النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
تفسير سورة البقرة
قيل كان في طلب في زيادة اليقين، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلاً
من عين اليقين(١).
وقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه: ﴿أو لم تؤمن قال بلى﴾ كنت
أومن ولكني اشتقتُ إلى قولك لي: أَوَ لم تؤمن، فإن بقولك لي: ﴿أو لم تؤمن﴾ تطميناً
لقلبي. والمحبُّ أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه .
وقيل: إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله
﴿وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وإن موسى - عليه السلام - لما سأل الرؤية جهراً وقال:
﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَرُدَّ بالجهر صريحاً وقيل له ﴿لَنْ تَرَِ﴾.
وقيل إنما طلب حياة قلبه فأشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور، وفي الطيور
الأربعة طاووس، والإشارة إلى ذبحه تعني زينة الدنيا، وزهرتها، والغراب لحِرْصِه،
والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه .
ولما قال إبراهيم عليه السلام ﴿أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَ﴾؟ قيل له: وأرني كيف
تذبح الحي؟ يعني إسماعيل، مطالبة بمطالبة. فلمَّا وَفَّى بما طولب به وفَّى الحق
سبحانه بحكم ما طلب .
وقيل كان تحت ميعاد من الحق - سبحانه - أن يتخذه خليلاً، وأمارة ذلك إحياء
الموتی علی یده، فجری ما جرى.
ووصل بين قصة الخليل و # فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين
عُزير إذ أراه في نفسه؛ لأن الخليل يَرْجُح على عزير في السؤال وفي الحال، فإن
إبراهيم - عليه السلام - لم يَرُدَّ عليه في شيء ولكنه تَلَطّف في السؤال، وعُزَير كلمه
كلام من يُشْبِهِ قولُه قولَ المسْتَبْعِد، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمَّ دلالة
حيث أظهر إحياء الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم - عليه السلام
- ربي الذي يحيي ويميت، فقال: ﴿أَنَّ أُحِ، وَأُمِيتٌ﴾ أراد إبراهيم أن يُرِيَه الله سبحانه
إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادَّعى.
وفي هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادةَ اليقين من الله سبحانه وتعالى في حال
النظر .
ويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام، فقيل له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾
يعني أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شيء رأيته ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٧]
فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية، فكذلك يوصلك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك.
(١) انظر الرسالة القشيرية ص ٨٥ ,٣١١ - ٣١٧.

١٢٢
تفسير سورة البقرة
والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعني النفس؛
فَمَنْ لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْيِى قلبُه بالله .
وفيه إشارة أيضاً وهو أنه قال قَطْعْ بيدك هذه الطيور، وفَرِّقْ أجزاءها، ثم ادْعُهُنَّ
يأتينك سعياً، فما كان مذبوحاً بيد صاحب الخلة، مقطعاً مُفَرَّقاً بيده - فإذا ناداه
استجاب له كل جزء مُفَرَّق .. كذلك الذي فَرَّقه الحق وشتّته فإذا ناداه استجاب:
ولو أنَّ فوقي تُرْبَةً وَدَعَوْتَني
لأَجَبْتُ صَوْتَكُ وَالْعِظَامُ رُفَاتُ (١)
قوله جل ذكره: ﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَِّ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُتْلَةٍ مِائَةُ حَّةٍ وَاللَّهُ يُضَنِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ .
فالخَلَفُ لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم في سبيل الله فالخَلَفُ عنهم الحقُّ
سبحانه، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته، ومَنْ أنفق حاله فوجد قربته؛
فإنفاق المال في سبيله بالصدقة، وإنفاق الأحوال في سبيله بملازمة الصدق، وبنفي
كل حظ ونصيب، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب، قال قائلهم:
أُريد وصاله ويريد هجري
فأتركُ ما أريد لما يريد
والإنفاق على ضربين: إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين. أمَّا العابدون فإذا أنفقوا
حَبَّةً ضاعَفَ لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب، وأما الواجدون فكما قيل:
فلا حَسَنّ نأتي به يقبلونه
ولا إن أسأنا كان عندهم محو
قوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنَفَقُواْ مَنَّا وَلَّ
أَذِىٌّ لَهُمْ أَخْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
المنُّ شهود ما تفعله، والأذى تذكيرُك ـ لمن أحسنت إليه - إحسانَك.
ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون ألبتة أفعالهم ولا أعمالهم.
ويقال كيف يمنون بشيء تستعذرونه وتستحقونه.
ويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىّ
حلیٌ﴾.
يعني قولٌ - للفقير المجرد - يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من
صدقة المعجَبِ بفعله، وما يتبع من إلزام المنة فيه.
(١) الرُفات: الحُطام أي كل ما تكسر وبلي فتفتت.

١٢٣
تفسير سورة البقرة
ويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجُزمك، وعفران الله لك على تلك القالة -
خبرٌ مِنْ صَدَقَةٍ بالمنُ مشوبة، وبالأذى مصحوبة .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنِفِقُ
مَالَهُ رِئََّ النَّاسِ. وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ آَخِرِ فَمَثَلُ كَمَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَبٌ فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ
فَتَرَكَهُ صَلْدًّا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّنَا كَسَبُواْ وَأَنَّهُ لَاْ يَهْذِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ﴾ .
إنما يُحْمَلُ جميلُ المنة من الحق سبحانه، فأمَّا من الخلق فليس لأحد على غيره
مِنَّةَ؛ فإنَّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة، وشهود المنة من الله أعظم نعمة،
قال قائلهم :
ليس إجلالُكَ الكبار بِذُلٌ
إنما الذُّنَّ أنْ تُجِلَّ الصُّغَارا
ويقال أفقرُ الخلق مَنْ ظنَّ نفسَه موسِراً فيَّبِين له إفلاسه، كذلك أقل الخلق قدراً
من ظن أنه على شيءٍ فيبدر له من الله ما لم يكن يحتسبه.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ وَتَثْبِيْتًا مِّنْ
أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّمٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ أَيَوَدُ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ مُعَفَآءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ
فَأَحْتَفَتْ كَذَلِكَ يُّبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَنَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق :
لمن أنفق في سبيل الله؛ ولمن أنفق ماله في الباطل؛ فهؤلاء يحصل لهم الشرف
والخلف، وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الرد، وفي المآل إلا التلف. وهؤلاء
ظلَّ سعيهم مشكوراً، وهؤلاء يدعون لبوراً ويَضْلَوْنَ سعيراً. هؤلاء تزكو أعمالهم
وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم، وهؤلاء حَبِطَتْ أعمالهم
وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وبالهم.
ويقال مَثَلُ هؤلاء كالذي أنبت زرعاً فزكا أصله ونما فصله، وعلا فَرْعُه وكثر نَفْعُه .
ومَثَلُ هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت - على كبره - حيلته وتواترت
من كل وجهٍ وفي كل وقت محنته ... هل يستريان مثلاً؟ هل يتقاربان شَبَها؟
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ
الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِعَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِىّ
حیدُ﴾.
:

١٢٤
تفسير سورة البقرة
لينظر كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي
يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظّك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص
مالك الذي لله (فاللُّقْمَةُ لُقْمَتُه)، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة.
ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقلبه منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل
أبصر كيف يقلبه منك، بل أبصر كيف يمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك؛ الكلُّ منه
فضلاً لكنه ينسبه إليك فعلاً، ثم يُولِي عليك عطاءه ويسمي العطاء جزاءً، يوسعك
بتوفيقه بِرَّاً، ثم يملأ العَالَم منك شكراً.
قوله جل ذكره: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةٌ مِنْهُ
وَفَضْلاً وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ .
يَعِدُ الشيطانُ الفقرَ لفقره، والله يَعِدُ المغفرةَ لكرمه .
الشيطانُ يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم، ويقال يشير عليكم - بطاعته -
بالحرص؛ ولا فقرَ فوقه .
يعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم.
يعدكم الفقر بنسيان ما تَعَوَّذْتُموه من فضله - سبحانه.
ويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك.
ويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه .
ويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته .
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَةِ ﴾ أي الرغبة في الدنيا، ويقال بالأسباب التي تقوي
الحرص، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة، ويقال بمتابعة الشهوات، ويقال بإيثار
الحظوظ، ويقال بالنظر إلى غيره، ويقال بإخطار شيء سواه ببالك.
ويقال بالانحطاط إلى أوطان الرُّخص والتأويلات بعد وضوح الحق.
ويقال بالرجوع إلى ما تركته لله .
﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةُ مِنْهُ وَفَضْلًا﴾: الفضل الموعود - في العاجل - القناعة، وفي
الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و ( .... )(١) والغفران.
ويقال في العاجل الظفر بالنفس، ويقال فتح باب العرفان، ونشر بساط القرب،
والتلقي لمكاشفات الأنس . .
قوله جل ذكره: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءٍ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِىَ خَيْرًا كَثِيرًا
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبٍ﴾
(١) بياض في الأصل.

١٢٥
تفسير سورة البقرة
الحكمة: يحكم عليكم خاطرُ الحقُّ لا داعي النفس، وتحكم عليكم قواهر الحق
لا زواجر الشيطان .
ويقال الحكمة صواب الأمور.
ويقال هي ألا تحكم عليك رعوناتُ البشرية .
(ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره).
ويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى، والسَّفَهُ مخالفة أمره.
ويقال الحكمة شهود الحق والسَّفَهُ شهود الغير.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَّرْتُم مِّن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا
لِلََّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
قوم تَوَعَّدَهم بعقوبته، وآخرون توعدهم بمثوبته .. وآخرون توعدهم بعلمه؛
فهؤلاء العوام وهؤلاء الخواص. قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْرِ رَبِكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَا﴾ [الطور:
٤٨] فلا شيء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه، فليحذر
المريد من إزلال(١) نفسه في ذلك غايةً الحذر.
قوله جل ذكره: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِخَا مِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اٌلْفُقَرَآءَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّنِ سَيْئَاتِكُمُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
إن أَظْهَرْتَ صحبتَكَ معنا وأعلنتَ فلقد جوَّدْتَ وأحسنْتَ، وإنْ حفظت سِرَّنا عن
دخول الوسائط بيننا صُنْتَ شروط الوداد، وشَيَّدت من بناء الوصلة العماد.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُذُنُهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا
تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنِفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُؤَنَّ
إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ .
لكَ المقام المحمود، واللواء المعقود، والرتب الشريفة، والمنازل العلية،
والسنن المرضية. وأنت سيد الأولين والآخرين، ولا يدانيك أحدُ - فضلاً عن أن
يساميك، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا، وليس للأغيار منه
شطية. يا محمد: أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم.
قوله جل ذكره: ﴿لِلْغُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا
فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ
النَّاسَ إِلْحَافَأْ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
(١) أزله: حمله على ارتكاب الذنب أو الخطيئة.

١٢٦
تفسير سورة البقرة
أخذ عليهم سلطانُ الحقيقة كلَّ طريقٍ، فلا لهم في الشرق مذهب، ولا لهم في
الغرب مضرب. كيفما نظروا رأوا سرادقات(١) التوحيد محدقة بهم:
عليهم فما تزداد طولاً ولا عرضا
كأنَّ فجاجَ الأرض ضاقَتْ بِرَخْبِها
ولا يسلم لهم نفس مع الخلق، وأنَّى بذلك ولا خَلْق !! وإذا لم يكن فإثبات ما
ليس نيزك ( ..... )(٢) في التوحيد.
والفقير الصادق واقف مع الله بالله، لا إشراف للأجانب عليه، ولا سبيل
لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار في لبسة سوى ما هو به؛ قال تعالى: ﴿يَحْبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شيء من
أحوالهم. تعرفهم يا محمد - أنت - بسيماهم، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر
ولكنها سيماء تدركها البصيرة. لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية.
ويقال: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾: استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم، وصياح
أسرارهم إلى العرش (نشاطاً عنه) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش.
ويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس
إلحافاً، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال - لما يشير إليه دليل الخطاب
- فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم، لئلا يلاحظهم الخلق بعين السؤال، وليس على
سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار.
ويقال: ﴿أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وقفوا على حكم الله، وأخْصَرُوا
نفوسَهم على طاعته وقلوبَهم على معرفته، وأرواحَهم على محبته، وأسرارَهم على
رؤيته .
قوله جل ذكره: ﴿اَلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ بِأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ .
ما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلاً ونهاراً، فإذا نفد المال لا يفترون
عن شهوده لحظةً ليلاً ونهاراً.
قوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَؤْلَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّنَّ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوَأْ وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَتَّمَ اْلْيَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ زَّيِّهِ،
فَأَنَهَى فَهُ مَا سَلَفَ وَأَهْرُهُ: إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَتَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِّدُونَ﴾ .
(١) السرادقات: (ج) السرادق: ما يمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار. أو هو الخيمة الواسعة.
(٢) بياض في الأصل.

١٢٧
تفسير سورة البقرة
مَنْ أعرض عن الأمر، ورخَّص لنفسه بما يسوّله له خاطره من التأويل فلا استقلال
لهم في الحال ولا انتعاش في المآل؛ خسروا في عاجلهم ولم يربحوا في آجلهم.
ومَنْ انتبه بزواجر الوعظ، وكْبَحَ لجامَ الهوى، ولم يُطْلِقْ عنان الإصرار فَلَهُ
الإمهال في الحال، فإن عاد إلى مذموم تلك الأحوال فَلْيَنْتَظِروا أوشكَ الاستئصالِ
وفجاءة الثكال.
قوله جل ذكره: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرّبَوْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ .
ما كان بإذن منه - سبحانه - من التصرفَّات فمقرون بالخيرات، ومصحوب
بالبركات. وما كان بمتابعة الهوى يُسَلِّط عليه المَحْقَ، وكانت عاقبة أمره الخسران .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَأَقَامُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ .
إن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون مِنَّا، لا نضيع أجر من أحسن عملاً.
قوله جل ذكره: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِبَوْاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
الاكتفاء بموعود الربِّ خيرٌ للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه .
ومقصودُك من تسويلات النفس، وموعودك مما ضمنه الحق.
قوله جل ذكره: ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرٍْ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِّ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ .
إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قَدْرٌ ولا أخطار.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَؤَّ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُذّ إِن
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
إذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حَبْسه، وإن ظهرت الذي
الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه، ولكنه في إمهال وإنظار. والرب لا يحكم
بهذا علينا؛ فمع علمه بإعسارنا وعجزنا، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له ـ يرحمنا.
قوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شيء إلا من
حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين، فأمَّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من
رقاب الأموال والعقد .. وأنَّى للمفلس به؟!
وأمَّ الربح في التجارة من تقليب رأس المال والتصرُّف فيه .. فأنَّى للمفلس به؟!
ما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء ( ..... )(١) وإن كان ضعيفاً،
(١) بياض في الأصل.

١٢٨
تفسير سورة البقرة
فذلك لمن بقيت له منة الحراك أما المفلس عن قوته - كما هو مفلس عن ماله - ما
بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه.
قرله جل ذكره: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
الرجوع على ضربين: بالأبشار والنفوس غداً عند التوفي، وبالأسرار والقلوب في
كل نَفَسٍ محاسبة؛ نقدٌ ووعد، فتَقْدُ مطالبته أحقُّ مما سيكون في القيامة من وعده.
وقال للعوام: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ وقال للخواص: ﴿وَإِنَّىَ فَتَّقُونِ﴾ .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى فَاكْتُبُوّةُ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِكٍ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا
أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِ لَّمْ يَكُنَا
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الثُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَنُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَنَّ
وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَنْعَمُوْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِ ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ
اَلَّهِ وَأَقْوَمُ لِلِتَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْثَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
◌ُنَاعُ أَلَّا تَكْثُبُوهَا وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ وَلَا يُضَارُّ كَتِبٌ وَلَا شَهِيَةٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًاً
بِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ
كَتِبًا فَرِهَاْنُ مَّقْبُوضَةُ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ
الشَّهَدَةُ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلٌِ﴾ .
أمَرَ الله سبحانه الخلقَ بالقيام بالصدق، وعلَّمَهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم،
والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يُجْرِيَ - بعضُهم على بعض - حيفاً، وذلك من
مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رِفقِه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين
الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة.
ومن شرع اليومَ ما يقطع الخصومة بينهم فبالحري أن يجري ما يرفع في الآخرة
آثار الخصومة بينهم، وفي الخبر المنقول: («تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالي
علیکم، فإن الكريم إذا قدر غفر)).
وفيما شرع من الدَيْن رِفْق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال
على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية
والسؤال، فأذِنَ له في الاستدانة ليَجْبُرَ أمرهَ في الحال، وينتظرَ فضل الله في المآل،

١٢٩
تفسير سورة البقرة
وقد وعد على الإدانة الثواب الكثير، وذلك من لطفه تعالى.
قوله جل ذكره: ﴿لِلَّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّةٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ .
من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب.
ويقال ما (تبديه)): العبادة، ((وما تخفيه)) الإرادة .
ويقال ما («تخفيه)): الخطرات و((ما تبديه)»: ((العبارات)).
ويقال ما ((تخفيه)»: السكنات والحركات.
ويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل خطرة
ولا تحمل وقتك نَفَساً.
قوله جل ذكره: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ زَبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَمَلَتَبِّكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .
هذه شهادة الحق - سبحانه - لنبيِّه ــ وَّلَ وعلى آله - بالإيمان، وذلك أتمّ له من
إخباره عن نفسه بشهادته .
ويقال آمن الخَلْق كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول - عليه السلام - من
حيث العيان .
ويقال آمن الخَلْقِ بالوسائط وآمن محمد - وَال ـ بغير واسطة.
ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القَدْر فقال: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾،
ولم يقل آمنتَ، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت تريد قلتَ.
ويقال: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ﴾، ولكن شتان بين
إيمان وإيمان، الكلُّ آمنوا استدلالاً، وأنت يا محمد آمنتَ وصالاً .
قوله جل ذكره: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾ .
لکمال رحمته بهم و قفهم علی حد وسعهم ودون ذلك بکثیر، کل ذلك ڕِفق منه وفضل .
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
من الخيرات .
﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ .
ما تكسبه من التوبة التي تُنَجِّي من كسب.
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَيَّنَا
وَلَا تُعَِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٍ﴾ .

١٣٠
تفسير سورة البقرة
كان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة. قالوا: ﴿يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾
[الأعراف: ١٣٤] وهذه الأمة قال لهم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وكانت الأمم (السالفة) إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة، وفي هذه
الأمة قال ول#: ((الندم توبة))(١).
وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وهذه الأمة
اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾
في الحال .
﴿﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾.
في المآلِ.
﴿وَأَرْحَمْنَاً أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ .
في جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على
ما يشغلنا عنك .
ولمَّا قالوا: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ خَسَفَ الله
ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم
الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة.
والحمد لله رب العالمين.
(١) أخرجه ابن ماجه في (السنن ٤٢٥٢) وأحمد بن حنبل في (المسند ٣٧٦/١، ٤٢٣، ٤٣٣) والبيهقي
في (السنن الكبرى ١٥٤/١٠) والحاكم في (المستدرك ٢٤٣/٤) والحميدي في (المسند ١٠٥) وأبو
حنيفة في (جامع مسانيد ٩٨/١) وابن حجر في (فتح الباري ١٠٣/١١) والطبراني في (المعجم
الصغير ٣٣/١) وابن عبد البر في (التمهيد ٤٥/٤) والمنذري في (الترغيب والترهيب ٤ / ٩٧، ٩٨)
والبغوي في (شرح السنة ٩١/٥) والطحاوي في (مشكل الآثار ١٩٩/٢) والشجري في (آمالي ١/
١٩٥، ١٩٦) والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٩٩/١٠، ٢٠٠) وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٢٥١/٨ -
٣١٢، ٣٩٨/١٠) والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٠٣٠١ - ١٠٣٠٣) وابن عساكر في (تهذيب
تاريخ دمشق ٣٤١/٣) والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٩٧/٧) والعراقي في (المغني عن
حمل الأسفار ٣/٤) وابن عراق في (تنزيه الشريعة ٤٣٦/٢ - ٧٩٧) والهروي (١٠٩/٤) (وصاحب
شرح معاني الآثار ٢٩١/٤) والسيوطي في (الدر المنثور ٤٤/٥) والسهمي في (تاريخ جرجان ٧٣،
١٦٢) وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان ١٤٠/١ - ٢٠٩) والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٤٠٥/٩)
وابن أبي حاتم الرازي في (علل الحديث ١٨١٦ - ١٨٤١ - ١٨٨٩ - ١٩١٨) والعجلوني في (كشف
الخفاء ٣٥/١) وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٢٠٣/١، ١٣٢٩/٤ - ١٣٨١ - ١٣٦٤ -
١٤٩٩، ٢٦٦٨/٧).

السورة التي يذكر فيها آل عمران
اختلف أهل التحقيق في اسم ((الله)) هل هو مشتق من معنّى أم لا؟ فكثير منهم
قالوا إنه ليس بمشتق من معنى، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص يجري في
وضعه مجرى أسماء الأعلام في صفة غيره، فإذا قرع بهذا اللفظ أسماء أهل المعرفة
لم تذهب فهُومُهم ولا علومهم إلى معنى غير وجوده سبحانه وحقه. وحقُّ هذه القالة
أن تكون مقرونة بشهود القلب فإذا قال بلسانه ((الله)) أو سمع بآذانه شهد بقلبه ((الله)).
وكما لا تدل هذه الكلمة على معنى سوى ((الله)) لا يكون مشهودُ قائلها إلا ((الله))
فيقول بلسانه ((الله))، ويعلم بفؤاده ((الله))، ويعرف بقلبه ((الله))، ويحب بروحه ((الله))،
ويشهد بسره ((الله))، ويتعلق بظاهره بين يدي الله، ويتحقق بسرّه الله، ويخلو بأحواله لله
وفي الله؛ فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن يصير محواً في الله لله
بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله الرحمن الرحيم استبقاءً لمهجتهم أن
تتلف، وإرادةً في قلوبهم أن تنقى؛ فالتلطفُ سُنَّة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية .
قوله جل ذكره: ﴿الَّ اللَّهُ﴾.
أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت في أسر الغفلة لا
تهتدي إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكافٍ بما ينصرك، فبغير سؤالك
- بل بغير علمك بحالك ــ يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب.
والإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفيّ السرِّ حتى أنه لا يظهر عليك محل
المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطُّلْبَةِ من
الأولياء، فلا يتحرك في العالمٍ شيء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى
أن قائلاً لو قال في قوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] إن ذلك الشأن تحقيق
مراد الأولياء - لم يكن ذلك ببعيد.
ويقال تفرَّق عن القلوب - باستماع هذه الحروف المقطعة التي هي خلاف عادة
الناس في التخاطب - كلُّ معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حِسِّ أو
اجتهاد، حتى إذا خلت القلوبَ عن الموهومات والمعلومات، وصفَّى الأسرار عن
١٣١

١٣٢
تفسير سورة آل عمران
المعتادات والمعهودات يَرِدُ هذا الاسم وهو قوله: ((الله)) على قلبٍ مقدَّسٍ من كل
غَيْرٍ، وسِرُ مصفى عن كل كيف؛ فقال: ﴿الَّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ الْقَيُّومُ﴾.
فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك
رقيبُ سِرِّك؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك، وفي الجملة -
كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك.
قوله جل ذكره: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ﴾ .
وما كنتَ يا محمد تدري ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار
أزليّ فألقاك في أمرٍ عجيبٍ شأنُه، جَلِيٍّ برهانُه، عزيزِ محلُّه ومكانُه.
﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّ﴾ .
أي محققاً لموعوده لك في الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام.
﴿وَنَزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِيلٌ مِن قَبْلُ هُدَى لِلنَّاسِ وَلَ اَلْقُرْقَانُ﴾.
أي إنا وإن أنزلنا قبلك كُتُبَنًا على المرسلين فما أخْلَيْنا كتاباً من ذِكْرِكْ، قال
قائلهم :
وعندي لأحبابنا الغائبين صحائفُ ذِكرُك عنوانُها
وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ الَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ .
وهو ذُلُّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون.
﴿وَاَللَّهُ عَزِيزٌ﴾ على أوليائه ﴿ذُو أَنْثِقَامٍ﴾ من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن
لا یجدہ ۔ کثیراً ۔ أحد .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَتٌْ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾.
لا يتنفس عبدٌ نَفَساً إلا والله سبحانه وتعالى مُخْصِيه، ولا تحصل في السماء
والأرض ذرة لا وهو سبحانه مُحْدثِهُ ومُبْدِيه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو
متوليه .
هذا على العموم، فأمَّا على الخصوص: فلا رَفَعَ أحدٌ إليه حاجةً إلا وهو
قاضيها، ولا رجع أحدٌ إليه في نازلة إلا وهو كافيها.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِدُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَأُ﴾ .
هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدَّر أحوالكم في الأزل كيف
شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة .

١٣٣
تفسير سورة آل عمران
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَهِزُ لْحَكِيمُ﴾.
فلا يُعَقَّبُ حكمهُ بالنقض، أو يُعَارَضُ تقديره بالإهمال والرفض.
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَّكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ
مُتَشَبِهَْ فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيِ، وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِلَهُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلِّ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ ◌ِنْ عِنْدِ رَيْنَاً وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَِ﴾ .
جَنَّسَ عليهم الخطاب؛ فمِنْ ظاهرٍ واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله.
القِسْم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقِسْم الثاني لصيانة الأسرار عن
اطلاع الأجانب عليها، فسبيلُ العلماء الرسوخُ في طلب معناه على ما يوافق الأصول،
فما حصل عليه الوقوف فمُقَابَلٌ بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلَّموه
إلى عالم الغيب .
وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من
لائح التعريفات بَنَوْا (عليه) إشارات الكشف.
إنْ (طولبوا) باستدامة الستر وطيّ السّر تخارسوا عن النطق، وإن أُمِروا بالإظهار
والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمَّا الذين أَيُّدوا بأنوار البصائر
فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف
التحقيق، فتتقسم بهم الأحوال وتَتْرجَّمُ بهم الظنون، ويطيحون في أودية الرَّيْبِ
والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلاً على جهل، ونفوراً على شك.
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَةُ: إِلَّا الَّهُ﴾.
ومَنْ وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل
عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففي صحبة
التذكر، لظهور البراهين و( .... )(١) أحكام التحصيل.
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ
اُلْوَهَّابُ﴾.
ما ازدادوا قرباً إلا ازدادوا أدباً، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب
ويقال حين صدقوا في حسن الاستغانة أُمِدُّوا بأنوار الكفاية.
قوله جل ذكره: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنََّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ
اَلْمِيعَادَ﴾.
(١) بياض في الأصل.

١٣٤
تفسير سورة آل عمران
اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغداً جمع الكافة لمحل الثواب
والعقاب، اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغداً جمع الأبشار الشهود
الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًاً
وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ .
فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يُقبَلُ منهم، ولا حجاب يُرفَع
عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يُسَعَّرُ الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد
الحميم .
قوله جل ذكره: ﴿كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَقِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُبِمٌ
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ .
أصرُّوا في العتوِّ على سَنَنهم، وأدَمْنَا لهم في الانتقام سَنّنَا، فلا عن الإصرار
أقلعوا، ولا في المَبَارِ طَعِمُوا، ولعمري إنهم هم الذين نَدِموا وتحسَّرُوا على ما قدَّموا
- ولكن حينما وجدوا البابَ مسدوداً، والندمَ عليهم مردوداً.
قوله جل ذكره: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُّغْلَُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّةٌ وَيِفْسَ الْمِهَادُ﴾.
أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق في الآجل(١)، ولا تكون لهم لذةُ عيشٍ في
العاجل، والذي يلقونه في الآخرة من شدة العقوبة بالحُزقة فوق ما يصيبهم في الدنيا
من الغيبة عن الله والفرقة، ولكن سَقِمتْ البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.
قوله جل ذكره: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِشَتَبْنِ الْتَّقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِّلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَبْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
كَمِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ .
إذا أراد اللَّهُ إمضاءَ أمرٍ قلَّل الكثير في أعين قوم، وكثّر القليل في أعن قوم،
وإذا لبّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم
انسداد بصائرهم .
قوله جل ذكره: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَكُمُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيِّ وَاللَّهُ
عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ .
(١) يشير القشيري إلى سورة آل عمران الآية (٧٧): ﴿لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا
بزكبهم﴾ .

١٣٥
تفسير سورة آل عمران
يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو في معناها، وفي الجملة ما يحجبك
عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق في هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء
الطاعات على وجه الاستحلاء معدودٌ عندهم في جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع
المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه في حال ما يناجيك
يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك فيطريك وتحتها خُدَعٌ خافية. ومن أدركته السعادة
كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا)(١) بإثباته في لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله
وإقباله .
قوله جل ذكره: ﴿﴿ قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّنِ ذَلِكُمُّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا أَلْأَنْهَرُ خَطِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَفَرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِنَ اللهِّ وَاللهُ بَصِيرٌ بِلْعِبَادِ﴾.
بيَّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى
وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العُلى، والله بصير بالعباد؛ أنزل كل قوم مَنْزِلَه،
وأوصله إلى ما لَهُ أَهَّله.
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبيَّنَا إِنَّاَ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك
ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليَّة، والقِسَم المُرضيَّة .
قوله جل ذكره: ﴿الصَِّينَ وَالضَدِينَ وَالْقَدِنِينَ وَالْمُفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾.
الصبرُ حبسُ النَّفْسِ، وذلك على ثلاث مراتب:
صبر على ما أُمرَ به العبد، وصبر عما نُهي عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان
حكمه على ما يريد؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجومَ ما لا تستطيعه(٢) .
فإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً (٣) لا
صبر ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله.
و﴿ وَاُلْقَلِنِينَ﴾، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله.
و﴿ وَأْمُسْتَغْفِنَ﴾ عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله.
ويقال: ﴿اُلصََِّّينَ﴾ بقلوبهم و﴿ وَالضَدِينَ﴾ بأرواحهم و﴿ وَالْقَلْنِتِينَ﴾ بنفوسهم،
و﴿ وَالْمُسْتَغْفِينَ ﴾ بألسنتهم.
(١) ربما تكون (لا) زائدة.
(٢) انظر الرسالة القشيرية ص٧٨.
(٣) انظر الفرق بين الرضا والصبر في الرسالة القشيرية، فصل الصبر ص ١٨٣ - ١٨٩، وفصل الرضا
ص١٩٢ - ١٩٧.

١٣٦
تفسير سورة آل عمران
ويقال ((الصابرين)) على صدق القصود ((الصادقين)) في العهود ((القانتين)) بحفظ
الحدود و((المستغفرين)) عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد.
ويقال (الصابرين)) الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا
من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى
وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى.
و((الصادقين)) الذين صدقوا في الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم
صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا .. فترتيبهم
قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود.
و((القانتين)) الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا
المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب.
و﴿ وَالْمُفِقِينَ﴾ الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم
من الأموال)، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في
العاجل والآجل، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام
والاستئصال(١).
و﴿ وَأْمُسْتَغْفِنَ﴾ عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور
الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجرَّ يظهر في الأقطار.
قوله جل ذكره: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
أي عَلِمَ اللَّهُ وأخبر اللَّهُ وحَكَمَ اللَّهُ بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق
بأنه الحق، وأوّلُ مَنْ شهد بأنه اللَّهُ - اللَّهُ، فشهد في آزاله بقوله وكلامه وخطابه
الأزلي، وأخبر عن وجوده الأحدي، وكونه الصمدي، وعونه القيومي، وذاته
الديمومي، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدي. فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ ثم في آباده،
(شهد الله)) أي بيَّنَ اللَّهُ بما نَصَبَ من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من
الآيات، وأبدى من البينات. فكلُّ جزءٍ من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم
أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار في (ثاني)
وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات في المَحَالُ متعاقبة - فهو لوجوده
(١) الاستئصال ما عبر عنه القشيري قال: كأس وأي كأس تصطلمهم عنهم وتفنيهم، وتخطفهم منهم ولا
تبقيهم كأس لا تبقي ولا تذر، تمحوهم كلياً ولا تبقي شظية من آثار البشرية، كما قال قائلهم:
ساروا فلم يبق لا رسم ولا أثر
(الرسالة القشيرية ص٧٦).

١٣٧
تفسير سورة آل عمران
مُفْصِحٍ، ولربوبيته موضَّح، وعلى قِدَمِه شاهد، وللعقول مُخْبِر بأنه واحد، عزيز
ماجد، شهد سبحانه بجلال قَدْره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود ولا عرفان
لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا
شِرْك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول
للمزدوجات، ولا فضول باختلاف الآفات.
قوله جل ذكره: ﴿ وَالْمَلَبِكَهُ﴾ .
لم يؤيِّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيَّدُهم، حين وفَّقَهم
بشهادة وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيته أرشدهم.
قوله جل ذكره: ﴿وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ .
وهم أولياء بني آدم إذا علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث
قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم
يدركوه - اليوم - ضرورة وحِسَّاً، لم يعتقدوه ظنّاً وحَدْساً؛ تعرَّف إليهم فعرفوه،
وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقُلْ لهم إنه مَنْ هو لَمَا عرفوا مَنْ هو.
ولكنَّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والمُوَحِّدُون يشهدون بعد خمودهم؛
فهم كما قيل :
مُسْتَهْلَكُون بقهر الحق قد هَمَدُوا واستُنْطِقُوا بعد افتنائهمُ بتوحيد
فالمُجْرِي عليهم ما يبدو منهم - سواهم، والقائمُ عنهم بما هم عليه وبه -
غیرُهم، ولقد کانوا لکنھم بانوا، قال قائلهم:
كتابي إليكم بعد موتي بليلة
ولم أدرِ أنّي بعد موتي أكتب
وأولو العلم على مراتب: فَمِنْ عالِم نَعْتُه وفَاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء
وربانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامّه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم
يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته
ويستقوي حججه وتوحيده بحديث يخرجه ( .... )(١)، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم
كاشفه فقهره، فالاسم باقٍ، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم:
فنعت الخلق فيهمو مستورُ
بنو حق غدوا بالحق صرفاً
وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند عِلْمِهم بأنفسهم،
فأما أعمالهم أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق
(١) بياض في الأصل.

١٣٨
تفسير سورة آل عمران
لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالاً بالغير ولا انفصالاً عن الذات،
تقدَّس الحق عن كل ضدِ وندٌ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك
وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغَبَر.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ .
الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يُلَقِّيه -
هو الإسلام.
والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على
صاحبه مسدود .
قوله جل ذكره: ﴿وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْمِلْمُ بَغْيَا
بَيْنَهُمَّ وَمَن يَكْفُرُ بَِايَتِ اَللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على
الجحود، لأنهم حُجِبُوا عن محل الشهود.
قوله جل ذكره: ﴿فَإِنْ حَلْجُوَكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَالْأُمِنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدٍ أَهْتَدَواْ وَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُّ وَاللَّهُ بَصِيرً
بالْعِبَادِ﴾
طالِغْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين
أطوارهم؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص
به كل واحد من الكل ـ واحدٌ.
فاذعُهم جهراً بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر، واشغل لسانك بنصحهم،
وفرِّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سِرَّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم
إلا البلاغ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان - أخبرهم بأن إعراضنا
عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان
والحرمان إلى العقوبة والنيران .
قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم
مِّن نَّصِرِن﴾.

١٣٩
تفسير سورة آل عمران
أولئك الذين ليس لهم - اليومَ - توفيق بأعمالهم، ولا غداً تحقيق لآمالهم، وما
ذلك إلا لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عِزَّنا وقدرتنا.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْحِكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَوْلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .
امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أُمِزْتَ فيهم،
واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولي عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي
بسابق الإرادة .
قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَانُواْ لَنْ تَمَشَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَّهُمْ فِ دِينِهِمِ مَا
كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ .
عاقبناهم في الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب،
وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون.
ظن المخطئون حكماً ...
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
يُقْلَمُونَ﴾ .
هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهة عقولهم
ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى
تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام
والإيجاب، وما في هذا الباب.
وقيامةُ الكفار يومَ الحشر، وقيامة الأحباب في الوقت، ولِشَرْحِ هذا تفسير طويل.
قوله جل ذكره: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ .
((اللهم)) معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم
الحق كيفية الثناء على الحق، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ: يا مالكَ
المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ، ولا ظهير ولا قرين، ولا مُقَاسِمَ لكَ في الذات، ولا
مُسَاهِمَ في الْمُلْك، ولا مُعَارِضَ في الإبداع .
﴿تُؤِْ اَلْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشَاءٌ﴾ .
حتى نعلم أن الملك لك، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له، ومنزوعٌ المُلْكُ
ممن تكبِّر عليه؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق، وِزُّهم في محوهم فيه، وبقاؤهم
في فنائهم به .

١٤٠
تفسير سورة آل عمران
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ .
بعز ذاتك .
﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشٌَّ﴾.
بخذلانك .
وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك
وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعزُّ من تشاء بأن
تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من
تشاء بأن تشغله عنك. ونعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة
نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أنسه وتذل من تشاء بطوارق (١) نفسه. وتعز من تشاء
ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك .
و﴿تُؤْنِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يشد نطاق خدمتك، ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشَاءٌ﴾ بنفيه
عن بساط عبادتك. تؤتي الملك من تشاء بإفراد سِرّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن
تربط قلبه بمخلوق، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ قَشَآءُ﴾ بإقامته بالإرادة، ﴿ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَأٌَ﴾ يردّه إلى ما
عليه أهل العادة .
﴿بِيَدِّكَ الْخَيْرِّ﴾.
ولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب، وتفاؤلاً بذكر الجميل، وتطيراً من ذكر
السوء.
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
من الحجب والجذب، (والنصرة)(٢) والخذلان، والأخذ والرد، والفرق
والجمع، والقبض والبسط .
قوله جل ذكره: ﴿تُوِيُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَنَّ مِنَ الْمِيْتِ
وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْعَنِّ وَقَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
تولج الليل في النهار حتى يَغْلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد فلا يَبْقَى من آثار النفس
وظلماتها شيء، وتولج النهار في الليل حتى كأن شموسَ القلوب كُسِفَت، أو كأن
الليل دام، وكأن الصبح فُقِد.،
وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فَتَّاً،
وعُودُ القلوبِ صار غضّاً طريّاً.
(١) الطوارق: (ج) الطارق: الآتي ليلاً.
(٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.