النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تفسير سورة البقرة فإن مَنْ سَالَم نَفْسَه فَتَرَ عن مجاهداته، وذلك سبب انقطاع كل قاصد، وموجِبُ فترةٍ کل مرید . و ﴿خُطَوَاتِ الشَّيْطَنَّ﴾ ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام المعاملة، وتركِ نزعاتٍ لا عِبْرة بها، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها، بل كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ ﴾ [القصص: ٧] ثم أَبْصِرْ ما الذي فعل به حين أَلْقَتْه، وكيف ردَّه إليها بعدما نجَّاه. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْكُمُ الْبَيْنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾. الزَّلةُ الواحدةُ بعد كشف البرهان أقبحُ منِ كثيرٍ منها قبل ذلك، ومَنْ عُرِفَ في الخيانة لا يُغْتَمد عليه في الأمانة. ومحنة الأكابر إذا حلَّت كان فيها استئصالهم بالكلية . قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الَّهُ فِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَحَامِ وَالْمَتِكَةُ﴾. استبطأ القومُ قيامَ الساعةِ فأُخبروا عن شدة الأمر إذا قامت الساعة بتفصيل ما ذكر. وتلك أفعال في معنى الأحوال، يظهرها الله سبحانه بما يزيل عنهم الإشكال في علو شأنه سبحانه وتعالى، ونفاذ قدرته فيما يريد. ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى الَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير السابق. ولقد استغنت قلوب الموحدين لما فيها من أنوار البصائر عن طلب التأويل لهذه الآية وأمثالها إذ الحق سبحانه مُنَزَّهُ عن كل انتقال وزوال، واختصاص بمكان أو زمان، تقدس عن كل حركة وإتيان . قوله جلّ ذكره: ﴿سَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ كُمْ ءَاتَيْتَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيِنَةٍ وَمَن يُبَدِلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَانِ﴾ . فائدة السؤال ليقرر عليهم بالسؤال الحجة، لا ليُقرِر للرسول # بسؤالهم ما أشكل عليهم من واضح المحبة . ﴿وَ مَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ بزوال تلك النعمة. وعند. ذلك يعرفون قدرها، ثم يَنْدُبُونها ولا يصلون إليها قط، قال قائلهم: ستهجرني وتتركني فتطلبني فلا تَجَدٍ قوله جلّ ذكره: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . مكروا فلم يشعروا، وحملهم اشتداد الظلمة على بصائرهم على الوقيعة في ١٠٢ للبر سورة البقرة أوليائه سبحانه، والسخرية منهم، وحين تقشعت غواية الجهل عن قلوبهم ..... ) (١) علموا مَنْ الخاسر منهم مِن الذي كان في ضلال بعيد. قوله جلّ ذكره: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَِّنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ، وَأَنَزَ. مَعَهُمُ اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُم بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أَومٌ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيً بَيْنَهُمٌّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْبِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . يعني الغيبة عن الحق جمعتهم، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رزقوا من أنوار البصيرة وحُرٍموها. ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديمة ويمجيء الرسل تهود قوم وتَنَصَّر قوم، ثم في العاقبة يُرَدُّ كل واحد إلى ما سبق له من المدير ، وإن الناس اجتمعوا كلهم في علمه سبحانه ثم تفرَّقوا في حكمه، فقوم هداهم وقود أغوهم، وقوم حجبهم وقوم جذبهم، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان، علا من المقبولين أمر مكتسب، ولا لمردُ المردودين سبب، بل هو حُكْمُ بُتَّ وقضاءٌ حُرٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمَ حَيِبْتُمْ أَنْ تَدْخَلُواْ الْمَنَآَ مَ نَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاِ هِ نَبْدَهُ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَلَّهُ وَزُلْوِنُواْ حَتَّى يَقُولَ الَّسُولُ وَالَّذِينَ مَاهُمْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَا إِنَّ مَصْرَاللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . خلق الله الجنة وحقّها بالمصاعب، وخلق النار وحفّها بالشهوات والرغائب، قمن احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. ثم إن الحق سبحانه ابتنى الأولين بسون من مقاساة الشدائد، وكلّ من الْحِقّ بهم من سند الأولياء أدخلهم في سِلْكهم، وأدرجهم في غمارهم، فمن ظنَّ غير ذلك فسراب , ماء، وحكم لم يحصل على ما ظنه تأويلاً. ولقد مضت شنَّة الله سبحانه مع الأولياء أيام لا يُنيخُون بعضوة الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس، فحين طال بهم التَرَقُّبُ صَادَفَهم اللطفُ بغتةً راحفق لهم المُبْتَغَى فجأة، قال نعثر: ﴿أَهْ إِنَّ نَصْرَ أْنَّهِ غَرِيبٌ﴾. قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَّا أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَرِيَةِ، وَالْأَقْبِينَ وَأَلْتَى وَالْسَسِكِينِ وَأَبْنِ اَلْسَكِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ حَبْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيٌ﴾ . علموا أن العبد غير سعردٍ بالفاعلية أن يفعل، فإنَّ العبد ليس له فعل شيء إلا بإذن مولاه فتوقفوا في الإنفاق على ما يشير إليه تفصيل الإذن، لأنَّ العمرديّة الوقوفُ حيثما أوقفك الأمر. (١) بياض في الأصل. ١٠٣ تفسير سورة البقرة ويقال لم ينفقوا على إشارات الهوى. وإنَّ ما طالعوه تفاصيلُ الأمر وإشارات الشرع. والواو في هذه الآية في قوله: ﴿وَأُلْأَقْرَِّينَ وَاَلْتَكَ﴾ تشير إلى نوعٍ من الترتيب؛ فالأولى بمعروفك والداك ثم أقاربك ثم على الترتيب الذي قاله . قوله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيِْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّهُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . صعبت على النفوس مباشرة القتال، تبيَّن أن راحات النفوس مؤجلة لأنها في حكم التأديب، وبالعكس من هذا راحات القلوب فإنها معجلة إذ هي في وصف التقريب، فالسعادة في مخالفة النفوس؛ فمن وافقها حاد عن المحبة المثلى، كما أن السعادة في موافقة القلوب فمن خالفها زاغ عن السُنَّة العليا. وبشرى ضمان الحق باليُسْر أَوْلَى أن تُقْبَل من محذرات هواجس النفوس في حلول العسر وحصول الضر. قوله جل ذكره: ﴿يَبْشَلُونَكَ فِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ إِثَالٍ فِيَّةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَذُّ عَنْ سَدِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِّ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ . من المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب في المعنى، فسوء الأدب على الباب لا يُوجِب ما يُوجبه على البساط، فإذا حصلت الزلة بالنَّفْس فأثرها بالعقوبة المؤجلة وهي الاحتراق، وإذا زلّ القلب فالعقوبة معجلة وهي بالفراق: وأثر الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة على النفوس، فإن النفس عن الحظ تبقى، والقلب عن الحق يبقى . قوله جل ذكره: ﴿وَلَ بَالُوْنَ يُقَدِلُونَّهُمْ حَقَّ يَرَدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِ أُسْتِبَادِقُواْ وَمَ: يَرْتَدِدْ مِنْثُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَثُرَ كَافِرٌ فَأُوْنَكَ حَرَتْ أَعْمَذْهُمْ فِى النُّهْرَا وَ الْأَخِرَّةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارُ هُمْ فِهَا خَلِدَرْتَ﴾ . الإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا رأودوك أرادوا صَرْفَكَ إلى ما هم عليه من الغفلة، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك: ومَنْ فسخ مع الله عهده مَسخَ قلبه . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. إن الذين صدقوا في قصدهم، وأخلصوا في عهدهم، ولم يرتدوا في الإرادة على أعقابهم، أولئك الذين عاشوا في رَوحِ الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ودار اللقاء. ١٠٤ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّ﴾ . الخمر ما خامر العقول، وكما أن الخمر حرام بعينها فالسُكْر حرام بقوله وَ الر: (حُرُّمت الخمر بعينها، والسُكْر من كل شراب))(١)، فمن سَكِرَ من شراب الغفلة استحق ما يستحق شارب الخمر من حيث الإشارات، فكما أنَّ السكران ممنوع من الصلاة فصاحب السُكْر بالغفلة محجوب عن المواصلات وأوضح شواهد الوجود، فَمَنْ لم يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّب. ومعنى القمار موجود في أكثر معاملات أهل الغفلة إذا سلكوا طريق الحِيّل والخداع والكذب في المقال. وبذلُ الصدقِ والإنصاف عزيزٌ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ اْلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَّ فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَؤُ﴾ . قيل العفوُ ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص يخرجون من فاضل أموالهم عن قدر كفاياتهم، فأمَّا خواص الخواص فطريقهم الإيثار وهو أن يُؤثِر به غيرَه على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثر به غيباً . قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَشَمَّ قُلْ إِصْلَاحُ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. إصلاح حالهم بما يكون فيه تأديبهم أتّمّ من إصلاح مالهم، ثم الصبر على الاحتمال عنهم مع بذل النصح، و (مفارقة المال مَنْ مِنْ إرشادهم خير من الترخص بأن يقول إنه لا يتوجه على فرضيهم)(٢). قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . فيُعاملُ كلاً على سواكن قلبه من القُصُود لا على ظواهر كَسْبِه من جميع الفنون . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَقْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌٍ تُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهُ وَيُبَيْنُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ﴾. (١) أخرجه أبو حنيفة في (جامع مسانيد ٢/ ١٨٣، ١٨٤). (٢) ما بين قوسين عبارة مضطربة . ١٠٥ تفسير سورة البقرة صلة حبل الدين والتمسك بعصمة المسلمين أتم من الرضا بأن تنتهي إلى أحدٍ يسلك إلى الكفر، ولئن كانت رخصة الشريعة حاصلة في فعله فإشارة الحقيقة مانعة من حيث التبرئة عن اختياره، هذا في الكتابيات اللاتي يجوز مواصلتهن، فأما أهل الشِرْكُ فحرامٌ مواصلتهم قطعاً، وأوجهُ مباينتهم في هذا الباب حُكْمٌ جَزْمٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ اَلْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهَّ﴾ . ليس كل ما يكون موجب الاستحياء والنفور مما هو باختيار العبد، فقد يكون من النقائص ما ليس للعبد فيه كسب، وهو ابتداءً حكمُ الحق، فمن ذلك ما كتب الله على بنات آدم من تلك الحالة، ثم أُمِزْنَ باعتزال المُصَلَّى في أوان تلك الحالة، فالمصلّى مناج ربَّه، فَيُحيِّن عن محل المناجاة حكماً من الله لا جُزْماً لهن. وفي هذا إشارة فيقال: "إنهن ــ وإنْ مُنِعْنَ عن الصلاة التي هي حضور بالبدن فلم يحجبن عن استدامة الذكر بالقلب واللسان، وذلك تعرض بساط القرب، قال # مخبراً عنه تعالى: ((أنا جليس من ذكرني))(١). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَهْرِنَ﴾. يقال يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. ويقال التوابين من الزلة، والمتطهرين من التوهم أن نجاتهم بالتوبة . ويقال التوّابين من ارتكاب المحظورات، والمتطهرين من المساكنات والملاحظات . ويقال التوابين بماء الاستغفار والمتطهرين بصوب ماء الخجل بنعت الانكسار. ويقال التوَّابين من الزلة، والمتطهرين من الغفلة . ويقال التوَّابين من شهود التوبة، والمتطهرين من توهم أن شيئاً بالزلة بل الحكم ابتداء من الله تعالى. قوله جلّ ذكره: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُ، وَأَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّكُم مَُّقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لمَّا كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا كان على وصف الإذن، فلمَّا كانت القلوب في محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى جميع الأغيار والمخلوقات . (١) أخرجه العجلوني في (كشف الخفاء ٢٣٢/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٨٧/٦)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٢٤). ٠٦ تفسير سورة البقرة ﴿وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ من الأعمال الصالحة ما ينفعهُم يوم إفلاسكم، لذلك، قال: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُلَقُوهُ﴾ فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِأَلْنَفِهِمْ أَرْفَ تَبَرُأُ وَتَتَّقُواْ وَتُهُ: بِحُواْ بَيْنَ اَلنَّاسِنٌ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . نزهوا ذكْرَ ربكم عن ابتذاله أي حظ من الحفوظ. ويقال لا تجعلوا ذكر الله شركاً نه قار به حطام الدنيا. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا يُؤَاخِذُ كُ اللّهَ يَأْلِوٍ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ أَبِهِمْ، يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَغُورُ حَلِيمٌ﴾ . ما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس ل كثير خطر في الخير والشر، ولكن ١٠ انطوت عليه الضمائر، واحتوت عليه السرائر، من قصود صحيحة، وعزائم قوية فذلك الذي يوجد به إن كان خيراً فجزاءً جميل، وان كان شراً فعناء طويل. قوله جل ذكره: ﴿لِّلَدِينَ يُؤْلُونَ مِنْ فِسَابِهِمْ تَُُّّ أَرْبَعَةِ أَخْرٍ﴾. إذا كان حق صحبة الأشكال محفوظاً عليك - حتى ذ أَخْلَلْتَ به - وأخَذَكَ بحكمه: فحقُّ الحقُّ أَحَقُّ بأن تجب مراعاته. «فإن فاؤوا) أي رجعرا لى إحياء ما أماتوا، واستدراك ما ضيَّعوا فـ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ فلما تقاصر لسان الزوجة - لكونها أسيراً في يد الزوج - أرَأَر الله - سبحانه - الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ عَزَبُواْ الَّئَقَ فَإِنَّ النَّهَ سَمِيعُ سَبِيرٌ﴾ . إنْ ملَّ حق صحبتها، وأكَّد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره، فإنْ بدا له بادٍ من ندم فلا يُلبس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه طلّقها. ولمَّا كان الفراق شديداً عَزَّى المرآة بأن قال إنه ﴿ السَّمِيعُ﴾ أي سمعنا موحش تلك القالة، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه . قوله جل ذكره: ﴿وَالْمُطَََّّتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ وُرُوَّةٍ﴾ . أمَرَ المطامات بالعِدَّة احتراماً لصحبة الأزواج، بني إنْ انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سَلَفَ من الصحبة، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة؛ فاصبروا حتى يمضي مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حیث لم تقم بنهما صحبة؟ ثم قال جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَى اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ . ١٠٧ تفسير سورة البقرة . يعني!، القطع بينكما تسبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النَّسَبِ. ثم قال جل ذكره: ﴿وَيُ لَّهُنَّ أَحَقُّ بِرَِّنَ﴾ . يعني : سَبَقَ له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع في النكاح من الثلمة. ﴿فِ اْ إِنَّ إِنْ أَرَدُوَاْ إِصْلَهُ﴾ . يعني أن يكون القصدالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها به ما أرجعها. ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالمَخْرُوفِّ﴾. يعني إن كان له عليها حتى ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال. ﴿وَا بَالِ عَلَِّنَّ دَرَجَةُ وَاللّه ◌َزِيزٌ حَكِيمُ﴾ . في الفضيلة، ولهن مزية في الضعف وعجز البشرية. قولَ جلَ ذكره: ﴿اَلْطَّلَزُ مَرَّتَانِ﴾. ندب إلى تفريق الطلاق علا تسارع إلى إتمام الفراق، وفيل في معناه: فذريني مني قليلاً قليلا إِنْ تَبْنَتُ أَنَّ عَزْمَكٍ قتلى ثم قل جلّ ذكره: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعُ فِ أَوْ تَشْرِيحُ إِحْمَا﴾ إمَّا صحبة جميلة أو فُرْدة جميلة. فأُمًا سوء العشرة من لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مَرْضِيٍ في الطريقة، ولا محمود في الشريعة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَجِلُ لَحِكُمْ أَ تَأُذُرْ مِنَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. فإِن في الخبر (العائد في مبته كالعائد في شَيْئِه)»(١) والرجوع فيما خرجتّ عنه خِسَّة. (١) أخرجه البخاري في (الصحيح "١/ ٢١٥)، وأبو داود في (السنن ٣٥٣٨)، والنسائي في (السنن ٦/ ٢٦٦، ٢٦٧)، والرقبى ب٢، وابن ماجه في (السنن ٢٣٨٥)، وأحمد بن حنبل في (المسند ١/ ٣٢٧)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٦/ ١٨٠)، والطبراني في (المعجم الكبير ٣٥٢/١٠، ٤٦/١١، ١٧٩، ٣٢٧، ٣٤٤)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ١٥٣/٤)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٤٦١٦٤، ٤٦١٧٥)، والبغوي في (شرح السنة ٢٩٥/٨)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٣/ ٢٨٨)، والزيلعي في (نصب الراية ١٢٦/٤)، وابن حجر في (فتح الباري ٢٣٤/٥)، والألباني في (إرواء الغليل ٦/ ٦٢)، وابن عبد البر في (التمهيد ٢٤٤/٧)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٦٪ ٤٧٨)، والعقيلي في (الضعفاء ٤٥/٣)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٥٤/٦)، والطبراني في (المعجم الصغير ١١٤/٢)، (وصاحب شرح معاني الآثار ٧٧/٤)، والخطابي في (إصلاح خطأ المحدثين ١٥)، وابن الجارود في (المنتقى ٩٩٣). ١٠٨ تفسير سورة البقرة ثم قال جلّ ذكره: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهٌِ﴾ . يعني إن أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال، فإنَّ النفس تساوي لصاحبها كل شيء، والرجال إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئاً فلا أقلّ من ذلك، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شيء من المال. قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْغَّلِمُونَ﴾. هذه آداب يُعَلِّمكمها الله ويَسُنُّها لكم، فحافظوا على حدوده، وداوموا على معرفة حقوقه . قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ غِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ . الرجلُ يَشُقُّ عليه أن ينكحَ زوجتَه غيرُه فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بُغْية المنع لما بيَّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني لِيَخْذَرَ الطلاق ما أمكنه. ثم قال: «فإنْ طَلَّقَها)) يعني الزوج ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَتَرَاجَعَآَ﴾ يعني تتزوج بالزوج الأول. والإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يُهَوِّن مُقاساة كلٌ شديدة؛ فلو انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسُّر على ما فاتهما من الوصلة، وندما على ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمرأة في هذه الحالة كأنها ( ... ) (١) من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتي على نفسه في احتمال ذلك. ثم قال جلّ ذكره: ﴿إِن ظَنَّ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ الهِّ وَتِلْكَ حُدُودُ الَهِ يُبَيْنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . يعني لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانياً إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه، قال قائلهم : ألا أعود إلى فراقك ثانية ولقد حلفت لئن لقيتك مرةً قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَهُنَّ نَفْسِكُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِجُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا تُنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَمَ نَفْسَهُ, وَلَا تَّخِذُوْ ءَايَتِ اللَّهِ هُوَأْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَّا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِ، وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . تضمنت الآية الأمر بحسن العِشْرة، وتَرْكِ المغايظَة مع الزوجة، والمحك على وجه الدجاج؛ فإِمَّا تخلية سبيلٍ من غير جفاء أو قيامٌ بحق الصحبة على شرط الوفاء. (١) بياض في الأصل. ١٠٩ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْعْرُوفِّ ذَلِكَ يُؤْعَظُظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرُّ ذَلِكُمْ أَزْكَ لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ . تضمنت الآية نهي الأولياء عن مضارتهن، وتركَ حمية الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إن أردن النكاح من دون استشعار الأنفة (١) والحمية. بل إذا رضيت بكفوٍ يخطبها فحرام عليكم ظلمها. والتذويبُ عن أوصاف البشرية بقهر النفس أشدُّ مجاهدةً وأصدقُ معاملة لله . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْوَإِذَاتُ يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنِّ الرَّضَاعَةُ﴾. غايةُ الرحمة التي يُضْرب بها المَثَلُ رحمةُ الأمهات؛ فَأَمَرَ الله سبحانه الأمهاتِ بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حَوْلَين كاملين، وقطعُ الرضاعة عنه قبل الحولين إشارةٌ إلى أن رحمة الله بالعبد أتمُّ من رحمة الأمهات. ثم قال جلّ ذكره: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ . يعني الأب عليه رزقهن وكسوتهن ــ أي المرضعات - بالمعروف. لمَّا يَنْن عنك وَجَبَ حَقَّهُن عليك، فإِنَّ مَنْ لك كله فعليك كله. ثم قال جلّ ذكره: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . إدخارُ المستطاعِ بُخْلٌ، والوقوفُ - عند العجز - عذر. ثم قال جلّ ذكره: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ . في الإرضاع وما يجب عليه . ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِيٍّ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكُ﴾ . يعني الوالد بولده يعني فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود. ثم قوله جلّ ذكره: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَ جُنَاحَ عَلَئِمَاً وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُم بِالْغَرُوفِّ وَنَّقُوا اللَّهَ وَأَعْلَمُوا أَنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . يعني فطاماً قبل الحولين، فلا جناح بعدما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة، وتعليم محاسن الأخلاق في أحكام العسرة وإن من لا يَرْحَم لا يُرْحَم . (١) الأنفة: العزة والحمية. ١١٠ تفسير سورة البقرة وقال ◌َّ لمن ذكر أنه لم يُقَبِّل أولاده: «إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي)» (١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَنَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَ أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا نَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ . لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً، ثم رُدت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوجٍ آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحدٌ كما قيل: وكما تَبْلى وجوهٌ في الثرى فكذا يَبْلَى عليهن الحَزَنْ قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِىّ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَنَّذْكُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُونَأْ﴾ . أبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة، وتأسيس لحال الوصلة. وحرِّمَ منه ما فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عِدةٌ بِجُزْمٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ أَلْنِكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُوُّر ◌َلِيرٌ﴾ . أي تنقضي عدة الأول فإِن حُرمة الماضي لا تضيع. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا جُنَاعَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُمِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَّدَرُهُ مَنَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ إنْ ابتلاءَ تَمَّ بوصيلة أشكالكم ثم بدالكم فلا جناح عليكم في اختيار الفرقة - إذا أردتم - فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته - واحد؛ فأما صحبة الخَلْق بعضهم مع بعض فليس بواجب، بل غاية وصفة أنه جائز. ولمَّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمَّى يجب لهن، فإِن الفراق - كيفما كان - فهو شديد، فجعل ما يستحق من العوض كالخَلفِ لها عند تجرع كأس الفرقة. فإن لم يكن مسمَّى فلا يخلو العقد من متعة؛ فإن تجرع الفرقة - مجرداً عن الراحة - بلاء عظيم. (١) أخرجه أبو داود (أدب ٥٨)، والترمذي (بن ١٦)، وأحمد بن حنبل ٢/ ٣٠١، ٤٤٢، ٤٦١، ٥٣٩. ١١١ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَشُوهُنَّ وَتَذْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِعَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحُ وَأَن تَعْفُوَا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . ثم ذكر أن العفو أتم وأحسن، إمَّا من جهة المرأة في النصف المستحق لها، أو من قِبَل الزوج في النصف العائد إليه . ثم قال جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌِّ﴾ . يقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل بالفرض . ويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل، وإن من سُنَّةِ الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم في اقتناء أسباب الفضل. قوله جل ذكره: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضََّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِينَ﴾ . المحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة، ويخرج بالتعظيم، ويسنديم بدوام الشهود بنعت الأدب، والصلاة الواسطى أيهم ذكرها على البيت لتراعي الجميع اعتقاداً منك لكل واحدة أنها هي لئلا يقع منك تقصير في شيء منها. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًّا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمَّ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ . أي لا تُخِلُوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فإن ما تحسونه من أعدائكم أنا سلّطتُهم عليكم، فإذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم، وجعلت لكم الظفر عليهم، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم باستفراغ أوقاتكم في الاعتكاف بحضرتي سراً وجهراً. قوله جلّ ذكره: ﴿ وَلَِّينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَّدَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةُ لِأَزْوَجِهِم مَّتَدْعًا إِلَى اُلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍّ وَاَللَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ﴾. كانت عِدَّةُ الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَّةً مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك حيث يقول قائلهم: إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومَنْ لبَّاك حولاً كاملاً فقد اعتذر ثم نُسِخَ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ولقد قال قائلهم : قال: لو مِتَّ لم أَعِشْ قلتُ: نافقتَ فاسْكُتِ - ١١٢ تفسير سورة البقرة ماتَ وَجْداً بِمَيِّتِ؟! أي حي رأيتَه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. الإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَِكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . الدلائلَ، فتتأدبوا بما أشير عليكم، وتفلحوا بما تعقلون من إشارات حكمي. قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا بَشْكُرُونَ﴾ . لمّا استبعدوا قدرة الله في الإعادة أراهم في أنفسهم عياناً، ثم لم ينفع إظهار ذلك لِمَنْ لم يشحذ بصيرته في التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أُخْبِرُوا، لِمَا آمنوا به بالغيب. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ الَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ . يعني إنْ مَسَّكم ألمّ فتصاعد منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم، عليم بأحوالكم، بصير بأموركم. والآية توجِبُ تسهيل ما يقاسونه من الألم، وقالوا: إذا ما تمنى الناسُ روحا وراحةً تمنيت أن أشكو إليك فتسمع . قوله جلّ ذكره: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُعَدَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ . سُمّي القرض قرضاً لأنه يقطع من ماله شيئاً ليعطيه للمقترض، والمتصدِّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضاً، فالقرض القطع، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك في باب الصدقة باسم القرض ولفظه . ويقال دلّت الآية على عِظَم رتبة الغَنِيّ حيث سأل منه القرض، ولكن رتبة الفقير في هذا أعظم لأنه سأل لأَجْله القرضَ، وقد يسأل القرض من كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد. وفي الخبر ((مات رسول الله و 8* ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله أَبْصِرْ مِمَّن اقترض ولأجل مَنْ اقترض))(١). ويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العِوَض. ويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة، وإنما يعطى عن شهود. (١) أخرجه البخاري (جهاد ٨٩)، (مغازي ٨٦)، والترمذي (بيوع ٧)، والنسائي (بيوع ٥٨، ٨٣)، وابن ماجه (رهون ١)، والدارمي (بيوع ٤٤)، وأحمد بن حنبل ٢٣٦/١، ٣٠٠، ٣٠١، ٣٦١، ٣/ ١٠٢، ١٣٣، ٢٠٨، ٢٣٨، ٦/ ٤٥٣، ٤٥٧. ١١٣ تفسير سورة البقرة ويقال القرض الحسن من العلماء إذا كان عند ظهر الغني، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه . ويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خَمْسَة، وعلى لسان القوم بذل الكل، وزيادة الروح على ما يبذل. قوله جلّ ذكره: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطْ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ﴾ . يقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله، ويبسط عليهم بسط خَلَفِه . ويقال يقبض الرزق أي يُضَيق، يبسط الرزق أي يوسّع؛ يقبض على الفقراء ليمتحثَهم بالصبر، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر. ويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء، ويبسط لئلا يتقلدوا المِنَّةً من الأغنياء. ويقال قال للأغنياء: إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم. ويقال قَبَضَ القلوب بإعراضه وبَسَطَها بإقباله. ويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء. ويقال القبض لقهره والبسط لِرَّه . ويقال القبض لِسرّه والبسط لكشفِه. ويقال القبض للمريدين والبسط للمُرادين. ويقال القبض للمتسابقين(١) والبسط للعارفين. ويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به . ويقال القبض حقه، والبسط حظك. ويقال القبض لمن تولَّى عن الحق، والبسط لمن تجلى له الحق. ويقال يقبض إذا أَشْهَدَكَ فِعْلَكَ، ويبسط إذا أشهدك فضله. ويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا مِنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَِّ لَهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّ نُقَدِلُواْ﴾ . استقبلوا الأمر بالاختيار، واقترحوا على نبيِّهم بسؤال الإذن لهم في القتال، فلمَّا (١) ربما ((السابقين)) إشارة إلى سورة الواقعة آية ١٠: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾. ١١٤ تفسير سورة البقرة أُجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل، وعرَّجوا في أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد في القتال ذَبًَّ عن أموالهم ومنازلهم حيث: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَمِنَّا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالَِّينَ﴾ . فلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يَخُلُص - لحقُ الله - عزمُهم، ولو أنهم قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، فإنه سيدنا ومولانا، ويجب علينا أمره - لعلَّهم وُفْقُوا لإتمام ما قصدوه. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ ◌ِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْنِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكاً لأنه كان فقيراً لا مال له، فبيَّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق، وأنه وإن عَدِمَ المالَ فقد زاده الله علماً فَفَضَلَكم بعلمه وجسمه، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يُرِذ عظيم البِنْيَة فإن في المثل: ((فلان اسم بلا جسم)) أي ذكر بلا معنى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَنْ يَأْنِيَكُمُ التَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن زَيْكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَا تَرََّكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَتبِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . إن الله سبحانه إذا أظهر نوراً أمدَّه بتأييد من قِبَلهِ، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيِّهم في اختياره، فردّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة، فاتضحت لهم آية ملكه، وأن نبيهم عليه السلام صَدَقَهم فيما أخبرهم . ويقال إن الله تعالى جعل سكينة بني إسرائيل في التابوت الذي رَضُوا عن الألواح، وعصا موسى عليه السلام، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة في قلوبهم، فقال: ((هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين)) ثم إن التابوت كان تتداوله أيدي الأعداء وغيرهم؛ فَمرَّةٌ كان يُذْفَن ومرة كان يُغلب عليه فيُحمّل، ومرة يُرَد ومرة ومرة ... وأما قلوب المؤمنين فَحَالَ بين أربابها وبينها، ولم يستودعها ملكاً ولا نبياً، ولا سماء ولا هواء، ولا مكاناً ولا شخصاً، وقال آلآت: ١١٥ تفسير سورة البقرة ((قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)» (١) يعني في قبضة الحق سبحانه، وتحت تغليبه وتصريفه، والمراد منه ((القدرة))، وشتّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تَسَلُّط وأمةٍ سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه لسنطان. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ◌َالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَفَ غُرْفَةُّ بِيَدِْ﴾. الإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخَلْق بصحبة الخلق وبالدنيا وبالنّفس، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدٌ الاضطرار بمقدار القوام، وما لا بد منه نجا وسَلِمَ(٢)، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط في صحبته مع شيء من ذلك من الدنيا والنفس والخلق بموجب الشهادة والاختيار - فليس من الله في شيء إن كان ارتكاب محظور، وليس من هذه الطريق في شيء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بُدُّ. ثم قال جلّ ذكره: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ . كذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَؤُ هُوَ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيةْ﴾ . فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فَدَاخَلَهم شيء من رعب البشرية، فربط الله على قلوبهم بما ذكّرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِشَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةُ لِإِذْنِ اَللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ . لا بهم ولكن بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَكاً أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَِّّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَِينَ﴾ . كان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو، ثم بعده النصرة عليهم، فإن الصبر حق الحق، والنصرة نصيبهم، فقدَّموا تحقيق حقه - سبحانه - وتوفيقه لهم، ثم وجود (١) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٨/٢، ٩)، وابن أبي عاصم في (السنة ٩٩/١)، والطبري في (التفسير ١٢٦/٣)، وابن عساكر في (تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٦٥)، والبيهقي في (الأسماء والصفات ٣٤١)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٢٥٥٧/٧). (٢) انظر الرسالة القشيرية ص ٨٢، ٨٣. ١١٦ تفسير سورة البقرة حظّهم من النصرة، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم - لا للانتقام منهم لأَجْل ما فاتهم من نصيبهم - ولكن لكونهم كافرين، أعداء الله. فقاموا بكل وجهٍ لله بالله؛ فلذك نُصِرُوا وَوَجدوا الظفر . قوله جلّ ذكره: ﴿فَهَزَمُوهُم بِذْنِ الَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ﴾ . هيب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة في الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدي داود. وكان كما في القصة رَبْعَ القامة غير عظيم الجثة، مختصر الشخص، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه . قوله جلّ ذكره: ﴿فَهَزَمُوهُم بِذْنٍ اَللَّهِ﴾. فلم يبق منهم أثر ولا عين، وقتل داودُ جالوتَ وداود بالإضافة إلى جالوت في الضخامة والجسامة كان بحيث لا تُتَوهَم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم: وقال لي واحدنا معذول استقبلني وسيفه مسلول قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَِّ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمَلَِّينَ﴾ . لو تظاهر الخلق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرَّهم عن قوم. قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. لم يكن في علمك ولا في وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات التي سلفت، وإنما وقَفْتَ عليها بتعريفٍ من قِبَلِ الله سبحانه . قوله جلّ ذكره: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِنْهُم مَن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيِّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسُِ﴾. جمعتهم الرسالة ولكن تباينوا في خصائص التفضيل، لكل واحدٍ منهم أنوار، ولأنوارهم مطارح، فمنهمَّ من هو أعلى نورا، وأتم من الرفعة وفوراً. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم، بل حُكْمٌ بالحسنى أدركهم، وعاقبة بالجمیل تدار کتهم . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ ١١٧ تفسير سورة البقرة اَخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُمْ مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . ولكنهم مُصَرّفون بالمشيئة الأزلية، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار. والعبودية شدُّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنَا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتَِ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ اُلَّلِمُونَ﴾ . يعني اغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان قبل فتور الجَلَّد وانقضاء الأمل. قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوَّ أَلْعَىُّ الْقَيُومُ﴾. (الله)) اسم تفرّد به الحق - سبحانه فلا سمِيّ له فيه. قال الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى ((الله))؟. من اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال . قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾: إخبار عن نفي النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفرادَه، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يُقْبِلْ إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محوّ عما سِوى الله، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ - ألبتة - مساغ. ثم إن هذ القالة تقتضي التحقق بها، والفناء عن الموسومات بجملتها، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق - سبحانه، فلا وصل ولا فصل ولا قُرْبَ ولا بُعدَ، فإن ذلكَ أجمعَ آفاتٌ لا تليق بالقِدَم. وقوله: ﴿الحي القيوم﴾: المتولي لأمور عباده، القائم بكل حركة، و (المحوي)، لكل عين وأثر. ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ لأنه أحدي لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفَرْدٌ لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلْحَقُه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. تَقَدَّس مِنْ جمالِهِ جلالُه، وجلالُه جمالُه، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمدهِ قدَمُه، وقدمه وجوده. ٠ ١١٨ تفسير سورة البقرة قوله جلّ ذكره: ﴿لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ . مِلْكاً وإبداعاً، وخَلْقاً واختراعاً. ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهٍ﴾ . من ذا الذي يتنفس بنَفَس ( ... )(١) إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب - فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه. قوله جلّ ذكره: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمَّ) . لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآَةً﴾ . يعني من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه. فأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزْهُ أَمَد، ولا يدركه حَدٍّ؟ !. قوله جلّ ذكره: ﴿وَسِعَ كُرْسِتُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ . خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته؟ جلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ يَقُوُ حِفْظُهُمَاً وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾. كَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلْقُ الذرة والكونِ بجملته - لو سواء؛ فلا من القليل له تَيَسُّر، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر. قوله جلّ ذكره: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ﴾ . فإن الحجج لائحة، والبراهين ظاهرة واضحة . ﴿َقَد تَبَيِّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفِيَّ﴾ . وامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه، والحقوق الأزلية معلومة، والحدود الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العَدَم. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِلَّهُوتِ﴾ . وطاغوتُ کلّ واحدٍ ما یشغله عن ربه. (١) بياض في الأصل. ١١٩ تفسير سورة البقرة ﴿﴿وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ . والإيمان حياة القلب بالله . ﴿فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْنَى﴾ . الاستمساك بالعروة الوثقى الوقوف عند الأمر والنهي، وهو سلوك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله . ﴿لَا أَنِفِصَ لَا وَاللَّهُ سَيُ عَلِيمٌ﴾ . فمن تحقق بها سراً، وتعلّق بها جهراً فاز في الدارين وسَعِد في الكونين. قوله جلّ ذكره: ﴿ اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. الولي بمعنى المتولي لأمورهم، والمتفرد بإصلاح شؤونهم، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل في معنى المفعول فالمؤمنون يقولون طاعته. وكلاهما حق: فالأول جمع والثاني فرق، وكلُّ جمع لا يكون مقيداً بفرقٍ وكلُّ فرقٍ لا يكون مؤيداً بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل(١) والآية تُحْمَلُ عليهما جميعاً. ﴿يُخْرِجُهُمِ مِنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾. يعني بحكمه الأزلي صائهم عن الظلمات التي هي الضلال والبدع، لأنهم ما كانوا في الظلمات قط في سابق علمه . ﴿﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِسَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾ . ما استهواهم من دواعي الكفر . ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الْقُلُمَتِّ أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . باستيلاء الشُبَه على قلوبهم، فيجحدون الربوبية، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبدياً . ويقال يخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سعة شهود تقديره. ويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يَصِلُون إليه بشيء من سكناتهم وحركاتهم . ويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظِلَّ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته . (١) انظر الرسالة القشيرية ص ٦٤ - ٦٦. ١٢٠ تفسير سورة البقرة ويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم. ويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ فِ رَبِّهِةِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِثْرَهِعْمُ رَنِىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَّا أُخْىِ، وَأَمِيثٌ قَالَ إِنَّهِعِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. عَجَّل الحق سبحانه لأعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة، وهذه العقوبة أشد أثراً في التحقيق - لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم عليه السلام انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى، أَوْضَحَ منها - لا لِخَلَلٍ في الحجة - ولكنْ لقصورٍ في فهم الكافر، ومحكُّ مَنْ سُدَّتْ بصائره عن التحقيق تضييعُ الوقت بلا فائدة تُجدِي، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمرٍ لا بُدَّ منه . قوله جلّ ذكره: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَّ عَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَّةُ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَ يُحِيِ. هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِأْتَةً عَابٍ ثُمَّ بَثَّهُمْ قَالَ كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْبٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَاءٍ فَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَقَسَنَّةً وَأَنْتُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلِنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ تُنْثِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيََّ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . لم يكن لك سؤال جحدٍ، ولا قضية جهل، ولا دلالة شكٍ في القدرة، فإن هذا الخبر عن عُزَيْر النبي عليه السلام، والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الشّكُّ والجهل، ولكنه كان سؤال تعجّب، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين، فأراه الله ذلك في نفسه، بأن أماته ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه، فازداد يقيناً على يقين. وسؤالُ اليقين من الله، والحيلةُ في ردِّ الخواطر المشكلةُ، دَيْدَنُ(١) المتعرفين، ولذلك ( .... )(٢) الله سبحانه عُزيرا في هذه المقالة حتى قدَّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه. ثم قال ﴿واعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك، وأراني من عظيم الآيات ما أزداد به يقيناً؛ فإنَّ طعامه وشرابه لم يتغير! في طول تلك المدة، وحماره مات بلا عظام والطعام والشراب بالتغيير أَوْلى. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ إِزَهِمُ رَبٍ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلٌَّ وَلَكِن لِيَظْمَيِنَ قَّلِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِّنَ الَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ بَأْتِينَكَ سَعْيَأْ وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . (١) الديدن: العادة والدأب. (٢) بياض في الأصل.