٩/٣).
١٧٥
تفسير سورة آل عمران
وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق - وجدوا محبةَ الحقّ
سبحانه ميراثَ صبرِهم، وكان الخُلَف عنهم الحقُّ عند نهاية أمرهم، فما زاغوا عن
شرط الجهد، ولا زاغوا في حفظ العهد، وسلَّموا تسليماً، وخرجوا عن الدنيا وكان
كلُّ منهم للعهد مقيماً مستديماً، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيماً.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى اُلْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾.
تحققوا بحقائق المعنى فَخَرِسُوا عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان الاستغفار،
ووقفوا في موقف الاستحياء، كما قيل:
فكأنّما حسناتُه آثامُ
يتجنّبُ الآثامَ ثم يخافها
قوله جل ذكره: ﴿فَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا﴾ .
وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأنس في الجلوس بين يديه ثم
كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السرِّ بوجوده.
﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
يعني دخولهم الجنة محررون عنها، غير داخلين في أسرها.
ويقال ثوابُ الدنيا والآخرة الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما (١).
ولمّا قال ﴿ثَوَبَ الذُّنْيَا﴾ قال في الآخرة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابٍ أَلْآَخِرَةِ﴾ فوجب أن يكون
لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصَّه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها
وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفةً فيها .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُدُّوكُمْ عَى
أَغْفَكِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ خَيْرُ اَلنَّصِرِينَ﴾ .
يعني إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم، فألقوكم في ظلماتهم، بل الله
مولاكم: ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾: لأنه
يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم
یعینون أنفسكم علیکم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ لأن مَنْ سواه بمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على
استنصارك به .
(١) قال القشيري في حديثه عن الغيبة برسالته: الغيبة في المصطلح الصوفي هي غيبة القلب عن علم ما
بحري من أحوال الخلق، لاشتغال الحسن بما ورد عليه، ثم يغيب إحساسه بنفسه وبغيره بوارد من
تذكر ثواب أو تفكّر عقاب. (الرسالة القشيرية ص٦٩).
١٧٦
تفير سورة آل عمران
ويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد
ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا
ينصرك .
قوله جل ذكره: ﴿سَنُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِلَ بِهِ، سُلْطَنَّأَ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ مَثْوَى الَّلِينَ﴾.
إنّ الله سبحانه خصّ نبينا - وَلَهـ بإلقاءِ الرعبِ منه في قلوب أعدائه، قال عليه
السلام: ((نُصِرْتُ بالرعب))(١). فكذلك أجرى هذه السُّنّة مع أوليائه؛ يطرح الهيبة منهم
في القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه ـ على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه -
هيبةٌ في القلوب وقهرٌ.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ﴾ .
(إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت
إلى أن تعطيه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه -
يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك).
الإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم عن
تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ولم
يزغ عن حدِّه ولم يُزغُ في عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها،
ومن ضلّ عن الاستقامة - ولو خطوة - عثر في مشيته، واضطربت عليه - بمقدار جُزْمه -
حاله وكفايته، فمن زَادَ زِيدَ له، ومن نَقَصَ نُقِصَ له .
قوله جل ذكره: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ ثُمَّ
صَرَّفَّكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قيمة كل أحدٍ إرادته؛ فَمَنْ كانت همتُه الدنيا فقيمتُه خسيسةٌ حقيرة كالدنيا، ومن
كانت همتُه الآخرة فشريفٌ خطره، ومن كانت همتُه ربانية فهو سيد وقته .
ويقال مَنْ صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل - بلطفه - عليه،
وأزلفه بمحل الخصوصية لديه.
قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: الإشارة منه أنه صرف قوماً عنه فشغلهم بغيره
عنه، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له؛ فالزاهدون صرفهم عن الدنيا،
(١) أخرجه النسائي في (سننه ٣/٦)، وأحمد بن حنبل (المسند ٢٦٤/٢، ٢٦٨، ٣١٤، ٣٩٦، ٤١٢،
٤٥٥، ٥٠١)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٦٠/١، ٢٥٨/٨)، والحميدي في (المسند ٩٤٥).
١٧٧
تفسير سورة آل عمران
-
والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحّدون
صرفهم عما هو غيرٌ وسوى.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُونَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيّ
أُخْرَنَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَانَكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَّةُ نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ
أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِلَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ
اَلْأَمْرَ كُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِيَّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا
هَهُنَّأْ قُل لَّوْ كُمْ فِ بُيُوتِكُمْ لَيْرَزَّ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِى
صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ .
قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعى الحق
سبحانه - من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من
الجدران - تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٍّ في ليه، مقيمٌ على غيّه، جاحد لِمَا
يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة
يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه في ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاسٍ
متصاعدة، وحسراتٍ متواترة؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة. حتى إذا
طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن
عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون
إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله الله ( ..... )(١) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا
ملاحظة ترحيب .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ أَلْغَرِّ أَمَنَّةُ نُّعَاسًا يَغْشَىْ طَآَيِفَةٌ مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ
أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ ظَنَّ لََْهِلِيَّةِ﴾: فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد
فتراتهم إلى القول بتَرْكٍ أنفسهم، وغَسلٍ أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون
بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء. عليه أكّدُوا
العهد، وبدَّلُوا اللحظ، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَّنَةَ.
فأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم، ومِنْ عاجل
عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها؛ قال تعالى: ﴿وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
(١) بياض في الأصل.
١٧٨
تفسير سورة آل عمران
والإشارة في قوله تعالى: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في
أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم
على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم، وينسَوْن
ربَّهم في الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: فَمَنْ عَرَفَ أن المنشىء الله انسلخ عن اختياره وأحواله
كانسلاخ الشَّغْرِ عن العجين، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية. وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن
يستريح من كدِّ تدبيره، ويعيش في سعة شهود تقديره.
وقوله: ﴿يُخْفُونَ فِيَّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ﴾: لم يُخْلِصُوا في عقائدهم،
وأضمروا خلاف ما أظهروا، وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ
توهموها .
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمّ﴾ .
أخبر أن التقدير لا يُزَاحَم، والقَدَر لا يُكابَرَ، وأن الكائناتِ محتومة، وأن الله
غالب على أمره .
وقوله: ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ﴾: فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من
قلوبهم كل آفةٍ وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصةً
من الشوائب، صافيةً عن العلائق، منفردةً للحق، مجرَّدَةً عن الخلق، مُحَرَّرة عن
الحظّ والنَّفْس، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي، باديةٌ فيها أنوارُ
التجلي .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ .
الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سَقِمَتْ إرادتُهم، وضَعُفَتِ نِيَّاتُهم، وقادهم
الهوى، ومَلَكَتُهُم الفترة.
قابَلَهم نصحُ الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة،
وآثروا الهوى على التُّقَى فبقوا عنه، ولم يتهنَّوا بما آثروه عليه.
قوله جل ذكره: ﴿وَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحِىء
وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
مَنْ تعوَّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر في مستقبله وآنِفِه، فأقلُّ عقوبة
له ضيق قلبه في تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا
١٧٩
تفسير سورة آل عمران
ولعلَّ كذا، وثمرةُ الفكرة في ليت ولعلَّ ـ الوحشةُ والحسرةُ وضيق القلبِ والتفرقة.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَيِنْ قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ وَلَيْن مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
بذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله
من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك، إنْ شِئتَ: والدنيا، وإنْ
شِئْتَ: والعقبى.
قوله: ﴿وَلَيْن مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى الَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: إذا كان المصير إلى الله طاب
المسيرُ إلى الله: وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُ رِحَالَنَا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل ! .
قوله جل ذكره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُّ وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَعُواْ مِنْ
حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُتَوَكَّلِينَ﴾ .
جرَّده عن أوصاف البشرية، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما
يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه
وإلا متى كان بتلك الصفة؟!
ويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم، وصبر
على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان
مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها
وإلا متى أطلق صحبتهم؟!
ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان تريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر
على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه؟
ويقال لولا أنه يَ# شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف،
وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم.
قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾: لو سَقْيتَهم
صِرْفَ شراب التوحيدٍ غيرَ ممزوج بما فيه لهم حظّ لتفرقوا عنك، هائمين على
وجوههم، غير مطيقين للوقوف لحّظةً، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يكون تقصيراً منهم في
حقك وتوقيرك، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً
إلينا .
ويقال: ﴿فَعْفُ عَنْهُمْ﴾ فاعف - أنت ـ عنهم فإن حكمك حكمُنا، فأنت لا تعفو
إلا وقد عَفَوْنا، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية، ونقله إلى وصف
١٨٠
تفسير سورة آل عمران
التفرقة فقال: ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم. وكذا سُنَّتُه - سبحانه
- مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه، يردُهم مِنْ جمع إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع،
فقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ جمع، وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ فَهُمْ﴾ فرق.
ويقال: ﴿فَعَّفُ عَنْهُمْ﴾ وتجاوز عنهم في حقوقك، ولا تكتفِ بذلك ما لم
تستغفر لهم إكمالاً للكرم؛ ولهذا كان يقول: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)).
ويقال ما يُقصِّرون في حقّك تعلَّق به حقَّان: حقك وحقي، فإذا عفوتَ أنت فلا
يكفي هذا القَدْرُ بل إِنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة؛ فمن أرضى
خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره.
وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَنِ﴾ أي أثْبِتْ لهم محلاً؛ فإنَّ المعفوَ عنه
في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكرامة، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم،
وطيَّيْتَ لهم قلوبهم .
ويقال تجَشَسوا في أحوالهم: فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه، ومن مرتكب
الذنوبِه أُمِرَ بالاستغفار له، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أَمِرَ بمشاورته.
ثم قال: ﴿فَإِذَا عَزَّمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور
إليّ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ.
وحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ﴾ يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ(١) ونَصَبٍ،
وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه، وآخرون يكفيهم -
عند توكلهم - بلقائه، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه، ويقفون
معه به له - علی تلوينات قَدَرِه وقضائه .
قوله جل ذكره: ﴿ إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنْصُكُم مِّنْ
بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح.
ويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد السرائر.
ويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نَفْسُكَ التي بين جنبيك.
والنصرة على النَّفْس بأن تهزم دواعي مُنَّتِها بعواصم رحمته حتى تَنْفَضَّ جنود الشهوات
بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصةً من شهبات الدواعي التي هي أوصاف
(١) اللغب: التعب والإعياء الشديد. والنّصَب: التعب.